قصة

مختارات لـ “أندريس نيومان”

 السعادة/ أندريس نيومان

اسمي ماركوس، ودائماً كنت أتمنى أن أكون كريستوبال. لا أن يكون اسمي كريستوبال. كريستوبال صديقي؛ كنت سأقول الأعز، لكنني سأقول الوحيد.

جابرييلا زوجتي. وتحبني جدًا وتضاجع كريستوبال الذكي، الواثق من نفسه والراقص الرشيق. كما أنه يركب الخيل. يتقن النحو اللاتيني. يطبخ للنساء، ثم يأكلهن. يمكن أن أقول إن غابرييلا طبقه المفضّل.

أحد المتفاجئين قد يظن أن زوجتي تخونني: لا شيء أبعد من ذلك. لقد أحببت دائماً أن أكون كريستوبال، لكنني لا أعيش مكتوف الذراعين. أعلن أنني لست ماركوس. أتعلم الرقص وأراجع كتيبات الدارسين. أعرف جيداً أن زوجتي تعبدني، وعبادتها لي كبيرة، كبيرة، لدرجة أنها تضاجعه، تضاجع الرجل الذي كنت أتمنى أن أكونه. وفي حضن كريستوبال، تنتظرني غابرييلا متلهفة بذراعين مفتوحتين. وأنا غارق في المتعة مع هذا الصبر، متمنياً أن تكون رعايتي بقدر آمالها وأنه ذات يوم، فجأة، ستأتي اللحظة. لحظة العشق المدمر الذي تجهزتْ له طويلاً بخداع كريستوبال، بالتعود على جسده، على طباعه ومتعه، لتكون أكثر راحةً وسعادة عندما أكون أنا مثله، ونتركه وحيداً.

ترجمة: أحمد عبداللطيف.

———————————

 المرأة النمر/ أندريس نيومان

شمّتْ رائحتي كلما اقتربتُ، والتفتتْ. أحاول أن أنبهها إلى أنني لا أهتم بها، غير أني دائماً أبله ومتصنع. هي تلعق رسغيها وساعديها، وتراقبني بحيطة. تستوي في مجلسها فجأة، وتفرد ظهرها، وتتجول في دائرة حولي. أريد أن أستغل حركاتها لألتقط لها صورة أو لأكتب عنها عدة أسطر، أي شيء يجعلني فاعلاً في هذا المشهد. وفي الحال تضجر من محاصرتي وتسير عدة خطوات صوب الحافة. تهرب من الصفحة. مضطربة. ما من شيء ألمع من البقعات بلون المشمش في عنقها، الذي يتمدد وينكمش كلما راقبت مؤخرتها. منذ فترة وأنا أدرسها، وحتى الآن لم أتحقق إلا من شيء وحيد، أنها تنام آخر النهار، تتوه في الليل، وتتطلع من هذا الجانب ظهراً، حينما تشتد الشمس بحرارتها على ظهرها وتحرق حدقتيها الملونتين. ومنذ اليوم الذي عثرت عليها فيه، شاردة، ضاغطةً بنابها في رقة على شفتها، لم أتوقف عن تخيل صيد الحيوانات. من يصطاد من؟ فمها بالطبع يعد بدوران، بدم، بطقس موت رشيق. وسلاحي قلمي: الكافي، على الأقل، للاستسلام بكرامة. رجفة المضطجع، وخطوط بطنه عند التنفس، تغرق نظري، تثير هواجسي. وهديرها العذب لشلال صغير يطاردني عندما أحلم. وعند اليقظة، في المقابل، أحلم بمطاردته. تتمتع بحاسة شمّ حادة، حتى إنها تستسلم للدهشة فوق الصفحة. قد يحتاج الأمر إلى رواية، وربما إلى عدة روايات، للإحاطة بالأمل الذي ينز منها ويُحفظ في لحظة بوسط فقرة ما. لكن لفعل ذلك قد أحتاج إلى دراستها خلال سنوات. وفي نهاية المطاف، كل شيء يكمن في أن تتمكن من خداع النمر. يجبرها الجوع، أحياناً، على الاقتراب بتلصص ساحر ولعق نفسها. وإن كانت لم تهاجمني إلى الآن فذلك لأنها، مؤقتاً، يروقها ما أكتبه، أو على الأقل يداعب مرحها. ومن جانبي، أنا مستعد للتضحية: البقاء في الحياة محض تفاهة… وأعرف جيداً أنني لا أهمها كثيراً، وأنني بالنسبة إليها، بالأساس، لست إلا قطعة لحم. غير أنني أعرف أيضاً أنه إذا مر يومان دون أن نلتقي، تبحث عن أي ذريعة لتعود وتدور في قصتي. حتى إنها أحياناً تمنحني الشرف وتقلم أظافرها أمام عينيّ، وتفركها ببطء متقن في شجرة. وأحياناً ألاحظ كيف تتأخر في ساعة الانصراف، بينما كانت ترسم موجات مغناطيسية بذيلها المنقط. وأكثر من ذلك، أنا على يقين أنها في دورها كحيوان شرس وصامد، تشعر بالوحدة في ليالي القمر المكتمل. وأنها أحياناً، أيضاً، تبذل جهداً وتتذكرني.

—————————–

 الأشياء التي لا نفعلها/ أندريس نيومان

أحب ألا نفعل الأشياء التي لا نفعلها. أحب خططنا الصباحية، عندما يصعد اليوم إلى السرير مثل قط مضيء، خططنا التي لا ننفذها لأننا نصحو متأخرين بعد أن تخيلناها كثيراً. أحب الدغدغة في عضلاتنا، إذ تلمّح إلى التمارين التي نعددها دون أن نمارسها، ولصالات الجيم التي لا نمر بها أبداً، والعادات الصحية التي نستدعيها كأن بريقها، بالرغبة فيه، يصل إلينا. أحب دليل الرحلات الذي تتصفحه بذاك التركيز الذي أقدره جداً، ويضم آثاراً، شوارع ومتاحف لا نصل لوطئها، منبهرين بها فحسب ونحن نتناول قهوة باللبن. أحب المطاعم التي لا نرتادها، أضواء شموعها، طعم أطباقها المتوقع. أحب كيف يصير بيتنا عندما نكتشفه بالتصليحات، بأثاثه الملفت، بغياب حوائطه، بألوانه الجريئة. أحب اللغات التي نتمنى أن نتعلمها ونحلم بتعلمها في العام المقبل، بينما نبتسم تحت الدش. أسمع من شفتيك تلك اللغات العذبة المفترضة، وكلماتك تملؤني بالإقناع. أحب كل الأهداف، المعلنة والسرية، التي لا ننفذها معاً. هذا ما أفضّل أن أقتسمه معك من الحياة. العجيبة المفتوحة في مكان آخر. الأشياء التي لا نفعلها.

——————————–

أم سابقة/  أندريس نيومان

ترجمة: كريم عبد الخالق

دخلت إلى المستشفى تملأني الكراهية والرغبة في تقديم الشكر. يا لهشاشة الغضب. يمكننا أن نصرخ، نضرب أو نبصق على غريب. هو الشخص نفسه الذي، وفقاً لحكمه، واستناداً إلى قوله لنا ما نتوق إلى سماعه، قد نحبه فجأة، نعانقه ونقسم على الولاء له. وهذا سيكون حباً صادقاً. دخلت وأنا لا أفكر في شيء، أفكر في اللا شيء. كنت أعلم أن حاضر أمي، ومستقبلي، يعتمدان على إلقاء قطعة نقدية، وأن هذه القطعة النقدية لم تكن في يدي، ربما لم تكن في يد أي شخص، ولا حتى في يد الطبيب. لطالما اعتقدت أن غياب الإله يخلّصنا من عبء لا يُطاق. مع ذلك، لدى دخولي أو خروجي من أي مستشفى، كنت أتوق دائماً إلى الرحمة الإلهية. تشعّب المستشفيات، وامتلاؤها بالمقاعد، والممرات، والهرمية، وطقوس الأمل، وصمت طوابقها العليا، تجعلها أقرب إلى الكاتدرائيات بالنسبة لنا نحن غير المؤمنين.

دخلت وأنا أحاول التهرّب من التفكير، لأنني كنت أخاف أن ينتهي بي الأمر بالصلاة كمنافق. منحت ذراعي لأمي التي دائماً ما قدمت لي ذراعها حين كان العالم كبيراً وساقاي قصيرتين. هل يمكن أن ينكمش الإنسان بين عشية وضحاها؟ هل يمكن أن يتحول إلى إسفنجة تتشبع بالمخاوف، وتزداد ثقلاً كلّما خسرت حجمها؟ بدت أمي أصغر وأنحف، لكنها أيضاً بدت أكثر ثقلاً عما قبل، كما لو كانت مائلة باتجاه الأرض. يدها المتعرّقة تضغط على يدي. تخيلت ولداً صغيراً عارياً في حوض استحمام، يجلس مترقباً وممسكاً باسفنجة. وأردت أن أقول شيئاً لأمي، لكنني لم أحسن الكلام.

يعتصرنا اقتراب الموت بطريقة قد تجعلنا قادرين على فقدان قناعاتنا، على أن ندعها تنضح منا كالسوائل. هل هذا ضعف بالضرورة؟ ربما هي محاولة أخيرة للمقاومة: أن نصل إلى مكان لم نكن نتوقع أن نصل إليه. الموت يضاعف انتباهنا. يوقظنا مرتين. في الليلة الأولى التي قضيتها مع أمي حين أدخلوها إلى المستشفى، أو حين أدخلت نفسها في دائرتها الخاصة مع نفسها، تأكد لديّ شك ما: بعض أنواع الحب لا يمكن تعويضها. مهما حاول الطفل أن يجازي والديه، سيظل هناك دين دائماً، يرتجف من البرد. لقد سمعتها من قبل، وقلتها بنفسي، أن لا أحد يطلب أن يولَد. لكن الولادة من خلال رغبة شخص آخر هي نوع من الالتزام: شخص ما أعطانا هدية. هدية لم نكن قد طلبناها كما هي عادة الهدايا. ستكون الطريقة الوحيدة المحكمة لرفضها هي أن تقتل نفسك حالاً، دون شكوى. ولن يفكّر أحد في التخلّص من حياته ما دام يرافق أمه المترنحة، المنكمشة إلى المستشفى. تلك الحياة التي قدمتها هي له.

عرفت أن حاضر أمي، ومستقبلي، كانا يعتمدان على رمي قطعة نقدية، وأن هذه القطعة النقدية لم تكن في يديّ، ربما لم تكن في يد أحد، ولا حتى في يديّ الطبيب. ما كان مرض أمي؟ لا يهم. إنه أقل الأمور أهمية. مرض جعلها تمشي كطفلة صغيرة، مقتربة خطوة خطوة من الكائن الأخرق الذي كانته في بداية حياتها. راحت تضيع في أسماء ووظائف أصابعها كما لو أنها في لعبة مستحيلة. اختلطت عليها الكلمات. لم تستطع المشي باستقامة. كانت تنحني كشجرة لا تثق بأغصانها.

دخلنا المستشفى، لم نتوقّف أبداً عن الدخول إليها، نعبر العتبة إلى عالم آخر، حدود داخلها حدود، وحين وصلنا إلى المستشفى ألقى أحدهم القطعة النقدية، وسقطت على الأرض. أساساً، يفقد منطقك التركيز والترابط. لدى المرض مراحله وأعراضه وأسبابه. ليس لدى سقوط العملة النقدية تاريخ أو فروقات ضئيلة. إنه حدث يحرق نفسه، ويحدد نفسه. يمكن للذاكرة أن تعلّق القطعة النقدية، أن تؤخر حكمها، وتعيد تكوين موجاتها أثناء مسارها. لكن هذه الحيل لا تنطلي إلا بعد سقوطها. إذ تنتمي الحركة الأصلية، أو رحلة القطعة النقدية، إلى الحاضر المطلق. ولا يمكن لأحد، كما أعرف ذلك الآن، أن يحزر أثناء سقوط القطعة النقدية.

الإسفنجة، قالت، الإسفنجة أعلى قليلاً، قالت أمي، وهي تجلس في حوض الاستحمام في غرفتها. أعلى، نعم، الإسفنجة، ألحّت عليّ، وانبهرتُ بالمجهود الذي كان عليها بذله كي تتفوّه بهذه العبارة البسيطة. فركت ظهرها بالإسفنجة، رسمتُ دوائر على كتفيها، ومسحت نصلي كتفها، نزولاً إلى عمودها الفقري، وقبل أن أنتهي خططت على جلدها المبلول الكلمات التي لم أكن قادراً على قولها لها حتى الآن، حين عبرنا الحدود معاً.

* نشرت قصّة «أم سابقة» في الترجمة الإنكليزية الأولى لمجموعة «الأشياء التي لا نفعلها» (ترجمة: نيك كيستور ــ 2014) للكاتب الأرجنتيني أندريس نيومان (1977). يحمل نيومان تأثيرات أدبية من أبرز كتاب بلاده مثل بورخيس وكورتثار، إلى جانب أسماء معاصرة كالإسباني بيدرو ثارالوكي. ثمّة مواضيع أساسية في قصصه ورواياته وأشعاره، منها الهوية والعلاقات والذنب والبراءة، والظروف المتطرفة والقاسية التي يكتبها بنظرة فلسفية ساخرة تلامس العبث كما في السرد الإسباني، حيث يعيش ويكتب نيومان حالياً. نالت روايته الأولى Bariloche عام 1998، احتفاء نقدياً من أبرز الأسماء، خصوصاً الروائي التشيلي الراحل روبرتو بولانيو (1953 ــ 2003) الذي كتب «سيجد القارئ الجيد في هذه الرواية، ما يمكن العثور عليه فقط في الأدب العظيم، أي ذلك النوع الذي يكتبه شعراء حقيقيون، أدب يجرؤ على المجازفة في العتمة بعينين مفتوحتين، وتبقيان كذلك مهما حصل»، مضيفاً «أدب القرن الحادي والعشرين سينتمي إلى نيومان وإلى قلة من أشقائه بالدم».

—————————

يومٌ مُشمس

وقد عادت أمي من حيث لا يُعرَف أين، ولا يُعرف كيف. تحوم نسمات الربيع الذي حلَّ قبل أوانه. ترتدي أمي قميص نوم، ليُقال إنه جديد. نَسير يدًا بيد ونتبادل الحديث. يبدو صوتها مرتعشًا وكأنها هدأت لتوها من فزعٍ أصابها. كلٌّ يبدو مُنعكسًا على مياه ساكنة ولكنها تحمل آثار موجات سابقة، وأحجارًا قد تساقطت. أقلَعت أمي عن التدخين، وكما تُخبرني، صارت تتنفس بشكلٍ أفضل. تتنفس تاركة الرياح تقتحمها وتخرج منها. تتنفس على نحوٍ جيدٍ حتى إننا، على حين غرة، رحنا نُسرع من وتيرة خطواتنا… نُسرع ضاحكين حتى أضحى من الصعب أن نواصل تشابُك أيدينا. «إنكِ لَخفيفة الحركة»، حدثتها. تُومئ أمي مُوافقة، مُركزة جهدها أن تركُض أكثر فأكثر. افترقنا. يسرني أن أراها مُتعافية هكذا، بِشعرها المموج وقميص نومها المرفوع. ولكنها سريعة لدرجة تفوق الحد.

ترجمة نجوى عنتر

————————–

شرطي تكعيبي

دخلتُ بشكل جانبي إلى غرفة المعيشة في صعوبة بالغة. خفضتُ ضوء المصباح إلى النصف، ثم أطفأت النصف الآخر. خُيّل لي كما لو أدركَت أذناي ضجيجًا لاحقًا. ولكنني لم أكُن قد دخلتُ الغرفة بعد. أو ربما فعَلت، حسب الموقف. صرختُ تحسبًا. تصاعد صوتي، لامَس السقف، ارتدَّ أصفر اللون ككرة التنس ثم عاد إلى فمي. أمر منطقي أن أحدًا لم يكن باستطاعته إنقاذي. كان جثماني يرقد في أحد طرفي الغرفة. على الطرف الآخر كانت القدمُ اليسرى للقاتل تفرُّ هاربة. تُرى ماذا كان يفعل المصباح الذي لم يزل مُضاءً؟ هنالك تكمن القضية.

ترجمة نجوى عنتر

————————–

الموسيقا الأم

حلمتُ للتو بأمي. كان المشهد (إذا ما كانت الأحلام هي المشاهد وليست استحالتها) يجري بإحدى قاعات غرناطة. في المقعد الأخير حيث تسري نغمات عزفها على آلة الكمان. كان الحفل الموسيقي رقم 3 لمعزوفات موزارت. كنت أستمع إليها جالسًا وسط الجمهور. ظهرت أمي مُرتدية ملابس ليست بالرسمية. بشعرٍ قصير جدًّا، دون صبغة. كانت تنشز عن اللحن باستمرار. في كل مرة تفعل ذلك كنت أغمض عينيَّ. عندما أعود أفتحهما كانت تحدق بي من فوق خشبة المسرح وتبتسم في شحوب. وقتما استيقظتُ، لوهلة، بدا لي أن أمي كانت تحاول أن تُعلمَني أن أستمتع بأخطائي. يتركنا الزمن يتامى. تتبنانا الموسيقا.

المصدر :

Neuman, Andrés, Hacerse el muerto,

ترجمة نجوى عنتر

————————————

البستاني

تعلمت من جدي زراعة الأشجار.

الصفصاف يا أندريس يحتاج

للماء أكثر منك

وجذوره ليست عميقة في الأرض

أحيانًا تعزل نفسها في الأرض

وكأنها تخشى الهواء.

اليوم لم أعد أنا، ولا بقي لي جدي ولا الأرض

ولا حتى ذاك الطفل الذي كان

كل الذي بقي هو ذلك الصفصفاف مستندًا على الآخر

الذي كان ضعيفًا، ويجب الاعتناء به

لأن جذوره ضعيفة أيضًا وخوفها

يمتد بطول الحياة.

——————-

أثر الضوء

أنت مسالمة ونهارية، وأنا كائن ليلي

حتى النهاية.

وبينما اخترتِ أن يدمغ النور الحلم

الذي يحرس العينين

حاصرتُ النور بجفنين مغمضين

تتنفسين وكأنك تحرسين سرًا صغيرًا

وتعودين، كمن يقلب صفحة من كتاب

بعيدًا عن القمر والشرفة

بيانو الصمت يحفظ سره ومفاتيحه

في الظلال أخرج للبحث عن جرة

أملأها هواء منعشًا وفي صدرك تنبض

حيوانات جميلة.

سوف أقع مستسلمًا حين تعود الشمس

لتشرق وستفعل سريعًا، وستستيقظين مبكرًا

بملاءة ستشعلين حرارة النهار

وسأبحث عن ملاذ آمن من الفجر

ولربما وقتها نلتقي

في بزوغ شمس نشرقه سويًا.

من ديوانه “الزلّاقة”

—————————

 أندريس نيومان: القصيدة الأخيرة لبيوتر تشيرني

(إلى روبيرتو بولانيو، صديق تشيرني الأول)

مثل كل الأيام معتدلة الجو، ليس متأخرًا جدًا حتى لا يشعر بالجوع ولا مبكرًا جدًا حيث يسيطر عليه النعاس، خرج بيوتر تشيرني ليتنزه. رأى نفسه يعبر بوابة البيت، معكوسًا في لوح زجاج كان يحمله صبيان بزي رسمي. تخطى بيوتر تشيرني لوح الزجاج بينما هاجمه وسواس الحصول على عبارة عن مفارقة أن يكون الجسد الشفاف أصعب الحواجز التي يمكن اجتيازها. ثم تخلى عن هذه المتعة حتى يتناول قهوته الإسبريسو. 

سار بيوتر تشيرني وهو يهز كرشه الملفت، وتطلع ممتنًا للنسمة التي يهاديه بها الصباح. بعد عدة خطوات في شارعه، اتجه يمينًا، ناحية ساحة جابيتسكا jabetzka وهناك فاجأ عصفورين يقتسمان فتافيت الخبز، وبعدها بقليل زوجين من الطلبة الهاربين يقتسمان القبلات. حينها توقف ليأخذ نفسًا ويتحسس شاربه ويتجسس على المراهقَين. خطر له بيت شعر سهل ومؤثر يصوّر به العاشقَين والعصفورين؛ وزنه في لحظة؛ وتخلى عنه حانقًا. استأنف طريقه، وفي الحال رأى بيوتر تشيرني نفسه في بوابات زجاجية يفتحها بسنترال كافيه تو.

طلب الإسبريسو وانتظر أن يحضره الجرسون مع كيسين سكر وكأس ماء: كان بيوتر تشيرني يطلب دومًا الماء في كأس. وبعد أن تذوق القهوة، فتح كراسة مغلفة بالجلد وجرب القلم المونت بلانك. انتظر، حتى جاءته ارتجافة خفيفية كإشارة إنذار. وفي الحال بدأ يكتب بخط صغير. رفع نظره من الورق بعد برهة وترك القلم. شرب كأس الماء على رشفة واحدة طويلة وحاول التجشؤ برقة، مداريًا فمه وشاربه بأصابعه. وشرع في إحصاء القصائد التي جمعها في نصف السنة الأخيرة. تحير بين عنوانين من دون أن يتوصل لقرار نهائي: الأول، الذي تجلى له فجأة عند بداية الكتابة غير أنه لم يقنعه، كان “الغفران”؛ والثاني، الأكثر غموضًا والمفضل بالنسبة له، كان “الزهرة والحجر”. على أي حال، ملأ كراستين. لو كان واصل بهذا الإيقاع، لكان لديه كتاب جاهز في بدايات الصيف.

ولأن فكرة أن يضطر لتصحيحه خلال شهور الصيف كانت خانقة، قرر أن يكرس وقته حصريًا للكتاب حتى يتفادى وباء أغسطس. نادى للجرسون ودفع له عملتين. الباقي لك، أيها الشاب، وكررها ليوم ثان، والجرسون انحنى برأسه كما العادة. خطا خطوات مرهقة وهو ينصرف، راقب بيوتر تشيرني بجانب عينه السطح الملطخ لمرآة سنترال كافيه تو البيضاوية. وشعر في هذه اللحظة بألم الحيرة. ارتد على خطواته وبحث عن منضدة خالية، وجلس ليكتب بقلمه المونت بلانك في الكراسة. هذا الذي لا نراه لا يقف حائلًا بين خطانا. واحتفظ بالكراسة برضى واستسلم لتيار ناعم يخلط، مثل أوراق الكوتشينة، أوراق التيلوس على الرصيف.

لم يتبق معه مال كثير. نادرًا ما تدفع له المجلة بانتظام مكافأة مقالاته. وبالنسبة لفامباير “زوبرودجو”، لقد فقد فيه أي أمل أن يمنحه ما وعد به. ولكي تكون محررًا للنصوص، فكّر بيوتر تشيرني، يجب أن تتمتع بميزتين أساسيتين: ميل كبير وخجل قليل. غير أن لديه سرًا يسليه عن كل شيء: كان يحتفظ بعدة قصاصات من ورق قديم، بحجم الكف، مترعة بخطه الدقيق والمضغوط. كتابان من القصائد، بالإضافة لكتاب يوميات ممكن. وربما، في المستقبل، ينتهي أيضًا من مجموعة صغيرة من الأقوال المأثورة. وسيسلم كل ذلك، بالطبع، لـ”زوبرودجو”. ألقى بيوتر تشيرني نظرة على ساعته المسلسلة وتحقق أن الوقت مبكر فمنح نفسه نزهة بجانب النهر قبل العودة للبيت. أطل على الجسر: كان الماء متموجًا، يصنع لوحات متلألئة ويقوضها. وشرع في التمشية في الطريق المعاكس للمركز، بحثًا عن الصمت. تخيل فجأة الأصوات مثل خواتم هائلة بمركز شديد البياض. قال لنفسه، الصمت لا بد يعاني الوحدة في الأطراف، محدد المحيط، رقيق جدًا مثلما هو غير ملموس: إما يعبرون من خارجه أو يمرون بداخله دون أن يسكنوه. شعر بيوتر تشيرني بكسل البحث عن دكة وفتح كراسته، هكذا أجّل الصورة حيث يرتاح في بيته. ثم التفت لصوت تيار الهواء في أذنه، فاستسلم للسير في المنتزه ولغياب الأفكار الممتع.

عائدًا، وبعدما طوى ناصية الشارع، حدس شيئًا غريبًا في الجو. كمية غير معتادة من المشاة يتوجهون بضجيج نحو الشارع النازل. ولأنه كان مرهقًا ليسحب خطوته، حاول أن يضغط جفونه بينما يقترب من بيته. شاهد في الحال رجلًا ملتصقًا في الرصيف المواجه وعربة حمراء تسد الشارع. حينئذ انتبه أن السارينة التي سمعها من بعيد منذ برهة ولم يعرها انتباهًا، كانت سارينة نفس عربة الإطفاء الواقفة الآن أمام بيته. وبمجهود كبير، ركض بيوتر تشيرني خمسين مترًا كانت تفصله عن بيته حتى أنه، لاهثًا بالفعل، اعترضه بعض رجال الشرطة وسألوه إن كان من سكان البناية. وعاجزًا عن الإجابة بنعم، رأى حارس العقار في هذه اللحظة، خارجًا من بين الحشود، يتأرجح فوقه بصرخات بوجه ممزق: يا سيد تشيرني، يا سيد تشيرني، أترى الكارثة! نصف البناية مدمرة! لو وصل رجال الإطفاء سريعًا، لو الجيران أخذوا حيطتهم…! قاطعه: نصف البناية؟ إلى أي طابق؟ أطرق الحارس وجفف عرق جبهته وقال: حتى الطابق الثالث. لم يكن بيوتر تشيرني يحدس إلا صوته المشوش بين الكارثة، وبدا له أنه يسمعه كذكرى. شرح الحارس أنه يبدو أن الحريق بدأ في الطابق الأول ولم يتمكن رجال الإطفاء من احتوائه إلا قبل وصوله للرابع. يا سيد تشيرني، أنا آسف جدًا، جدًا…! وكان بيوتر تشيرني يشعر بأن خنجرًا معوجًا قد غُرز كاملًا في بطنه. نظر للأعلى ورأى ست بلكونات سوداء، كأنها مكسوة بالرماد. بدا له أنه يفقد توازنه. قال: حدث ما حدث، اهدأ، المهم الآن أن نعرف إن كان ثمة ضحايا. والشرطي الذي كان لا يزال في ظهره تدخل ليخبره بأن رجال الإطفاء استطاعوا نقل بعض الجيران الذين لحسن الطالع لحقتهم إصابات طفيفة وإغماءات نتيجة الاختناق. وألح الشرطي بأنهم جميعًا حسنو الحظ. نعم، حسنو الحظ، وافق بيوتر تشيرني وهو ينظر للفراغ.

كان رجال الإطفاء قد أعطوا أوامر بألا يقترب أحد من البناية حتى تبخر الدخان ونقل الحطام. لكن مجموعة الفضوليين كانت تزداد خلال العملية، والآن يتفرقون رويدًا رويدًا. بيوتر تشيرني، بنظرة ثابتة في نقطة ما من الطابق الثالث، وبقدمين متألمتين وخصر موجوع وضربة خنجر تعصر بطنه، كان يفكر في قصاصات الأوراق القديمة فوق مكتبه. كان يفكر في الحيطة التي دفعته ليحتفظ بها بعيدة عن زملائه، في إصراره على أن تظل في الخفاء حتى المراجعة النهائية. كان يفكر في الأشهر الستة الأخيرة التي عمل عليها وفي ذاكرته الضعيفة التي يضرب بها المثل. حاول استحضار القصيدة الأولى في كتابه غير المنشور ومن دون رغبة أدهشه تذكر الجزء الثاني من “السجين” لريلكه: “… وأنت لا تزال حيًا” فأعرض بنظرته وعاد إلى خطواته.

 سار بعقل خاوٍ، واتجه لساحة جابيتسكا. داخل السنترال كافيه تو. بحث عن منضدة خالية، وحين عبر أمام المرآة البيضاوية، رأى نفسه بين البقع، أشعث، محاولًا اجتياز بحر من المناضد المشغولة. وفيما يجلس، خطر له أن يطلب سلطة وانتظر أن يأتيه الجرسون. لم يكن بوسعه أن يفكر في شيء بوضوح، كانت الأفكار تهرب منه. حتى هذه اللحظة بدا له أنه فاقد للوعي. حاول التنفس بعمق. ولمّا تأخروا في الانتباه له، أخرج كراسته وقلمه المونت بلانك وتأملهما لبرهة. وفجأة، وبرغبة أن ينساه الجرسون، بدأ في الكتابة.

بعد ساعة، وبانتهاء السلطة وكذلك مسودة لقصيدة طويلة حول طقس النار والكلمات التي نجت، تلقى بيوتر تشيرني شحنة كهربائية من اليقين. عاد ليفتح كراسته على الصفحة الأولى، وكتب بخط صغير: الغفران، وشعر في أعماقه براحة مباغتة.

*أندريس نيومان (الأرجنتين، 1977): روائي وقاص وشاعر أرجنتيني من أبرز الأصوات الشابة باللغة الإسبانية. انتقل مع عائلته إلى إسبانيا في أوائل التسعينيات، ومنذ ذلك الحين يقيم في غرناطة. له العديد من الأعمال المهمة مثل “رحالة القرن” و”الأرجنتين كان يا ما كان”. فاز بالعديد من الجوائز المهمة أبرزها جائزة ألفاجوارا في الرواية وجائزة النقد.

ضفة ثالثة

——————————-

عن الكاتب

* أندريس نيومان (بوينس آيرس ــ 1977)

روائي وشاعر وقاص أرجنتيني يقيم في إسبانيا منذ أواخر الثمانينيات، وهو ابن لموسيقيين هاجرا بلدهما لسوء أحواله.

بدأ الكتابة منذ سن مبكرة ونشر ديوانه الأول وهو في العشرين، وأحدث صدى حسناً، ثم نشر القصة والرواية.

اختارته مجلة «جرانتا» كأحد أهم وأبرز الأصوات السردية الشابة في إسبانيا وأميركا اللاتينية، واختاره مهرجان «بوجوتا 39» من ضمن أبرز الكُتّاب الشباب تحت الأربعين.

فاز بالعديد من الجوائز المرموقة، أبرزها «جائزة ألفاجوارا» عن روايته «رحالة القرن» التي فاز بها أيضاً بـ«جائزة النقد». صدرت له روايات «يتحدثون مع أنفسهم»، و«الأرجنتين كان يا ما كان»، و«الحياة في النوافذ»، و«باريلوتشي»؛ ومجموعات قصصية «يتصنع أنه ميت»، و«نهاية القراءة»، و«الدقيقة الأخيرة»، و«ولادة»، و«الذي ينتظر»؛ ودواوين «عاصفة في الجيب» و«لا أعرف لماذا» و«ممر المجانين»، و«شخص ما على الجانب الآخر»، و«عِقد»، و«صوفية دانية»، و«قطرات سوداء»، و«سونيتات الغريب».

————————

الأرجنتين: كان ياما كان

الكاتب الأرجنتيني أندريس نيومان يُعيد تكوين تاريخ عائلته قصة العائلة من بدايات القرن العشرين مع آباء أجداده المهاجرين للأرجنتين ووصولا لآخر القرن في التسعينيات ما قبل سفره لأسبانيا ينتقل بدون ترتيب بين الأحداث والشخصيات, وبين الأزمنة والأماكن وكأنه يكتب كلما مرت بذهنه حكاية أو ذكرى يجمع الحكايات من أفراد العائلة ومن دفاتر جدته ورسائلها ذكريات مراحل حياته المختلفة وخاصة فترة الطفولة والمراهقة الأصدقاء والمدرسة والمغامرات, قراءاته وكتاباته الأولى ويمر على بعض الأحداث السياسية, ومظاهر الحياة الاجتماعية.

سرد متشابك مزدحم بشخصيات كثيرة على مدى زمن طويل.

————————–

 أندريس نيومان: أكتب حتى تظل الأبواب مفتوحة

عندما يولد عمل أدبي فإنه يتصل بالسياق التاريخي والجغرافي محل الميلاد، وهنا يصبح من الضروري تقديمه في هذا الإطار، حتى يمكن إدراك جوانبه، التي يمكن أن تعكس جمالية روح العصر، غير أن الأمر يزداد صعوبة، عندما يتسع النطاق الجغرافي والتاريخي، مثلما الحال بالنسبة لأدب أمريكا اللاتينية، خلال القرن العشرين.

إذا ما بدأنا بمصطلح «الواقعية السحرية» في أمريكا اللاتينية، لوجدنا أنه يعكس بشكل ما كيفية تلقينا له، أي أننا لم نرصد منه إلا الواقعية السحرية، وربطناها عند البعض بموروثنا العربي، الذي يحمل عناصر محلية، ويؤصل هذا المصطلح لتيار اتسم بقواسم مشتركة بين الكثير من الكتاب، الذين التفوا لفترة حول الثورة الكوبية، في بداية الستينيات، وهنا يشير د. «علي المنوفي» إلى قراءة منقوصة لهذا التيار بمعنى أن الكثير من الكتاب لم يظلوا طوال إنتاجهم الإبداعي على الإيقاع نفسه، أي السير على ملامح تيار الواقعية السحرية.

هناك تيار يطلق عليه «ما بعد الطفرة» ويرجع تاريخياً إلى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، ويحاول النقاد رصد التوجهات الجديدة، لهذا الجيل، الذي ينتقد المبالغة التي كان عليها كتاب الواقعية السحرية، في استخدام تقنيات السرد، وتأتي بعد ذلك محاولات رصد ملامح ذلك الجيل في العناصر التالية: الميل إلى السرد القصصي القائم على وقائع حقيقية، تفضيل الأسلوب الأكثر مباشرة لسهولة قراءته، والعودة إلى الواقعية دون الولوج في القضايا الوجودية، مثلما الحال في أعمال خوليو كورتاثار.

تقنية تعدد الأصوات

الكاتب «أندريس نيومان» في صدر روايته «يتحدثون بمفردهم» ترجمة رحاب وهدان ومراجعة وتقديم الدكتور علي المنوفي، يعتمد تقنية تعدد الأصوات، فثمة زوج وزوجة وابن يتناوبون الحديث، لكن المفارقة أن كلاً منهم يتحدث إلى نفسه، ليس ثمة حوار بينهم، فمثلث الأسرة التقليدي فكّكه المرض الذي أصاب الأب وجعله يشرف على الموت.

ينشأ مع تفككه مثلث ثانٍ تقليدي أيضاً، فالأب المتوقع موته يتوارى ليحل محله طبيبه الذي يصير عشيقاً للزوجة، والزوجة المنهارة يتجاذبها «ثاناتوس» إله الموت غير العنيف في الأساطير الإغريقية، وإيروس غريمه، إله الحب والرغبة والجنس.. تلك هي الحبكة التي لا يهتم بها المؤلف كثيراً، وهذه الرحلة بحسب نيومان تتسم بالأهمية الشديدة، ذلك أنه يشعر بالميل إلى الحكايات أثناء الرحلة، وهذه هي المرة الأولى التي يخوض فيها هذه التجربة المتعلقة بالتقنية.

كاتب متعدد الأنشطة

«أندريس نيومان» ولد عام 1977 في الأرجنتين، وهو كاتب متعدد الأنشطة، قاص وشاعر ومترجم ومدون وصحفي، وهو ابن اثنين من الموسيقيين في المهجر: الأم عازفة فيولين، من أصل إيطالي إسباني، والأب عازف لآلة موسيقية أخرى المزمار، ومن أصول ألمانية، وبدأ نيومان ينشر إبداعه مع نهاية عام 1999 وتأكدت مسيرته في السرد القصصي، بعد نشر روايته «رحالة القرن» 2009 حيث حصلت على جائزتين.

يرى «نيومان» أن الكتابة عبارة عن عملية مقاومة، حتى تظل الأبواب مفتوحة، وأن الكتابة ليست رغبة، وإنما هي أمر صادر، يطيعه كثيراً، وعلى هذا فالكتابة عنده هي أعلى أنواع السعادة، رغم أنها قد تعبر عن الآلام والخوف.

وعن علاقته بالقارئ يشير إلى أنه لا يقوم بدور المربي أو المعلم، ولا يدعي هذا، فهذا بالنسبة إليه نوع من الزيف، وبالتالي يؤمن بالحوار والنقاش، بما يصحب ذلك من جرعة من الاستفزاز، ثم يشير إلى النمطية الإبداعية الجديدة وهي المدونات قائلاً: في المدونة أكتب مرة أو اثنتين أو ثلاثاً، كل أسبوع، أكتب كيفما اتفق، وحسبما يحلو لي، وهذا نمط من الكتابة أخذ يروق لي رويداً رويداً، وعندما أتحدث عن المدونة، فأنا لا أقصد تحديداً هذا المسمى، وإنما كافة الأنماط المتاحة للكتابة، على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبالنسبة إلى اللغة الأدبية للتدوين يقول: إنني أكتب القليل، لأنني مصاب بهوس تصحيح المقدمات، بمعنى أنني كلما وجدت خطأ أو جملة لا تروقني، أدخل وأقوم بالتصحيح، أنا بهذا الشكل، أعاني ذلك المرض، ومن هنا فإنني أنظر إلى التدوين، على أنه كتاب يمكن طبعه في لحظة ما.

————————-

أندريس نيومان.. الواقعية السحرية في القرن الحادي والعشرين/ سعيد منتسب

07 مارس 2026

لم يستطع الكثير من كتاب أميركا اللاتينية التخلص من إرث “البووم” الذي أحدثه رواد الواقعية السحرية، أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وخوان رولفو، وخوسيه دونوسو وأليخو كاربنتيه، ذلك أنهم عجزوا عن تجنب الوقوع في استعادة قالبه الجاهز، بل تحول في كتاباتهم إلى مرجعية متحجرة، وإلى نموذج سردي يقوم على خطاطة جاهزة مشبعة بإيحاء غرائبي، أي إن البنية التخييلية للواقعية السحرية تحولت إلى إطار مرجعي مريح يستدعي العلامات نفسها، ويعيد توزيعها داخل سرديات جديدة.

من هنا، تتجلى أهمية تجربة الجيل الجديد الذي اختار أن يهوي بالمطارق على حجر الواقعية السحرية بالتحيز المعلن إلى التنويع في الأسلوب والمضامين والخيارات، وفق ما انتهى إليه كارلوس فوينتس. ومن أبرز هؤلاء مونيكا أوجيدا، وماريا فرناندا أمبويرو، وغابرييلا كابيزون كامارا، ونونا فرنانديز، وبريندا نافارو، وفرناندا ميلشور، وكريستينا ريفيرا جارزا، وبيلار كوينتانا، ولينا ميروان. غير أن أبرزهم على الإطلاق هو الكاتب الأرجنتيني أندريس نيومان الذي أبان، منذ روايته الأولى “باريولوتشي”، عن مشروع روائي واضح ينظر إلى الواقعية السحرية بوصفها رؤية جمالية تكشف عن غرابة الواقع وطبقاته غير المرئية. ذلك أن بناء السحري ينتقل من مستوى الحدث إلى مستوى الإدراك، فيصبح العالم غريباً لأنه متحوّل، ومفتوحاً على الصدمة والذاكرة والاقتلاع والتسارع التقني.

يشتغل نيومان على إعادة تعريف مفهوم الواقعية السحرية التي تقوم عنده، ليس على إدماج العجائبي داخل اليومي، كما نجد في كتابات خوليو كورتاثار، وإنما على الإنصات لما يظل مهمشاً داخل السرد التقليدي، انطلاقاً من وعي عميق بارتباط الكاتب بموقع المراقب، أي بزاوية النظر التي تراهن على البطء والتراكم، وعلى العلاقة الطويلة مع القارئ. ويظهر ذلك من خلال طريقته في معالجة موضوعات دقيقة، مثل: (الألم؛ الحرب؛ المنفى؛ المرض؛ الفقد.. إلخ). إذ يبتعد كلية عن الاستغلال العاطفي لمثل هذه الموضوعات، لصالح رؤية تبني سرديتها على الاعتراف بتعقيدات التجربة البشرية بدل تحويلها إلى مادة للاستعراض الفرجوي. وليس أدل على ذلك من رواية “كسر”، حيث يتجسد هذا التوجه عبر تحويل الكارثة النووية إلى سؤال أخلاقي وفلسفي حول الذاكرة والإنسان والتقنية. وهنا، يبلغ مشروعه درجة عالية من النضج التركيبي. تتبع الرواية مسار شخصية يابانية عاشت قصف هيروشيما، ثم تنقّلت عبر بلدان متعددة، حاملة معها أثر الصدمة النووية.

إما إذا انتقلنا إلى روايته “التحدث إلى أنفسنا”، فالحب يتحول إلى ممارسة يومية للرعاية، حيث تتراجع النبرة الرومانسية لصالح عاطفة تشتغل بوصفها قوة تنظيمية للحياة، إذ تتناول الرواية تجربة المرض عبر ثلاثة أصوات سردية متعاقبة: (الأب، الأم، الابن).

في رواية “مسافر القرن”، تتجلى الرؤية السردية لنيومان عبر شخصيات تعيش داخل مدينة متخيلة تتحرك جغرافيتها وزمنها باستمرار، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة عبور داخل مدينة متخيلة تتحرك في المكان والزمان، حيث تتغير الخرائط، وتتحول الشوارع، وتختفي الحدود الثابتة. ويرى الناقد خوردي غراسيا أن هذه الرواية تمثل “عودة للرواية الكبرى” داخل سياق معاصر، حيث تجتمع المتعة السردية مع العمق الفكري، وتؤكد قدرة نيومان في بناء نص يربط التجربة الفردية بالسياق التاريخي.

في رواية “الأرجنتين كان يا ما كان” (التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن “سلسلة الجوائز” بترجمة علي المنوفي)، يقدم نيومان نموذجاً واضحاً لـ”الكتابة الذاكراتية”، حيث يستعيد تاريخ عائلته في سياق التحولات السياسية والاجتماعية للأرجنتين. كما تتحول السيرة العائلية إلى مرآة للتاريخ الجماعي، دون الوقوع في الخطاب التوثيقي الخطي الجامد. وقد اعتمد فيها على السرد الذاتي، والاعتراف الضمني، والتأمل، والانفتاح العاطفي، من أجل بناء نص يتجاوز السيرة الذاتية نفسها، مما ساهم في إنتاج رواية يعتبرها أغلب النقاد حجر الأساس في مشروعه، عبر اشتغالها على الذاكرة العائلية والتاريخ السياسي. وهذا ما تكرر، أيضاً، في كتابه التأملي “كيف نسافر دون أن نرى”، حيث يكتب يوميات سفر مكثفة، تستند إلى ملاحظات قصيرة وانطباعات سريعة.

في مستوى آخر، يتكئ مشروع نيومان على فكرة “الكاتب القارئ”، أي الكاتب الذي يكتب داخل شبكة كثيفة من القراءات، والحوار مع النصوص السابقة، والانفتاح على التراث الإنساني. ويظهر ذلك في إحالاته المستمرة إلى الأدب الأوروبي والفلسفة والموسيقى والتاريخ، دون أن تتحول هذه الإحالات إلى استعراض ثقافي. ذلك أن كشف المرجعيات لدى نيومان يقوم على علاقة عضوية بالنسيج السردي. فروايته “الحياة في النوافذ” تترجم على نحو واضح هذا الوعي، حيث يعالج القراءة بوصفها تجربة وجودية.

على المستوى النقدي، يرى الناقد الإسباني، خوسيه كارلوس مانياس، أن نيومان يمثل “نقطة توازن نادرة” داخل السرد الأميركولاتيني المعاصر، حيث يلتقي الإرث الجمالي مع الحساسية الراهنة، دون تضحية بأحدهما. ويشير إلى أن نصوصه تشتغل على ما يسميه “جماليات القرب”، أي تحويل التجربة الصغيرة إلى حدث كوني عبر اللغة. بينما يرى الناقد الإسباني، إغناسيو إتشيبيريا، أن لغة نيومان تنطلق من “أخلاق الانتباه”، أي على احترام التفاصيل، وعدم ابتذال التجربة، ومنح الأشياء الصغيرة حقها في الوجود السردي.

من جانبه، يشير الناقد الأرجنتيني، ريكاردو بيغليا، إلى أن “كتابة نيومان تمثل امتداداً معاصراً لتقليد سردي يهتم بالوعي الداخلي، وبالتقاط لحظات التحول الصامت، وببناء نصوص تعتمد على التوتر الخفي أكثر من الصراع الظاهر”. فيما يرى الناقد الإيطالي، كلاوديو ماغريس، أن “تجربة نيومان تمثل نموذجاً للكاتب الأوروبي-اللاتيني الجديد، الذي يكتب داخل ثقافة هجينة، ويحوّل التعدد إلى قيمة جمالية”. أما الروائي التشيلي، أليخاندو زامبرا، فقد اعتبره نموذجاً للكاتب الذي يحوّل الهشاشة إلى قوة جمالية، ويجعل من التجربة الشخصية مادة لفهم التحولات الاجتماعية.

بهذا المعنى، يشكل مشروع أندريس نيومان، الذي قارنته بعض الكتابات النقدية بأدباء مثل جورج سيبالد وبيتر هاندكه، أحد المسارات الأكثر عمقاً وهدوءاً داخل الأدب اللاتيني المعاصر، خاصة أنه يؤسس لواقعية من نوع آخر قادرة على استيعاب تعقيدات القرن الحادي والعشرين دون فقدان بعدها الإنساني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى