مقالات تناولت الدراما السورية في رمضان

الدراما السورية الجديدة تفتح جراح الأحرار.. العدالة الانتقالية شرط استقرار الدول/ طالب الدغيم
2026.03.03
شهد الموسم الرمضاني الأخير حالة غير مسبوقة من الجدل في المجال السوري العام، تجاوزت حدود التقييم الفني إلى مساءلة أعمق تتصل بالذاكرة والعدالة والمعنى الأخلاقي لاستحضار الألم. فقد أعادت بعض الأعمال الدرامية السورية الجديدة طرح وقائع عاشها السوريون خلال سنوات الثورة وما رافقها من جرائم وعنف بحق الأحرار، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً، واحتجاجات من ذوي الضحايا، وحتى مسارات قانونية تعكس حساسية الموضوع وحدّته.
ولم تعد الدراما هذا العام منشغلة بإعادة إنتاج الحكايات الاجتماعية المألوفة أو تصدير الرواية الرسمية للنظام البائد، وإنما اتجهت نحو تجسيد التجربة السورية وما فعله نظام الأسد بالشعب، حيث السجون، والاختفاء القسري، والقصف، والسلاح الكيميائي، والمجازر، وأقبية التعذيب التي غيّبت آلاف الأسماء من دون أثر أو قبر.
وإن السجون السورية شكّلت خلال عقود فضاءات مغلقة تبلورت داخلها سرديات معقدة من الخوف والتحطيم النفسي وانتهاك الكرامة. وكذلك المجازر التي ارتكبها نظام الأسد وحلفائه من ريف دمشق إلى الحولة والبيضا وبانياس والتضامن، ومن حصار أحياء حمص إلى صيدنايا وفروع الأجهزة الأمنية المنتشرة في أنحاء البلاد، تراكمت أحداث أصبحت جزءاً من البنية العميقة للذاكرة الوطنية؛ حين تعكس مرآة الدراما هذه الوقائع، فلا أراها ظاهرة سيئة، وإنما برأيي تستحضر سؤال الدولة الجديدة ومسؤوليتها، وسؤال العدالة وإمكان تحققها، وسؤال المستقبل الذي يتوقف على كيفية إدارة هذا الإرث المثقل بالكوارث والأزمات الوطنية.
– كسر المحرّم في الفضاء السوري وإعادة بناء الذاكرة الجماعية
حمل موسم رمضان 2026 تحوّلاً نوعياً في مقاربة الدراما السورية لذاكرتها القريبة. فقد ظهرت أعمال مثل الخروج إلى البئر الذي اقترب من عوالم الاعتقال المرتبطة بسجن صيدنايا، والقيصر – لا زمان لا مكان الذي اعتمد بنية الحكايات المتعددة (الثلاثيات) لرصد تجارب التعذيب والاختفاء القسري وقصف المدن، وحصار الأحياء السكنية، وتهجير المدنيين، وتقسيم المجتمع وغيره ذلك من الأعمال. ولا تكمن أهمية هذه الأعمال في موضوعها، وإنما في تجاوزها حاجزاً ظلّ قائماً سنوات طويلة، حين كانت السجون وأقبية التحقيق مناطق معتمة خارج التمثيل الفني، وكان الاقتراب منها محفوفاً بالمحاذير السياسية والأمنية.
إن انتقال هذه الملفات إلى المجال العام السوري عبر الشاشة يعكس تحوّلًا في الوعي الثقافي، حيث خرجت تجارب الاعتقال من نطاق التداول المحدود بين العائلات والناجين والمنظمات الحقوقية وبعض جلسات الاستماع الأممية الرسمية، أو مثل ما حدث في تدويل قضية قيصر والصور المسربة من المسالخ الأسدية، ولكن الآن انتقلت في فضاء أوسع تتشكّل فيه سردية وطنية مشتركة. ويشير عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي موريس هالبواكس (توفي: مارس 1945) إلى أن الذاكرة تتكوّن ضمن أطر اجتماعية تنظّم ما يُستعاد وما يُهمَّش. وفي السياق السوري، ومع انهيار النظام السابق، وكشف المقابر الجماعية، وفتح أبواب السجون وأقبية التعذيب، انتقل هذا النقاش من دائرة التوثيق الحقوقي إلى الحيّز الثقافي العام. ولبيان أهمية الوسيط الإعلامي في تجسيد الذاكرة الجماعية، يميّز المفكر يان أسمان بين الذاكرة التواصلية المتداولة شفهيًا بين المعاصرين، والذاكرة الثقافية التي تُرسَّخ عبر الفن والمؤسسات التعليمية والفضاء العام. ومن هذا المنظور، تؤدي الدراما دوراً في تحويل الألم من تجربة فردية معزولة إلى مكوّن راسخ في الذاكرة الثقافية الوطنية.
غير أن هذا التحوّل لا يخلو من تحديات أخلاقية. فالذاكرة، حين تُستدعى من دون أفق واضح للعدالة والمساءلة، قد تُغذّي انقسامات مجتمعية قائمة، وتُرسّخ هوية جمعية تتمحور حول الجرح بدل أن تتجه نحو التعافي. إدارة الذاكرة هنا ليست شأنًا فنيًا صرفًا، بل مسألة تتصل بمستقبل العقد الاجتماعي وإمكان إعادة بناء الثقة.
– أدب السجون وسردية الضحية
لم تبدأ استعادة تجربة السجن مع الدراما، بل سبقتها شهادات أدبية شكّلت رصيداً أخلاقياً في مواجهة الصمت. وتُعدّ رواية القوقعة للكاتب السوري مصطفى خليفة مثالاً بارزاً على ذلك (الطبعة الأولى عن دار الآداب في بيروت عام 2008م)؛ ففيها يتحوّل الاعتقال إلى تجربة وجودية تعيد تشكيل الذات، ويتحوّل الجسد المعذّب إلى نص يوثّق ما جرى، والزنزانة إلى أرشيف يحفظ تفاصيل كان يُراد لها أن تختفي. وهذه الرواية التي ترجمت لأكثر من 10 لغات عالمية، وتشمل الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والإيطالية والنرويجية والتركية والألبانية والمجرية والألمانية، تسرد الرواية يوميّات شاب أُلقي القبض عليه لدى وصوله إلى المطار عائدًا من فرنسا إلى وطنه سوريا، وذلك بعد انتهائه من دراسة الإخراج السينمائي، حيثُ أمضى أكثر من 13 سنة في السجون السورية من دون أن يعرف التهمة المُوجهة إليه. يُذكر أنَّ كاتب الرواية مصطفى خليفة كان قد اعتُقل بسبب تقرير كتبه عنه أحد زملائه في فرنسا، وليس بسبب أفكاره السياسية.
في البيئات السياسية المغلقة، تحتكر السلطة الرواية الرسمية للتاريخ، في حين ينشئ أدب السجون سردية موازية تحفظ أسماء ووجوهاً وتجارب لا تجد مكاناً في السجل العام. وإن انتقال هذه السرديات إلى الشاشة يمثّل خطوة إضافية في إخراج “أرشيف الضحية” من دائرة القراءة الفردية إلى الفضاء العمومي، حيث تتقاطع الشهادة والتوثيق مع النقاش المجتمعي، والشعور بالألم المشترك. ومع ذلك، تُحذّر سوسيولوجيا الضحية من اختزال الضحية في صورة الألم وحدها. إذ تشير تحليلات حنة آرندت للأنظمة الشمولية إلى أن العنف هو نتاج بنية مؤسسية تُطبع فيها الممارسات القمعية بطابع العادية. والاعتراف بالضحايا يكتسب قيمته حين يقترن بإعادة إدماجهم في الفضاء العام كمواطنين كاملين بدلاً عن التهميش وعدم الاكتراث بواقعهم.
– الذاكرة والعدالة.. من الاعتراف إلى المساءلة
ينبّه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه “الذاكرة والتاريخ والنسيان” إلى أن المجتمعات الخارجة من الصدمات العميقة تحتاج إلى ما يسميه “سياسة الاعتراف”. فالتجربة العنيفة، لا يمكن نكرانها أو تهميشها لأنها ستظل كامنة في الوعي الجمعي، وتنعكس في صورة فقدان ثقة بالمؤسسات المسؤولة وبالخطاب الرسمي، فالاعتراف، وفق هذا التصور، يمثل خطوة أخلاقية تأسيسية تعيد للضحايا اعتبارهم من حيث ترسيخ مفهوم العدالة، وتضع الأساس لإعادة بناء الثقة بالحكومة الجديدة أو بين أفراد المجتمع السوري. غير أن الاعتراف وحده يظل إجراء ناقصاً إن لم يترافق مع آليات مساءلة واضحة تترجم هذه الذاكرة إلى فعل قانوني ومؤسسي يكون هدفه جبر الضرر ومحاسبة المجرمين وتعويض الضحايا.
وفي الإطار نفسه، تناقش الباحثة القانونية الأميركية مارثا مينّو في كتابها “بين الانتقام والمغفرة: مواجهة التاريخ بعد الإبادة الجماعية والعنف الجماعي”، المعضلة التي تواجه المجتمعات بعد الفظائع الجماعية. فهناك مساران محفوفان بالمخاطر: مسار الانتقام الذي يعيد إنتاج دورة العنف في صيغة جديدة، ومسار النسيان الذي يرسّخ الإفلات من العقاب ويُضعف
شرعية الدولة الناشئة. وتقترح مينّو مساراً ثالثاً يقوم على العدالة الانتقالية، حيث يتكامل الاعتراف العلني مع المساءلة القانونية وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، بما يسمح بإعادة تعريف المجتمع على أساس قيم مشتركة. وقد صدر كتابها لأول مرة عام 1998 م عن دار Beacon Press، ثم أُعيد نشره في طبعة ورقية عام 1999م، وهو جاء في سياق عالمي اتسم بتكثّف النقاش حول كيفية التعامل مع إرث الجرائم الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة، وخاصة بعد: الإبادة الجماعية في رواندا (1994)، وجرائم التطهير العرقي في البوسنة، ومحاكمات مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة، ولجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري. وكانت تلك الفترة لحظة مراجعة عالمية لسؤال: كيف تواجه المجتمعات تاريخها بعد الإبادة والعنف المنهجي؟
– العدالة المتوازنة
في السياق السوري الآني، يثير الحديث عن عفوٍ شامل أو عن إطلاق سراح بعض المتورطين في جرائم حرب أو في شبكات الاتجار بالمخدرات، تساؤلات عميقة في الشارع العام. فهذه الإجراءات، حين تُتخذ من دون محاسبة، تفتح الباب أمام مخاوف جدّية من إعادة إنتاج منظومة القمع والفساد والخوف التي عانى منها المجتمع لسنوات طويلة. وإن أي معالجة سطحية لملف العدالة قد تُفهم باعتبارها تسوية سياسية للمحافظة على نظام الحكم الجديد أكثر منها مساراً قانونياً وأخلاقياً، وهو ما يضعف الثقة الناشئة بين الدولة والحاضنة الشعبية العريضة للعهد السوري الجديد.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ “العدالة المتوازنة”، وهي مقاربة تقوم على التمييز الدقيق بين المسؤولية الفردية والانتماء الجمعي، وتجنّب تعميم الاتهام على شرائح اجتماعية أو مكوّنات بعينها. فالعدالة الرشيدة لا تُبنى على منطق العقاب الجماعي، بل على محاسبة واضحة لمن ثبت تورطهم في الانتهاكات، مع فتح قنوات حوار وطني مع الفئات التي لم تشارك في العنف ولم تتورط في الجرائم. ويحفظ هذا التوازن في الوقت ذاته حقوق الضحايا في المساءلة والإنصاف والتعويض. ويتطلب هذا المسار تكاملاً بين بعدين أساسيين، هما: العدالة الجنائية التي تتولى التحقيق والمحاسبة وفق معايير شفافة وإجراءات قانونية سليمة، والعدالة الاجتماعية التي تسعى إلى إعادة بناء الثقة، واحتواء آثار الصدمة، وترميم النسيج المجتمعي. فالمساءلة القانونية وحدها، إذا لم تترافق مع سياسات جبر ضرر وإعادة إدماج وإصلاح مؤسسي، قد تظل قاصرة عن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المنشود.
وفي هذا الإطار، يتجاوز النقاش الدائر حول الدراما السورية الجديدة مسألة “فتح الجراح” إلى سؤال أعمق يتعلق بإمكان تحويل الألم السوري إلى مسار مداواة مدروس وحقيقي. فالأعمال الدرامية، حين تستعيد تجارب السجون والمجازر، تسهم في صياغة سردية وطنية تقوم على كشف ما جرى والدفع نحو الاعتراف به. ومع ذلك، فإن الفن لا يمكن أن يحل محل القضاء أو السياسات العامة، وإنما قد يهيئ مناخاً رمزياً يساعد المجتمع على مواجهة ماضيه بصورة أكثر وعياً واتزاناً.
وبنهاية المطاف يمكن القول: إن غياب إطار قانوني وأخلاقي منضبط لإدارة هذه المرحلة قد يدفع بعض المتضررين إلى البحث عن أشكال انتقام خارج مؤسسات الدولة، بما يهدد السلم الأهلي ويقوّض فرص الاستقرار والتنمية في البلاد. أما الاستقرار الوطني المستدام فيتطلب مواجهة الماضي بوضوح وشفافية، وترسيخ سيادة القانون، وتفعيل دور هيئة العدالة الانتقالية، وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وفيها يعيش جميع السوريين بكرامة، ويتمتعون بحقوقهم ويلتزمون بواجباتهم في إطار قانوني وطني عادل.
—————————
الدراما بعد سقوط النظام: بين وهم الصناعة ومأزق الأخلاق/ علي سفر
مارس 1, 2026
منذ مطلع تسعينيات القرن الفائت، دخلت الدراما السورية مرحلة ازدهار كبيرة؛ إذ تحوّلت إلى مُنتَجٍ مطلوبٍ عربياً، واحتلت موقعاً متقدماً في البرمجة الرمضانية لدى القنوات الفضائية والمحلية الرئيسة، وصار يُنظر إليها بوصفها “القوة الناعمة” الأبرز لسوريا. وخلال عقدين تقريباً، تشكّل انطباع واسع بأن الدراما باتت قطاعاً اقتصادياً ضخماً، وأنها تنقل صورة البلاد إلى الفضاء العربي بثقة واقتدار.
لكن خلف هذا الاحتفاء، كانت المفارقة واضحة: لم تتحول الدراما إلى صناعة ثقيلة بالمعنى الاقتصادي. ولم تنشأ منظومة إنتاج متكاملة، ولا بنية تحتية تقنية مستدامة، ولا سوق عمل واسعة قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الكفاءات.
تركز المال في حلقة الإنتاج والبيع للقنوات العربية، وخصوصاً الخليجية، من دون أن ينعكس ذلك على الاقتصاد الوطني بكونه رافعة تنموية حقيقية. كانت هناك محاولات متكررة لتقعيد الصناعة عبر مؤتمرات وملتقيات ودراسات، أبرزها ما جرى بين عامي عام 2008 و2010 حين أطلقت وزارة الإعلام ملتقىً خاصاً بالدراما، بالتوازي مع إنشاء قناة “سوريا دراما” التخصصية.
وتزامن ذلك مع دراسة أُعدّت لصالح رئاسة مجلس الوزراء لبحث سبل استفادة الدولة من هذا القطاع وإشراك مؤسساتها فيه، ولا سيما “المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي” الوليدة؛ غير أن تلك الجهود بقيت في إطار التفكير الإداري ولم تتحول إلى سياسة صناعية واضحة.
في ظل غياب السينما الفاعلة، والمسرح المؤثر، والصناعة الموسيقية الواسعة، احتكرت الدراما مساحة الترفيه والتمثيل الرمزي في المجال العام. فهذه القطاعات لا تحظى بالانتشار المطلوب، وهي غير ممولة جيداً، وهي بالتالي لا تصنع حياة لائقة لمن يعمل فيها، بسبب ازدراء النظام لها، ويقينه بأنها لن تخدم توجهاته السلطوية بشكل استراتيجي.
في هذا السياق، بدأت صورة بعض النجوم تتضخم، ولاسيما بعد أن قرّبهم رجالات السلطة، ليصبحوا ندماء لهم، يرفهون عنهم، ويسلونهم! وبناء على هذا الحضور والتماهي مع النظام نفسه، لم يعد الممثل مجرد صاحب مهنة، بل صار يُستفتى في الشأن العام: في الأدب والثقافة، والرياضة، وأحوال المجتمع، وأيضاً في السياسة.
لقد غذّى الإعلام هذا الحضور، وتجاوب الجمهور معه، والسوق احتاجه كجزء من حمولة الترويج! وهكذا نشأ نوع من التورم الرمزي، مُنح فيه الممثل سلطة معنوية تفوق أدواته المهنية.
عندما اندلعت الثورة، لم يعد ممكناً الاحتماء بالحياد السهل. النجوم الذين وُضعوا في موقع المرجعية الرمزية صاروا في قلب السؤال الأخلاقي: أين تقفون؟ هنا انقسم الوسط الفني؛ بعضهم أعلن تأييداً صريحاً للسلطة، وبعضهم تبنّى خطاب الحرص على سوريا و”الوحدة الوطنية” والذي كان عملياً أقرب إلى الممالأة، كما أن بعضهم ابتلع لسانه كي لا يصيبه الضرر، وقلة قليلة أعلنت موقفاً منحازاً لحقوق الناس بوضوح.
بحكم عملي آنذاك مديراً لبرامج قناة الدراما، كنت شاهداً على كيفية استدعاء الممثلين للحديث عن “الأزمة”. لم يكن الأمر عفوياً أبداً؛ فقد صدرت توجيهات واضحة بأن يظهر الفنانون ويعلنوا مواقف محددة تحت عنوان “حماية الوحدة الوطنية”. كان هناك من التزم بالنص المتوقع، غير أن البعض بالغ في إظهار الولاء، فيما حاول آخرون تمرير عبارات عامة عن حقوق الناس ورفض العنف. كان من الواضح أن السلطة أدركت مبكراً قيمة الرصيد الرمزي للدراما، وسعت إلى توظيفه في لحظة الاضطراب.
المفارقة أن قناة الدراما نفسها، رغم كونها قناة تخصصية يُفترض أن تنشغل بالمنتج الفني، تعرّضت لمحاولات مستمرة لنزع صفتها المهنية وإدخالها في سياق الترويج للسردية الرسمية، بدلاً من أن تكون منصة لتطوير الصناعة ونقاش معاييرها. فضلاً عن الاتهامات التي وُجّهت لمدير برامجها وبعض محرريها بأنهم -ولأسباب سياسية- لا يريدون تغيير شريطها الإخباري من فني درامي إلى سياسي.
وأتذكر كيف شدد وزير الإعلام آنذاك، عدنان محمود، وفي اجتماع رسمي، على أن القناة ستصبح مدافعة عن “الدولة” في وجه “الإرهاب”. وهكذا جرى دفعها تدريجياً إلى الاصطفاف الإعلامي، بالتوازي مع انتقال القطاع بغالبية الفاعلين فيه من وهم الصناعة إلى وظيفة التعبئة.
اليوم، وبعد فضح المفضوح إثر سقوط نظام الإبادة البراميلي، لا يبدو سؤال الدراما والممثلين هو الأولوية؛ فالسؤال الأعمق يتعلق بالعدالة الانتقالية وبإعادة بناء المجال العام على أسس أخلاقية واضحة. حيث لا يمكن التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، فثمة فروق بين من حرّض وبرّر، ومن صمت، ومن حاول المناورة، ومن أعلن اعتذاراً صريحاً أو ضمنياً.
لكن ما يصعب تجاوزه هو إعادة تقديم بعض الوجوه في أعمال تتناول المعتقلين أو الضحايا من دون مراجعة علنية للموقف السابق. فالاعتراف ليس عقوبة، بل هو شرط لاستعادة الثقة إذا كان هؤلاء الممثلون يريدون فعلاً الحفاظ على حضورهم وقيمتهم المعنوية.
غير أن وقائع أعمال هذا الموسم، ولا سيما قفزهم فوق مواقفهم السابقة، تؤكد أن هؤلاء غير مهتمين بالموقف بقدر اهتمامهم بالعمل في مهنتهم والارتزاق منها. ما حدث لم يكن أزمة أفراد فقط، بل نتيجة بنية كاملة: قطاع تضخم رمزياً أكثر مما ترسخ صناعياً، نجوم مُنحوا سلطة معنوية بلا مساءلة، وسلطة سياسية أحسنت توظيف هذا التضخم في لحظة الخطر، فتورط هؤلاء في صنائعها.
لذلك، قبل الحديث عن إعادة تشغيل الدراما أو استعادة أمجادها، ينبغي طرح سؤال أبعد: كيف نعيد بناء الحقل الثقافي السوري على قاعدة المساءلة والاعتراف، بحيث لا يتحول الفن مرة أخرى إلى أداة تزيين للسلطة أو إلى ملاذ من المسؤولية الأخلاقية؟
هذه هي المعادلة الحقيقية التي تواجه الدراما اليوم: إنها ليست معركة إنتاج، بل امتحان ذاكرة وعدالة.
الثورة السورية
———————–
دراما رمضان السورية: بين إجرام النظام وعذابات السوريين/ سمر شمة
1 مارس 2026
تشهد الدراما السورية الرمضانية هذا العام حضورًا كبيرًا ولافتًا على الشاشات والمنصات، ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد تراجع الرقابة السياسية الصارمة التي عانت منها لعقود طويلة. وقد تشكلت ملامحها فور سقوط النظام المخلوع، الذي استغل الثقافة والفنون جميعها لتثبيت سردياته الكاذبة، والدفاع عن جرائمه وقمعه اللامحدود للشعب السوري والمعارضين من التيارات والأيدولوجيات المختلفة. وركّزت على كل المحرمات السابقة، كقضايا المعتقلين والمغيبين قسريًا، وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، والفساد المستشري في بنية النظام، ونهبه لثروات سورية وأهلها، وإفقاره للسوريين، وزجهّم في السجون، وأتون الحرب والمعارك مع الأخوة والأهل والجيران، للدفاع عن كرسي الحكم ولو أدى ذلك إلى تدمير البلاد كلها.
وقد أثارت الحلقات التي عُرضت حتى اليوم من بعض هذه المسلسلات غضب أصحاب حكاياتها، ورفضهم الشديد لها، لأن كثيرًا من صنّاعها، كتابًا ومخرجين وممثلين وشركات إنتاج، كانوا يناصرون الجلاد والقتلة على مدى 14 عامًا من عمر الثورة السورية، ويصفون الثوار والمعتقلين والشهداء بالإرهابيين والخونة المرتبطين بجهات خارجية معادية هدفها تركيع النظام “العلماني الممانع”، على حد قولهم، والقضاء على جيشه “العقائدي” الذي استباح المدن والبلدات السورية الثائرة، واستخدم أعتى الأسلحة وأشدها فتكًا وتدميرًا ضد أهلها وسكانها، وبنيتها التحتية، والحضارات التي مرت عليها، ومدارسها ومساجدها وكنائسها، وكل ركن فيها. وقد جاؤوا اليوم ليجسدوا شخصيات من قاموا بالثورة وآمنوا بعدالتها وشرعيتها، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل التغيير السياسي وبناء دولة العدالة والمواطنة والقانون، في الوقت الذي ما تزال فيه الذاكرة السورية يقظة وحيّة وحاضرة بكل التفاصيل والأوجاع التي عاشها الناس، وما يزال أهالي الشهداء والمختفين يبحثون عن الحقيقة ومصير أبنائهم، وعن عظامهم ورفاتهم ليُدفنوا بكرامة يستحقونها من دون جدوى، ومن دون الوصول إلى العدالة ومحاسبة المجرمين.
يأتي مسلسل “قيصر ــ لا زمان ولا مكان” على رأس هذه الأعمال التي أثارت جدلًا كبيرًا، لخصوصيته وارتباطه بصور “قيصر” التي سربها الضابط السوري فريد المذهان، ووثق فيها استشهاد عشرات الآلاف من السجناء والسجينات تحت التعذيب مصابين بجروح عميقة وكسور وحروق ونحول شديد، في أهم كشف وتوثيق لفظائع الأسد وانتهاكات أجهزته الأمنية والعسكرية الممنهجة.
يجسد المسلسل عبر عشر ثلاثيات منفصلة متصلة، قصصًا واقعية من المعتقلات والمسالخ البشرية للنظام، ويرصد الحياة اليومية للسوريين في ظل منظومة حكم سيطر عليها الفساد المالي والإداري، وارتكاب الجرائم بلا حدود. ويتناول الأحداث السياسية الكبرى والأبعاد الاجتماعية لحكايا المعتقلين وعائلاتهم، وما عاشوه من تجويع وإذلال وقتل ممنهج، ويفيد من الصور والوثائق عن ضحايا التعذيب. المسلسل من تأليف نجيب نصير، ومؤيد النابلسي، وإخراج صفوان نعمو، وبطولة غسان مسعود، وسلوم حداد، وفايز قزق، وصباح الجزائري، وغيرهم.
أثار هذا العمل تحديدًا انتقادات واسعة، ورفضًا كبيرًا لتحويل المأساة إلى عمل درامي قبل تحقيق العدالة، مما يطرح إشكالية أخلاقية عميقة. ولاختزال هذه التجربة المريرة في مشاهد تعذيب لا تعبر أبدًا عن الحقيقة، رغم قساوتها ودمويتها، ولتحويلها إلى مادة تجارية للعرض التلفزيوني، والجراح لم تزل نازفة ومفتوحة. وأصدرت “رابطة عائلات قيصر” بيانًا شديد اللهجة حول هذا الموضوع، أكدت فيه أن آلام الضحايا ليست للمعالجة الفنية، أو الاستثمار الإعلامي، بل قضية إنسانية وحقوقية بامتياز، تتطلب تحديد مصير المفقودين، وتسليم رفاتهم لذويهم، بينما طالبت نقابة المحامين في مدينة حمص بفتح تحقيق مستقل حول المسلسل، مؤكدة أن معالجة الوقائع المتعلقة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري في سورية، يجب ألا تنطوي على تحريف جوهري للأحداث الثابتة بما يشّوه طبيعتها القانونية، وتمييع الحقيقة الإجرامية. وقالت في بيان لها إن سيناريو العمل لم يراعِ حفظ كرامة شهيد الثورة السورية عبد الباسط الساروت، وتاجر فنيًا باسمه من دون الحصول على موافقة خطية من ذويه، وذلك في مشاهد قام ضابط الأمن فيها بتوجيه مسبات وشتائم قاسية لرمز من رموزها، مما أثار سخطًا شعبيًا كبيرًا. ومنذ الحلقة الأولى، أشعل العمل مواجهات حقوقية وأخلاقية تتعلق بحقوق الضحايا وعائلاتهم، ورفضًا لوجود ممثلين فيه كانوا مؤيدين للنظام، واليوم يجسدون دور الثوار، وهذا شرف لا يستحقون أن ينالوه كما قال بعضهم.
مخرج العمل صرّح بأنه تواصل مع عدد من الممثلين المعارضين للنظام المخلوع، إلا أن ارتباطاتهم حالت دون مشاركتهم، وأنه استند في عمله إلى شهادات معتقلين التقاهم شخصيًا. أما الممثل سامر كحلاوي، الذي يجسد دور ضابط الأمن، فقد قدم اعتذارًا عن العبارات المسيئة التي تلفظ بها بحق الساروت، مشيرًا إلى أن الرقابة على الدراما رفضت استخدام لهجة الساحل السوري لشخصيات الضباط “بحجة السلم الأهلي”، وأن شتائم ضد الأسد حُذفت من العمل أثناء المونتاج. أما فريد المذهان، الذي كشف الحقيقة عبر الصور المسربة، فقد أكدّ أن المآسي ليست طريقًا للشهرة، بل مسؤولية أخلاقية يحملها من صمدوا في أصعب الظروف، وأن التاريخ لا يكتبه من حضر بعد أن هدأ الغبار، بل من ثبتوا ونطقوا بالحقيقة في أحلك اللحظات.
الخروج إلى البئر
ويسجل مسلسل “الخروج إلى البئر” حضورًا لافتًا، ومتابعة واسعة من المشاهدين والنقاد كما يبدو من خلال الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا الموسم الرمضاني، وهو يتحدث عن سجن صيدنايا سيء الصيت، والذي كان معسكرًا للإبادة والتعذيب الوحشي والإعدامات، وعن العصيان الذي قام به معتقلون إسلاميون في تموز/ يوليو 2008 ، وسمي “استعصاء صيدنايا” احتجزوا خلاله عدة رهائن من الأمن والشرطة العسكرية، واندلعت خلاله مواجهات عنيفة بين الطرفين، تمكن السجناء بعدها من السيطرة على السجن، وانتهى بمجزرة دموية راح ضحيتها العشرات من الطرفين.
تحدث العمل في حلقاته الأولى عن شخصية سلطان الغالب المركبة الذي يعاني من ألم الاعتقال، بعد سنوات من خروجه للقتال ضد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والذي يجد نفسه وهو صاحب الفكر العروبي القومي داخل هذا المعتقل خلال مرحلة صعبة وعاصفة، على رأس مفاوضات مع النظام باسم السجناء المطالبين بحقوقهم. يروي العمل أيضًا مجموعة من القصص المتشابكة عن معتقلين عايشوا أساليب تعذيب لم يعرف العصر الحديث لها مثيلًا، وهي تستند إلى وثائق حيّة جمعها الكاتب سامر رضوان عن خفايا أشهر سجون الطغاة وحشية. أنجز رضوان العمل قبل سقوط الأسد بأربعة أشهر، وكتب عنه يقول: “ناقشت بهذه الرواية التلفزيونية مرحلة دقيقة مرّت فيها سورية. في مقاربة لواقع التيارات الإسلامية مع النظام الأمني البائد. ومنعكساتها الاجتماعية الخطرة. صحيح أن مرحلة الأب والابن تحتاج إلى مئات الأعمال لشرح المآسي التي خلّفها النظام المستمر بتدمير سورية منذ عقود. إلا أنه العمل الأخير الذي أتعرض فيه لتلك الحقبة السوداء. وأترك الباقي للكتاب السوريين عساهم يسدّون العجز فيما قلته عن هذه المرحلة”.
جرى تصوير العمل في لبنان، وأربيل شمال العراق. وهو من إخراج محمد لطفي، وبطولة جمال سليمان، وعبد الحكيم قطيفان، وواحة الراهب، ومازن الناطور، وباسم قهار، وغيرهم. ومن إنتاج شركة ميتافورا للإنتاج الفني.
في الموسم الرمضاني، أيضًا، هنالك عدد من الأعمال الدرامية المتنوعة، منها:
ــ مسلسل “عيلة الملك”: يوثق اللحظات الأولى لسقوط النظام، ويحاول الإطلالة على الساحات الخلفية لرجاله وتحالفاتهم مع طبقة الأثرياء، ونهبهم للمال العام، وتغلغلهم في مفاصل القرار رغم فسادهم المكشوف. المسلسل من تأليف شادي كيوان، ومعن سقباني، وميادة إبراهيم، وبطولة سلوم حداد، وديما بياعة، ونادين خوري.
ــ مسلسل “مطبخ المدينة”: تدور أحداثه حول طاهٍ يدير مطعمًا في قلب العاصمة السورية، ويحاول الحفاظ على توازن حياته مع انكشاف ملفات شائكة وحدوث صدامات عائلية، وتفكك في الأسرة. ويتناول عمومًا حقبة نظام الأسد من دون اللجوء للمباشرة والشعارات. وهو من تأليف علي وجيه، وسيف رضا حامد، وإخراج رشا شربتجي، وبطولة عباس النوري، ومكسيم خليل، وأمل عرفة، وعبد المنعم عمايري.
وبعيدًا عن الأعمال السياسية المباشرة، يتصدر مسلسل “مولانا” قائمة المسلسلات المتنافسة في هذا الموسم، ويتحدث عن جابر العبد الله، الذي يتخفى خلف ستار نسب مقدس في قرية منسيّة يقتات الناس فيها على انتظار “المولى” منذ عقود، ويجد نفسه فجأة منقذًا لقرية ترفض الموت، ويسعى أهلها للخلاص من ظلم وقمع واستباحة السلطة لهم ولأراضيهم. حكاية تطغى الرمزية على مفرداتها وشخوصها وأحداثها، وتتقاطع مع سورية التي كانت تنشد الخلاص من نظام تغوّل جيشه وأمنه على كل مفاصل البلاد ومقدراتها. قصة المسلسل كتبتها لبنى حداد، والسيناريو لكفاح زيني، وسامر برقاوي، الذي أخرج العمل. وهو من نبطولة تيم حسن، ومنى واصف، وفارس الحلو، وهو عمل لبناني سوري.
من مسلسل “النويلاتي”
هنالك أعمال درامية أخرى اختارت سياقًا مختلفًا، وقدمت وجبة من السخرية اللاذعة لآليات الفساد والخوف والفقر والبطالة أيام البعث، وانتقادات لاذعة للواقع السوري اليوم، مثل “ما اختلفنا”. وأعمال البيئة الشامية، مثل “النويلاتي”. ولا يمكننا إلا أن نذكر أحد الأعمال التي كان المشاهد يعوّل عليها، والتي خرجت من السباق الرمضاني الحالي، وهو مسلسل “السوريون الأعداء” للكاتب والروائي فواز حداد، للمخرج الليث حجو، عن سيناريو وحوار رافي وهبة، ونجيب نصير، وبطولة بسام كوسا، وسلوم حداد، وفايز قزق، ويارا صبري. ومن إنتاج شركة ميتافورا. وهو عمل درامي سياسي ــ اجتماعي ضخم، تدور أحداثه في حقبات زمنية ثلاث من سبعينيات القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية. يركز على حقبة الأسد الأب، ومجازر حماة المروعة عام 1982، ويرصد التحولات الأمنية والسياسية والمصيرية التي عاشها السوريون خلال عقود.
تطرح أعمال هذا الموسم أسئلة يتم تداولها بين المشاهدين والنقاد: هل تستطيع الدراما أن تنقل الرواية الحقيقية لعذابات الشعب السوري وطغيان وإجرام النظام البائد؟ وهل يحق لصناعها أن يفتحوا جراح السوريين على مصراعيها، قبل الوصول للعدالة ومحاكمة السفاحين؟ وهل يحق للممثلين الذين صمتوا ودافعوا عن النظام الذي دمر سورية واستباحها، أن يجسدوا دور الثائر، أو المعتقل، هل سيكونون مقنعين للمشاهد؟ أليسوا عبئًا ثقيلًا على العمل برمته، وعلى الضمير الإنساني؟ ولكن، وفي الوقت نفسه، لا بد، بحسب رأيي، أن تُروى المأساة بصدق، لكي تظلَ شهادة للتاريخ، ولتعرفها الأجيال المقبلة، وتعرف كيف تحولت سورية إلى سجن كبير يضجّ برائحة الدماء وصرخات المعذبين.
ضفة ثالثة
—————————————
ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية/ منى عبود
1. آذار 2026
في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.
وسط موسم رمضان التلفزيوني السنوي، ظهر مسلسل «القيصر لا مكان لا زمان» الذي يروي قصصاً عن الثورة السورية، من ضمنها قضية المعتقلين في سجون النظام السوري السابق. إلا أنه منذ لحظاته الأولى، بدا العمل واهياً وسطحياً، ومنفصلاً بشكل صادم عن الواقع الذي عاشه السوريون خلال سنوات الثورة.
بدلاً من أن يكون شهادة صادقة على المعاناة، بدا وكأنه محاولة سافرة لتبييض الماضي أو إعادة سرد القصة بطريقة «آمنة»، لا تُدين ولا تُطالب بالمساءلة. فلا زمان ولا مكان لسرديتنا نحن الذين عشنا التجربة، وهذا يثير تساؤلات مشروعة، خاصةً وأن معظم صناع المسلسل لم يسبق لهم أن اختبروا معاناة المعتقلين ولا حياة الثوار بين الحصار والكيماوي والتهجير والبراميل. لم يخبروا شيئاً منها على أرض الواقع. ففي السنوات الأولى للثورة، كانوا إما مؤيدين صامتين أو من بين أولئك الذين اعتبروا السوريين «إرهابيين» يستحقون الاعتقال وربما القتل، ويذرفون دموعهم نصرة لقاتلنا وتأييداً له.
تصوير غير واقعي
كما أن المسلسل لم يحاول إخفاء افتقاره إلى البحث أو عجزه عن الاقتراب من الحقيقة. تجاهل صناع العمل القصص الواقعية الموثقة التي تملأ المجال العام، ولا يبدو أنهم كلفوا أنفسهم عناء الاستماع إلى معتقل سابق أو ثائر عاش التجربة منذ عام ٢٠١١، وليس فقط منذ «االتكويع» المتأخر بعد سقوط النظام. بدا مشهد الاعتقال في العمل درامياً، خالياً من فظاعته الحقيقية، ومنفصلاً تماماً عن سياقه الوحشي والقمعي.
لا يمتّ الاعتقال الذي صوّرته إحدى بطلات المسلسل بصلة إلى اعتقالنا. لم أرَ في عينيها الرعب الذي عشنا أثناء الاستجواب، ولا نظرة الألم التي تُنتزع من المرء حين يُسلب اسمه ووجهه وصوته.
في الواقع، جعلني مشهد واحد أضحك بمرارة: حين أمسك المحقق بذراعها ليُريها مقطع فيديو كان على هاتفها.
لم يُدرك مُبدعو هذا العمل أننا كنا نجُرّ إلى الاستجواب معصوبي الأعين، عاجزين عن رؤية أي شيء أمامنا. لم يلمسنا المُستجوب إلا للتعذيب أو الضرب أو الإهانة، بل لم نكن «جديرين» بأن يُمسك بنا من أذرعنا كما يُمسك الإنسان. كنا مجرد أرقاماً و أجساداً لا قيمة لها، لا شخصيات مؤثرة بملامح مُختارة بعناية للكاميرا. فلا أذكر أن محققاً نادى بإسمي يوماً، أو نظر في عيني، كنتُ أسمع مسبات وشتائم لا توجد إلا في قواميسهم، موحّدة كأنها لقنت لهم تلقيناً، رغم تعدد الأفرع التي زرتها أثناء اعتقالي المتكرر.
حتى عندما استُحضرت رموز الثورة، كان ذلك بشكل سطحي ومُختزل، ضمن قراءة مُتأخرة ومُشوّهة لزمن الثورة وسياقها الحقيقي، وكأن السنوات الأولى، بكل ما فيها من تضحيات وهزائم، يُمكن اختزالها في مشاهد عابرة لإرضاء رقابة ما أو ترند موسمي.
استغلال اسم القيصر
يكمن أخطر جانب في هذا العمل ليس فقط في ضعفه الفني، بل أيضاً في توقيته ورمزيته. إن اختيار اسم «قيصر» هو استغلالٌ صارخٌ لرمزٍ من رموز حقوق الإنسان والقانون، مرتبطٍ بواحدةٍ من أهم الملفات التي توثّق جرائم النظام، والتي لها تاريخٌ طويلٌ في سبيل كشف الحقيقة والسعي لتحقيق العدالة الانتقالية.
إن تحويل هذا الرمز إلى مادةٍ درامية استهلاكية، في وقتٍ لم تتحقق فيه العدالة بعد، يُفرغه من معناه، ويعيد تدويره ضمن سردية آمنة لا تدين الجاني ولا تُسمّيه. وزاد الطين بلة تصريح المخرج بأن «هناك مطاعم تحمل اسم قيصر» لا يزيد الوضع إلا سوءاً وأنه لم يقصد «قيصرنا، نحن الثوار الذين نُقدّر تاريخنا». وكأن تقدير الذاكرة جريمة، لا حقاً أخلاقياً لمن دفعوا الثمن.
الاعتقال كظاهرة رمضانية
لم يكن مسلسل «القيصر» العمل الوحيد الذي تجرأ على معالجة أكثر القضايا حساسيةً في سوريا: قضية الاعتقال والتعذيب. هذا العام، ظهرت السخرية في مسلسل آخر بعنوان «مولانا»، والذي يبدأ ببطل يُعتقل بسبب آرائه الثورية ويُتهم بـ«زعزعة هيبة الدولة، والنيل من شخص الرئيس»، تلك التهم التي كنا نموت بسببها ومن يكتب له النجاة يعيش بسخرية أنه كان يزعزع أمن الدولة ويسب الرئيس.
هنا، يبدو المحقق أكثر جدية، ويبدو التمثيل أكثر واقعية. فعندما رأيت الكيس الأسود على رأس البطل، تذكرت فترة وجودي في فرع أمن الدولة، ذلك الكيس الذي كنت أسميه «كيس غوانتانامو»، لأني رأيته من قبل في فيديوهات عن ذلك السجن البعيد، قبل أن أراه هنا، فوق رأسي مباشرة.
لكن استحضار آلامنا بهذه الطريقة، وتحويل ذكرياتنا إلى مشاهد متكررة، لا يخدم القضية؛ بل يُسهم في تبسيطها يوماً بعد يوم. في النهاية، لا يصبح الأمر أكثر من مجرد إعلان لزيت أو سمن يحمل اسم «أجدادنا»، في سيرك رمضاني مبتذل.
عدالة انتقالية وذاكرة غير ملتئمة
لم تبدأ العدالة الانتقالية في سوريا بعد، ، أو ربما بدأت بشكل خاطئ معكوس وهي تنصف الجلاد على الضحية. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لم تَفتح الملفات بالشكل الصحيح، ولم يُحاسب الجناة، ولا يزال مصير عشرات الآلاف من المختفين قسراً مجهولاً. الذاكرة الجماعية للسوريين لا تزال معلقة، مليئة بالتساؤلات، ومثقلة بقضايا عالقة. في مثل هذا السياق، لا يمكن للفن أن يتجاهل الحقيقة أو يتعامل مع الذاكرة كمجرد «مادة جاهزة» للمعالجة الدرامية.
بل إن الأخطر من ذلك هو تأثير هذه الأعمال على آباء وأمهات المختفين قسراً، أولئك لم يتلقوا أي إجابة حتى الآن: هل أبناؤهم على قيد الحياة أم أموات؟ كيف لأم تنتظر الأخبار لأكثر من عقد من الزمان أن تشاهد، خلال شهر رمضان، عملاً ترفيهياً يستعير صورة الاعتقال ويعيد تمثيل الألم، دون حقيقة، ودون محاسبة، ودون حتى اعتراف صريح بالجريمة؟
عندما تُعرض الذاكرة قبل تحقيق العدالة، تصبح عبئاً إضافياً على الضحايا. نحتاج لسنوات آخرى كي يلتئم جرحنا ونترك للأجيال القادمة إرثنا الثوري على شكل أعمال فنية تروي الحقيقة كاملة، لا تقف من فوقها لبيع مساحات إعلانية.
سوريا المتجددة
———————————-
الدراما السورية… موسم المصالحات وعودة الثنائيات القديمة/ ساري موسى
06 مارس 2026
لم يعد المشهد الرمضاني السوري هذا العام مجرد سباق أعمال درامية، بل يبدو أقرب إلى موسم مصالحة غير معلنة بين نجوم فرّقتهم خلافات حادة طوال سنوات. أسماء كانت تتبادل التصريحات النارية عادت لتتقاسم البطولة، ومخرجون أعلنوا قطيعة نهائية عادوا ليفتحوا أبواب مواقع التصوير من جديد. ما الذي تغيّر؟ هل هي مصادفات إنتاجية فرضتها السوق، أم إنّ الدراما السورية تعيش إعادة تموضع بعد سقوط نظام بشار الأسد، برعاية عربية تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الفني بما ينسجم مع المرحلة الجديدة؟
تبدو مؤشرات هذا التحوّل واضحة في أكثر من عمل يُعرض هذا الموسم. فقد عاد مخرجون وممثلون فرّقتهم خلافات علنية إلى التعاون من جديد، في مشهد لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة. بعض هذه الخلافات يعود إلى ذروة الانقسام السوري بعد الثورة عام 2011، حين تداخلت الاعتبارات الفنّية بالمواقف السياسية، وبعضها الآخر نشأ من تنافس مهني حاد أو اختلافات في الرؤى الإخراجية.
اليوم، ومع تبدّل المناخ العام في البلاد، وعودة فنانين عاشوا في الخارج إلى العمل داخل سورية، يبدو أن حسابات المرحلة تغيّرت، وأن أولويات السوق والإنتاج باتت تتقدّم على إرث الخصومات القديمة.
يعود أقدم هذه الخلافات الكبيرة إلى عام 2013، حين تولّى المخرج سيف الدين سبيعي إخراج الجزء الثالث من مسلسل “الولادة من الخاصرة” (نصّ سامر رضوان)، خلفاً لرشا شربتجي التي أخرجت الجزأين الأول والثاني، واعتذرت عن إخراج الجزء الجديد بعد انتقال التصوير إلى لبنان بسبب الأوضاع الأمنية في دمشق آنذاك.
في تلك المرحلة، نشب خلاف بين سبيعي وبطل العمل عابد فهد الذي أدّى دور المقدّم رؤوف، نتيجة تباين في وجهات النظر الفنية حول المسلسل، وصل إلى حدّ اعتراض فهد على مشاركة ممثلة استقدمها سبيعي لأداء أحد الأدوار. اليوم، يجتمع الاثنان مجدداً في مسلسل “سعادة المجنون” الذي أخرجه سبيعي ويتصدّر فهد بطولته.
يُقال إن من العوامل التي ساهمت في طيّ الخلاف وجود شريكي البطولة في العمل؛ سلافة معمار طليقة سبيعي التي تربطه بها علاقة ودّية، وباسم ياخور الذي تعاون مع المخرج في عدد من أعماله الأخيرة، من بينها “ببساطة” (2019) و”العربجي” (2023).
وإذا كان باسم ياخور قد لعب دور حلقة وصل في إعادة جمع سبيعي وعابد فهد، فإن اسمه ارتبط أيضاً بخلاف آخر شمل شراكته الطويلة مع أيمن رضا، زميله في الأدوار الكوميدية في عدد من المسلسلات، أبرزها “بقعة ضوء” الذي انطلقت فكرته منهما معاً. تفجّر الخلاف إلى العلن بوضوح خلال برنامج “أكلناها” الذي قدّمه ياخور قبل سنوات، حين استضاف رضا في إحدى حلقاته، لتتحوّل الحلقة إلى مساحة لكشف التباينات بينهما.
غير أن المصافحة التي جمعتهما في مهرجان جوي أووردز في السعودية مطلع هذا العام، بعد تعاونهما في الجزء الثالث من “ما اختلفنا” (تأليف مجموعة كُتّاب، إخراج وائل أبو شعر)، لم تحظَ بالصدى الإعلامي الذي رافق خلافهما سابقاً.
كان رضا قد صرّح أخيراً بأن “ما اختلفنا” بات هذا الموسم أقرب إلى مستوى “بقعة ضوء”، بعدما كان ياخور، الذي تجمعه علاقة قوية بالشركة المنتجة لمسلسل “ببساطة” القائم بدوره على اسكتشات قصيرة شبيهة بالعملين المذكورين، فضّل سابقاً عدم إشراكه بحجة أن العمل لن يسير جيداً في ظل الخلافات المعتادة بينهما حول وجهات النظر. فما الذي تغيّر وأعاد التعاون بينهما؟ يُرجّح أن يكون الدافع هذه المرّة إنتاجياً بحتاً، في ظل سعي الجهة المنتجة (شركة ميتافورا)، والجهة العارضة (العربي 2) إلى تقديم عمل قادر على استعادة وهج الكوميديا الجماهيرية، ومحاولة صناعة “بقعة ضوء” جديدة.
في السياق نفسه، يعود عبد المنعم عمايري إلى الوقوف أمام كاميرا رشا شربتجي في مسلسل “مطبخ المدينة” (كتابة علي وجيه وسيف رضا حامد)، بعد أربع سنوات من سجالٍ إعلامي تبادل فيه الطرفان تصريحات حادّة. وكان عمايري قد أثار السجال حين قارن، من دون مناسبة واضحة، بين رشا ووالدها المخرج الراحل هشام شربتجي، معتبراً أنّها لم تبلغ بعد مستواه، وأنها “ليست مرجعاً” في الدراما السورية.
ولم يجمع بطل “قيد مجهول” ومخرجة “كسر عضم” (الجزء الأول) سابقاً سوى عمل كوميدي لم يحقق حضوراً يُذكر، ما يجعل تعاونهما الحالي محطة لافتة في مساريهما. يبدو “مطبخ المدينة” مشروعاً واعداً، يستند إلى قصة محبوكة ومشبعة بالتفاصيل، وإخراج متقن من شربتجي التي رسّخت حضورها في أعمال تدور في زواريب دمشق، وظلال أحيائها الطرفية، وركام ضواحيها. هنا أيضاً، تتقدّم ضرورات المرحلة الجديدة على إرث التصريحات القديمة، في محاولة لإعادة تركيب الثنائيات الفنية ضمن مشهد يسعى إلى استعادة تماسكه.
ولا يمكن قراءة هذه المصالحات بمعزل عن التحوّل الأوسع في الخريطة الإنتاجية عربياً، مع تصاعد حضور الرياض في هذا المشهد. فقد شكّلت خطوة جمع عدد كبير من النجوم السوريين في الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، برعاية رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية تركي آل الشيخ، إشارة رمزية إلى مرحلة إعادة ترتيب للمشهد الفني السوري. ومع انتقال جزء مهم من التمويل والتسويق إلى منصات وجهات عربية مرتبطة بالسوق الخليجية، تبدو الحاجة إلى تجنّب الانقسامات الداخلية أكثر إلحاحاً، في صناعة باتت تعتمد على شبكات إقليمية عابرة للحدود.
العربي الجديد
————————-
==========================



