تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

وكأنَّ سورية ليست لنا؟/ شعبان عبود

03 مارس 2026

بعد سقوط النظام، وفي غمرة فرح السوريين بتلك اللحظة، ظنّوا أن صفحة جديدة تُفتح في تاريخهم، وأن الدولة التي احتكرتها عائلة الأسد وحزب البعث وأجهزة أمنية عقوداً طويلة ستعود أخيراً إلى أهلها، جميع أهلها. غير أن الأشهر التي تلت كشفت عن مسار مغاير، إذ بدا أن السلطة الجديدة تمضي بخطى ثابتة، من دون أن تلتفت يميناً أو يساراً، نحو الاستحواذ على مفاصل الدولة كافة، لا بوصفها ملكاً عاماً، بل غنيمة سياسية خالصة.

منذ الأيام الأولى، شرعت النواة الصلبة للسلطة في إعادة تشكيل المؤسسات على قياسها. الوزارات، والإدارات المحلية، والبعثات الدبلوماسية، والمؤسسات الإعلامية، ما خلا بعض الترقيعات هنا وهناك، لإعطاء إيحاء بمشاركة المكونات. ليس ذلك فحسب، حتى بعض التشكيلات العسكرية والأمنية، خضعت لعملية إحلال واسعة، أُقصيت فيها كفاءات وخبرات راكمت معرفة طويلة، كلها من المنشقين باكراً عن جيش النظام، ومن رتب ومستويات وتخصصات متنوعة، وبعضها كان نشطاً في صفوف المعارضة، وبعضها الآخر دفع أثماناً باهظة في مواجهة نظام بشار الأسد. غير أن معيار القرب من “الجماعة” غلب على معيار الكفاءة، وتحولت الدولة إلى فضاء مغلق تديره شبكة ولاءات ضيقة.

لم يكن الإقصاء محصوراً بمن يُحسبون على الأقليات، كما يروّج البعض لتبسيط الصورة أو تأجيج المخاوف. بل طاول أيضاً شخصيات سنّية بارزة، ووجوهاً ثورية معروفة، وناشطين وإعلاميين ومحامين ودبلوماسيين انخرطوا في معارضة النظام السابق منذ سنواته الأولى. هؤلاء لم يجدوا أبواباً مفتوحة في العهد الجديد، بل وجدوا جدراناً صلبة، وكأن التضحيات التي قدموها لم تكن كافية لمنحهم حق المشاركة في بناء الدولة.

في المقابل، فضّلت السلطة الجديدة الاعتماد على كوادر محسوبة على هيئة تحرير الشام، حتى وإن كانت حديثة العهد بالإدارة العامة، أو تفتقر إلى الخبرة المهنية اللازمة. شباب في مقتبل العمر، بلا تجربة سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية، وُضعوا في مواقع حساسة، ليس لأنهم الأكثر تأهيلاً، بل لأنهم الأكثر قرباً. هكذا تكرست عقلية “الجماعة” التي ترى في الدولة امتداداً تنظيمياً، لا كياناً وطنياً جامعاً.

لا تنتج هذه المقاربة استقراراً ولا تبني مؤسسات راسخة. الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الثقة التنظيمية وحدها، بل بمنطق التعدد والكفاءة والرقابة المتبادلة. وحين يُستبعد أصحاب الخبرة لمصلحة الولاء، تتآكل الثقة العامة، ويشعر المواطنون بأنهم غرباء في وطنهم. فالدولة التي لا تتسع لأبنائها جميعاً، حتى المختلفين منهم، تتحول إلى كيان هش، مهما بدا متماسكاً في ظاهره.

الأخطر أن هذا النهج يعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي ثار السوريون عليه. صحيح أن الوجوه تغيّرت، وأن الخطاب تبدّل، لكن الآلية ذاتها تكاد تتكرر: احتكار القرار، تضييق دوائر المشاركة، وتهميش كل من لا ينتمي إلى الحلقة الضيقة. الفارق أن الخيبة هذه المرة أعمق، لأنها تأتي بعد وعود بالانفتاح والشراكة.

في الشارع السوري اليوم، يتنامى شعور صامت بأن سورية لم تعد لجميع أبنائها. مثقفون وإعلاميون وعسكريون سابقون ودبلوماسيون يجدون أنفسهم على الهامش، بلا دور ولا تأثير. كثيرون منهم لم يطلبوا امتيازات، بل طالبوا بفرصة عادلة للمساهمة في إعادة بناء بلد أنهكته الحرب. غير أن الرسالة التي تلقوها كانت واضحة: المكان محفوظ لمن ينتمي، لا لمن يستحق.

هكذا يتسلّل الإحساس المرير بأن سورية، التي حلم بها السوريون وطناً جامعاً، تُدار اليوم بعقلية الجماعة لا بعقلية الدولة. ومع كل قرار إقصائي جديد، يكبر السؤال في النفوس: لمن هذي البلاد؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى