الانسحاب الاميركي من سورية وعلاقته بالحرب على “داعش” تحديث 07 أذار 2026

لمراجعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
المقاتلين الأجانب و “داعش” في سورية
والرابط التالي:
تحديث 07 أذار 2026
“مكتب بغداد” نموذجا… ما الذي يمكن نقله من التجربة الأميركية إلى دمشق؟/ جيمس جيفري
استيعاب التجربة العراقية جيدا
07 مارس 2026
نجحت سوريا في البقاء بعيدا عن دائرة الضوء في الصراع الإقليمي الدائر حاليا مع إيران، في مؤشر آخر على دبلوماسيتها الحذقة. وتبعث التطورات التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية على قدر من الأمل بإمكان تحقيق مزيد من الاستقرار، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من احتمال تراجع الاهتمام الأميركي. فقد أفضى التحول السريع في موازين القوة، وما رافقه من قتال محدود، بين “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية والحكومة المركزية، إلى اتفاق تسوية لا يزال صامدا حتى الآن. ومن شأن هذا الاتفاق أن يهدئ العلاقات بين الطرفين، وأن يشكل نموذجا يمكن الاحتذاء به في دمج أقليات أخرى.
إلا أن إعلان الولايات المتحدة عزمها سحب جميع قواتها من سوريا، يثير القلق حيال مجمل الانخراط الأميركي الضروري من أجل دمج الكرد، وكذلك في مواصلة احتواء “تنظيم الدولة الإسلامية”، والحد من نفوذ إيران ووكلائها. ومع ذلك، فإن واشنطن، إلى جانب انخراطها الدبلوماسي المباشر مع دمشق، ومن خلال علاقاتها الأوسع مع المجتمع الدولي فيما يخص سوريا، تملك خيارات للتعاون الأمني، تتجاوز الوجود القتالي الأميركي التقليدي بموجب “الباب العاشر”. ويمكن لحسن توظيف هذه الخيارات، أن يعزز قدرات القوات السورية في مواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأي محاولات إيرانية محتملة، وأن يدعم في الوقت نفسه الحضور الدبلوماسي الأميركي على نحو أوسع.
يشكل قيام سوريا مستقرة، مندمجة في محيطها الإقليمي، وقادرة على ردع أي عودة لنشاط “تنظيم الدولة الإسلامية” أو وكلاء إيران، ركنا أساسيا في تحقيق استقرار المنطقة على المدى الطويل. ويتطلب بلوغ هذه الغاية عنصرين رئيسين: أولهما قيام دولة موحدة، تحظى بقبول مكوناتها الدينية والإثنية، وثانيهما توافر مقاربة دولية مشتركة تدعم اندماج سوريا وتنميتها وأمنها.
ويرتبط هذان العنصران بعلاقة تكامل متبادل؛ إذ إن سوريا التي تنجح في تعزيز وحدتها الداخلية، وترسيخ مناخ من التسامح ستكون أقدر على كسب الدعم الدولي، وعلى تجنب محاولات القوى الخارجية اختيار شركائها المحليين على نحو انتقائي، كما حدث خلال حرب 2011–2024. وفي المقابل، فإن توافقا دوليا داعما للحكومة السورية من شأنه، إذا ما اقترن بالمساعدة التنموية والإسناد الدبلوماسي، أن يشجع سلوكا أكثر مسؤولية من جانب دمشق، وكذلك من جانب مختلف جماعات الأقليات.
وفي الوقت الراهن، يمثل اتفاق التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي أبرز محاولة لدمج الأقليات، مع الحفاظ على أنماط الحكم المحلي وحقوقها الثقافية. ومن المرجح أن يرسم نجاح هذا الاتفاق أو تعثره ملامح عملية دمج الأقليات الأخرى، وأن ينعكس في نهاية المطاف على وحدة سوريا واستقرارها.
ويجدر التذكير بأن التوصل إلى اتفاق التاسع والعشرين من يناير، جاء عقب تدخل واسع من مسؤولين أميركيين مدنيين وعسكريين، وعلى أعلى المستويات، مع كلا الطرفين، بهدف احتواء القتال بينهما، ونقل عدد من أخطر عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” المعتقلين، وتحسين اتفاق سابق كان قد أبرم بينهما. فقد مال الاتفاق الموقع في الثامن عشر من يناير، بصورة كبيرة لصالح دمشق، إذ نص على دمج عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري على أساس فردي فقط.
حتى الآن، ورغم أن تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من يناير، لا يزال بعيدا عن الاكتمال، فقد مضى قدما مع تسجيل قدر ضئيل من العنف، أو انعدامه، منذ سريان وقف إطلاق النار. فقد دخلت قوات وزارة الداخلية إلى المناطق الكردية في محافظة الحسكة ومدينة كوباني، وفق ما اتُّفق عليه في نهاية يناير، من دون احتكاكات تذكر مع “قوات سوريا الديمقراطية”. كما عقد قادة هذه القوات اجتماعات مع مسؤولي وزارة الدفاع لبحث آليات دمج الألوية ضمن الجيش السوري.
وعيّن الرئيس أحمد الشرع أحد أبرز مسؤولي “قوات سوريا الديمقراطية”، نور الدين أحمد عيسى، محافظا للحسكة. وفي الثاني والعشرين من فبراير/شباط، أصدرت وزارة الداخلية مرسوما ينظم مسألة منح الجنسية للسوريين الكرد، انسجاما مع ما نص عليه الاتفاق. كذلك عيّنت دمشق مسؤولا رفيعا في وزارة الداخلية، العميد زياد العايش، مبعوثا عنها لمتابعة تنفيذ اتفاق يناير.
وفي موازاة ذلك، توجه قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، بدرجات متفاوتة من التنسيق مع دمشق والولايات المتحدة و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” العراقي، إلى مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث التقى، من بين آخرين، وزير الخارجية ماركو روبيو. أما تركيا، المنخرطة بعمق في مسار وقف إطلاق النار الخاص بها مع “حزب العمال الكردستاني”، فقد أبدت دعما هادئا لاتفاق يناير؛ فعلى الرغم من اعتراضاتها السابقة على دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن الجيش السوري على أساس وحدات كاملة، تبدو وقد تغاضت عن هذا البند، وربما سمحت، وفق روايات متباينة، بزيارة مظلوم عبدي إلى ألمانيا.
وتكمن الأهمية الأبرز في أن النجاح المتحقق حتى الآن بين دمشق والكرد، قد يشكل نموذجا يحتذى لتشجيع التعاون مستقبلا بين دمشق والدروز، وربما مع العرب العلويين أيضا.
غير أن الانسحاب الوشيك للقوات الأميركية من سوريا، قد يؤدي إلى إبطاء الزخم نحو الوحدة والتسامح، نتيجة تراجع الحضور الأميركي فعلا وانطباعا، فضلا عما قد يترتب عليه من إضعاف التعاون العسكري في مواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأي وجود لوكلاء إيران. ورغم أن الدبلوماسية الأميركية المكثفة رفيعة المستوى، كما شهدتها الساحة السورية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، يمكنها تعويض جزء من هذا التراجع، فإن وجود مكون أمني أو عسكري ضمن هذا الانخراط الدبلوماسي، يظل محل ترحيب من مختلف الأطراف.
وفي هذا السياق، تملك واشنطن عدة خيارات لمواصلة التعاون العسكري والأمني، تتراوح من تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب إلى التخطيط والعمليات المشتركة، وربما تنفيذ مهام أميركية أحادية، استنادا إلى الخبرة المكتسبة خلال الحملة ضد “تنظيم الدولة الإسلامية”، وكذلك إلى التجربة التي أعقبت انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011.
التعاون الأمني بعد الانسحاب
يبدأ هذا التعاون من خلال التحالف الدولي لهزيمة “تنظيم الدولة الإسلامية”، بشقيه العسكري الذي تنسقه القيادة المركزية الأميركية، والإطار السياسي الموازي له. وعلى الصعيد العسكري، وبما أن سوريا أصبحت عضوا في هذا التحالف، فقد بات متاحا لها الاستفادة من طيف واسع من قدرات تبادل المعلومات الاستخباراتية وغيرها من القدرات العملياتية الجاهزة عند الطلب، والتي تتراوح من التدريب إلى إمكانات الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات. كما يؤدي التحالف دورا فعالا في تنسيق الاستجابات الدولية لمواجهة تجنيد العناصر الإرهابية، وتنقل أفراد “التنظيم” عبر الحدود، وعمليات جمع الأموال وتحويلها، إضافة إلى التصدي لحملات التضليل التي ينفذها. ورغم أن هذه القدرات صممت أساسا لخدمة المعركة ضد ما تبقى من قوات “التنظيم” في العراق وسوريا خصوصا، فإن التعاون مع التحالف يوفر لسوريا فوائد أمنية أوسع نطاقا.
وإذا توافرت الإرادة لدى كل من واشنطن ودمشق، يمكن للولايات المتحدة أيضا أن توفد عددا كبيرا من العسكريين إلى سفارتها في دمشق بعد إعادة افتتاحها، سواء ضمن مكتب الملحق العسكري أو ضمن مكتب التعاون الأمني، على غرار المكتب التابع للسفارة الأميركية في بغداد. وتكمن إحدى المزايا الأساسية لهذا الترتيب في أن الأفراد العسكريين، لا يحتاجون إلى اتفاقية وضع القوات لتأمين الحصانات، نظرا إلى أنهم يعملون رسميا ضمن البعثة الدبلوماسية، ويتمتعون بأشكال مختلفة من الحصانة الدبلوماسية. وفي ضوء الصعوبات التي تعترض التفاوض على مثل هذه الاتفاقيات في المنطقة، يمثل هذا الترتيب ميزة كبيرة.
وقد امتلك مكتب التعاون الأمني في بغداد، عند تأسيسه عام 2011، قدرات معتبرة. فقد كان بقيادة فريق، وضم آليات متقدمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب وظائف تنسيقية أخرى مدمجة ضمن منظومة القوات الأمنية العراقية. ولم يقتصر دوره على إدارة برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، بل شمل أيضا، بالتنسيق مع الحكومة العراقية، نشر أفراد عسكريين في قواعد عراقية مختلفة في أنحاء البلاد، حيث كان متعاقدو البرنامج الأميركيون ينشطون بكثافة. ولم تقتصر مهام هؤلاء العسكريين على الوظائف التقليدية المرتبطة بالبرنامج، بل اضطلعوا أيضا بأدوار القيادة والسيطرة، والإشراف الأمني في مواقع البرنامج المختلفة، مع رفع تقاريرهم إلى السفير عبر رئيس مكتب التعاون الأمني.
وعند تأسيسه، تولى مكتب التعاون الأمني في بغداد أيضا مهام شبه عملياتية إضافية. فقد شملت هذه المهام تنسيق عمل سفن خفر السواحل الأميركية التي كانت تؤمّن- من المياه الدولية- حماية منشآت النفط العراقية البحرية، وهو ما لم يكن يتطلب اتفاقية وضع القوات، إضافة إلى الإشراف المحدود على “وحدات البيشمركة الكردية” والجيش العراقي، المنتشرة على طول حدود إقليم كردستان. وشكل ذلك امتدادا لفترة وجيزة لعملية “الفصيلة المشتركة” التابعة للقوات الأميركية في العراق، التي هدفت إلى تخفيف التوتر بين القوات الكردية والقوات الحكومية المركزية.
وكان من المخطط نشر فرق من القوات الخاصة لتنفيذ جولات تدريبية دورية، إلا أن هذه المبادرة توقفت سريعا نتيجة مخاوف لدى كل من واشنطن وبغداد. كما جرى الاتفاق بهدوء بين السفارة الأميركية وأعلى مستويات الحكومة العراقية على تنفيذ عمليات محددة مرتبطة بالاستخبارات العسكرية، تولى مكتب التعاون الأمني إدارتها في العراق. ويمكن لترتيبات مماثلة، سواء عبر هذا النموذج أو من خلال التحالف الدولي، أن تتيح تنفيذ عمليات مباشرة داخل سوريا من جانب الولايات المتحدة أو دول أخرى منضوية فيه.
ورغم أن الهدف الأساسي للمشاركة العسكرية الأميركية، سواء ضمن عمليات التحالف أو من خلال مكتب التعاون الأمني في السفارة، يتمثل في تعزيز مهنية قوات الأمن السورية، والحفاظ على الضغط المستمر على “التنظيم”، فإن المكاسب السياسية الثانوية قد تكون ذات أهمية كبيرة. فاستمرار التواصل العسكري الأميركي مع “قوات سوريا الديمقراطية” من شأنه أن يطمئن الشركاء الكرد، الذين ارتبطوا بواشنطن على مدى سنوات، ويؤكد التزامها بأمن الكرد في سوريا. كما يمكن لهذا الوجود، على غرار التجربة العراقية، أن يوفر مراقبة مباشرة لعملية دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري، ولمستوى التوتر بين الطرفين.
وبالمثل، فإن الحضور العسكري الأميركي قد يوفر رؤية أوضح لأي تحركات إيرانية سرية محتملة، سواء بهدف تقويض الحكومة السورية، أو تهريب الأسلحة إلى “حزب الله” في لبنان. وإلى جانب ذلك، شكل التعاون الأمني الواسع والفعال، عبر السنوات، ركنا أساسيا في علاقات واشنطن الثنائية مع دول ذات أهمية استراتيجية تواجه أوضاعا هشة، ومنها سوريا.
ورغم أن هذه الترتيبات تبدو الخيار الأكثر واقعية لمواصلة التعاون الأمني، وتعزيز الروابط السياسية مع كل من الحكومة المركزية و”قوات سوريا الديمقراطية”، فإنها تنطوي على محاذير. فقد أخفق مكتب التعاون الأمني في العراق في بلوغ كامل إمكاناته كخليفة فعلي للقوات الأميركية في العراق، التي أنهت عملياتها القتالية رسميا عام 2010 وتحولت إلى قوة للتدريب والتجهيز، وذلك لعدة أسباب.
أول هذه الأسباب أن غياب وجود واضح لوزارة الدفاع الأميركية ومهمة قتالية محددة داخل البلد، يؤدي غالبا إلى تراجع مستوى الاهتمام والالتزام في واشنطن. فقد جرى تحويل سفن خفر السواحل الأميركية إلى مهام أخرى، كما ألغيت بهدوء مبادرات عدة تتعلق بالقوات الخاصة وغيرها، بعدما اعتبرت أولويات أقل إلحاحا.
أما من الجانب العراقي، ولا سيما في عهد حكومة نوري المالكي، فقد اتسم الموقف تجاه الوجود العسكري الأميركي بازدواجية واضحة. فمن جهة، كان ينظر إلى القوات الأميركية باعتبارها قوة يمكن اللجوء إليها في الحالات الطارئة لإنقاذ الوضع عند الضرورة القصوى. ومن جهة أخرى، سادت شكوك عميقة لدى المسؤولين العراقيين حيال انخراط العسكريين الأميركيين داخل بنية القوات والأجهزة الاستخباراتية العراقية، في ظل تصاعد النفوذ الإيراني، وهو ما عزز المخاوف من وجود ذي طابع شبه استعماري.
وقد زاد الحجم الكبير لمكتب التعاون الأمني من حدة هذه المخاوف، من دون أن يملك في المقابل القدرات القتالية الطارئة، التي كانت توفر سابقا قدرا من الطمأنينة لبغداد. ونتيجة لذلك، مارست الحكومة العراقية ضغوطا متكررة، لتقليص حجم المكتب ومهامه. كما أخفق كل من المكتب والسفارة في إدراك مدى التآكل الذي أصاب بنية القوات العراقية، ولا سيما على مستوى القيادات الكفؤة، فضلا عن المشكلات العميقة في مجالات التدريب والتجهيز والصيانة، وهي عوامل ساهمت في الانهيار الواسع للقوات النظامية العراقية أمام هجوم “تنظيم الدولة الإسلامية” عام 2014.
ومع ذلك، فإن إقامة علاقة أمنية محدودة مع سوريا وفق هذه الأسس، إذا أحسنت إدارتها، يمكن أن تعوض جانبا كبيرا من غياب القوات القتالية الأميركية، وأن تدعم مسار الاستقرار في البلاد.
المجلة
—————————-
داعش في سوريا 2026: هجمات استنزاف استراتيجية تهدد المرحلة الانتقالية/ معاذ الحمد
داعش يصعّد هجماته شرق سوريا: استراتيجية استنزاف لاختبار الحكومة الانتقالية
2026-03-07
خلال شباط/فبراير 2026، تصاعدت الهجمات التي ينفذها تنظيم “داعش” في شرق سوريا ضمن استراتيجية مدروسة تهدف إلى استنزاف قدرات الحكومة الجديدة وإرباك المؤسسات الأمنية، حيث استهدفت الحواجز ونقاط الجيش والأمن في الرقة ودير الزور بأسلوب متكرر ومنسق يزعزع الثقة الشعبية بالسلطة ويستغل أي فراغ أمني أو سياسي ناتج عن إعادة انتشار القوات. ويستفيد التنظيم من الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة وحالات فرار من السجون لتعزيز إعادة تنظيمه واستقطاب عناصر جديدة، كما يعكس انتقاله من البادية إلى المدن والقرى شبه الحضرية وعيه بصعوبة البقاء في مناطق مكشوفة، مستفيداً من الانشغال الأمني والسياسي لتنفيذ ضرباته الميدانية والإعلامية، بهدف تقويض المشروع الانتقالي واستعادة حضوره كفاعل سياسي، ما يجعل مواجهة هذا التصعيد تحدياً متعدد الأبعاد يتطلب استراتيجيات أمنية وفكرية وسياسية متكاملة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن قواتها الأمنية تواصل تنفيذ عمليات واسعة النطاق لتفكيك خلايا التنظيم وملاحقة عناصره في مختلف المحافظات، لا سيما في المناطق التي شهدت تحسناً نسبياً في الاستقرار خلال الأشهر الماضية.
وأكد وزير الداخلية أنس خطاب التزام الأجهزة الأمنية بمواجهة التهديدات “دون انقطاع”، رغم الخسائر التي تكبدتها القوى الأمنية خلال العمليات الأخيرة، في إشارة إلى طبيعة المواجهة المفتوحة مع خلايا التنظيم التي تعتمد تكتيكات الكرّ والفرّ والهجمات المباغتة على الحواجز والنقاط الثابتة.
“إنهاك الشرعية”
ويرى مصطفى هاني إدريس، عضو مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية، في تصريحات لـ”963+” أن هذه الهجمات لا تقتصر على البعد العسكري، بل تتجاوز ذلك لتصبح جزءاً من استراتيجية أوسع للتنظيم تهدف إلى “إنهاك الشرعية” وإظهار عجز السلطة الجديدة عن فرض سيادتها وحماية المواطنين، من خلال رسائل داخلية وخارجية متزامنة.
ويضيف إدريس أن الهدف من هذه العمليات يتمثل في زعزعة الثقة الشعبية بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية، وإحراجها أمام المجتمع الدولي، عبر تصوير البديل عن النظام السابق كحالة من الفوضى المستمرة، ما يضع الحكومة أمام اختبار حاسم لإثبات كفاءتها الأمنية دون الانجرار إلى ردود فعل عشوائية قد تضر بشرعيتها السياسية.
ميدانياً، كانت محافظة الرقة أبرز مسارح التصعيد خلال الفترة المذكورة. ففي 21 فبراير شنت خلايا التنظيم هجوماً على حاجز في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي، ما أسفر عن مقتل جندي سوري ومدني، وتلاه هجوم آخر على حاجز في مدينة الطبقة في اليوم نفسه.
وفي صباح 22 فبراير استهدف مسلحون حاجز السباهية غرب الرقة باستخدام أسلحة رشاشة وحزام ناسف، ما أدى إلى مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة آخر، بينما تمكنت القوات من تحييد أحد المهاجمين.
وخلال يومي 23 و24 فبراير تجددت الهجمات على الحاجز ذاته، ما أسفر عن مقتل أربعة عناصر أمن وإصابة آخرين، لترتفع حصيلة القتلى إلى ثمانية على الأقل في ست عمليات متقاربة زمنياً.
ويشير إدريس إلى أن تكرار استهداف نقاط محددة يعكس استراتيجية دقيقة للتنظيم، تهدف إلى خلق شعور بعدم الأمان لدى السكان وإرباك المنظومة الأمنية، وهو ما يندرج في إطار ما يسميه “التأثير الرمزي” على قدرة الحكومة الجديدة.
ويضيف أن تنظيم “داعش” يسعى لتوجيه رسائل مفادها أن الحكومة الانتقالية غير قادرة على فرض السيطرة، مستغلاً أي ضعف مؤقت أو فراغ أمني ينتج عن إعادة انتشار القوات أو المحاصصات السياسية الشكلية التي قد تمنح بعض الأطراف نفوذاً مؤقتاً على الأرض.
أما في محافظة دير الزور، فقد استهدف مسلحون مقرّاً للجيش السوري في محيط مدينة الميادين، ما أدى إلى مقتل جندي، وتلاه هجوم آخر في 21 فبراير أودى بحياة جندي ثانٍ.
“إعادة تموضع”
ويوضح الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان، في تصريحات لـ”963+” أن الانتقال إلى المناطق الحضرية، سواء في المدن الرئيسية أو القرى والمناطق المحيطة بها، جاء نتيجة إدراك التنظيم لصعوبة بقائه في مناطق مكشوفة ومعرضة للغارات، خاصة بعد العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية عقب سقوط النظام السابق.
ويضيف سلطان أن هذا التحرك لا يشير بالضرورة إلى قدرة التنظيم على قلب موازين القوى، ولكنه يعكس استراتيجية طويلة المدى تستهدف الاستنزاف، إعادة بناء القدرات، استغلال الانشغال الأمني والسياسي، وتجهيز الأرضية لجولات جديدة من القتال.
وجاء تصعيد التنظيم متزامناً مع كلمة مسجلة للمتحدث باسم التنظيم، “أبو حذيفة الأنصاري”، أعلن فيها الدخول في “مرحلة عمليات جديدة” ضد الحكومة السورية، وهاجم شرعيتها السياسية في خطاب يحمل طابعاً تحريضياً واضحاً. ولم تمضِ أيام قليلة على نشر التسجيل حتى بدأت الهجمات بالتكثف، وهو ما يؤكد أن التنظيم يمتلك قدرة على ترجمة خطاباته الدعائية إلى أعمال ميدانية.
كما أعلن التنظيم مسؤوليته عن عدد من العمليات عبر وكالته الإعلامية “أعماق”، في محاولة لإبراز حضوره واستعادة الزخم الدعائي الذي تراجع بعد فقدانه السيطرة الجغرافية.
ويرى إدريس أن استخدام التنظيم لرسائل سياسية مكثفة عبر بياناته الإعلامية، بما فيها بيان 21 فبراير، يمثل محاولة لإعادة التموضع كفاعل سياسي في المشهد الجديد عبر شن حرب نفسية تهدف إلى تقويض المشروع الانتقالي وتعريض الهوية الوطنية للخطر، ما يتطلب مواجهتها ليس فقط أمنياً، بل فكرياً وإعلامياً.
المؤشرات الميدانية تفيد بأن التنظيم يسعى إلى استغلال الفراغ الأمني النسبي الناتج عن إعادة انتشار القوات بعد اتفاقات تسليم مناطق شمال شرق سوريا أواخر 2025 وبداية 2026. وتشير تقديرات أمنية إلى قيامه بنقل خلايا نائمة من مناطق البادية الممتدة بين حمص وجنوب دير الزور إلى مناطق أكثر كثافة سكانية، بما يعزز قدرته على تنفيذ هجمات خاطفة ثم الانسحاب بسرعة.
ويشير سلطان إلى أن هذا الانتقال يجعل وجود هذه الخلايا أمراً واقعياً، إذ يمكنها التوسع في الشمال الشرقي، الشمال الغربي، ومناطق دمشق وما حولها، ما يعكس قدرة التنظيم على الاستمرار في تهديد الأمن والاستقرار رغم فقدانه قدرات السيطرة السابقة.
ويزداد القلق من استفادة التنظيم من حالات هروب لمعتقلين من مخيم الهول، فضلاً عن محاولات تجنيد عناصر من فصائل متطرفة أو استقطاب أفراد مستائين من التحولات السياسية الجارية.
ويؤكد ماهر فرغلي، الباحث المصري في شؤون الحركات الإرهابية، في تصريحات لـ”963+” أن التنظيم لا يزال يمتلك مقومات أساسية تعزز قدرته على إعادة الهيكلة والنشاط، بما يشمل الحشد، التمويل، استقطاب عناصر جديدة، وتعويض القيادات المفقودة أو المسجونة. وأضاف أن التنظيم يعتمد نموذجاً تنظيمياً هجيناً يجمع بين الاستقلالية الإقليمية والإشراف المركزي عبر ما يُعرف بـ”المديرية العامة للولايات”، ما يوفر الدعم التشغيلي والتمويل والتوجيه الأيديولوجي، ويتيح له القدرة على إعادة ترتيب صفوفه سريعاً بعد أي ضربات أمنية.
وحسب فرغلي، فإن انتشار التنظيم في سوريا يتركز في منطقتين رئيسيتين: الأولى في الجزيرة السورية شمال شرقي البلاد، حيث ينشط في البادية الجنوبية لمحافظة الحسكة وصولاً إلى محيط مدينة البوكمال وبلدة الباغوز، وهي مناطق تتصل جغرافياً ببادية الحضر في محافظة نينوى العراقية.
ويرى أن عدم إحكام السيطرة الكاملة على هذه المساحات يوفر فرصة غير مسبوقة للتنظيم لإعادة ترتيب صفوفه، واستغلال أي تحولات سياسية أو فراغات أمنية لتحقيق أهدافه.
كما يشير إلى وجود مؤشرات ميدانية إضافية، مثل العمليات الأخيرة، ظهور واجهات موازية متحالفة معه، وخطاب إعلامي يروّج لعمليات مرتقبة، فضلاً عن حوادث فرار عناصر من السجون ومخيم الهول، ما يزيد من خطورة الوضع على المستوى المحلي والإقليمي.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع، شهد ست هجمات استهدفت الحكومة الجديدة منذ سقوط النظام السابق، إضافة إلى خمس محاولات اغتيال فاشلة طالت الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ومسؤولين آخرين. ورداً على هذه التطورات، كثفت وزارة الداخلية انتشار وحداتها في المحافظات الشرقية، ونفذت عمليات نوعية لاعتقال المتورطين وإحباط مخططات أخرى، في حين شنت القوات الأميركية خلال شهري يناير وفبراير غارات استهدفت مواقع للتنظيم بهدف الحد من قدرته على إعادة التموضع.
ويؤكد فرغلي أن مواجهة هذا التهديد تتطلب تخطيطاً أمنياً شاملاً يجمع بين المعالجة الفكرية وإعادة التأهيل من جهة، والتفكيك الحاسم للبنية التنظيمية من جهة أخرى، مع استراتيجيات طويلة المدى تشمل التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي وتعزيز الاستقرار الأمني، لضمان مواجهة مستدامة لتهديد التنظيم.
تكشف هجمات فبراير 2026 عن انتقال “داعش” من الكمون إلى ضربات سريعة تستهدف الأمن والاستقرار، ما يشكل تحدياً مستمراً رغم فقدانه السيطرة المكانية، ويؤكد أن استعادة الاستقرار في المحافظات الشرقية تتطلب جهوداً أمنية، استخباراتية، سياسية وفكرية متكاملة لمواجهة تهديداته وكشف خطاب التنظيم الزائف.
+963
—————————-
=================
تحديث 06 أذار 2026
—————————-
كيف يحاول “داعش” البقاء في سوريا؟/ عمار زيدان
محاولات داعش للحفاظ على وجوده في سوريا
2026-03-06
تحولات لافتة في نشاط تنظيم “داعش” على الأراضي السورية خلال الأشهر القليلة الماضية تعكس استمرار التنظيم في اتباع نمط أكثر مرونة يعتمد على حرب الاستنزاف والعمل السري. فبعد الضربات العسكرية الكبيرة التي تلقاها منذ سقوط آخر معاقله شرقي سوريا قبل سبع سنوات وتفكك بنيته الإدارية والعسكرية التي كانت تدير مساحات واسعة من الأراضي، بدا أن التنظيم فقد القدرة على العودة إلى نموذج “الخلافة” الذي أعلن عنه سابقاً. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا التراجع إلى اختفائه من المشهد الأمني، بل دفعه إلى إعادة التكيّف مع الظروف الجديدة عبر إعادة هيكلة شبكاته وتنظيم خلاياه بما يتلاءم مع بيئة أمنية أكثر تعقيداً وتشديداً.
ويطرح عدد من الباحثين والمتابعين للشأن الأمني تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان “داعش” لا يزال يمتلك القدرة على خوض استنزاف طويل الأمد داخل الساحة السورية، مستفيداً من طبيعة الصراع المركب وتعدد القوى الفاعلة على الأرض. فالجغرافيا السورية، خصوصاً في مناطق البادية الممتدة بين وسط وشرق البلاد، ما تزال توفر مساحات مناسبة لنشاط الخلايا المتحركة، في حين أن هشاشة بعض المناطق أمنياً تمنح التنظيم فرصاً محدودة لتنفيذ هجمات متفرقة تستهدف نقاطاً عسكرية وأمنية أو طرق إمداد أو شخصيات محلية.
بالتوازي مع ذلك، تشير تقارير أمنية إلى أن تنظيم داعش عمل خلال السنوات الماضية على إعادة هيكلة شبكاته التنظيمية بما يتناسب مع مرحلة “العمل السري”، معتمداً على خلايا صغيرة ولامركزية تقلل من حجم الخسائر في حال كشفها. ويبدو أن هذا النمط يمنحه قدرة على البقاء والاستمرار، حتى وإن كان نشاطه أقل كثافة وتأثيراً مقارنة بالسنوات التي بلغ فيها ذروة قوته.
أما على مستوى التمويل، فقد تعرضت الموارد التقليدية التي اعتمد عليها التنظيم سابقاً لضربات قاسية. إذ لم يعد قادراً على التحكم بموارد النفط أو فرض الإتاوات على نطاق واسع كما كان يفعل خلال فترة سيطرته على مناطق واسعة في سوريا والعراق. ومع ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن التنظيم المتطرف ما يزال يحتفظ بشبكات مالية بديلة، تشمل التهريب، والابتزاز المحدود، والاستفادة من الأموال التي جرى تخزينها خلال سنوات صعوده.
وبناءً على هذه المعطيات، تُطرح العديد من التساؤلات حول واقع تنظيم “داعش” في سوريا اليوم، ومدى قدرته على إعادة التكيف تنظيمياً ومالياً. كما يبرز التساؤل حول ما إذا كانت هذه العوامل قد تمكنه من الاستمرار في اتباع استراتيجية الاستنزاف طويل الأمد، أم أن الضغوط الأمنية والسياسية المتزايدة ستقود في نهاية المطاف إلى تقليص حضوره وتأثيره بشكل أكبر.
ويقول الخبير الأمني والاستراتيجي الأردني عمر باشا الرداد، إن تنظيم “داعش” أعلن في بيانٍ رسمي قبل فترة قصيرة موقفه من الحكومة السورية الجديدة، واصفًا إياها بأنها “حكومة مرتدة” بحسب تعبيره. كما دعا صراحةً إلى قتالها في إعلان واضح لا يندرج ضمن إطار التوقعات أو التحليلات، بل جاء بشكل مباشر وصريح.
ويضيف لـ “963+”: “يبقى مستقبل نشاط التنظيم مرتبطاً بدرجة تحقيق الاستقرار الأمني وتقليل مستويات الفوضى في مناطق انتشاره، أو في المناطق التي قد تشكل بيئة محتملة لنشاطه. وبناءً على ذلك، من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تراجعاً في قدرات التنظيم، بالتوازي مع تصاعد العمليات الاستخباراتية السرية التي قد تحقق نجاحات في إحباط هجمات محتملة، أو كشف خلايا نائمة، إضافة إلى تطوير قدرات الأجهزة الأمنية السورية في التعامل مع مصادر التهديد المرتبطة بتنظيم داعش”.
ويعتقد الخبير الأردني أنه “في المدى المنظور يمكن القول إن تنظيم داعش، ورغم انخفاض مستوى التهديد الذي يمثله، خاصة بعد الإجراءات والمصالحة التي تمت بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية، ونقل بعض عناصره المعتقلين إلى العراق، ما يزال يمتلك القدرة على تنفيذ عمليات. لكن هذه العمليات لن تكون بالحجم الواسع أو التأثير الكبير كما في السابق، بل ستكون عمليات متفرقة ومتفاوتة التأثير على الداخل السوري. وربما يكون عنوانها الرئيسي إثبات الوجود وإرسال رسالة إعلامية مفادها أن داعش ما زال موجوداً على الأرض.”
ويشير إلى أن التنظيم يعاني من تراجع في مصادر التمويل. فالساحة السورية، وكذلك العراقية، لم تعد كما كانت في السابق من حيث قدرته على تحصيل الإتاوات أو الاستفادة من التجارة غير المشروعة، مثل التجارة بالنفط أو الأموال، وحتى التعاملات بالعملات المشفرة وغيرها. بالتالي فإن كل هذه المصادر قد تراجعت الآن بشكل ملحوظ. لكنه في الوقت نفسه يمتلك القدرة على تغيير تكتيكاته، مثل الاعتماد على أسلوب “الذئاب المنفردة” أو تفعيل الخلايا النائمة، وغيرها من الأساليب التي تتيح له الاستمرار في تنفيذ عمليات محدودة.
بدوره، يؤكد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب لـ “963+”، أن انتشار تنظيم “داعش” لا يرتبط فقط بالصراعات المسلحة، بل تقف خلفه أيضاً أسباب سياسية وأمنية واجتماعية متعددة. وربما لا تمثل سوريا سوى جزء من هذه الصورة، إذ إن طبيعة الصراعات في المنطقة عموماً توفر بيئة مناسبة لعودة نشاط التنظيم بدرجات متفاوتة.
ويتابع أديب: “صحيح أن سوريا انضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، إلا أن هذا الانضمام قد لا يكون له تأثير كبير بمفرده. فهناك عوامل أخرى أسهمت في بروز التنظيم واستمرار نشاطه، كما أن هناك أسباباً إضافية ساعدت على تنشيط حضوره خلال بعض المراحل. وبالتالي، فإن انضمام القوات السورية إلى التحالف الدولي، أو عدم انضمامها، قد لا يشكل عاملاً حاسماً بحد ذاته في تغيير مسار المواجهة مع “داعش”، وقد تكون المواجهة خارج إطار التحالف أقل تأثيراً بسبب محدودية المعلومات والتنسيق الاستخباراتي، لكن تبقى هناك عوامل أكبر بكثير من مسألة الانضمام للتحالف الدولي. فهذه العوامل هي التي دفعت إلى تجدد نشاط التنظيم في بعض المناطق، وأسهمت في استمرار حضوره وتأثيره بدرجات مختلفة منها عدم الاستقرار وتعدد مناطق السيطرة وحداثة الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وهنا تبرز الأزمة الأكبر والتحدي الأبرز أمام الحكومة السورية وكذلك أمام التحالف الدولي، إذ إن معالجة جذور المشكلة لا تقتصر على الجهد العسكري فقط، بل تتعلق أيضاً بإنهاء حالة الصراع وعدم الاستقرار. ويرى الباحث المصري أن تنظيم “داعش” سيعود إلى المستوى الذي بلغه عندما أعلن ما أسماها “الدولة الإسلامية” في 29 حزيران / يونيو 2014. لكن في المقابل، ما دام الصراع قائماً، فإن الفوضى ستبقى حاضرة. وطالما استمرت الفوضى، فإن التنظيمات المتطرفة، سواء كانت محلية أو عابرة للحدود، ستجد مساحة للنشاط.
ويذكر بأن التاريخ يُبين أن بعض الدول قد تستثمر أحياناً في هذه التنظيمات أو في بيئات الفوضى المحيطة بها، الأمر الذي قد يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير، سواء على المدى القريب أو البعيد.
كما أن حالة “السيولة الداخلية” في سوريا، وكذلك في بعض الدول العربية المجاورة، وخصوصاً دول الخليج القريبة من سوريا، في عودة نشاط تنظيم “داعش” بشكل ملموس. إلى جانب الفوضى الناتجة عن الحروب الإقليمية، بما فيها الحرب الأميركية على إيران التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025، لعبت دوراً مهماً في تعزيز وجود التنظيم وتمكينه من إعادة هيكلة بنيته العسكرية والتنظيمية، بالإضافة إلى تنويع مصادر تمويله وموارده اللوجستية.
وعلى الصعيد الداخلي السوري، يؤكد الباحث المصري منير أديب أن “السيولة السياسية والأمنية” ساهمت إلى حد كبير في تحرك “داعش” بحرية أكبر. وقد أعلن التنظيم عن تنفيذ عمليات داخل سوريا، ونجح في تنفيذ هجمات نوعية ضد أجهزة الأمن المحلية، مما يعكس قوة وجوده وقدرته على ممارسة نشاطه رغم الظروف الصعبة التي يمر فيها بالكثير من الجوانب.
+963
—————————-
=================
تحديث 05 أذار 2026
—————————-
شمال شرق سوريا من الفراغ إلى الشراكة: هل تنجح المعادلة الأمنية الثلاثية في المثلث الحدودي؟/ عزيز موسى
4 مارس 2026
في الجغرافيا الأمنية لا وجود لما يُسمّى فراغًا محايدًا، فكل ساحة ينسحب منها فاعل مؤثر تتحول تلقائيًا إلى نقطة اختبار لتوازنات جديدة، ومع الانسحاب الأميركي من عدة قواعد في شرق سوريا، يدخل المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا مرحلة إعادة تشكّل حساسة، حيث تتقاطع حسابات الدول مع ديناميات الفواعل غير الدولتية، من تنظيم “داعش” إلى حزب العمال الكردستاني.
التحولات الجارية لا تُقاس بحجم القواعد المُخلاة، بل بقدرة الأطراف المحلية على ملء الفراغ قبل أن يُملأ ضدها، فالتجربة أثبتت أن هشاشة التنسيق الأمني أخطر من نقص الإمكانات، وأن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن احتواؤها بأدوات وطنية منفردة، هنا تبرز فكرة إنشاء خلية استخبارية ثلاثية كآلية مؤسسية، تتجاوز التنسيق الظرفي إلى بنية تبادل معلومات وإنذار مبكر قائمة على المصالح المتبادلة لا على المجاملات السياسية.
من السيطرة إلى المسؤولية
يرى الكاتب والمحلل السياسي، بسام سفر، أن الانسحاب الأميركي من القواعد في سوريا يأتي نتيجة انتقال الحكومة السورية تدريجيًا إلى المعسكر الغربي، ومشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، إذ أن الحكومة السورية أصبحت تتحمل مسؤولية مواجهة التهديدات الإرهابية مباشرة، بينما كانت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” هي من تصدت فعليًا لتنظيم “داعش” سابقًا، رغم ذلك يوضح سفر أن التنظيم ما زال نشطًا في مناطق من الجزيرة السورية، بينما تكاد تنعدم نشاطاته في العراق وتركيا والمثلث الحدودي.
في المقابل يعتبر الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم أبوليل، أن الانسحاب الأميركي خطوة إيجابية، إذ لم يكن الهدف من وجود القوات الأميركية الحفاظ على أمن الدول الثلاث بقدر ما كان تحقيق مصالح واشنطن، ويضيف أن الانسحاب يوفر فرصة لسوريا لبسط سيادتها على أراضيها بالكامل، ويتيح استثمار هذه المرحلة لتعزيز الأمن المشترك في المثلث الحدودي.
الخلية الاستخبارية: محور الأمن الثلاثي
بعد استكمال نقل سجناء تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق، تم الإعلان عن إنشاء خلية استخبارية تضم سوريا والعراق وتركيا، بهدف تعزيز التنسيق الأمني بين الدول الثلاث. تركّز الخلية على ملفين أساسيين: الأول محاربة تنظيم “داعش” وتبادل المعلومات بشكل فوري، والثاني متابعة مقاتلي حزب العمال الكردستاني في منطقة المثلث الحدودي، خاصة في سنجار غرب الموصل شمال العراق، وتحديد آليات التعامل معهم.
يؤكد سفر، أن دور الخلية الاستخبارية الثلاثية هو تبادل المعلومات الأمنية، ورصد تحركات تنظيم “داعش” وتنسيق الردود على التهديدات، وتحديد كيفية التحرك المشترك لمواجهة التهديدات، خاصة أن خلايا “داعش” تنشط دون تنسيق مركزي على طريقة “الذئاب المنفلتة”، وهذا يتطلب تبادل المعلومات وآليات العمل في كل دولة في هذه المواجهة، كما أن مصالح الدول تكمن في التنسيق الاستخباري- الأمني بالحد الأدنى، بفعل جود قرار حقيقي إقليمي يرغب في مواجهة “داعش” وتصفيته، وهذا يتطلب بدوره تحويل التنسيق الأمني إلى غرفة عمليات مشتركة كما هو قائم في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
من جهته، يشير أبو ليل إلى أنه بعد التقدم الذي حققه الجيش السوري في بسط السيطرة مناطق الجزيرة السورية، باتت لديه القدرة على فرض سلطته وفق رؤيته لتحقيق الأمن ومواجهة التهديدات في هذه المنطقة، وبما أن المثلث الحدودي هو منطقة مشتركة بين الدول الثلاث، فإن الخلية الاستخبارية تشكل خطوة ضرورية للتعاون الأمني بين هذه الدول، ويمكن ملء الفراغ الأمني في المثلث الحدودي من خلال التنسيق الميداني وتحقيق التكامل في الأدوار والعمل المنظم داخل الخلية الاستخبارية لمواجهة التهديدات التي تشكلها قوى معادية مثل “داعش” وحزب العمال الكردستاني.
ويضيف أنه يمكن تطوير عمل الخلية ونقلها من حالة راهنة تفرضها الضرورة الأمنية لمواجهة التهديدات المحدقة، إلى حالة دائمة في إطار استراتيجية الامن القومي لكل دولة من الدول الثلاث، وبما أن كل دولة تواجه التهديد نفسه الذي تواجهه الدولة الأخرى، فإن المصلحة مشتركة تتطلب تعاونًا جديًا على الصعيد الأمني، واعتبار أن أي اختراق لحدود واحدة من هذه الدول، سوف ينعكس سلبًا على حدود الدول الأخرى ويجعلها عرضة للاختراقات الامنية، ما يعني أن الدول الثلاثة بحاجة إلى منظومة أمنية متكاملة لمواجهة خطر التهديدات الخارجية وتحقيق الأمن المستدام في هذه المنطقة.
معادلة الأمن الجماعي
يتيح الانسحاب الأميركي من المثلث الحدودي إعادة صياغة توازنات القوة، ما يطرح تساؤلات حول اتساق الأولويات الأمنية لواشنطن في الإقليم، إذ يفتح الانسحاب المجال أمام إعادة تموضع الفاعلين المحليين والإقليميين في بيئة هشّة ما زالت تحتفظ بقابلية عالية لعودة تنظيم “داعش” وتوسّع نفوذ قوى مسلحة أخرى، في هذا الإطار يصبح اختبار الأمن الإقليمي مرهونًا بقدرة دول المنطقة على الانتقال من إدارة ظرفية للأزمات إلى صيغة تعاون مؤسسي مستدام.
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي بسام سفر أن قرار الإدارة الأميركية الخروج من المنطقة في هذا المثلث يتناقض مع الحرب الأميركية – الإسرائيلية القائمة على إيران حاليًا، فالخروج الأميركي يعيد التموضع المحلي الإقليمي لدول المنطقة بمواجهة داعش وغيرها من التهديدات الامنية، وإذا كانت هناك رغبة في المنطقة في الحفاظ على أمن الدول وشعوبها، فذاك يفرض معادلة الأمن الجماعي الإقليمي، ويفتح بوابة التعاون الإقليمي على أكثر من صعيد، وصولًا للتعاون العسكري العملياتي بحيث يتشكل حلف أمني إقليمي له مصالح مشتركة.
فيما يختم الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم أبو ليل، بأن الانسحاب الأميركي أدى للتأثير على مستقبل الأكراد، وخاصة الممثلين بالإدارة الذاتية وضمن تشكيل “قسد”، مثل عناصر حزب العمال الكردستاني، ما يعني أن هذه التنظيمات أصبحت مكشوفة أمام الجيش التركي، وهنا يصبح المجال مفتوحًا أمام تركيا لكي تملأ الفراغ وتتقدم بمبادرة للإشراف على المواقع التي يتواجد فيها عناصر التنظيمات، أما بالنسبة للحكومة السورية فإنها تستطيع أن تعيد انتشار قواتها بعد أن سيطرت على الأراضي التي انسحبت منها قوات قسد. ويمكن أن تتعهد القيادة السورية بضمان أمن المنطقة وعدم عودة تنظيم داعش إليها.
—————————-
وحش الانبعاث وثقوب “الهول” السوداء/ محمد برو
2026.03.05
بعد أن غاب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عن المشهد السوري خلال العام الماضي، باستثناء خروقات طفيفة، فإنه يعود اليوم ليساهم في خلط الأوراق من جديد وتوجيه سلاحه نحو الدولة الناشئة المنهكة أمنياً وعسكرياً. لم يكن فرار زهاء عشرين ألف فردٍ متهمٍ بالارتباط بتنظيم داعش من مخيم الهول، خلال تسليم إدارته إلى الأمن السوري، أمراً عابراً. لا يبدو فرار هذا العدد الهائل بريئاً؛ ففرار قرابة عشرين ألف إنسان، بينهم نساء وأطفال ومتطرفون ما يزالون يحلمون بإعادة دولة الخلافة على النهج المتطرف الذي يؤمنون به، ليس بالأمر البسيط، لا من حيث الإجراءات ونجاح عملية الفرار، ولا من حيث النتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
كذلك، فإن اختفاء هذا العدد الكبير، بحيث فشلت قوات التحالف في الكشف عنهم، والإقرار الصامت بهذا الفشل الذريع، أمرٌ مثير للريبة. إن غياب الشفافية في تفسير هذا الفشل يهدد الاستقرار الإقليمي، كما يهدد حياة الآلاف من العائلات الهاربة التي لم يُكشف حتى الآن عن مكان وجودها. إن فرار عشرين ألف فرد واختفاءهم من دون القدرة على تتبعهم من قبل قوى دولية ومحلية يثير الكثير من الشكوك حول وجود قوى متواطئة سهلت عمليات الفرار أو أتاحت لها الظرف المناسب بالتنسيق مع تنظيم الدولة.
ليس أمام هذا العدد الكبير من الفارين إلا خيار العودة إلى بلادهم الأصلية، وهو أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً في هذه الظروف الراهنة، أو إعادة إدماجهم في صفوف داعش؛ الأمر الذي ينذر باشتعال حرب جديدة. ومن الواضح أن تنظيم الدولة قد بدأ بإطلاق أولى شراراتها باستهدافه مواقع في العاصمة السورية دمشق وغيرها من المدن، بعد أن أعلن تهديده بشكل علني بنيته محاربة الدولة السورية الناشئة.
وقد جاء هذا التحرك بعد أن أعلنت الإدارة السورية الجديدة انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. وأشارت بعض التقارير إلى أن التنظيم، خلال العام الفائت، وبينما كان ينتظر في الظلال ويعمل على إعادة ترتيب صفوفه وتشكيل قواته، استطاع زيادة عدد مقاتليه من ألفي عنصر إلى عشرة آلاف عنصر استعداداً للبدء من جديد. واليوم، وبعد هذا الفرار الكبير، يمكن لهذا العدد أن يتضاعف.
ستواجه الحكومة السورية الجديدة مأزقاً صعباً؛ فهي لا تملك من القوات ما يكفي لخوض هذه المعارك المرتقبة بصورة متكافئة، والتحالف الدولي اليوم في تراجع كبير، بعد أن قررت إدارة الرئيس الأميركي ترامب تقليص المشاركة في هذا التحالف إلى الحدود الدنيا والبدء بسحب القوات الأميركية المشاركة فيه.
تشير المعلومات الأولية إلى أن الفارين مواطنون من جنسيات مختلفة ينتمون إلى أربعين دولة، الأمر الذي سيعيد مخاوف تلك الدول من اضطرارها إلى قبول العائدين منهم، وما سيعنيه ذلك من الانشغال باحتجازهم ومحاكمتهم وإعادة تأهيلهم، والاستمرار في مراقبتهم، وربما الاضطرار إلى انتهاك حقوقهم خشية انتقال التطرف والعنف إلى بلاد كانت بمأمن منهم.
علاوة على ذلك، هناك آلاف الأطفال المنسيين الذين وُلدوا في حمأة هذا الصراع ولم يعرفوا سوى الاحتجاز وحياة المخيمات البائسة. ما مصير هؤلاء الأطفال الضحايا وأمهاتهم؟ إنهم اليوم غنيمة سهلة للاتجار بالأطفال وسائر أنواع الاستغلال، وربما، في أحسن الأحوال –وهو الأرجح– أن يعمد تنظيم الدولة إلى ضمهم إلى صفوفه كمقاتلين يسهل تعبئتهم وتوظيف نقمتهم بسبب سنوات الاحتجاز التي كابدوا فيها أكثر مما يمكن للأطفال تحمّله.
ربما من الإنصاف النظر إليهم كخزان بشري مشحون برغبة عاتية في الانتقام بسبب تلك المعاناة المهينة التي عوملوا بها، الأمر الذي يزيد من حجم الكارثة ومن هول ما قد ينجم عنها.
لقد بدأ تنظيم الدولة حربه باغتيال أحد عشر شخصاً، بينهم عشرة من الجنود وعناصر الأمن ومدني واحد، وتكررت الهجمات في دير الزور والرقة، بعد أن أعلن التنظيم في 21 شباط، على لسان أحد قادته “أبو حذيفة الأنصاري”، الحرب على النظام السوري الجديد، ووصف حكومته بأنها فاقدة للشرعية ومنضوية في تبعية للولايات المتحدة الأميركية والدولة التركية، كما وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بالطاغية.
يأتي ذلك وسط اتهامات من السلطات السورية لقوات قسد بتسهيل هذا الهروب الجماعي من مخيم الهول. وقد جاء هذا الاتهام على لسان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في مؤتمر صحفي لاحق، إذ أشار إلى أن قوات قسد انسحبت بشكل غير منسق مع قوات الجيش السوري قبل ست ساعات من وصول تلك القوات، بينما تذرعت قسد بأن هذا الانسحاب كان ضرورياً لحماية مناطق أخرى قد تكون تحت التهديد.
هل سيدفع السوريون مرة أخرى ضريبة الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت بحق الآلاف في مخيمي الهول وروج عبر الاحتجاز غير المحدد والمعاملة المهينة لآلاف الأمهات والأطفال الذين لم تُجرَ محاكمتهم أو إدانتهم؟
في ظل الضعف الأمني والتشتت الذي تعانيه الحكومة الجديدة، فإن تنظيم الدولة يتغذى على الشروخ السياسية أكثر مما يتغذى على القوة العسكرية؛ فالظرف الراهن، بما يحويه من هشاشة وتركة ثقيلة خلفها النظام البائد، وفي ظل غياب جهاز استخبارات مركزي، يتيح للتنظيم التحرك بسرية كافية عبر نقاط التماس بين مناطق نفوذ الفصائل، إضافة إلى التوترات المناطقية والعرقية التي تفسح المجال له ليقدم نفسه ممثلاً للسنة الذين يشعرون بالتهميش في هذه المرحلة الحرجة.
لن ينجح تنظيم الدولة في احتلال المدن مرة ثانية، لكنه بالتأكيد يطمح إلى منع السوريين من العيش بأمان في دولة جديدة لم تشفَ بعد من عقابيل حكم واستبداد النظام السابق.
هل سيدفع السوريون مرة أخرى ضريبة الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت بحق الآلاف في مخيمي الهول وروج عبر الاحتجاز غير المحدد والمعاملة المهينة لآلاف الأمهات والأطفال الذين لم تجر محاكمتهم أو إدانتهم؟ وهل سيتمكن السوريون من الاحتفاظ بالآلاف الذين ترفض دولهم الأربعون استقبالهم والاضطلاع بمسؤوليتها تجاههم؟
ليس أمام الإدارة السورية الجديدة إلا الضغط المستمر على تلك الحكومات، ودفعها إلى الكف عن النظر إلى سوريا كمستودع تتخمر فيه المشكلات العالقة إلى أن تنفجر بعيداً عنهم، ودعوة تلك الدول إلى مد يد العون على جميع الصعد لتقديم حلول جذرية لهذه المأساة الإنسانية، وربما في مقدمتها إطلاق مبادرات وبرامج أممية برعاية الأمم المتحدة لتوفير بيئة آمنة لهؤلاء النساء والأطفال، تتوفر فيها الرعاية النفسية اللازمة والتعليم، بما يتيح اندماجهم في مجتمعاتهم كأفراد أسوياء موفوري الكرامة والحقوق.
تلفزيون سوريا
—————————-
=================
تحديث 04 أذار 2026
—————————-
سوريا بحاجة لشريك ضد تنظيم “داعش”/ عمر أوزكيزيلجيك
2026.03.04
على الرغم من التحسن الهائل الذي اعترى الوضع الأمني في سوريا بشكل عام منذ سقوط نظام الأسد، لم يختف التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة، بل تطور، إذ على مدار سنين، عمل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة بموجب استراتيجية نجحت في تجريد ذلك التنظيم من الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تقض على تنظيم الدولة، بل ضمنت بقاء التنظيم في بعض مناحيها.
والآن، وفي ظل التحديات الكثيرة التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، عاد ملف تنظيم الدولة إلى الواجهة ليمثل حالة طارئة عاجلة، ولتحسين فرص النجاح، تحتاج سوريا لمساعدة عسكرية مباشرة من دولة مسلمة، مثل تركيا أو السعودية، ضمن التحالف الدولي.
فشل التحالف الدولي
قبل انهيار النظام البائد، نجح التحالف الدولي في إنهاء سيطرة تنظيم الدولة على مناطق شاسعة، إلا أن ما حدث بعد ذلك أتى على شكل ترتيبات مرتجلة قصيرة الأمد منعت تنظيم الدولة من استعادة سيطرته على تلك الأراضي، لكنها فشلت في تفكيكه.
أما الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذا النهج فقد كان الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب، إذ في الوقت الذي كان لقسد مصلحة واضحة في محاربة تنظيم الدولة، فإنها استفادت سياسياً أيضاً من استمرار وجود هذا التنظيم، أي أن تنظيم الدولة أضحى بالنسبة لقسد المصدر الأساسي للشرعية الدولية، كما أصبح قناته الرئيسة التي يحصل من خلالها على دعم عسكري ومالي من أميركا بصورة مستمرة. ومن هذا المنظور، فإن الإبقاء على تنظيم الدولة ضعيفاً، من دون القضاء عليه نهائياً، يصب في المصالح الاستراتيجية لقسد.
تجلى ثاني أكبر فشل على هذا الصعيد في التعامل مع المخيمات التي تؤوي عائلات تنظيم الدولة، إذ على مدار سنين، لم تخرج الولايات المتحدة ولا قسد بحل قانوني أو سياسي شامل بالنسبة لهؤلاء الناس، ثم إن معظم القاطنين في تلك المخيمات يحملون الجنسية السورية، ويأتي بعدهم العراقيون وغيرهم من حملة الجنسيات الأجنبية الأخرى. وعلى الرغم من تنفيذ بعض عمليات الإجلاء إلى العراق وإلى دول ثالثة، لم تكن تلك الحلول مجدية.
على الصعيد العملي، تحولت عدة مخيمات إلى حواضن للتطرف بحكم الأمر الواقع، حيث مارست شبكات تنظيم الدولة نفوذها داخل تلك المخيمات، وأخذت تلقن الأطفال عقيدة تنظيم الدولة بما يرفده بجيل جديد من المقاتلين. أما على الصعيد القانوني، فقد كان الوضع إشكالياً هنا أيضاً، إذ احتجز معظم قاطني تلك المخيمات من دون أن توجه لهم أي تهمة رسمياً، ومن دون أن يخضعوا لإجراءات قضائية شفافة، كما لم يكن هنالك أي شيء واضح حيال ضلوعهم كأفراد في أي عمل إجرامي. وبمرور الوقت، أطلقت قسد سراح العديد من المحتجزين، أو أنهم هربوا في ظل عمليات الانسحاب التي افتقرت إلى التنسيق.
في وقت سابق، بررت واشنطن تعاملها المحدود مع دمشق معللة ذلك بالعقوبات وعدم ثقتها بنظام الأسد، ولكن بعد تشكيل حكومة جديدة، ورفع العقوبات، لم تقدم سوى القليل لمعالجة المشكلات البنيوية في المخيمات والسجون، كما لم تتخذ أي إجراء مفيد إلا عند اقتراب الاقتتال من مقار الاحتجاز.
وما يثير القلق على وجه الخصوص في هذا السياق هو نقل أعداد كبيرة من المحتجزين إلى العراق، ومعظمهم مواطنون سوريون، مع أن تجربة مخيم بوكا في العراق، حيث تأسست شبكات القيادة التابعة لتنظيم الدولة تحت نظر السلطات الأميركية والعراقية، تمثل تحذيراً صارخاً في هذا المضمار، ولذلك يتعين على سوريا إعادة مواطنيها إلى أراضيها في أسرع وقت ممكن.
العبء على عاتق دمشق الآن
تغير المشهد، بعد أن أصبح مخيم الهول سيء الصيت تحت سيطرة الحكومة السورية، إلى جانب هروب أو تفرق معظم من كانوا يسكنونه، لذا فإن المسؤولية المتمثلة باحتواء تنظيم الدولة والقضاء عليه تترتب بصورة أساسية على دمشق اليوم.
وتأتي تلك المسؤولية في لحظة انتقالية هشة، إذ بخلاف قسد، لم تحصل الحكومة السورية على مليارات الدولارات من التمويل الأميركي، أو على دعم عسكري مستمر من أميركا، بل صار من واجب دمشق تمويل عمليات محاربة الإرهاب من ميزانية محدودة مرهقة بالأصل بسبب متطلبات إعادة الإعمار.
والأهم من ذلك تغير طبيعة التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة، إذ يبدو التنظيم كمن خسر جلّ قاعدة الدعم الواسعة في الداخل السوري عقب انهيار النظام، ما يؤكد الجدل القديم حول قمع النظام البائد والذي اعتبر دافعاً رئيسياً للتطرف. غير أن تنظيم الدولة يحتفظ بشبكة موسعة من الخلايا النائمة ويعمل على إعادة تنظيمها، وخاصة ضمن بيئات المدن، كما أن عمليات التجنيد يمكن أن تركز اليوم على النساء والأطفال الذين هربوا من تلك المخيمات.
على مستوى العمليات، يرجح لتنظيم الدولة أن يعمل بموجب أسلوبين تكتيكيين أساسيين، أولهما حرب المتمردين الكلاسيكية في المناطق الريفية، ويتمثل ذلك بكمائن وهجمات على غرار حرب العصابات تستهدف قوات الأمن السورية. أما الأسلوب الثاني والأخطر فينطوي على هجمات إرهابية رمزية هدفها إشعال التوتر العرقي والطائفي، إذ كما فعل أسلاف تنظيم الدولة في العراق قبل عام 2013، قد يحاول هذا التنظيم إثارة دوائر العنف الانتقامي عبر استهداف مواقع رمزية، وثمة مؤشرات أولية تؤكد ظهور هذين الأسلوبين.
لماذا تحتاج سوريا لشريك؟
حتى الآن، تعتمد دمشق بشكل كبير على قوات الأمن الداخلي التي تتبع لوزارة الداخلية، وقد أبدت تلك القطعات التزامها وشجاعتها في تنفيذ عملياتها، إلا أن القضاء على شبكات تنظيم الدولة يتطلب وجود إمكانات استخباراتية متطورة، وتقانة متخصصة في المراقبة، وتدريباً في مجال محاربة أي تمرد، إلى جانب القدرة على تنفيذ ضربات قائمة على تنسيق عال، وتلك الإمكانات ماتزال في طور البناء على يد المؤسسات الأمنية السورية، لذا، فإن هنالك سبب وجيه وراء تنفيذ معظم العمليات القسدية لمحاربة تنظيم الدولة بدعم أميركي مباشر.
ولهذا السبب، يجب على دمشق اعتماد ثلاثة أنواع من التعاون مع التحالف الدولي، وهي:
أولاً: ضرورة مأسسة وتوسيع آليات مشاركة المعلومات الاستخباراتية، والتي جرى وضعها وتحديدها إلى حد ما.
ثانياً: لابد من تطوير برامج التدريب الاحترافية لتعزيز إمكانات سوريا في محاربة الإرهاب.
ثالثاً: قد تظهر الحاجة لدعم عسكري محدود وموجه في العمليات التي تنطوي على قدر كبير من المخاطر والتي تنفذ ضد الخلايا التي رسخ تنظيم الدولة وجودها.
ونظراً للانسحاب الأميركي التدريجي والحساسيات الإقليمية، قد يصبح التعاون مع دول أعضاء في التحالف تنتمي للعالم الإسلامي حلاً أطول استدامة على الصعيد السياسي، إذ نظرياً، بوسع دول مثل تركيا والسعودية تقديم دعم متخصص في مجال محاربة الإرهاب بالتنسيق مع دمشق والشركاء الدوليين.
تلفزيون سوريا
—————————-
=================
تحديث 02 أذار 2026
—————————-
سوريا والولايات المتحدة.. ملفات استراتيجية تؤسس مسارا جديدا للتعاون والاستثمار/ نور جوخدار
مارس 2, 2026
لم تعد اللقاءات بين وزير الخارجية أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك تقتصر على ملفات أمنية وسياسية فحسب، بل انتقلت إلى مقاربات اقتصادية وتقنية، تضع الاستثمار والتحول الرقمي في مسار إعادة دمج سوريا بالاقتصاد العالمي.
ويعكس تركيز المباحثات على مشاركة الشركات الأميركية الكبرى في قطاعي النفط والطاقة، إلى جانب فتح المجال أمام الخبرات الدولية، توجها أميركيا لدفع عجلة التعافي الاقتصادي السوري ودعم مسار نهوضه الاقتصادي، وتأسيس مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين من بوابة الاستثمار.
وفي هذا السياق التقى وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، الأربعاء الماضي، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، حيث تناول اللقاء حزمة من الملفات الاستراتيجية بين البلدين. ووصف اللقاء بالمطول والبناء، بحسب ما أعلنت عنه وزارة الخارجية.
في وادي السيليكون
وحول هذا المسار أكد نائب رئيس المجموعة العربية الأميركية للتنمية الاقتصادية والعلاقات غير ربحية، فيصل براك، أن الاستثمار الأميركي يمكن أن يلعب دورا إيجابيا في إعادة الإعمار وتحفيز الاقتصاد السوري، خاصة إذا تم ضمن شراكات عادلة تعود بالنفع المتبادل. وهذه الشراكات تساعد على استقرار المنطقة وتخلق بيئة اقتصادية حديثة قائمة على المؤسسات.
وأوضح في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن مشاركة الشركات الأميركية في سوريا ضمن إطار قانوني وشفاف يخدم مصلحة الشعب السوري، مشيرا إلى أن سوريا تمتلك موارد اقتصادية كبيرة في مجالات الطاقة والزراعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. وهي بحاجة إلى استثمارات نوعية تنقل المعرفة والتكنولوجيا وتخلق فرص عمل حقيقية.
وفي المسار التقني كانت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات قد وقعت اتفاقية تعاون مع شركة “فيزا” العالمية، بهدف تطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية وتحقيق الشمول المالي، وذلك في المقر الرئيسي للشركة بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية.
ورحب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك بالزخم الذي تشهده اللقاءات التقنية بين الجانبين السوري والأميركي في وادي السيليكون، مؤكدا أنها تمثل خطوة مهمة نحو تحديث الاقتصاد الرقمي السوري وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وأعلنت شركة “فيزا”، في بيان نشرته عبر موقعها الإلكتروني، أنه جرى توقيع الاتفاقية في المقر الرئيسي للشركة في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة بحضور وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل ونائبة الرئيس الأول المديرة الإقليمية لشركة “فيزا” لمنطقة شمال إفريقيا وبلاد الشام وباكستان ليلى سرحان.
وبحسب البيان فإن التعاون يركز على بناء منظومة مدفوعات متطورة وشاملة في سوريا، وتتضمن الاتفاقية النقاط التالية: إنشاء “إطار تجريبي تنظيمي” مخصص لتطوير حلول التكنولوجيا المالية في السوق المحلية، تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من اعتماد المدفوعات الرقمية والوصول إلى الخدمات المالية العالمية، إطلاق مسابقة وطنية للابتكار تتيح للمبتكرين السوريين الوصول لمستثمرين دوليين عبر منصات الشركة، التعاون في مجال الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال الرقمي، وتوفير خدمات استشارية لدعم أطر الحكومة الرقمية.
وقال باراك في تدوينة له على منصة “إكس” إن “مسارات النمو المستدام والشمول الرقمي والازدهار المشترك، تصبح أكثر وضوحا عندما يتعاون المبتكرون ورواد الأعمال وصناع السياسات والقادة العالميون”، معربا عن امتنانه لغرفة التجارة الأميركية لدورها في تيسير هذه الحوارات التقنية التي تساعد على بناء جسور تعاون اقتصادي وتقني طويل الأمد.
وأكد وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، في تصريح ورد ضمن بيان الشركة، أن تمكين الشركات الناشئة وإيجاد حلول رقمية مستدامة يمثل أولوية قصوى للوزارة، لخدمة المواطنين وقطاع الأعمال.
وتعد شركة “فيزا” الأميركية الرائدة عالميا في تقنيات المدفوعات الرقمية، حيث تسهل المعاملات المالية بين المستهلكين والتجار والمؤسسات المالية والحكومات في أكثر من 200 دولة وإقليم حول العالم.
وتعتمد الشركة في عملياتها على شبكة “VisaNet” المتطورة التي توفر معالجة آمنة وموثوقة للمدفوعات عبر آلاف المعاملات في الثانية الواحدة.
كما تسهم في تطوير حلول التكنولوجيا المالية لتمكين الأفراد والشركات من الانخراط في الاقتصاد العالمي عبر حلول دفع مبتكرة تضمن الأمان والمرونة وسهولة الوصول، مما يدعم التنمية الاقتصادية الشاملة في الأسواق الناشئة والواعدة ويعزز الكفاءة التشغيلية للمؤسسات المالية الكبرى والشركات الصغيرة على حد سواء.
وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن الاتفاق مع شركة “فيزا” على خارطة طريق لبناء منظومة مدفوعات رقمية حديثة وتعزيز الشمول المالي في سوريا.
وستركز المرحلة الأولى من الاتفاق، بحسب ما نشره “المركزي” عبر صفحته على “فيسبوك”، على دعم المصارف المرخصة لبناء بنية تحتية آمنة للمدفوعات، وتمكين التجار من قبول الدفعات عبر حلول منخفضة التكلفة مثل “QR Codes” و”Tap to phone”.
وأكد حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية أن رؤية “فيزا” تمثل مسارا واضحا لتسريع جهود التحديث وتطوير قطاع المدفوعات في سوريا.
وفي حديثه عبر الفيديو في مؤتمر “Reuters NEXT”، تطرق الحصرية للاتفاق قائلا: “نحن سعداء بالعمل مع (فيزا) و(ماستركارد)”، منوها إلى أن المصرف يعمل على “إنشاء نظام دفع متكامل يضم شركاء عالميين، لتحقيق رؤية المصرف أن تكون سوريا مركزا ماليا لمنطقة بلاد الشام”.
وكانت شركة “فيزا” أعلنت عزمها إطلاق عمليات في سوريا بعد الاتفاق مع المصرف المركزي على خارطة طريق لتطوير نظام المدفوعات الرقمية.
وقالت الشركة في بيان نقلته وكالة رويترز: “سينصب التركيز الفوري على العمل مع المؤسسات المالية المرخصة لتطوير قاعدة متينة وآمنة للمدفوعات. ويشمل ذلك إصدار بطاقات الدفع وتمكين المحافظ الرقمية وفقا للمعايير العالمية”.
وأضافت إن الاتفاقية الموقعة تهدف إلى إرساء إطار تعاون مشترك لتطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الشمول المالي ودعم الابتكار في قطاع التكنولوجيا المالية، بما في ذلك العمل على إعداد إطار “حاضنة تنظيمية” مخصص لبيئة الاقتصاد الرقمي في سوريا.
الشمول المالي.. ركيزة دولية للتنمية
وبحسب مجموعة البنك الدولي فإن الشمول المالي يعني أن الأفراد والشركات لديهم إمكانية الوصول إلى منتجات وخدمات مالية مفيدة وبأسعار معقولة تلبي احتياجاتهم: معاملات ومدفوعات ومنتجات ادخار وتسهيلات ائتمانية وقروض وخدمات تأمين، على أن تقدم هذه الخدمات بطريقة مسؤولة ومستدامة.
وتم تحديد الشمول المالي باعتباره عامل تمكين لسبعة من أصل 17 هدفا من أهداف التنمية المستدامة، والتزمت مجموعة العشرين بتعزيز الشمول المالي في جميع أنحاء العالم، وأكدت من جديد التزامها بتنفيذ المبادئ رفيعة المستوى لمجموعة العشرين للشمول المالي الرقمي. وتعتبر مجموعة البنك الدولي الشمول المالي من عوامل التمكين الرئيسية للقضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك.
وتعد إمكانية الوصول إلى حساب للمعاملات خطوة أولى نحو تعميم نطاق الخدمات المالية، لأن حساب المعاملات يسمح للناس بتخزين الأموال وإرسال المدفوعات وتلقيها، ويمثل حساب المعاملات بوابة إلى الخدمات المالية الأخرى. ولهذا فإن ضمان إمكانية حصول الناس في جميع أنحاء العالم على حساب للمعاملات لا يزال مجال تركيز لمجموعة البنك الدولي. وعلى وجه الخصوص كان محور تركيز مبادرة مجموعة البنك الدولي لإتاحة الخدمات المالية للجميع عام 2020 التي اختتمت في نهاية عام 2020. وعلى الرغم من تحقيق العديد من المكاسب من خلال هذه المبادرة فإنه مؤشر على حجم التحدي الذي لا يزال يتعين القيام بالمزيد من العمل.
ويسهل الحصول على الخدمات المالية ومتطلبات الحياة اليومية، ويساعد الأسر والشركات على التخطيط لكل شيء من الأهداف طويلة الأجل إلى حالات الطوارئ غير المتوقعة. وبوصفهم أصحاب حسابات، يرجح أيضا أن يستخدم الناس خدمات مالية أخرى، مثل الائتمان والتأمين، لبدء وتوسيع النشاط التجاري والاستثمار في التعليم أو الصحة وإدارة المخاطر والتغلب على الصدمات المالية، وهو ما يمكن أن يحسن نوعية حياتهم بشكل عام.
وبقيادة الرئاسة الصينية لمجموعة العشرين، وضعت الشراكة العالمية للشمول المالي التابعة للمجموعة مبادئ رفيعة المستوى تشجع الحكومات على تبني نهج رقمي للشمول المالي، وأقرها وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظو البنوك المركزية هذه المبادئ خلال اجتماعهم في تشنغدو يومي 22 و23 تموز 2016.
تقدم التقنيات الرقمية حلا فعالا لتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية لما يقدر بنحو ملياري بالغ حول العالم ممن لا يزالون محرومين من النظام المالي الرسمي. ومن خلال تمكين نماذج أعمال مبتكرة تسهم هذه التقنيات في ربط المزيد من الناس، بمن فيهم سكان المناطق الريفية والنائية، بالخدمات المالية الأساسية بتكاليف أقل، مما يساعدهم على إدارة شؤونهم المالية، ويوفر لهم في نهاية المطاف سبيلا للخروج من دائرة الفقر.
وتستند مبادئ عام 2016 على تطورات هامة حدثت على مدى السنوات الست الماضية من حيث الابتكارات التكنولوجية في الخدمات المالية الرقمية، وتوافر معايير وتوجيهات جديدة معتمدة من مجموعة العشرين وهيئات وضع المعايير الدولية، وتحسين جودة البيانات الإلكترونية وتوافرها، والوعي المتزايد بالأهمية البالغة للبنية التحتية والمعايير واللوائح المواتية خارج القطاع المالي لتحقيق الشمول المالي. وتهدف إلى تحفيز الإجراءات على مستوى الدول من قبل حكومات مجموعة العشرين لتعزيز الشمول المالي باستخدام التقنيات الرقمية، من خلال خطط العمل الوطنية.
وتضطلع الحكومات بدور محوري في تهيئة الظروف المواتية لمقدمي الخدمات المالية للوصول إلى العملاء المستبعدين ماليا، مع ضمان الحد من المخاطر وحماية المستهلكين بشكل مناسب من التهديدات مثل الاحتيال والجرائم الإلكترونية والمديونية المفرطة والممارسات التجارية غير الأخلاقية.
وفي الأول من الشهر الجاري التقى معاون وزير الصحة الدكتور حسين الخطيب، على هامش فعاليات معرض الصحة العالمي دبي 2026، ووجه معاون وزير الصحة دعوة للشركات الأميركية للحضور لزيارة سوريا والاطلاع ميدانيا على الفرص الاستثمارية المتاحة، والمساهمة في بناء شراكات مستدامة تهدف إلى الارتقاء بمستوى الرعاية الصحية وتعزيز التعاون الثنائي في هذا المجال الحيوي.
اقتصاد مفتوح
في سياق العلاقات السورية-الأميركية برز مجلس الأعمال الأميركي-السوري (USSYBC) كمنصة مستقلة لتعزيز التعاون التجاري بين دمشق وواشنطن في دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية المستدامة في سوريا من خلال برامج تدريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتنظيم بعثات أعمال متبادلة، وتهيئة بيئة قانونية وتشريعية تتيح دخول الاستثمارات الأميركية إلى السوق السورية.
وتشمل القطاعات الأكثر جذبا للمستثمر الأميركي القطاع المالي والمصرفي، والنفط والغاز والطاقة، والتحول الرقمي والاتصالات والتكنولوجيا السحابية، والطاقة المتجددة والبنية التحتية واللوجستيات، والنقل، والإسكان، والسياحة.
ويعمل المجلس وفق خريطة طريق من أربع مراحل تشمل تنظيم فعاليات وجلسات حوارية لتثقيف المستثمر الأميركي، وتعزيز الثقة والتبادل بين مجتمعي الأعمال في الولايات المتحدة وسوريا، وتنظيم بعثات أعمال متبادلة أميركية سورية، وإرشاد الشركات الأميركية التي تريد الدخول إلى الأسواق السورية، وإطلاق برنامج تدريب للشركات الصغيرة والمتوسطة لدعم التصدير إلى السوق الأميركية.
وكان ترامب قد قال خلال لقاء الرئيس الشرع في نيويورك: “نريد أن نرى سوريا تتحول لبلد ناجح للغاية، وأعتقد بأن هذا الرئيس بوسعه تحقيق ذلك، بل هذا ما أؤمن به حقا”، موضحا رغبته بمشاركة الصناعة الأميركية في عملية إعادة إعمار سوريا والاستفادة من ذلك.
وكان الرئيس الشرع قد التقى ممثلين عن 40 شركة أميركية كبرى، من بينها Caterpillar وConocoPhillips وGeneral Electric وChevron، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتركز اللقاء على قطاعات الاستهلاك والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية.
وأعلن الشرع خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في العاصمة الرياض أن سوريا نجحت في جذب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الماضية، منذ الإطاحة ببشار الأسد عام 2024.
واختتم فيصل براك قوله بالتأكيد أن أي انخراط اقتصادي يجب أن يكون مشروطا بعدة معايير أساسية، منها احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وضمان الشفافية ومنع الفساد، وتوجيه الاستثمارات نحو التنمية المستدامة وليس الاستغلال المؤقت للموارد، وإشراك الكفاءات السورية في الداخل والخارج في عملية البناء.
وأضاف أن سوريا بحاجة إلى اقتصاد مفتوح على العالم، لكن يجب أن يكون ذلك على أساس المصالح الوطنية والتنمية طويلة الأمد، وليس على حساب القرار الوطني.
—————————-
“إعلان لم الشمل”.. ما الذي يخفيه بيان تنظيم “داعش” الأخير؟/ أحمد الكناني
1 مارس 2026
شهدت المنطقة الشرقية في سوريا خلال الأيام الماضية تصاعدًا ملحوظًا في العمليات العسكرية التي ينفذها تنظيم داعش، في تطور أعاد المخاوف الأمنية إلى الواجهة بعد فترة من التراجع النسبي لنشاط التنظيم، وجاء التصعيد بالتزامن مع صدور بيان صوتي للناطق الرسمي باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، دعا فيه عناصر التنظيم إلى استهداف الحكومة السورية ورئيسها أحمد الشرع، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا جديدًا في خطاب التنظيم واستراتيجيته الميدانية.
يأتي هذا البيان في ظل متغيرات عسكرية وسياسية حساسة، أبرزها انسحاب القوات الأميركية من عدد من القواعد العسكرية داخل الأراضي السورية وتقليص وجودها العسكري، الأمر الذي أدى إلى تسلّم الجيش السوري لمعظم تلك القواعد، ما خلق فراغات أمنية يسعى التنظيم إلى استغلالها لإعادة ترتيب صفوفه.
إعادة لم الشمل
يرى الباحث السياسي الدكتور حمزة المحيمد أن البيان الأخير لتنظيم داعش يمثل إعلانًا فعليًا للنفير العام بين مقاتليه الذين تشتتوا خلال السنوات الماضية نتيجة عمليات التحالف الدولي والعمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوري والفصائل المنضوية ضمنه، فخلال المرحلة السابقة، تعرض التنظيم لضربات قاسية أدت إلى تفكك بنيته التنظيمية وانتشار عناصره في مناطق متفرقة.
ويشير المحيمد إلى أن فرار عدد من مقاتلي التنظيم من مخيم الهول وسجون أخرى، إضافة إلى تشتتهم عبر طرق برية متعددة، أدى إلى فقدان التنظيم القدرة على التنسيق المركزي، ما جعل البيان الصوتي بمثابة رسالة استدعاء لإعادة التموضع وتنظيم الصفوف من جديد، لافتًا إلى أن البيان حمل لأول مرة لهجة تصعيدية شديدة ضد الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ تضمن اتهامات بالتكفير والخيانة، ما يعكس تحولًا في خطاب التنظيم نحو استهداف مباشر لمؤسسات الدولة السورية وقواتها العسكرية والأمنية باعتبارها أهدافًا رئيسية لعملياته المقبلة.
توقيت محسوب
من جهته، يؤكد الكاتب السياسي عبد الله الحمد أن توقيت رسالة الأنصاري لم يكن عشوائيًا، بل جاء متزامنًا مع انسحاب القوات الأميركية من قواعد عسكرية استراتيجية، من بينها قاعدة التنف، والتي كانت خلال السنوات الماضية تشكل عامل ضغط عسكري كبير على التنظيم.
ويرى الحمد أن التنظيم يسعى حاليًا إلى استغلال أي ثغرات أمنية ناجمة عن إعادة الانتشار العسكري، خاصة في المناطق التي شهدت تغيرًا في السيطرة العسكرية، ويضيف بأن داعش فقد إلى حد كبير قدرته السابقة على التجنيد والتأثير الأيديولوجي، ما دفعه إلى التركيز على عناصره السابقين والخلايا النائمة بدلًا من استقطاب مقاتلين جدد.
استراتيجية «الكر والفر» الجديدة
شهدت المنطقة الشرقية سلسلة هجمات استهدفت حواجز عسكرية وأمنية، أسفرت عن مقتل جندي سوري وأربعة عناصر من قوات الأمن العام، وذلك في هجمات طالت مدينة الميادين شرق دير الزور وحاجز السباهية في محافظة الرقة، إضافة إلى استهداف مواقع تابعة للفرقة 86.
يفسر الكاتب السياسي الحمد هذه الهجمات بأنها تطبيق مباشر لمضمون رسالة الناطق الرسمي للتنظيم، والتي دعت إلى ضرب قوات الجيش والأمن العام في مختلف المناطق الجغرافية، مؤكدًا أن التنظيم بات يعتمد أسلوب “الكر والفر” بسبب فقدانه القدرة على خوض معارك واسعة أو السيطرة على مناطق جغرافية كما كان سابقًا، ويعزو ذلك إلى خبرة الفصائل العسكرية السورية الحالية بتكتيكات التنظيم القتالية، الأمر الذي حدّ من قدرته على المناورة العسكرية، وجعله يكتفي بعمليات محدودة وسريعة تهدف إلى إرباك الوضع الأمني أكثر من تحقيق مكاسب ميدانية دائمة.
خلايا متناثرة
تشير المعطيات الأمنية، بحسب الباحث المحيمد، إلى أن عناصر التنظيم يعملون حاليًا ضمن خلايا صغيرة ومشتتة تنتشر في محافظات دير الزور وحمص وحماة ودمشق. ولا يتجاوز عدد أفراد كل خلية أربعة أشخاص في الغالب، ويتواصلون فيما بينهم عبر وسائل اتصال إلكترونية ومعرفات خاصة لتلقي التعليمات، كما توجد خلايا أخرى تعمل بشكل شبه مستقل، تنفذ عمليات ذات طابع محلي لكنها تتقاطع مع أهداف التنظيم العامة، ما يعكس تحول داعش من تنظيم مركزي إلى شبكة لامركزية يصعب تتبعها أمنيًا.
أبعاد محلية وإقليمية
يعتقد الكاتب عبد الله الحمد أن عودة نشاط تنظيم داعش لا يمكن فصلها عن مصالح أطراف محلية وإقليمية تسعى لإعادة توظيف التنظيم ضمن صراعات النفوذ في المنطقة، ويشير إلى أن بعض الجهات المحلية، وعلى رأسها ميليشيات “قسد” تتحمل مسؤولية فرار أعداد من عناصر التنظيم خلال مراحل التوتر العسكري شرق الفرات، ما ساهم في خلق بؤر توتر جديدة.
ويرى الحمد أن بعض القوى الدولية قد تستفيد من انتشار التنظيم، مشيرًا إلى احتمال استغلاله في سياقات إقليمية أوسع، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإيران واحتمالات التصعيد العسكري في المنطقة، حيث يمكن استخدام الفوضى الأمنية كورقة ضغط سياسية وعسكرية لصالح إيران على الحدود مع العراق.
من جانبه، يؤكد الباحث المحيمد بأن إدارة قسد السابقة لسجون عناصر داعش لعبت دورًا محوريًا في التطورات الأخيرة، إذ سمحت بهروب العشرات منهم وفرارهم قبل نقل بعض المعتقلين إلى العراق ويرى أن هذه الحوادث أسهمت في إعادة تشكيل خلايا التنظيم وخلق بؤر توتر أمنية جديدة.
—————————-
=================
تحديث 01 أذار 2026
—————————-
تنظيم “الدولة” يصعّد لإظهار الدولة السورية ضعيفة وجذب الأنصار/ ركان الخضر
خبيران يفسران توقيت ومتغيرات الرسالة
خرج تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى واجهة الأحداث، في 21 من شباط الماضي، من خلال تسجيل صوتي منسوب لمتحدثه الرسمي “أبو حذيفة الأنصاري”، وهو التسجيل الأول للتنظيم بعد غياب دام عامين.
التسجيل جاء في وقت تواجه فيه سوريا فوضى جزئية في شمال شرقي البلاد، بعد فرار آلاف المحتجزين من مخيم “الهول”، ما أثار مخاوف واسعة على الأمن الداخلي والإقليمي.
ركّز التسجيل الصوتي، بحسب ما رصدته عنب بلدي، على وصف الحكومة السورية بأنها “علمانية” والدعوة لمواجهتها، مع تلميحات إلى شخصياتها، وإيحاء بأن مصير بعضهم “لن يختلف عن نهاية الرئيس السابق” (المخلوع بشار الأسد).
كما وصف المتحدث الوضع السوري بأنه انتقال من النفوذ الإيراني إلى النفوذ التركي والأمريكي، في محاولة لإعادة تأطير المشهد السياسي بما يخدم سردية التنظيم الأيديولوجية، ويحافظ على حضوره الرمزي رغم الخسائر الميدانية.
ظروف الكلمة وأهدافها
الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع”، معتز السيد، يعتقد أن التنظيم وجد أن الوضع الأمني في شرقي سوريا لم يستقر حتى الآن، من خلال رصد التغيّرات في انتشار القوات والتبدلات في السيطرة مع انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوات الأمريكية، وهذا بالطبع يخلق ثغرات أمنية، الأمر الذي دفع التنظيم لاستغلال الفراغ الأمني ليقول إنه ما زال موجودًا.
وأشار السيد إلى أن الهدف من الكلمة رفع معنويات عناصر التنظيم، وتشجيع الخلايا النائمة على التحرك، بعد أن شعر بأن التوقيت مناسب ليظهر إعلاميًا ويعلن بدء مرحلة نشاط جديدة.
من جهته، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الظروف التي دعت للكلمة كثيرة، منها انخراط الحكومة السورية في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب والانسحاب الأمريكي من سوريا، الأمر الذي جعل الحكومة السورية في مقدمة المواجهة مع التنظيم، موضحًا أن المواجهة بين الطرفين ليست جديدة، لكنها كانت تتم بوجود أطراف كثيرة، مما جعل الحكومة السورية بعيدة عن صدارة المواجهة في السابق.
وأضاف جلو أن هذا الأمر دفع التنظيم للهجوم على الحكومة السورية في كلمته، من خلال وصفها بالعلمانية وغيرها من الأوصاف التي يستخدمها ضد كل الحكومات.
الترابط بين الكلمة وتكثيف الهجمات
بُعيد الكلمة، شهدت بعض مناطق البادية السورية وأرياف الرقة ودير الزور نشاطًا متقطعًا لخلايا يُعتقد أنها مرتبطة بتنظيم “الدولة”، رغم تراجع سيطرته المكانية منذ عام 2019، واستمرار الحملات الأمنية ضده.
وتبنى تنظيم “الدولة الإسلامية” هجومين، في بيانين منفصلين، أحدهما في محافظة دير الزور والآخر في الرقة.
وقال التنظيم، وفق ما رصدته عنب بلدي في معرفات إعلامية موالية للتنظيم، إنه استهدف مقرًا للجيش السوري ببلدة الميادين، في 23 من شباط الماضي، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل عنصر.
كما تبنى هجومًا “انغماسيًا” في بلدة السباهية عند المدخل الغربي لمدينة الرقة، في اليوم نفسه، وقال إنه قتل أربعة عناصر وأصاب ثلاثة آخرين في صفوف الأمن الداخلي السوري، في هجوم وصفه بـ”المباغت”، عبر إطلاق النار من مسافة قريبة.
وأضاف أن القوات الحكومية استقدمت تعزيزات لإنقاذ الموقف عقب الهجوم.
مراسل عنب بلدي في دير الزور، أكد مقتل عنصر ضمن الجيش السوري ضمن صفوف “الفرقة 86” في بلدة الميادين.
كما ذكر مراسل عنب بلدي في الرقة أن أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي قتلوا، إثر هجوم استهدف حاجز “السباهية” غربي مدينة الرقة، في ثالث استهداف يتعرض له الحاجز خلال نحو عشرة أيام.
وسبق أن تبنى تنظيم “الدولة”، في 22 من شباط الماضي، مقتل ثلاثة عناصر تابعين لوزارة الدفاع السورية في شمال شرقي سوريا، وذلك بعد يومين من إعلانه المسؤولية عن هجوم آخر في محافظة دير الزور.
تحدث الباحث معتز السيد لعنب بلدي، عن وجود عن علاقة واضحة بين الكلمة والعمليات المكثفة التي تبناها التنظيم ضد القوات الحكومية السورية في شرقي البلاد، مشيرًا إلى أن التنظيم عادة ما يرافق التصعيد العسكري بخطاب إعلامي، فالكلمة تعطي غطاء معنويًا للهجمات، وتُظهر أن العمليات جزء من خطة وعودة منظمة للنشاط وليست مجرد هجمات فردية.
الباحث عمار جلو، أشار إلى ترابط بسيط بين الكلمة والعمليات، لأن العمليات لم تتوقف خلال السنوات الأخيرة في المنطقة، وهي خطوة يسعى من خلالها التنظيم، برأي جلو، إلى إرسال رسائل أنه موجود على الساحة، رغم أن الواقع يؤكد تراجعه كثيرًا وغيابه عن العمليات النوعية منذ سنوات طويلة.
ويرى أن العمليات الأخيرة لا تخرج عن سياق دعاية إعلامية لإعادة استقطاب الخلايا النائمة وتجميعها.
توترات أمنية شرقي سوريا على خلفية استهداف خلايا تابعة لتنظيم “الدولة” حواجز أمنية في الرقة ودير الزور – 23 شباط 2026 (وزارة الداخلية)
توترات أمنية شرقي سوريا على خلفية استهداف خلايا تابعة لتنظيم “الدولة” حواجز أمنية في الرقة ودير الزور – 23 شباط 2026 (وزارة الداخلية)
التنظيم يحشد عناصره
الباحث معتز السيد، قال لعنب بلدي، إن التنظيم يملك خلايا نائمة موجودة منذ سنوات في البادية وبعض الأرياف، وربما انتشرت في جميع أنحاء سوريا بعد التحرير، فالمعروف عن تنظيم “الدولة” أو ما يشبهه من تنظيمات أنهم يتحركون بهدوء وينتظرون فرصة مناسبة، الأمر الذي جعلهم يبدؤون بتنفيذ الهجمات بعدما شعروا بضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق، متوقعًا رؤية هجمات مماثلة في أي مكان على الجغرافيا السورية متى ما أحس التنظيم بضعف الرقابة الأمنية.
وحول إمكانية اعتماد التنظيم على بعض معتقليه الهاربين من السجون في الفترة الأخيرة نتيجة العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري ضد” قسد” في المنطقة، بالإضافة إلى التقارير التي تحدثت عن عمليات هروب من مخيم “الهول” في ظل المرحلة الانتقالية التي شهدت انتقال السيطرة الأمنية على المخيم الذي يضم عوائل مقاتلي تنظيم “الدولة” من “قسد” إلى الحكومة السورية، أوضح السيد أن الوقت لم يكن كافيًا لإعادة دمج المقاتلين الهاربين من السجون في البنية السرية للتنظيم.
ونوه إلى احتمالية تصعيد التنظيم ببعض المناطق في سوريا بعد الاعتماد على هؤلاء العناصر، خصوصًا أنه لا توجد بيانات أو أرقام حقيقية حول الهاربين من السجون أو المخيمات أو من تعمدت “قسد” إطلاق سراحهم.
واتفق جلو مع السيد أن التنظيم يملك خلايا نائمة كبيرة وكثيرة، لكن الشكوك كبيرة حول قدرة التنظيم على تجميع هذه الخلايا، بحسب رأيه، مشيرًا إلى أن بعض الفصائل المنضوية ضمن الجيش السوري تحمل بعض التعاطف مع تنظيم “الدولة”.
وأفاد جلو أن العمليات ربما تعطي تضخيمًا للتنظيم، لكنه على الأرض أضعف مما يحاول أن يظهره من قوة.
وأوضح أن هروب السجناء ربما كان له دور مؤثر، لكن لم يظهر شيء يؤكد أن المعتقلين الهاربين استطاعوا العودة للتنسيق مع قيادات التنظيم للبدء بعمليات توحي بأن هؤلاء العناصر لا يزالون فاعلين، لكونهم معتقلين منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل من غير السهل إعادة تفعليهم ضمن التنظيم بهذه السرعة.
أهداف العمليات والآثار
الباحث عمار جلو يعتقد أن الأهداف من وراء العمليات تتمحور حول إرسال رسائل أن التنظيم موجود وفاعل وعنصر قادر على خلط الأوراق في الساحة السورية.
واستبعد جلو أي مؤشر على قدرة التنظيم على السيطرة على مناطق جغرافية، فالتنظيم من وجهة نظره، انتقل منذ سنوات إلى ولايات ليست مترابطة جغرافيًا، والاعتماد على خلايا متقطعة وغير متواصلة إلا من خلال شخص واحد حرصًا على عدم انكشاف المجموعات.
كما أن التنظيم، برأي جلو، انتقل إلى إمكانية السيطرة في بعض المناطق ليلًا بأماكن غير مأهولة خاصة في البادية السورية، متوقعًا أنه ربما يراجع دراسة الفترة السابقة التي كان يسيطر فيها على مساحات واسعة من العراق وسوريا، إذ أعاد تنظيم نفسه وقوى مركزه، لكنها أمور مستقبلية ليست واضحة الآن، فالهدف الظاهر حاليًا يركز على خلط الأوراق وإعادة تدوير الصراع للانتقال ربما مستقبلًا للتمكين والسيطرة.
ويرى جلو آثارًا سلبية “هائلة” لعمليات التنظيم، مشيرًا إلى أن أي نجاح للتنظيم ولو بسيط في الساحة السورية سيعيد الحرب إلى سوريا من جديد، ويعيد خلط الأوراق وإعادة الاصطفافات الإقليمية والدولية، وهو أخطر عامل يهدد سوريا الجديدة.
الباحث معتز السيد يتفق مع جلو في أن التنظيم يهدف من وراء عمليات الاستهداف للقوى الأمنية السورية، إلى إظهار ضعف الحكومة أمنيًا، وإثبات أنه ما زال حيًا، بالإضافة إلى محاولة جذب أنصار جدد ورفع معنويات عناصره.
وأضاف أن احتمالية السيطرة الجغرافية لتنظيم “الدولة” مستبعدة في الظروف الراهنة، فالوضع مختلف عن عام 2014، لأن الجيش السوري الجديد منتشر على كامل الأراضي السورية تقريبًا، وله بنية مركزية ويحظى بدعم من قوات التحالف ودول الجوار، كما أن السماء تحت رقابة جوية من طيران التحالف.
ويعتقد معتز السيد أن العمليات ستزيد القلق والخوف بين الناس، وقد ترتفع الهجمات والاغتيالات مما سيؤثر على الاقتصاد والاستثمار، ويعقّد الوضع السياسي، وربما يطيل حالة عدم الاستقرار في سوريا، فالتنظيم وإن كان لا يستطيع العودة كما كان، لكنه يستطيع تعطيل الاستقرار لفترة طويلة.
ما المطلوب من الحكومة السورية؟
أشار الباحث عمار جلو إلى إجراءات متعددة مطلوبة من الحكومة السورية للتصدي لهجمات التنظيم، تتمثل في إبعاد العناصر المحتمل أن تحمل تعاطفًا أو القريبة أيديولوجيًا من التنظيم، ثم التضييق على التنظيم من خلال محاربته أمنيا وعسكريًا.
ونوه إلى أهمية العمل على الصراع الفكري مع التنظيم من خلال التركيز على التمييز بين الإسلام وبين الأفكار الراديكالية المحافظة أو المتشددة، وهو موضوع، برأي جلو، غائب عن كل القوى التي تحارب التنظيم وتركز على الصراع العسكري والأمني بعيدًا عن الصراع الفكري الذي يمكن تفعيله من خلال الاعتماد على منظومة من رجال الدين تتصدر لهذا الموضوع عبر مواجهة دعاية التنظيم فكريًا وفك الارتباط بين قتاله وفكرة معاداة الإسلام.
من جانبه، أوضح الباحث معتز السيد أن الحكومة السورية مطالبة بتقوية العمل الاستخباراتي المنظم والاعتماد على الخبرات الدولية خاصة بعد انضمامها إلى قوات التحالف والاستفادة بأقصى حد من هذا الانضمام، بالإضافة إلى الجدية بالتعامل مع أي مؤشرات لوجود خلايا أو شبكات تمويل، كما أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي يمكن أن تكون حواضن للتنظيم مفيدة جدًا، فالقضاء على الفقر وتجفيف منابع هذا الفكر يفقد التنظيم قدرته على الانتشار، برأي السيد.
عنب بلدي،
—————————-
أمريكا في سوريا: انسحاب بطعم حصيلة عجفاء/ صبحي حديدي
ثلاثة رؤساء أمريكيين، بارك أوباما، دونالد ترامب (على دفعتين)، وجو بايدن؛ تعاقبوا على صياغة الأدوار الأمريكية في سوريا، خلال سنوات الانتفاضة الشعبية بين انطلاقتها في ربيع 2011 وحتى انحلال نظام «الحركة التصحيحية» أواخر 2024. وإذا جاز القول بأنّ تقلبات هذا الملف عكست عناصر كلاسيكية لأيّ تدخل أمريكي معياري في شؤون الأمم خارج المحيط، فإنّ الجائز التالي هو خلاصات التقلّب والتردد والتناقض والارتباك بصدد الموقف من منظومات حكم الأسد الابن الوريث، بالمقارنة مع نظائر أكثر استقراراً وثباتاً في تعاطي الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع 30 سنة من النظام الأمّ الذي أداره الأسد الأب.
وعلى سبيل تبيان بعض أبرز فصول التدخل الأمريكي في الشأن السوري ما بعد الانتفاضة الشعبية، في الوسع الإشارة إلى المحطات التالية: 22 أيلول (سبتمبر) 2014، التاريخ الرسمي لإعلان الولايات المتحدة التدخل تحت ذريعة محارية «داعش»؛ ثمّ «الخط الأحمر» الشهير الذي رسمه أوباما، صيف 2012، على سبيل ردع أيّ هجمات يشنها النظام السوري بأسلحة كيميائية (ولم يسفر، عملياً، إلا عن صفقة مع موسكو تذرّ الرماد في الأعين!)؛ والضرية الجوية الأمريكية ضدّ مطار الشعيرات، ربيع 2017، التي تمّ إعلام موسكو بها مسبقاً؛ وصولاً إلى أواسط أيار (مايو) 2025 حين أعلن ترامب، من الرياض، البدء في رفع العقوبات عن سوريا.
الانسحابات العسكرية الأمريكية من قواعد في سوريا، في الجنوب ومحافظات الشمال الشرقي، والتي تعاقبت بوتائر مختلفة منذ الأسابيع القليلة الأولى بعد انهيار النظام البائد، كانت بمثابة تتمات منطقية لسلسلة من المتغيرات طرأت ميدانياً واستوجبت مراجعات أو تعديلات خطط من جانب البنتاغون، قبل كبار مستشاري البيت الأبيض وتقديرات ترامب نفسه. مخاطر «داعش» انحسرت على نحو ملموس، خاصة بعد تصفية البغدادي زعيم التنظيم أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2019 خلال عملية إنزال جوي نفذتها قوات أمريكية خاصة. اعتبارات ميدانية أخرى ذات بُعد جيو ـ سياسي ستراتيجي الطابع طرأت أيضاً، بينها اضطرار موسكو إلى تخفيض وجودها العسكري في سوريا، لخدمة جيشها في معارك أوكرانيا؛ وميل ترامب إلى مراعاة مصالح حيوية في الملفّ السوري، يتطلبها «صديق» محبب إليه مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ وصولاً، بالطبع، إلى التحوّل الجوهري الهائل الذي تمثل في انطواء 54 سنة من نظام آل الأسد في سوريا، بما اسفر عنه أيضاً من إنهاء سريع لنفوذ إيران وميليشياتها الموالية.
وأياً كانت مقادير الاختلاف، مقابل معطيات التطابق، فإنّ حصيلة التدخل الأمريكي في سوريا، العسكري والسياسي والأمني والدبلوماسي، لا تنأى كثيراً عن سوابق لها في أفغانستان والعراق؛ من حيث ترسيم أغراض سريعة/ متسرعة لا تحتسب إلا القليل من عواقب «ستراتيجية الخروج» الشهيرة، لأنها في الأصل تُبنى على حسابات آنية تتعجل اعتمادَها تقديرات قاصرة، إذا لم تكن قصيرة النظر أصلاً. هذا إذا لم يلجأ المرء إلى فتح ملفات التواطؤ على الشعب السوري وانتفاضته وآماله وآلامه، بين واشنطن وموسكو، على مدار 14 سنة من ثلاث رئاسات أمريكية.
المثال الأوضح، ولعله يعكس السوأة الأشدّ انحطاطاً، كان سلسلة المباحثات المستفيضة التي انخرط فيها ضباط أمريكيون وروس، ابتداء من صيف 2015 وحتى انقضاء سنة 2016؛ وكان موضوعها شبه الوحيد هو… كيف يمكن إنقاذ نظام الأسد! افتضاح جلسات التآمر هذه سوف ينتظر سنوات قبل إفادة أندرو إكسوم، نائب المساعد الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال رئاسة أوباما الثانية، أمام لجنة فرعية في الكونغرس بحثت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
انسحاب بطعم حصيلة عجفاء، في نهاية المطاف، قد يعيد إنتاج خلاصاته وعواقبه هنا أو هناك؛ وكأنّ لا دروس تُستخلص، ولا عواقب تُحتسب.
القدس العربي
————————
اختبارات ما بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا/ منهل باريش
انعكس الانسحاب العسكري الأمريكي من قواعد شمال وشرق سوريا بشكل واضح على مجريات الأحداث السياسية والميدانية، إذ لم يكن مجرد خطوة عسكرية تقنية، بل تحولاً ذا تأثيرات عميقة على موازين القوى المحلية. فقد دفع هذا الانسحاب قوات سوريا الديمقراطية إلى القبول بإبرام اتفاق مع الحكومة الانتقالية في دمشق، في ظل إدراكها لتراجع المظلة العسكرية الأمريكية المباشرة. وفي الوقت نفسه، تزامن نقل عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» المعتقلين من سوريا إلى العراق، وهروب عدد كبير من العائلات من مخيم الهول إلى مناطق متفرقة في شمال غربي سوريا، ونقل آخرين إلى مخيم في ريف حلب الشمالي، مع حالة غضب واضحة داخل أوساط التنظيم. وقد أسهم ذلك، بحسب تقديرات ميدانية، في دفعه إلى إعلان القتال ضد إدارة الرئيس أحمد الشرع، في محاولة لإعادة فرض نفسه لاعباً فاعلاً في المعادلة الأمنية.
وفي سياق متصل، قابل الانسحاب الأمريكي المتدرج من القواعد الرئيسية انتشار أوسع للقوات الحكومية السورية في محافظات دير الزور والحسكة والرقة، إضافة إلى قاعدة التنف الحدودية. وبذلك، بدا المشهد وكأنه انتقال من فراغ نسبي إلى إعادة تموضع شامل للقوى المحلية.
انسحاب جزئي من قاعدة قسرك
وكانت القوات الأمريكية قد بدأت، مطلع الأسبوع، الانسحاب من قاعدة قسرك في محافظة الحسكة، وهي واحدة من أكبر قواعدها في شمال شرق سوريا. وأفادت ثلاثة مصادر عسكرية وأمنية سورية بأن هذه الخطوة تندرج ضمن تقليص أوسع للوجود الأمريكي، بالتزامن مع تعزيز الحكومة السورية سيطرتها على مساحات واسعة من المنطقة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
وفي هذا الإطار، نشر ناشطون محليون أشرطة مصوّرة تُظهر عشرات الشاحنات، بينها آليات مدرعة، تغادر القاعدة باتجاه الطريق المؤدي إلى القامشلي. كما أظهرت اللقطات الرتل العسكري وهو يتحرك على أحد الطرق السريعة في محيط المدينة، في مشهد عكس طبيعة الانسحاب المنظم.
وتُعد قاعدة قسرك مركزاً لوجستياً وعسكرياً مهماً للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وقد شكّلت على مدى أكثر من عقد نقطة ارتكاز للعمليات المشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية. ومع استكمال الانسحاب منها، سيبقى للتحالف قاعدة رئيسية واحدة في رميلان، المعروفة أيضاً باسم خراب الجير، قرب الحدود العراقية، بعد إخلاء مواقع أخرى خلال الأسابيع الماضية، بينها قاعدة الشدادي في الحسكة. وتُعتبر هذه القاعدة الأخيرة الموقع الوحيد المتبقي الذي تهبط فيه طائرات الشحن العسكرية التابعة للتحالف.
قاعدة التنف: مخاطر الفراغ
أما في الجنوب الشرقي، فقد سبق للقوات الأمريكية أن انسحبت، مطلع الشهر، من حامية التنف الواقعة عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، وهي قاعدة شكّلت عقدة جيوسياسية تتحكم بالطرق البرية بين بغداد ودمشق، ومثّلت، في الوقت ذاته، جدار قطع بين طهران وبيروت. ومن هنا، فإن الانسحاب منها لا يمكن قراءته كإجراء ميداني فحسب، بل كتغيّر في آلية إدارة النفوذ.
وتعتمد قيادة التحالف الدولي، في المرحلة الحالية، على السلطات السورية الأمنية والعسكرية لسد الفراغ الميداني وملاحقة خلايا التنظيم في بادية الشام والمناطق الخالية الممتدة من غرب الفرات وصولاً إلى شرق محافظة السويداء، إضافة إلى منطقة حدودية مشتركة مع الأردن والعراق يزيد طولها على 400 كيلومتر.
ومع ذلك، فإن إخلاء قاعدة التنف لا يعني، عملياً، تراجع الرقابة المباشرة على المنطقة، إذ ستُتابَع مهام الرصد والاستطلاع والمراقبة من «البرج 22» داخل الأراضي الأردنية، في حين سيجري العمل الأمني والميداني بالاعتماد الدائم على قوات أمن البادية السورية، التي تتخذ من مدينة تدمر مقراً لها.
وتنظر واشنطن إلى هذه الانسحابات وإخلاء المواقع بوصفها «انتقالاً متعمداً وقائماً على الشروط»، مشيرة إلى أن الحكومة السورية باتت مستعدة لتحمّل المسؤولية الأساسية عن مكافحة التهديدات داخل أراضيها. إلا أن الغموض لا يزال يحيط بطبيعة الانسحاب، وما إذا كان دائماً أم مجرد إعادة تموضع مرحلية. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد ذكرت أن الولايات المتحدة تعتزم سحب كامل قواتها، البالغ عددها نحو ألف جندي، من سوريا، وهو ما لم تؤكده الإدارة الأمريكية رسمياً.
وعلى صعيد الانتشار المقابل، استجابت الحكومة السورية بإعادة توزيع وحداتها العسكرية في البادية. فانتشرت الفرقة 54 في التنف لتثبيت السيطرة وملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب قوات التحالف الدولي، فيما تولت الفرقة 70 تغطية الامتداد بين ريف دمشق وجنوب طريق بغداد–دمشق ومنطقة الـ55 كيلومتراً من الجهة الغربية.
في المقابل، يقع على عاتق الفرقة 86 الانتشار بين الميادين والبوكمال وباديتها جنوباً، وهي منطقة تُعد تاريخياً أحد المسارات الرئيسية لتهريب السلاح الإيراني من العراق إلى سوريا، كما أنها من أكثر المناطق التي شهدت عمليات هجومية لمقاتلي تنظيم «الدولة» خلال شهر شباط/فبراير الجاري. وفي موازاة ذلك، انتشرت الفرقة 66 جنوب الرقة، بينما تمثل الفرقة 42 المدرعة خط الدفاع الأبرز الممتد من شرقي حمص إلى السخنة في عمق البادية. وترافق هذه التحركات عمليات مكثفة لإدارة أمن البادية لملاحقة الخلايا وضبط المساحات المفتوحة.
تنظيم «الدولة» يعلن «مرحلة جديدة»
غير أن الانسحاب الأمريكي لم يترافق مع هدوء ميداني، بل تزامن مع تصعيد ملحوظ لتنظيم «الدولة الإسلامية». فقد نشر التنظيم تسجيلاً صوتياً منسوباً إلى متحدثه أبو حذيفة الأنصاري، أعلن فيه بدء ما وصفه بـ«مرحلة جديدة من العمليات» في سوريا، وهاجم في التسجيل الحكومة السورية، متهماً إياها بالانخراط في تحالفات دولية ضده، ومعتبراً أن البلاد انتقلت من نفوذ إلى آخر. ويُعد هذا البيان الصوتي الأول للناطق باسم التنظيم منذ أكثر من عامين.
وبالتوازي مع البيان الصوتي، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجومين استهدفا عناصر من الجيش السوري في مدينتي الميادين والرقة. وقال في بيان نشره عبر منصاته الإعلامية إنه استهدف أحد عناصر الجيش في الميادين باستخدام مسدس، كما هاجم عنصرين آخرين في الرقة بإطلاق نار من أسلحة رشاشة. وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع السورية مقتل جندي ومدني في هجوم نفذه «مهاجمون مجهولون»، مشيرة إلى أن الجندي ينتمي إلى الفرقة 42.
كما تبنّى التنظيم هجوماً في ريف دير الزور منتصف الشهر الجاري، أسفر عن مقتل عنصر من القوات الحكومية وإصابة آخر قرب بلدة الرغيب في منطقة ذيبان، في محاولة لإبراز قدرته على التحرك في مناطق تُعد تحت سيطرة حكومية مشددة.
الرقة… اختبار القدرة على الضبط
وفي محافظة الرقة، تصاعدت الهجمات ضد نقاط أمنية خلال الأيام الماضية. فقد قُتل أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي إثر هجوم استهدف حاجز السباهية غربي المدينة، في ثالث استهداف للحاجز خلال فترة قصيرة. ووفق مصادر أمنية، وقع الهجوم الأول قبل نحو عشرة أيام وأدى إلى إصابة عدد من العناصر من دون تسجيل قتلى، ثم أعقبه هجوم ثانٍ أسفر عن مقتل عنصر، قبل أن يتجدد الاستهداف ويسفر عن سقوط أربعة قتلى.
وبعد الهجوم الأخير، سحب فرع الأمن الداخلي عناصره من الحاجز، وهو ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الإدارة الأمنية على ضبط الوضع في الرقة. كما أن سحب العناصر من الحاجز سيسمح لخلايا التنظيم وعناصره بالتنقل بين الريف الغربي ومركز مدينة الرقة بدون عائق كبير.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي لاحقاً تفكيك خلية قالت إنها تتبع لتنظيم «الدولة» وتقف وراء الهجمات. وأوضح قائد الأمن الداخلي في الرقة أن الوحدات الأمنية نفذت عمليات متزامنة أسفرت عن تحييد متزعم الخلية وأحد أفرادها واعتقال أربعة آخرين، إضافة إلى ضبط أسلحة وذخائر. وأكدت وزارة الداخلية استمرار عمليات التمشيط وتعزيز الإجراءات الوقائية في الحواجز والمراكز الأمنية.
ميدانياً أيضاً، أعلنت وزارة الداخلية، الجمعة، إلقاء القبض على أحد عناصر التنظيم في مدينة جرابلس بريف حلب الشمالي، مشيرة إلى اعترافه بالتورط في جرائم عدة، بينها زرع عبوة ناسفة استهدفت أحد مسؤولي الشرطة العسكرية. وفي دير الزور، أحبطت القوى الأمنية هجوماً نفذه شخصان على دراجة نارية استهدفا حاجز جزرة البوحمد بإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة أحد المهاجمين وفرار الآخر.
في هذا السياق، أكد وزير الداخلية السوري أنس خطاب استمرار مداهمة ما وصفها بـ«أوكار تنظيم داعش»، مشدداً على أن محاولات زعزعة الأمن لا تتوقف، سواء من «فلول النظام السابق» أو من خلايا التنظيم. وأشار إلى أن عناصر من قوات الأمن قُتلوا خلال اليومين الماضيين أثناء أداء مهامهم، متعهداً بملاحقة الخلايا المسلحة ومنع أي تهديد يمسّ الاستقرار.
ملف عائلات التنظيم ما بعد مخيم الهول
تتزامن هذه التطورات مع مخاوف متزايدة من تداعيات فرار آلاف الأشخاص من مخيم الهول شمال شرقي سوريا. فقد نقلت تقارير أمريكية عن مسؤولين استخباريين تقديرات تشير إلى أن ما بين 15 و20 ألف شخص غادروا المخيم خلال الأسابيع الأخيرة، بينهم نساء وأطفال وعناصر يُعتقد بارتباطهم بالتنظيم. وحذّر خبراء من احتمال تعرض بعض الفارين لعمليات تطرف داخل المخيم خلال سنوات الاحتجاز.
وحسب تصريح مصدر أمني لـ«القدس العربي»، بدأت السلطات السورية بنقل ما تبقى من قاطني المخيم إلى موقع آخر في منطقة اخترين شمال حلب، تمهيداً لإخلائه بالكامل. كما نقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول حكومي قوله إن القرار جاء بعد تقييم أظهر افتقار المخيم إلى المقومات الأساسية للسكن، مشيراً إلى أن عملية الإخلاء ستُستكمل خلال أيام.
وفي سياق منفصل، يتعين على السلطات السورية التعاطي بمسؤولية وحذر كبيرين مع مسألة عائلات المقاتلين، وإخضاع أطفال المقاتلين لبرامج إدماج وإعادة تأهيل واسعة وحقيقية، وعدم تحويل المخيمات التي نُقلوا إليها إلى سجون جديدة تزيد من عزلة الأطفال واليافعين، بما قد يفاقم المخاطر الأمنية مستقبلاً بدلاً من احتوائها.
تحديات القوى الأمنية السورية
وتشير الهجمات المتزايدة ومواقعها إلى أن التنظيم بدأ يتحرك في المناطق الحضرية بعد تركيزه على طرق البادية السورية خلال السنوات الماضية. كما أن الهجوم على حاجز السباهية يعني أن التنظيم يمتلك شبكة رصد واستطلاع قادرة على التخطيط لعملية مباغتة في قلب نقطة أمنية، ولا تقتصر عملياته على استهداف عنصر يتنقل بدراجة نارية بين مقره العسكري ومكان سكنه في قرية نائية.
إضافة إلى ذلك، يُعدّ نقص العنصر البشري أحد الأسباب الرئيسية لما يمكن وصفه بـ«الإخفاق الأمني»، إذ إن وزارة الداخلية السورية وجهاز الأمن الداخلي لا يمتلكان عدداً كافياً من العناصر لمطاردة خلايا التنظيم بصورة مستمرة ومنظمة، ولا لفرض طوق أمني دائم يمنعها من إعادة التموضع وشنّ هجمات متكررة. كما أن اتساع رقعة الانتشار الجغرافي، ولا سيما في البادية والمناطق الطرفية، يفرض جهداً بشرياً واستخبارياً مضاعفاً يتجاوز الإمكانات المتاحة حالياً. ومن هنا، تُعدّ استراتيجية ملاحقة الخلايا وتعقبها بصورة استباقية من أهم التكتيكات التي ينبغي على الوحدات العسكرية والأمنية اعتمادها، ليس فقط لإحباط الهجمات، بل لإشغال قيادة التنظيم وتشتيت قدراتها ومنعها من إعادة ترتيب صفوفها والتخطيط لعمليات نوعية، على غرار الهجوم الذي استهدف حاجز السباهية غربي مدينة الرقة.
وبطبيعة الحال، فإن الأيام القليلة المقبلة ستكون بمثابة اختبار حقيقي للتنظيم، سواء من حيث قدرته على الاستمرار في تنفيذ عمليات متوالية وذات طابع نوعي تستهدف تجمعات أمنية وحواجز كبيرة، أو الاكتفاء بالهجمات المحدودة التي تطال عناصر منفردين تابعين لوزارتي الدفاع والداخلية. فالفارق بين المسارين لا يقتصر على مستوى الخسائر، بل يعكس أيضاً طبيعة المرحلة التي يختارها التنظيم: هل يسعى إلى رفع مستوى التحدي المباشر، أم يفضّل اعتماد سياسة الاستنزاف البطيء للقوات المنتشرة في دير الزور والرقة والحسكة؟
وفي هذا السياق، فإن توسيع رقعة المناطق المستهدفة وتحديد «بنك الأهداف» الأمنية لا يعني مطلقاً أن التنظيم يتجه إلى السيطرة على مناطق جغرافية محددة أو إعلان «إمارة» جديدة كما فعل في مراحل سابقة. فمثل هذا الخيار سيعني، عملياً، انكشاف الخلايا وخروج ما يُعرف بـ«الذئاب المنفردة» إلى العلن، الأمر الذي يضعها تحت رصد مباشر من التحالف الدولي، ويجعل القضاء عليها مسألة وقت، ولا سيما مع إمكانية حصول تدخل جوي سريع ومساندة برية من قوات الحكومة السورية.
لذلك، يُرجّح أن يحافظ التنظيم على نمط الهجمات نفسه، القائم على الضربات الخاطفة والانسحاب السريع، مع الحرص على إبقاء وتيرة العمليات مستقرة قدر الإمكان. فالحفاظ على الوتيرة، حتى وإن كانت منخفضة نسبياً، يحمل دلالات تنظيمية مهمة؛ إذ يعني قدرة التنظيم على تجنيد عناصر جديدة، وإعادة وصل قنوات التواصل مع منتسبيه، وتنشيط شبكاته الأمنية المتفرقة بين سوريا والعراق. كما أن استمرار العمليات، ولو بوتيرة محسوبة، يمنح القيادة المركزية هامشاً دعائياً لإثبات الحضور وإقناع الأنصار بأن التنظيم ما زال فاعلاً وقادراً على المبادرة، ولو من دون السيطرة على الأرض كما في السابق.
القدس العربي
————————–
ماذا تريد واشنطن من دمشق؟/ لميس أندوني
01 مارس 2026
يجد المتابع للنقاشات والتصريحات الأميركية حيال سورية أنّ أولوية واشنطن، إن كان البيت الأبيض أو الكونغرس، هي السعي إلى فرض سيطرة كاملة على مسار سورية ومستقبلها. هذا ما تهدف إليه أميركا، وبخاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب، وتحاول فعله في كل الدول، إذ تتصرّف كأنها تحكمها أو تحاول حكمها. لكن الوضع السوري له خصوصيته؛ فبالنسبة لواشنطن هذه فرصة لإعادة تشكيل سورية، سواءً النظام أو التحالفات أو المجتمع السوري بأكمله.
السؤال الأهم الذي يشغل مراكز الأبحاث المؤثرة وأعضاء الكونغرس الذين يتحكمون في لجنتَي العلاقات الخارجية والمساعدات المالية والعسكرية: هل يمكن اعتبار الرئيس السوري حليفاً أم يمكن أن يتبيّن أنه عدو؟… ولا يصدُر السؤال من شكوك في الرئيس أحمد الشرع، ليس بسبب ماضيه في جبهة النصرة فحسب؛ إنما أيضاً ما إذا كان من الممكن الثقة به في أن يفصل سورية عن مفهوم الأمن القومي العربي. ومعنى ذلك أن يقضي في بلده على فكرة العداء لإسرائيل. وقد جاء الجواب الأكثر دلالة ووضوحاً على السؤالَين من خبراء اعتمدت عليهم لجنة الخارجية في مجلس النواب في جلستها المعلنة “سورية على مفترق طرق” التي انعقدت في 11 فبراير/ شباط الجاري، وتبعها جدل كبير في مجلس النواب وخارجه. وهو باختصار “أن الشرع حليف يجري صنعه”، أو بمعنى أدق أن الإدارة الأميركية تعمل على تحويله إلى حليف، لكن نجاح هذا غير مؤكد. غير أنّ أعضاء لجنة خارجية النواب والخبراء المعروفين بتأييدهم القوي إسرائيل اتفقوا على أن الشرع “تحت الاختبار”، وهذا هو الرأي السائد في واشنطن، ويجري ترديده في الندوات والمناقشات.
صحيحٌ أن جزءاً مهمّاً من جلسة استماع مجلس النواب وما لحقها من حوارات في واشنطن ركّزت على “أهمية حماية الأقليات” والمدّة التي يجب أن تسمح بها واشنطن لرؤية سياسات وإجراءات حقيقية تضمن “سلامة الأقليات”. وهذه في لغة واشنطن، وليس في “الحالة السورية” حصراً، غطاء للتدخّل والابتزاز الأميركيين، ولا تمثل التزاماً أخلاقياً بحقوق الإنسان، فجميع الشخصيات السياسية الأميركية ومراكز الأبحاث (تقريباً)، وأهمها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وأعضاء لجنتَي الخارجية في مجلسَي النواب والشيوخ من داعمي حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، ومؤيدي إجراءات ترامب ضد المهاجرين، ومنهم من يجاهر بعدائه العنصري للمسلمين، وهذا يجب أخذه بالاعتبار حين نحاول فهم سياسات واشنطن بشأن سورية.
يجب التوضيح هنا أنّ موقف أميركا المنافق لا يعني عدم أخذ موضوع صيانة حقوق الشعب السوري وأمانه؛ فواجب الدولة السورية حماية جميع مواطنيها ومنع التحريض الفئوي أو الإثني أو الطائفي. ولذا؛ فإنّ محاسبة الضالعين في ارتكاب المجازر في الساحل وفي السويداء مهمّة لا يمكن تأجيلها، حفاظاً على سورية وشعبها، وليس إرضاءً للجانب الأميركي الذي لا يهتم أصلاً بحقوق الإنسان، وإنما يستعملها ورقة ابتزاز سياسيّ ضدّ دول وحكومات. …ولا يمكن تجاهل التهديدات الأميركية؛ لأن هناك لوبياً مستعدّاً لحملة لإعادة فرض عقوبات قانون قيصر القاسية على سورية، تحت شعار حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.
وعليه؛ تتحمّل الحكومة السورية مسؤولية: أولاً؛ احترام حقوق الإنسان والمواطنة لجميع السوريين. وثانياً؛ عدم إعطاء ذريعة للمجموعات التي لا يهمّها سوى المصالح الأميركية، منها الصمت السوري على الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي وتسهيل عمل الشركات الأميركية وتعميق الإجراءات الاقتصادية النيوليبرالية، فالمصالح الأميركية فوق كل اعتبار.
المؤسف أن الحكومة السورية لم تفعل ما يكفي لزرع الثقة لدى الشعب السوري، بغضّ النظر عن الإثنية أو الطائفة بحماية حقوقه. والأسوأ هو المضي في سياسات النيوليبرالية “مثل التقشف” الذي يعني حرمان الفقير والفئات العامة، وحتى المتوسّطة، من مستوى حياة كريمة. فالانصياع، كما فعلت معظم الدول العربية، لشروط صندوق النقد الدولي، بدلاً من وضع أولويات تنمية وطنية وعدم التنازل عنها في المفاوضات مع كل من الصندوق والبنك الدوليَين، إذ لا أميركا ولا المؤسّسات المالية الدولية ستقف مع الدولة السورية في حال انفجار مظاهرات الغضب في سورية.
ما يريده البيت الأبيض والكونغرس استراتيجياً، إضافةً إلى حماية أمن إسرائيل، احتواء النفوذ الروسي؛ فإنهاء هذا النفوذ، مما يتضح من النقاشات في واشنطن، ليس أولوية ملحّة، بل الأهم إنهاء النفوذ الإيراني وضرب المصالح والاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية مع الصين. ولذا؛ فرض السياسات النيوليبرالية والخصخصة هو تقويض لكل من النفوذ الروسي والصيني في سورية. وفي النهاية؛ سورية وكل البلدان ما هي إلّا مصادر إثراء لترامب والأوليغارشية الحاكمة، وقواعد لضمان بقاء حكم القطب الواحد في العالم.
ليس المطلوب محاربة أميركا، خصوصاً وأننا في مرحلة تتحكّم فيها بدول وشعوب، إنما الوعي بما تريده واشنطن ضروري، ليس لتنفيذ ما يمليه الكونغرس أو البيت الأبيض، وإنما للإفلات من أي فخ قد تجد سورية نفسها فيه. والمعادلة صعبة، وقد نجت الحكومة السورية، في الوقت الحاضر على الأقل، من فخ الدخول في اتفاقية مع إسرائيل، وهذه معلوماتٌ وليست تحليلات، خصوصاً وأن المعروض عليها التخلي عن هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. يعد سقوط النظام السابق بحد ذاته إنجازاً، لكنه لا يستمر بدون العمل على بناء لحمة داخلية.
يتضح من صمت الرئيس الأميركي على عدم توقيع سورية اتفاقاً مع إسرائيل أن هناك هامشاً للمناورة، له أسبابه، منها أن إسرائيل غير معنية باتفاق يجدّد التزامها باتفاقية فكّ الاشتباك عام 1974، بل تريد فرض أمرٍ واقع يجعل كل الأراضي السورية التي احتلتها أو عليها مواضيع غير قابلة للتفاوض، وإنّ هناك قوى داخل الكونغرس تؤيد تمدّداً إسرائيلياً أوسع داخل سورية، وهذا لم يوافق عليه ترامب، الأمر الذي يجب أن يقوّي الموقف السوري، لكن الأساس هو الالتفات إلى بناء دولة لا تؤسِّس للاستبداد في سورية الجديدة.
ليس كل ما أُريدَ أميركياً، أكان في سورية أو باقي العالم، تحقَّق، لكن أهم درس لسورية، ونتعلمه من تاريخ الشعوب، أن الشرعية يجب أن تنبع من داخل سورية. … لنستذكر هنا أن الاستبداد كان من أهم عوامل سقوط نظام بشّار الأسد، الذي اعتمد على الدعم الخارجي، ووهم “النظام المقاوم” فيما صمَتَ عن الجولان والتوسّع الاستيطاني فيه، وعمد إلى زجّ عشرات ألوف في السجون والقصف والتغييب القسري والقتل وقصف البيوت على أهلها لفرض الموالاة، فلم تنقذه روسيا ولا إيران، أي أنّ الشعب السوري أولاً.
العربي الجديد
—————————
في ظل الحرب الإقليمية… سوريا بين ارتدادات الميدان وتحولات النفوذ/ مصطفى رستم
مراقبون: الهجوم الأميركي يسرع تفكيك ما تبقى من خلايا مرتبطة بطهران ويمنح الدولة الجديدة فرصة لتثبيت أقدامها
الأحد 1 مارس 202
سجل اليوم الأول للحرب سقوطاً لتلك الأجسام داخل كل من أرياف درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، وداخل البادية جنوب شرقي المنصورة في ريف الرقة، بينما راقب الشارع الدمشقي بحذر شديد الانفجارات المتتالية للدفاعات الإسرائيلية، وهي تصد الهجوم الإيراني الناري.
أخيراً اشتعل فتيل الحرب المرتقبة الأميركية – الإيرانية، وسرعان ما امتد لهيبها منذ الساعات الأولى تاركة تأثيرها في الجوار بعدما تأثرت البلاد ببارود الصواريخ المتساقطة أو الطائرات المسيرة التي تهاوت أثناء تحليقها بنيران الدفاعات الجوية، بينما شخصت الأبصار إلى السماء حيث شاهد السوريون الأجسام الفولاذية تشتعل وتتهاوى المسيرات بعدما تحولت إلى كتل من لهب.
وسجل اليوم الأول للحرب سقوطاً لتلك الأجسام داخل كل من أرياف درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، وداخل البادية جنوب شرقي المنصورة في ريف الرقة، بينما راقب الشارع الدمشقي بحذر شديد الانفجارات المتتالية للدفاعات الإسرائيلية، وهي تصد الهجوم الإيراني الناري.
في غضون ذلك أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري إغلاق الممرات الجوية الجنوبية أمام حركة الطائرات بصورة موقتة، وجاء ضمن بيان لها “هذا الإجراء يأتي حرصاً على ضمان أعلى معايير السلامة الجوية”، وأوضحت اعتماد مسارات بديلة تضمن انسيابية الحركة، واستمرارية العمليات التشغيلية.
فرط القوة المفقود
ومن المتوقع أن تشن إيران هجمات محدودة تبعاً لمعلومات استخباراتية في أعقاب تغير الواقع العملياتي والميداني للقوات الأميركية، لكن ما زالت قاعدة “الرميلان” الواقعة في محافظة الحسكة بين تل تمر وتل بيدر، والمتوضعة في جنوب الطريق الدولي (أم 4)، الهدف الأكثر إثارة للصواريخ الإيرانية، من دون أن تشيح النظر عن مطار “المزة” العسكري في العاصمة السورية دمشق، حيث يشهد نشاطاً أميركياً خفياً مع ما يدور حول تحويله إلى قاعدة عمليات للولايات المتحدة، وتشير المعلومات الأولية إلى انخفاض عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي.
يلفت السياسي والباحث الأكاديمي في العلوم السياسية وصناعة السياسات العامة وائل مرزا النظر إلى بقاء الشرق السوري، خصوصاً دير الزور والبوكمال والميادين، المجال التقليدي لنشاط شبكات مرتبطة بإيران بحكم الاتصال اللوجيستي مع العراق، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة لمحاولات مشاغلة، أو رسائل ميدانية ضد المصالح الأميركية، ومع تصاعد الضغط على إيران قد تسعى بعض هذه الشبكات إلى إظهار أن المواجهة لن تبقى محصورة جغرافياً، ولكن هذه الإمكانية باتت أضعف بكثير مما كانت عليه خلال أعوام سابقة، لأن البيئة التي سمحت لهذه المجموعات بالعمل تآكلت جذرياً.
ويضيف “تراجعت قدرة هذه الميليشيات على تهديد المصالح الأميركية لسببين حاسمين، التفوق الجوي النوعي والضربات الاستباقية التي دمرت معظم بنيتها اللوجيستية، والتحول السياسي المحلي بعد صعود الدولة السورية الجديدة، حيث بدأت الحواضن العشائرية شرق الفرات تنفض عن الولاء لطهران مفضلة الانخراط في الدولة الوطنية، وفي هذا الواقع فإن أي نشاط ميليشيوي واسع سيكون أقرب إلى انتحار تكتيكي يهدف إلى تخفيف الضغط عن المركز الإيراني أكثر من كونه تهديداً عملياتياً حقيقياً، مما يجعل الاحتمال الأرجح هو تحرشات محدودة أو عمليات إزعاج لا تصعيداً واسعاً”.
محاولات مشاغبة
وسبق أن خاضت القوات الأميركية والإسرائيلية هجوماً متبادلاً مع الجيش الإيراني في حرب أطلق عليها حرب الـ12 يوماً خلال يونيو (حزيران) 2025، في تصعيد خطر انعكس على الأجواء السورية.
وفي وقت قريب تسلمت وزارة الدفاع قواعد عسكرية من القوات الأميركية وآخرها “قسرك”، مع حفاظها على عدد محدود جداً بهدف انتقال مدروس وانسحاب كامل عقب دخول دمشق في التحالف الدولي لمكافحة “داعش” خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
ويشرح الباحث السياسي مرزا أن الحرب الحالية لا تعيد سوريا إلى دائرة التبعية، وإنما تسرع تفكيك ما تبقى من خلايا أو جيوب مرتبطة بطهران، وتمنح الدولة السورية الجديدة فرصة لتثبيت احتكارها للعنف الشرعي واستعادة المجال الوطني بدعم (عربي – تركي) واضح، في هذا المعنى تتحول سوريا من ساحة نفوذ إلى ساحة حسم لنهاية مرحلة إقليمية كاملة.
ويردف قائلاً “هذا التحول الإيجابي لا يلغي حساسية التأثر، لأن موقع سوريا الجيوسياسي يجعلها مجال تماس بين مسارح الصراع، فأي تصعيد أميركي– إسرائيلي مع إيران يرفع احتمال محاولات استخدام المجال السوري كمساحة رسائل أو إزعاج عبر شبكات أو تهريب أو خلايا، لذلك يتحدد أثر الحرب على سوريا وفق معادلة مزدوجة، فما يجري هو من جهة فرصة تاريخية لإنهاء الممر الإيراني نحو المتوسط وتحويل سوريا إلى جسر استقرار يربط العراق بفضائه العربي، ومن جهة أخرى اختبار لقدرة الدولة الجديدة على منع إعادة إنتاج (الأرض المفتوحة) التي استخدمت فيها البلاد لأعوام كساحة صراع إقليمي”.
المجال الميداني
وكانت طهران أخلت جميع قواعدها العسكرية في سوريا بعد سحب “الحرس الثوري” مقاتليه خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، مع سقوط نظام بشار الأسد وهربه إلى موسكو، وألحق سقوط دمشق بيد القوات المعارضة المتشددة خسارة كبيرة استراتيجية وجيوسياسية بإيران، إذ كانت تتموضع شرق البلاد أكبر القواعد العسكرية ومستودعات تخزين الصواريخ، فضلاً عن ممرات نحو الجنوب السوري ومنه إلى حلفاء إيران في لبنان.
ويصف مرزا المجال الميداني المتاح لإيران داخل سوريا اليوم بأنه “ضيق ومحصور” مقارنة بالماضي، بعد فقدانها العمق الشبكي الذي كان يوفره النظام السابق، وإذا حاولت الرد عبر الجغرافيا السورية فسيقتصر ذلك على أدوات منخفضة التأثير مثل (حرب العصابات أو المسيرات الانتحارية) المنطلقة من جيوب معزولة في البادية الشرقية أو على امتداد محور الحدود مع العراق، لكن بحسب ما يراه فإن هذه الأدوات ذات أثر محدود لأن البيئة السورية لم تعد مواتية لتصعيد واسع في ظل انتشار الدولة الجديدة والضغط الجوي الأميركي – الإسرائيلي وفقدان الحواضن.
ويرجح خلال الوقت ذاته أن تنتقل الاستراتيجية الإيرانية الأساس للرد خارج سوريا أكثر مما داخله، فالمجال العراقي يظل الأكثر قابلية للتشغيل نظراً إلى بقاء نفوذ طهران السياسي والأمني هناك، بينما قد يستخدم المجال البحري لتعطيل الملاحة الدولية بعيداً من الجغرافيا السورية التي فقدتها تدريجاً.
وأضاف “أما داخل سوريا، فقد تقتصر محاولات الإزعاج على خلايا عابرة للحدود أو محاولات رمزية لاستهداف مواقع مرتبطة سابقاً بالوجود الأميركي مثل محيط التنف، بهدف إحراج واشنطن إعلامياً أكثر من تحقيق تأثير ميداني حقيقي، بعبارة أخرى، سوريا لم تعد منصة رد إيراني مريحة، وإنما ساحة خسرتها طهران مع صعود الدولة الجديدة”.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرر عام 2019 سحب قوات بلاده من سوريا أواخر ولايته الأولى، لكن القرار لاقى معارضة من البنتاغون ليعود مجدداً لتنفيذ هذا القرار، وبالفعل وضعت وزارة الحرب خطة لسحب القوات خلال 30 يوماً، وتمكنت من تسليم هذه القواعد وكان أكبرها “التنف” و”الشدادي” و”قسرك” وغيرها إلى الحكومة بعد انتهاء دورها، وانتقال واشنطن إلى نوع جديد من التحالف مع سوريا بعيداً من المجال العسكري، وبلا شك لتفويت أية فرصة تستخدمها طهران لضرب مواقع أميركية في بلد تعرف تفاصيله جيداً خلال عقد الحرب الماضية.
—————————-
الانسحاب الأميركي من سوريا.. اختبار أمني جديد لتنظيم “داعش”/ أيهم الشيخ
28 فبراير 2026
شهدت مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظتا دير الزور والرقة، تصاعدًا لافتًا في وتيرة هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” خلال الأيام الماضية، حيث سُجِّلت ستُّ هجمات استهدفت مواقع ونقاطًا حكومية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات مرتبطة بانسحاب أو إعادة تموضع القوات الأميركية في بعض القواعد شرق البلاد، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المتغيرات الميدانية الأخيرة ونشاط التنظيم. وبحسب مصادر ميدانية، تنوعت الهجمات بين استهداف حواجز أمنية وتفجيرات بعبوات ناسفة وهجمات مسلحة، ما تسبب في سقوط ستة قتلى.
قال وائل علوان، مدير مركز جسور للدراسات، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن تصاعد هجمات تنظيم الدولة في الفترة الأخيرة، بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، يأتي في إطار محاولات التنظيم رسم صورة إعلامية توحي بأنه ما يزال موجودًا وقادرًا على النشاط والحركة، ومحتفظًا بأيديولوجيته. وأوضح أن البيان الصوتي المنسوب إلى المتحدث باسم التنظيم تضمن رسائل إعلامية بالدرجة الأولى، تهدف إلى تعزيز هذا الانطباع.
وأضاف علوان أن النشاط الميداني للتنظيم، رغم وجوده، يبقى ضعيفًا ومحدودًا ومتفرقًا. إلا أن الرسالة الأساسية التي يسعى التنظيم إلى إيصالها هي أنه ما يزال حاضرًا، وذلك بهدف تنشيط عمليات التجنيد، مستفيدًا من الأوضاع الاجتماعية الهشة والحالة الاقتصادية والمعيشية الصعبة في مختلف المناطق السورية، ولا سيما في محافظات شمال شرقي سوريا.
وأشار إلى أن التنظيم يسعى أيضًا إلى طمأنة أنصاره بأنه غير متأثر بالمتغيرات الأخيرة، خصوصًا بعد الانسحاب الأميركي وانحسار مناطق سيطرة “قسد”، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع مستوى السيطرة الأمنية للحكومة السورية. لكنه شدد على أن التنظيم متأثر بشكل كبير بهذه التطورات، خلافًا للصورة التي يحاول تسويقها إعلاميًا، مؤكدًا أنه بات مفككًا ويتجه نحو مزيد من المحاصرة وفقدانِ الموارد، سواء البشرية أو المالية.
مواجهة التنظيم لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المغذية للتطرف
وبيّن علوان أن الجغرافيا الصحراوية والبادية لم تعد عاملًا مساعدًا للتنظيم كما في السابق، نتيجة قدرة الحكومة السورية على تغطية مساحات واسعة من البادية عبر عمليات الرصد والتمشيط واستهداف المراكز بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، أوصى بضرورة استمرار الحكومة السورية في أداء دورها الأمني والعسكري لمنع التنظيم من إعادة ترتيب صفوفه وخلاياه. ولفت إلى أن التنظيم تعرض لضربات كبيرة، خاصة بعد انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي، ما أفقده عنصر الجغرافيا كعامل دعم أساسي.
وختم علوان تصريحه بالقول إن الانسحاب الأميركي لا يشكل استثمارًا مباشرًا لصالح التنظيم، بل قد يكون على العكس من ذلك، نظرًا لكونه مبنيًا على تنسيق كامل مع الحكومة السورية، وعلى استمرار الدعم، لا سيما على المستوى الأمني، للقيام بالمهام التي كان ينفذها التحالف الدولي. وأكد أن التحالف ليس من مصلحته ترك الساحة السورية للفوضى أو لعودة التنظيم، بل سيواصل العمل مع الحكومة السورية من أجل إنهاء تنظيم الدولة وعملياته الأمنية بشكل كامل.
واعتبر أن التحرك الأخير للتنظيم جاء نتيجة الضغوط الكبيرة التي يعانيها داخليًا، سواء على مستوى الموارد البشرية، أو على مستوى القدرة على التحرك الأمني، أو على مستوى الموارد المالية.
ويرى مراقبون أن التنظيم يحاول استثمار أي فراغ أمني أو حالة ارتباك في خطوط السيطرة لإعادة تفعيل خلاياه النائمة، خاصة في المناطق الصحراوية الممتدة بين دير الزور والرقة.
وقال الصحفي والمحلل أحمد مظهر سعدو، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن تنظيم الدولة يحاول، قدر استطاعته، الانقضاض مجددًا على الدولة السورية ضمن مساعٍ لإعادة تفعيل نشاطه الميداني. وأوضح أن التنظيم يسعى إلى استغلال ما وصفه بـ”حالات الفراغ النسبي” التي نتجت عن انسحاب القواعد الأميركية من بعض المناطق.
وأكد سعدو أن عودة التنظيم إلى نشاط واسع النطاق تبدو أمرًا غير ممكن، مشيرًا إلى أن “زمن التنظيم قد انتهى وانفرط عقده”، على حد تعبيره. وبيّن أنه رغم إمكانية أن يشكل التنظيم مصدر قلق أمني دائم، فإن تأثيره سيكون محدودًا في ظل اضمحلال وجوده وصعوبة وصول الدعم إليه، باستثناء ما وصفه بالدعم الإيراني، الذي اعتبر أنه أصبح أكثر صعوبة في المرحلة الراهنة.
وأضاف أن ما يجري لا يتعدى كونه “محاولات إعلامية” في ظل عجز التنظيم عن تنفيذ خطوات كبيرة على الجغرافيا السورية، خاصة مع وجود دولة تمتلك خبرات ميدانية متراكمة في مكافحة الإرهاب. ولفت إلى وجود “فارق كبير” بين الواقع الحالي والمراحل السابقة، نتيجة ما تعرض له التنظيم من ضعف وتراجع.
وأشار سعدو إلى أن المشهد السوري الجديد يختلف كليًا عما كان عليه في السابق، موضحًا أن التنظيم يواجه اليوم دولة وجيشًا نظاميًا، وليس ميليشيات كما كان الحال سابقًا.
وختم بالقول إن الدولة الوطنية السورية تعد جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ولديها قنوات تنسيق متواصلة مع هذا التحالف على المستويات الاستخباراتية والعسكرية والأمنية.
وتبقى هذه التطورات مؤشرًا على استمرار هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، رغم تراجع نفوذ التنظيم عسكريًا خلال السنوات الماضية.
وقال الكاتب والباحث الدكتور باسل معراوي، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن المهمة الأساسية لقوات الولايات المتحدة في الحرب على تنظيم الدولة، بمساندة “قسد”، انتهت عمليًا في آذار/مارس 2019، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضاء على التنظيم بعد طرده من بلدة الباغوز، آخر معاقله المكانية في سوريا.
وأشار إلى أنه بعد تلك المرحلة لم يعد للتنظيم أي سيطرة جغرافية على الأرض، بل تحوّل إلى خلايا متنقلة تعمل بأسلوب حرب العصابات، وهو ما لا يتطلب – بحسب رأيه – انتشارًا عسكريًا واسعًا على الأرض، إذ باتت الولايات المتحدة تحارب التنظيم أمنيًا واستخباراتيًا في مختلف أماكن انتشاره، كما حدث في عمليتي قتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي وخليفته أبو إبراهيم القرشي في إدلب، من دون وجود قواعد عسكرية أمريكية دائمة هناك.
ويرى معراوي أن استمرار وجود القواعد الأميركية في سوريا بعد عام 2019 يرتبط بأهداف أخرى، في مقدمتها حماية منطقة شرق الفرات من أي محاولة للسيطرة عليها، لافتًا إلى أن روسيا حاولت عبر مجموعة “فاغنر” التقدم في تلك المنطقة وتم منعها.
ويعتبر أن أي انسحاب أمريكي كامل من سوريا سيتيح لإيران وروسيا ملء الفراغ، بما يفضي إلى إعلانهما الانتصار عسكريًا في الحرب السورية، وهو ما لا يخدم المصالح الجيوسياسية لواشنطن ويضعف قدرتها على التأثير في أي حل سياسي مقبل. كما أشار إلى أن وجود القوات الأميركية في قاعدة التنف يمنحها القدرة على مراقبة الممر البري الذي تستخدمه إيران ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، ويتيح لها – عند الضرورة – قطعه بالتعاون مع شركاء محليين.
وفي سياق متصل، قال معراوي إن تنظيم الدولة غالبًا ما يجد بيئات حاضنة في المناطق السنية التي تعاني من التهميش أو الاضطهاد، معتبرًا أن هذه الظروف شكّلت أحد أسباب نشأته وتمددِه، سواء في المحافظات السنية في وسط العراق بعد الغزو الأميركي وصعود نفوذ قوى شيعية متحالفة مع واشنطن، أو في سوريا مع تصاعد التدخل الإيراني دعمًا لنظام الأسد. وأضاف أن المظالم التي تعرض لها بعض العرب السنة في مناطق سيطرة “قسد” أسهمت، برأيه، في استمرار وجود بيئة تمد التنظيم بالموارد البشرية والدعم اللوجستي.
ويعتقد معراوي أن انسحاب القوات الأميركية وتفكك “قسد” من شأنه أن يضعف تنظيم الدولة، لأنه سيسحب – وفق تقديره – ورقة “المظلومية السنية” التي يعتمد عليها في التجنيد، ما يؤدي إلى نشوء بيئة طاردة له ويحد من قدرته على الانتشار، تمهيدًا لتلاشيه عبر العمليات الأمنية وتجفيف مصادر تمويله واستقطابه.
ويرى أن العمليات التي ينفذها التنظيم حاليًا لا تتجاوز، في معظمها، إطار إثبات الوجود، بعد انتظاره عامًا كاملًا ما يعتبره فشلًا لحكم الرئيس السوري أحمد الشرع في كسب الحواضن الشعبية، على خلفية ضرورات الحكم والتحالف مع الولايات المتحدة والتفاوض مع إسرائيل.
وحول الجهة المخولة بمحاربة التنظيم، أكد معراوي أن المسؤولية تقع على عاتق القوى الأمنية والعسكرية السورية النظامية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، بوصفها الجهة المكلفة شعبيًا ودوليًا بمكافحة الإرهاب. وأشار إلى أن هذه القوات تمتلك خبرة سابقة في مواجهة التنظيم في مناطق حوران وأرياف حلب وإدلب والجزيرة السورية، وتمكنت – بإمكانات محدودة – من هزيمته في عدة مناطق.
وختم معراوي بالقول إن الدولة السورية تحظى حاليًا بدعم دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة، بعد انضمامها رسميًا إلى التحالف الدولي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، متوقعًا أن تحصل على دعم لوجستي واستخباراتي وتدريبي إضافي للقضاء على التنظيم.
كما أكد أن لدى الحكومة خططًا لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل معالجة أسباب التطرف عبر رفع المظالم عن البيئات الحاضنة المفترضة، وتنشيط الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار الأمني، وإطلاق برامج توعوية يشارك فيها رجال دين معتدلون لدحض الفتاوى والسرديات التي يعتمد عليها التنظيم في التجنيد.
الترا سوريا
—————————-
مخيم الهول: نهاية قنبلة موقوتة أم بداية تهديد منتشر؟/ ضياء قدور
مارس 1, 2026
يُمثل مخيم الهول في شمال شرق سوريا نموذجاً فريداً وأكثر تعقيداً للاستعصاءات الأمنية والإنسانية التي تلت مرحلة الهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2019. فالمخيم، الذي نُظم تحت إشراف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبغطاء من التحالف الدولي، لم يكن مجرد مركز لإيواء النازحين الذين تجاوز عددهم في الذروة 70 ألفاً، بل تحول بنيوياً إلى مختبر للأيديولوجيا المتطرفة.
ومع غياب التوصيف القانوني الدقيق للمحتجزين، نشأت داخل أسواره سلطة موازية تديرها خلايا متشددة، مارست سطوتها عبر الاغتيالات المنهجية وعمليات التجنيد السري، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية التي فرضتها الإدارة السابقة للمخيم كأداة للمقايضة السياسية وتثبيت الوجود الانفصالي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
شهد مطلع عام 2026 نقطة تحول استراتيجية مع استعادة الدولة السورية لسيادتها على المناطق الشرقية، وهي المرحلة التي كشفت عن هشاشة الترتيبات الأمنية السابقة.
إن الخسارة الاستراتيجية لقوات قسد في كانون الثاني 2026 وما تلاه من انسحاب مفاجئ لها تسبب بفراغ أمني مؤقت في المخيم، لم يكن مجرد خلل تقني، بل عكس استغلالاً سياسياً للملف؛ حيث أدى هذا الفراغ إلى هروب جماعي طال نحو 40% من قاطني المخيم، تركزت غالبيتهم في الأجنحة الأكثر خطورة التي تضم العناصر الأجنبية المتشددة.
هذا المشهد، الذي تعزز باضطرابات شباط وتدمير السجلات والبيانات، يضعنا أمام تساؤل جوهري حول مدى تعمد ترك هذه القنبلة الموقوتة لتنفجر في وجه الإدارة الجديدة، خاصة بعد سنوات من التغاضي عن شبكات التهريب المالية التي كانت ترفد خزائن القوى المسيطرة آنذاك.
في المقابل، شكل تدخل مؤسسات الدولة السورية فور وصولها، مدعومة بجهود الهلال الأحمر العربي السوري ووزارة الشؤون الاجتماعية، محاولة لاستدراك الكارثة عبر منهجية الإخلاء المنظم. فبدلاً من سياسة الاحتجاز المفتوح، اعتُمد مسار النقل اللوجستي الممنهج لمئات العوائل يومياً نحو مراكز مجهزة في أخترين بريف حلب، مع التركيز على الفرز القانوني والتدقيق في بيانات العودة الطوعية بإشراف أممي.
إن هذا التحول من الاعتقال الكلي إلى الإدارة المؤسسية يعكس رغبة في تصفية إرث خلافة المخيم وتحويل الملف من ورقة ضغط دولية إلى قضية إعادة دمج وطنية، رغم التحديات الجسيمة التي فرضها فقدان الملفات الأمنية للسكان قبل الإخلاء.
تفرض اللحظة الراهنة مقاربة عسكرية وأمنية لمفهوم التهديد المنتشر. فبينما كان المخيم يمثل تهديداً مركزياً محصوراً جغرافياً، فإن تفريغه أدى بالضرورة إلى تحويل هذا التهديد إلى نمط الخلايا الكامنة التي قد تسعى للاندماج في المجتمعات المحلية أو اللجوء إلى البوادي الوعرة.
ومع ذلك، فإن القراءة الاستراتيجية العميقة ترجح كفة التفكيك على الإبقاء؛ إذ إن استمرار المخيم ككيان شبه مستقل كان يغذي الأيديولوجيا العابرة للحدود ويخلق جيلاً جديداً من المتطرفين في بيئة معزولة عن سلطة القانون. إن إنهاء حالة الخلافة المصغرة داخل الهول هو، في جوهره، استعادة لأدوات الرقابة الوطنية والتنسيق الإقليمي، لاسيما مع الجانب العراقي، لضبط الحدود وملاحقة العناصر الفارة وفق قواعد بيانات أمنية موحدة.
لا يمكن النظر إلى إغلاق مخيم الهول إلا كخطوة ضرورية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر الانتقالية، لإنهاء حقبة الابتزاز الأمني، فالانتقال من إدارة قوة غير نظامية إلى سيادة الدولة يمنح المجتمع الدولي شريكاً قانونياً قادراً على تحمل المسؤولية اللوجستية والقانونية.
ومع ذلك، يبقى النجاح طويل الأمد رهناً بمدى تفعيل برامج إعادة التأهيل الفكري، والضغط على الدول لاستعادة رعاياها من الأجانب، وتحويل الأمن الخشن إلى أمن ناعم يستهدف معالجة جذور التطرف التي نمت في ظلال الاحتجاز الطويل.
سيادة الدولة السورية اليوم لا تقتصر على قدرتها في ضبط الأرض، بل أيضا قدرتها على احتواء إرث الهول وتحويله من بؤرة توتر عالمي إلى ملف إنساني وأمني قابل للإدارة والحل.
الثورة السورية
—————————-
استراتيجية المواجهة والاحتواء.. معضلة “داعش” في العراق في ظل التحولات السورية الكبرى/ غاندي المهتار
العراق بين الاحتواء والمواجهة: استراتيجية شاملة للتعامل مع تهديدات داعش بعد التحولات السورية
2026-03-01
إن انتقال آلاف عناصر “داعش”، سواء بعمليات نقل رسمية منسقة دولياً أو بالتسلل غير المنظم عبر الثغرات الحدودية في البادية، يفرض على العراق إعادة صياغة استراتيجيته الأمنية والقضائية والاجتماعية. لم تعد المسألة مجرد ملاحقة خلايا نائمة، بل تتعلق بإدارة أزمة “جيش قيد الاحتجاز” وتحصين مجتمع محلي ضد أيديولوجية تحاول استغلال الفراغ الناتج عن تغيير النظم السياسية في الجوار.
أدى الهجوم العسكري الذي شنته الحكومة السورية في يناير 2026 ضد معاقل “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في محافظات حلب والرقة والحسكة إلى تفكيك منظومة الإدارة الذاتية التي كانت تشرف على آلاف المعتقلين. لم يكن هذا الانهيار مجرد انتقال للسلطة، بل أحدث فجوة عملياتية في حراسة السجون والمعسكرات، ما دفع بالقيادة المركزية الأميركية إلى اتخاذ قرار استراتيجي بنقل قرابة 7,000 من العناصر الأكثر خطورة إلى مراكز احتجاز داخل الأراضي العراقية.
تتجلى خطورة هذه المسألة في أن “داعش” أعلن في فبراير 2026 عن “فصل جديد من المقاومة”، مستهدفاً استغلال عدم دراية القوات السورية الجديدة بالتضاريس المعقدة في وادي نهر الفرات والبادية، ما انعكس مباشرة على قدرة عناصره على اختراق الحدود العراقية والانضمام إلى الشبكات المتخفية في الأنبار ونينوى وصلاح الدين.
استراتيجية الاحتواء
يمثل ملف 7,000 عنصر منقولين إلى العراق معضلة قانونية دولية، حيث يفتقر العراق حالياً إلى تشريعات وطنية تجرم “الجرائم الدولية” مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب بشكل مستقل عن قانون مكافحة الإرهاب. تصر بغداد على أن محاكمة هؤلاء العناصر ستتم وفق القانون العراقي لعام 2005، الذي ينص على عقوبة الإعدام للانتماء إلى تنظيم إرهابي، وهذا يثير انتقاد المنظمات الحقوقية الدولية إذ تخشى من غياب معايير المحاكمة العادلة واستخدام اعترافات تحت الإكراه.
من منظور استراتيجي، يواجه القضاء العراقي ضغوطاً من اتجاهين: أولاً، المجتمع الدولي الذي يرفض استعادة مواطنيه الإرهابيين، ويحاول دفع العراق ليكون “سجاناً عالمياً” مقابل تعويضات مالية ودعم لوجستي؛ وثانياً، الحاجة المحلية لضمان عدم تحول مراكز الاحتجاز إلى بؤر للتجنيد وإعادة التوجيه الأيديولوجي، كما حدث في معسكر بوكا التاريخي.
لحل هذه المعضلة، تبرز الحاجة إلى “تأميم ملف المحاكمات” مع توفير رقابة دولية، والعمل على انتزاع اعترافات قضائية تساهم في تفكيك الهياكل المالية واللوجستية للتنظيم التي لا تزال تعمل في الخفاء. كما أن غياب الاتفاقيات الثنائية مع الحكومة السورية الجديدة بشأن تبادل الأدلة الجنائية قد يعيق إدانة العناصر في الجرائم التي ارتكبت على الأراضي السورية قبل انتقالهم للعراق.
المسار الاجتماعي: إعادة التأهيل والاندماج في مخيم الجدعة
لا يقتصر الحل على الإجراءات الأمنية والقضائية، بل يمتد ليشمل “القوة الناعمة” المتمثلة في إعادة تأهيل عوائل عناصر “داعش” العائدة من مخيم الهول. يعد مركز الجدعة (J1) في نينوى المختبر الرئيسي لهذه السياسة، حيث يخضع العائدون لبرامج مكثفة تمتد من 4 إلى 6 أشهر، تهدف إلى تفكيك الأيديولوجيا المتطرفة من خلال جلسات إرشاد نفسي، ودورات محو الأمية، وتدريب مهني يركز على الحرف اليدوية والمهارات التقنية.
تشير الدراسات الميدانية في عام 2026 إلى أن “الوصمة الاجتماعية” لا تزال تشكل العائق الأكبر أمام اندماج هذه العوائل، حيث تخشى المجتمعات المحلية في الأنبار وصلاح الدين من عمليات الثأر أو عودة هؤلاء الأفراد كخلايا نائمة. هنا يأتي دور “المصالحة العشائرية”؛ حيث يؤدي شيوخ العشائر دوراً حاسماً في توقيع اتفاقيات محلية تضمن سلامة العائدين مقابل براءتهم العلنية من فكر التنظيم وخضوعهم للمراقبة الأمنية المستمرة.
الأبعاد الفكرية والدينية: دور الحوزة والمؤسسات الدينية في المواجهة
مع إعلان التنظيم عن “فصل جديد” من نشاطه، برزت أهمية الخطاب الديني المضاد كحائط صد أخير. تلعب حوزة النجف الأشرف دوراً محورياً في تطوير “الفكر السياسي والاجتماعي” الذي ينبذ التكفير ويعزز قيم الدولة والمواطنة. تتضمن الاستراتيجية الفكرية المقترحة:
– إطلاق برامج إرشادية مشتركة بين المؤسسات الدينية في النجف وكربلاء والأنبار لتوحيد السردية الوطنية ضد الفكر الداعشي.
– استخدام المنصات الرقمية لمخاطبة الشباب، خاصة أولئك الذين يتم استهدافهم عبر شبكات متطرفة مثل شبكة “764” التي تنشط في تجنيد القاصرين عبر الإنترنت.
– تفعيل دور “اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف” في وضع خطط عمل محلية بالمحافظات الأكثر عرضة للاختراق، مع التركيز على التعليم وبناء الهوية الوطنية.
إن مكافحة التطرف في “العصر الرقمي” تتطلب استباق التكنولوجيا، وهو ما أكدته المؤتمرات الدولية في بغداد عام 2026، حيث تم التشديد على ضرورة مراقبة المحتوى التحريضي وتطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف لغة التجنيد في مراحلها الأولى.
تكامل المسارات لحل مستدام
إن حل مسألة “داعش” بالعراق بعد التطورات السورية الأخيرة ليس مجرد جهد عسكري محدود، بل هو “استراتيجية أمة” تتطلب تناغماً بين كافة مؤسسات الدولة. إن النجاح في تأمين الحدود بالتقنيات الحديثة، متبوعاً بمحاكمات قضائية شفافة، وبرامج إعادة تأهيل اجتماعي مدروسة، وتنمية اقتصادية حقيقية، هو الكفيل بتحويل التهديد الحالي إلى فرصة لترسيخ السلم الأهلي.
على الدولة العراقية أن تبقى يقظة تجاه “الذئاب المنفردة” والخلايا التي تحاول الانغماس في المدن السورية والعراقية الكبرى، مع استمرار الضغط العسكري الاستباقي في مناطق “الفراغات الأمنية”.
إن الهدف النهائي هو الوصول إلى حالة من “المناعة المجتمعية” حيث يصبح الفكر المتطرف غريباً ومنبوذاً، وتصبح الحدود جداراً تقنياً وبشرياً منيعاً يحمي تجربة الاستقرار العراقي الناشئة.
+963
—————————-
=================



