أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الخطاب الديني في سورية… معركة هوية؟/ حسن عبد الله الخلف

03 مارس 2026

في كلمته في مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي”، شدّد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن “ترسيخ الاعتدال مسؤولية وطنية قبل أن تكون دينية”، معتبراً أن ضبط المجال الديني من شروط استقرار الدولة الجديدة. ولا يمكن قراءة هذا التصريح بوصفه موقفاً وعظياً، بل باعتباره إعلاناً سياسياً عن إدخال الخطاب الديني في صلب هندسة النظام المقبل، فالدين في سورية اليوم لم يعد شأناً مجتمعياً فحسب، بل بات ملفاً سيادياً يرتبط مباشرة بشكل الدولة وحدود علاقتها بالمجتمع. … غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في ظل المرحلة الانتقالية ليس فقط كيف نرسخ الاعتدال، بل من يحدّد تعريفه وحدوده وأدواته؟ وهل تتحوّل الدعوة إلى “وحدة الخطاب” إلى إطار جامع ينظم التعدد، أم إلى مظلة سياسية تدار من خلالها توازنات السلطة نفسها؟

للمرّة الأولى منذ عقود، يظهر التباين في مقاربة الملف الديني داخل مؤسّسات الحكم نفسها. فبينما يمثل وزير الأوقاف تقليداً أشعرياً صوفياً ارتبط تاريخياً بالوسطية والبعد الروحي، تحضر في مواقع أخرى شخصياتٌ ذات خلفيات سلفية محافظة، ما يخلق حالة من التعدد داخل سقف واحد.

في هذا السياق، قال الباحث السياسي محمد المصطفى لـ”سورية الجديدة” إن “التباين داخل بنية الحكم لا يعني بالضرورة صراعاً مفتوحاً، لكنه يعكس محاولة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية في مرحلة انتقالية حساسة”. وأضاف المصطفى أن “التحدي لا يكمن في وجود مدارس دينية مختلفة، بل في قدرة الدولة على منع تحويل هذا الاختلاف إلى أداة نفوذ سياسي داخل مؤسساتها”.

تكمن الإشكالية حين تتداخل القوة الرمزية للخطاب الديني مع أدوات القوة الصلبة للدولة. فإذا شعر المجتمع بوجود ازدواجية بين خطاب رسمي يدعو إلى التسامح، وسلوك سياسي أو إداري يوحي بإقصاء ضمني، فإن الثقة العامة ستتآكل، وسيتحول النقاش الديني إلى ساحة استقطاب جديدة.

من الاحتكار إلى التعدّد غير المنضبط

خلال حقبة نظام الأسد، خضع المجال الديني لرقابة مشددة، حيث جرى تطويعه ضمن مؤسّسات رسمية مرتبطة بالسلطة، ومنع أي حضور ديني مستقل يمكن أن ينازعها الشرعية. كان الدين مضبوطاً ومسيطراً عليه، لكنه كان أيضاً أداة سياسية بامتياز. ومع اندلاع الثورة، انهارت تلك القبضة الأمنية، فانفتح المجال أمام تعدد واسع للتيارات والجماعات الدعوية، بعضها مرتبط بتمويلات خارجية أو بسياقات محلية مشيخية. هذا الانتقال السريع من الاحتكار إلى التعدّد غير المنظم أفرز فوضى في المرجعيات والخطابات، وفتح الباب أمام تنافس أيديولوجي حاد.

ويرى محمد المصطفى أن سورية تقف اليوم “بين نموذج الضبط السلطوي الذي صادر الفضاء الديني ونموذج الانفلات الذي يهدد بتحويله إلى ساحة صراع مفتوح”، مشدداً على أن الحل يكمن في “إطار قانوني ضابط يحمي حرية التدين ويمنع في الوقت ذاته احتكار التفسير”.

يطرح بعض الباحثين إشكالية أعمق تتعلق بإمكانية تحوّل التيار السلفي الجهادي (بوصفه تياراً نشأ في سياقات صراعية) إلى خطاب دولة حديثة. فإشكاليته لا تكمن فقط في التشدد، بل في بنيته النظرية التي قد تصطدم بمفاهيم الدولة الوطنية، والمواطنة المتساوية، والتشريع الوضعي. وفي هذا الإطار، قال الباحث أنور وردة لـ”سورية الجديدة” إن أي تيار فكري “يمكن أن يتطور إذا أعاد قراءة مفاهيمه ضمن سياق وطني دستوري”، لكنه حذّر من أن “الانتقال من خطاب دعوي إلى خطاب دولة يتطلب مراجعات فكرية عميقة، لا مجرد تبديل في الشعارات”. وأضاف إن “الخطر لا يكمن في الخلفية العقدية بحد ذاتها، بل في شعور أي جماعة بامتلاك الحقيقة المطلقة عند وصولها إلى السلطة، لأن ذلك يحوّل الخصم السياسي إلى خصم وجودي”.

ثغرة دستورية أم مساحة انتقالية؟

أقرّ الإعلان الدستوري المؤقت أن دين رئيس الجمهورية الإسلام، وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، مع ضمان حرية الاعتقاد واحترام الديانات الأخرى. غير أنه لم يحدّد بوضوح دور الدولة في تنظيم المجال الديني أو ضبط العلاقة بين المؤسّسات الدينية والسلطة التنفيذية. وفي هذا الصدد، يقول خبراء القانون الدستوري إن الدساتير الحديثة تضع المبادئ العامة، لكنها تحتاج قوانين تنظيمية دقيقة تمنع تحول المرجعية الدينية إلى سلطة فوق دستورية. وتنظيم المجال الديني لا يعني إخضاعه للسلطة التنفيذية، بل وضع حدود قانونية واضحة تضمن حرية المعتقد وتمنع استخدام الدين لتقييد الحريات أو شرعنة قرارات سياسية.

وعند الحديث عن “الإسلام الشامي المعتدل”، يلفت بعض المفكرين إلى ضرورة التمييز بين الدين بوصفه منظومة عقدية وتشريعية ثابتة، وبين أنماط التدين التي تتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية. وفي هذا السياق، قال أنور وردة: “كان الاعتدال الشامي تاريخياً ممارسة اجتماعية أكثر منه نظرية سياسية مكتملة”، معتبراً أن تحويله إلى مشروع دولة “يتطلب مؤسسات وبرامج تعليم وتأهيل، لا الاكتفاء بخطاب أخلاقي عام”.

ماذا يقول الشارع الدمشقي؟

ضمن استطلاع أجراه “سورية الجديدة” في العاصمة دمشق، رأى أحد المشاركين أن الحديث عن هيمنة خطاب سلفي متشدد في المدينة “غير دقيق”، مؤكّداً أن الخطاب المعتدل لا يزال السائد، وأن وجود وزير أوقاف دمشقي محسوب على التيار الوسطي يعكس توجّهاً رسمياً إلى تعزيز الاعتدال. وأضاف أن الإشكالية لا تكمن في “خلل” خاص بالخطاب المعتدل، بل في حاجة الخطاب الديني عموماً، لدى المحافظين والمعتدلين، إلى تحديث أدواته ولغته بما يواكب العصر، من دون المساس بثوابت الدين. كما شدّد على أن الخلاف كثيراً ما يرتبط بسوء تعريف مفاهيم مثل “الاعتدال” و”التشدد”، معتبراً أن التمسّك بالثوابت لا يعني بالضرورة التطرف.

وفيما يتعلق بعلاقة الخطاب الديني بأدوات القوة في الدولة، رأى المستجوب أن الصورة المتداولة عن صراع بين “اعتدال بلا حماية” و”تشدّد مدعوم بالقوة” مبالغ فيها، مشيراً إلى أن الدولة، بحسب تقديره، لا تدعم طرفاً بعينه، بل تلتزم الأطر القانونية العامة. واعتبر أن الحماية الحقيقية لأي خطاب ديني يجب أن تنبع من سيادة القانون، لا من قربه من مراكز النفوذ.

أما بشأن اتهام بعض التيارات السلفية للإسلام المعتدل بأنه “مروّض” لخدمة السلطة، فرفض التوصيف من حيث المبدأ، موضحاً أن المشكلة ليست في الإسلام نفسه، بل في ممارسات بعض الأفراد. وأضاف أن كلا التيارين، المعتدل والمحافظ، قد يلتقيان مع السلطة في أهداف بناء الدولة، لكنهما يتحمّلان المسؤولية الأخلاقية إذا تحوّلا إلى أدوات لتبرير الانحراف أو التضييق على المجتمع.

وفي سؤال بشأن مستقبل الاستقرار، شدّد المتحدث على أن أسباب عدم الاستقرار في سورية لا تختزل في العامل الديني، معتبراً أن دور الدولة يجب أن يقتصر على “ضبط الإيقاع” بين حرية المجتمع ومصلحته العامة، لا فرض خطاب ديني محدد. وحذر من أن أي تدخل يتجاوز هذا الحد قد يقود إلى “قمع ناعم” يعيد إنتاج نماذج سابقة بأدوات مختلفة.

مفترق الطرق

يضع حديث الرئيس أحمد الشرع عن الاعتدال بوصفه خياراً استراتيجياً للدولة سقفاً سياسياً للنقاش، لكنه يحتاج إلى ترجمة مؤسساتية واضحة: مجلس وطني ينظم الشأن الديني، برامج لتأهيل الأئمة، قوانين تضبط الإفتاء والخطاب العام، وضمانات دستورية تمنع احتكار الدين أو توظيفه في الصراعات.

سورية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تحويل “وحدة الخطاب” إلى عقد وطني يعزّز سيادة القانون ويمنع تديين السياسة أو تسييس الدين، وإما ترك العلاقة بين الدين والدولة في منطقة رمادية تُدار بالتوازنات لا بالقواعد.

وبين هذين المسارين تتحدد ملامح الدولة السورية الجديدة: دولة لا تُقصي الدين من المجال العام، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بتحويله إلى أداة صراع أو احتكار.

في النهاية، قد لا يكون السؤال ما إذا كان الخطاب الديني في سورية صراعاً داخل السلطة أم معركة هوية، بل ما إذا كانت الدولة الناشئة قادرة على تحويل هذا التعدد من مصدر قلق إلى مصدر غنى، ومن ساحة تنازع إلى قاعدة استقرار طويل الأمد.

 ولم تكن العلاقة بين الدين والدولة في سورية يوماً مستقرة بالكامل، فمنذ مرحلة الاستقلال، مروراً بدستور 1950 الذي نصّ على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام مع تأكيد الطابع المدني للدولة، ظلّ التوازن بين الهوية الدينية والسلطة السياسية قائماً على معادلة دقيقة. وفي مرحلة حكم آل الأسد جرى إخضاع المجال الديني لمركزية الدولة، حيث مُنحت المؤسسات الدينية مساحة حركة مشروطة بالولاء السياسي، مقابل ضبط صارم لأي تعبير مستقل. لم يكن الدين غائباً عن المجال العام، لكنه كان مُداراً من فوق، ضمن هندسة أمنية واضحة. ومع اندلاع الثورة عام 2011، انهارت تلك الصيغة، وانفتح المجال الديني على تعددية غير مسبوقة، تراوحت بين خطاب تعبوي ثوري، وتيارات سلفية جهادية، ومحاولات لإحياء تقاليد دينية محلية أكثر اعتدالاً، هذا الانفتاح لم يُحسم بعد في إطار مؤسسي جامع، ما جعل سؤال “من يمثل الإسلام السوري؟” يتحول إلى سؤال سياسي بامتياز.

اليوم، ومع صعود سلطة انتقالية تتحدّث عن “وحدة الخطاب الإسلامي”، تعود المعضلة القديمة بثوب جديد: هل تستطيع الدولة بناء صيغة توازن مستدامة بين المرجعية الدينية والشرعية الدستورية؟ أم أن العلاقة ستظل رهينة موازين القوة داخل السلطة نفسها؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى