تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

مدونة السلوك الإعلامي في سورية الصادرة عن وزارة الاعلام -مقالات مختارة-

للاطلاع على المدونة اتبع الرابط التالي

مدونة السلوك الإعلامي السورية

تحديث 04 أذار 2026

———————-

في أهمية مدوّنة/ عمر كوش

03 مارس 2026

المهنية والمسؤولية ركيزتان أساسيتان ضروريتان للعمل الإعلامي، وعلى العاملين في وسائل الإعلام التحلي بهما، لكنهما تتمتعان بأهميتهما الخاصة في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية، لذلك، كان مهماً جداً إطلاق مدوّنة السلوك المهنية والأخلاقية للعاملين في القطاع الإعلامي السوري تحت شعار “إعلام مهني.. كلمة مسؤولة”، بما يجعلهما حجري الأساس في معايير العمل الإعلامي، حيث تشكل المدوّنة الوثيقة الأساسية المنظمة له في سورية، التي تضع إطاراً شاملاً يحدّد جملة قواعد مهنية وأخلاقية ينبغي أن يسترشد بها منتجو المحتوى الإعلامي وناشروه، بغية تحقيق التوازن الدقيق بين حرّية التعبير والمسؤولية المجتمعية في هذه المرحلة الحسّاسة في سورية.

تكمن أهمية المدونة في أن “لجنة وطنية مستقلة” أعدتها، كي “تقوم بدور الإطار المرجعي الذي يوجه العاملين في القطاع الإعلامي، ويعرّفهم بحقوقهم وواجباتهم”، ما يعني أنها جاءت نتيجة جهد تشاركي بين عاملين عديدين في قطاع الإعلام، كي تُشكّل معياراً لتقييم عملهم، وتجسد المسؤولية الاجتماعية للعاملين في “جميع المؤسسات الإعلامية الرسمية وسواها، ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الإعلام، والصحافيين والإعلاميين وصانعي المحتوى والمؤثرين والمواطنين الصحافيين”.

صدرت المدونة بالعربية والإنكليزية والكردية، وشارك في صياغتها مئات الصحافيين والإعلاميين والمواطنين الصحافيين، وممثلون عن المؤسسات الإعلامية، وصناع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب ممثلين عن وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وبمشاركة جمهور من مختلف الشرائح الاجتماعية. وتضمنت تعريفات عديدة، ومعايير أخلاقية ومهنية، وحماية الخصوصية والبيانات، والمتابعة والمساءلة، وركّزت على الواجبات والمعايير الأخلاقية، وعلى نبذ خطاب الكراهية، وصون السلم الأهلي، وسبل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وقضايا أخرى متصلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتغطية النزاعات، وغيرها من الشؤون المتصلة بعمل الإعلاميين والصحافيين، وبالمشاركة والمسؤولية والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صناع المحتوى.

ليست المدونة بديلاً عن القانون الذي ينظم عمل وسائل الإعلام، إلا أن وزير الإعلام حمزة المصطفى قال إنها ستكون ملزِمة إجرائياً وفق آليات شفافة ومستقلة، ما يعني أنها وضعت كي تضبط العمل الإعلامي في سورية في هذه المرحلة التي يشوبها كثير من الفوضى، مع انتشار غير مسبوق لخطاب الكراهية والتحريض العنيف، فضلاً عن كثرة الشائعات والتضليل، خاصة على مواقع التواصل، وبالتالي فإن وضع مدونة سلوكية وأخلاقية إعلامية خطوة إيجابية، وإسعافية. وفي المقابل، هناك خشية من أن تنقل المدونة من إطارها الأخلاقي إلى إطار قانوني، وبما يجعلها شرطاً لمنح تراخيص للمؤسّسات الإعلامية الجديدة.

من الأهمية بمكان عدم الخلط بين المدونة المهنية وضوابط (ومحدّدات) تصدرها عادة النقابات والاتحادات الإعلامية المستقلة، التي على عاتقها مهمة تنظيم العمل الإعلامي، والنهوض بالمادة الإعلامية، محتواها وشكلها، والسعي إلى حماية الاستقلالية، وتعزيز قيم التعدّدية، وحرية التعبير، فضلاً عن دمقرطة قطاع الإعلام، وحماية حقوق الجمهور العام وسوى ذلك. وهنا تأتي أهمية وضع إطار قانوني للإعلام، يضمن حرّية العمل النقابي واستقلاليته، عبر وضع أطر تحدد تكامل الأدوار بين السلطة التنفيذية، والنقابات المهنية، والهيئات المستقلة، بما يؤسّس لمنظومة إعلامية، تنهض على حرية التعبير والرأي والعمل النقابي.

يبقى أن دور وزارة الإعلام في رعاية إصدار المدوّنة وتسهيله مفهوم ومطلوب، خصوصاً إذا كان تيسيراً وتمكينياً من دون أي رقابة على المحتوى، وذلك في ظل حالة الإنهاك التي تعانيها النقابات والاتحادات المهنية والحقوقية في سورية، والتي تتطلب دفعاً قانونياً وسياسياً، عبر قانون ناظم لها، كي تقوم بمهامها ووظائفها، فضلاً عن دور الحكومة التشاركي مع المؤسسات الخاصة في تنظيم القطاع الإعلامي، ووضع أطر لإلزام الإعلام الحكومي بالمحددات والمعايير التي جاءت بها المدونة. فهذا القطاع واسع، ويُشكل نحو 70% من مجمل القطاع الإعلامي في سورية. لذلك يأتي الدور على الحكومة السورية كي تمثل المؤسّسات الإعلامية التابعة لها إعلام دولة لا إعلام سلطة، والعمل على إيجاد سبل لالتزام المؤسّسات الإعلامية الرسمية، من خلال الاسترشاد بها، وتحويلها إلى سياسات توجيهية وتحريرية، وبرامج عمل، ونظم داخلية، وبما يعني إنشاء هيئة للتعريف بها ومتابعتها، ورصد التجاوزات، وتلقي الشكاوى.

—————————–

كيف يصوغ الإعلام في سوريا سردية السلام ويبني جسور التفاهم؟/ أسماء الفريح

كيف يصوغ الإعلام في سوريا سردية السلام ويبني جسور التفاهم؟

مارس 5, 2026

يعرف “جاك لينش Jack Lynch” وهو باحث وأكاديمي بارز في مجال الإعلام مصطلح “صحافة الحرب”، الذي يندرج تحت مظلة إعلام العنف، بأنها تلك التي “تركز على المعطيات المؤدية للنزاع وتثير مشاعر العداوة بين الأطراف المتنازعة”، ما يؤدي إلى زيادة العنف والعدوان في العالم الحقيقي.

وأما “صحافة السلام”، فيقول مركز صحافة السلام العالمي بجامعة بارك في باركفيل بولاية ميزوري الأميركية إنها تركز على تحسين آفاق السلام من خلال القصص الصحفية التي تخلق جوا يفضي إلى السلام ويدعم مبادراته وصانعيه، دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة.

وتمثل “صحافة السلام” الواقع بدقة من خلال احترام الموضوعية والسعي إلى الصدق، وتعد نمطا معياريا للتغطية الإعلامية المسؤولة وصاحبة الضمير للنزاع. ويعتبر يوهان غالتونغ أول من اهتم بفكرة إعلام السلام من خلال “صحافة السلام” التي بدأ استخدامها عام 1970 وتم تطويرها من طرف جاك لينش وأنابيل ماكغولدريك.

وبرزت صحافة السلام كبديل للنهج التقليدي في التغطية الإعلامية للصراعات، فهي برنامج أو إطار التغطية الإخبارية الصحفية التي تساهم في عملية صنع وحفظ السلام وتغيير المواقف النزاعية من الحرب إلى السلام.

ويؤكد الاتحاد الدولي للصحافيين ارتباط صحافة السلام بمواثيق أخلاقيات المهنة، خصوصا في سياقات الحروب والانقسامات المجتمعية، باعتبارها مقاربة تسعى إلى حماية الوعي العام من الانزلاق نحو الكراهية والعنف.

الحروب الإعلامية

يقول الدكتور علي منعم القضاة الأستاذ المشارك في الصحافة والإعلام الرقمي في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إن مفهوم الحرب هو حالة صراع تستخدم فيها الأطراف المتنازعة أدوات العنف المادي والمعدات العسكرية وتتعامل مع بعضها بمنتهى القسوة، لتحقيق أهداف لها سواء أكانت سياسية أم اقتصادية وحتى أيديولوجية.

وأضاف أن مفهوم الحرب المعاصر تجاوز البعد العسكري التقليدي والجنود والقوات المسلحة والمواجهات البشرية المباشرة في ساحة الحرب، ليشمل أنواعا جديدة من الحروب، وهي بكل تأكيد غير متكافئة، فيما يتعلق بالعالم العربي، وخاصة الحروب الإعلامية والحروب السيبرانية وحروب المعلومات والحروب البيولوجية.

وأما عن مفهوم السلام، فيوضح الدكتور القضاة أن السلام هو مطلب كل شعوب العالم، بل كل الكائنات والمخلوقات، وهو حالة من الانتظام والوئام في علاقات الأفراد والجماعات والدول على حد سواء، مشيرا إلى أن السلام لا يختزل بوقف إطلاق النار فقط، بل هو عملية متواصلة لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات والأمم، وحتى داخل المجتمع الواحد في حالة الحروب الأهلية.

ويتابع أنه لذلك يبرز دور الإعلام في ترميم هذه العلاقات، والمساعدة ضمن رسائله وبرامجه وأخباره وكل تفصيلاته في إرساء قواعد العدالة الاجتماعية. أي إن السلام حالة ديناميكية مستمرة تتطلب مؤسسات إعلامية فاعلة، وخطابا إعلاميا مسؤولا، ومشاركة مجتمعية واعية، وهو ما نسميه المسؤولية الاجتماعية للإعلام.

من جانبه، يقول الإعلامي عبسي سميسم في حديث للصحيفة، إن صحافة الحرب هي الصحافة التي تنشأ في زمن الصراعات والحروب، وبالتالي يجب أن يكون هناك طرف أو أكثر متصارعين، كما أنها الصحافة التي تركز على أطراف الصراع وتتعاطى مع الضحايا كأرقام وتعمل على تأجيج الصراع.

وأما صحافة السلام، وفق سميسم، فهي الصحافة التي تهتم بالمتضررين من الصراع ولا تهتم كثيرا بأطراف الصراع، موضحا أنها تقوم على الصحافة المجتمعية التي تنقل كل ما يجمع من مشتركات بين المواطنين من كل الأطراف من روابط ثقافية واجتماعية وغيرها.

بدوره، يقول الإعلامي أكرم الأحمد رئيس ميثاق شرف الإعلاميين السوريين عن مفهوم صحافة الحرب إنها إطار تغطية لفئة معينة في الحرب يكون منحازا لطرف دون قصد في الغالب، وأحيانا يكون بقصد، وبشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر.

ويضيف في حديث مماثل للصحيفة أن هذه الصحافة تركز على تغطية الأحداث وعلى عدد القتلى والدمار من طرف واحد، مشيرا إلى أن عدم تركيزها على الطرفين يعود أحيانا لأسباب لوجستية، كما أنها تعمد أيضا إلى إقصاء الطرف الآخر ومصالحه بشكل غير مباشر وغير مقصود ومن غير تخطيط، وبشكل جزئي بشكل مقصود.

ويتابع: “نجد دائما في صحافة الحرب لغة مضخمة جدا، لغة الانتصار، لغة الثأر، لغة الانتقام، إلى جانب خطاب كراهية بنسب معينة مع شيطنة الآخر وعدم الاعتراف بإنسانيته، موضحا أنه في صحافة الحرب يكون هناك اعتماد مفرط وتركيز على النخبة العسكرية وليس على الأشخاص أو الخبراء أو النخب الثقافية أو المجتمعية”.

ويقول الإعلامي الأحمد إن مفهوم صحافة السلام هو إطار عمل أو إطار تغطية يقوم على تحليل أسباب الحرب ويركز على طرفي الحرب وعلى الأسباب البنيوية والثقافية لهذه الحرب، مشيرا إلى أن هناك توازنا في هذه الصحافة التي تعامل الطرفين بنفس السوية وبشكل متوازن دون إقصاء، وتبحث في الجذور وفي الأسباب وفي النتائج المستقبلية.

ويضيف أن هذه الصحافة تركز دائما على الخيارات غير العنيفة (مبادرات، وساطة، تنازلات وحلول ممكنة، إتاحة المجال للأطراف المعتدلة بين الطرفين والأصوات التي تدفع للحوار أكثر)، موضحا أنها تعمل على بناء سرديات تقلل التصعيد وضغوط الأزمة والحرب، وتعزز مفهوم السلام والفهم المتبادل لجذور الحرب وأسبابها. كما أنها تعزز التقارب والقيم الإنسانية أكثر، وتركز أيضا على الحد من الضرر وتمنع التحريض، وعندها قواعد للتعامل مع الضحايا وطريقة إظهار الدمار، وهي تعتمد على مصادر ولغة معيارية حقوقية إنسانية.

الإعلام وإدارة التأثير

خلال مشاركته بجلسة حوارية في أعمال النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026 في الرياض أوائل شباط الماضي، أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى أن الأدوات الإعلامية بطبيعتها سياسية في صناعة المحتوى، والإعلام لا يحرر الأحداث بقدر ما يصنع سردياتها، وقد يكون عامل تهدئة أو شرارة تصعيد، ما يضاعف من مسؤوليته في إدارة التأثير.

وناقش المنتدى المذكور في جلسته الافتتاحية وعلى مستوى وزاري رفيع مصطلح “صحافة السلام”، بعد طرحه من قبل الوزير المصطفى، حيث عرفها بأنها هي “الصحافة التي لا تقتصر على مقاربة الصراعات أو المساهمة في إدارتها، بل تتجاوز ذلك إلى بناء خطاب إعلامي يمنع تأجيج النزاعات من الأساس، ويستثمر في ترسيخ بنية سلام قادرة على تقليص احتمالات الصدام داخل الدول وفيما بينها”.

وأشار الوزير المصطفى إلى أن سوريا عانت ولا تزال تعاني من واحدة من أقسى وأعقد المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، وكانت طوال السنوات الماضية مختبرا دمويا ليس فقط للأسلحة الفتاكة، بل لحملات التضليل الإعلامي الممنهجة والحروب النفسية.

وعرض المصطفى جهود وخطط وزارة الإعلام السورية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا بعد التحرير، لردم الفجوات التي خلفها النظام المخلوع وبناء السلم الأهلي بالتوازي مع عدالة انتقالية يؤدي فيها الإعلام دورا في التعويض المعنوي للضحايا دون تحريض.

الانتقال من صحافة الحرب إلى صحافة السلام

وجدد الوزير المصطفى خلال مشاركته في ندوة دولية في أنقرة في السادس والعشرين من الشهر الماضي مخصصة لبحث سياسات الإعلام في مناطق النزاع ودورها في ترسيخ خطاب السلام، التأكيد على أهمية الانتقال من مفهوم “صحافة الحرب” التي تركز على عد القتلى وعرض الدمار وتضخيم خطابات الكراهية، إلى مفهوم “صحافة السلام” التي تبحث في الجذور العميقة للأزمات، وتسلط الضوء على الحلول الممكنة والمقاربات الإيجابية، وتعطي مساحة واسعة لصوت العقل والحوار، وأن يكون العمل الإعلامي جسرا للتفاهم وحقن الدماء.

وأشار المصطفى إلى أن الندوة تعكس إدراكا عميقا للمسؤولية التاريخية بأهمية الكلمة والصورة في رسم ملامح المستقبل المشترك، وفي حماية الحقيقة من محاولات التضليل، وخاصة في هذه المرحلة التي يموج فيها العالم بأزمات وصراعات متلاحقة وتوترات جيوسياسية تعصف باستقرار الدول وتستنزف مقدرات الشعوب وتهدد السلم والأمن الدوليين بشكل غير مسبوق.

وأوضح أن الحروب لم تعد تقتصر على الميدان العسكري والأسلحة التقليدية، بل امتدت لتشمل جبهات لا تقل ضراوة وهي “جبهة الإعلام والمعلومات وحروب السرديات”، موضحا أن الآلة الإعلامية تستخدم في كثير من الأحيان كأداة لتبرير العنف، بينما يجب أن يتعدى العمل الإعلامي نقل الخبر ليكون جسرا للتفاهم وحقن الدماء وصون حقوق الضحايا، وصولا إلى بناء “لغة السلام” بدلا من تأجيج النزاعات.

عملية تراكمية

يقول الدكتور القضاة إن السلام في السياق السوري ليس حدثا مفاجئا، بل عملية تراكمية متعددة الأبعاد: أمنية، اقتصادية، اجتماعية، ودبلوماسية. وإن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الخبر، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام، وترسيخ ثقافة الطمأنينة والوئام، وتقديم صورة متوازنة عن التحولات الجارية، مضيفا أنه عندما يبنى الخطاب الإعلامي على بيانات موثقة ورؤية تحليلية واحترام للتعددية المجتمعية، فإنه يسهم في الانتقال من ذاكرة الحرب إلى أفق السلام، ومن منطق الانقسام إلى مشروع الدولة الجامعة.

وأشار إلى أنه في سياق التحولات التي تشهدها سوريا يصبح للإعلام دور تأسيسي هام في إعادة تعريف “السلام” بوصفه مشروعا مجتمعيا شاملا، لا يقتصر على توقف العمليات العسكرية، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الثقة واستعادة وظائف الدولة وتعزيز الانتماء الوطني الجامع لكل مكونات وطوائف وعرقيات المجتمع السوري، الذي كان متعايشا تماما قبل وجود النظام الطائفي المخلوع.

وذكر أهم معاني السلام التي ينبغي على الصحافة السورية، وعلى الخطاب الإعلامي السوري، أن يبرزها في المجتمع في هذه المرحلة الانتقالية للخروج بأقل الخسائر المعنوية الناتجة عن الإعلام، وبأكبر حصيلة مثمرة يلمسها الناس، وهي تقديم السلم المجتمعي والحديث عن السلام بوصفه استعادة للأمن الإنساني.

وأضاف أنه يمكن للإعلام أن يكتب أيضا عن مؤشرات ملموسة تدل على تحسن الأمن وسيادة السلام في الدولة السورية الجديدة مثل إزالة الحواجز، وتراجع مظاهر السلاح غير النظامي في الفضاء العام، وكذلك انتظام عمل المؤسسات الشرطية والقضائية وفق قواعد قانونية واضحة وقواعد إجرائية معلنة لم تكن معروفة ولا يتم التعامل معها في السابق. وأيضا توفير الاحتياجات اليومية من ماء وكهرباء وتحسن ظروف المعيشة، من أجل أن يتحول السلام إلى تجربة معيشة يومية يشعر بها المواطن لا مجرد إعلان سياسي.

وأكد أهمية مخاطبة الناس بأن السلام هو عدالة انتقالية ومصالحة مجتمعية، ونشر ثقافة المساءلة القانونية بين جميع أفراد المجتمع، وإتاحة منابر إعلامية تتيح لأفراد المجتمع سرد الشهادات الإنسانية ضمن إطار من المهنية المسؤولة. وكذلك دعم خطاب المصالحة الوطنية الذي يعترف بالتنوع الطائفي والعرقي بوصفه ثراء للمجتمع لا تهديدا له.

ويضيف أن تحسن مستوى الخدمات العامة يعد أحد أبرز المؤشرات على انتقال الدولة من منطق الحرب إلى منطق السلام ومنطق التنمية، ومن هنا يبرز دور الإعلام بتقديم السلام بوصفه تعافيا اقتصاديا وخدميا، وذلك بأن يقوم الإعلام بتسليط الضوء على هذه الأمور مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن لغة البيانات والأرقام أقوى من لغة العواطف. ومن ذلك الحديث عن انتظام توزيع المواد التموينية، وتحسن ساعات تزويد الكهرباء، واستقرار إمدادات الوقود، وانتعاش الأسواق وعودة الحركة التجارية.

ويتابع أنه مما يزيد الثقة بين المواطنين والدولة السورية أيضا تقديم السلام بوصفه انفتاحا دبلوماسيا واستعادة للمكانة الدولية للجمهورية العربية السورية، وهذا يعني أن السلام يكون سببا في عودة الدولة إلى الفضاء الدولي بوصفها فاعلا دوليا معترفا به.

خطوات الانتقال

من جانبه، يقول الإعلامي الأحمد إن هناك عدة خطوات للانتقال من صحافة الحرب إلى صحافة السلام. أولها حوكمة التحرير: (وضع سياسات تحريرية خاصة لتغطية ظروف النزاعات). أي التحول من تغطية الحرب وظروفها إلى إدارة المخاطر المجتمعية، وهنا لا بد من وجود نظم تحريرية تتعلق بالنزاعات وتضع خطوطا حمراء للتغطية، للمفردات، لطرق التعامل مع الضحايا، لطرق التعامل مع طرفي النزاع، وللتعميمات. وتضع سياسة خاصة حول الخطاب ونوعه وتوجه الرسائل لمن وكيف؟

وشدد على أنه في مرحلة الحوكمة التحريرية لا بد من زيادة المراجعة أو زيادة مراحل التدقيق والمراقبة على المواد عالية الحساسية قبل النشر والاستعانة بخبراء متخصصين في هذا المجال، مبينا ضرورة أن تكون هناك سياسة تحريرية خاصة وواضحة تلزم الصحفيين بالتعامل مع المواد التي تثير الحساسيات بمهنية عالية بعيدا عن المحتوى الذي يؤجج المخاطر ويشعل التوترات أو الحساسيات المختلفة، وألا يدفع باتجاه المزيد من الخندقة أو الانقسام في المجتمع الذي يمكن أن يهدد بإعادة اندلاع الحرب أو الأزمات.

ويقول: إن “الخطوة الثانية في مرحلة حوكمة التحرير تتمثل بإعادة بناء قوالب القصص، أي تحديد ماهية القصص التي يجب التركيز عليها أكثر وماهية محتواها، من خلال إيلاء الاهتمام بالقصص الجامعة والمبادرات الإيجابية والمحتوى الذي يقرب ويجمع الشمل أو المحتوى الذي يفند أسباب الحرب أو أسباب إعادة انفجار الحرب”.

وذكر أنه لا بد في هذه المرحلة من وجود خريطة واضحة لأصحاب المصلحة، وقد يكونون فاعلين في موضوع الانتقال من صحافة الحرب إلى صحافة السلام، وأن يكون هناك سياسة واضحة لصياغة متعددة الأبعاد. أي الانتقال من التركيز بمرحلة الحرب على طرفين (ظالم ومظلوم) إلى التركيز بصحافة السلام على أطراف متعددة أكثر، على المتضرر وعلى المستفيد من الطرفين وعلى فئات معينة من المجتمع، وأن يتم التركيز على أسباب النزاع وعلى الدوافع والمخاوف ومحاولة وضع المزيد من البدائل.

وأشار إلى أنه في مرحلة التحول من ضفة إلى أخرى لا بد من وضع معايير خاصة للغة ومعايير خاصة للصور تركز على تقليل التصعيد مثل قاموس خطاب الكراهية. وخلص إلى ضرورة تغيير السرديات والمحتوى والتركيز على المحتوى الذي يقدم شرحا لأسباب المشكلة، والانتقال من تغطية آنية للحرب إلى الحديث عن الجذور المشتركة وعن الآلام المشتركة وعن القصص الجامعة. وبالتالي تتغير السياسة التحريرية بشكل كامل من خلال المحتوى، إلى جانب أن تكون هناك مؤشرات نجاح أو انتقال واضحة لترسيخ عملية الانتقال من شكل إلى شكل آخر.

من ناحيته، يقول الإعلامي سميسم إن الانتقال إلى صحافة السلام يتم من خلال إنشاء وسائل إعلام مجتمعية محلية، ومن خلال التركيز على المتضررين من الصراع والتعامل معهم كقصص والغوص بتفاصيلهم ومشاكلهم وآمالهم وليس التعاطي معهم فقط كأرقام.

ويضيف أن ذلك يتم أيضا من خلال البحث عن كل ما هو مشترك بين أفراد الوطن من عادات مشتركة وثقافات مشتركة وتراث شعبي مشترك وإظهارها من أجل تجسير الهوة بين مكونات المجتمع، وكذلك من خلال البحث في جذور الصراع ووضع الحلول.

أهداف صحافة السلام

يبين الدكتور القضاة أن صحافة السلام لا تعني الانحياز لطرف ضد آخر، ولا تعني بأي حال من الأحوال تمييع الوقائع أو إخفاء الحقائق، بل هي بالضرورة تعني تبني منظور إعلامي تحليلي يهدف بكل السبل المتاحة إلى تقليل احتمالات العنف، وهي تسعى إلى تعزيز فرص التسوية العادلة بين جميع الأطراف. وبهذا المعنى تصبح الكلمة التي ينشرها الإعلام أداة لحماية الأرواح، ويغدو الإعلام فضاء لإنتاج المعنى المشترك بدلا من إعادة إنتاج الانقسام.

ويضيف أنه لذلك يجب على الإعلام بكافة وسائله تعزيز روح الأخوة وثقافة التعايش، وعدم إغفاله الجذور العميقة للأزمة، واقتراح البدائل السلمية الممكنة، وتفكيك خطاب الكراهية وصولا إلى المساءلة الأخلاقية.

فيما يلفت الأحمد إلى أن هناك هدفين أساسيين لصحافة السلام: استراتيجي وتشغيلي، مضيفا أن الهدف الاستراتيجي يركز على خفض استعداد المجتمع للتعبئة (تفكيك السرديات التحريضية) وإظهار التعقيد والتداخل للحرب أو النزاع.

وأوضح أنه من خلال مرحلة الهدف الاستراتيجي يتم تحويل الإعلام إلى أداة للتماسك المجتمعي، عبر تمثيل أصوات المدنيين والوسطاء والمبادرات وكل ما يدعو إلى التهدئة، إضافة إلى تقليل الشائعات ومنع التحريض وتقديم بدائل غير عنيفة للحلول بهدف الوصول إلى الحق، وهذا كله يساهم في حقن الدماء.

ويتابع أن الأهداف التشغيلية لصحافة السلام هي تفسير جذور المشكلة والأسباب الأساسية لها وطرق تطورها، إضافة إلى إبراز المصالح المشتركة ونقاط اللقاء والنقاط الجامعة بين الطرفين. وأيضا تقديم الحلول الأكثر واقعية مثل تشجيع آليات المساءلة والمبادرات المحلية والإصلاح والعدالة الانتقالية، إلى جانب التقليل من الضرر وحماية المتضررين والضحايا.

كيف يمكن للإعلام السوري أن يكون جسرا للتفاهم وحقنا للدماء؟

يقول الدكتور القضاة إن الإعلام بوسائله ورسائله يمثل أهم الفضاءات التي تصاغ فيها تصورات الصراع والسلام، ولذلك يمكن القول إنه إذا كان الإعلام في أوقات النزاعات قد يتحول إلى أداة تعبئة واستقطاب للقوى الوطنية، أو القوى المؤيدة لجهة ما، فإنه يستطيع وبالقوة نفسها والتأثير نفسه أن يقوم بدور محوري في تهدئة النزاعات، وشرح وجهات النظر بما يعمل على بناء جسور تفاهم بين أطراف النزاع.

ويشير إلى أن الانتقال من مفهوم الحرب إلى مفهوم السلام ليس تحولا آنيا، ولا يمكن أن يتم بسهولة، فالناس لا تنسى جراحها، لكنه مسار تراكمي تشارك فيه جميع مؤسسات المجتمع: السياسية، والثقافية، والمجتمعية، والإعلامية. موضحا أنه في قلب هذا المسار يقف الإعلام، لأنه بمثابة الجهاز العصبي المركزي في كل المجتمعات، والمحرك الرئيس لما يجري على كافة الصعد، وهو القادر على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بالقدر الذي يكون قادرا فيه على تكريس الانقسام، ولكن الأولى به فتح آفاق للتفاهم بما يعمل على حقن دم جميع الأطراف وصيانة الكرامة الإنسانية.

ويبين أن هناك العديد من الطرق أو الآليات التي يمكن للإعلام أن يتفاعل من خلالها بوسائله المختلفة ليكون فاعلا إيجابيا في المجتمعات فيما يتعلق بنشر الوئام والسلام والانتقال بالناس من تأجيج الصراع إلى وسيط معرفي يسهم في خفض التوتر وتهيئة الأرضية للتسويات، ومن نشر مفاهيم ومصطلحات الحرب وأجواء النزاعات إلى نشر مفاهيم ومصطلحات وأجواء السلام والوئام والحب بين الناس.

الآليات المساعدة

ويتابع أن من هذه الآليات أن تحول وسائل الإعلام إطار تغطيتها من خطاب يقوم على التناحر والثنائية والتمترس خلف جانب ضد آخر، إلى خطاب يركز على المصالح المتبادلة والمعاني الإنسانية والقواسم المشتركة بين جميع الأطراف. وأيضا أن تظهر وسائل الإعلام مقدار الخسائر والضحايا التي تتسبب بها الحروب لتفادي تكرارها وليس لتمجيدها، أو الحديث عن انتصار فريق فائز وفريق خاسر، لأنه في حالات الحروب جميع مكونات المجتمع خاسرة. كما أن كيان الدولة بأكمله يخسر أكثر من أي طرف آخر، لأن تكاليف إعادة الإعمار ستكون على حساب رفاهية المجتمع واستحقاقاته.

وأكد ضرورة أن يركز الإعلام على الكلفة الإنسانية للنزاع، فالخسارات البشرية أعظم من الخسارات المادية بكثير. ولذلك يجب أن يعيد الإعلام توجيه اهتمام المجتمعات من منطق الانتصار والهزيمة إلى منطق المعاناة الإنسانية وضرورة إيقافها بالسرعة القصوى.

ويقول الدكتور القضاة إن من إيجابيات ثورة التكنولوجيا إمكانية الوصول إلى العديد من المصادر والكثير من الروايات الإخبارية حول العالم بسهولة وسرعة، ولذلك فإنه من واجب الإعلام بكل وسائله تقديم روايات متعددة ومتوازنة، فالتعددية تعزز روح الفهم الصحيح وتخفف من حدة الصورة النمطية التي نرسمها للآخرين، الصورة التي تؤجج روح الكراهية في المجتمعات.

ويضيف أن كثرة مصادر الأخبار والمعلومات تقودنا دون شك إلى إمكانية التحقق من المعلومات التي ننشرها في وسيلتنا الإعلامية، من خلال نشر الحقائق والابتعاد عن الشائعات، وخاصة في زمن الحروب. موضحا أنه من هنا تتجلى أخلاقيات النشر وأخلاقيات الإعلام، ويظهر جليا مدى المهنية التي يتمتع بها الصحفي، ولا سيما في أوقات الحروب والصراعات، لأن الشائعات قد تكون سببا في تصعيد خطير في جميع أنحاء العالم.

ويذكر أنه في هذا الإطار تصبح وسائل الإعلام منابر للحوار العام بين مكونات المجتمع، وخاصة البرامج الحوارية واللقاءات المفتوحة، حيث تظهر بشكل جلي أهمية صحافة الرأي وصفحات الرأي الحر في الصحافة العالمية، وفي المحطات الفضائية وحتى الإذاعات. ويمكن استضافة خبراء متخصصين في كل المجالات ويشارك فيها الكثير من أبناء المجتمع، ما يسهم في فض النزاعات ويجعل الإعلام منصة للنقاش العقلاني بدلا من أن يكون أداة للتحريض وإثارة الفتن.

محتوى رقمي واقعي وهادف

يؤكد الدكتور القضاة أنه لا يمكن الحديث عن صياغة سردية السلام في سوريا اليوم دون التوقف عند التحول العميق الذي أحدثه الإعلام الرقمي، ولذلك ينبغي إنتاج محتوى رقمي يركز على مؤشرات التحسن الواقعي بدلا من إعادة تدوير صور الدمار والانقسام، وإطلاق مبادرات تحقق محلية واضحة المعايير لمواجهة الأخبار الكاذبة التي قد تعيد إشعال التوتر، وتشجيع الخطاب الهادئ والمنظم عبر إدارة النقاشات بدلا من تركها سجالا مفتوحا، وتدريب الصحفيين وصناع المحتوى على أخلاقيات النشر الرقمي في البيئات الخارجة من النزاع، والاستفادة من الوسائط البصرية القصيرة لشرح التغيرات الإدارية والخدمية بلغة بسيطة يفهمها الجميع.

ويذكر الدكتور القضاة أن الإعلام المحلي (صحف، إذاعات مجتمعية، مواقع إخبارية في المحافظات) يعد الأقرب إلى نبض الناس، والأقدر على رصد التحولات الصغيرة التي تشكل في مجموعها مؤشرات التعافي الحقيقي. ولذلك بإمكانه، في سياق بناء السلام، أن يؤدي أدوارا نوعية بالبناء على مؤشرات واقعية مهنيا دون مبالغة أو تهويل، وتقديمها كشواهد قابلة للنقاش والتحليل.

ويشير إلى أنه عندما يتم ذلك فإنها تسهم في بناء ثقة تدريجية لدى الجمهور، ومن هذه المؤشرات: تراجع المظاهر المسلحة داخل بعض المدن، عودة النشاط التجاري في الأسواق الشعبية، إعادة تأهيل المدارس والجامعات، التحسن النسبي في الخدمات الأساسية، عودة بعض الكفاءات المهنية، والمبادرات التطوعية المجتمعية.

ويختم بالقول إن الانتقال من الحرب إلى السلام في سوريا هو مسار طويل متعدد المستويات، غير أن للإعلام دورا محوريا في صياغة الوعي الانتقالي بين الحرب والسلام ضمن رواية الدولة الجامعة لكل مكونات المجتمع السوري. وحين يصاغ هذا الخطاب بلغة مهنية احترافية علمية موثقة، ويدعم بالأمثلة الواقعية والبيانات الصحيحة، فإنه يصبح جسرا فعليا بين الماضي المؤلم والمستقبل المشرق.

———————–

 من يحمي الصحافة في سوريا الجديدة؟/ طارق صبح

2026.03.07

في الأيام الماضية تحولت حلقة على شاشة “تلفزيون سوريا” ناقشت أداء السلطة إلى ساحة سجال واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن الجدل بحد ذاته المشكلة، فالنقاش الحاد حول أداء السلطة جزء طبيعي من أي فضاء عام مفتوح. لكن ما تلا ذلك من حملات تحريض واتهامات شخصية وتهديدات صريحة ضد إعلاميين وصحفيين أعاد طرح السؤال: من يحمي حرية الصحافة في سوريا الجديدة؟

اللافت في هذه القضية أن النقاش لم يبق في إطار الردود السياسية أو الفكرية، بل انزلق سريعاً إلى خطاب كراهية وتحريض، وصل في بعض الحالات إلى تهديد مباشر بالقتل ضد إعلاميين يعملون في مؤسسة إعلامية سورية.

هذا النوع من الانزلاق ليس جديداً على فضاء وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، لكنه يصبح أكثر خطورة في بلد يخرج لتوه من عقود طويلة من الاستبداد، حيث لم تتشكل بعد قواعد مستقرة للنقاش العام، ولا تزال الحدود بين النقد السياسي والتحريض الشخصي هشة ومضطربة.

لكن في مثل هذه اللحظات تحديداً تظهر أهمية دور الدولة ومؤسساتها، وخاصة وزارة الإعلام.

المفارقة أن الوزارة نفسها كانت قبل أسابيع قليلة تحتفي بإطلاق مدونة سلوك إعلامية، باعتبارها خطوة لتنظيم العمل الصحفي وتعزيز المهنية. إلا أن الأزمة الأخيرة كشفت فجوة واضحة بين الخطاب النظري حول تنظيم الإعلام وبين الواقع الفعلي الذي يواجه فيه الصحفيون حملات تحريض وتهديد دون موقف واضح وحازم من الجهات الرسمية.

في تجارب الديمقراطية، لا تشرف الحكومات على كتابة مدونات السلوك الصحفي، بل تضع هذه المدونات المؤسسات الإعلامية نفسها أو الهيئات النقابية والمهنية المستقلة، لأن استقلال الصحافة يبدأ من استقلال قواعدها المهنية.

دور الدولة في المقابل مختلف تماماً: حماية المجال العام من التحريض والعنف، وضمان أن يتمكن الصحفيون من العمل دون خوف أو ترهيب.

المشكلة في الحالة السورية اليوم لا تتعلق فقط بتهديدات فردية على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بالبيئة التي تسمح بتصاعد هذا الخطاب دون حدود واضحة، فعندما يتحول العمل الصحفي إلى مادة للتحريض، وتصوير الصحفيين كأعداء أو أدوات لمؤامرات، فإن النتيجة الطبيعية هي فتح الباب أمام خطاب كراهية قد يتجاوز الفضاء الافتراضي إلى ما هو أخطر.

ولا يمكن تجاهل أن جزءاً من هذا المناخ يرتبط أيضاً بطبيعة البنية السياسية الجديدة نفسها، حيث لا تزال شبكات الثقة والعلاقات الشخصية وأشكال المحسوبية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل دوائر القرار والنفوذ، وهذه الظاهرة ليست سورية خالصة، لكنها تصبح أكثر حساسية في بلد يحاول إعادة بناء مؤسساته بعد عقود من حكم قمع مركزي.

في مثل هذا السياق، تصبح الصحافة النقدية المستقلة ضرورة مضاعفة وحاجة ملحة لحماية البلد، وليست مشكلة يجب تبريرها أو الدفاع عنها.

نعم، الصحافة بطبيعتها تضخم السلبيات وتبحث في مناطق الخلل، فهذه الوظيفة الأساسية لها وليست انحرافاً عنها. وإذا كان الهدف المعلن لسوريا الجديدة هو بناء دولة مؤسسات، فإن أول اختبار حقيقي لذلك هو قدرة السلطة على تحمل النقد، لا محاولة تفسيره أو الشك في دوافعه.

في المقابل، تقع مسؤولية أيضاً على الإعلاميين أنفسهم وعلى المجتمع الأوسع في الحفاظ على مستوى نقاش عام لا يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو لإطلاق الاتهامات المجانية، فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بثقافة عامة تحترم الاختلاف.

لكن تبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الدولة، وعلى رأسها وزارة الإعلام، ليس بوصفها جهة تنظم الصحافة، بل مسؤولة عن حماية بيئة العمل الإعلامي.

فبعد أكثر من ستين عاماً كانت فيها الوزارة نفسها إحدى أدوات السيطرة على الإعلام في سوريا، تبدو اليوم أمام السؤال الأهم: هل ستتحول إلى مؤسسة تحمي حرية التعبير، أم ستبقى أسيرة منطق السلطة الذي يرى في الصحافة المستقلة تهديداً لا ضرورة؟

في نهاية المطاف، دفع كثير من الصحفيين السوريين، منذ عام 2011، ثمناً باهظاً دفاعاً عن حق السوريين في الكلام وفي معرفة الحقيقة، ولهذا السبب تحديداً، لا يمكن التعامل مع حرية التعبير كامتياز يمنحه أحد، بل كحق أساسي كان غيابه طوال عقود أحد أبرز أسباب ما وصلت إليه البلاد وبيت المشكلات فيها.

فالصحافة الحرة والمستقلة ليست مشكلة في سوريا، بل ربما كانت، وما تزال، أحد مفاتيح حلها.

 تلفزيون سوريا

———————

 تحولات الخطاب الإعلامي في سوريا.. نقدٌ لا يجرح ولا يداوي/ مالك ونوس

السبت 2026/03/07

أدت التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها التدهور الحاد في الوضع المعيشي للسوريين، والزيادة الكبيرة في تعرفة الكهرباء، ثم كارثة الفيضانات التي أغرقت خيام النازحين في الشمال، إلى إرباك البيئة المؤيدة لسلطة دمشق. ففئة واسعة من المؤيدين آثرت الصمت، وهي التي كانت شديدة المعارضة لنظام الأسد، خشية أن يفهم أي نقد توجهه لهذه السلطة خدمةً لروايات ما يسمى “الفلول” و”الانفصاليين”. لكن فئة أخرى، أجبرتها تلك التطورات على تخفيف لهجتها المؤيدة للسلطة، وتوجيه النقد الجزئي، وتسليط الضوء على ما تسميه “بعض الأخطاء”، من دون مقاربة جذورها البنيوية. وفي هذا الوقت بدا واضحاً أن السلطة تعيد، عبر إعلامها، استخدام أدوات التبرير نفسها التي كانت متبعة خلال حكم الأسد. ويجري في هذا السياق توظيف شبكة من الصحافيين الذين يتقنون أسلوب التبرير، ويتطوع معهم عدد لا يستهان به من المثقفين أو الصحافيين. ويظهر هذا الأمر على نحوٍ واضح تحولات الخطاب الإعلامي في البلاد، على عكس ما كان مأمولاً به بعد سقوط رمز الاستبداد.

في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا، كان من المتوقع ظهور إعلام جديدٍ، ترعاه سلطة تقدم نفسها بديلاً عن نظام الأسد القمعي، فتعمل لكي يصبح إعلامها بديلاً عن إعلام الأسد، وتزداد لديه الجرأة، فلا يسعى لطمأنتها، بقدر ما يشير إلى هفواتها، ويصبح في مرحلة متقدمة سلطة تهدف للمساءلة. إعلامٌ يقترب من الجمهور أكثر لكي يعمق من معارفه وليزيد من وعيه، ويمنحه القدرة على القراءة الصحيحة والنقد، بما يتفق مع المرحلة الجديدة التي تريد أن تقطع مع مرحلة الأسد وإعلامه التدجيني الذي سعى دائما من أجل أنتاج إنسانٍ طيِّعٍ. فهل سعت السلطة لذلك، وهل نجح الصحافيون في مهمة من قبيل هذه؟

إعلام سلطة

بدايةً، يتضح للمراقب أن الإعلام في سوريا، وعلى عكس المرجو، بات إعلام سلطةٍ وليس إعلام دولة. وفي قراءة متأنية للخطاب الإعلامي الذي ظهر بعد سقوط الأسد، والذي خرج عبر “وكالة سانا” و”الإخبارية السورية” وجريدة “الثورة السورية”، تشعر أنك في حضرة الإعلام القديم، لكن مع تبدلٍ في الاصطفافات التي طرأت بعد تغيير النظام. أما على مستوى الإعلام البديل؛ أي المنصات الرقمية، وصفحات بعض المثقفين والصحافيين التي يستخدمونها لنشر مواد صحافية، يظهر فيها بوضوح ولاءهم لسلطة دمشق. ولا يخفي هؤلاء في ما ينشرونه، بل يعترفون وهم في كامل وعيهم، أنهم ملكيون أكثر من الملك، ويوكلون لأنفسهم مهمة الدفاع عن السلطة طواعيةً. ولدى الاطلاع على كتابات لصحافيين وناشطين، كانوا من أكثر الناس دقة في تشريح سياسات النظام البائد، تجد من يعبر عن حيرة أصابته بعدما شاهده على أرض الواقع. وكثيرٌ ممن يتجرؤون في كتاباتهم على ذكر بعض العوامل التي تعيق بناء الدولة، لا يرون في عودة الفساد والمحسوبيات والإقصاء وتعيين غير الكفؤين، ولا في الفلتان الأمني وانتشار السلاح الذي يشل البلاد ويرهب أبناءها، عوامل تعيق ذلك البناء.

ظاهرة “النق”

وبينما لا ينسى معظم هؤلاء أن يختتم كلامه بلازمة تؤكد أن انتقاداته تهدف إلى تصحيح المسار ومنع عودة الاستبداد، يركز على التنويه أنها تختلف عن انتقادات يوجهها آخرون يقول إنها نابعة من حقد وكراهية تجاه السلطة. مع العلم أن الفارق بين الفئتين يكمن في أن المتهمين بأنهم حاقدون أو كارهون، هم ببساطة محايدون يشيرون إلى أسباب المشكلات وجذورها وكيفية حلها، ولا يكتفون بعرضها أو تفسيرها فحسب. وهنا تحضر إلى الذاكرة ظاهرة “النق” “أي ترداد الانتقادات الشكلية من دون أي مطالبة بالمعالجة”، التي كانت تلك الظاهرة سائدة بين موالي سلطة بشار الأسد. كان أولئك يوجهون الانتقادات إلى ما يرونه “الأخطاء”، لكنهم لم يكونوا يتقبلون الانتقادات التي تشير إلى جذر المشكلات، ويشتمون أصحابها ويتهمونهم بالخيانة.

كما أن لدينا أولئك الذين كانوا يعملون في وسائل إعلام النظام، ثم نقلوا البندقية من كتف إلى كتفٍ آخر بعد سقوطه. هؤلاء واصلوا عملهم في الكتابة عن خلل هنا وأخطاء هناك في إطار التقليل من أهميتها، في الوقت الذي يسوقون فيه لبعض الخدمات على أنها إنجازات كبيرة. كما لا ينسون التهويل من التحديات والمخاطر الخارجية، وإظهار الأقلام الناقدة بشكل سلبي. إن نقد هؤلاء لا يشخص المشكلات فلا يجرح ولا يفضح، ولا يقدم النصائح من أجل الإصلاحات فلا يداوي. وهذا كله انطلاقنا من افتراض أن “قائدنا يعرف مصلحتنا”، حتى لو كان رفع أسعار الخدمات لدرجة أنها باتت تستنزف المداخيل، لكن هذا يصب في مصلحة الناس من دون أن يدرون.

هناك خطورة حقيقية في أن تبقى مشكلات السوريين معلقة بلا حل، إذا ما انكفأ بعض المعارضين من الكتاب والصحافيين والمثقفين، وتوقفوا عن تناولها نتيجة التهجم عليهم، وحروب الذباب الإلكتروني التي تطالهم وتهدف إلى إسكاتهم. فحين يسود إرهاب الأصوات الحرة، ستستمر عندئذ معاناة الناس، ويُحجم كثيرون عن نقلها عبر الصورة أو الصوت أو الكلمة.

لقد كشفت الفيضانات التي طالت مخيمات النازحين في الشمال السوري حجم المأساة، وساد تعاطف كبير مع سكانها، ورميت المسؤولية عنها على الحكومة السورية التي لم تجد لهم المأوى، وامتنعت عن إعادة إعمار مدنهم ومساكنهم المتضررة. حينها خرجت أصوات تتهم من يتحدث عن الفيضان وعن مشكلة النازحين، أنه إنما يريد “تسجيل نقاط” على سلطة الرئيس أحمد الشرع. وهكذا يتحول الدفاع عن الضحايا إلى تهمة، وهذا ما دفع كثيرين إلى الصمت، وربما التريث والاكتفاء بالمراقبة، إذ يبدو أن الأمر قد تجاوز مطالبتهم بالسكوت، وربما وصل إلى مرحلة التهديد.

المدن،

——————————-

  “التضييق الناعم والرقابة الذاتية”.. هل يؤسس لصحافة استقصائية في سوريا الجديدة؟/ حنين عمران

2026.03.07

قبل أقل من عامين فقط، كانت الكلمة تُعامل كجريمة تامة الأركان إذا صُوِّبت باتجاه لا ترغب فيه السلطة الحاكمة، ولم يكن البحث عن الحقيقة في سوريا آنذاك إلا احتمالاً آخر لموت أو لزنزانةٍ منفردة في أقبية الأفرع الأمنية.

ولم يكن لمفهوم الصحافة الاستقصائية من وجودٍ؛ فالصحافة نفسها بمفهومها العام كانت مُفتتة المعنى مُغيبة الهدف، وبدلاً من أن تكون سلطة رقابةٍ ومساءلة، تحولت بكل أنواعها إلى مُتهم في محاكم الإرهاب والجرائم الإلكترونية.

في سياق الإعلام الجديد -إن صح التعبير- تعود الصحافة الاستقصائية إلى المشهد السوري بخطوات مترددة ومثقلة بمخاوف تكرار الماضي، لكنها هذه المرة لا تُختزل بمقرر جامعي يُعطى على عجل وتحت المراقبة في مدرجات كلية الإعلام، بل في دورات تدريبية وجلسات نقاش مُعلنة وحوارات لا تخلو من الأسئلة الشائكة والمواجهات.

خطوات على طريق الاستقصاء

عائداً من فرنسا بعد سنوات طويلة من الغياب، بدأ الصحفي محمد البسيكي في دمشق بأولى الدورات التدريبية للصحافة الاستقصائية، وبحضور لطلاب وخريجين وعاملين في الصحافة من مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة.

في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، تحدث المدير التنفيذي لوحدة سراج الاستقصائية محمد البسيكي عن تجربته الصحفية والتدريبة الأولى في دمشق؛ بوصفها استحقاقاً لكل صحفي عانى التضييق والملاحقات الأمنية وتجربة اللجوء والمنفى في زمن الأسد المخلوع، مؤكداً أن تدريب العاملين في المجال الصحفي في سوريا أتاح له معرفة زملاء يبحثون عن تطوير مهاراتهم في مجال الصحافة الاستقصائية، وينحدرون من خلفيات مهنية وعلمية مختلفة.

يقول: “هناك اهتمام واضح من قبل إدارات المؤسسات الإعلامية في تعزيز هذا النوع من الصحافة وهذا ما لمسناه من الحضور ومن تفاعلهم ومشاركتهم وكذلك من أفكار التحقيقات التي طرحوها وينوون العمل عليها”.

وتضمن التدريب كيفية إنتاج تحقيقاً استقصائياً بدءاً من مرحلة البحث الأولي وكتابة الفرضية، وانتهاءً بتدقيق الحقائق ونشرها وقياس الأثر، كما استعرض البسيكي مجموعة من التحقيقات التي أنتجتها وحدة “سراج” للصحافة الاستقصائية؛ ومن بينها تحقيقات وتقارير مُعمّقة أنتجت مع شركاء عالميين في الصحافة والصحافة الاستقصائية والمؤسسات الحقوقية.

يقول الصحفي محمد البسيكي لموقع تلفزيون سوريا “منذ البداية كانت القصة السورية، قصة محلية لكن لها بعد عالمي، تتشابك فيها الخيوط وتتعدد فيها الروايات.. لذا بنينا جسور من التواصل والعلاقات مع الناشرين الدوليين في وسائل الإعلام الكبرى حول العالم وبرزت هنا التحقيقات العابرة للحدود بين اوروبا وسوريا، وكانت هذه فرصة كبيرة للتحقيقات الاستقصائية من سوريا للوصول للجمهور العالمي”.

المصادر المفتوحة: أدوات غائبة عن الصحافة السورية

لا تزال مجالات الصحافة السورية ولا سيما لدى جهات الإعلام الحكومي تفتقر إلى الممارسة الحقيقية لمنهجيات البحث العميق عبر الإنترنت أو حتى استخدام أدوات المصادر المفتوحة التي من شأنها تغيير مسار قضية أو كشف تضليل أو إيصال حقيقة.

في التدريب الذي أقامته وحدة سراج، تضمن عرضاً لتحقيقات المصادر المفتوحة OSINT والأدوات المساعدة فيها؛ كالبحث العكسي عن الصور، واستخدام الخرائط وتتبع السفن والطائرات والبحث عن الوجوه وتحسين نتائج البحث.

وسبق هذا التدريب محاضرة حول المصادر المفتوحة وتحقيقاتها، أعطاها الصحفي في وحدة سراج للصحافة الاستقصائية وائل قرصيفي، وأقيمت في مسرح الأكاديمية السورية للإعلام على اعتبار أن الصحافة السورية بحاجة ماسة لإنتاج تحقيقات تعتمد على المصادر المفتوحة وصحافة البيانات خصوصاً مع الكم الهائل من التضليل والمغالطات المنتشرة في الفضاء العام؛ إذ إنَ “مهارات المصادر المفتوحة لم تعد إضافة بل هي مهارة أساسية يجب أن يتمتع بها الصحافيون في الوقت الحالي” بحسب قرصيفي.

وكانت وحدة “سراج” قد أنتجت تحقيقات بالاعتماد الكامل أو الجزئي على المصادر المفتوحة، ولعلّ أهمها كان تحقيق “لجان الجنزير: فرق الإعدام السرية في سجن صيدنايا” والذي تتبع مجموعة من الضباط والعناصر المسؤولين عن تنفيذ أحكام الإعدام بالمعتقلين ونقل جثثهم.

يقول قرصيفي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا عن تجربته “زاد اهتمامي بالمصادر المفتوحة واستخدامها في التحقيقات الصحفية خصوصاً مع الوضع السوري الذي لا يوفر شفافية أو وصولاً معقولاً للمعلومات قبل سقوط نظام الأسد؛ لذا فإن توفر المصادر المفتوحة منحني أدلة واسعة وموثقة وجعلها وسيلة أساسية للمحاسبة والتوثيق وتدقيق الحقائق”.

وعلى الرغم من الغياب الجزئي لاستخدام تقنيات المصادر المفتوحة في الإعلام السوري الحالي فإن الحاضرين كان لديهم تطلّع كبير للتعلم في هذا المجال واكتساب المهارات اللازمة.

يتابع قرصيفي كلامه “كان هناك اهتمام واضح من المشاركين في التدريب والمحاضرة بالمهارات التقنية مثل بحث الصور والأقمار الصناعية واستخدام محركات البحث بشكل أكثر دقة، كما طرحت أسئلة تقنية جداً ومرتبطة بإمكانية استعمال أدوات المصادر المفتوحة لحالات معينة وأفكار تحقيقات يعمل عليها المشاركون”.

هل يمكن التأسيس لصحافة استقصائية في سوريا الجديدة؟

يظهر العمل الصحفي ولا سيما الاستقصائي في مرحلة ما بعد الأسد كاستحقاق أودت إليه تضحيات صحفيين سوريين وأجانب أيضاً؛ وتضحيات سوريين غُيبوا في المعتقلات في سبيل نقل المعلومة والصورة، وهو ما يجعل المطالبة باتساع حرية الصحافة وإمكانية الحصول على المعلومات التي من شأنها خدمة الصالح العام والإحاطة بهموم الناس هو مطلب حقّ مستند إلى التضحيات السابقة، ولا تفضل فيه، شرط التزام المعايير المهنية والأخلاقيات الصحفية.

في إجابته على هذه السؤال، أوضح منار رشواني المدير المشارك في وحدة سراج للصحافة الاستقصائية، بأن هذه إجابة تنطوي على شقين؛ فالشق الأول مرتبط بوجود الكفاءات صحفية حقيقية استطاعت اكتساب الخبرة الكافية وإنجاز تحقيقات من العيار الثقيل سواء بشكل مستقل أو بالشراكة مع مؤسسات صحفية إقليمية ودولية عريقة.

وأما الشق الثاني يتعلق بتوفر بيئة اجتماعية وظروف سياسية تسمح بوجود وازدهار صحافة استقصائية، بحسب رشواني.

يقول رشواني في حديثه لموقع تلفزيون سوريا “هنا يمكن القول إن الصحافة عموماً لا يمكن أن تنتظر تشكل هذه بيئة، بل العكس. أي إن على الصحفيين، وضمنهم الصحفيون الاستقصائيون، ضمان خلق هكذا بيئة مؤاتية، من خلال فرض دورها الحامي لحقوق المواطن السوري كافة، الأمر الذي سيوفر حماية مجتمعية للصحافة، بما فيها الصحافة الاستقصائية”.

وبالحديث عن أهم الموضوعات التي تعالجها وحدة سراج من خلال تحقيقاتها الاستقصائية في الوقت الحالي، فأكد رشواني بأن أهداف سراج منذ تأسيسها لا ترتبط بهويات الأشخاص أو الحزب الحاكم بل إن المستهدف بالدرجة الأولى هو الإنسان.

ويتابع رشواني حديثه “المواضيع الجديرة بالطرح من خلال الصحافة الاستقصائية، هي تلك التي تؤكد على أهداف الثورة السورية، وتتمثل في ضمان العدالة الانتقالية، وتحقيق السلم الأهلي، والتأسيس لتنمية مستدامة من خلال تعزيز الشفافية والمساءلة، وصون حقوق الإنسان كافة”.

هل تصير الصحافة أداة كشف ومساءلة؟

تتفاوت آراء الصحفيين السوريين فيما يتعلق بمسألة حرية الصحافة وقدرتها على كسر الجليد أو تناول موضوعات شائكة ولا سيما في مجال التحقيقات والتحقيقات الاستقصائية.

 ومنذ سقوط نظام الأسد شهد العمل الصحفي في سوريا انتقالاً من الانتهاكات الممنهجة ذات الطابع الدموي المتمثلة بالاعتقالات والتغييب القسري وقتل الصحفيين، إلى مرحلة من السياسات الناعمة كالمضايقات والتضييق والتهميش والاعتقالات المؤقتة، تبعاً لاختلاف الجهات المسيطرة والمنطقة التي حصل فيها الانتهاك والحسابات السياسية والأمنية. وهو ما ورد متفرقاً في تقرير رابطة الصحفيين السوريين الصادر بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2026 بعنوان “حرية الصحافة في سوريا 2025: حرية المشهد وتحديات الحماية”.

في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أوضح مدير قسم الرصد والتوثيق في الرابطة محمد الصطوف بأن في الوضع السوري الراهن وعلى الرغم من الانفتاح النسبي على الحريات الإعلامية، إلا أن الصحافة بمفهومها العام لا تزال بحاجة أن تأخذ دورها المأمول بشكل تدريجي.

يقول “دور الصحافة الكاشفة لا يزال مفقوداً حتى يومنا هذا، أما الصحافة الاستقصائية فهي “وليدة” وتحتاج إلى التدريب والخبرة في استعمال أدواتها، ولا سيما مع صعوبة الوصول إلى المعلومات في حالة الانتقال التي تعيشها سوريا اليوم من دولة الفساد إلى مسار الإصلاح”.

وفي الرد على وجود ما يسميه بعض الصحفيين بسياسات التضييق الناعمة، أوضح مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام عمر حاج أحمد أن بعضهم ينظر إلى الإعلام على أن له الحق بكل شيء من دون أي ضوابط أو أنظمة.

يقول حاج أحمد “أما حول ما يُسمى بسياسات ناعمة للتضيق على الصحفيين فهي غير موجودة ضمن سياسة الوزارة، كما أن للعمل الصحفي كامل الحرية ما لم يتعارض ذلك مع الضوابط المجتمعية والأخلاقية”. مشيراً إلى أن المدونة ليست أداة رقابة جديدة إنما هي صون لحرية عمل الصحفي وصون لتماسك المجتمع وبناء الثقة بين الطرفين، بحسب قوله.

بين حرية الصحافة ودعاوى التشهير

لا يزال العمل بقوانين الجرائم الإلكترونية التي كان معمولاً بها في زمن النظام البائد مستمراً؛ إذ يتم تحويل بعض قضايا الصحفيين، وفي حالات قليلة تتلقاها وزارة الإعلام إلى القضاء؛ إذ أوضح مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام عمر حاج أحمد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا بأنهم تلقوا عدداً من الشكاوى على صحفيين ومؤسسات إعلامية متعلقة بخطاب الكراهية أو التحريض أو عدم المهنية في تحرّي الدقة والمصداقية، بحسب قوله.

كما أشار إلى أن التعامل مع هذه القضايا يكون بحسب نوع المحتوى الإعلامي؛ فمعظم الشكاوى التي وردت إلى “الإدارة العامة للشؤون الصحفية والتصاريح” جرى التعامل معها من خلال جلسات التوعية واسترشاد وتبيان نوع الخطأ.

أما في حال تكرار الشكوى أو وجود “انتهاكات أخلاقية ومهنية” بحسب وصفه، فإن ذلك يحيل الصحفي الفاعل إلى إجراء مسلكي خاص بالتصريح، وهي حالات قليلة لا تتجاوز الأصابع اليد الواحدة خلال العام الفائت، كما ذكر حاج أحمد.

وعن الإحالة إلى القضاء، يقول حاج أحمد لموقع تلفزيون سوريا “هناك عدة انتهاكات أخلاقية ومهنية الصحفي إلى القضاء مثل التشهير والافتراء والتجنّي أو التحريض الطائفي، ولم تبادر الوزارة إلا بإجراء وحيد بالتحويل إلى القضاء لكون المحتوى تضمن تحريضاً مع الإصرار عليه رغم التنبيهات والتعهدات بعدم التكرار”.

أما فيما يتعلق باستمرار العمل بقانون الجرائم الإلكترونية، برر المحامي عادل خليان ذلك على أنه ضرورة في المرحلة الانتقالية لعدم الدخول في فراغ تشريعي وريثما يتم إقرار تشريعات جديدة.

يقول خليان لموقع تلفزيون سوريا “إلغاء القوانين يحتاج وقت وآليات واضحة، والمشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في النصوص فقط، بل في الطريقة التي استُخدمت بها سابقًا لقمع الناس والصحافة، وهذا ما نرفض عودته مستقبلاً ونخشاه”.

كما أوضح خليان أنه تابع عدداً من دعاوى التشهير في الآونة الأخيرة، والتي قد تتحول بحسب رأيه إلى وسيلة ضغط على الصحفيين وهو ما سينعكس سلبًا على العمل الصحفي ويدفع بكثيرين إلى التراجع أو الصمت حتى في القضايا التي تمس حياة الناس وهمومهم.

ويبدي خليان موافقته من ناحية قانونية على مدونة السلوك الإعلامي التي أطلقتها وزارة الإعلام على الرغم من كونها جهة تنفيذية، ويقترح “قضايا النشر يجب أن تُعالج مدنيًا لا جزائيًا، مع وجود قانون إعلام عصري وهيئات مستقلة تنظم المهنة وتحمي الصحفي بدل ملاحقته”.

تلفزيون سوريا

——————————-

====================

تحديث 28 شباط 2026

——————————–

«مدونة السلوك» تفتح باب النقاش بين الصحفيين/ زينة شهلا

ما هو مستقبل هذه الوثيقة التي أطلقتها وزارة الإعلام، وما مدى إلزاميتها؟

26-02-2026

        خلال الأيام الفائتة، اشتعل النقاش بين الصحفيين والإعلاميين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حول «مدونة السلوك المهني والأخلاقي للإعلام في سوريا»، التي أطلقتها وزارة الإعلام ضمن حفل ضخم في العاصمة دمشق، تزامن مع إعلانات طرقية كبيرة ملأت شوارع المدينة تروج للمدونة «كخطوة نحو إعلام حر ومسؤول».

        جاء في مقدمة المدونة التي تمتد على 112 صفحة، والتي أعدتها «لجنة وطنية مستقلة»، أنها «تقوم بدور الإطار المرجعي الذي يوجه العاملين في القطاع الإعلامي، ويعرّفهم بحقوقهم وواجباتهم، كما تُشكّل معياراً لتقييم عملهم، وتجسّد المسؤولية الاجتماعية للعاملين في المجال الصحفي… وهي تشمل المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في الإعلام، والصحفيين والإعلاميين وصانعي المحتوى والمؤثرين والمواطنين الصحفيين».

        كما بيّن مدخلُ المدونة أن النقاشات التي أفضت إلى صياغتها شارك فيها مئات الصحفيين والمواطنين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى على مواقع التواصل، وممثلون عن الإعلام المستقل والرسمي والخاص، وبمشاركة الجمهور من مختلف الشرائح الاجتماعية. وإلى جانب المدونة المُفصّلة، هناك «وثيقة شرف» وهي نسخة مختصرة تركز على المبادئ الأساسية، وكذلك ملحق مخصص لصناع المحتوى.

        وتتضمن المدونة تعريفات، وعشر مواد تُركّز على الواجبات والمعايير الأخلاقية، وخطاب الكراهية، والسلم الأهلي، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والذكاء الصناعي، وحماية الخصوصية والبيانات، والمشاركة والمسؤولية والمساءلة، وغيرها من البنود. وقد صدرت بثلاث لغات هي العربية والإنكليزية والكردية.

        وكتب وزير الإعلام حمزة المصطفى على منصة X بالتزامن مع صدور المدونة، بأنها «لا تُمثل بديلاً عن القانون لكنها ستكون ملزِمة إجرائياً وفق آليات شفافة ومستقلة، وهي ثمرة جهد تشاركي ووثيقة صاغها أكثر من 1000 صحفي وإعلامي من مؤسسات وأطياف مختلفة على مدار 6 أشهر تُوج بميثاق شرف ومدونة نوعية قلّ نظيرها وندر مثيلها من حيث المضمون».

        ما هي أبرز الانتقادات؟

        رغم إقرار كثير من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي بأهمية وجود مدونة ضابطة للعمل الإعلامي في سوريا في المرحلة الحالية التي تتسم بكثير من الفوضى، وانتشار غير مسبوق وخطير للخطاب التحريضي والعنيف، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أي ضوابط، كانت الانتقادات التي طالت المدونة وإطلاقها من قبل وزارة الإعلام هي الحاضر الأبرز في كثير من النقاشات.

        ومن خلال متابعة آراء متنوعة عبر صفحات ومجموعات لصحفيين وفاعلين في المشهد الإعلامي، رصدنا أن أبرز هذه الانتقادات يتركّز أولاً على إصدار المدونة برعاية مباشرة من وزارة الإعلام، وهي جهة تنفيذية لا يُفترض بها القيام بهذا الدور المنوط بالأجسام النقابية. في حين إن الوزارة أشارت في تصريحات عدة إلى أن مهمتها كانت مُقتصرة على تنظيم وتسهيل عقد الورشات التي أفضت لصياغة المدونة، دون أي تدخل في شكلها ومحتواها.

        وفي هذا الصدد يقول عماد الطواشي نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، إن «الإشكالية لا تكمن في المدونة في حد ذاتها بل في التعدي على الأدوار والصلاحيات بين وزارة الإعلام والنقابات المهنية في سوريا. على الرغم من الحديث عن إشراك الاتحاد في إحدى ورشات إعداد المدونة، ومشاركة بعض أعضاء رابطة الصحفيين في ورشة أخرى، أصرت الوزارة في نهاية المطاف على التفرّد بإطلاق المدونة، وهو ما نعدّه أمراً بالغ الخطورة، ولا سيما في ظلّ التوجه لتحويلها إلى أحد شروط منح التراخيص للمؤسسات الإعلامية، بما ينقل المدونة من إطارها الأخلاقي الطوعي إلى نص ذي طابع قانوني وإلزامي، خلافاً لما هو معمول به في جميع التجارب المقارنة، فضلاً عن تساؤلات مشروعة تتعلق بآلية متابعة المدونة، والجهة التي ستُكلَّف بتلقي الشكاوى، ومدى استقلالية هذه الجهة».

        يُضيف الطواشي أن «ثمة خلطاً بين المدونة وبين الضوابط القانونية والأخلاقية التي تصدر عادة عن الهيئات المستقلة لتنظيم الإعلام السمعي البصري، وهي هيئات يقع في صلب مهامها دمقرطة المنظومة الإعلامية، والنهوض بالخدمة الإعلامية العمومية، وترسيخ قيم التعددية وحرية التعبير والإعلام، فضلاً عن حماية حقوق الجمهور».

        وكانت الرابطة قد أصدرت قبل إطلاق المدونة بياناً رافضاً لها، جاء في نصه بأن «أي مدونة، مهما كانت صياغتها، لا تنبثق عن النقابات المستقلة، تظل فاقدة للشرعية المهنية».

        وهنا تُضيف الصحفية سعاد جروس: «كنا نتمنى لو أن مبادرة وضع المدونة صدرت عن الإعلاميين بعيداً عن الحكومة، إلا أن غياب مبادرة من التجمعات أو الأجسام الإعلامية المستقلة لإطلاق، أو إعادة إطلاق، ما سبق أن وضعته من مدونات، وجمع أكبر عدد ممكن من الإعلاميين حولها، يجعلنا نتريث برفض مبادرة وزارة الإعلام، ناهيك عن أن الوزارة يحق لها إصدار مدونة تُعتمد في المؤسسات التابعة لها التي نطمح، لا شك، لأن تكون إعلام ‘دولة’ لا إعلام ‘حكومة’».

        وتتساءل جروس عن سبب تأخر الأجسام الصحفية، وتحديداً اتحاد الصحفيين المعين تعييناً، في الدعوة إلى حوار أو مؤتمر إعلامي يدرس القضايا الراهنة ومشكلات الإعلام السوري، رغم الحاجة الإسعافية لضبط الفوضى التي تشكل خطراً مباشراً على الاستقرار المجتمعي.

        يُضيف سيروان حاج حسين المدير العام لراديو «آرتا»، أن ربط الالتزام بالمدونة بالحصول على الترخيص يُثير تساؤلات جدية، خاصة في ظلّ غياب الشفافية الكاملة في نظام التراخيص. «حتى الآن، لا تزال معايير منح التراخيص، ومدد الإجراءات، وآليات القبول أو الرفض غير واضحة بما يكفي. كما نرى أن العلاقة بين الوزارة والمؤسسات الإعلامية تحتاج إلى إطار واضح يُحدِّد معايير التعامل وحقوق وواجبات كل طرف، ويضمن الشفافية والمساواة وعدم الانتقائية، فالأخلاقيات تُبنى بالممارسة والاقتناع والتدريب، لا بالاشتراط الإداري فقط».

        وكان راديو «آرتا» قد وجّه، قبل نحو أسبوعين، رسالة مفتوحة إلى وزير الإعلام، بخصوص ملف الترخيص المُعلق منذ نحو عام دون صدور قرار نهائي بشأنه.

        شملت انتقاداتٌ أخرى آلية إعداد المدونة والورشات التي رافقتها، ومن تمت دعوتهم-ن إليها، ومن يمثلون من مؤسسات، وما إذا كانوا جميعاً صحفيين وعاملين في القطاع الإعلامي. وأشار البعض إلى ورود أسماء ضمن قائمة من حضروا الورشات لم يكونوا موجودين فيها فعلاً، أو إلى كون بعضهم من أصحاب الخطابات التحريضية على مواقع التواصل وفي صفحاتهم الشخصية، وهو ما يتعارض مع فكرة المدونة في حد ذاتها.

        كمثال على ذلك، يتحدث الصحفي ميكاد أحمد، رئيس تحرير منصة درعا 24: «لم تتم دعوتنا لأي جلسة نقاش. عندما يُروّج للمدونة على أنها نتاج تشاور واسع، فمن الطبيعي أن نسأل عن أسس اختيار المشاركين. خاصة وأن عملنا معروف حتى لدى وزارة الإعلام نفسها. أي وثيقة ‘وطنية’ يجب أن تُبنَى بمشاركة أوسع من مختلف المنصات، الرسمية والمستقلة والمحلية». يطرح ذلك أيضاً تساؤلات حول مدى تمثيل كل الجغرافيا السورية في المدونة، خاصة تلك التي لم تحضر فيها بعد حكومة دمشق المركزية.

        يُضيف ميكاد: «هناك تفاصيل أخرى نتحفظ عليها، فلماذا يُربط تعريف المؤسسة الإعلامية بكونها مرخصة؟ هناك منصات محلية مستقلة تعمل بمعايير مهنية واضحة، حتى لو كانت تواجه تعقيدات إجرائية مرتبطة بالتراخيص. ولماذا تُركّز المدونة على واجبات الإعلامي أكثر من حقوقه؟ إلى جانب ذلك، تتضمن المدونة تعاريف فضفاضة، ساوت بين أدوار مهنية مختلفة دون تمييز واضح بالمسؤولية التحريرية، ولم تبيّن مثلاً الحد الفاصل بين النقد الحاد والاستقصاء الجدي، وبين اعتبار الكلام تهديداً للسلم الأهلي، وإذا لم يكن هناك توازن صريح يحمي حرية النقد ستكون هناك مساحة رمادية مقلقة. كما أن المدونة لا تُوضح ما إذا كانت مجرد إطار أخلاقي طوعي أم قد تتحول لاحقاً إلى مرجعية لإجراءات تنظيمية، وهذا يثير تساؤلات كبيرة لأن الفارق كبير بين أن ‘نلتزم أخلاقياً’ وأن ‘نُحاسب إدارياً’».

        ويقول كخلاصة: «نحن لا نخاف من وجود تنظيم أو إطار أخلاقي، لكن نتمنى أن يكون نابعاً من الوسط الإعلامي نفسه، وبمشاركة حقيقية، ليكون لدينا شعور بالشراكة، وليس أننا فقط متلقّون لوثيقة جاهزة».

        وضمن السياق نفسه، تقول الصحفية رزان عمران إن «وضع مدونة سلوك إعلامي خطوة إيجابية، متأخرة للغاية، وإسعافية في ظلّ غياب تشريع يُجرّم خطاب الكراهية. المدونة غير مُلزمة نعم، لكنها قد تكون وسيلة للتحايل على وقت ضائع، ينتظر فيه الصحفيون قانوناً يقف في وجه خطاب منفلت، خلق مناخاً مُدمّراً طوال عام». وترى رزان عمران بأن أهم مزايا المدونة «تعريف خطاب الكراهية بدقة لا تحتمل التأويل» على حدّ وصفها، لكنها في الوقت ذاته تستنكر «رؤية بعض الموقعين عليها ممن يحملون خطاباً شعبوياً تحريضياً متناقضاً مع روحها، على الأرجح رغبةً منهم في ركوب موجة وعي أو كسب مكانة ما، أكثر من كونه قراراً بالتراجع عن خطابهم السابق».

        «خطوة أولى ضمن مسار أطول»

        تحدثت الجمهورية.نت إلى أكرم الأحمد، وهو عضو لجنة صياغة مدونة السلوك، الذي يرى بأن الاعتراضات على دور وزارة الإعلام مفهوم ومبرر، ويضيف: «المشكلة أننا أمام قطاع إعلامي يشهد تزايداً حاداً في خطاب الكراهية والشائعات والتضليل، ونحن في مرحلة من التحولات التي تحتاج إلى العمل على مراحل، مع وجود دور للحكومة في تنظيم القطاع وإلزام الإعلام الحكومي، الذي يُشكل نحو 70 بالمئة من مجمل القطاع في سوريا، وقد حدث ذلك، ويحدث، في بلدان عدة خرجت من نزاعات، وكذلك في كثير من البلدان المجاورة».

        ينوه الأحمد، وهو رئيس مجلس إدارة هيئة «ميثاق شرف للإعلاميين السوريين» ومدير «المركز الصحفي السوري»، إلى أن دور الوزارة «كان تيسيراً تمكينياً دون أي رقابة على محتوى المدونة». وقد اختير أعضاء لجنة الصياغة، بحسب وصفه، ممن «لهم سجل مهني وخبرة فنية في هذا المجال وقدرة على تصميم المنهجية وقيادة النقاشات، كما اختير الصحفيون مع مراعاة التنوع وفتح باب المشاركة للجميع في ورشات عُقدت بشكل افتراضي». أمّا صناع المحتوى، فكان حضورهم، بحسب الأحمد «ضرورياً لكونهم باتوا مصدراً للأخبار والمعلومات لشريحة واسعة من المجتمع، في حين أنهم يفتقرون عموماً لمعايير واضحة وقواعد مهنية للعمل، ما يعني ضرورة إطلاعهم عليها بغرض التخفيف من خطاب الكراهية والتضليل، وبالفعل فإن جزءاً منهم كان يستمع إلى هذه القواعد للمرة الأولى في حياته». ويُضيف: «المشاركة لا تعني تبييض السجل أو إعطاء حصانة».

        ويتمنى الأحمد لو أن هذه الاعتراضات جاءت في وقت أبكر، إذ أعلنت الوزارة، وفق قوله، منذ شهر نيسان (أبريل) الفائت أنها تعمل على إعداد المدونة، كما يأمل في «توجيه نقد أكبر للمحتوى، وأن تتمكن الأجسام المستقلة من الضغط لتشكيل أداة رقابية فعالة».

        أمّا بخصوص موضوع ربط التوقيع على المدونة بالحصول على تراخيص العمل من وزارة الإعلام، يقول مدير الشؤون الصحفية والتراخيص في الوزارة عمر حاج أحمد، إن «المدونة هي التزام وتنظيم ذاتي، ويشترط للترخيص وجود نظام داخلي ومدونة سلوك مهنية معيارية لكل مؤسسة إعلامية، لكن غالبية المؤسسات التي تقدمت بطلبات الترخيص لا تملك كليهما أو على أقل تقدير مدونة سلوك مهنية معتمدة عالمياً أو محلياً، ولذلك ستكون كل مؤسسة تنطبق عليها هذه الحالة، ملزمة بمدونة السلوك كوثيقة استرشادية لعملها الإعلامي بعد الترخيص».

        وبخصوص بطاقات العمل الصحفي يُضيف: «نظراً إلى تبني كل من الوزارة واتحاد الصحفيين للمدونة، فمن الطبيعي أن يكون الصحفي ملتزماً ومتبنّياً للمدونة كوثيقة ناظمة وضابطة لعمله الصحفي، وأن يتحلّى بتلك المعايير الأخلاقية والمهنية وأن يبتعد عن كل ما يخلّ بالدقة والمصداقية وعن خطاب التحريض والكراهية».

        ماذا بعد؟

        مع كل هذه المآخذ، لا يزال النقاش بشأن مدونة السلوك مستمراً. البعض يراه أمراً صحياً، على أمل أن يتطور لإصدار قانون ناظم للإعلام يحمي الإعلاميين والمهنة، ولا يتحول إلى أداة لقمع الحريات، فيما يذهب آخرون إلى مواقف حادة تصل إلى حدّ المطالبة بإلغاء المدونة الحالية وإطلاق مسار جديد من الصفر.

        وهنا يُشير أكرم الأحمد إلى أن «إطلاق المدونة هو الخطوة الأولى في طريق طويل يتضمن مسارين متوازيين، إلى جانب مراجعة المدونة سنوياً والأخذ بكل الانتقادات على محمل الجد. يتمثل المسار الأول في توطينها داخل المؤسسات، خاصة الإعلام الوطني، من خلال تحويلها إلى سياسات تحريرية وأدلة عمل ونظم داخلية وبروتوكولات، ويتمثل المسار الثاني في بناء مجلس للتعريف بالمدونة والتدريب عليها والرصد وتلقي الشكاوى والتقييم والمتابعة». وفي ما يتعلق بهذا المجلس، يرى الأحمد أن الأفضل أن يكون مستقلاً، أو مع وجود حكومي تشاركي ضمن حدود وصلاحيات محددة.

        من وجهة نظر رابطة الصحفيين السوريين، فالأولوية اليوم هي لإنشاء «هيئة مستقلة لتنظيم البث»، و«مجلس الصحافة»، على أن يترافق ذلك مع إطار قانوني ضامن لحرية العمل النقابي واستقلاليته، ومع شراكة حقيقية في إعداد مسودات جديدة لقانون الإعلام، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقانون مكافحة خطاب الكراهية. «من خلال وضع هذه الملفات في سلة واحدة متكاملة، يمكننا ضمان وضوح وتكامل الأدوار بين السلطة التنفيذية، والنقابات المهنية، والهيئات المستقلة، بما يؤسس لمنظومة إعلامية حديثة بسقف عالٍ من حرية التعبير والرأي والعمل النقابي»، يُضيف عماد الطواشي.

        ووفق رأي رزان عمران، فإن الالتزام الفعلي وحده هو المهم، ويمكنه إحداث الأثر المطلوب على المدى الطويل. وتطرح مثالاً على ذلك إصدارَ مجموعة من الصحفيين في الساحل السوري ميثاقاً مشابهاً من 12 بنداً يتوافق تماماً – بإيجاز – مع بنود المدونة، لا سيما من ناحية المسؤولية المجتمعية واحترام الكرامة والموافقات المستنيرة، وتُضيف: «نتابع ما ينشره بعضنا بعضاً كنوع من الرقابة، وهذا أقصى ما يُمكن عمله، بانتظار قانون ومحاسبة فعلية بحق إعلاميين برّروا جرائم أو حرّضوا على جماعة علناً أو ساهموا بتنميط مجحف لمجتمعات بأكملها».

        ويطرح ميكاد أحمد في نهاية حديثه مجموعة من التساؤلات: «هل ستكون المدونة مُلزمة فعلاً لكل من يعمل في المجال الإعلامي وينتج محتوى مؤثراً على الرأي العام سواء كان ضمن مؤسسات رسمية أو مستقلة أو حتى عبر منصات التواصل؟ وهل ستُطبق المعايير نفسها على الجميع، دون استثناء أو انتقائية؟ وهل ستُلزم ‘المؤثرين’ وبعضهم أساس خطاب الكراهية، وقد كانوا مدعوين لحفل إطلاق المدونة؟».

موقع الجمهورية

——————————-

 ميثاق الشرف الإعلامي وأسئلة الثقافة السورية/ علي سفر

الجمعة 2026/02/27

بينما ينشغل جزء كبير من العالم بتطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي لضبط المحتوى، يجد السوريون أنفسهم حالياً أمام سؤال أكثر بدائية وجوهرية: كيف نضبط أنفسنا، في الحوار وصناعة الخبر، والإبداع؟ هذا السؤال يصبح إشكالياً في مشهد تتداخل فيه الأدوار والمفاهيم، ويختلط الجانب القانوني بالأخلاقي والمهني!

وتبعاً للوضع الراهن يصبح إطلاق وزارة الإعلام السورية، ميثاق الشرف المهني، أمراً يتجاوز حدود الوسط الإعلامي، ليصل في تضاعيفه إلى كافة المجالات التواصلية الأخرى، وفي مقدمتها الثقافة. حيث إن المضمون الأخلاقي للميثاق يبدو صالحاً لأن يحضر في عمل المثقفين أيضاً.

فكرة “ميثاق الشرف” لم تكن، ومنذ ظهورها في بدايات القرن العشرين، ترفاً مهنياً أو بنوداً تُعلق في مكاتب التحرير، بل كانت محاولة لوضع مسار أخلاقي واضح لدى العاملين في المهنة. غير أنها في التجربة السورية، التي مرت بأطوار عديدة، يغلب عليها الإضراب، وأمست “خريطة أخلاقية” لبلد تاهت فيه الحدود بين الخبر والرصاصة، وبين الحقيقة والبروباغندا. فهي محاولة لتأسيس “عقد أخلاقي” في مجالٍ عام دمّره الاستقطاب، حيث لا تكتفي المعايير بالنزاهة والموضوعية، وإنما ترسّخ قيماً ثقافية أوسع، مثل احترام الكرامة الإنسانية، وحماية الذاكرة الجماعية، ورفض التنميط، وتعزيز خطاب جامع يحترم التعدد. وإذا نظرنا إلى هذه القيم من منظار أوسع، لوجدنا أنها ليست قواعد تقنية، بل رؤية ثقافية للعالم.

تأثير الفكرة بذاتها ينتقل أيضاً إلى المجالات الثقافية أيضاً، وهنا لا يصبح الإجراء هو محور القصة، بل الأخلاق، فحيثما كانت الفوضى والتسيب، كان لا بد من البحث عما ينقّي الهواء مما يقتل الإبداع أيضاً. فقد عاش الإعلام السوري لعقود، تحت وطأة “المرجعية السلطوية”. لم يكن الصحافي السوري باحثاً عن الحقيقة، بقدر ما كان “جندياً” في فيلق الولاء. في تلك الحقبة، لم يكن خرق الأسس المهنية جريمة، طالما أن “المُخترِق” يسبح بحمد السلطة. كان “ميثاق الشرف” غير المكتوب يتلخص في جملة واحدة: “الولاء قبل الأداء”.

هذا الإرث الثقيل أرخى بظلاله على المجالات الإبداعية كافة. فما جرى في عالم الصحافة، وجد نظائره في الثقافة الإبداعية كالسينما والمسرح والتشكيل والموسيقى والكتابة والنشر، وكذلك في صناعة الدراما التلفزيونية، وبما يشكل مشهداً واحداً، كان لا بد لثورة 2011 أن تلحظه ضمن مشروع التغيير المأمول.

أولى المحاولات لكتابة وثيقة أخلاقية تحمل عنوان ميثاق الشرف، بدأت حين مع ولادة “الإعلام البديل” من رحم التظاهرات. فجأة، وجد ناشطون أنفسهم يحملون كاميرات وهواتف ذكية، ليغطوا المجازر الدموية وهجمات السلاح الكيماوي، من دون أن يمروا يوماً بمدرجات كليات الإعلام. هؤلاء “المواطنون الصحافيون” أتوا بفطرة نضالية، لكنها افتقرت أحياناً إلى الضوابط التي تحول دون انزلاق التغطية إلى “استثمار في الألم”. ومن هنا نبعت الحاجة الملحّة إلى المواثيق؛ إذ جاءت استجابةً ضرورية لتنقية الهواء الذي كاد يقتل الإبداع والمهنية معاً تحت ضغط الدم والبارود.

الميثاق، في جوهره، ومن خلال الأسئلة التي طرحها هؤلاء في جلسات النقاش حول أخلاقيات العمل، يعيد تعريف “اللغة”. حين يضع “الكرامة الإنسانية” في المركز، فإنه يتجاوز إضافة بند تقني إلى طرح سؤال حارق على كل إعلامي: ماذا لو كانت معلومتك صحيحة لكنها تقتل صاحبها؟ هنا ينتقل المعيار من “صحة المعلومة” إلى “أثرها في الإنسان”. هذا التحول يتجسد في الفرق بين مصوّر يقتحم خصوصية أمٍّ مفجوعة بجثة طفلها سعياً وراء “تفاعل”، وصحافي يصون حُرمة الموت.

التركيز على “حماية الذاكرة الجماعية” يفتح جرحاً ثقافياً يتجاوز الإعلام، ليصل إلى الأدب والفن. فالذاكرة السورية اليوم مادة سردية مشتعلة وقابلة للتأويل. وحين يُلزم الميثاق الإعلاميين بعدم تمجيد الجناة، فإنه يبني “سداً أخلاقياً” يحول دون كتابة التاريخ بدم الضحايا. هذا الالتزام يصون الضحايا من إعادة إنتاج الإهانة، ويؤسس لإطار أخلاقي في التعامل مع الماضي، يمتد تلقائياً إلى السيناريو والرواية واللوحة التشكيلية.

وهنا تكمن العقدة. فالنص يرتبط دائماً بكاتبه. والثقافة السورية، التي خبرت طويلاً علاقة غير متكافئة مع السلطة، تميل إلى قراءة الوثائق الرسمية بحذر شديد. لذلك، حين تبنّت وزارة الإعلام الميثاق، برزت تساؤلات حول طبيعته وحدوده: أهو تعبير عن التزام أخلاقي جامع؟ أم إطار ضبط جديد بأسماء لامعة؟

الإشكالية لا تتمثل في البنود المتعلقة بالسلم الأهلي ورفض خطاب الكراهية، وإنما في موقع السلطة التي تعلنها. فالصحافي الذي عاش تجربة “مقص الرقيب” لسنوات، يتوجس من تحوّل مفردات مثل “اللُّحمة الوطنية” أو “المسؤولية الاجتماعية” إلى أدوات تضييق على النقد السياسي. جوهر المسألة يكمن في بناء الثقة، فالميثاق الصادر عن القاعدة المهنية يُفهم بوصفه حماية للحرية، بينما يُقرأ الميثاق الصادر من أعلى بوصفه آلية ضبط.

تجلّى أثر فكرة الميثاق باكراً في أوساط كتّاب السيناريو. فقد شكّل اجتماعهم العام 2020 لصياغة ميثاق أخلاقي خاص بهم، تعبيراً عن تململ من فوضى شركات الإنتاج التي تتعامل مع المنتج الفني كسلعة استهلاكية، ومع الكاتب كمنفِّذ لمتطلبات السوق والمموِّل، في بيئة شهدت ممارسات أضرّت بالعلاقات المهنية وبأخلاقيات الكتابة. هذا الوعي الذاتي يمكن وصفه بـ”ثقافة الانتباه”، أي إدراك أن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية. فرفض التنميط وخطاب الكراهية في الدراما، يمثل ممارسة أخلاقية تعيد تهذيب الذائقة العامة. وعندما تكفّ الدراما عن اختزال المرأة السورية في صورة الضحية المستسلمة أو التابعة، وحين تتخلى عن تنميط سكان العشوائيات بوصفهم “بلطجية”، فإنها تسهم في إعادة تشكيل نظرة المجتمع إلى ذاته.

ومن أكثر البنود حيوية، ما يتعلق بالفئات الهشة: الأطفال، النساء، ذوي الإعاقة. هنا يتحقق الانتقال من الحياد البارد إلى العدالة التمثيلية. فمواجهة “استثمار الألم” تعني ثقافياً ترسيخ مبدأ صون الكرامة حتى في لحظات الفضيحة أو الصدمة. ومع ترسخ هذا المبدأ، تتبدل طريقة استهلاك الصورة. يصبح المشاهد شريكاً في الميثاق، ويتبنى حساسية أعلى تجاه الإثارة الرخيصة القائمة على استغلال المعاناة. وهكذا يتحول الميثاق من إطار مهني إلى وعي مجتمعي يعيد ترتيب أولويات المجال العام، من صراع السرديات إلى صون الإنسان.

في المشهد الراهن، يدرك إعلاميون خبروا إشكالات المهنة أن ميثاق الشرف الإعلامي يشكل بداية حوار يعكس تحولاً نحو مركزية الإنسان. غير أن أسلوب التعاطي معه يظل محور الإشكال، إذ قد ينزلق إلى معيار إقصائي إذا احتكرت جهة واحدة تفسيره. كما أن التحدي الذي يواجه المشتغلين في المجالات الإبداعية، يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حماية السلم الأهلي من خطاب الكراهية، وصون حيوية المخيلة وقدرتها على مساءلة المسلَّمات. الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج بأن الميثاق جزء من حوار الثقافة مع ذاتها، وكلما بقي هذا الحوار مفتوحاً ومستقلاً عن وصاية السلطة، حافظ على مرونته وارتقى مع نمو الوعي بالحرية والمسؤولية

المدن

—————————

 بعد مدونة السلوك.. من يطبق ومن يراقب وكيف؟/ علي عيد

منتصف شباط الحالي، رعت وزارة الإعلام السورية حفل إشهار مدونة السلوك المهني لقطاع الإعلام في سوريا، بعد نحو ستة أشهر من العمل المتواصل، ومثل كثير من القضايا، ثارت تكهنات حول إلزامية تطبيقها، وكذلك حجم التدخل الحكومي فيها.

لم تكتب وزارة الإعلام المدونة، ولم تتدخل في صياغة حرف واحد فيها، لكن رعايتها ودعمها لاقى استهجانًا، في حين أن مثل هذا الأمر يحصل في كثير من دول العالم، وأسوق مثالًا قريبًا هو “ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الأهلي في لبنان” الذي أطلق في لبنان عام 2013، إذ بدأ العمل عليه انطلاقًا من تعاون برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام، ثم بعد الصياغة اطّلع عليه رؤساء تحرير ومديرو نشرات أخبار ومسؤولو صفحات تم اختيارهم من قبل مديري المحطات والوسائل الإعلامية المشاركة. سُقت تجربة لبنان للدلالة على أن الظروف قد تدفع لوجود إطار حكومي داعم لا متدخّل، لكن 34 جسمًا بين صحيفة وإذاعة وتلفزيون وتشكيل نقابي قامت بالتوقيع، ومن بينها الإعلام الرسمي، وهو ما تظهره وثائق نشرتها الأطراف المشاركة وبينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام اللبنانية.

ما يفيد اليوم، هو الإجابة عن سؤال: ماذا بعد إطلاق المدونة في سوريا؟ في ظل فوضى نشر وإعلام مضلل وخطاب كراهية، يهدد حق الناس في المعرفة بل ويتسبب في تحريض وانقسامات مجتمعية.

تُركت مدونة السلوك للقطاع الإعلامي في سوريا مفتوحة أمام التطوير والتعديل، حسب الحاجة، كما لم يجرِ البت في طبيعة الجهة أو الجسم الذي سيراقب تطبيقها، وينظر في آليات المساءلة والمتابعة لتحقيق الهدف المرجو من المدونة.

لننظر أولًا إلى الاحتياجات الداعمة لعمل المدونة، إذ يتطلب الأمر عددًا من الجوانب أهمها:

    إدخال مفاهيم المدونة في سياسات وأدلة التحرير لوسائل الإعلام الراغبة بالتوقيع عليها.

    تنظيم دليل شارح لمضامين المدونة وطرق التطبيق.

    إجراء تدريبات واسعة للوسط الصحفي حول المعايير الأخلاقية والمهنية الواردة في المدونة.

    إنشاء آلية للمتابعة والمراقبة والتقييم وإصدار التقارير الدورية.

وفيما يتعلق بآلية المتابعة والمراقبة، يمكن طرح عدد من السيناريوهات المحتملة بينها:

    تنظيم ذاتي خالص، عبر دعوة أصحاب المصلحة لتشكيل هيئة أو لجنة للمتابعة، تكون ممثلة لوسائل الإعلام، والمنظمات المهنية، وصانعي المحتوى.

    تنظيم مشترك بين الإعلام الرسمي والخاص، بحيث تتولى وزارة الإعلام تقديم الدعم اللوجستي أو التنظيمي، مع الحفاظ على استقلالية في قرار اللجنة أو الهيئة.

    تكليف إحدى منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بالقطاع، مع وجود منظمات اكتسبت خبرة خلال السنوات الماضية، مثل “هيئة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين”، وهي شبكة سورية تضم حاليًا 24 مؤسسة إعلامية، تهدف إلى تعزيز البعد الأخلاقي والمهني عند كوادر المؤسسات الأعضاء، وتضم لجنة شكاوى متخصصة، تنظر في المخالفات على أكثر من مرحلة.

    تشكيل هيئة على غرار “”Office of Communications، المعروفة اختصارًا بـ”Ofcom”، والتي أنشئت عام 2003 وفق تشريع قانون “Communications Act 2003” عن البرلمان البريطاني. وتم دمج خمس هيئات تنظيمية في كيان واحد، وصدرت عنها “مدونة البث” (Broadcasting Code) الملزمة قانونيًا لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، علمًا أن “Ofcom” هيئة مستقلة قانونيًا عن الحكومة، لكنها مسؤولة أمام البرلمان، وتمويلها يأتي من رسوم الترخيص التي تدفعها شركات البث والاتصالات، لا من ميزانية وزارة مباشرة، بحيث لا يكون الاستقلال بمعنى الانفصال عن الدولة، بل بمعنى تنظيم العلاقة معها.

المقارنة بالمثال البريطاني تستدعي النظر باختلاف السياق القانوني والسياسي بين بريطانيا وسوريا، ما يجعل تطبيقها صعبًا في المدى القريب.

من الأجدى اليوم التفكير في آليات التطبيق إذا تبين أنه لا مشكلة في مضمون مدونة السلوك التي رعت إطلاقها وزارة الإعلام، ولا بأس في الجدال الذي يعبر عن حيوية القطاع الإعلامي في سوريا، بل هو مطلوب، ويشير في عمقه إلى تحول بارز في الحريات الصحفية وفق ما يقوله الصحفيون أنفسهم، لكنه بحاجة إلى تعزيز وتثبيت، عبر الإسهام الإيجابي، وأخذ المبادرة، مع عدم نسيان الوظيفة الأساسية للإعلام، وهي مصلحة الجمهور لا تشتيته، واعتباره شريكًا في التنمية لا عامل ضعف، ومساحة لتوسيع الهوامش السياسية والمشاركة لا التضييق، وفاعلًا أساسيًا في السلم المجتمعي لا أداة تحريض أو تضليل.

بعد صدور المدونة، يحتاج القطاع الإعلامي إلى رؤية واضحة ومتكاملة، تضمن مصالحة، وتضبط مساره دون تقييد، وهو ما يتطلب مشاركة ومساهمة الجميع دون استثناء، وبإيجابية.

ليس من الصعب تدبيج البيانات، لكن الأهم الجسارة والاستعداد لتولي الدور، وتحويل ما هو حاصل إلى فرصة.

سوريا اليوم تحتاج إلى تضافر الجهود، ومن فاتته المشاركة أمس، يمكنه أن يتلمس مكانه على الطاولة، دون مبالغة في الدوران داخل حلقة مفرغة بينما تمضي الأمور إلى الأمام. وتحقيق ذلك لا يكون بالجلبة على من احتفل، بل بأخذ المبادرة ومنع أي تغوّل أو تعدٍّ لجهة تنفيذية، بل البناء على ما أُنجز.. وللحديث بقية.

عنب بلدي

——————–

هل تجدي مدونات السلوك في سورية/ عبسي سميسم

22 فبراير 2026

بعد صدور العديد من مدونات السلوك الخاصة ببعض الوزارات وبعض الهيئات في سورية، أعلنت وزارة الإعلام أخيراً إصدار مدونة سلوك خاصة بالإعلام السوري، في توجه عام يبدو إما أنه يهدف فعلياً إلى ضبط السلوكيات الخاصة ضمن مختلف قطاعات الحكومة، بالتوازي مع مسار العدالة الانتقالية، وبعد حالة الاستقطاب الحاد التي شهدتها البلاد، أو أن الهدف منه توجيه رسائل تطمين للخارج، للدلالة على جدية الحكومة في ضبط ما حصل من تجاوزات سابقة، جزء منها قام به جزء من مكونات السلطة.

إلا أن ما يميز مدونة السلوك الخاصة بالإعلام عما صدر من مدونات هو أن مدونات السلوك، التي صدرت سابقاً لم تكن مدونات سلوك أخلاقية إنما دليل سلوك ملزم، قامت بوضعه الجهة أو الوزارة المختصة لضبط سلوكيات منتسبيها، ومحاسبة من يخالف هذا الدليل، (في حال كان هناك جدية في تطبيقه)، فيما مدونة السلوك الخاصة بالإعلام كانت عبارة عن ميثاق شرف أخلاقي موسع، وغير ملزم، صاغته مجموعة من الصحافيين المستقلين، هدفه تحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية والمهنية التي يتوجب أن يتمتع بها العامل ضمن قطاع الإعلام. وضمت هذه المدونة، التي شاركت في صياغتها، نوعين من المعايير التي يتوجب على الصحافي اتباعها، الأول مهني يتعلق بالمسؤولية المهنية التي تفضي مراعاتها لكتابة محتوى إعلامي متوازن وموضوعي وموثوق، والثاني أخلاقي من شأن الأخذ به تجنيب الصحافي سقطات أخلاقية، وملاحقات قضائية.

ولكن هل تحل مدونات السلوك مشكلة الاستقطاب الكبير الحاصل في البلاد، وهل بإمكانها التخفيف من الانتهاكات في كل المجالات، والتخفيف من خطاب الكراهية؟ في حقيقة الأمر بالنسبة لمدونات أو أدلة السلوك غير الإعلامية التي صدرت عن الجهات المختلفة فإن تأثيرها يرتبط بمدى الجدية في تطبيقها من الإدارات التي أصدرتها. أما مدونة السلوك الإعلامي فهي رغم أهميتها لن تتعدى أن تكون حبراً على ورق، في حال لم يتم إيجاد الوسائل والآليات الخاصة التي تدفع لتطبيقها، سواء على مستوى المؤسسات الإعلامية أو على مستوى الأفراد، وكذلك إيجاد صيغ لحل الإشكالات الناتجة عن الإخلال بهذه المدونة، والتي من الممكن أن تتحول في حال عدم وجود تلك الآليات إلى مجرد وثيقة بلا معنى، ويتحول من قام بإنجازها إلى شهود زور على ما يحصل من انتهاكات.

العربي الجديد

————————-

نحو رؤية إعلامية وطنية تسهم في نهضة وازدهار سوريا/ عقبة عبد النافع العلي

فبراير 25, 2026

بينما تقف سوريا اليوم في هذه اللحظة التاريخية الفارقة أمام استحقاقات مرحلة التعافي، واستعادة الوحدة الجغرافية، تبرز الحاجة الملحة لصياغة خطاب إعلامي وطني لا يكتفي بترميم ما دُمّر فحسب، بل ليصنع مستقبلاً يليق بتاريخ سوريا وبذكاء الإنسان السوري من خلال بناء إعلام قادر على صناعة المستقبل. وفي هذا السياق، نقدم في هذه المقالة “رؤية إعلامية استراتيجية لسوريا” كوثيقة قادرة على قيادة قطاع الإعلام السوري نحو المستقبل.

وكخارطة طريق متكاملة للانتقال من إعلام الدفاع إلى إعلام المبادرة، ومن إعلام الخبر إلى إعلام التأثير والمصداقية والاستدامة، وتحويل المحتوى الإعلامي إلى أداة لتعزيز الهوية الوطنية وجذب الاستثمار. إذ تستند هذه الرؤية إلى فلسفة جوهرية، مفادها أن “سوريا هي الفرصة”، وهي دعوة صريحة للسوريين في الداخل والخارج، وللمستثمرين والمبدعين، للمساهمة الفعّالة في نهضة سوريا وتضعها على خارطة التنمية والازدهار العالمي.

لا بد في هذه المرحلة أيضاً من التركيز على ترميم النسيج الاجتماعي السوري، والتخلص من الآثار الاجتماعية التي خلّفتها سنوات الحرب وتعزيز السلم المجتمعي، ووضع استراتيجيات تقود الوعي الجمعي نحو الاستقرار، وصياغة سردية وطنية توحد الداخل وتعيد ربط جيل الشباب بجذورهم من خلال خطاب جامع إعلامي يبني ولا يهدم، يداوي الجراح ويجمع الشمل تحت راية الهوية الوطنية الواحدة التي لا تقصي أحداً.

واستخدام لغة تصالحية، من خلال برامج التدريب الإعلامي الأنثروبولوجي والهندسة الاجتماعية، مع التركيز على تعزيز الجانب القيمي والأخلاقي للمجتمع، وخلق كتلة حرجة قادرة على التأثير والتغيير الإيجابي مستقبلاً في قيم وأخلاقيات المجتمع على المدى الطويل. الإعلام هو “رأس المال الناعم” الذي يجذب الاستثمار الصلب، لا بد من التوقف عن مخاطبة الخارج بلغة “المظلومية” والانتقال للغة “الفرص”، وجعل الإعلام محركاً للاقتصاد والاستثمار ورافعة للاقتصاد الوطني.

ليصبح هو الواجهة التسويقية الكبرى لصناعاتنا الوطنية ولسياحتنا العريقة، مع التركيز على إعلام الاقتصاد الأخضر والابتكارات الزراعية ومشروعات الطاقة النظيفة وحرف إعادة التدوير لربط المستثمرين السورين الصغار بالأسواق العالمية، وإنتاج محتوى بصري احترافي يخاطب المستثمرين من خارج سوريا، ويقول لهم: إن سوريا اليوم هي أرض الفرص الواعدة.

العالم من حولنا يتغير “من لا يملك خوارزمياته الخاصة، لا يملك قراره”، فالسيادة الوطنية تبدأ من امتلاك “الخوارزمية” والبيانات، ونسعى من خلال هذه الرؤية الاستراتيجية إلى تحويل الإعلام السوري إلى منظومة ذكية رقمية، شفافة، ومنتجة وصانعة لمحتوى رقمي عابر للحدود. لن ننتظر أحداً ليروي قصتنا، سنرويها نحن، وبأدواتنا، وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي نواجه التضليل ونجعل من الحقيقة السورية عصية على التزييف والتشويه.

يُقال: إن “القانون يحمي المبدع، والقيم تحمي المجتمع”، هناك ضرورة ملحة وعاجلة لحوكمة القطاع الإعلامي وتطوير منظومة تشريعية عصرية تحمي الملكية الفكرية، وتصون خصوصية المواطن، وتضمن حق الوصول للمعلومة، وكذلك إصدار قوانين الإعلام الرقمي وقانون الاستثمار الإعلامي، ولكن الأهم من القانون هو “القيمة”، لا بد من وضع برامج تهدف إلى غرس قيم المواطنة في مناهجنا وإعلامنا.

لنبني إنساناً سورياً محصناً بالوعي، ومندفعاً نحو البناء والتنمية، وليكون الإعلام السوري مرآة لطموحات الشعب وجسراً للنهضة، فالكلمة مسؤولية وسوريا هي الغاية. إن فكرة إنشاء “مجلس أعلى للإعلام” ليكون المظلة التقنية والتشريعية سيسهم بشكل كبير في تطوير الإعلام الوطني وتأطيره ليكون محرك استقرار ونهضة سوريا الحبيبة.

الثورة السورية

————————————–

في مدونة السلوك الإعلامي السورية/ رياض معسعس

أعلنت وزارة الإعلام السورية عن إنجاز مدونة السلوك الإعلامي في 15 فبراير 2026 شارك فيها مئات المهتمين بشأن الإعلام والصحافيين، تحت إشراف وزارة الإعلام، التي اعتبرت هذا الإنجاز خطوة غير مسبوقة نحو حرية الإعلام والرأي والتعبير في سوريا، ومع ذلك أثارت هذه المدونة ردود فعل مختلفة بين مؤيد ومنتقد لها. وهنا لابد من إلقاء الضوء وتوضيح المشهد الإعلامي السوري مع عودة إلى النشأة وانتهاء بالمدونة.

لم تعرف سوريا بداية ما يسمى «الصحيفة» أو «الجريدة» إلا عام 1865 حيث أصدر حاكم ولاية سورية العثماني، أول صحيفة أسبوعية باسم «سوريا» وكانت متأخرة عن أول صحيفة مصرية «الوقائع المصرية»، التي أنشأها محمد علي في عام 1827. (وهذا يعني أن الصحافة العربية نشأت رسمية). لكن فيما بعد انتشرت الصحافة الخاصة، فكان منها ما يناوئ الباب العالي، الذي اضطر إلى وضع «مدونة سلوك» تحظر على الصحافيين استخدام قاموس من الكلمات مثل (ثورة، انفجار، جمهورية، حرية، استقلال.. وسواها) وأرفقت بمدونة «عقوبات» لكل مخالفة كانت، إما بإغلاق الصحيفة، أو بكل بساطة إرسال جهاز أمني يرفع الصحافي المخالف «فلقة»(أي الجلد على القدمين)، أو الاغتيال كما حصل مع صاحب «طبائع الاستبداد» عبد الرحمن الكواكبي الذي هرب من «الفلقة» إلى مصر فاغتيل هناك بالسم. لم يكن الأمر أفضل بكثير بعد سقوط السلطنة العثمانية، والانتداب الفرنسي، الذي مارس قمعا لحرية الصحافة أيضا بوسائله المختلفة من منع وإغلاق صحف واعتقال صحافيين.

ومع بداية الاستقلال عام 1946 أخذ النظام السياسي التعددي منحى الإعلام الحر، فنشأت صحافة الأحزاب (لكل حزب كانت له صحيفة)، وبعض الصحف المستقلة، حيث تم إلغاء التشريع الإعلامي المطبق خلال فترة الانتداب. قانون المطبوعات رقم 24 الصادر عام 1946 الذي جرى تبديله عام 1949 بالقانون رقم 35 مع تعديلات جديدة رفعت القيود عن إصدار وتملك الصحف التي ازدهرت خلال فترة ما قبل إعلان الوحدة المصرية السورية، وشهدت هذه الفترة ولادة وسيلة إعلامية جديدة: الإذاعة التي ألحقت بمؤسسة البريد والبرق والهاتف ولم تبرز أهميتها، إلا بعد الانقلابات العسكرية التي كانت تبث منها بعد الاستيلاء عليها بلاغ رقم واحد وكانت هذه الفترة من الفترات الذهبية لحرية الصحافة في ظل نظام برلماني حر وضامن للحريات. مع فترة الوحدة السورية المصرية تم التضييق على الصحافة واقتصرت على صحافة الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) وأغلقت جميع الصحف الخاصة، وشهدت هذه الفترة ولادة وسيلة إعلامية جديدة: التلفزيون (1960) التي انضوت بدورها تحت سلطة الدولة المطلقة، وكانت مرحلة تم خلالها خنق الحريات بشكل عام والرأي والتعبير بشكل خاص.

ومع فترة الانفصال جرت محاولة إعادة حرية الصحافة، وإحداث وزارة خاصة بالإعلام حسب المرسوم التشريعي رقم 186 لعام 1961، وكان مصطفى البارودي أول وزير إعلام سوري (معظم حكومات الدول الديمقراطية لا تتضمن وزارة إعلام ) هذه الفترة لم تستمر سوى عامين، لتدخل بعدها سوريا سياسيا وإعلاميا وأمنيا في نفق طويل مظلم تسيطر عليه صحافة «الحزب القائد» ولا شيء سواها يؤكده قانون المطبوعات الصادر في (1970-2000) بإحكام القبضة الأمنية على الصحافة والكتاب (صدرت في تلك الفترة ثلاثة صحف البعث، والثورة، وتشرين وكان أفضل ما فيها تشابه خطابها الذي يمجد الطاغية، وأنها تقرأ بدقيقة)، ثم صدر قانون رقم 31 لعام 1971 الذي أخضع المؤلفات لرقابة اتحاد الكتاب، ومنع أي دعوة للإصلاح الدستوري أو السياسي، وإن سمحت فترة حكم المخلوع بشار الأسد بظهور صحف، أو قنوات إذاعية وتلفزيونية جديدة حسب المرسوم التشريعي رقم 50 ثم قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 إلا أن جميعها كان يسير ضمن التيار العام المسيطر، ولا صوت يعلو فوق صوت السلطة المطلقة.

أحدث سقوط النظام المدوي في الثامن من أكتوبر هزة سياسية وأمنية وصدمة عنيفة جدا، استفاق فيها الشعب السوري من كبوته الطويلة مترنحا، مع تفكك مكونات أقلية عرقية وطائفية سعت لاستقلاليتها، عن الأكثرية وتجزئة سوريا، فأحدثت فوضى سياسية وأمنية واجهت السلطة الجديدة، التي حاولت احتواءها بحكمة وحنكة كأولوية ملحة للحفاظ على الوحدة الجغرافية والمجتمعية في الدولة الجديدة، فالشق السياسي في البناء الجديد لم يستقر بعد إذ ما زالت الدولة لا تسيطر على كل الجغرافيا السورية، خاصة أنها تواجه اعتداءات متكررة من دولة الاحتلال والتوغل في الأراضي السورية، ولم يصدر إلى الآن أي مرسوم تشريعي بإنشاء أحزاب سياسية، أو مؤسسات مجتمع مدني. أما الشق الإعلامي فلم يختلف عن الشق السياسي فكانت البدايات مضطربة، وغير حاضرة في المشهد السوري المتحول، الذي يواجه تحديات كبيرة ومتعددة (اقتصادية، وسياسية، وأمنية). والخطأ كان أصلا من المجلس الوطني، والائتلاف الوطني اللذين أغفلا تماما الجانب الإعلامي ولم يؤسسا صوتا للثورة، (اعتمدا على وسيلة إعلامية خاصة تصدر في الإمارات أغلقت أبوابها سريعا بعد تعويم النظام السابق من قبل الجامعة العربية). لكن النظام الجديد كان لابد له أن يعمل سريعا على ملء الفراغ الإعلامي الهائل فأطلق صحيفة «الثورة» السورية، وقناة تلفزيونية جديدة «الإخبارية» ثم قناة «السورية» (قناة متنوعة)، مع تحديث الإذاعة السورية. ووكالة الأنباء السورية (سانا). لكن لم يصدر إلى اليوم أي مرسوم تشريعي، أو قانون مطبوعات يؤطر العمل الإعلامي ضمن أطر تضمن حرية الصحافة والرأي والتعبير حسب الدستور في المادة رقم 13(تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة).

وصفت وزارة الإعلام السورية المدونة التي أطلقتها بوصفها (وثيقة تنظّم الممارسة الصحافية وتضع معايير مهنية وأخلاقية للعمل الإعلامي في سوريا) وأنها معتمدة من قبل الوزارة، وهي وثيقة «استرشادية» في حل أي نزاع. وأن هذه المدونة كانت ضرورية، إذ لم تتقدم أي مؤسسة إعلامية بمدونتها الخاصة في السلوك المهني. وقد عملت المدونة على لم شمل كل الوسائل الجديدة للإعلام بتعريفها (المواطن الصحافي، صانع محتوى، مؤثر)، التي لم تكن مشمولة في المشهد الإعلامي سابقا. وتطرقت للسلم الأهلي وخطاب الكراهية وحدود النقد. هذه المدونة التي لا يمكننا أن نعتبرها هيكلا تنظيميا بقدر ماهي مزيج من اجتهادات مشتركة من السلطة وجمع من صحافيين وإعلاميين (لم يتضح كيف تم اختيارهم وطريقة وصولهم للمشاركة، إذ تم رصد مشاركة صناع محتوى اتهموا بالتحريض والترويج لخطاب طائفي، في ظل إقصاء كبير لصحافيين وخبراء مشهود لهم بخبرات طويلة في مجال الإعلام لم تتم دعوتهم، وتكبدوا الكثير من الأخطار والملاحقات في ظل النظام البائد، كونهم كانوا صوتا معارضا شرسا ضد هذا النظام)، كما أن رابطة الصحافيين السوريين التي عارضت المدونة في بيان لها، كانت سابقا قد عملت مع كل الفعاليات الإعلامية السورية المعارضة في الخارج، على صياغة «ميثاق الشرف الإعلامي» والذي كان بمثابة خطوة نوعية متقدمة نحو صون حرية الصحافة وحقوق الصحافيين ضمن معايير أخلاقية دولية للمهنة، والذي لم تقم لجنة المدونة بالاطلاع عليه أو حتى الإشارة إليه، أو دعوة القائمين عليه أو تضمين بعض بنوده في المدونة. ومهما يكن من أن هذه المدونة تعتبر كمحاولة أولى في النظام الجديد في إرساء نظم إعلام حر وملتزم بمواد المدونة، إلا أن التنظيم الذاتي للإعلام هو الأساس في الأنظمة الديمقراطية والذي ينبع من نقابات وجمعيات مهنية مستقلة، ومن جانب السلطة وضع الإطار القانوني الضامن للحريات، واستقلال الإعلام، ومعالجة الجرائم، دون وضع عراقيل قانونية تحد من حريته وانتشاره، أو النكوص في تعهداتها (كوضع شروط تعجيزية للترخيص إذ يرى بعض القائمين على مواقع الكترونية أو وسائل إعلام أخرى مثلا بأن شروط الترخيص المتبعة حاليا مجحفة بسبب الرسوم المالية الكبيرة، وكون ضرورة تجديد الترخيص كل خمس سنوات) وهذا بحد ذاته يحد من الانتشار الإعلامي الحر، ويهدد بتقييد الترخيص بوسيلة ما. في مؤشر حرية الصحافة لـ»مراسلون بلا حدود» فإن موقع سوريا على المؤشر لم يتقدم سوى نقطتين هذا العام وتحتل المركز 177 من أصل 180 حاليا. وهذا أكبر دليل على أن هناك جهودا وتحديات كبيرة يجب أن تبذل ليمكن لسوريا أن تقول بفخر أنها وصلت لمستويات متقدمة بين الدول الديمقراطية الضامنة للإعلام الحر، وحرية الرأي والتعبير.

كاتب سوري

القدس العربي

——————————

======================

 مدونة السلوك الإعلامي السورية: نقاش الهواجس والحاجات الملحّة/ مصطفى الدباس

الأربعاء 2026/02/18

أطلقت وزارة الإعلام في منتصف شهر شباط الجاري، مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، خلال حفلة رسمية بدمشق حضرها مسؤولون ومديرو مؤسسات إعلامية، وقدمت الوثيقة بوصفها ثمرة عمل تشاركي شارك فيه أكثر من ألف صحافي وإعلامي، وبداية لمسار سنوي يعاد فيه النقاش حول أخلاقيات المهنة وحدودها في مرحلة انتقال سياسي تقول الحكومة إنها تريد فيها إعلاماً حراً ومسؤولاً في الوقت نفسه.

وتظهر المدونة في الخطاب الرسمي كاستجابة لحاجة مهنية قبل أن تكون قراراً تنظيمياً، إذ تربط الوزارة إطلاقها بتصاعد الفوضى الرقمية خلال السنوات الماضية وانتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وتآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وتقدَّم الوثيقة كإطار أخلاقي مشترك يضبط أداء غرف الأخبار والصحافيين وصنّاع المحتوى والمؤثرين، ويوحد الحد الأدنى من المعايير في ساحة إعلامية خرجت من قبضة النظام السابق لكنها لم تستقر بعد على قواعد واضحة.

مساحة الالتزامات المهنية

وتبدأ المدونة بحزمة تعريفات واسعة تحاول الإمساك بمشهد إعلامي متداخل، وتضع تعريفاً واضحاً للصحافي والإعلامي وصانع المحتوى والمؤثر والناشط الإعلامي والمواطن الصحافي، وتضعهم ضمن حقل واحد من الالتزامات المهنية، كما تربط المدونة نفسها بالإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مؤكدةً أن حرية التعبير حق أصيل تحكمه قيود محددة بالدستور والمعاهدات.

حماية السلم الأهلي

وتضع المدونة ثقلها الأكبر على محور حماية السلم الأهلي وخطاب الكراهية، إذ تلزم المؤسسات والعاملين فيها بالامتناع عن التحريض على العنف والتمييز القومي أو الديني أو المناطقي أو الجندري واحترام كرامة النساء والفئات الأكثر هشاشة ووضع سياسات تحريرية مكتوبة لمراجعة المحتوى، وآليات داخلية لتلقي الشكاوى من الجمهور والعاملين، والتعامل مع المحتوى الذي يعد مسيئاً أو محرضاً أو منتهكاً للكرامة الانسانية مع الحديث عن إمكان إنشاء لجان شكاوى وتوثيق ونشر تقارير دورية عن طريقة معالجة هذه الانتهاكات.

وتبدو المدونة في مستوى النص محاولة لتكييف أدبيات وأخلاقيات الصحافة المعروفة في المؤسسات الدولية مع السياق السوري، عبر نص موسع يركز على ما يجب تجنبه من تحريض وكراهية، أكثر مما يركز على ما يجب توفيره من ضمانات للصحافي والمؤسسة والجمهور، كما توسع نطاقها ليشمل المؤثرين وصنّاع المحتوى، في اعتراف واضح بأن التأثير في الرأي العام لم يعد حكراً على الإعلام التقليدي.

التزام ذاتي.. وليست نصاً تنظيمياً

بحسب وزارة الإعلام، تحرص الحكومة على تقديم المدونة بوصفها التزاماً ذاتياً، لا نصاً تنظيمياً يفرض من أعلى. وشرح مدير الشؤون الصحافية في وزراة الإعلام، عمر حاج أحمد، أن مدونات السلوك في الأصل هي التزام ذاتي، وقال أن المؤسسات التي تمتلك مدونات خاصة بها تستطيع اعتمادها ما دامت متوافقة بالكامل مع مدونة الوزارة، مع التأكيد بأن وثيقة الوزارة ستكون المرجع الاسترشادي عند النزاعات، وأن لجنة التراخيص ستنظر في مدى تطابق المدونات الخاصة مع المعايير الأخلاقية والمهنية المعتمدة.

وذهب رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، علي عيد، في الاتجاه نفسه، حين أكد أن الوزارة لم تكتب النص، وأن دورها اقتصر على الدعم اللوجستي وتنظيم اللقاءات، مقدماً الوثيقة كخطوة لحماية الحرية لا لتقييدها، عبر نقل جزء من ضبط الأداء الإعلامي من الحقول القانونية العقابية إلى ميدان الالتزام الأخلاقي، مع الإشارة إلى نية تشكيل لجنة شكاوى وتقييم يمكن أن تكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي بحيث لا تصبح الوزارة وحدها صاحبة الكلمة في تفسير النص وتطبيقه.

حقوق الصحافيين وواجباتهم

ويأخذ منتقدون على المدونة، أنها على مستوى الحقوق اليومية، حضرت عبارات من نوع “حق الجمهور في المعلومة” و”حماية المصادر” و”سلامة الصحافيين”، في خطوط عامة فحسب، من دون التزامات تنفيذية واضحة تقع على عاتق الدولة وأصحاب المؤسسات، بينما جاءت بنود واجبات الصحافيين في ما يتعلق بخطاب الكراهية والتحريض والتشهير أكثر تفصيلاً وتشديداً، الأمر الذي خلق اختلالاً بين منظومة واجبات معرّفة، ومنظومة حقوق يكتفي النص بتسجيلها من دون أدوات واضحة لحمايتها.

وبهذا المعنى تبدو مدونة السلوك الإعلامي 2026 في صورة وثيقة تحتاجها مهنة خرجت من فوضى الثورة والحرب والاستقطاب الحاد، وتريد أن تعيد بناء ثقة الجمهور وفق قواعد أخلاقية واضحة، وفي المقابل، هناك آلية مرتبطة بلجان تراخيص وتقييم وشكاوى ما زالت ملامح استقلاليتها غامضة.

وقد تكون أهمية هذه المدونة أنها فتحت النقاش، وأجبرت الأطراف المختلفة على أن تقول بوضوح ما تريده من الإعلام في سوريا ما بعد النظام السابق، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل حرية الصحافة، لأن السؤال الحقيقي يتجاوز النص إلى بنية السلطة التي تكتب القواعد وتفسرها وتطبقها، وإلى قدرة الصحافيين على تحويل هذه الوثيقة من نص تصدره وزارة الإعلام إلى ميثاق شرف يملكه الجسم المهني ويعيد صياغته ويسبق به السلطة، لا العكس.

المدن

——————–

 مدونة السلوك الإعلامي في سوريا.. خطوة نحو المهنية أم سقف جديد للإعلام؟/ جولي بيطار

2026.02.18

أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، بوصفها وثيقة تنظّم الممارسة الصحفية وتضع معايير مهنية وأخلاقية للعمل الإعلامي في سوريا.

 وقد قدّمت الوزارة المدونة باعتبارها استجابة لحاجة داخل القطاع لضبط الأداء الإعلامي في ظل تصاعد الفوضى الرقمية، وانتشار التضليل وخطاب الكراهية عبر المنصات المختلفة. لكن إطلاقها لم يُستقبل بوصفه خطوة تنظيمية تقنية فحسب، بل أثار نقاشاً مهنياً وحقوقياً حول طبيعتها وحدودها. فبين من يرى فيها ضرورة لضبط الخطاب الإعلامي وحماية السلم الأهلي، ومن يطرح تساؤلات حول آلية إصدارها والجهة التي تبنّتها وإمكان تأويل بعض بنودها عند التطبيق، برز سؤال أساسي: هل تمثل المدونة إطاراً ذاتياً لتنظيم المهنة، أم تفتح نقاشاً أوسع حول حدود حرية التعبير في هذه المرحلة؟

آلية الإصدار: التزام ذاتي أم تدخل تنظيمي؟

يبدأ الجدل من نقطة جوهرية لا تتعلق بالمضمون، بل بالآلية. فمدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، قال لموقع تلفزيون سوريا إن مدونات السلوك “عادةً هي التزام ذاتي”، مشيراً إلى أن المدونة السورية جاءت “أكثر تفصيلية وأكثر شمولية” بحكم السياق المحلي. ووفقاً له، يمكن لأي مؤسسة إعلامية تمتلك مدونة خاصة بها ومتوافقة بالكامل مع مدونة الوزارة أن تعتمدها، إلا أنه “عند النزاعات سوف تكون المدونة التي تبنتها الوزارة هي الوثيقة الاسترشادية لحل الخلاف”.

وأوضح أن لجنة التراخيص سيكون لها دور في تقييم مدى تطابق مدونات المؤسسات مع المعايير المهنية والأخلاقية المعتمدة، مضيفاً أن عدم تقدم أي مؤسسة إعلامية بمدونة خاصة حتى الآن كان أحد الأسباب التي دفعت الوزارة إلى تبني المدونة التفصيلية.

من جانبها، تؤكد رهام القطريب لموقع تلفزيون سوريا، وهي إعلامية ممن شاركن في كتابة المدونة، أن المدونة “تنظيم ذاتي ينبع من الجسم الصحفي نفسه”، مشددة على أن دور الوزارة كان “لوجستياً فقط”، وأن النص خضع لمراجعات متعددة بمشاركة صحفيين من مناطق مختلفة داخل سوريا.

وترى أن ضمان عدم تحوّل المدونة إلى أداة تقييد يرتبط بالفصل بين الأخلاقيات والقانون، معتبرة أن “الأخلاقيات تنظّم السلوك المهني، أما القانون فيعالج الجرائم، وخلط الاثنين هو ما يحوّل المدونة إلى أداة تقييد”.

كما تدعو إلى حوكمة تشاركية ومراجعة دورية للنص بمشاركة صحفيين مستقلين وأكاديميين، حتى لا يحتكر تفسيره طرف واحد.

في المقابل، يرى الحقوقي ياسر شالتي أن الإشكال يبدأ من طريقة الإصدار ذاتها، لا من مضمون البنود.

ويقول إن “إصدارها بهذه الآلية غير صحيح” من منظور قانوني بحت، مستنداً إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن “لكل شخص حرية الرأي والتعبير وحق اعتناق أي فكرة دون تدخل ونقلها بأي وسيلة”، ومعتبراً أن “أي تدخل تنفيذي في تنظيم السلوك الإعلامي يعد نوعاً من أنواع التدخل”. كما أشار إلى المادة 13 من الإعلان الدستوري التي تضمن حرية التعبير وتمارس وفق القانون الذي ينظمها، معتبراً أن تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المدونة قد يُقرأ بوصفه تغوّلاً على مبدأ فصل السلطات.

وبين الطرحين، يتبلور سؤال مركزي: إذا كانت مدونات السلوك بطبيعتها التزاماً ذاتياً، فإلى أي مدى يمكن أن تبقى كذلك حين تُطلق تحت مظلة جهة تنفيذية، وتُحال النزاعات فيها إلى آليات مرتبطة بها؟

مضمون المدونة: معايير مهنية في نص موسّع

تضع المدونة إطاراً واسعاً من المبادئ التي تنظّم العمل الإعلامي، في مقدمتها حماية السلم الأهلي، وتعريف خطاب الكراهية، ومناهضة التحريض والتمييز، إضافة إلى حماية النساء والفئات الهشة من التنميط أو التشهير.

كما توسّع نطاقها ليشمل، إلى جانب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، صنّاع المحتوى والمؤثرين، في إشارة إلى التحول الذي يشهده المشهد الإعلامي وتداخل الأدوار بين العمل الصحفي التقليدي والمنصات الرقمية.

علي عيد، رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، يؤكد أن النص “يضع معايير أخلاقية ومهنية للممارسات الصحفية”، ويشير إلى أن المدونة تتضمن قسماً واسعاً حول مهددات السلم الأهلي، مدعوماً بأمثلة ومعايير مستندة إلى نماذج دولية، بهدف ضبط الخطاب الإعلامي ضمن حدود واضحة.

ولا يتوقف حديث عيد عند النص ذاته، بل يمتد إلى آلية التطبيق، إذ يشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكيل لجنة لتقييم المخالفات، يمكن أن تكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي، مؤكداً أن الحكومة “ليست ذاهبة لتكون المسؤول الأول والأخير عن التقييم”. كما يتوقع إنشاء لجنة شكاوى وآلية تقاضٍ واضحة للنظر في الاعتراضات، ما يعني أن المدونة، وفق هذا الطرح، لا تقتصر على وضع مبادئ عامة، بل تسعى إلى استكمال بنية مؤسسية لمتابعة الالتزام بها.

من جهتها، تقول الإعلامية رهام القطريب إن الهدف الأساسي منها هو “ترسيخ نزاهة المهنة ووضع قواعد واضحة للعمل الصحفي، مثل الدقة والاستقلالية والمساءلة واحترام كرامة الناس”، إضافة إلى “تعزيز ثقة الجمهور بالإعلام وحفظ حقه بالمعلومة الدقيقة، وصون كرامة الإنسان وحماية الحريات والصحفيين أنفسهم”.

وتوضح القطريب أن المدونة جاءت لسد “فراغ” نشأ في المشهد الإعلامي السوري خلال السنوات الماضية، حيث شهد القطاع، بحسب وصفها، “تسييساً حاداً وفقداناً للاستقلال التحريري، وضعفاً في أنظمة التحرير وآليات التحقق، وغياباً للمساءلة، وانتشاراً لخطاب الكراهية والتضليل”، ما خلق فجوة ثقة واسعة بين الجمهور ووسائل الإعلام. وتضيف أن المدونة تسعى إلى توحيد حد أدنى من المعايير بين المؤسسات، وخلق مرجعية أخلاقية مشتركة بدل الاجتهادات الفردية، وتأسيس ثقافة تصحيح ومساءلة داخلية، مشيرة إلى أن مثل هذه المدونات معمول بها في مؤسسات دولية كبرى، وتُستخدم كأداة عملية لإدارة المخاطر وبناء ثقة طويلة الأمد.

غير أن اتساع نطاق المبادئ، وشمولها فئات متعددة خارج الإطار الصحفي التقليدي، يفتح بدوره نقاشاً حول كيفية تفسير هذه المعايير عند التطبيق، ومن سيملك الكلمة الفصل في تقدير حدود الالتزام بها.

السلم الأهلي وخطاب الكراهية وحدود النقد

يحضر مفهوم “السلم الأهلي” بشكل متكرر في المدونة، ويشكّل أحد محاورها المركزية، إلى جانب تعريف خطاب الكراهية وحدود التحريض. وقد انصبّ جزء من النقاش المهني والقانوني على كيفية تفسير هذا المفهوم عند التطبيق، والعلاقة بينه وبين حرية النقد الصحفي.

الحقوقي ياسر شالتي ينطلق من قاعدة قانونية يعتبرها الإطار الحاكم لهذا النقاش، إذ يقول إن “الأصل في القانون هو حرية التعبير، وأي قيد عليها هو الاستثناء”، مستشهداً بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويرى أن النقد بطبيعته “هو دائماً لفعل ارتُكب”، ولا يمكن اعتباره تهديداً للسلم الأهلي لأنه “ليس فعلاً قائماً بذاته، بل هو رد على فكرة أو فعل”. كما يحذّر من أن “أخطر أنواع الانتهاكات تستند على مصطلحات قانونية فضفاضة”، مشيراً إلى مفاهيم مثل “حماية السلم الأهلي” أو “المصلحة العامة”، التي تحتاج، برأيه، إلى تعريف دقيق يحدد الفعل المادي بشكل واضح، حتى لا تُستخدم سياسياً أو تُفسَّر بشكل واسع.

في المقابل، يؤكد علي عيد أن المدونة تضع تفسيرات للفصل بين خطاب الكراهية والنقد السياسي، مشيراً إلى وجود نصوص تشرح كيفية التمييز بين التحريض والمحتوى الذي يخدم المصلحة العامة أو النقد المباشر، مع إمكانية إصدار أدلة إرشادية إضافية لتوضيح ذلك عند التطبيق.

أما الصحفية نادين جبور، فترى أن التعريفات المتعلقة بخطاب الكراهية والسلم الأهلي “في المجمل واضحة ومبنية على معايير دولية”، لكنها تربط الحكم النهائي بآلية التنفيذ، مؤكدة أن نجاح المدونة مرهون “بضمان ألا تتحول إلى أداة للتقييد”.

تمثيل الصحفيين في صياغة المدونة

تطرّق النقاش حول المدونة أيضاً إلى آلية إشراك الصحفيين في إعدادها، ومدى تمثيل مختلف التيارات المهنية داخل عملية الصياغة.

الصحفية جبور قالت إنها كانت تتمنى معرفة من شارك من الصحفيين في وضع المدونة، مشيرة إلى أن “معظم من حولي لم يُدعوا لمناقشة ما تم الاتفاق عليه”، ومعتبرة أن الدعوة عبر معارف اللجنة، إن حدثت، “يعد إقصاء”. ووفق هذا الطرح، فإن اتساع المشاركة وشفافيتها يشكلان جزءاً من شرعية أي وثيقة مهنية يُفترض أن تنظّم قطاعاً كاملاً.

أما وهاج عزام، مدير منصة “الدليل”، فانتقد مسار الإطلاق من زاوية مختلفة، معتبراً أن مشاركة بعض صناع المحتوى الذين سبق أن وُجهت إليهم اتهامات بالتحريض أو الترويج لخطاب طائفي “يفقد المدونة قيمتها بالكامل”. وأضاف أن الخطوة الأولى لتنظيم العمل الإعلامي، برأيه، يجب أن تبدأ بمحاسبة المنابر التحريضية ومنعها من ممارسة النشاط الإعلامي، لا إشراكها في صياغة الإطار الناظم له. وطالب بإلغاء المدونة الحالية وإطلاق مسار جديد يستند إلى إجماع أوسع للصحفيين السوريين.

في هذا السياق، ينتقل السؤال من مضمون البنود إلى شرعية العملية نفسها: هل يكفي أن يكون النص متوافقاً مع معايير مهنية، أم أن طريقة تشكيل اللجنة المشاركة في صياغته تُعد جزءاً من معايير مشروعيته؟

آلية التنفيذ والمساءلة

يتحوّل النقاش من النصوص إلى التطبيق عند الحديث عن آلية التنفيذ والمساءلة. فبحسب عمر حاج أحمد، ستكون المدونة مرجعية استرشادية في حال النزاعات، مع دور للجنة التراخيص في تقييم مدى التزام المؤسسات بالمعايير المهنية والأخلاقية الواردة فيها. وبذلك، تُقدَّم المدونة بوصفها إطاراً يُحتكم إليه عند وجود خلافات، لا بديلاً عن القوانين النافذة.

من جهته، أشار علي عيد إلى أن المرحلة المقبلة قد تتضمن تشكيل لجنة مختصة بتقييم المخالفات والنظر في الشكاوى، موضحاً أن هذه اللجنة ستكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي، في إشارة إلى أن البنية التنفيذية للمدونة لم تكتمل بعد، وأن تفاصيل آلية المساءلة ما تزال في طور التشكيل.

في المقابل، يرى الحقوقي ياسر شالتي أن أي تدخل تنفيذي مباشر في عملية التقييم قد يثير إشكاليات قانونية، مشدداً على أن تنظيم أخلاقيات المهنة، وفق توصيات الأمم المتحدة، ينبغي أن يكون ذاتياً. ومن هذا المنظور، فإن طبيعة الجهة التي ستتولى التقييم، ومدى استقلالها، تمثلان جزءاً أساسياً من النقاش، لا تفصيلاً إجرائياً.

وبين الطرحين، تتقاطع مسألتان: هل تبقى المدونة إطاراً مهنياً استرشادياً، أم أن طريقة تطبيقها قد تمنحها أثراً تنظيمياً يتجاوز حدود الإرشاد؟

اختبار التطبيق بين النص والسلطة

لا يكشف الجدل الدائر حول المدونة انقساماً حول ضرورة وجود معايير مهنية، بقدر ما يكشف اختلافاً حول من يملك سلطة تعريف هذه المعايير وتفسيرها.

المسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بحماية السلم الأهلي أو الفئات الهشة أو بمواجهة خطاب الكراهية، بل بكيفية الموازنة بين ذلك وبين الأصل الذي يستند إليه العمل الصحفي: حرية التعبير والنقد.

وعليه، فإن مستقبل المدونة لن يتحدد في صفحاتها المكتوبة، بل في طريقة تفعيلها، وطبيعة الجهة التي ستتولى تقييم الالتزام بها، وقدرتها على البقاء إطاراً مهنياً يحمي العمل الصحفي من الانزلاق نحو التحريض، من دون أن يتحول إلى أداة لإعادة رسم حدوده.

تلفزيون سوريا

————————-

سورية تطلق مدونة سلوك إعلامية… تساؤلات حول استقلالية المهنة/ نور ملحم و عدنان علي

15 فبراير 2026

في محاولة لإعادة ضبط المشهد الإعلامي وسط تحديات النزاهة والاستقلالية، أعلنت وزارة الإعلام في سورية، اليوم الأحد، إطلاق مدونة سلوك جديدة تهدف إلى وضع إطار مهني وأخلاقي موحّد للعمل الصحافي، مع التركيز على الشفافية والمصداقية وحماية حقوق الجمهور.

وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، خلال حفل الإطلاق، إن إعداد المدونة شارك فيه نحو ألف صحافي، معتبراً أنها تمثل “نقطة بداية” قابلة للتطوير، وأنها موجّهة إلى جميع الصحافيين السوريين، مع التوجّه لعقد مؤتمر سنوي لمراجعتها وتحديثها. ورأى المصطفى أن وجود صحافة “مسؤولة وبنّاءة” خلال المرحلة الانتقالية يشكّل ضمانة لنجاح العمل الإعلامي، محذّراً من أن غياب المعايير المهنية قد يقود إلى الفوضى. وأشار إلى أن توقيع مديري المؤسسات الإعلامية على المدونة يمثّل تعهداً مهنياً بمضامينها، مع تأكيد أنها لا تحمل صفة الإلزام القانوني بصيغتها الحالية. وأضاف أن سورية شهدت خلال العام الماضي تزايد حضور المؤسسات الصحافية الأجنبية، مع خطط لافتتاح مكاتب جديدة، ورأى ذلك مؤشراً على اتساع هامش حرية التعبير.

وحضر الحفل وزير العدل مظهر الويس الذي أكد أن المدونة وثيقة استرشادية لا تشكّل بديلاً عن القانون.

من جهته، أكد رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، علي عيد، أنّ الوزارة لم تتدخل في صياغة أي كلمة منها، مشيراً إلى أن لجنة مستقلة من الصحافيين تولّت إعدادها، فيما اقتصر دور الوزارة على تسهيل اللقاءات وتوفير القاعات والمواصلات واللوجستيات. وأوضح عيد، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن لجنة الإشراف لم تتولَّ الصياغة، بل اضطلعت بدور إشرافي مهني، مؤكداً أن معظم أعضائها من الصحافيين المستقلين، وأن مئات الصحافيين من القطاعَين العام والخاص ومن مختلف المحافظات شاركوا في إعداد المدونة خلال عملية استمرت ستة أشهر ووثِّقت بمحاضر رسمية. كما أشار عيد إلى أنّ أهمية المدونة تكمن في فتح نقاش عام حول المعايير المهنية والأخلاقية، وتسليط الضوء على مخاطر خطاب الكراهية والمعلومات المضلّلة، وإتاحة المجال للصحافيين لوضع معايير إنتاج الأخبار والتقارير والتحقيقات، إضافة إلى أسس التعامل مع الضيوف على الشاشة.

الثانية

تولي المدونة اهتماماً بالفئات الحساسة، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والأطفال، مع مراعاة الخصوصية وحفظ كرامة الضحايا والشهود. وقال عيد إنّ الصحافيين السوريين “وضعوا المدونة بأنفسهم ووقّعوا عليها لتكون أداة التزام ذاتي، على أن تتطور تدريجياً لتصبح أساساً يُبنى عليه لاحقاً عند صياغة البيئة التشريعية للعمل الصحافي”.

ولفت عيد إلى الصعوبات اللوجستية التي واجهت جمع الصحافيين، خصوصاً في شمال شرق سورية، إذ اقتصرت المشاركة على الحسكة، وكذلك في السويداء، مؤكداً أن اللجنة تعاملت مع هذه التحديات من منظور الوصول الجغرافي لا الطائفي، مع ضمان مشاركة المؤسّسات الإعلامية الرسمية والخاصة والصحافيين المستقلين.

تشمل المدونة وسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى والمؤثرين، بهدف دمج جميع الأطراف الفاعلة في إنتاج المحتوى الإعلامي، سواء في الإعلام التقليدي أو الرقمي، بوصفها خطوة أولى نحو إعلام مسؤول يحافظ على الحريات ويعزز الالتزام المهني.

وتشكّلت لجنة صياغة المدونة في الخامس من أغسطس/آب الماضي، وأُطلقت أولى الورشات في دمشق في 14 سبتمبر/أيلول، قبل أن تمتد إلى محافظات عدة لجمع آراء الصحافيين وتطوير المدونة بما يتناسب مع الواقع الإعلامي المحلي. تتألف المدونة من نحو 100 صفحة تتضمن تفصيلاً للمعايير الأخلاقية والمهنية وميثاق شرف وملحقاً خاصاً بصنّاع المحتوى، وقد تسلّمتها الوزارة من دون أي تعديل وتبنّتها كما خرجت بها اللجنة الوطنية.

وكان وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، قد أكد أن النقاشات حول تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية لمواجهة المحتوى التحريضي أظهرت الحاجة إلى حلول أكثر توازناً بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية. وأوضح، في مقال نشرته صحيفة الثورة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أنّ قانون 2022 يواجه عوائق أخلاقية وإجرائية تحدّ من تطبيقه بعدل، ما دفع الوزارة إلى البحث عن بدائل عملية. أضاف أن إعداد المدونة اعتمد مقاربة “من الأسفل إلى الأعلى” عبر إشراك الصحافيين والنقابات والمؤسسات الإعلامية، مع تشكيل لجنة من عشرة خبراء أغلبيتهم من المستقلين إلى جانب ممثلين عن الوزارة واتحاد الصحافيين، وأشار إلى أن المدونة تستند إلى تجارب إسكندنافية وبريطانية وأوروبية لتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمصلحة العامة. ولفت إلى أن المصادقة عليها ستكون شرطاً للحصول على الترخيص والبطاقة الصحافية، مع تطبيق تدريجي يقوم على مبدأ التصحيح والتقويم قبل العقاب، وأكد أنها ليست بديلاً عن القانون، بل هي إطار مهني لحل الخلافات داخل الوسط الإعلامي قبل الوصول إلى القضاء، متوقعاً أن تتحول إلى “دستور مهني” يمهّد لمؤتمر عام لمراجعتها دورياً.

استطاع تلفزيون سوريا الاستمرار في الحضور على الساحات منذ العام الماضي (العربي الجديد)

إعلام وحريات

تلفزيون سوريا: كلمات في ذكرى سقوط النظام

في المقابل، أثار إعلان المدونة سجالاً داخل الوسط الصحافي، إذ أعلنت رابطة الصحافيين السوريين رفضها إطلاق مدونة سلوك “صادرة عن وزارة الإعلام”، معتبرة ذلك تدخلاً تنفيذياً يقوّض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة. قالت رئيسة الرابطة، مزن مرشد، لـ”العربي الجديد” إنّ الاعتراض لا يطاول فكرة الأخلاقيات المهنية بحدّ ذاتها، بل الجهة التي أطلقت المدونة والإطار الذي صدرت عنه، معتبرة أن صدورها عن جهة حكومية يتعارض مع استقلالية المهنة ويفتح الباب لتحويل الأخلاقيات إلى أداة رقابية بدلاً من التزام طوعي، وأضافت أن هذا المسار يخالف الإعلان الدستوري والالتزامات الدولية لسورية ويعيد إنتاج منطق الوصاية على الإعلام.

وأوضحت أن جوهر الإشكال يرتبط بمرجعية القرار، إذ عيّنت الوزارة لجنة الإشراف ودعت المشاركين ووجّهت الدعوات باسمها، ما يجعل المرجعية النهائية تنفيذية لا مهنية مستقلة، وأكدت أن المدونة كانت ستلقى ترحيباً لو جاءت بمبادرة من المؤسسات الإعلامية المستقلة وبإشراف اتحاد الصحافيين، مشدّدة على أن الرابطة لا تعارض الوزارة بل تطالب باحترام حدود دورها والعمل نحو إعلام حر ومسؤول.

وقال الصحافي السوري ثابت سالم إن إصدار مدونة السلوك عن وزارة الإعلام يطرح إشكالية مبدئية، باعتبار أن الإعلام “سلطة رابعة لا ينبغي أن يخضع للسلطة التنفيذية”. وأضاف سالم، لـ”العربي الجديد: أن المدونة يفترض أن تُبنى على قانون إعلام يصدر أولاً عن السلطة التشريعية وبمشاركة الصحافيين، لا العكس. وأشار إلى أن قانون الإعلام الصادر عام 2011، والذي شارك في صياغته، كان متقدماً في مضمونه قبل أن تُضاف إليه بنود جعلت التراخيص بيد مجلس الوزراء ووسّعت مفهوم “المساس بالأمن القومي” بصيغة فضفاضة تسمح بملاحقة الصحافيين.

من جهته، قال الصحافي فؤاد عبد العزيز إن محاولات مشابهة جرت عام 2018 في تركيا في ظل غياب دولة قادرة على سنّ قانون إعلام، “أما اليوم فلا مبرر لغياب قانون ينظّم العمل الإعلامي”، متسائلاً عن مدى صحة مشاركة ألف صحافي في إعداد المدونة، مؤكداً أن كثيرين لم يُستشاروا فيها.

بدوره تساءل الصحافي حسن عبدالله الخلف عن سبب عدم صدور المدونة عن اتحاد الصحافيين بدلاً من وزارة الإعلام، لافتاً إلى غياب رئيس الاتحاد عن حفل الإطلاق.

ويأتي هذا السجال في ظل فراغ تشريعي منذ توقف العمل بقانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، من دون إلغائه رسمياً أو إصدار بديل عنه.

ولم تُحدَّد آلية واضحة لتطبيق المدونة حتى الآن، لكن مصدراً في وزارة الإعلام أشار إلى أن الحصول على البطاقة الصحافية سيُشترط بالخضوع لدورات تدريبية في أخلاقيات المهنة والتوقيع على المدونة، مع طرح أفكار لتشكيل لجنة شكاوى مستقلة أو لجنة لرصد الانتهاكات، على أن تتبلور هذه الآليات لاحقاً.

بدوره، قال الصحافي يعرب العيسى، لـ”العربي الجديد”، إنه شارك في اجتماعات إعداد المدونة، واعترض على أي دور يتجاوز دعم الوزارة وتسهيلها، معتبراً أن المدونة شأن نقابي توافقي يفقد معناه إذا تدخلت فيه جهة تنفيذية، لأنّ من لا يوقّع عليها لن يكون ملزماً بها، فيما تملك الوزارة أصلاً صلاحية إصدار القوانين والقرارات الناظمة للعمل الإعلامي.

العربي الجديد

—————————-

 في سبيل الانتقال من إعلام الحكومة إلى إعلام الدولة/ د. عبد المنعم حلبي

2026.02.15

في إطار الحساسية الشديدة التي مرت بها سوريا خلال السنة الماضية، بأحداثها الدموية منها والاحتفالية، وبعد انطلاقة كانت مُبشِّرة، أخذ الصوت الإعلامي الرسمي، بألوانه الجديدة، والذي تمثَّل بالإخبارية السورية بصورة أساسية، ثم جريدة الثورة مؤخرًا، وغيرهما، ينزاح إلى نمطية حكومية تقليدية، أشعرت الكثير من السوريين بالقلق من استعادة الحالة النمطية للإعلام الحكومي الرسمي، التي سادت على مدى عقود في ظل النظام الهارب، ومَنَحَت أهمية خاصة لعملية تقييم السياسة الإعلامية للحكومة السورية الانتقالية، ليس فقط من زاوية الأداء المهني، بل من زاوية الموقع المؤسساتي للإعلام في بنية الدولة الجديدة.

المنصات الإعلامية الرسمية أظهرت –بدايةً– قدرًا من الانفتاح النسبي في تناول القضايا العامة، وربما حاولت التحرر من إرث الخطاب التعبوي الأحادي، إلا أن بنيتها الإدارية وثقافتها المهنية بقيتا –في جوانب كثيرة– أسيرتَي منطق “الناطق باسم السلطة” أكثر من كونهما “مؤسسة خدمة عامة”. مراقبون يتحدثون عن أثر المركزية في الدفع باتجاه تلك النمطية، فهي ما تزال حاضرة بقوة في صناعة الرسالة الإعلامية، فالقرارات التحريرية الكبرى مرتبطة بهرم السلطة التنفيذية، بما يحدّ من استقلالية غرف الأخبار ويؤثر في ثقة الجمهور. كما أن ضعف الاستثمار في التأهيل المهني والتحديث التقني ربما جعل الإعلام الرسمي أقل قدرة على المنافسة أمام المنصات الخاصة والرقمية، ومع عدم توفر تجارب منفتحة سابقة للكوادر، فإن ذلك ربما يكون قد ولَّد –ويولّد– شعورًا ذاتيًا بالنقص، وبالتالي الانفعالية الدفاعية عما يعتقدون أنه صوته الأوحد، وهو السلطة الانتقالية. كما يبرز غياب استراتيجية اتصال متكاملة تشرح سياسات الحكومة بلغة مبسطة وشفافة، وتستبق الشائعات بدل الاكتفاء بالرد عليها.

وفي سياق ما شهدناه جميعًا على وسائل التواصل الاجتماعي من مماحكات واختلافات شديدة حول بعض السياسات الحكومية المتعلقة بحياة المواطن السوري المُتعَب، أصبح واضحًا لدى البعض سعي الحكومة الانتقالية لفرض صوت وصورة تمثلانها، في مواجهة الآخرين، كل الآخرين، على اختلاف أهدافهم وبواعثهم ودوافعهم في التعبير عن آراء أو شكايات تمس الأداء الحكومي، سواء منها المرتبطة بزوايا سياسية، أو بملفات العدالة الانتقالية، بل وحتى فيما يخص القرارات الحكومية التي تؤثر سلبًا على واقع الحياة المعيشية للناس.

ومع ازدياد الفجوة واشتداد الحساسية تجاه واقع ومجريات المرحلة الانتقالية، بالقياس مع الصورة النموذجية التي رسمها الكثير من السوريين في أذهانهم ورؤاهم، أصبح واضحًا أن هذه المرحلة لا تقلّ تعقيدًا في بعدها المؤسسي والإداري عن تعقيدها السياسي والأمني. فإذا كانت عملية إعادة بناء الجيش، وإرساء الأمن، وإصلاح الاقتصاد، وإطلاق مسار العدالة الانتقالية تشكّل أعمدة هذه المرحلة، فإن عملية إعادة تعريف دور الإعلام الرسمي قفزت بدورها لتصبح أولوية حقيقية في عملية إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة بها. فالإعلام، دورًا وتأثيرًا وأهميةً، ليس مجرد أداة لنقل الأخبار وتأويلها وفق رؤية الحكومة ونهجها، بل هو مؤسسة سيادية عامة تسهم في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة السردية الوطنية، وضبط المجال العام بين الحرية والمسؤولية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود مؤشرات إيجابية، مثل توسيع هامش النقاش في بعض البرامج، والانفتاح النسبي على أصوات مجتمعية متعددة، ومحاولة إعادة بناء الجسور مع جمهور فقد ثقته طويلًا بالإعلام الرسمي. غير أن هذه الخطوات تبقى محدودة ما لم تتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة تكرّس استقلالية التحرير، وتضع معايير مهنية ملزمة، وتفصل بين الوظيفة الإعلامية والعمل التنفيذي للحكومة.

وفي إطار تناولٍ مختصرٍ للنموذج الإداري الحالي للإعلام، يُلاحظ أنه يقوم على تبعية وزارية تقليدية للسلطة التنفيذية، ويعكس تصورًا يرى في الإعلام ذراعًا من أذرع الحكومة في إدارة الرأي العام، الأمر الذي أثار ويثير إشكاليات عميقة، وقد يُنظر إليه كاستمرار لهيمنة السلطة على المجال العام، حتى لو تغيّرت النوايا. بينما نجد في الدول المتحضرة، أو التي تسعى إلى التحضر، يقوم نموذج المؤسسة الإعلامية العامة المستقلة على الفصل بين الحكومة كمؤسسة تنفيذية، والإعلام كمرفق عام يخدم المجتمع بأسره. في هذا التصور، تُموَّل المؤسسة من الموازنة العامة بصورة مباشرة لضمان استقلالها واستقرارها، وتُدار عبر مجلس أمناء مستقل يُعيَّن بآلية شفافة بموافقة مجلس الشعب، وتخضع لرقابة مالية وإدارية برلمانية، وتلتزم بميثاق شرف مهني يحدد معايير التوازن والحياد. هكذا تتحقق معادلة دقيقة تضمن التمويل والاستمرارية من جهة، والاستقلال الوظيفي من جهة أخرى، بما يحول دون تحول الإعلام إلى أداة دعائية لأي حكومة.

والإصلاح الحقيقي لا يكمن في تغيير الاسم، بقدر ما يكمن في تغيير فلسفة الإدارة ومنطق العلاقة بين السلطة والإعلام. ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون بناء علاقة إيجابية مع المجتمع المدني، بما يشمل النقابات المهنية، وروابط وجمعيات الصحفيين، ومراكز البحوث ومنظمات حقوق الإنسان. إشراك هذه الجهات في إعداد ميثاق شرف إعلامي وطني، ومنحها دورًا استشاريًا أو تمثيليًا في مجلس الإدارة، وإتاحة تقارير دورية علنية لتقييم الأداء، كلها خطوات تعزز الطابع التشاركي وتبني الثقة العامة.

ومهما كان الشكل المؤسسي، فإن للإعلام الرسمي دورًا وطنيًا لا يمكن التفريط به في مرحلة انتقالية تتسم بحساسية الهويات والانقسامات. فالإعلام مطالب بحماية الوحدة الوطنية عبر خطاب جامع يتجنب الاستقطاب الطائفي أو المناطقي، ويُعلي من قيمة المواطنة المتساوية، كما أنه معنيٌّ بتعزيز التماسك المجتمعي من خلال إبراز مبادرات المصالحة وتجارب النجاح في إعادة البناء، ومكافحة خطاب الكراهية والشائعات عبر المهنية والشفافية. غير أن هذا الدور الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو فرض رأي واحد، لأن حماية الوحدة الوطنية تعني إدارة التعدد ضمن سقف الدستور والقانون، لا إلغاء التعدد ذاته.

وهنا يبرز الدور المحوري للقضاء المستقل بوصفه الضامن للتوازن بين حرية الرأي وصون القيم الوطنية العليا. فبدلًا من منح السلطة التنفيذية صلاحيات مباشرة لإغلاق وسائل الإعلام، أو معاقبتها، أو اعتقال صحفيين، أو منعهم من العمل بقرارات إدارية، يجب أن يكون الفيصل هو القانون، وأن تُحصَر العقوبات في إطار قضائي شفاف يضمن حق الدفاع ويمنع التعسف. كما ينبغي تطوير تشريعات تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، دون التوسع في تجريم النقد السياسي أو التضييق على الرأي المخالف. القضاء في هذه المعادلة لا يحمي الدولة من النقد، بل يحمي المجتمع من الفوضى ومن تغوّل السلطة في آن واحد، ويكرّس ثقافة الاحتكام إلى المؤسسات بدلًا من منطق الفوضى الشعبوية أو التغول الأمني.

إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية الانتقالية ليس في تحسين صورتها عبر الإعلام، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام ذاته، في جوهرها وأبعادها المتكاملة وإطارها المنضبط، ضمن مشروع إعادة بناء الدولة، بما سيكفل انتقالًا حقيقيًا من “إعلام حكومة” إلى “إعلام دولة”، ومن خطاب التبرير والدفاع إلى خطاب الشفافية والمبادرة، ومن المركزية المغلقة إلى المشاركة المجتمعية. ووجوب الدفع في الأفق الاستراتيجي نحو مؤسسة إعلام عامة مستقلة تخضع للإشراف والرقابة البرلمانية، تعمل ضمن موازنة الدولة، وتبني علاقة ثقة مع المجتمع المدني، وتحتكم في خلافاتها إلى قضاء مستقل، ليصبح الإعلام مرآة لجدية الإصلاح، ويكون –بالطبع– مكسبًا حكوميًا، يؤسس –حتماً– لثقافة سياسية جديدة، قوامها الشفافية والمساءلة والوحدة الوطنية.

تلفزيون سوريا

————————

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام: 60 % من «خطاب الكراهية» يبثّه سوريون يعيشون في سياقات ديمقراطية

دمشق: سعاد جرَوس

15 فبراير 2026 م

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني… وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.

الشرق الأوسط

——————-

 مدونة السلوك الإعلامي في سوريا: تحفظات على إشراف الوزارة

026/02/16

أطلقت وزارة الإعلام يوم الأحد 15 شباط/فبراير 2026 مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026 خلال حفلة في فندق “داما روز” في دمشق، وقدمتها بوصفها إطاراً معيارياً يضبط الأداء المهني ويعزز الدقة والمسؤولية، ضمن مسار قالت إنه تشاركي وامتد لأشهر وشارك فيه نحو ألف صحافي وإعلامي، وبرعاية مؤسسة مستقلة، مع توقيع مؤسسات إعلامية رسمية على الوثيقة في ختام الفعالية، وسط خطاب رسمي شدد على أن المدونة دليل مهني لا يحل محل القانون.

الاعتراض يبدأ من الجهة الراعية

وبعد حفلة الإطلاق، توسعت موجة تحفظات في مواقع التواصل وتركزت على فكرة الإشراف الحكومي ذاته، إذ اعتبر معترضون أن مدونات السلوك في تجارب إعلامية مستقرة تنشأ غالباً داخل أطر مستقلة كنقابات وروابط واتحادات مهنية، وأن دخول مؤسسة تتبع السلطة التنفيذية في صياغة أخلاقيات العمل الإعلامي يفتح الباب أمام التباس عملي حول حدود الدور الإرشادي، وحول إمكانية تحول الوثيقة إلى قناة تدخل في المجال الصحافي من بوابة المعايير.

وترافقت هذه التحفظات مع سردية بأن مضمون المدونة يبدو متماسكاً على الورق، وأن الاختبار الحقيقي يظهر في التطبيق وفي وجود قضاء مستقل قادر على حماية المهنة من التوظيف السياسي للنصوص، وفي قدرة الأجسام المهنية على الدفاع عن استقلاليتها عندما تتحول الإرشادات إلى أدوات ضغط أو فرز أو عقوبة.

توصيات طوعية أم أداة ضبط مستقبلية؟

بالتوازي، ظهرت أسئلة مباشرة تتعلق بطبيعة المدونة، إذ طرحت أسئل ة عما إذا كانت توصيات المدونة طوعية وتنظم المهنة داخلياً، أم أنها قد تُستخدم لاحقاً كمرجعية في الترخيص والاعتماد أو في سحب تراخيص ومساءلة الصحافيين والصحافيات. وهو سؤال يستدعي ذاكرة طويلة من تحويل النصوص العامة إلى قرارات تنفيذية، في لحظة انتقال سياسي ما زالت فيها حدود السلطة وصلاحياتها قيد التشكل.

1000.. في قلب السجال

وتحول الرقم الذي تكرر في رواية وزارة الإعلام حول مشاركة نحو ألف صحافي وإعلامي في إعداد المدونة إلى محور قائم بذاته، إذ شكك صحافيون وناشطون في مدى واقعيته، وقُدمت أسئلة تفصيلية حول من هم هؤلاء، وما المعايير التي جرى اعتمادها لضمان الصفة المهنية، ومتى وجهت الدعوات ولماذا غاب صحافيون معروفون عن المشاورات، حسبما تداوله عدد من العاملين في المهنة، مع حديث متكرر عن فجوة بين إعلان المشاركة الواسعة وبين شهادات شخصية تقول إن أسماء من داخل الوسط لم تعلم بالعملية إلا بعد إعلانها.

واستخدمت في هذا السياق مقارنة نقابية تتصل بتجربة “رابطة الصحافيين السوريين” SJA، من زاوية أن الانضمام إلى أجسام مهنية يتطلب عادة شروطاً صارمة تتعلق بالاحتراف وروابط أعمال منشورة وإثباتات عمل، وأن الرهان على الأرقام من دون إظهار لوائح واضحة ومعايير شفافة يضعف فكرة التمثيل ويثير مخاوف من تمييع المهنة عبر خلط الصحافة بالهواية وبأدوار دعائية سابقة.

وكانت “رابطة الصحافيين السوريين” أعلنت رفضها للمدونة، وهو موقف أعاد طرح سؤال الشرعية المهنية ومن يملك حق وضع المعايير وكيف يمكن إنتاج مدونة سلوك في بيئة انتقالية من دون أن تُقرأ بوصفها امتداداً لوصاية الدولة على المجال العام، مع مطالبة ضمنية بأن تكون الأجسام المهنية طرفاً مقرراً في صناعة الوثائق التي تمس جوهر المهنة ومستقبلها.

دعوات إلى بيان رفض وتوقيع علني

ومع تصاعد النقاش، دعت أصوات صحافية إلى إعداد بيان يرفض تدخل مؤسسة رسمية في صياغة مدونة السلوك ويطالب بإسناد هذه المهمة إلى مؤسسات وكيانات مستقلة، مع فكرة تنظيم توقيع علني يختبر جدية الرفض واستعداده لدفع كلفة الموقف، في وقت يتكرر فيه الخوف من أن تتحول المدونة إلى أداة إلزامية تضع الصحافيين بين توقيع اضطراري وبين إقصاء مهني.

———————–

مدونة السلوك لقطاع الإعلام.. تعزيز القيم المهنية والأخلاقية في الصحافة السورية/ أسماء الفريح

فبراير 16, 2026

انطلاقا من مبدأ أن التزام الصحفي بالمعايير الأخلاقية والسلوكية والمهنية في عمله الصحفي يحميه ويجعل محتواه هادفا، جاءت فكرة صياغة مدونة تعزز القيم الأخلاقية والممارسات المهنية والمسؤولية المجتمعية بهدف تأطير العمل الإعلامي وفق معايير محددة، بما يضمن إنتاج مادة إعلامية متوازنة وموضوعية تحافظ على المصداقية وتبتعد عن الانحياز.

وفي حفل الإشهار الذي تم أمس الأحد، قال وزير الإعلام، حمزة المصطفى، إن مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام هي جهد إعلامي يعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وإن المدونة جهد جماعي من إنتاج أكثر من ألف صحفي استمروا بالعمل عليها لمدة تزيد على 15 شهرا. وأضاف: “المدونة تخص كل الصحفيين السوريين، لذلك ارتأينا أن يكون لها مؤتمر سنوي يجمع كل الصحفيين السوريين لمناقشتها وتطويرها. كل الأدبيات النظرية تؤكد أن وجود صحافة بناءة ومسؤولة خلال المرحلة الانتقالية هو ضمان النجاح الإعلامي”.

وكان مدير الشؤون الإعلامية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، قال في تصريح له في تموز 2025 إن الوزارة تسعى لوضع مدونة سلوك مهني تهدف إلى ضبط الخطاب الإعلامي والالتزام بأخلاقيات مهنة الإعلام، بما يحقق الانفتاح المطلوب مع مراعاة أخلاقيات المهنة الضابطة لهذا الانفتاح والعمل، وبما لا يؤدي إلى تقييد حرية العمل الإعلامي ولا إلى انفلات الخطاب الإعلامي.

وفي آب الماضي تم تشكيل لجنة وطنية معنية بإعداد وصياغة مدونة السلوك المهني الإعلامي تضم في عضويتها 10 خبراء سوريين أغلبهم من المستقلين، إلى جانب ممثل عن وزارة الإعلام وآخر من اتحاد الصحافيين. وبعد جلسات استمرت شهرا تم وضع مدونة، وشهدت العاصمة دمشق في الرابع عشر من أيلول الماضي انطلاق أولى ورشات مناقشتها بمشاركة صحفيين من وسائل إعلام رسمية، إلى جانب ممثلي وسائل إعلام عربية وأجنبية، إضافة إلى مستقلين وأكاديميين مختصين.

وقال عضو اللجنة الدكتور زيدون الزعبي خلال الورشة إن المدونة ارتكزت على مبادئ حرية الإعلام حسب ما ورد في المادة 13 الفقرة الأولى من الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية 2025، وحسب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتين 19-20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وذلك نظرا لأهمية دور الإعلام والصحافة في نقل الحقيقة للرأي العام.

وتابعت اللجنة عقد الورشات في بقية المحافظات، حيث أشار الإعلامي أكرم الأحمد، عضو لجنة صياغة المدونة ورئيس ميثاق شرف الإعلاميين السوريين، خلال ورشة عقدت في اللاذقية إلى أن صياغة المدونة تمت بمساهمة نخبة من الصحفيين السوريين، مبينا أنه سيتم عرضها على العاملين في الحقل الإعلامي من مختلف المحافظات لإغنائها بالملاحظات.

وأواخر تشرين الثاني الماضي، ناقشت الورشة الختامية لصياغة المدونة آراء ومقترحات وملاحظات الإعلاميين حول البنود التي تم تقديمها في جلسات دمشق وبقية المحافظات على مدى شهرين من أجل الخروج بالشكل النهائي للمدونة، وأكد وزير الإعلام حمزة المصطفى أن الجلسات تمت من دون أي تدخل من الوزارة، التي لم تعد المصدر الوحيد للخبر، بل هي الجهة الناظمة للعمل الإعلامي وضبطه.

وبدوره أوضح أكرم الأحمد أن مناقشة المدونة أمر يحدث لأول مرة على مستوى سوريا، مبينا أن المشاركين فيها، والذين بلغ عددهم أكثر من 500، وضعوا حوالي 300 ملاحظة عبر الجلسات السابقة، وأن أجواء العمل اتسمت بالإيجابية والنقاشات المستفيضة والشفافية التامة في كل المحافظات.

وناقشت الورشة الختامية على مدى يومين الشكل النهائي للمدونة والتعديلات الجوهرية المقترحة، ليعلن مدير الشؤون الإعلامية في وزارة الإعلام في الثاني عشر من شباط الجاري تسلم الوزارة المدونة التفصيلية المؤلفة من مئة صفحة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق خاص بصناع المحتوى، وتبنيها كما خرجت من اللجنة الوطنية دون أي تعديل أو تغيير بالصياغة.

وبين حاج أحمد أن الوزارة ستشرف على فعالية إطلاق المدونة بتاريخ 15 شباط الجاري، وأنه سيتم اعتماد المدونة من قبل الإعلام الحكومي في يوم إطلاقها، لتكون المؤسسات الإعلامية أول من يعتمدها ومن يعمل بمبادئها ومعاييرها المهنية والأخلاقية.

أهمية المدونة

وفي حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، قال الإعلامي أكرم الأحمد إن أهمية المدونة تأتي من خمس نقاط: أولها ترسيخ قيم الحرية الصحفية وحرية التعبير والحريات من خلال تحسين المنتج أو المحتوى الإعلامي، وحماية حق الجمهور بالحصول على المعلومة الدقيقة، مضيفا أنها تحمي الحريات من خلال أنها أداة مساءلة أخلاقية ذاتية غير عقابية، وبالتالي فإنها تساهم في ترسيخ قيم الحرية.

وتابع أن المدونة أداة لحماية الصحفي نفسه، فعندما تصبح القواعد مكتوبة ومتوافقا عليها يتحول الصحفي من الاجتهاد الذاتي الفردي إلى حماية مؤسسته أمام القواعد المهنية. كما أن هذا الأمر يساهم أيضا بمعرفة الصحفي بصلاحياته التي تساعده على التمييز بين التشهير والخطاب الإعلامي، أو بين حرية التعبير والخصوصية واحترام الخصوصية، وقواعد التصوير، وهذا ما يساعد على حماية الصحفي من المساءلة القانونية.

ويبين الأحمد أن من أهم بنود المدونة، أو أهم عوامل وجودها، أنها أداة لزيادة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، مشيرا إلى أن الإعلام السوري نتيجة العقود الخمسة الماضية كان إعلاما يخدم السلطة، وهو ما أفقده ثقته لدى الجمهور، ولا بد من استعادة هذه الثقة عبر بوابة المدونة التي ترسخ القيم الأخلاقية والمصداقية والدقة واحترام كرامة وحقوق الإنسان. وبالتالي فإنها تساهم في رفع الثقة بالإعلام وعودة هذه الثقة في الإعلام بشكل عام، سواء أكان الإعلام حكوميا أم خاصا أم مستقلا.

إدارة انفجار الذكاء الاصطناعي

يؤكد الإعلامي الأحمد أن المدونة تساهم أيضا في إدارة انفجار الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن لدينا الآن انفجارا كبيرا في الذكاء الاصطناعي وإنتاج محتويات، مثل تحرير صور وتحرير فيديوهات، وحتى تحرير نصوص عن طريق الذكاء الاصطناعي، وهذا الانفجار لا بد له من قواعد لضبطه.

ويوضح أن المدونة تساهم في إدارة الأثر السلبي الذي قد ينتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي بطرق غير أخلاقية أو غير سليمة.

ويتابع أن المدونة محطة مهمة جدا في حياة السوريين ككل، وفي مرحلة التطوير والتحديث والانتقال والتغيير التي تشهدها سوريا حاليا، وذلك لأنها ستساعد على خفض مخاطر الضرر الذي ينتج عن وسائل التواصل الاجتماعي والنشر العشوائي. وبالتالي فإن لها دورا كبيرا في تعزيز السلم الأهلي والسلم المجتمعي، وفلترة خطاب الكراهية، وتنقية المفردات المسيئة لمكونات المجتمع السوري التي قد تتحول إلى أدوات صراع أو سبب في الصراع المجتمعي. أي أن المدونة ستساهم في ضبط المحتوى الإعلامي خاصة فيما يتعلق بموضوع خطاب الكراهية، كما أنها توفر بروتوكولات تغطية للتناحرات المجتمعية لتساهم في السلم والتماسك المجتمعي.

وأشار إلى أنه في المرحلة الماضية كانت هذه الوسائل الإعلامية أداة للتجييش والخندقة ولزيادة الكره والحقد بين مكونات المجتمع السوري. ومن خلال هذه المدونة ستتحول هذه الوسائل إلى أداة سلام مجتمعي عبر البروتوكولات الخاصة في تغطية ظروف ما قد يتعرض له المجتمع السوري.

ويبين أن المدونة يمكن أن تتحول إلى معايير يمكن قياسها في تطور الإعلام وخدمة المجتمع، وبالتالي تكون هذه المعايير أدوات قياس لتطور وجدية المحتوى الإعلامي وخدمته للمجتمع، ويمكن أن تقاس هذه الخدمات من خلال تقدمها لمعايير معرفة المنتج الإعلامي الجيد.

محددات مهنية وأخلاقية

من جانبه، قال الصحافي عبسي سميسم، عضو لجنة صياغة المدونة، في تصريح مماثل للصحيفة إن الهدف من المدونة هو وضع نوعين من الضوابط للعمل الإعلامي: الأول مهني والثاني أخلاقي، وإيجاد آليات من أجل دفع العاملين بهذا الحقل للالتزام بهذه الضوابط، خاصة في ظل حالات الاستقطاب الحاد التي من شأنها أن تؤدي إلى ممارسات غير صحفية وغير مهنية وغير أخلاقية، وتساهم في نشر خطاب كراهية وأخبار مضللة يمكن أن تؤثر في الرأي العام.

وأضاف أن الضوابط المهنية في المدونة هي ببساطة مجموعة من المحددات التي تمكن الصحفي من كتابة محتوى صحفي قابل للنشر في أي وسيلة إعلام مرموقة، أي أنها ترشد الصحفي إلى الأدوات التي تمكنه من الكتابة باحترافية حين مراعاتها، مثل التحقق من المعلومات والتوازن وعدم إقحام الرأي الشخصي في المادة الصحفية، وغيرها من الضوابط المرتبطة بكيفية إنتاج مادة جيدة مهنيا.

وتابع الصحافي سميسم: “أما فيما يخص الضوابط الأخلاقية فهي مجموعة من الإرشادات التي من شأن الالتزام بها أن يرفع مكانة الصحفي الاجتماعية، وتجنبه الانزلاق في ممارسات لا أخلاقية كقبول رشاوى على شكل هدايا أو عدم احترام خصوصيات المصادر وغيرها، بالإضافة إلى أنها تجنب الصحفي التعرض لدعاوى قضائية في حال عدم الالتزام بها، مثل القدح والذم والتشهير بالغير وتبني خطاب كراهية وغيرها”.

الرد على الانتقادات

وحول الانتقادات الموجهة للمدونة، أشار الإعلامي الأحمد إلى أن ذلك جاء من رابطة الصحفيين السوريين المرخصة في فرنسا، التي رفضت مبدأ صدور المدونة عن السلطة التنفيذية، أي الحكومة الممثلة بوزارة الإعلام، وأنها يجب أن تصدر عن الجهات النقابية لأنها شأن نقابي.

وأضاف أنه كانت هناك خشية من الرابطة أن تتحول الأخلاقيات إلى رقابة مقنعة، أو أداة رقابية في يد الحكومة. ويذكر الأحمد أنه من حيث المبدأ الرابطة محقة، لكن هذا يكون في الحالة المثالية، ونظرا للواقع السوري الحالي ونتيجة التغيير الذي يحدث في سوريا وسنوات الحرب والنظام السلطوي السابق، فإن مطالب الرابطة غير واقعية وغير منطقية وغير متناسبة مع هذا الواقع.

واعتبر أنه في سوريا اليوم لا توجد أي جهة حاليا مستقلة ومتماسكة تمثل القطاع كله، كما أنه لا توجد جهة تملك القدرات اللوجستية والمالية والخبرة لوحدها لإنتاج مدونة تستطيع أن تلزم الإعلام الحكومي، لافتا إلى أن هذا الإعلام يشكل اليوم نسبة أكثر من خمسة وسبعين في المئة من الإعلام العامل في سوريا. وبالتالي فإنه من غير المنطقي أن تصدر هذه المدونة عن نقابة أو عن مؤسسة خارج سوريا أو حتى داخلها، لكن عمليا لا تعترف بها الحكومة أو لا تؤيدها، فيكون عملها محدودا.

وقال الأحمد: “إذا كان تخوف الرابطة محقا، لكن بالإسقاط على الواقع هو غير محق، لأن الواقع السوري مختلف تماما عن واقع فرنسا وبريطانيا والدول الأوروبية، على الأقل في الوقت الحالي”.

واستعرض بعض النماذج العالمية في وضع المدونات، حيث إنها تكون بالفعل في بعض البلدان من خلال الجهات أو الهيئات المستقلة دون أي تدخل للحكومة، فيما تشرف الحكومة في بلدان أخرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على المدونات.

وأشار، على سبيل المثال، إلى أنه حتى في بريطانيا هناك دور رقابي للحكومة على تنفيذ المدونات، كما أنه في الهند مثلا المدونة تنتج بشكل كامل من الحكومة، وفي باكستان، وفي الدول العربية، وفي تركيا الحكومة هي من تقوم بوضع القواعد الأخلاقية والمهنية. أي لدينا عدة نماذج على مستوى العالم، حيث يقوم الإعلام المستقل أو قطاع النقابات والهيئات والكتل في بعض الدول الأوروبية وأميركا بإعداد المدونة، أو يكون ذلك بشكل تعاوني بين الحكومة وتلك النقابات والاتحادات والشبكات المستقلة، لافتا إلى أن هناك شكلا ثالثا تقوم فيه الحكومة بالعمل بشكل كامل.

وبين أنه في سوريا قدمت وزارة الإعلام الأرضية والمساعدات اللوجستية والتغطية المالية، لكن من صاغ ونفذ المدونة هو فريق من المستقلين، واشترك في صياغتها مئات المستقلين، وبالتالي فإنها استمدت شرعيتها من حيث الشمولية ومن حيث الإشراك من فئات واسعة من الصحفيين السوريين.

وبدوره يقول سميسم إن هناك بعض الصحفيين، ونتيجة لعدم فهم مضمون المدونة، ينظرون إليها وكأنها وسيلة للحد من حرية التعبير، فيما الموضوع معاكس تماما، فالمدونة هي إحدى وسائل ممارسة حرية التعبير دون الوقوع في مطبات أخلاقية أو مهنية.

دستور مهني

وأكد الوزير حمزة المصطفى أن النقاشات الأخيرة في الفضاء الافتراضي حول تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية لمواجهة المحتوى التحريضي أظهرت الحاجة إلى حلول أكثر توازنا بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية.

وأوضح في مقالة نشرتها صحيفة “الثورة السورية” في السادس عشر من كانون الأول الماضي أن القانون الصادر عام 2022 يواجه عوائق أخلاقية وإجرائية تحد من تطبيقه بشكل عادل وفعال، ما دفع الوزارة إلى البحث عن بدائل عملية.

وأشار إلى أن وزارة الإعلام اختارت مسار إعداد مدونة سلوك مهنية وأخلاقية تتجاوز الصيغة التقليدية لمواثيق الشرف الإعلامية، وتقوم على إشراك الصحفيين والنقابات والمؤسسات الإعلامية في صياغتها، مؤكدا أن المدونة لا تطرح بديلا من القانون، لكنها تمثل إطارا مهنيا يساعد على حل الخلافات داخل الوسط الإعلامي قبل الوصول إلى القضاء، وينتظر أن تتحول إلى “دستور مهني” للصحفيين، يمهد لإنشاء مؤتمر عام يضمن تطويرها ومراجعتها دوريا.

وشدد وزير الإعلام على أن ما أنجز يشكل تجربة سورية جديدة لتنظيم الإعلام بأدوات مهنية تحترم الحرية وتحمي المجتمع، وتؤسس لإعلام مسؤول يليق بتضحيات السوريين، ويضع سوريا على مسار متقدم في تنظيم العمل الصحفي.

————————–

 لماذا لا يكون قانونٌ للإعلام بدلًا من “مدونة سلوك”؟/ عدنان علي

2026.02.17

إن «مدونة السلوك الإعلامي» التي أطلقتها وزارة الإعلام السورية في حفل مدوٍّ، بوصفها إطارًا مهنيًا وأخلاقيًا للعمل الصحافي في المرحلة الانتقالية، تثير من الإشكالات أكثر مما تقدم من حلول أو أجوبة للواقع التنظيمي الهش للإعلام منذ سقوط نظام الأسد.

وقُدِّمت المدونة باعتبارها ثمرة مشاركة واسعة من صحافيين مستقلين وممثلين عن مؤسسات عامة وخاصة، وجرت الإشارة إلى أنها وثيقة استرشادية غير ملزمة قانونيًا، وأنها تقوم على مبدأ الالتزام الذاتي والتصحيح قبل العقاب. غير أن هذا الخطاب الإيجابي يصطدم بإشكالية جوهرية: هل يمكن لمدونة سلوك، مهما بلغ حجمها أو عدد المشاركين في إعدادها، أن تحل محل قانون إعلام واضح ونافذ يصدر عن سلطة تشريعية منتخبة؟

تأتي هذه المبادرة في ظل فراغ تشريعي واضح منذ توقف العمل بقانون الإعلام رقم (108) لعام 2011، عقب سقوط النظام السابق نهاية عام 2024، من دون إلغائه رسميًا أو إصدار بديل عنه. وهذا الفراغ ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو جوهر الأزمة. فالمجال الإعلامي لا يُنظَّم بالنيات الحسنة ولا بالوثائق الأخلاقية وحدها، بل بقواعد قانونية واضحة تحدد الحقوق والواجبات، وتضع تعريفات دقيقة للمخالفات، وتضمن آليات مساءلة عادلة وشفافة.

المدونة، كما أُعلن، تمتد على نحو مئة صفحة، وتتضمن معايير أخلاقية مفصلة، وميثاق شرف، وملحقًا خاصًا بصنّاع المحتوى. لكن مهما بلغ تفصيلها، فهي تظل إطارًا معياريًا غير ملزم قانونيًا. بل إن التصريحات الرسمية التي تربط المصادقة عليها بالحصول على الترخيص والبطاقة الصحافية تضعها في منطقة رمادية؛ فهي ليست قانونًا، لكنها قد تتحول عمليًا إلى أداة تنظيمية ذات أثر إلزامي عبر البوابة الإدارية. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يُخشى أن تتحول المدونة إلى بديل غير مباشر عن قانون إعلام غائب، من دون أن تحظى بالشرعية التشريعية أو الضمانات الدستورية اللازمة.

تدافع الوزارة عن المبادرة بوصفها مقاربة «من الأسفل إلى الأعلى»، شارك فيها نحو ألف صحافي، وباعتبارها خطوة لملء الفراغ إلى حين استقرار البيئة التشريعية. غير أن هذه الحجة تعكس مفارقة لافتة: إذا كان الفراغ التشريعي هو المشكلة، فلماذا لا تكون الأولوية لصياغة قانون إعلام جديد عبر الهيئة التشريعية المرتقبة، وبمشاركة واسعة من الجسم الصحافي، بدلًا من إطلاق مدونة ترعاها السلطة التنفيذية؟

المدونات الأخلاقية في التجارب الديمقراطية تقوم على مبدأ التنظيم الذاتي، أي إن الوسط المهني يضع قواعده بنفسه عبر نقابات أو مجالس مستقلة. أما حين تصدر المدونة عن وزارة حكومية، حتى مع التأكيد على استقلال لجنة الصياغة، فإنها تظل محاطة بشبهة تضارب المصالح. فالإعلام، بطبيعته، سلطة رقابية على الأداء الحكومي، ومن غير المنطقي أن تكون الجهة الخاضعة للرقابة هي نفسها راعية الإطار الأخلاقي المنظم للمهنة.

هذا التخوف عبّرت عنه صراحة رابطة الصحافيين السوريين، التي اعتبرت أن إطلاق مدونة سلوك من قبل وزارة الإعلام يقوّض مبدأ التنظيم الذاتي، ويعيد إنتاج منطق الوصاية التنفيذية على المهنة. ورغم أن الاعتراض لا يطاول فكرة الأخلاقيات المهنية بحد ذاتها، فإن جوهر الإشكال يرتبط بمرجعية القرار: من يملك سلطة الإقرار؟ ومن يحدد آليات التطبيق؟ ومن يضمن ألّا تتحول المعايير الأخلاقية إلى أداة ضغط أو إلى انتقائية في منح التراخيص؟

ثم إن المدونة، مهما توسعت في معالجة قضايا خطاب الكراهية، أو حماية الفئات الحساسة، أو مكافحة التضليل، لا تستطيع أن تحسم الإشكاليات الكبرى المرتبطة بحرية التعبير، وحدود الأمن القومي، ومسؤولية النشر، وحق الوصول إلى المعلومات. فهذه القضايا تتطلب نصوصًا قانونية دقيقة توازن بين الحرية والمسؤولية، وتحدد معايير واضحة لا تترك مجالًا للتأويل الفضفاض.

إن الاعتماد على مدونة أخلاقية في ظل غياب قانون إعلام يخلق وضعًا هشًا: فالصحافيون يلتزمون طوعًا بمعايير عامة، لكنهم يظلون عرضة لإجراءات إدارية أو قانونية تستند إلى نصوص أخرى غير متخصصة بالإعلام. وبدلًا من توفير حماية قانونية للصحافي، قد يجد نفسه في منطقة ضبابية بين وثيقة أخلاقية غير ملزمة وقوانين عامة قد تُستخدم لتقييد عمله.

لا شك أن فتح نقاش مهني حول المعايير الأخلاقية خطوة ضرورية ومطلوبة، خاصة في بيئة إعلامية تشهد تحولات رقمية متسارعة وانتشارًا واسعًا للمحتوى غير المهني. لكن الأخلاقيات وحدها لا تكفي لضبط النشاط الإعلامي؛ فهي تحدد ما ينبغي فعله، لكنها لا تضع آليات إنفاذ عادلة، ولا تضمن حماية قانونية متكافئة للجميع.

قد تكون المدونة بداية حوار، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح تشريعي شامل. المطلوب اليوم ليس فقط «دستورًا مهنيًا»، كما وُصف، بل قانون إعلام عصري يصدر عن سلطة تشريعية، ويكرّس استقلالية المؤسسات الإعلامية، ويحدد بدقة العلاقة بين الدولة والصحافة. ومن دون ذلك، ستظل المدونة وثيقة أخلاقية معلّقة في فراغ قانوني، عاجزة عن ضبط المجال الإعلامي أو حمايته في آنٍ واحد.

تلفزيون سوريا

—————————

مدونة الإعلام السورية… خطوة إلى الأمام أم عودة إلى الوراء؟/ علي قاسم

في غياب تشريعات جديدة تضمن حرية التعبير وتجرّم خطاب الكراهية أو التضليل يبقى الباب مفتوحًا أمام ضغوط سياسية غير مباشرة أو محاولات للتحكم في الرواية الإعلامية.

الأربعاء 2026/02/18

من يملك الحق في وضع المعايير الأخلاقية للمهنة؟

يشهد المشهد الإعلامي في سوريا تحولًا جديدًا مع إعلان وزارة الإعلام إطلاق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي”، في خطوة رسمية تهدف — بحسب التصريحات — إلى تعزيز المهنية، مكافحة التضليل وخطاب الكراهية، وترسيخ حرية التعبير المسؤولة في ظل المتغيرات السياسية والإعلامية الراهنة. ورغم الطابع الإيجابي لهذا الإعلان، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإعلام السوري: هل تمثل هذه المدونة بداية لانفتاح حقيقي، أم أنها تؤسس لوصاية جديدة على الكلمة الحرة؟ وهل تستطيع السلطة التنفيذية أن تلعب دورًا تنظيميًا دون أن تتحول إلى جهة رقابية تقيد الاستقلالية؟

المدونة التي أُطلقت في دمشق بحضور وزير الإعلام حمزة المصطفى وممثلين عن منظمات إعلامية وصحفيين، تتكون من نحو مئة صفحة تشمل معايير أخلاقية ومهنية، حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، آليات متابعة ومساءلة، وميثاق شرف، إضافة إلى ملحق خاص بصنّاع المحتوى الرقمي. الوزير شدد على أن المدونة “ليست وصاية بل إطار مهني مشترك”، وأنها تهدف إلى “صون حرية التعبير من الاستخدام الهدّام” وتعزيز الثقة بين الإعلام والجمهور. هذه اللغة تبدو في ظاهرها مطمئنة، لكنها تثير في العمق جدلًا حول الجهة التي تضع المعايير، وحول ما إذا كان الإعلام السوري بحاجة إلى إطار تنظيمي صادر عن السلطة التنفيذية، أم إلى تنظيم ذاتي ينبع من النقابات والجمعيات المهنية المستقلة.

رابطة الصحفيين السوريين، وهي منظمة مستقلة وعضو في الاتحاد الدولي للصحفيين، رفضت المدونة بشكل قاطع، ووصفتها بأنها “تدخل تنفيذي في شأن نقابي مستقل” و”محاولة لشرعنة الوصاية الحكومية”. رئيسة الرابطة مزن مرشد أوضحت أن الاعتراض ليس على فكرة الأخلاقيات المهنية، بل على الجهة التي أعدتها وأصدرتها، معتبرة أن ذلك يتناقض مع مبدأ استقلال المهنة والتنظيم الذاتي للصحفيين، ويخالف الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية الذي يضمن حرية الرأي والتعبير واستقلال الجمعيات والنقابات. هذا الموقف يعكس جوهر الإشكالية: هل يمكن أن تكون الأخلاقيات المهنية أداة لتعزيز الحرية، أم أنها تتحول إلى وسيلة لتقييدها إذا جاءت من خارج الجسم النقابي المستقل؟

لغة المدونة تبدو في ظاهرها مطمئنة لكنها تثير في العمق جدلًا حول الجهة التي تضع المعايير وما إذا كان الإعلام السوري بحاجة إلى إطار تنظيمي صادر عن السلطة التنفيذية

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، شهد القطاع الإعلامي السوري تنوعًا غير مسبوق، مع انتشار عشرات الوسائل المستقلة والمنصات الرقمية التي تعمل بحرية نسبية داخل البلاد. لكن هذا الانفتاح ما يزال هشًا، كما يظهر في تقرير “مراسلون بلا حدود” لعام 2025، حيث تقدمت سوريا مرتبتين فقط في مؤشر حرية الصحافة (من 179 إلى 177 من أصل 180)، رغم انتهاء عقود من القمع الوحشي تحت حكم عائلة الأسد. المنظمة وصفت الوضع بأنه “هش”، مشيرة إلى أن حرية التعبير التي تحققت مؤخرًا ما تزال مهددة بالتوترات السياسية والضغوط الاقتصادية، خاصة على الصحفيات والإعلاميين من الأقليات الدينية.

التحديات التي تواجه الإعلام السوري اليوم متعددة. هناك فراغ تشريعي ناتج عن تعليق قوانين الإعلام السابقة التي كانت أداة عقابية أكثر منها حماية، وفي غياب تشريعات جديدة تضمن حرية التعبير وتجرّم خطاب الكراهية أو التضليل، يبقى الباب مفتوحًا أمام ضغوط سياسية غير مباشرة أو محاولات للتحكم في الرواية الإعلامية. رابطة الصحفيين السوريين وثّقت 49 انتهاكًا بحق الحريات الإعلامية خلال عام 2025، مع تحول في توزيعها الجغرافي، ما يعكس أن الانتهاكات لم تختفِ بسقوط النظام، بل تغيّرت أشكالها ومصادرها.

إلى جانب ذلك، يعاني الإعلام المستقل من أزمة تمويل حادة بعد تراجع الدعم الخارجي الذي كان يتدفق خلال سنوات الحرب. هذا التراجع يهدد استدامة العمل الصحفي، ويجعل المؤسسات الإعلامية الجديدة عاجزة عن مواكبة التغييرات بالسرعة المطلوبة. أحد الشركاء الإعلاميين السوريين قال لمنظمة الدعم الإعلامي الدولي: “عملنا لسنوات على هذه اللحظة، واليوم نواجه موارد محدودة تجعلنا غير قادرين على مواكبة التغييرات بسرعة كافية”. هذه الأزمة المالية تضيف طبقة جديدة من الهشاشة إلى المشهد الإعلامي، وتجعل الاستقلالية عرضة للتآكل تحت ضغط الحاجة الاقتصادية.

في المقابل، أتاح سقوط النظام فرصًا جديدة: عودة صحفيين من المنفى، تأسيس وسائل إعلامية جديدة، وإمكانية تغطية نقدية للسلطة الانتقالية دون رقابة مسبقة. هذه المكتسبات تمثل تحولًا نوعيًا في تاريخ الإعلام السوري، لكنها تبقى مهددة إذا لم يُبنَ إطار قانوني مستدام يحمي الاستقلال الإعلامي ويضمن الوصول إلى المعلومات. المرحلة الانتقالية، بطبيعتها، هشة سياسيًا وأمنيًا، وأي فراغ تنظيمي قد يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج السيطرة أو الوصاية.

المدونة التي أطلقتها وزارة الإعلام يمكن أن تُقرأ بطريقتين: إما أنها محاولة لإرساء قواعد مهنية في مرحلة انتقالية تحتاج إلى تنظيم، أو أنها أداة لإعادة فرض سلطة الدولة على قطاع بدأ يتنفس بحرية نسبية. هذا التناقض يعكس الصراع الأوسع بين منطق الدولة ومنطق المجتمع المدني في سوريا الجديدة. فبينما ترى الوزارة أن المدونة “إطار مشترك”، ترى النقابات المستقلة أنها “وصاية”، والفرق بين القراءتين يكمن في سؤال الشرعية: من يملك الحق في وضع المعايير الأخلاقية للمهنة؟

الموقف من المدونة يعكس جوهر الإشكالية: هل يمكن أن تكون الأخلاقيات المهنية أداة لتعزيز الحرية أم أنها تتحول إلى وسيلة لتقييدها إذا جاءت من خارج الجسم النقابي المستقل؟

إذا نظرنا إلى تجارب دول أخرى في مراحل انتقالية، نجد أن الإعلام غالبًا ما يكون ساحة صراع بين السلطة والمجتمع. في السودان مثلًا، بعد سقوط نظام البشير، شهد الإعلام انفجارًا في الحرية، لكنه سرعان ما واجه ضغوطًا جديدة مع تصاعد الصراع الداخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع. هذا المثال يوضح أن الحرية الإعلامية في المراحل الانتقالية قد تكون قصيرة العمر إذا لم تُحمَ بإطار قانوني ونقابي مستقل. سوريا اليوم تقف أمام تحدٍ مشابه: كيف يمكن ترسيخ حرية الإعلام في ظل مرحلة انتقالية مليئة بالتوترات؟

الجواب يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد للإعلام، يقوم على استقلالية النقابات، حماية الصحفيين، وضمان الوصول إلى المعلومات. المدونة الحكومية يمكن أن تكون خطوة في هذا الاتجاه إذا تحولت إلى وثيقة توافقية يشارك فيها الصحفيون بحرية، لكن إذا بقيت أداة تنفيذية صادرة عن الوزارة، فإنها ستفقد مشروعيتها وتتحول إلى عبء جديد على حرية التعبير.

المطلوب اليوم ليس مجرد مدونة سلوك، بل إطار قانوني شامل يضمن حرية الصحافة، يجرّم خطاب الكراهية والتضليل، ويحمي الخصوصية والبيانات الشخصية. المطلوب أيضًا دعم مالي مستدام للإعلام المستقل، كي لا يصبح رهينة للضغوط الاقتصادية أو السياسية. المطلوب أخيرًا هو بناء ثقافة إعلامية جديدة، ترى في الحرية مسؤولية، وفي المسؤولية ضمانة للاستقرار.

التضامن خيار استراتيجي في مواجهة الأزمات. ما ينطبق على الدول ينطبق على الإعلام. الإعلام السوري يحتاج إلى تضامن مشابه بين مؤسساته ونقاباته، كي يتمكن من مواجهة التحديات المشتركة. فالتاريخ لا يرحم الأمم المنقسمة، والأزمات لا تنتظر حتى تنتهي الخلافات، والإعلام الحر هو الشرط الأول لإنجاح أي انتقال سياسي.

في النهاية، يمكن القول إن إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي في سوريا يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السلطة الانتقالية في احترام حرية التعبير. إذا كانت المدونة إطارًا مشتركًا بالفعل، فإنها قد تساهم في ترسيخ المهنية وحماية المجتمع. أما إذا كانت مجرد غطاء لإعادة إنتاج الوصاية، فإنها ستقوض المكتسبات الهشة وتعيد الإعلام السوري إلى دائرة التبعية. الخيار الآن بيد الصحفيين، النقابات، والمجتمع المدني، ليقرروا ما إذا كانوا سيقبلون بالوصاية أم سيصرون على استقلالية المهنة. الإعلام السوري ومعه الإعلاميون يقفون على عتبة مرحلة جديدة، وما سيُبنى عليها اليوم سيحدد ملامح مستقبل الإعلام لعقود قادمة.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب

————————–

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى