أزمات الداخل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياغير مصنف

أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 19 أذار 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

أزمات الداخل السوري

انقسام سوري حول تجريد العاصمة من مشروبات الكحول/ طارق علي

المؤيدون للقرار يستندون إلى الهوية الإسلامية للعاصمة والمعارضون من أرباب الحرية والتنوع الديني والثقافي والاجتماعي

الأربعاء 18 مارس 2026

قررت محافظة دمشق حظر تقديم أو بيع المشروبات الكحولية حتى ضمن المطاعم والمقاهي والحانات (البارات) المرخصة لهذا الشأن بالتحديد، وفرضت عليهم جميعهم تحويل رخصهم إلى مقاهٍ عادية تلتزم بعدم تقديم “الخمر”، فيما يقتصر بيع زجاجات الكحول المختوم ضمن محال مخصصة لهذا الغرض على أن تكون داخل الأحياء المسيحية فقط “باب شرقي، وباب توما، والقصاع”.

أصدرت السلطات السورية عبر محافظة دمشق قراراً يقضي بحظر بيع “المشروبات الروحية” في العاصمة السورية داخل المطاعم والحانات في واحدةً من كبرى الخطوات التي ألقت بثقل ظلال نقاشها الواسع في الفضاء الإلكتروني وداخل دوائر المجتمع لما للقرار من تداعيات تمس جوهر الحريات الشخصية التي كفلها الإعلان الدستوري الذي أقرته السلطة ذاتها.

وامتد القرار إلى نحو جوانب أخرى توحي بأدلجة البلد في سياق إسلامي خالص عبر عنه أصحاب تلك المطاعم ومرتادوها سواسية، معتبرين أن قراراً كذلك من شأنه أن يحجب شيئاً من وجه دمشق التي ظلت لقرون طويلة تحتفظ بروحيتها الخاصة التي تقبل كل أصناف الناس على اختلاف معتقداتهم، ولطالما كانت دمشق طوق نجاة الهاربين من كل المدن السورية بحثاً عن حياة أقله لا تحيطهم بانغلاق القيود الموروثة.

مدخلٌ إلى دمشق الجامعة

في هذا السياق، يستذكر وائل جمعة حادثةً قديمة حين كان قيادياً في حزب البعث الحاكم، خلال حديثه مع “اندبندنت عربية” قائلاً “ذات مرة جاءني إمام مسجد يشتكي من وجود مقاهٍ في محيط المسجد ولباس مرتاديها لا يناسب المصلين، فأجبته: ماذا لو اشتكى مرتادو المقهى من ثياب المصلين أيضاً، هل نغلق المسجد والمقهى؟”.

ويتابع جمعة “طبعاً في عهد بشار كان إغلاق ثكنة أهون من إغلاق مسجد لأسباب سياسية خصوصاً في دمشق، لكن كانت الرسالة التي أريد إيصالها للشيخ أن دمشق للجميع، المتدينين وغير المتدينين، هذه المدينة لا تحتمل أن تكون لوجه واحد وإلا انفجرت وفقدت بريقها، والآن نعود للمربع الأول بعد قرار المحافظة، هناك من يريد احتكار أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ وجعلها كابول ثانية وهي التي لطالما كانت منارة الشرق وأم العلوم والمعارف وصالونات الأدب والفكر والسياسة والفقه النير المعتدل الذي لطالما مثله علماء الشام الكبار كمثل المفتي التاريخي أحمد كفتارو والإمام والمرجعية العالمية محمد البوطي، وكلاهما ومعهم مجمع العلماء لم يمنعوا الحانات”.

القرار كلحظة تحول

قررت محافظة دمشق حظر تقديم أو بيع المشروبات الكحولية حتى ضمن المطاعم والمقاهي والحانات (البارات) المرخصة لهذا الشأن بالتحديد، وفرضت عليهم جميعهم تحويل رخصهم إلى مقاهٍ عادية تلتزم بعدم تقديم “الخمر”، فيما يقتصر بيع زجاجات الكحول المختوم ضمن محال مخصصة لهذا الغرض على أن تكون داخل الأحياء المسيحية فقط “باب شرقي، وباب توما، والقصاع”.

وقد وردت عديد الاشتراطات لعملية البيع تلك أيضاً، فعلى سبيل المثال يجب أن يبعد أي محل بيع مشروب مسافة لا تقل عن 75 متراً عن أي مدرسة أو دور عبادة، و20 متراً على الأقل من المراكز الأمنية، مع مهلة ثلاثة أشهر للتنفيذ.

في دمشق شرائح متنوعة من السكان، يكاد يكون لا حصر لها، يقول أستاذ علم التاريخ نائل هبرة “لنستعر مجازاً من الشاعر تميم البرغوثي من شهيرته (في القدس)، إذ يقول: (فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصقْلابُ والبُشْنَاقُ والتتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ، فيها كل من وطئَ الثرى)، وهكذا هي دمشق فيها من كل صنف ولون الآن وفي كل زمان، فيها العابد والزاهد والناسك والمتشدد والعلماني والربوبي واللا ديني، ولكل منه حياته وسبل عيشها، من يريد أن يشرب الكأس سيعرف الطريق إليه، ومن يريد الوعظ سيعرف الطريق، أما أن تصبح كل الدروب تقود إلى طريق واحد، فأنا أقولها: دمشق لا تحتمل الإكراه، وليسألوا جيش المشرق الفرنسي عن ذلك”.

بدوره، يرى عضو مجلس المحافظة السابق إبراهيم شداد أن “القرار يتجاوز كونه تفصيلاً إدارياً عابراً، بل هو أسلوب تنميطي لتنفيذ طريقة حكم قسرية تنطلق من رؤية ترتبط بأصحابها، هل المسيحي هنا أهل ذمة فمسموح أن يبيع في حيه؟ هذا استعداء عنصري، ثم يسألون لماذا لم يظل مسيحيون؟ وقريباً سيسألون لماذا لم يظل مسلمون؟ نعم أنا ضد انفلات السكارى في الطرقات، ولكن هذا الأمر لا يحصل في دمشق، وشارب الخمر في الحانة طبيب ومهندس وحقوقي ورسام وفنان وجامعي وغيرهم، هؤلاء لا يحملون السلاح، هؤلاء لا يؤذون الآخرين، الحرية تقتضي أن يترك للناس حرية اختيار المكان الذي يريدون التواجد به”.

فايد كيلو صاحب حانة أغلقها من تلقاء نفسه بعيد سقوط النظام قبل أن يسافر إلى أربيل، يقول “كان مضمون الرسالة واضحاً من عنوانها قبل عام، وكنت أرى هذا اليوم قريباً جداً، القوى الراديكالية ستسيطر على المشهد العام وتصنع الفضاء الذي تريده، الآن هناك من يريد تعليمنا الأخلاق، وبالمناسبة، هذا ليس سراً، كثير ممن يعاقر الخمر اليوم هم من بعض جنود السلطة، لكن ليس على الملأ”.

دمشق التي كانت

كثيرٌ ما تغير وجه دمشق خلال عام وبضع، في دمشق القديمة وحدها كان هناك أكثر من 60 حانةً تتصف بالرقي واحتضانها لأجود أهل المدينة، حانة تلو أخرى أغلقت أبوابها، حتى بقي نحو خمس حانات فقط تعمل عشية إصدار قرار المنع، ولكن مقابل الحانات التي كانت تغلق كانت تفتح “مراقص”، تلك الشعبية التي تقوم على وجود راقصة يرمي الحضور المال عليها، وتلك الأماكن في عُرفِ من عرَف السهر وعرفه لنفسه كـ “تنفسية” عن أسبوع عمل لا يقترب منها لكثرة ما فيها من مشكلات.

يصف ساكنو دمشق، وهم فئتان، تلك التي تعيش أيامها وحسب، وأخرى التي تعشق تفاصيلها، الثانية تصفها بأنها المدينة التي لا تعرف النوم ليلاً، صاخبةٌ بكل ما فيها، جورجيت خوري مهندسةٌ تسكن باب شرقي منذ سنوات طويلة، تتحسر على أيام دمشق القديمة الجميلة، تحاول جاهدةً إيجاد توصيف ملائم لتغير الواقع من حولها.

وتختصر خوري بالقول “كنا نسهر وأصدقائي كل خميس تحت القصف المتواصل في سنوات الحرب، منذ فترة ونحن نرى سيارات الدعوة والهداية، أنا مسيحية وأحب ديني بصراحة، لماذا يريدون هدايتي في حي مسيحي؟، الحانات التي عشنا معها أجمل ذكرياتنا أغلقت، والآن ثمة من حولنا أناسٌ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مسلماً أم مسيحياً، يهودياً أو بوذياً، لا فرق، أحدهم يريد اقتلاع عقلك وذاكرتك وتمزيقهما”.

وتكمل خوري قائلة “حانات دمشق الرائعة غادرت، ماريونيت، راديو بيروت، إيسكو، زرياب، إيتز، نوى، والبقية، تسير في الشوارع غريباً، ظلت هناك بارات تعد على أصابع اليد الواحدة، وغالباً ستغلق، نحن لم نكن نحب تلك الحانات من أجل المشروب، كنا نحبها لأنها كانت الحياة في زحمة الموت، كان صوت الموسيقى داخلها أعلى من صوت القصف والمدافع، الآن صار يجب أن نقول دامعين: إن أعادوا لك الأماكن فمن يعيد الرفاق؟ لا أماكن ظلت ولا رفاق”.

مالك اسم مستعار لصاحب مطعم لا يزال قائماً حتى الآن، يقول “أخاف أن أقول اسمي وبعدها رأيي فيمتد القرار من منع تقديم المشروب لإغلاق المطعم، هذه الحالة من التعسف صارت مرفوضة بوضوح من المجتمع الدمشقي، هذا مجتمع اعتاد التعايش، نحن لسنا مسؤولين عن تجربة إدلب ونظام الحكم فيها هناك خلال سنوات الحرب، هذه دمشق ويجب أن تظل دمشق، سأقولها بوضوح: هل تعلم السلطة كم من قواتها يسهرون في المراقص الشعبية؟ ولكن هذا لا يستوي، يجب أن يكون هناك شرطة حسبة لتعيد تقويمنا بما يتناسب مع كمية الشيوخ التي تحكم كل مفاصل البلد”.

ما وراء القرار

مصدرٌ على اطلاع أفاد بأن “القرار ليس متعلقاً بكبح الحريات المصانة دستورياً بقدر ما يتعلق بتنامي ظاهرة المشروب في المجتمع السوري، وما يسببه من آفات ترتبط بعدم الالتزام بضوابط محددة لتقديمها، فهي تباع للصغار والمراهقين واليافعين، وقد تجر معها ذلك الجيل نحو ارتكاب أخطاء لا تمثل طبيعة بيئتنا المحافظة، فالقرار لم يجئ من فراغ، بل كان بعد دراسة مطولة لشكاوى كثيرة جداً وردت من السكان، وبناء على طلب المجتمع الدمشقي نفسه، والبيئة المجاورة لتلك الأماكن، فضلاً عما سببته تلك الظواهر من إخلال بالآداب العامة، وما تحمله من تجاوزات غير مقبولة تسبب بها بعض السكارى”.

في مكان مقابل يرى دمشقيون لا تربطهم علاقات بتلك الأماكن بأن ذلك القرار فيه شيء من الصواب حيناً، والخطأ حيناً آخر، معتبرين أن تأثيره المباشر على النشاط الترفيهي في العاصمة سيكون صعباً، بخاصة في ظل انفتاح الدول الدينية على ذات الأمور، لتعود سوريا وتغلق الأمر عليه، وفي ذلك قطع أرزاق واسع، فالناس لم تكن تقصد الحانات والمطاعم تلك لتناول الطعام، بل لتناول المشروب والرقص والترفيه والاحتفال، فكانت تلك الأماكن هي العمود الفقري لليل دمشق، وكذلك هي الوجه الحضاري للمدينة بالنسبة للسياح العرب والأجانب تاريخياً، وفي ذلك تأثير على الاقتصاد الحضري النامي للمدينة.

تطييف البطون

“هل يجرؤ سوري واحد منذ التحرير أن يسير بسيارته ومعه زجاجة خمر مصطحباً إياها إلى المنزل؟” هذا ما قاله المبرمج هاني حداد، ويكمل “المشكلة الآن أنه لم تعد هناك حانات، وتم حصر البيع في محال بأحياء المسيحيين، هذه كارثة، ماذا يعني أن يبيع المسيحي الكحول، هذا تطييف للبطون، هذا الحصر الجغرافي مرعب ومخيف، طيب ماذا لو اشترى من عنده مسلم، لم يخبرنا أحد ما العقوبة؟ هذه القرارات المتتالية مخيفة، لا شيء فيها منطقي أو يوحي بأنه مدروس، كل يوم قرار وكارثة ومصيبة على رأس الشعب”.

حين مشطت السلطات الجديدة أحياء العلويين في حمص عقب سقوط النظام مباشرةً دخلت المنازل باحثةً عن الأسلحة والمعدات الحربية، قامت بعمليات تفتيش مركزة، واحد من أولئك الذين تم تفتيش منزله في حمص كان الطبيب رضا سعد والذي بات الآن في أبو ظبي، عن ذلك اليوم يقول: “حينها دخل بضعة عناصر إلى منزلي، وجدوا في مطبخي زجاجات خمور، قاموا بتكسيرها من دون سؤالي عنها أو محاسبتي حتى مع أني توقعت الأسوأ، أقول ذلك لأتبعه باستغرابي مما يحصل، أين المشكلة الآن، من مسموح له أن يشرب ومن لا؟ هل الشرب في المنزل مسموح أم ستكون هناك هيئة نهي عن المنكر تداهم المنازل لتشم رائحة أفواه الناس؟، نحن وفي غربتنا ما عدنا نفهم شيئاً، لكني يوماً بعد آخر ابتعد عن فكرة العودة ولو زيارة”.

إعادة تعريف المدن

على رغم أن سوريا تضم زهو 20 ألف مسجد وجامع في نسبة تعتبر من بين الأعلى عربياً، إلى أن الدولة بعمومها كانت تتصف بالطابع القومي المتشدد المنحاز نحو اليسار السياسي انطلاقاً من تحركات تاريخية ربطتها بالاتحاد السوفياتي ما فرض طابعاً علمانياً واسعاً على الممارسات العامة في البلاد وطابعاً دينياً آخر أكثر خصوصية جعل من معظم الطائفة السنية وسطيين من الأشاعرة والصوفية، وكانت في محطات مواجهة الإخوان المسلحين، في الستينيات والثمانينيات، تتداعى الطوائف كجسد واحد، وليس هذا لأن نظام الأسدين كان بارعاً في نسج المناخ العام المتآخي، بل لأن سوريا تاريخياً عبارة عن مزيج من تلاقح حضارات وتيارات وأفكار وثورات معرفية، فلم يستصعب الأسدان حصد الثمار، على رغم أن بشار الأسد أجاد لاحقاً الإمساك بورقة الإسلاميين ورميها في وجه أميركا بعد غزو العراق عام 2003، وهو ذات الارتداد الذي عاد إليه بعد سنين، كما ذكر خبراء سياسيون مراراً في مواقع متعددة.

يرى مراقبون سوريون اليوم أن ما يحصل في سوريا خطير، لأنه ليس عابراً، بل لأنه يتجه نحو التكريس، من دون أن يتناسوا المقولة الشهيرة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مؤتمر دولي قبل أشهر عن سوريا “إن الخطيفة لا يحق لها أن تسألك إذا حررتها إلى أين ستأخذها”، وفي هذا الربط بالضبط يرى المهتمون أن سوريا الآن تماماً هي الخطيفة التي لا يحق لها أن تسأل المحرر أين يقتادها، وذلك لأن أيضاً شعار المرحلة كان: “من يحرر يقرر”.

الانقسام الصامت

على رغم أن البحث هنا يتناول الآراء المعترضة وأولئك المتضررين بشكل أو بآخر من قرار السلطة حول الكحول، لكن في المقابل هناك انقسام واضح حول الأمر، فثمة شريحة وبالتأكيد ليست قليلة أيدت القرار، وستؤيد قرارات مشابهة، لا يشترط بتلك الشريحة أن تكون متشددة، لكنها على الأقل محافظة، وترى في دمشق وجهها النهاري المشرق، ترى فيه أهمية دور العبادة والمدارس والجامعات ومفاعيل الأمن والأمان ومستقبل البلاد عامة.

وفي هذا السياق يقول الحاج عبد الرحمن رضوان “أنا من سكان دمشق القديمة، وبالمناسبة أنا شيعي، لكني مع هذا القرار بالمطلق، ومنذ زمن بعيد ونحن نطالب بإغلاق هذه الأماكن، هذه دمشق، ليست باريس، جاري وابن مدينتي وابن بلدي أياً تكن طائفته ليشرب في منزله، ليس لدي واعتقد كثر مشكلة معه، لكن الأمر فاق حده في تلك الحانات، الانفتاح لا يكون هكذا، لا أعلم متى أصبح هؤلاء الشباب يلبسون نصف ملابس حتى في الشتاء، وفي الصيف أكثر، هذه الحرية المستوردة لا تناسب مجتمعنا، هي تمثل قيم الانحلال لا الرقي”.

يوافق المحامي معاذ زيتون على رأي الحاج عبد الرحمن بأن الأمر فاق حده بقوله “لم يعد الأمر حريات شخصيات، هذا جيل ينمو ويكبر على مفاهيم ليست سليمة، الحرية في غير مكانها تدمر المجتمع، هؤلاء مراهقون ويافعون، أنا بلغت الخمسين من عمري، جيلنا وأجيال كثيرة تربت على العقيدة الوطنية والتربية العسكرية والقيم المجتمعية، هذا الجيل بكل هذه الإغراءات أمامه ماذا يعرف عن الوطن؟ الجميع يريد أن يرحل ويسافر، أنا لست ضد المشروب، لكن ليكن بالمناسبات لمن يرغب، في البيوت لمن يشاء، لكنه صار نمط حياةٍ ثابتاً في أيام العطل الأسبوعية لمجموعات شبابية لا تنفك عن القدوم إلى تلك الأماكن، وهذا صلب المشكلة، تنشئة الجيل القادم”.

بالمحصلة قد يبدو القرار بسيطاً وطبيعياً ومتماشياً مع طبيعة مرحلة معينة، لكن التمعن فيه وربطه مع سلسلة قرارات كثيرة سابقة تلت فترة التحرير تعني أنه جاء ليحمل بعداً رمزياً قاسياً واجتماعياً تمييزاً وسياسياً عميقاً ليكون الهدف النهائي منه هو وضع ضوابط أخلاقية صارمة تطارد المواطن في حريته وكينونته وتحجمه في مذهبه وأفكاره وتحاصره في حيه ونمط حياته، ومن أجل كل ذلك سأل سوريون اليوم “هل القرار المقبل سيكون واضحاً بإعلان تشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟”.

——————————

بطالة الشباب السوري… عنوان صغير لخراب كبير/ قصي جهاد زهر الدين

17 مارس 2026

خرجت سورية من حربٍ مدمّرة استمرت أكثر من عقد، لتجد نفسها أمام خرابٍ اقتصادي عميق لا يقل قسوةً عن الدمار العمراني. فبعد سقوط نظام بشّار الأسد، واجهت السلطة المؤقتة واقعاً هشّاً يتمثل في بنية إنتاجية شبه مشلولة، وقطاع خاص منهك، وعملة فقدت معظم قيمتها، وبطالة متصاعدة تطاول الذكور والإناث. لم يكن سقوط النظام نهاية الأزمة، بل بداية اختبار اقتصادي معقد، حيث تداخلت آثار الحرب الداخلية مع ضغوط إقليمية جديدة زادت المشهد تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد التوتر والحرب بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة أخرى، ما انعكس سلباً على الاقتصاد السوري في لحظة حرجة كان يحتاج فيها إلى استقرار نسبي لإعادة التقاط أنفاسه.

البطالة تُهدّد مرحلة الانتقال السياسي

تشهد سورية اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها المعاصر، إذ تتقاطع التحولات السياسية العميقة مع واقع اقتصادي هشّ ومرهق. وفي قلب هذا المشهد، تقف البطالة بما هي أحد أخطر التحديات التي تُعيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتُهدّد قدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق وعودها بالتعافي والتنمية. وتفيد أحدث التقديرات الدولية بأن معدل البطالة في سورية بلغ نحو 13% عام 2024 وفق بيانات منظمة العمل الدولية، بينما تُقدّر بيانات البنك الدولي أن النسبة ارتفعت إلى 14% في عام 2025. والتوقعات الاقتصادية أنها ستستقر حول 14% في عام 2026.

تُعد بطالة الشباب إحدى أكثر الظواهر إلحاحاً وخطورة، حيث وصلت إلى 33.1% عام 2025، بحسب بيانات البنك الدولي، وهي من الأعلى في المنطقة، وتعكس حجم التحدّيات التي تواجه جيلاً كاملاً يقف اليوم على عتبة المستقبل بلا فرص عمل حقيقية. وقد دمّرت سنوات الصراع الطويلة البنية الإنتاجية، وأضعفت القطاعين، الصناعي والخدمي، حيث يؤكد تقييم لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن البطالة بلغت 24% عام 2024 في عدة مناطق بسبب غياب فرص العمل وتضرّر القطاعات الصناعية والخدمية الأساسية.

وقد زادت عودة مئات آلاف من السوريين منذ بداية عام 2025 الضغط على سوق العمل، في غياب القدرة الاستيعابية، وتفيد تقارير بأن 83%  من سوق العمل السوري غير رسمي، ما يعني غياب التأمين الاجتماعي والحماية القانونية، ويجعل ملايين العمال عرضة للاستغلال أو فقدان الدخل فجأة.

أسباب البطالة في سورية اليوم متشابكة. أولها تدمير البنية الصناعية والزراعية خلال سنوات الحرب، إذ خرجت آلاف المنشآت من الخدمة، وتضرّرت الأراضي الزراعية وشبكات الري، وهُجّر جزء كبير من اليد العاملة الماهرة. كما أن انقطاع سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة جعلا إعادة تشغيل المصانع مسألة مكلفة تفوق قدرة كثير من المستثمرين. يضاف إلى ذلك ضعف البيئة القانونية والاستثمارية، وغياب التمويل الكافي، وتردد رؤوس الأموال المحلية في المجازفة ضمن مناخ سياسي وأمني غير مستقر بالكامل. ومع عودة أعداد من النازحين واللاجئين تدريجياً، ازداد الضغط على سوق العمل المحدود أصلاً، فارتفعت نسب البطالة، خصوصاً بين الشباب وخرّيجي الجامعات الذين لا يجدون فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم. ولم تعد البطالة حكراً على الرجال، بل امتدت إلى النساء اللواتي دخلن سوق العمل بكثافة أكبر خلال سنوات الحرب، سواء بدافع الحاجة أو فقدان المعيل، لكن السوق لم يتوسع بالقدر الكافي لاستيعابهن.

أما دخل الفرد السوري فهو اليوم أحد أبرز المؤشرات على عمق الأزمة، فالرواتب في القطاعين العام والخاص لا تكاد تغطي جزءاً بسيطاً من تكاليف المعيشة. ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل متواصل نتيجة ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع كلفة الاستيراد، وتذبذب سعر الصرف. الإيجارات تضاعفت في المدن التي شهدت استقراراً نسبياً، فيما بقيت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومحروقات مكلفة ومتقطعة. النتيجة أن متوسط دخل الأسرة بات بعيداً جداً حتى عن خط الفقر، وأصبح كثير من السوريين يعتمدون على التحويلات الخارجية من أقارب في المهجر، أو على أكثر من عمل لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. هذا الخلل بين الدخل والإنفاق دفع شريحة واسعة من الناس إلى البحث عن حلول فردية خارج الأطر التقليدية للعمل.

من هنا برزت ظاهرة المشاريع المنزلية الصغيرة خياراً اضطرارياً للبقاء. فمنتجات “كاللبنة والمكدوس” والتي كانت تغص فيها غرف “المونة” في بيوت السوريين أصبحت اليوم سلعة تعرض على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف البيع، إعداد المخللات والمربيات، الخبز المنزلي، الخياطة، وحتى إعادة تدوير بعض المواد، كلها تحولت إلى مصادر دخل أساسية لأسرٍ كثيرة. هذه المبادرات إن كانت تعكس مرونة المجتمع السوري وقدرته على التكيّف، لكنها في الوقت نفسه مؤشّر على انكماش الاقتصاد المنظم. فبدل أن تكون هذه الأنشطة مكملة لدخل مستقر، أصبحت بديلاً عن وظائف مفقودة. وغالباً ما تفتقر هذه المشاريع إلى الدعم والتمويل والتسويق، فتظل أرباحها محدودة، وتبقى عرضة لتقلبات الأسعار وارتفاع تكاليف المواد الأولية. ومع ذلك، فإنها خففت جزئياً من وطأة البطالة، ووفرت شبكة أمان غير رسمية حالت دون انهيار اجتماعي أوسع.

لم يمضِ الوقت الكافي للتعافي اقتصادياً حتى جاء التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران ليضيف طبقة جديدة من الضغوط. فالتوتر الإقليمي انعكس مباشرة على سورية بحكم موقعها الجغرافي وتشابك ساحتها مع أطراف النزاع. أي اضطراب في المنطقة يعني ارتفاعاً فورياً في أسعار الوقود والشحن والتأمين، ما يزيد كلفة الاستيراد على بلد يعتمد إلى حد كبير على الخارج لتأمين احتياجاته. كما أن المخاوف الأمنية تدفع المستثمرين إلى التريث، وتؤجل مشاريع إعادة الإعمار، وتحدّ من تدفق المساعدات والاستثمارات. كذلك فإن العقوبات المرتبطة بالصراعات الإقليمية تعقّد حركة التحويلات المالية، وتزيد من عزلة الاقتصاد السوري عن النظام المالي العالمي. يحدث ذلك كله في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد بعد من صدمة الحرب الداخلية، ما يجعل البطالة مرشّحة للارتفاع مجدّداً إذا لم تُتخذ

إجراءات سريعة

لا يقتصر تأثير هذه الحرب على الأرقام، بل يمتد إلى المزاج العام. فالمواطن الذي كان يأمل بتحسن تدريجي بعد تغيير السلطة، عاد ليشعر بأن بلده ساحة لتجاذبات أكبر من قدرته على الاحتمال. ومع كل خبر عن تصعيد عسكري، يرتفع سعر الصرف في السوق، وتشتعل أسعار السلع، ويزداد قلق التجار والمستهلكين على حد سواء. هذا المناخ النفسي يؤثر بدوره على النشاط الاقتصادي، إذ يتجه الناس إلى الادخار أو الاكتناز بدل الاستثمار والإنفاق، ما يبطئ عجلة السوق.

يقول المحلل الاقتصادي علي مهنا: “أمام هذا الواقع، تبدو المهام الإسعافية للحكومة المؤقتة واضحة لكنها صعبة. إذ يجب تثبيت الاستقرار النقدي عبر سياسات مالية شفافة، وضبط الكتلة النقدية، والسعي للحصول على دعم خارجي مشروط بإصلاحات حقيقية، وإطلاق برامج سريعة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال قروض ميسرة، وتدريب إداري وتسويقي، وتنظيم الأسواق الشعبية، بما يحول المبادرات المنزلية من حلول بقاء إلى نواة اقتصاد محلي منتج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، كما يجب تبسيط الإجراءات الإدارية ومحاربة الفساد لضمان بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والخارجي. وأخيراً، العمل دبلوماسياً على تحييد سورية قدر الإمكان عن صراعات المحاور، لأن أي انزلاق جديد إلى دائرة المواجهة سيقضي على ما تبقى من فرص التعافي”

إنقاذ الاقتصاد السوري لا يتطلب معجزات بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة وقرارات شجاعة تعترف بحجم الكارثة. البطالة ليست مجرّد رقم، بل هي شعور يومي بالعجز وفقدان الأمل. وضعف الدخل ليس مسألة إحصائية، بل معاناة تتجسّد في مائدة طعام أصغر، ودواء مؤجل، ومستقبل غامض. وبين مشاريع “اللبنة والمكدوس” الصغيرة وأحلام إعادة الإعمار الكبرى، تقف سورية اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر عدالة وإنتاجية، أو أن تبقى رهينة هشاشة داخلية وصراعات إقليمية لا ترحم.

——————————

 اللباس المدرسي الموحد في سوريا.. انضباط تربوي أم إرث من حقبة البعث؟/ زينب مصري

2026.03.17

لم يكن الزي المدرسي في سوريا مجرد تفصيل تنظيمي داخل المدارس، بل ظل لعقود جزءاً من صورة المؤسسة التعليمية وشكلها في الوعي العام. ومع إعلان وزارة التربية والتعليم إطلاق مسابقة وطنية لتصميم زي جديد لطلاب المراحل التعليمية المختلفة، عاد هذا الملف إلى دائرة النقاش بين السوريين، حيث امتد الجدل من شكل اللباس وألوانه إلى الأسئلة الأعمق المرتبطة بوظيفة المدرسة وحدود الانضباط والحرية داخلها.

أعلنت وزارة التربية والتعليم السورية مؤخراً إطلاق مسابقة لتصميم الزي المدرسي للمراحل التعليمية الثلاث: الروضة، والتعليم الأساسي، والثانوي، ووصفت الوزارة الخطوة بأنها محاولة لتطوير المشهد البصري للمؤسسة التعليمية، لكن الإعلان سرعان ما أثار نقاشاً واسعاً بين المتابعين والخبراء، إذ لم يقتصر الجدل على الجوانب التقنية للتصميم، بل اتخذ أبعاداً رمزية وثقافية.

فريق من السوريين رأى أن اعتماد زي موحد بصيغته المركزية يعيد إلى الأذهان ممارسات ارتبطت بفترة حكم حزب البعث، والتي هدفت إلى صهر الشخصية الفردية ضمن قالب جماعي.

في المقابل، طرح آخرون حلولاً وسطى، مثل منح المدارس استقلالية في اختيار زيها الخاص، بما يمنح كل مؤسسة تعليمية هوية بصرية مميزة.

أما تيار ثالث فذهب إلى رفض فكرة التوحيد من أساسها، معتبراً أن حرية اختيار اللباس، ضمن ضوابط عامة، قد تسهم في تعزيز شخصية الطلاب وتنمية قدرتهم على التعبير عن أنفسهم.

تحولات الزي المدرسي في سوريا

لفهم الجدل الحالي، لا بد من العودة إلى تاريخ الزي المدرسي في سوريا. ففي السنوات الأخيرة، استمر العمل بتصاميم تقليدية في المدارس، خاصة في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام المخلوع، مثل “المريلة الزرقاء” لطلاب المرحلة الابتدائية، والبدلة الزرقاء لطلاب التعليم الأساسي، وصولاً إلى البدلة الرمادية في المرحلة الثانوية، مع قميص زهري للإناث وأزرق للذكور.

ورغم استقرار هذه التصاميم لسنوات طويلة، فإنها لم تحظ بإجماع اجتماعي، إذ انتقدها كثير من الأهالي باعتبارها جامدة ولا تعكس تطور البيئة التعليمية.

كما أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة خلال سنوات الحرب في تخفيف الالتزام الصارم بالزي المدرسي، بعدما غضت الجهات الرسمية الطرف عن تطبيقه بشكل كامل، ما جعل الزي يتحول تدريجياً من رمز للانضباط إلى عبء اقتصادي على بعض الأسر.

جذور العسكرة في المدرسة السورية

يرتبط الجدل حول الزي المدرسي أيضاً بذاكرة تاريخية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، مع بداية حكم عائلة الأسد.

في تلك المرحلة، اتخذ الزي المدرسي طابعاً عسكرياً واضحاً، تمثل في اللون الزيتي و”السيدارة” وحزام الوسط، في بيئة تعليمية اتسمت بالانضباط الصارم وانتشار مادة “التربية العسكرية” ومدربي “الفتوة” داخل المدارس.

كما ارتبط الزي المدرسي بتنظيمات طلابية تابعة لحزب البعث مثل “طلائع البعث” و”اتحاد شبيبة الثورة”، ما جعل اللباس المدرسي جزءاً من منظومة سياسية أوسع.

ورغم تراجع المظاهر العسكرية تدريجياً وتغيير الألوان في العقود اللاحقة، بقيت بعض الرموز مثل “الفولار” و”السيدارة” حاضرة لسنوات طويلة، وهو ما خلق حساسية لدى شريحة من السوريين تجاه فكرة فرض زي موحد مركزي.

الزي بين المساواة والقيود

تقول سارة زلوخ، في شهادة أدلت بها لموقع تلفزيون سوريا، إن اللباس المدرسي الحالي لا يزال يحمل في طياته ظلال تلك الحقبة. تذهب سارة في وصفها إلى أبعد من ذلك حين تقول إن الزي “يشبه زي المساجين”، مشيرة إلى أن هذا الشعور لا يقتصر على اللباس بل يمتد إلى شكل المدارس ومعمارها الذي يوحي بطابع الحجز والتقييد. وترى سارة أن أي تغيير حقيقي يجب ألا يتوقف عند “تصميم القماش”، بل يجب أن يطول المنظومة التعليمية برمتها، من أساليب التدريس إلى شكل العلاقة بين المعلم والطالب. ومع ذلك، لا تنكر سارة الجانب العملي للزي الموحد، إذ تراه وسيلة ضرورية لتحقيق قدر من المساواة والحد من مظاهر التنمر الاجتماعي.

من زاوية أخرى، يقف علاء رمضان مدافعاً عن مبدأ “التوحيد” كأداة للعدالة الاجتماعية. يرى علاء أن الزي الموحد يقلص الفوارق الطبقية التي قد تبرز بوضوح في حال تُرِكت الحرية كاملة. فالمدرسة، في نظره، يجب أن تكون مساحة للتنافس العلمي الخالص، حيث لا يشعر الطالب بتفوق زميله إلا من خلال التحصيل الدراسي. ويؤكد علاء أن الالتزام بالزي هو “تمرين على الانضباط” وامتثال للقواعد العامة، داعياً في الوقت ذاته إلى أن يكون اللباس “عادلاً” من الناحية المادية، بحيث لا يسبب حرجاً لرب الأسرة أمام متطلبات العام الدراسي الجديد.

اللامركزية كحل محتمل

تطرح أمل سلات رؤية مختلفة تمزج بين الانضباط والتنوع؛ تقترح أن يكون لكل مدرسة زيها وشعارها الخاص، مستشهدة بالنموذج التركي حيث تمنح المدارس استقلالية بصرية. ترى أمل أن هذا التوجه يمنح الطلاب شعوراً بالانتماء إلى مؤسستهم التعليمية المحددة ويخلق نوعاً من التنوع الجمالي في الشوارع، بعيداً عن رتابة اللون الواحد الذي يغطي البلاد من أقصاها إلى أقصاها. كما تقترح أن يراعى في التصميم الجانب العملي والخصوصية الاجتماعية، كاعتماد البنطال والقميص للذكور والإناث مع مراعاة الألوان المناسبة لكل فئة عمرية.

وعلى نقيض هذا المقترح، يرى عبد الرحمن كنامة أن “تعدد الأزياء” بين المدارس قد يعيد إنتاج الفوارق الطبقية بشكل مؤسساتي، بحيث تتمايز مدارس الأحياء الغنية بزيها عن مدارس المناطق الأفقر. ويشدد كنامة على أن “المساواة المطلقة” هي الأساس، وأن الطالب يبقى طالباً بغض النظر عن نوع مدرسته، معتبراً أن التعبير الفردي عن الهوية يجب أن يترك للمساحات خارج الدوام المدرسي.

القراءة التربوية.. ما وراء القماش

الموجه التربوي جاسم الحمد يضع النقاش في إطاره العلمي والعملي؛ يوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الزي الموحد هو وسيلة فعالة لتقليل التباينات الاقتصادية الصارخة داخل الصف الواحد. ففي حال غياب الزي، يظهر الفرق بين الملابس الباهظة والملابس البسيطة، مما قد يؤثر سلباً على نفسية الطلاب الأقل حظاً.

ويؤكد الحمد أن ربط الزي بالسياسة هو “نتاج الذاكرة” وليس خللاً في المبدأ بحد ذاته. فالتصاميم العسكرية السابقة هي التي شوهت فكرة “التوحيد”، بينما يمكن لتصاميم حديثة وألوان مريحة أن تحقق الانضباط والهوية المطلوبة دون استحضار الذاكرة السلطوية. ويقترح الحمد أن تتدخل الحكومة السورية بشكل مباشر لدعم كلفة هذا الزي، لضمان ألا يتحول “المظهر التربوي” إلى عبء معيشي جديد.

انتظار نتائج المسابقة

بين مؤيد يرى في الزي الموحد صمام أمان للعدالة الاجتماعية والانضباط، ومعارض يراه قيداً أيديولوجياً وإرثاً لحقبة يريد السوريون تجاوزها، يبقى النقاش حول “هوية المدرسة السورية” مفتوحاً على مصراعيه. إن المسابقة الوطنية التي أطلقتها وزارة التربية ليست مجرد بحث عن “خياط بارع” أو “مصمم مبدع”، بل هي اختبار لقدرة المؤسسة التعليمية على التصالح مع ذاكرة السوريين وتقديم نموذج بصري يعكس تطلعات جيل يطمح للحرية والتميز، في انتظار ما ستسفر عنه النتائج التي قد تعيد تعريف المشهد التربوي السوري لسنوات طويلة قادمة.

تلفزيون سوريا

——————————

 محافظة دمشق تمنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم وتحصر بيعها بأماكن مخصصة

2026.03.17

أصدرت محافظة دمشق قراراً يقضي بمنع تقديم المشروبات الروحية في مدينة دمشق ضمن المطاعم والملاهي الليلية، وحصر بيعها “بالمختوم” في ثلاثة أحياء محددة هي باب توما والقصاع وباب شرقي.

وأوضحت المحافظة في بيان لها أن هذا القرار جاء “بعد ورود مجموعة من الشكاوى، وبناءً على طلب المجتمع المحلي، وبهدف التخلص من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”.

ونص القرار على حصر السماح ببيع المشروبات الروحية المختومة بشكل حصري في المحال الواقعة ضمن الأحياء المذكورة، على أن تكون هذه المحال مرخصة أساساً بموجب رخصة بناء تجاري.

شروط مكانية

كما حدد القرار شروطاً مكانية، تقضي بوجود مسافة لا تقل عن 75 متراً بين محال بيع المشروبات الروحية ودور العبادة (الجوامع والكنائس) والمقابر والمدارس بمختلف أنواعها. وشدد القرار على مراعاة وجود دائرة نصف قطرها 20 متراً حول المخافر والدوائر الرسمية، تمنع إقامة مثل هذه المحال ضمنها.

وألزم القرار أصحاب المحال الراغبين في مزاولة هذا النشاط بتقديم تعهد موثق لدى الكاتب بالعدل بعدم تقديم المشروبات الروحية داخل المحل بالقدح (الكأس)، وذلك تحت طائلة إلغاء الترخيص وإغلاق المحل نهائياً في حال المخالفة.

كما منحت المحافظة مهلة مدتها ثلاثة أشهر للمحال التي تمارس حالياً بيع المشروبات الروحية بالمختوم داخل مدينة دمشق، وذلك لتسوية أوضاعها وتوفيقها وفق أحكام هذا القرار الجديد.

————————

 إنصاف المفصولين تعسفياً والعدالة المعلقة/ عبد الناصر الجاسم

2026.03.16

في الوقت الذي تتطلع فيه سوريا إلى طيّ صفحة الصراع وبناء مرحلة جديدة أكثر استقراراً، يبرز ملف الموظفين المفصولين تعسفياً كأحد أكثر القضايا إلحاحاً وإثارة للجدل، هؤلاء الذين فقدوا وظائفهم بسبب مواقفهم السياسية خلال سنوات الثورة وعانوا من الاعتقال والنزوح والتهجير القسري، ما يزالون ينتظرون إنصافاً طال أمده، رغم الوعود الحكومية المتكررة بإيجاد حلول عادلة لكن هذه الحلول ما زالت غائبة، ولا شك بأن إنصافهم بالإعادة والتعويض هو وجه من وجوه جبر الضرر.

ويُعدّ جبر الضرر وتعويض الضحايا أحد الأعمدة الأساسية في أي مسار للعدالة الانتقالية، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية أو إعادة بناء الثقة من دون معالجة الانتهاكات التي طالت آلاف الموظفين والفصل أو الطرد من الوظيفة شكل من أشكال هذه الانتهاكات.

غير أن هذا الملف ما يزال عالقاً في دهاليز البيروقراطية والتسويف وسط غياب واضح للإرادة السياسية في إيجاد حل جذري، كما يبدو أن هناك تغليبا للاعتبارات الأمنية وتحقيق الاستقرار السطحي على حساب حقوق الأفراد مما يولد خيبة أمل لدى من ينتظر استعادة حقه الوظيفي.

إنّ تجاهل هذا الملف أو التعامل معه ببطء يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بمبادئ العدالة الانتقالية، ويجعل من جبر الضرر ضرورة وطنية لا يمكن القفز فوقها، فالعدالة الانتقالية ليست شعاراً سياسياً أو إجراءً تجميلياً، بل منظومة متكاملة تهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر أدوات متعددة تشمل المحاسبة القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، ومن هذا المنطلق، فإنّ معالجة قضية المفصولين تعسفياً تتطلب مقاربة شاملة تعترف بما تعرضوا له من ظلم، وتضع حداً لحالة المماطلة التي تمارسها المؤسسات الحكومية المختلفة، فاستمرار التجاهل لا يمر من دون تبعات، بل يهدّد بتفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية، ويقوّض فرص الاستقرار المرجو والمستدام.

ورغم التصريحات الحكومية المتكررة حول أهمية معالجة هذا الملف، إلا أنّ الواقع يشير إلى أن القضية ما تزال تدور في حلقة مفرغة بين الوعود والإنكار وتصطدم بغياب الإرادة السياسية الحقيقية، وبشبكات الفساد والمحسوبية التي تعيق أي تقدم فعلي في ملف المعالجة، كما أن تغليب الاعتبارات الأمنية على حساب حقوق الأفراد يعمّق شعور الضحايا بالظلم، ويعيد إنتاج ممارسات الإقصاء التي يفترض أن تكون مرحلة ما بعد النزاع قد تجاوزتها.

وكذلك من غير الإنصاف النظر إلى قضية المفصولين تعسفياً باعتبارها مسألة إدارية فحسب، فهي بؤرة توتر اجتماعية مؤجلة تحمل آثاراً خطيرة إن استمرت عملية التجاهل والتسويف بإيحاد الحلول، فحرمان آلاف الموظفين من حقوقهم يزيد من معدلات الفقر والبطالة، ويعمّق الإحباط لدى شريحة واسعة من المجتمع، ما قد ينعكس في المستقبل على شكل احتجاجات أو اضطرابات تهدد السلم الأهلي، كما أن استبعاد هذه الفئة الخبيرة من سوق العمل يضعف الاقتصاد المحلي ويزيد من هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلاً من ضغوط معيشية خانقة و تصدعات في رأس المال الاجتماعي.

إضافة إلى ذلك، فإن تجاهل حقوق هؤلاء الموظفين يسهم في تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويخلق فجوة يصعب ردمها لاحقاً، فالمفصولون يشعرون بأن الحكومة الحالية لا تمثل تطلعاتهم ولا تعترف بمعاناتهم، الأمر الذي يترك آثاراً نفسية عميقة تشمل القلق والاكتئاب والشعور باللاجدوى وعدم التقدير، وهي عوامل تؤثر في النسيج الاجتماعي السوري المنهك أصلاً.

وإذا ما توفرت الإرادة السياسية الجادة، فإنّ الحلول ليست معقدة، إذ يمكن للحكومة تشكيل لجان مستقلة وحيادية لإعادة دراسة الملفات وفق معايير واضحة وشفافة، واعتماد آليات عادلة لجبر الضرر تشمل التعويض المالي وإعادة التوظيف وضمان عدم التمييز عند العودة إلى العمل، كما يمكن الاستفادة من خبرات المنظمات الدولية وتجارب الدول الأخرى التي نجحت في معالجة قضايا مشابهة، مثل المملكة المتحدة التي أقرت تعويضات تصل إلى راتب عامين للمفصولين تعسفياً، إضافة إلى تعزيز الحماية القانونية ضد الفصل غير العادل، فضلاً عن تجارب فرنسا والمغرب ونيبال وإسبانيا في هذا المجال.

إنّ معالجة ملف المفصولين تعسفياً في سوريا ليست منّة من أحد، بل واجب وطني وأخلاقي وسياسي، وشرط أساسي لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، كما أن إشراك الضحايا أنفسهم في صياغة مسارات الحل يضمن عدالة الإجراءات وفاعليتها، أما تجاهل هذا الملف أو تأجيله فهو مقامرة خطيرة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، لأن السلم المستدام لا يقوم إلا على أساس العدالة والإنصاف وإحقاق الحقوق.

تلفزيون سوريا

——————————

كيف تؤثر أزمة الغاز في المنطقة على سوريا؟/ مجد عبيسي

مارس 15, 2026

تلقي أزمة الغاز في السوق العالمية بظلالها على الاقتصاد السوري بشكل مباشر وغير مباشر، لا سيما قطاع الكهرباء.

وأوقفت “قطر للطاقة” عمل منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي أثرت على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما بدد نحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية في الوقت الحالي.

وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، الأسبوع الماضي، إن الأمر قد يستغرق شهوراً حتى تعود عمليات التسليم إلى طبيعتها.

ووسط أزمة إقليمية متشابكة، يواجه الاقتصاد السوري ضغوطاً تضخمية، قد تمتد آثارها إلى الاستثمارات المحلية والمشاريع الناشئة والخدمات الأساسية.

المتغير الأكثر تأثيراً

يؤكد الخبراء في حديثهم لصحيفة “الثورة السورية”، أن أزمة الغاز الإقليمية لها تبعات متعددة المستويات على سوريا.

وذكرت الشركة السورية للبترول أن الحرب الإقليمية أثرت بشكل كبير على توريد الغاز من الشركاء الخارجيين.

والعام الماضي، أعلنت قطر مبادرة لتزويد سوريا بكميات من الغاز الطبيعي عبر الأردن، بهدف دعم قطاع الطاقة وتوليد نحو 400 ميغاواط، كما مولت وصول الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا.

وشهد مطلع العام الحالي بوادر لحل مشكلة الطاقة في سوريا، حيث ارتفعت الكمية المولدة بما يفوق الضعف، من نحو 1600 ميغاواط ساعي إلى أكثر من 3000 ميغاواط ساعي مع وصول الغاز المصري الوارد عبر الأردن، ما أدى إلى تحسن ساعات الوصل لتتراوح بين 12 و20 ساعة في اليوم، بعد أن كان التقنين الجائر يصل إلى نحو 20 ساعة يومياً قطع على مستوى البلاد.

لكن الوضع عاد إلى التراجع بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية– الإيرانية، إذ انخفض وصل الكهرباء بنحو 50 بالمئة بعد إيقاف مصر ضخ 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً إلى سوريا ولبنان، عبر الأردن، بالتزامن مع تخفيض الشركة السورية لتوليد ونقل الكهرباء الطاقة المنتجة من محطة دير علي في ريف العاصمة إلى النصف، لإجراء الصيانة الدورية.

وأوضحت وزارة الطاقة أن الانخفاض الحاصل في ساعات التغذية الكهربائية حالياً، يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إضافة إلى توقف ضخها في بعض الأحيان.

وقالت الوزارة في بيان، إن هذا التوقف يأتي نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن، وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة، مشيرة إلى العمل بالتوازي على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.

ورأى المحلل الاقتصادي سامر رحال، أن أزمة توقف الغاز القطري ستبدأ بالضغط على منظومة الكهرباء التي تعاني أصلاً من نقص الوقود وتراجع الإنتاج في سوريا.

وأضاف رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا سينعكس على حياة السكان، لأن الكهرباء في سوريا مرتبطة مباشرة بمعظم القطاعات اليومية. فزيادة ساعات التقنين ترفع تكاليف تشغيل المصانع والورش الصغيرة، وتزيد الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما قد تتأثر خدمات أساسية مثل ضخ المياه وتشغيل بعض المرافق العامة.

الإنتاج المحلي

رغم أن سوريا تمتلك احتياطيات غاز مهمة في حقول الجزيرة، إلا أن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وخطوط النقل خلال السنوات الماضية، تقلل من إمكانية الاعتماد عليها.

ولا يتجاوز الإنتاج المحلي من الغاز 110 أطنان يومياً، مقابل احتياج يومي يبلغ نحو 1700 طن، في حين تتسع خزانات الغاز في سوريا لنحو 7000 طن فقط، وهي استطاعة محدودة مقارنة بحجم الطلب.

ويرى المحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن الحكومة اليوم مضطرة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الموارد المحلية المحدودة أو البحث عن بدائل أكثر تكلفة، وهو ما يزيد الضغط على قطاع الطاقة ويقلل قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب.

ويوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن إنتاج الغاز محلياً لا يزال قائماً، لكنه يواجه تحديات عدة، بما في ذلك تضرر بعض الحقول خلال فترة النظام المخلوع، كما أن عمليات الصيانة والتطوير تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة.

لذلك، فإن الكميات المنتجة محلياً لا تكفي لتغطية الحاجة الكاملة لمحطات الكهرباء والصناعة والمنازل. وكان الغاز المستورد يساعد على تعويض جزء من النقص، لكن بعد توقفه تتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وتعمل الشركة السورية للبترول حالياً على بناء خزانات جديدة وتأهيل مصب نفطي لتعزيز قدرة التخزين والتفريغ.

وفي ما يتعلق بالحلول طويلة الأمد، أكدت الشركة أن استيراد الغاز يُعد إجراء مؤقتاً، في حين تعتمد الخطة الاستراتيجية على تطوير حقول الغاز السورية وزيادة الإنتاج المحلي وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء للمواطنين.

وأضافت الشركة أن سوريا قد تحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لتصبح دولة مصدّرة للنفط، مشيرة إلى توقيع مذكرة تفاهم لاستكشاف حقول الغاز في البحر.

القطاعات المتضررة

يشير السيد عمر إلى أن القطاعات المتضررة واسعة، إذ قد تتأثر الخدمات الأساسية مثل ضخ المياه وتشغيل المستشفيات والمدارس. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، تنعكس هذه الضغوط على أسعار السلع والخدمات، ما يزيد العبء على الأسر التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة. وهنا، يصبح تطوير الحقول السورية أكثر أهمية لتعويض جزء من النقص.

ويضيف أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على قطاع الكهرباء، لكنها تحتاج إلى استقرار أمني واستثمارات وتقنيات حديثة. كما أن تحسين شبكات النقل والتوزيع يساهم في تقليل الهدر وضمان وصول الغاز إلى محطات التوليد بكفاءة أكبر.

تكلفة إضافية

يتوقع المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، أن تتجه بعض المعامل والورش والمحطات في الفترة القادمة إلى خطوط طاقة أخرى مثل المازوت أو الفيول أو أنواع وقود أخرى، رغم أن هذا له تكلفة أعلى بكثير، وهذا سيؤثر مباشرة على أسعار المنتجات والخدمات.

كما أن الدولة ستتحمل تكاليف ارتفاع الأسعار، كونها تبيع الكهرباء اليوم وفق شرائح معينة، وفي حال اضطرّت إلى رفع التكلفة بالانتقال إلى المازوت أو الفيول، سيؤدي ذلك إلى زيادة التكلفة عليها، ولكن لا يمكن رفع أسعار شرائح الكهرباء مرة ثانية، وبالتالي سيصبح عبئاً على الميزانية العامة، وفق ما قال الدبس لصحيفة “الثورة السورية”.

من جهة أخرى، ستضطر الشركات العامة أو الخاصة، الخدمية والإنتاجية، إلى رفع أسعارها وتشغيل الكهرباء بأنواع أخرى من الوقود.

ويرجح الدبس أيضاً أن يرتفع سعر المازوت المنزلي، وبالتالي ستزداد تكاليف المعيشة من جهة، وتكاليف الإنتاج وتزداد الأسعار من جهة أخرى. ما يعني أن التأثير سيكون مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد السوري ككل.

ونتيجة لذلك، قد لا تحتمل بعض المصانع والورش هذه الزيادة، فستضطر إلى إغلاق أبوابها أو العمل بساعات أقل بكثير من الساعات الممكنة، لأنها لا تملك القدرة على رفع الأسعار. وبالتأكيد، سيشمل هذا معامل الصناعات الغذائية والأسمنت والحديد وأي مصانع أخرى.

مشروعات الطاقة

يرى الدبس أن هناك تأثيراً غير مباشر سيظهر في أي مشاريع طاقة ناشئة لتجديد المحطات أو تحديثها أو إنشاء محطات جديدة، ودخول مستثمرين، وكل ذلك سيتوقف لأنه في الأساس لا يوجد غاز لتشغيل المحطات.

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تسرب المستثمرين، لأن دراسات الجدوى كانت مبنية على غاز بسعر معين أو مازوت بسعر معين، فارتفاعه الآن سيؤدي إلى تغير في دراسات الجدوى، وبالتالي ستنشأ مشاكل.

وهذا الارتفاع غير معروف المدة، فربما إذا توقفت الحرب خلال أسبوعين أو ثلاثة شهور، قد تعود الأسعار إلى طبيعتها. أما إذا استمرت الفترة أطول، فسيظل الارتفاع، وهذا سيؤدي إلى أن جميع عمليات التحديث والتطوير وإنشاء المعامل الجديدة والصناعات الجديدة ستعيد حساباتها من البداية، وربما تتوقف لفترات طويلة.

ويوضح الدبس أن هذا يعني أن الاقتصاد السوري ككل سيتأثر بشكل مباشر، وكذلك الدخل والخدمات العامة. وسيؤدي ذلك إلى تأثير واضح على تشغيل اليد العاملة ودخل المواطن، سواء من خلال الأجور أو من خلال إيرادات الدولة من الضرائب والرسوم وغيرها.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة فينتشر جلوبال الأمريكية، ثاني أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، مايك سابل، خلال منتدى معني بأمن الطاقة في طوكيو إن التقلبات في أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية الناجمة عن أزمة الشرق الأوسط “قصيرة الأجل للغاية”.

وأضاف سابل: “هناك تقلبات هائلة في الأسواق.. لكننا نرى أن هذا قصير الأجل للغاية ومتفائلون بشدة حيال متانة السوق على المدى المتوسط والطويل وقوة الاستثمارات فيها وعودة الإمدادات من جديد. نتوقع استقراراً كبيراً في أسعار التسييل على المدى الطويل”.

وتشير تقديرات إلى أن متوسط سعر الغاز الطبيعي المسال للتسليم في نيسان لمنطقة شمال شرق آسيا 19.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بانخفاض عن 22.50 دولار في الأسبوع السابق، والذي كان أعلى مستوى منذ منتصف كانون الثاني 2023.

وقالت مصادر بالقطاع إن التقديرات خلصت إلى أن سعر التسليم في أيار سيكون 18.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

ضرر متبادل

يشير الدبس إلى أن الضرر سيكون متبادلاً بين الطرفين: زيادة تكاليف الإنتاج سترفع الأسعار، ما يؤدي إلى التضخم، وبالتالي سيواجه المواطن صعوبة في شراء المواد الأساسية وتلبية احتياجاته اليومية. أما من جهة الدولة، سينعكس ذلك على الميزانية، سواء من ناحية دعم الكهرباء أو من ناحية تراجع الاستثمارات وانخفاض الإيرادات الضريبية الناتجة عن العمليات التشغيلية، مما يخلق خللاً وضغطاً على الاقتصاد السوري، وينعكس لاحقاً على الأمن القومي.

ويضيف أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وهناك علاقات وعقود استثمارية طويلة وقوية بين قطر وبلدان الخليج الأخرى وبين سوريا. وستتأثر هذه العقود أيضاً، مما يؤدي إلى تأثير مباشر على جميع البنود المرتبطة بالاستثمارات، وتتوقف الاتفاقات المعقودة بين الحكومة السورية والحكومات القطرية أو الخليجية.

عندها ستضطر سوريا إلى شراء الغاز من مصادر أخرى، سواء من روسيا أو أذربيجان أو مصادر أخرى، وربما فتح أسواق جديدة لتغطية العجز، لكن بأسعار السوق الرائجة وليس بأسعار الدعم المقدمة من قطر. وهذا سيجبر سوريا على فتح مجالات اقتصادية وسياسية جديدة مع دول كانت في السابق في غنى عنها، وفق الدبس.

الثورة السورية

——————————

 السيول تجتاح دمشق.. مشاريع التجميل تسقط أمام اختبار المطر/ زيد قطريب

2026.03.15

منذ أكثر من عام، وفرق محافظة دمشق تنهمك في تجميل الشوارع وأطاريف الأرصفة، كما تنشغل في نصب لوحات الإعلانات على الجسور وداخل الأنفاق. لكن طلاء وجه المدينة بمساحيق تجميل البشرة الخارجية، لم يكن ليخفي نتائج تحاليل المخابر، التي تؤكد أن جسد دمشق المتهالك، يحتاج فيتامينات إسعافية، تدعم بنيتها التحتية، قبل حقن البوتوكس والمنيكور والبديكور!.

“النيات طيبة لكن الأفعال كارثية”

القصة ظهرت بداية، في نفقي الفيحاء وشارع الثورة، الشهيران بطوفانات المياه خلال الشتاء، إذ يؤدي ذلك غالباً إلى قطع الطريق بسبب امتلاء النفقين بمياه الأمطار نتيجة لسوء التصريف.

لكن ورش العمل في تلك المنطقة، فضلت البدء بتجهيز جدران النفقين بشبكات من القضبان الحديدية، التي حملت لاحقاً ألواحاً من “الجبسنبورد”، من أجل نصب لوحات الإعلانات عليها، متناسين أن أول عاصفة مطرية قوية، سوف تأتي على كل شيء، مع كل ما يعني ذلك، من هدر للمال العام والجهد، مع أن المسألة واضحة، مثل “عين الشمس” كما يقول المثل الشعبي!.

كان من الجيد، نشر سلات خشبية للمهملات في الشوارع العامة، إضافة إلى اعتماد إشارات مرور ناطقة، مع تخطيط لأماكن عبور المشاة، وكذلك طلاء أطاريف الأرصفة بالألوان التي تعطي الشوارع جماليات لافتة، لكن ألم يكن من المنطقي العمل على وجود شوارع قادرة على تحمل عمليات التجميل تلك؟.

هكذا “جلغمت” مساحيق التجميل، وجه المدينة العجوز، مع أول مطرة قوية تعرضت لها، فظهرت التجاعيد والندوب والتهدلات على بشرتها، مع أن الأطباء المختصين، طالما أكدوا أن جسد دمشق، يحتاج فيتامينات “ب، ودال، مع مواد ترميم خلايا جذعية” وكل ما يتصل بإعادة الحياة إلى البنية التحتية للمدينة!.

طاف سوق الحميدية.. ودخلت المياه إلى المولات والبيوت

على الفور، امتلأ نفق الفيحاء والثورة، بالمياه. كما اجتاحت السيول سوق الحميدية، ولم يظهر بالضبط، حجم الخسارات التي تسببت بها الأمطار لأصحاب المحلات، لكن الدفاع المدني أكد أن أحد جدران الأبنية في الشام القديمة قد انهار، كما غمرت المياه العديد من المنازل والأقبية. فانهار سقف محل في الحجاز، وغرفة في ساحة شمدين.

كما ظهر نهر كبير في ساحة الزبلطاني، قطع الطريق أمام السيارات. أما المتحلق الجنوبي، وهو الشريان الحيوي للمدينة، فأصبح أشبه بجسر عائم، يعج بالسيارات العالقة. وتسبب اجتياح السيول لأحد مولات التسوق في كفر بطنا، خسارات كبيرة في الممتلكات.

في النتيجة، ذهبت كل أعمال التجميل أدراج الرياح، أو تعرض معظمها لضرر كبير، ما يعني إهداراً للجهد والوقت والمال العام. ويتوقع كثيرون بأن تسارع فرق المحافظة للانهماك بإصلاح الأضرار التي تعرضت لها تجميلات المدينة، ريثما تأتي عاصفة أخرى تعيدها إلى نقطة الصفر من جديد!.

“نجحت العملية.. لكن المريض مات”

من مفارقات دمشق المحزنة، أن يُقام اعتصام أمام أحد المشافي، بسبب دخول الأطباء الرجال إلى أجنحة المرضى النساء. في حين يقول المنطق، أن تخرج تظاهرة من أجل تأمين جهاز تصوير طبقي محوري للمشفى، حتى لا يضطر الأهالي البسطاء للاستدانة لإجراء الصورة في القطاع الخاص!.

في المقابل، تؤكد المعلومات الواردة من مشفى الأطفال وبقية المشافي العامة، أن أهالي المرضى، يشترون من الصيدليات الخارجية كل احتياجات المريض من الأدوية، كما يجرون التحاليل في المخابر الخاصة، وهم من يتكفل بشراء كفوف التعقيم للأطباء مع قناني المياه وحتى حبوب السيتامول، التي تم إيقاف إنتاجها الوطني العام، بذريعة تهالك المعدات وانتشار الفساد، مع أن القاعدة المنطقية، ربما تقول إن الحل يكمن في إصلاح المعدات أو جلب معدات جديدة، وأيضاً مكافحة الفساد، وليس إغلاق معمل الأدوية وتسليمه لشركة أجنبية، سوف تبيع الأدوية بأسعار مضاعفة للمرضى المساكين!.

يحدثنا أحد الآباء أمام مشفى الأطفال، عن استدانته لعدة ملايين من أجل إجراء الصور والتحاليل لابنه الراقد في المشفى، ويتساءل: “ما هذا المكان إذن؟ هل هو شقة للإيجار إذا كان لا يملك أدوية ولا معدات”.

القصة هنا، لا تختلف كثيراً عن غمر مياه الأمطار للأسواق والشوارع واقتحامها للمنازل والمولات والأقبية. كأنّ أحداً ما، يصر على قلب قوانين الأواني المستطرقة، فيقوم في كل مرة، بشطف الأدراج من الأسفل للأعلى، ثم يستغرب لماذا لا تنجح العملية، فيشكل المزيد من اللجان التي تبدأ بإعداد الدراسات والأبحاث لمعرفة الأسباب!.

تغيير الحياة والرفاهية بـ90 دولاراً فقط

في المقابل، تلاحق المحافظة بسطات بالات الألبسة والأحذية والأغذية، في شوارع دمشق، التي تعتبر أسعارها ضمن الحد المقدور عليه بالنسبة للطبقات المسحوقة، التي يبلغ راتب الموظف فيها قرابة 90 دولاراً في الشهر، والذريعة هي المحافظة على المنظر الجمالي للمدينة، مع أن القاعدة تقول إن انتشار الألبسة المستعملة لا يتحول إلى ظاهرة، إلا عندما ينخفض الدخل ويصبح دون المستوى المطلوب للحياة الكريمة !.

يخبرنا أحد المواطنين في سوق باب سريجة، بأنه لم يذق اللحم طوال شهر رمضان، بسبب ارتفاع الأسعار. لكن كاميرات المحطات الرسمية، تؤكد أن اللحوم تملأ الأسواق ومن حق جميع المواطنين الشراء، لكنها لا تقول كم يبلغ سعر الكيلو، ولا تضيف بأن راتب المواطن كاملاً، لا يشتري سوى 2 كيلو من اللحم!.

نعم، النيات طيبة، لكن الأفعال كارثية. وربما هذا يؤكد أن الإدارات الحكومية، لا تستقطب أصحاب خبراء الأفعال كي تنجح المشاريع والخطط، بل تكتفي بالاعتماد على أصحاب الأمنيات والنيات، لكن بلا خبرات!.

——————————

الحرب على إيران تعمق الغلاء في سوريا/ شام السبسبي

دمشق- انعكست الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية سريعا على الأسواق السورية، مع ارتفاعات طالت معظم السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الأساسية، في وقت يعاني فيه السكان أصلا من ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية، مما عمّق الضغوط المعيشية على الأسر.

في أسواق دمشق، بدت آثار التصعيد واضحة على أسعار المواد الغذائية، من اللحوم والدجاج إلى الزيت والخضار والمعلبات. ويقول مازن بيرقدار (64 عاما)، وهو متقاعد من القطاع العام، إن تأثير الحرب لم يقتصر على صنف دون آخر، بل شمل الأغذية والغاز المنزلي والمازوت.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن الناس لا يملكون سيولة كافية، فيما تتراجع قدرتهم الشرائية بصورة ملحوظة، لتتجه الأوضاع الاقتصادية “من سيئ إلى أسوأ”.

قفزة الأسعار

وأثناء جولة ميدانية رصدت الجزيرة نت ارتفاعا متفاوتا في أسعار السلع، ويقدّر تاجر المواد الغذائية في سوق سريجة بدمشق عماد الدين علايا الزيادة بنسب تراوحت بين 10% و50% منذ بداية الحرب في نهاية فبراير/شباط الماضي.

ويشير إلى أن سعر كيلو صدور الدجاج ارتفع في بعض مناطق دمشق من 350 ليرة (3.18 دولارات) إلى 550 ليرة (5 دولارات)، فيما صعد سعر كيلو لحم الخاروف من 1600 ليرة (14.55 دولارا) إلى 2500 ليرة (22.73 دولارا)، كما ارتفع سعر كيلو الطماطم من 40 ليرة (0.36 دولار) إلى 150 ليرة (1.36 دولار)، ووصل سعر كيلو الكوسا إلى 150 ليرة (1.36 دولار).

ويرى علايا أن هذه القفزات لا ترتبط باحتكار أو نقص مباشر في المعروض، بل بما يسميه “الوضع السياسي العام في المنطقة”. لكن التاجر في سوق الميدان بدمشق عدنان جناب يقدم تفسيرا إضافيًا، إذ يقول إن زيادة تصدير بعض المحاصيل والبضائع المحلية إلى دول الجوار السوري خفّضت الكميات المتاحة في السوق المحلية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن منذ اندلاع الحرب.

إعلان

ولا تقف الضغوط عند حدود الأسعار، إذ يقول الموظف المتقاعد علي محفوظ إن الأزمة امتدت إلى نقص في مواد أساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي، مما ضاعف المتاعب اليومية للأسر.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن الموظف أو المتقاعد كان يعيش في السنوات الماضية على نحو 300 ألف ليرة قديمة، وهي قيمة لم تكن تتجاوز آنذاك 15 دولارا، ورغم تحسن الرواتب مؤخرا، فإن إعداد وجبة غداء بسيطة بات يحتاج إلى ما لا يقل عن 100 ألف ليرة قديمة، أي نحو 9 دولارات.

ويضيف أنه حتى بعض النباتات البرية التي كانت تعد خيارا رخيصا، مثل “الخبيزة”، وصل سعرها إلى 10 آلاف ليرة.

ومن جهتها، تقول سمر منذر (42 عاما) إن الارتفاعات الحالية تعيد إلى الأذهان موجات الغلاء التي تتكرر عادة مع اقتراب شهر رمضان، لكن وقعها هذه المرة أشد بسبب الحرب وتآكل الدخول.

وتشير إلى أن السوريين شعروا بشيء من التفاؤل بعد سقوط نظام السابق، وانخفضت الأسعار لفترة محدودة، قبل أن تعاود الصعود، ولا سيما بعد اندلاع الحرب على إيران.

وتضيف أن كثيرا من الأطباق التقليدية التي اعتادت العائلات الدمشقية إعدادها في الشهر الفضيل باتت خارج متناول عدد واسع من الأسر، سواء لتحضيرها داخل المنزل أو لدعوة الأقارب إليها.

وترفض سمر الانطباع السائد بأن معظم الأسر السورية تتلقى دعما ماليا من الخارج، معتبرة أن هذا الاعتقاد مبالغ فيه، لأن شريحة واسعة من الناس ما تزال تعتمد على رواتب محلية محدودة.

وتعرب عن أملها في أن تتدخل الحكومة لمعالجة الأزمة، لكنها ترى أن “الجهات المعنية لم تدرك بعد الحجم الحقيقي للضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون”.

اقتصاد هش

يقول الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي إن سوريا ليست بمنأى عن التوترات الإقليمية، وإن البلاد دخلت عام 2026 تحت تأثير مباشر لصراع يتوسع بين قوى إقليمية ودولية، انعكس بسرعة على الأسواق والمعيشة.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن حالة من ارتباك الأسعار سادت السوق منذ بداية التصعيد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع المعروض من بعض السلع، إذ تراوحت الزيادات في عدد من القطاعات الحيوية بين 20% و40%، كما تعرضت الليرة السورية، بحسب قوله، لضغوط إضافية نتيجة تراجع التحويلات الخارجية وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، مما أدى إلى تباطؤ نسبي في الحركة التجارية بانتظار اتضاح مسار الأحداث.

ويحذر قوشجي من أن المخاطر لا تقتصر على الأثر الفوري، بل تمتد إلى المدى المتوسط مع احتمال تعطل سلاسل التوريد بسبب تأثر الموانئ وطرق التجارة البرية التي تربط سوريا بدول الجوار، وهو ما قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين أو يؤخر وصول الإمدادات، أما في حال استمرار التوتر، فإنه يرجح أن تتفاقم المخاطر على الاستثمار ورؤوس الأموال، بما يفتح الباب أمام ركود تضخمي طويل الأمد وهجرة إضافية للكفاءات.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، يشير قوشجي إلى أن الجهود المبذولة لرفع إنتاج القمح المحلي إلى نحو 3 ملايين طن توفر هامشا من الحماية، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الطلب.

إعلان

ويضيف أن المخزونات الحالية تمنح البلاد حماية مؤقتة لأشهر معدودة فقط. أما في قطاع الطاقة، فيشير إلى أن الإنتاج المحلي يقل عن 15 ألف برميل يوميا، في حين تتجاوز الحاجة الفعلية 120 ألف برميل يوميا، مما يبقي سوريا معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات ويجعل أي اضطراب في خطوط الإمداد تهديدا مباشرا لقطاعات النقل والتدفئة والصناعة.

ويخلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يعيش اليوم مرحلة “إدارة أزمات” أكثر من كونه في مسار تعاف، إذ تحاول الحكومة التعامل مع الضغوط المتزايدة بموارد محدودة، فيما يظل تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي مرهونا بتهدئة سياسية أوسع في المنطقة.

المصدر: الجزيرة

————————–

دمشق.. 150 باصًا كهربائيًا بدل السرافيس في ثلاثة خطوط

أعلنت محافظة دمشق أنه سيتم تشغيل “150” باص كهربائي، على خطوط النقل العام “مهاجرين صناعة” و”سومرية كراجات” و”باب توما جسر الحرية”، في الفترة القادمة، وذلك بعد إجراء المزايدات اللازمة.

وقالت المحافظة إن الخطوط المذكورة، سيتم إخلاؤها من السرافيس وباصات الديزل، وذلك بهدف تنظيم حركة النقل ومنع التداخل بين وسائط النقل المختلفة على المسار نفسه، وفقًا لما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا).

ويأتي هذا الإجراء، حسب المحافظة، ضمن خطة تطوير منظومة النقل داخل المدينة، وتوفير خدمة نقل أكثر راحة وتنظيمًا للمواطنين، إضافة إلى دعم وسائط النقل الصديقة للبيئة والحد من التلوث.

وأشارت المحافظة إلى أن الجهات المعنية ستعمل على إعادة تنظيم الخطوط بما يضمن انسيابية الحركة وتحقيق أفضل مستوى من الخدمة للركاب.

إعفاء المستثمر من العوائد الاستثمارية

في خطوة لخفض التكاليف على المواطنين، أوضحت محافظة دمشق أنها لن تتقاضى أي عوائد استثمارية من المستثمر الفائز بالمزايدات، مبررة ذلك بالرغبة في تقديم خدمة نقل بجودة أفضل وتخفيض قيمة التعرفة.

وتقول المحافظة إن هذا الإجراء يهدف إلى تشجيع الاستثمار في قطاع النقل الكهربائي داخل المدينة، وتسريع إدخال هذه الوسيلة ضمن منظومة النقل العام.

ثلاث مزايدات والتقديم اعتبارا من 29 آذار

بموجب ثلاث قرارات صادرة عن محافظة دمشق، رصدتها عنب بلدي، أعلنت الشركة العامة للنقل الداخلي، عن رغبتها بإجراء مزايدة بالظرف المختوم لتخديم خط “باب توما- جسر الحرية” بباصات تعمل على الكهرباء بعدد 30 باص، وتاريخ تقديم العروض في 29 من آذار 2026 بديوان الشركة، ومدة العقد 10 سنوات.

كما أعلنت الشركة عن رغبتها بإجراء مزايدة بالظرف المختوم لتخديم خط “مهاجرين- صناعة” بباصات تعمل على الكهرباء بعدد 70 باصًا، ومدة العقد 10 سنوات، وتاريخ تقديم العروض في 31 من آذار 2026.

وتم الإعلان أيضًا عن مزايدة بالظرف المختوم لتخديم خط “سومرية- كراجات” بباصات تعمل على الكهرباء عدد 50 باصًا وفق أحكام نظام العقود الموحد، ومدة العقد 10 سنوات، وتاريخ تقديم العروض في 30 من آذار 2026.

مشروع قديم لم ير النور

ولا يقتصر المشروع على دمشق، إذ سبق وأن كشف مستثمر اسمه مصطفى جلال المسط، لموقع إخباري سوري في نيسان 2024، أنه حصل على موافقة لإنشاء محطة كهروضوئية في ريف حلب باستطاعة 75 ميغاواط لتغذية مشروع باصات كهربائية سينفذه بالطاقة.

وقال المسط إن “عدد الباصات الكهربائية المخطط تشغيلها في سوريا يصل إلى 2345 باصًا ستوزع على مختلف المحافظات. ومن المقرر أن تحصل دمشق على 545 باصًا، بينما سيخصص 500 باص لريف دمشق”.

كما يجري العمل، حسب المستثمر، على إنشاء بنية تحتية داعمة للمشروع، تشمل محطات شحن للآليات ومحطات توليد كهرباء تعتمد على الطاقة المتجددة.

وبحسب تصريح المسط، فإن الباصات تُصنَّع في الصين، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة خلال نحو 150 يومًا من صدور المرسوم الناظم للمشروع، في خطوة تهدف إلى إحداث تحول تدريجي في قطاع النقل نحو الطاقة النظيفة داخل سوريا، حسب قوله.

لكن هذه التصريحات بقية حبيسة الورق، ولم تترجم أي منها على أرض الواقع، حينها.

فكرة الباصات الكهربائية منذ 2019

ظهرت فكرة تشغيل الباصات الكهربائية لأول مرة في سوريا عام 2019، عندما وافقت هيئة الاستثمار السورية على تأسيس مشروع لنقل الركاب والمجموعات السياحية عبر باصات تعمل على الكهرباء برأسمال يصل إلى 5.20 مليار ليرة سورية، آنذاك.

وكان المشروع يتضمن 50 باص بولمان أو شاسيه باص على أن يصنع الصندوق محليًا أو يستورد، إضافة الى 300 ميكرو باص بسعة من 9 إلى 25 راكبًا وجميعها تعمل على الكهرباء، وتعود ملكية المشروع إلى المستثمر عبد الحميد موسى.

——————————

 “سجّلها عالحساب”.. كيف أصبح الدَّين اقتصاد الحياة اليومية في سوريا؟/ جولي بيطار

2026.03.13

يستقر دفتر سميك فوق جارور النقود في دكان صغير بأحد أحياء جرمانا. تبدو صفحاته مثل سجل عادي، لكنها في الحقيقة تحمل قصصاً كثيرة عن أصحابها، فبين سطور هذا الدفتر تتجمع حكايات الديون الصغيرة التي تكشف حال العائلات في الحي.

يفتح أبو يوسف الدفتر بين حين وآخر، فتظهر أسماء كثيرة كُتبت بخطوط مختلفة. إلى جانب كل اسم قائمة قصيرة من الأشياء: بيض، خبز، بندورة، بسكويت للأطفال، وأحياناً كيس شيبس. مشتريات بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول مع الوقت إلى ديون مؤجلة تنتظر يوماً تُسدَّد فيه.

يقول أبو يوسف إن هذا الدفتر أصبح مرآة لوضع الناس المادي في الحي. فمعظم الزبائن لم يعودوا يدفعون ثمن حاجاتهم فوراً، بل يتركونها مؤجلة في صفحات الدفتر. ومع مرور الأيام تتراكم الأسماء والسطور، ويكبر الدفتر كما تكبر قصص أصحابه.

يقول أبو يوسف وهو يقلب الصفحات ببطء: “تلت رباع الناس تأخذ أغراضها بالدَّين.. حتى لو أخدوا بيضتين أو ثلاث بندورات.. بيسجلوه على الدين”. في إشارة إلى أن الدين أصبح نمطاً يوميّاً مألوفاً في الحي.

ويوضح أنه أصبح يعرف الزبائن من طريقة دخولهم ويعرف من سيقول له هذه المرة بعد أن يأخذ حاجياته: “سجّلها عالحساب”.

دفتر الدَّين الذي لا يُغلق

لكن المشكلة بالنسبة لأبي يوسف تبدأ عندما يحين وقت السداد. فكثير من الأسماء تبقى في الدفتر طويلاً، وبعضها ينتظر حوالة من ابن يعمل خارج البلاد أو مساعدة من قريب. لهذا اضطر في فترات سابقة إلى التوقف عن البيع بالدَّين تماماً. يقول وهو يهز رأسه: “قبل سقوط النظام بطلت دين العالم فترة طويلة”.

لم يكن السبب تأخر الناس في الدفع فقط، بل تقلب سعر الصرف أيضاً. ففي تلك الفترة كان الدولار يرتفع بسرعة، ما يعني أن المبلغ الذي يخرج من الدرج بالليرة السورية يعود إليه بعد أسابيع بقيمة أقل.

“الدولار كان يطلع فجأة ألف أو ألفين.. وأنا عم إخسر”. يقول أبو يوسف.

حتى اليوم ما تزال المشكلة نفسها تتكرر، فقد يقرض أحد الزبائن عندما يكون الدولار عند مستوى معين، ثم يعود الزبون ليسدد المبلغ نفسه بعد أن يكون السعر قد ارتفع مئات الليرات. في تلك اللحظة يشعر أبو يوسف أن المال الذي عاد إليه ليس بالقيمة نفسها التي خرجت من الدكان. يقول: “بديّن الناس والدولار بحدود 11000.. وبيرجعوا يسددوا لما يصير 11700”. ويضيف بنبرة تجمع بين العجز والضيق: “يعني احتمال الخسارة كبير”.

ستة أشهر سلف

في مكان آخر من ريف دمشق، يأخذ الدَّين شكلاً مختلفاً تماماً. فهنا لا يتعلق الأمر بعلبة حليب أو ربطة خبز تُسجل في دفتر دكان الحي، بل بمبلغ أكبر يقترضه رجل ليتمكن من استئجار سقف يؤوي عائلته.

أبو أنور (اسم مستعار) يقول لموقع تلفزيون سوريا، إن رحلة البحث عن منزل للإيجار استغرقت وقتاً طويلاً. البيوت المتاحة كثيرة، لكن الأسعار مرتفعة “بشكل لا يصدّق” حسب تعبيره.

المشكلة الأكبر كما يقول لم تكن في قيمة الإيجار الشهرية وحدها، بل في شروط الدفع التي يفرضها كثير من المالكين.

المنزل الذي وجده أخيراً كلفته مليون ونصف المليون ليرة شهرياً، وهو مبلغ جيد مقارنة بغير منازل، لذلك قرر قبوله بسرعة. لكن المالك وضع شرطاً واحداً: “طلب ستة أشهر سلفا”، يقول أبو أنور.

وإلى جانب الأشهر الستة المدفوعة مقدماً، كان عليه أيضاً دفع مبلغ تأمين، إضافة إلى عمولة المكتب العقاري الذي أجرى الاتفاق. عندما جمع كل هذه المبالغ، وجد نفسه أمام رقم كبير: نحو 12 مليون ليرة يجب دفعها دفعة واحدة. “اضطريت أتدين 10 ملايين من أبناء عمومتي”، يقول.

اليوم يعيش أبو أنور في المنزل الذي استأجره مع دين كبير يحاول تسديده تدريجياً. يعيد لأقاربه نحو مليون ونصف ليرة كل شهر، وهو مبلغ يقتطع جزءاً كبيراً من دخله.

يقول وهو يحاول ترتيب الأرقام في ذهنه: “رح خلّص الستة أشهر قبل ما خلّص الدين”. يصمت قليلاً، ثم يضيف الجملة التي تختصر القلق الذي يرافقه منذ توقيع عقد الإيجار: “وما بعرف شو بدي أعمل بعدها”.

عندما يصبح الصديق “بنكاً”

تتشكل بين الأصدقاء والأقارب شبكة غير معلنة من السلف الصغيرة التي تتحرك بصمت داخل الحياة اليومية، وتقوم عملياً بوظيفة تشبه البنوك، لكن من دون عقود أو ضمانات.

رامز واحد من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في قلب هذه الشبكة. يعمل في منظمة بدمشق، ويقول إن راتبه أعلى قليلاً من متوسط الرواتب في محيطه، الفرق الذي جعل الناس يرونه شخصاً يمكن اللجوء إليه عندما تضيق الأمور.

يقول لموقع تلفزيون سوريا: “تقريباً أنا عم أسلف كل الأصدقاء”. في البداية لم يكن يفكر كثيراً في الأمر. كانت المبالغ صغيرة ومتفرقة، مساعدة هنا وأخرى هناك. لكن مع الوقت بدأ يلاحظ أن جزءاً كبيراً من دخله لم يعد موجوداً فعلياً في حسابه، بل موزعا بين عدة أشخاص ينتظرون الوقت المناسب للسداد.

“صرت فكر إني لازم أجمع مصاري”، يقول، قبل أن يضيف بنبرة تجمع بين المزاح والتعب: “بس لما بطلع حوالَي بلاقي مصرياتي موزعة بين الأقارب والأصدقاء”.

الدين ليس للرفاهية

يرى رامز نفسه عاجزاً عن الرفض في كثير من الأحيان، فمعظم الطلبات التي تصله لا تتعلق برفاهيات أو كماليات، بل بحاجات أساسية يجد صعوبة في تجاهلها، ويذكر مثالاً ما يزال عالقاً في ذهنه، يشرح بالنسبة له لماذا يصبح الرفض شبه مستحيل: “مرة دينت قريبي مبلغ كبير نوعاً ما حتى يعمل عملية قلب مفتوح”.

في مثل هذه الحالات، لا يشعر أن الأمر مجرد مساعدة مالية يمكن التفكير بها بهدوء أو تأجيلها، بل موقفا إنسانيا يفرض نفسه. لذلك يختصر الأمر بجملة بسيطة يقولها بعد لحظة صمت: “ما فيني أرفض”.

عندما يأكل التضخم الدَّين

لكن مع مرور الوقت ظهرت مشكلة أخرى لم يكن رامز يفكر فيها كثيراً في البداية: تقلب سعر الصرف. فبينما يحاول منذ مدة جمع جزء من دخله بالدولار ليتمكن يوماً ما من تأمين كلفة السفر خارج سوريا، يجد نفسه في كثير من الأحيان يقرض المال بالليرة السورية لأصدقائه وأقاربه، ثم يستعيده بعد أسابيع أو أشهر في وقت تكون فيه قيمة العملة قد تغيرت.

بهذا المعنى، لا يشعر أنه يخسر المال مباشرة، لكنه يدرك أن ما يعود إليه ليس بالقيمة نفسها التي خرجت من يده. فالمبلغ الذي كان يمكن أن يتحول إلى مدخرات بالدولار يتآكل تدريجياً مع كل ارتفاع جديد في سعر الصرف.

وفي كل مرة يحدث ذلك، يشعر أن جزءاً صغيراً من خطته للادخار والسفر قد تأخر خطوة أخرى، حتى لو بقيت السلف نفسها مسجلة في ذهنه كنوع من المساعدة التي لا يستطيع أن يرفضها.

عندما لا يبقى أحد.. “الدين بالفائدة”

لكن ليس لدى الجميع قريب أو صديق يمكنه المساعدة. فعندما تُستنزف الخيارات داخل العائلة أو بين الأصدقاء، يفتح باب آخر أكثر قسوة: “الدين بالفائدة”.

يمكن ملاحظة انتشار هذه الظاهرة في سوريا من خلال متابعة محتوى الفيسبوك في صفحات المحافظات السورية. حيث تتم هذه الصفقات، رغم حساسية الموضوع الدينية والاجتماعية، عبر أفراد ينشرون طلب مبلغ للدين على صفحات فيس بوك ويعرض من يستطيع تلبية الدين خدماته والضامن يمكن أن يكون رهن منزل أو عقار أو سيارة وربما سندات أمانة.

يلجأ الناس لهذه الطرق عندما لا يبقى أي باب آخر مفتوحا: لا قريب يمكن أن يقرضهم، ولا صديق يستطيع المساعدة، ولا راتب يكفي لسد الحاجة الطارئة ولا قروض تمنحها الدولة لموظفيها.

في تلك اللحظة، يصبح الدين خياراً لا علاقة له بالثقة أو المعرفة الشخصية، بل بعلاقة مؤقتة بين شخصين لا يعرف أحدهما الآخر، تجمعهما حاجة ملحّة من جهة، وفرصة للربح من جهة أخرى.

شبكة غير مرئية

بين دفتر الدكان، وسلف الأقارب، وإيجار البيوت المدفوع بالدين، تتشكل شبكة غير مرئية من القروض الصغيرة التي تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية في سوريا.

هذه الشبكة لا تظهر في تقارير الاقتصاد، ولا في بيانات البنوك، ولا في أرقام الموازنات الرسمية. لكنها موجودة في أماكن أبسط بكثير: في دفاتر الدكاكين المصفوفة قرب صناديق الحساب، وفي الرسائل القصيرة بين الأقارب، وفي المكالمات المتأخرة التي تبدأ غالباً بجملة خجولة وتنتهي بوعد بالدفع لاحقاً.

هي اقتصاد موازٍ يقوم على الثقة أكثر مما يقوم على العقود، وعلى العلاقات الاجتماعية أكثر مما يقوم على المؤسسات. اقتصاد تديره الحاجة اليومية، وتُحفظ حساباته في الذاكرة أحياناً، أو في دفتر صغير، أو في كلمة تُقال بسرعة قبل مغادرة الدكان.

وفي نهاية كل هذه السلاسل الصغيرة من الديون، تتكرر الجملة نفسها تقريباً، كأنها اتفاق غير مكتوب يحفظ توازن العلاقات بين الناس: “أول ما بقبض برجعلك”.

——————————

الملفات المعيشية ببعدها السيادي.. تعزيز النظم الوطنية لقياس الأمن الأسري/ هبا أحمد

مارس 12, 2026

شأنه شأن ملف إعادة الإعمار، يعد ملف الأمن الأسري وما يرتبط به من دخل ونفقات واستهلاك، وبالتالي أمن غذائي في سوريا، من أبرز التحديات التي تتطلب تضافر كل الجهود الداخلية والتشبيك مع الخارج والمنظمات الدولية ذات الصلة للوصول إلى بر الأمان في هذا الملف، ولا سيما لصلته المباشرة بالمواطن ومعيشته وأمانه الغذائي الذي يشكل حجر الرحى في استراتيجية البناء، لذلك فإن الأمر، وواقع الحال الذي أفرزته الحرب، يتطلبان تفعيل استراتيجيات وطنية لمواجهة هذا التحدي الاقتصادي والسياسي على حد سواء.

وفي ظل تشابك الملفات وتداخلها بما يشكل وحدة متكاملة، يتحول مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر إلى أداة لرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مع انعكاسات ذلك على الاستقرار السياسي والأمني، إذ يشكل الإنفاق الأسري في سوريا مؤشرا كاشفا للاقتصاد العام والتوجهات الاقتصادية.

بمعنى آخر، تتحول الملفات المعيشية إلى ملفات سيادية لصلتها بالاستقرار المجتمعي الذي يفضي إلى استقرار سياسي بالضرورة، ولا سيما في دولة مثل سوريا خارجة من حرب أنتجت معدلات مرتفعة من الفقر وصلت إلى حد الفقر المدقع، والذي من شأن عدم معالجته أن يفضي إلى ارتفاع معدلات الجريمة، وبالتالي زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي، إذ إن الملفات المعيشية تخضع بالضرورة لإطار اقتصادي وسياسي واجتماعي.

وتشكل فجوة الفقر، المتمثلة في الفارق الكبير بين الدخل والنفقات، أكبر التحديات في سوريا، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على مسارات التنمية المستقبلية لاحقا، فالإنفاق الأسري لا يرتبط فقط بالبقاء الفيزيولوجي، وإنما يشكل تراكما استثماريا للإنسان.

حجر الأساس في صياغة السياسات

في السياق، وقعت هيئة التخطيط والإحصاء مع برنامج الأغذية العالمي “WFP” مذكرة تفاهم بخصوص تنفيذ مسح “تعزيز النظم الوطنية للأدلة من خلال مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر” “HIECS” في سوريا، ووقع المذكرة رئيس الهيئة أنس سليم، مع المديرة القطرية للبرنامج في سوريا ماريان وارد، في مقر الهيئة بدمشق، بحضور وزير المالية محمد يسر برنية.

وأكد الوزير برنية، في كلمة له خلال توقيع المذكرة، أن المسح يمثل خطوة أساسية لتوفير بيانات دقيقة وموثوقة تعد حجر الأساس في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن نتائجه ستدعم إعداد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية والاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، إضافة إلى تحسين توجيه الدعم إلى مستحقيه وتصميم برامج أكثر فاعلية.

بدوره، أوضح رئيس الهيئة أن الشراكة مع برنامج الأغذية العالمي تمثل خطوة مهمة في تطوير العمل الإحصائي الوطني، مؤكدا حرص الهيئة على إنتاج بيانات نوعية تتجاوز الإحصاءات الروتينية، وتسهم في إعداد خطط التنمية على المستويين الوطني والمحلي، ودعم السياسات العامة القائمة على الأدلة.

في حين أوضحت ماريان وارد أن نتائج المسح ستساعد البرنامج وشركاءه على تصميم تدخلات أكثر دقة واستهدافا، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجا، مؤكدة أهمية الملكية الوطنية للبيانات ودورها في دعم مسارات التنمية المستقبلية.

ويعد هذا المسح الأول منذ عام 2009، ويأتي بعد استكمال المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري، ويهدف إلى توفير بيانات دقيقة ومحدثة تمثل جميع الأسر السورية في كل المحافظات، بما يتيح قياس مستويات المعيشة ورصد الفقر، وتوفير البيانات اللازمة لحساب معدلات التضخم.

ووفقا لبنود المذكرة، يتم استخدام نتائج المسح في إعداد استراتيجيات الحماية الاجتماعية متوسطة المدى، وإعداد التقرير الطوعي الخاص بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة “SDG” في سوريا، الذي تعمل الهيئة على إنجازه، كما ستشارك نتائجه مع الوزارات المعنية لدعم تطوير برامجها وخططها السنوية.

ويشار إلى أن هيئة التخطيط والإحصاء وقعت في شهر آب الماضي، مع برنامج الأغذية العالمي، مذكرة تفاهم لتنفيذ المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا، بهدف توفير بيانات ومؤشرات محدثة عن حالة الأمن الغذائي الأسري وخصائص الأسر الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، وفق مستويات أمنها الغذائي، وتم الإعلان عن نتائجها في كانون الثاني الماضي.

وفي الشهر الماضي أطلقت الحكومة السورية استراتيجية وطنية شاملة للفترة 2026-2028 لمكافحة الفقر الذي طال قرابة 80-90 بالمئة من السكان، تهدف إلى خفض نسب الفقر الجذري عبر الانتقال من المعونة إلى الإنتاج، وتركز على التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة، بالشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية.

الإنفاق قبل الحرب وبعده

من بين أسوأ مفرزات الحرب تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين وتفاقم معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى 85 بالمئة من إجمالي عدد السكان، جراء عدة عوامل، من بينها فقدان السكان لمصادر رزقهم، وانخفاض معدلات الدخل، وارتفاع معدلات الإنفاق على الغذاء بسبب استنزاف قيمة الليرة السورية وقدرتها الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات تجاوزت 1000 بالمئة.

وقبل عام 2011 تميز الإنفاق الأسري في سوريا باستقرار نسبي، حيث بلغ متوسط إنفاق الأسرة الشهري نحو 30.9 ألف ليرة سورية عام 2009، وكانت الطبقة الوسطى تشكل نحو 60 بالمئة من المجتمع، مع اعتماد كبير على الدعم الحكومي للسلع الأساسية، مما سمح بمستوى معيشة مقبول، وكانت الأسر قادرة على الادخار أو الاستثمار، من دون أن تضطر إلى بيع الممتلكات لتغطية نفقاتها اليومية، وكان الإنفاق يتركز على المواد الغذائية والتعليم والصحة والنقل، قبل أن تتراجع القدرة الشرائية وتنهار الليرة بفعل الحرب.

وبعد الحرب، انهارت القوة الشرائية مع تدني مستوى الدخل، وتدهور الإنفاق الأسري، حيث يعيش 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، مع الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وتستهلك المواد الغذائية أكثر من 45 بالمئة من دخل الأسرة، ويتوزع الباقي بين السكن والنقل والخدمات الأساسية، على حساب الصحة والتعليم، الأمر الذي دفع الكثير من العائلات إلى بيع ممتلكاتها.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن عجز إنفاق الأسرة في سوريا يتجاوز 60 بالمئة من دخلها، إذ إن متوسط الحاجة إلى إنفاق الأسرة في سوريا تتراوح تقديراته بين 9 ملايين و12 مليون ليرة شهريا، فبالمقارنة مع متوسط تقديري لدخل الأسرة، والبالغ قرابة 3.5 ملايين ليرة، نجد عجز الدخل المتاح عن تأمين ما لا يقل عن 60 بالمئة وسطيا من سلة الحاجات الأساسية، وهنا يمكن التقدير أن نسبة الإنفاق على الغذاء لا تقل عن 40 بالمئة من الحاجة إلى الإنفاق، وهذا معدل كبير ويتجاوز المؤشرات العالمية التي تفترض ألا يتجاوز الإنفاق على الغذاء معدل 25 بالمئة من الإنفاق الإجمالي على سلة الحاجات الأساسية.

برنامج الأغذية العالمي

ينفذ برنامج الأغذية العالمي في سوريا مجموعة من البرامج الطارئة، تشمل مساعدات غذائية مدرسية وبرامج دعم للأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل، بالإضافة إلى دعم عملية إعادة الإعمار والتنمية من خلال برامج الصمود.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أكثر من 80 بالمئة من العائلات السورية غير قادرة على تلبية احتياجاتها من الغذاء المتنوع والكافي والمغذي، رغم التحسن التدريجي في مؤشرات الأمن الغذائي في البلاد، بحسب موجز البرنامج الخاص بسوريا لشهر شباط 2026، الذي يغطي الفترة الخاصة بشهر كانون الثاني 2026، مضيفا: تعافي سوريا ما يزال مقيدا بسنوات طويلة من الصراع والعزلة وضعف الاستثمار، الأمر الذي أسهم في بقاء الاقتصاد هشا، وتضرر البنية التحتية، ومحدودية فرص العمل.

وأوضح البرنامج أن نحو 18 بالمئة فقط من العائلات السورية تعد آمنة غذائيا في عام 2025، مقارنة بـ11 بالمئة في عام 2024، مشيرا إلى أن استمرار هذا التحسن يعتمد على الاستقرار السياسي والاستثمار المستدام في جهود التعافي وتعزيز القدرة على الصمود.

وقدم البرنامج خلال كانون الثاني 2026 مساعدات لنحو 6.7 ملايين شخص في سوريا، شملت توزيع 36.7 ألف طن من المواد الغذائية، إضافة إلى تحويلات نقدية بقيمة 9.2 ملايين دولار لدعم الأسر الأكثر احتياجا، لافتا إلى أن العمليات في سوريا تحتاج إلى 175 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة، من آذار إلى آب 2026، لمواصلة البرامج الإنسانية، منوها، في الوقت ذاته، إلى أن غياب التمويل في الوقت المناسب قد يجبر البرنامج على تقليص المساعدات، في وقت لا تزال فيه مكاسب التعافي هشة.

وأوضح البرنامج، في تقرير سابق له، أنه قدم مساعدات شملت ملايين المستفيدين عبر برامج متنوعة، منها توزيع الغذاء الطارئ، وتوفير الخبز المدعوم والمحصن يوميا، إضافة إلى دعم سبل العيش والوجبات المدرسية والتغذية، بما يعكس التزامه بتأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز الصمود المجتمعي.

وأشار البرنامج إلى أنه يعمل بالشراكة مع المؤسسات الوطنية على مشاريع إعادة الإعمار وبناء القدرات، مثل إعادة تأهيل المخابز والصوامع، ودعم المزارعين بالبذور والأسمدة، إلى جانب مبادرات لتعزيز الإنتاجية الزراعية وضمان الأمن الغذائي المستدام.

وأكد أن سوريا تمتلك فرصا كبيرة لإعادة البناء وتحقيق التعافي، مشددا على أن استمرار التمويل الدولي سيتيح تعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، بما يفتح آفاقا إيجابية لمستقبل أكثر استقرارا وعدلا.

ويعد برنامج الأغذية العالمي “WFP” أكبر منظمة إنسانية في العالم تابعة للأمم المتحدة، تأسست عام 1961 ومقرها روما، ويهدف إلى مكافحة الجوع، وتحقيق الأمن الغذائي، وإنقاذ الأرواح في حالات الطوارئ، كالنزاعات والكوارث، وتغيير حياة المجتمعات من خلال دعم سبل العيش المستدامة في أكثر من 120 دولة.

إعادة بناء قاعدة البيانات

ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، أن إجراء مسح شامل لدخل ونفقات واستهلاك الأسر بعد انقطاع دام نحو سبعة عشر عاما، يمثل خطوة أساسية في إعادة بناء قاعدة البيانات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، فخلال هذه السنوات شهد الاقتصاد السوري تحولات عميقة بفعل الحرب وتداعياتها، إلى جانب موجات التضخم الحادة وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل كثيرا من المؤشرات والبيانات القديمة غير قادرة على عكس الواقع المعيشي الحالي للأسر.

ومن هنا، تقول الدكتورة الشياح، في تصريح لـ”الثورة السورية”: “تبرز أهمية هذا المسح بوصفه أداة لقياس مستوى الفقر الحقيقي في المجتمع، إذ سيقدم بيانات أكثر دقة حول نسب الفقر والفقر المدقع، والفروق بين المناطق الحضرية والريفية، وهو ما يسمح بفهم أعمق لخريطة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، كما يتيح المسح التعرف إلى أنماط الاستهلاك الجديدة التي تشكلت خلال السنوات الماضية، بعدما غيرت الظروف الاقتصادية أولويات الإنفاق لدى الأسر، سواء في ما يتعلق بحصتها من الغذاء أو السكن والطاقة، أو ما تخصصه للتعليم والصحة”.

وإلى جانب ذلك، وفقا للباحثة الاقتصادية، يسهم المسح في تحديث مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، مثل خط الفقر الوطني، ومستوى عدم المساواة في توزيع الدخل، والتقديرات الفعلية لتكاليف المعيشة. وتكمن أهمية هذه المؤشرات في أنها توفر أساسا أكثر واقعية لصياغة السياسات العامة. فبدل أن تستند القرارات الاقتصادية إلى تقديرات عامة أو بيانات قديمة، تصبح مبنية على معلومات ميدانية تعكس بدقة واقع الأسر ومستويات دخلها وإنفاقها.

الانعكاس السياسي والاقتصادي

وحول سؤال ماذا يعني هذا المسح على المستوى السياسي والاقتصادي، توضح الشياح أنه، اقتصاديا، يشكل المسح مرجعا مهما لأي عملية إصلاح اقتصادي محتملة، إذ يتيح قياس حجم الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، كما يوضح طبيعة توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويحدد المناطق الأكثر هشاشة اقتصاديا.

وبناء على هذه المعطيات، يمكن للحكومة أن تعيد تقييم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، سواء في ما يتعلق بإعادة تصميم منظومة الدعم، أو صياغة سياسة أكثر واقعية للأجور، أو تطوير برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجا.

أما على الصعيد السياسي، فيحمل المسح، وفقا للدكتورة الشياح، دلالات مهمة تتصل بطبيعة إدارة السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة. فوجود بيانات دقيقة ومحدثة قد يمهد للانتقال نحو سياسات اقتصادية أكثر توجيها، تقوم على استهداف الفئات الأشد فقرا بدل الاعتماد على الدعم الشامل. كما أن اعتماد القرارات الاقتصادية على بيانات رسمية يعزز من شرعيتها ويمنحها قدرا أكبر من المصداقية، فضلا عن كونه يبعث رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن هناك جهودا لإعادة بناء المؤسسات الإحصائية وتحديث قاعدة البيانات الوطنية.

التأثير في القرارات

وبينت الباحثة الاقتصادية أنه يمكن لنتائج هذا المسح أن تنعكس مباشرة على عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، وفي مقدمتها سياسات الدعم. إذ قد تكشف البيانات بشكل أوضح عن الفئات التي تستفيد فعليا من الدعم، وتلك التي لا يصلها بشكل كاف، الأمر الذي قد يدفع نحو إعادة هيكلة هذه السياسات، سواء من خلال التوسع في أشكال الدعم النقدي المباشر للفئات الأكثر فقرا، أو تقليص الدعم العام لبعض السلع والطاقة، أو توجيه الدعم وفق اعتبارات جغرافية واجتماعية أكثر دقة.

كما يمكن أن تلعب نتائج المسح دورا مهما في تحديد الحد الأدنى للأجور، إذ تتيح البيانات احتساب تكلفة سلة المعيشة الأساسية، وقياس الفجوة بين مستويات الدخل والإنفاق لدى الأسر. وهذه المعطيات تعد ضرورية لوضع حد أدنى للأجور أكثر ارتباطا بالواقع الاقتصادي.

ولا يقتصر تأثير المسح على هذين الجانبين، كما توضح الشياح، بل يمتد أيضا إلى رسم السياسات الاجتماعية الأوسع، حيث يمكن استخدام البيانات الناتجة عنه في تصميم برامج الحماية الاجتماعية، وتطوير سياسات تتعلق بالأمن الغذائي والتغذية، إضافة إلى دعم السياسات المرتبطة بالتعليم والصحة.

تأثير المنظمات الدولية

غالبا ما يتركز دور المنظمات الدولية المشاركة في مثل هذه المسوح في الجوانب التقنية والمنهجية أكثر من كونه دورا سياسيا مباشرا. فهي تسهم في تصميم منهجية المسح وصياغة الاستبيانات، كما تساعد في تحديد المؤشرات الأساسية التي ينبغي قياسها، مثل مؤشرات الفقر والأمن الغذائي والتغذية، مع ضمان توافق البيانات مع المعايير الدولية المعتمدة. وهذا قد يؤدي إلى التركيز على مؤشرات بعينها، مثل الأمن الغذائي أو الهشاشة الاقتصادية أو الفقر متعدد الأبعاد.

وإلى جانب ذلك، نوهت الدكتورة الشياح إلى أن هذه المنظمات توفر، في كثير من الأحيان، دعما ماليا وفنيا لتنفيذ المسح، نظرا إلى ارتفاع كلفته وتعقيد عملياته الميدانية والإحصائية، كما تقدم الخبرة التقنية في تدريب الفرق الميدانية وتحليل البيانات.

أما تأثيرها غير المباشر في السياسات فيظهر غالبا من خلال استخدام نتائج المسح في التقارير الدولية أو في برامج المساعدات، مما قد ينعكس على أولويات الإنفاق الحكومي أو تصميم برامج الحماية الاجتماعية والدعم الغذائي. ومع ذلك، يبقى توظيف نتائج المسح في رسم السياسات العامة قرارا سياديا يعود في النهاية إلى الحكومة.

وتخلص الشياح إلى القول إنه يمكن أن يشكل هذا المسح أحد أهم الأدوات الاقتصادية في سوريا خلال المرحلة المقبلة، لأنه سيقدم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة صورة أكثر وضوحا عن شكل الفقر الحقيقي في المجتمع، ومستويات تكاليف المعيشة، وخريطة الهشاشة الاجتماعية بين مختلف المناطق والفئات. وبناء على هذه المعطيات، قد يصبح المسح مرجعا أساسيا في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في السنوات القادمة.

الثورة السورية

——————————

إعادة الرواتب لمتقاعدين في سوريا.. خطوة “جبر ضرر” تثير أسئلة قانونية

أعلن وزير المالية السوري، يسر برنية، اليوم الخميس 12 آذار، أن الدولة ستباشر تسديد الرواتب التقاعدية لعدد من الفئات التي توقفت معاشاتها سابقًا، وذلك بتوجيه من الرئيس أحمد الشرع.

وأوضح برنية أن القرار يشمل:

    المتقاعدين العسكريين (دفاع، داخلية) والمدنيين الذين تم إيقاف معاشاتهم لأسباب أمنية من قبل النظام البائد.

    العسكريين (دفاع، داخلية) المنشقين عن النظام البائد (ضباط، صف ضباط، أفراد) الذين لم يلتحقوا بوزارة الدفاع أو الداخلية في الدولة السورية الجديدة بسبب بلوغهم سن الإحالة على المعاش أو لأي سبب آخر.

    المتقاعدين العسكريين وورثتهم ما بعد شهر نيسان عام 2011 والذين لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين.

    أصحاب المناصب وأعضاء مجلس الشعب الموقوفة معاشاتهم التقاعدية، منذ تاريخ التحرير، والذين لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين أو بجرائم تجاه الشعب السوري.

وقال الوزير إن الخطوة جاءت انطلاقًا من حرص الدولة السورية الجديدة على الإنصاف والعدالة وتعزيز السلم الاجتماعي، والمساهمة في تحسين الوضع المعيشي لجميع السوريين.

وبيّن وزير المالية أن تعاميم ستصدر لكل فئة لمراجعة المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات بدءًا من الأول من نيسان 2026، واستكمال الإجراءات اللازمة تمهيدًا لتسديد الرواتب للمستحقين.

مَن لم تتلطخ يديه بالدماء

في قراءة قانونية القرار، حذر الحقوقي المعتصم كيلاني، من أن هذا المصطلح “سياسي” ولا يشكل مفهومًا قانونيًا محددًا، وخاصة أنه كان يجب أن يكون من مخرجات “كشف الحقيقة” الذي لم يبدأ فعليًا كمنظومة شاملة منذ 16 شهرًا.

وقال الكيلاني لعنب بلدي إن المسؤولية الجنائية الدولية أوسع من “القتل المباشر”، إذ تشمل المحرضين والمساعدين، و”مسؤولية القيادة” للمسؤولين الذين علموا بالانتهاكات ولم يمنعوها.

وشدد الكيلاني على ضرورة أن تستند قرارات الاستبعاد إلى تحقيقات قانونية واضحة وقرينة البراءة، لضمان عدم تحول الشرط إلى “شكل جديد من أشكال الإقصاء السياسي”.

“جبر ضرر” واعتراف بالانتهاك

وحول إعادة الرواتب للمتقاعدين العسكريين والمدنيين المحرومين و المنشقين عن النظام السابق، ذكر أن ذلك يندرج ضمن إطار “برامج جبر الضرر” في العدالة الانتقالية.

واعتبر الكيلاني أن الخطوة تتجاوز قيمتها المادية لتصبح “اعترافًا رسميًا بأن حرمان هؤلاء لم يكن إجراءً قانونيًا، بل كان جزءًا من سياسة عقابية ذات طابع سياسي”.

وأوضح كيلاني أن إعادة الرواتب تحمل دلالة رمزية تتعلق بـ”إعادة الاعتبار” لفئات كانت موصومة سياسيًا، مؤكدًا أن “الاعتراف بالانتهاك وإزالة آثاره هو أحد أهم عناصر جبر الضرر في أدبيات العدالة الانتقالية”.

المعاش كأداة لـ”الاضطهاد الاقتصادي”

وفكك الكيلاني شرعية الحرمان السابق، مستندًا إلى الفقه القانوني الدولي الذي يصنف المعاش التقاعدي كـ “حق ملكية خاص” ومصلحة مالية محمية.

وأشار إلى أن استخدام المعاش كأداة للعقاب الجماعي يُعد “إجراءً تمييزيًا وتعسفيًا”، ويندرج ضمن سياسات “الاضطهاد الاقتصادي” المحظورة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

واعتمدت سلطات النظام السابق على عدة آليات للإقصاء المالي، أبرزها:

اشتراط الموافقة الأمنية: حيث حرم آلاف المتقاعدين من الوصول لمستحقاتهم المالية لوجود تقارير أمنية كيدية بحقهم أو بحق أفراد عائلاتهم، أو لأنهم من مناطق ثائرة.

قوانين الإرهاب الفضفاضة: استخدم القانون رقم “19” لعام 2012 (قانون مكافحة الإرهاب) كغطاء قانوني لمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، بما فيها الرواتب، لكل من اتخذ موقفًا معارضًا، تحت ذريعة دعم الإرهاب.

الحرمان من بيان وضع: كان يجبر المعتقل على الحضور الشخصي إلى مراكز المدن الخاضعة لسيطرة النظام لاستخراج الأوراق الرسمية، مما جعل من الراتب فخ للاعتقال أو التغييب الرسمي.

——————————

الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي/ أمير حقوق

تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من غلاء الأسعار، طالت العديد من السلع الأساسية والمواد الغذائية، في ظل ظروف اقتصادية معقدة ترهق السوريين.

وتنعكس هذه الموجة الجديدة من الغلاء بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للسوريين، حيث تتسع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار، الأمر الذي يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن بعض السلع الأساسية.

كما يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة معدلات التضخم في الأسواق المحلية، وهو ما يهدد بمزيد من التدهور في القدرة الشرائية ويعمّق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها السوريون في حياتهم اليومية.

غلاء بوتيرة مفاجئة

قامت عنب بلدي بجولة في عدد من أسواق المحافظات السورية، ولوحظ غلاء الأسعار بوتيرة مرتفعة خلال الأسبوع الحالي، إذ ارتفعت بعض السلع حوالي 50%.

وتراوح سعر كيلو الفروج بين 34 و39 ألف ليرة سورية، بعدما كان الأسبوع الماضي بين 28 و32 ألف ليرة سورية، ووصل سعر كيلو شرحات الدجاج لحوالي 80 ألف ليرة سورية، بعدما سجل 52-56 ألف ليرة سورية، أما كيلو “فخاذ الوردة” فسجل سعر 50 ألف ليرة سورية، بعدما كان 35 ألف ليرة سورية.

الخضار أيضًا لم تكن بمنأى عن موجة الغلاء، إذ سجل كيلو البندورة في أسواق دمشق 20 ألف ليرة سورية، بعدما سجل في الأسبوع الماضي 12 ألف ليرة سورية، وكيلو الخيار والفليفة سجلا سعر 18 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرهما 11-15 ألف ليرة سورية، وكيلو الليمون تجاوز سعره 25 ألف ليرة سورية، بعدما كان يباع حوالي 18 ألف ليرة سورية.

الغلاء طال أيضًا أصناف الحلويات وعصائر والفاكهة، وحتى أسعار الألبسة.

عدد من الباعة، التقتهم عنب بلدي، أكدوا تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة، وأصبحت حالات البيع تقتصر على عينات صغيرة.

وأرجعوا الغلاء، لعدة عوامل أهمها ارتفاع أجور النقل ونقص بالمنتج المحلي، وإغلاق استيراد بعض الأصناف الزراعية والحيوانية.

تضخم هيكلي ومستورد

هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار، تطرح تساؤلات عديدة حول أسبابها الحقيقية، ومدى ارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية، فضلًا عن تأثيراتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية ومستويات المعيشة.

كما تثير مخاوف من احتمال استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات تحد من تسارع الأسعار.

الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، قال إن الاقتصاد السوري يشهد في عام 2026 موجة تضخمية جديدة وعنيفة، توصف بأنها الثانية من نوعها من حيث الحدة خلال فترة قصيرة، حيث قفزت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق لتسجل أرقامًا قياسية تفوق قدرة المواطن على التحمل.

“موجة الغلاء الحالية التي نعيشها ليست مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل هي تضخم هيكلي ومستورد في آن واحد”، بحسب ما قاله الدكتور محمد خلال حديثه إلى عنب بلدي.

ويرى محمد أنه يمكن توصيف أسبابها الاقتصادية من خلال تحليل العوامل التالية:

1. صدمة العرض مقابل زيادة الطلب الموسمية: مع حلول شهر رمضان، يزداد الطلب الاستهلاكي بشكل حاد على المواد الغذائية واللحوم، مما يشكل ضغطًا تصاعديًا على الأسعار.

في المقابل، يعاني العرض المحلي من محدودية حادة نتيجة عوامل طبيعية كالجفاف، وضعف الإنتاج الزراعي والحيواني بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات، مما يخلق فجوة سعرية كبيرة.

2. ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل جنوني: يعاني المزارع السوري من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف مستلزمات الإنتاج، وأبرزها الأسمدة التي ارتفعت بشكل كبير نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتباطها بالاستيراد، على سبيل المثال، قفز سعر طن سماد اليوريا بشكل مفاجئ، مما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وبالتالي على السعر النهائي للمستهلك.

كذلك، تتزايد أجور اليد العاملة وأجور النقل (التي ترتبط بسعر المحروقات)، مما يزيد العبء على الفلاح ويقلص هامش الربح لديه أو يدفعه لرفع الأسعار.

3. ضعف العملة والتضخم المستورد: على الرغم من الحديث عن استبدال العملة وحذف الأصفار، فإن قيمة الليرة السورية لا تزال تعاني من الضعف أمام الدولار، مما يجعل الغلاء “مستوردًا”.

فالاقتصاد السوري يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد التامة الصنع أو للمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، أي تراجع في سعر الصرف يترجم فورًا إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة والمحلية على حد سواء.

4. اضطراب سلاسل التوريد وتكاليف النقل: تتأثر سلاسل التوريد بعوامل داخلية كضعف البنى التحتية، وعوامل خارجية كالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهذه الاضطرابات تؤدي إلى تعطل بعض طرق النقل وزيادة تكاليف الشحن، مما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق المحلية.

5. غياب التدخل الفعال وآليات السوق غير المنضبطة: مع اعتماد وزارة الاقتصاد بشكل واسع على سياسة السوق الحر، وغياب الرقابة الفعالة على أسواق الجملة والتجزئة، يلعب التجار وأصحاب البقاليات دورًا أساسيًا في المضاربة على الأسعار، في كثير من الأحيان، تذهب الزيادات الكبيرة في الأسعار إلى جيوب الوسطاء، بينما يبقى المزارع يتقاضى ثمنًا زهيدًا لإنتاجه لا يغطي كلفته.

تضخم غذائي حاد

أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيعتبر أن السوق السوري يشهد موجة غلاء جديدة يمكن توصيفها اقتصاديًا بأنها موجة تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد زيادة موسمية مرتبطة بدورة الطلب المعتادة.

من منظور اقتصادي، يمكن فهم هذه الموجة عبر تداخل عدة عوامل بنيوية، بحسب رؤية السلوم في حديثه إلى عنب بلدي، وهي:

    الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، حيث لا تزال سلاسل الإمداد الغذائية تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المستورد أو مرتفع الكلفة، ما يضيف أعباء إضافية على كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة الغذائية، بدءًا من المزرعة مرورًا  بالنقل والتخزين، وصولًا إلى منافذ البيع.

    العامل الثاني يتمثل في اختناقات العرض الناتجة عن ضعف الإنتاج المحلي من جهة، وتعقيدات الاستيراد أو تأخر منح الإجازات من جهة أخرى، وهو ما يخلق في كثير من الأحيان حالة نقص فعلي أو متوقَّع في المعروض، وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة يميل التجار إلى التسعير وفق ما يمكن تسميته “سعر الغد” بدلًا من “سعر اليوم”، تحسبًا لارتفاعات لاحقة في التكاليف.

     العامل الثالث يرتبط بارتفاع الطلب الموسمي مع حلول شهر رمضان، وهو عامل تقليدي في الأسواق السورية، إلا أنه يعمل هذه المرة فوق أرضية تضخمية هشة تراكمت على مدى سنوات طويلة.

    أما العامل الرابع فهو الإرث التضخمي الثقيل الذي تراكم منذ عام 2019، حيث شهدت أسعار السلع الأساسية زيادات تراكمية كبيرة أضعفت قيمة العملة المحلية وأفرغت الأجور من مضمونها الحقيقي، بحيث أصبحت أي صدمة جديدة، لو كانت محدودة، قادرة على إحداث قفزات سعرية ملحوظة.

وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، لا يمكن إغفال تأثير التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران وإسرائيل.

صحيح أن العلاقة ليست مباشرة على مستوى الأسعار اليومية للسلع في الأسواق المحلية، إلا أن هذه التطورات ترفع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين في المنطقة، وتزيد من مخاطر اضطراب الإمدادات، بحسب السلوم.

وبالنسبة لاقتصاد هش يعتمد على الواردات في جزء مهم من احتياجاته الغذائية والنفطية، فإن هذه الصدمات الخارجية تضاعف الضغوط التضخمية القائمة أصولًا.

نسبة التضخم بالربع الأول 100%

يقدّر الدكتور عبد الرحمن محمد، بناء على المعطيات المتاحة وتحليل اتجاهات الأسواق، نسبة التضخم الحالية، والتي تعتبر مرحلة “تضخم الركود” الحاد، كما يلي:

التقديرات تشير إلى أن معدل التضخم السنوي في الربع الأول من عام 2026 يتجه للاقتراب من حوالي 100% أو أكثر، محذرًا من أن بعض التوقعات المحذرة تذهب إلى احتمالية تسجيل تضخم يتجاوز 124%.

ويلخص الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالآتي:

    تآكل القدرة الشرائية: النتيجة المباشرة والأكثر قسوة هي انهيار القوة الشرائية للمواطن السوري، حيث لم تعد الرواتب والأجور قادرة على مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار، مما يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها من المواد الأساسية والاستغناء عن بعضها.

    انخفاض الإقبال على الشراء: المفارقة أن الأسعار ترتفع بينما يقل الإقبال على الشراء بنسب تصل إلى 40% كما حدث في بداية رمضان، مما يعكس حالة الركود التضخمي حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع كساد السوق.

    تفاقم الفقر والبطالة: هذه الأوضاع تدفن أي أمل بتحسن سريع لمستوى المعيشة، وتزيد من معدلات الفقر والبطالة التي تتجه نحو مستويات قياسية قد تصل إلى 60% من القوى العاملة في سيناريوهات متدهورة.

توقعات للتضخم السنوي

الباحث محمد السلوم يتوقع أن يتراوح معدل التضخم السنوي العام في سوريا قد يدور حاليًا في نطاق يتراوح بين 40 و70 بالمئة، في حين يمكن أن يصل التضخم الغذائي في بعض السلع إلى مستويات أعلى قد تقترب من 60 إلى 100%، مع تفاوتات ملحوظة بين المناطق والمحافظات.

انعكاسات هذه الموجة، بحسب رأي السلوم، تتجاوز الجانب الاقتصادي البحت لتطال البعد الاجتماعي بشكل مباشر.

فظاهرة “فقر الغذاء” تتسع تدريجيًا، حيث تضطر العديد من الأسر إلى تقليص استهلاك البروتينات والفواكه والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة، وأحيانًا مجهولة المصدر، بما يحمله ذلك من آثار صحية محتملة على المدى المتوسط.

كما يؤدي تسارع الأسعار إلى إضعاف قدرة المنتجين والتجار على التخطيط، ويوسّع من حجم الاقتصاد غير المنظم، ويعزز ظاهرة التسعير على أساس العملات الأجنبية أو كلفة الاستبدال، وفقًا للسلوم.

ما الآثار؟

قال الدكتور عبد الرحمن محمد، إن التأثيرات الاقتصادية إثر موجة التضخم، تتمثل في:

تراجع الإنتاج المحلي: ارتفاع التكاليف وعدم الجدوى الاقتصادية يدفع الكثير من المزارعين والمنتجين إلى تقليص مساحاتهم الزراعية أو التوقف عن العمل، مما يزيد الاعتماد على الاستيراد ويخلق حلقة مفرغة في ارتفاع الأسعار.

توسع السوق الموازية وضعف الاقتصاد الرسمي: يؤدي التضخم الجامح إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية، ويزيد من الدولرة (التعامل بالقطع الأجنبي)، ويوسع رقعة السوق السوداء على حساب الاقتصاد المنظم.

استنزاف المدخرات: يفقد المواطنون أي مدخرات نقدية كانت بحوزتهم، مما يقضي على أي فرصة لتكوين رأس مال محلي يمكن استثماره في المستقبل .

مطالب بدعم الإنتاج ومراقبة الأسواق

اقترح الدكتور عبد الرحمن محمد، مجموعة من الحلول العاجلة، والتي تعتبر حزمة من السياسات العاجلة والاستراتيجية:

    التدخل المباشر لدعم الإنتاج: بدلًا من الدعم العشوائي للسلع، يجب التوجه نحو “دعم نقدي ذكي” للمواطنين الأكثر حاجة بالتوازي مع دعم مستلزمات الإنتاج للمزارعين والصناعيين المحليين (أسمدة، وبذار، ومحروقات) لزيادة المعروض وكسر حلقة الاحتكار.

     مراقبة الأسواق وكسر الاحتكار: تفعيل دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لمراقبة سلاسل التوريد من المزرعة إلى المستهلك، والتصدي بحزم لاحتكار الوسطاء والمضاربات غير المشروعة بالأسعار.

    العمل على استقرار سعر الصرف: لا يمكن السيطرة على التضخم دون محاولة جادة لضبط سوق القطع الأجنبي عبر تعزيز الاحتياطي من العملات الصعبة، وخلق آليات شفافة لتدفق الحوالات الخارجية والاستثمارات.

    استراتيجية وطنية للتحول الاقتصادي: الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “صناعة النمو” عبر وضع خطط طموحة لتحقيق سيادة الغذاء والطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري السوري في الداخل والخارج، وتحويل الاقتصاد من الريعي إلى الإنتاجي.

آليات دعم ذكية

يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أنه على صعيد المعالجة، فإن المقاربة الواقعية تقتضي الجمع بين إجراءات إسعافية قصيرة الأجل وإصلاحات تدريجية أعمق.

فعلى المدى القريب تبدو الحاجة ملحّة لاستهداف السلع الغذائية الأساسية بآليات دعم ذكية ومركّزة، إلى جانب مراجعة قيود الاستيراد المتعلقة بالسلع والمدخلات الحرجة، وضبط هوامش الربح في حلقات الوساطة بما يتناسب مع الكلفة الفعلية.

أما على المدى المتوسط، فإن الاستقرار النسبي للأسعار يظل مرهونًا بتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي في قطاعات الزراعة والدواجن والتصنيع الغذائي، وتحسين بيئة سعر الصرف، وبناء شراكة أكثر فاعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإدارة ملف الأمن الغذائي، خاصة في المواسم الحساسة التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.

عنب بلدي

——————————–

 الضمير بديلاً عن الدولة.. كيف تُدار أزمة الأسعار في سوريا؟/ منهل عروب

2026.03.10

في سوريا، لا تبدأ أزمة الأسعار من السوق، بل من اللغة التي تُفسَّر بها. فبدلاً من سياسات تضبط الانفلات، يُستدعى «الضمير» ليقوم بدور الدولة، ويُطلب من التاجر أن يعالج ما عجزت عنه المؤسسات. هكذا تتحول الأزمة المعيشية من خلل اقتصادي إلى اختبار أخلاقي، ويصبح السؤال الحقيقي: من يدير الأسعار؟ الدولة الممثلة بالجهات المعنية والتي تعمل وفق معايير قابلة للقياس، أم الضمير الشعبي بكل ما تحمله هذه العبارة من معانٍ فضفاضة بهدف التهرب من تحميل المسؤولية لجهة محددة؟ وهل هذا اتهام غير مباشر للسوريين وتحميلهم مسؤولية الفشل الاقتصادي، أم إعلان عجز الدولة عن وضع سياسات اقتصادية فاعلة؟

ففي كل موسم رمضاني، يتكرر المشهد ذاته في الخطاب الاقتصادي الرسمي في سوريا: دعوات إلى الضمير، نداءات إلى المسؤولية الشخصية، وتذكير التجار بأنهم أمام اختبار أخلاقي لا ينبغي أن يفشلوا فيه. هذا العام لم يكن استثناءً. فقد شدّد وزير الاقتصاد على ضرورة التزام التجار بالتسعير العادل خلال رمضان، وعدم استغلال حاجة الناس، مؤكدًا أن «الاقتصاد الحر» يقوم على المنافسة الشريفة وعلى ضمير المنتجين والموردين.

في الظاهر، تبدو هذه الرسالة طبيعية، بل وربما محمودة. من يعارض الدعوة إلى العدالة في الأسعار؟ ومن يرفض أن يتحلّى التجار بالضمير؟ لكن المشكلة لا تكمن في الدعوة ذاتها، بل في ما تخفيه: تحويل أزمة اقتصادية بنيوية عميقة ومهمات مؤسسية حكومية إلى مسألة أخلاقية فردية، وإعادة تعريف دور الدولة من جهة منظِّمة للسوق إلى جهة واعظة أخلاقياً للتجار، من دون أن تتحمّل مسؤولياتها.

حين ترتفع الأسعار في أي اقتصاد، تُطرح أسئلة واضحة: ماذا عن التضخم؟ ماذا عن السياسة النقدية؟ ماذا عن الأجور؟ ماذا عن الاحتكار وسلاسل التوريد؟ في الحالة السورية، هذه الأسئلة تختفي من الخطاب الرسمي، ليحل مكانها تفسير مبسّط: المشكلة في جشع بعض التجار وغياب الضمير.

هذه النقلة ليست بريئة. إنها عملية سياسية واعية تنقل مركز المسؤولية من بنية الاقتصاد ودور السياسات والخطط الاقتصادية التي تضعها الوزارة إلى سلوك الأفراد. فبدلاً من أن تكون الأسعار نتيجة خلل في السياسات العامة، تصبح نتيجة لانحراف أخلاقي في السوق المتمثّل في المجتمع. وبدلاً من مساءلة الدولة عن أدواتها الاقتصادية، يتم استدعاء الضمير الفردي كأداة بديلة لضبط السوق. بهذا المعنى، لا يعود التضخم أزمة سياسات، بل أزمة أخلاق. ولا تعود الدولة مطالبة بإصلاح أدواتها، بل يطالب التاجر بإصلاح ضميره.

اقتصاد حر شروطه غير متوفرة

يشير الخطاب الرسمي إلى أن التسعير يتم ضمن «اقتصاد حرّ» يقوم على المنافسة العادلة. لكن هذا الافتراض يتجاهل السؤال الجوهري: هل تتوافر في سوريا شروط اقتصاد حر فعلاً؟

الواقع الملموس يشير إلى العكس. السوق يعاني من تركّز واضح في سلاسل التوريد، وتداخل عميق بين رأس المال والسلطة، وغياب شبه كامل للرقابة المستقلة، إضافة إلى ضعف أجهزة حماية المستهلك. في مثل هذه البيئة، لا يمكن الحديث عن منافسة عادلة، لأن السوق نفسه غير متكافئ. فمثلاً أعلنت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن 59 ضبطًا في مدينة حمص، وفق ما أوردته الإخبارية السورية، في مسعى منها للقول إن جهاز حماية المستهلك يقوم بواجبه. لكن هذا الرقم صغير جدًا بالمعيار الاقتصادي والقانوني، في ظل فلتان الأسعار الذي تعيشه سوريا في شهر رمضان ومحاولة ضبطه.

وبالتالي، يصبح الحديث عن «اقتصاد حر» خطابًا تبريريًا أكثر منه توصيفًا واقعيًا أو منهجًا اقتصاديًا تتبناه الدولة. إذ يجري استخدام مفهوم نظري لتغطية واقع احتكاري، ثم يُطلب من الأفراد أن يتصرفوا وكأنهم يعملون ضمن سوق تنافسية سليمة.

الأخطر: ربط الأسعار بالضمير والمسؤولية الوطنية

الأخطر في الخطاب الأخير ليس فقط دعوة الضمير، بل ربطها بالمسؤولية الوطنية، وحتى بتضحيات السوريين. هنا يحدث تحول نوعي في وظيفة الأخلاق داخل الخطاب العام. لم تعد الأخلاق إطارًا شخصيًا، بل أصبحت أداة سياسية. فحين يُقال للتاجر إن التسعير العادل هو وفاء لتضحيات الوطن، تتحول علاقة السوق من علاقة اقتصادية إلى علاقة أخلاقية وطنية. بذلك، يصبح خفض الأسعار علامة على الانتماء، ورفعها مؤشرًا على نقص الوطنية، وليس على العرض والطلب أو الربح والخسارة.

هذه الصياغة ليست محايدة. إنها تعيد تعريف السلوك الاقتصادي بلغة سياسية، وتفتح الباب أمام استخدام الشرعية الوطنية كأداة ضغط اقتصادي. هنا تتحول الأخلاق من قيمة إنسانية إلى وسيلة، أو بالأحرى محاولة لإدارة السوق في ظل غياب أدوات تنظيم فعالة.

الدولة تطلب من السوق أن يقوم بدورها

في أي نموذج اقتصادي مستقر، تقوم الدولة بدور واضح: تنظيم السوق، منع الاحتكار، حماية المستهلك، وضمان حد أدنى من العدالة في توزيع الأعباء. أما في الحالة السورية، فيبدو أن هذه الوظائف يتم تفويضها ضمنيًا إلى السوق نفسه.

بدلاً من سياسات تسعير واضحة، أو دعم فعلي للسلع الأساسية، أو رقابة فعالة على سلاسل التوريد، يكتفي الخطاب الرسمي بنداءات أخلاقية. أي بدلاً من أن تقول الدولة: «سنضبط الأسعار وفق آلية محددة وواضحة وقابلة للقياس والمساءلة»، تقول: «اضبطوا أنفسكم!» هذه المفارقة تكشف خللاً عميقًا: كلما تراجعت قدرة الدولة على التدخل، ارتفع منسوب الخطاب الأخلاقي. وكأن الضمير يتحول إلى بديل عن القانون، والوعظ إلى بديل عن السياسة العامة.

هنا تكمن المفارقة الأساسية: الضمير قيمة فردية، بينما العدالة الاقتصادية مسؤولية مؤسسية. وعندما يختلط المستويان، تضيع الحدود بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي، وتتحول القيم إلى بديل هشّ عن السياسات.

الأسواق لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بالقوانين والمؤسسات وتوازنات القوة بين العرض والطلب، والتاجر والمستهلك والوسيط المحايد بينهما، وهو الدولة. أما الضمير، مهما كان مهمًا، فيبقى خيارًا فرديًا لا يمكن أن يشكّل أساسًا لسياسة اقتصادية عامة. وفي بلد يعيش واحدة من أعمق أزماته المعيشية، لا يبدو أن المشكلة هي نقص الضمير بقدر ما هي غياب السياسة.

تلفزيون سوريا

—————————–

ثلاثي الوجع: الأسعار والدخل… وتصريحات/ غسان شما

10 مارس 2026

على الفقراء ألّا يستهلكوا الكثير من الكهرباء، ولا يقارنوا أنفسهم بالأغنياء الذين لديهم من الأدوات ما ليس للفقراء. وعليهم أيضاً أن يخففوا من الاتصالات واستخدام باقات “النت” فأسعارها مرتفعة. ولا بأس إن خففوا من استهلاك الطعام وحدّدوا عدد الوجبات على أن تكون خفيفة وخالية من اللحوم، ما أمكن، فذلك أكثر صحة وفائدة في علوم الصحة والجيوب المثقوبة.

في هذه الأجواء الروحية الخالصة، تعالت انتقادات واحتجاجات وصلت حد الصراخ ألماً من ارتفاع أسعار الكهرباء “الخرافي” بنسبة تصل إلى 600%، لكن أحداً من المسؤولين لم يعر “عملياً” أي اهتمام لتلك الأصوات والاعتراضات التي صدرت عن المواطنين المتضرّرين، الذين ذهب بعضهم إلى حدّ الإعلان عن رفضه دفع الفاتورة الجديدة، وشهدت بعض المناطق وقفات احتجاج خجولة مضت سريعاً.

نائب وزير الاقتصاد والصناعة السوري، باسل عبد الحنان، وخلال لقاء على الإخبارية السورية، أجاب على سؤال عن فاتورته الكهربائية أنها بحدود المليونين، وأنه لم يدفعها بانتظار تخفيض الحكومة التعرفة الكهربائية. وهناك من لفت النظر إلى ضرورة أن يلتزم الفقير بحدود الثلاثمئة كيلو ليتمكن من دفع الفاتورة، مفترضاً أن الفقراء لا يمتلكون الكثير من الأدوات الكهربائية لمنافسة الأغنياء في هذا الميدان.

الأسعار والدولار

ارتفعت، أخيراً، أسعار مواد كثيرة بنسب مختلفة مثل اللحوم والدجاج والفواكه والخضار وغيرها. وقد أشار الخبير الاقتصادي جورج خزام، إلى السبب الحقيقي وراء هذا الارتفاع الجديد من خلال ربطه بالسعر الحقيقي للدولار: “ارتفاع الأسعار بالسوق يكشف ما هو السعر الحقيقي للدولار الذي يجري به تقييم الأسعار، والذي يعكس حقيقة القوة الشرائية المنخفضة لليرة السورية” مؤكداً أنه غير السعر المتداول “السعر الحقيقي للدولار الذي يجري به التسعير يتجاوز 19 ألف ليرة، وهو الحقيقة المؤجلة المقبلة عند تحرير الأموال من المصارف…، ولكنه سعر مخفي وغير معلن بسبب سياسة المصرف المركزي بتقييد حرية سحب الأموال من المصارف من أجل تخفيض كمية الليرة المتداولة بالأسواق مع توزيع التضخم النقدي على المودعين بالمصارف حتى لا ينكشف السعر الحقيقي المرتفع للدولار الذي يعكس الفشل في دعم الصناعة وزيادة الإنتاج”.

وحبس السيولة الذي يعتمده المصرف المركزي طريقةً لضبط سعر الصرف، سيكون له آثار خطيرة على المدى المتوسط والطويل، وبحسب الخبراء، فتداعياته على تحريك عجلة الاقتصاد أسوأ بكثير من انخفاض سعر الليرة. إذ لا بدّ في لحظة ما من توقف هذه الخطة، وعندها سيكون الانهيار سريعاً وغير قابل للسيطرة. ولا أحد يعرف على ماذا يراهن أصحاب هذه الخطة، فلا تفسير لذلك إلّا أنهم يدفعون الأزمة إلى الأمام، ويؤجلون حدوثها، أو يراهنون على معجزة ما، ستنزل من السماء، أو تأتي من الخارج.

دعوة رمضانية

أطلق وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، دعوته الشهيرة إلى مراعاة أحوال المواطنين: “ندعو التجار والصناعيين في هذا الشهر الفضيل أن يحكّموا وجدانهم في التسعير، وأن يراعوا أحوال الناس”، وكان المتمنى أن تسارع الحكومة إلى مراعاة تلك الأحوال بالالتزام بالوعود ورفع أجور العاملين الذين يعاني معظمهم من واقع مرير، على عكس أصحاب الأعمال الحرّة الذين يفرضون ما يرونه مناسباً من الأجور، وهي مرتفعة، عند تقديم أيّ خدمة. وينطبق الأمر نفسه على أصحاب المحلات المختلفة، وحتى أصحاب البسطات الذين يتمتعون بسلطة فرض الأسعار التي يريدون. ومن المفارقات أن تجد أسعاراً متعدّدة للسلعة الواحدة بين محل وآخر، تبعاً لمستوى المحل أو المنطقة.

وجاءت أزمة الغاز خلال الأيام القليلة الماضية لتضيف إلى هموم المواطن هماً لم يكن يتوقعه في شهر رمضان هذا. وفي الوقت نفسه، يتداول بعضهم الحديث عن إغلاق معمل تاميكو للصناعات الدوائية، ومعامل تعبئة المياه، وفتح باب الاستيراد من دول مجاورة سيكون لها أثارها السلبية على أصحاب المصنع والمستهلكين.

وقبل وقت سابق جرى رفع أسعار الاتصالات والإنترنت، من الشركتَين المشغلتَين، بنسب كبيرة، في الوقت الذي لم يُلحظ فيه تحسن ملموس على مستوى الخدمات المقدمة للمشتركين. وقد قال وزير الاتصالات، عبد السلام هيكل، إنّ رفع أسعار الباقات حدث بسبب هفوة: “رفع أسعار الباقات سببه هفوة إدارية أدت لتمرير القرار من دون مراجعة كافية”… وأكد أيضاً أنه لن يكون هناك شركة ثالثة قريباً، وهذا يشير إلى أن “المنافسة” ستبقى محتدمة بين الشركتَين القائمتَين حالياً وفي المستقبل، وأن المستهلك سيبقى يخضع لما يعرضان.

وتتابع وزارة المالية الوضع الاقتصادي والمالي للمواطن، وتسعى إلى وضع معايير دقيقة لمواجهة الفقر، وقد تحدث وزير المالية عن ذلك: “لا يمكننا مكافحة الفقر من دون رصده وقياسه وتحديد أبعاده بدقة، كما لا يمكن تصميم سياسة فعالة من دون معرفة الفئات الأكثر هشاشة، وأماكن وجودهم واحتياجاتهم الفعلية”… ومن هنا يبدو أن الرؤية العميقة تتجلى في هدف بعيد: “هدفنا ليس إدارة الفقر، بل القضاء عليه خلال سنوات قليلة من خلال استعادة سبل العيش الكريم”.

العربي الجديد

————————–

وزارة في قلب المجتمع: كيف ترسم “الشؤون الاجتماعية” طريق التعافي؟/ وائل مرزا

مارس 10, 2026

ليس من المألوف في الحياة الحكومية أن تتحول الوثائق الاستراتيجية إلى موضوع اهتمام عام، إذ كثيراً ما تبقى الخطط في حدود المؤسسات، وتظل لغة التخطيط حبيسة التقارير والجداول. لكن إطلاق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لخطة استراتيجية للأعوام 2026-2028 يفتح باباً مختلفاً للنظر إلى التخطيط الحكومي، بوصفه خطوة أساسية في مسار النهوض بالإنسان والمجتمع السوري، وليس مجرد إجراء إداري روتيني.

فهذه الوزارة، بحكم طبيعة عملها، تقف عند تقاطعٍ بالغ الحساسية في حياة المجتمع: حيث تلتقي قضايا العمل والإنتاج، مع قضايا الحماية الاجتماعية والرعاية الإنسانية، وحيث تتقاطع السياسات الاقتصادية مع أسئلة الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن أي رؤية استراتيجية لعملها تمس في جوهرها مستقبل المجتمع السوري نفسه.

تنبع أهمية هذه الخطوة أيضاً من طبيعة الدور الذي تضطلع به الوزارة. فهي ليست وزارة قطاعية تقليدية بقدر ما هي مساحة التقاء بين الدولة والمجتمع. ففيها تُصاغ السياسات التي تعنى بحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز فرص العمل اللائق، وتمكين الأفراد اقتصادياً واجتماعياً، وتقوية التماسك المجتمعي. ومن هنا فإن أي تطوير مؤسسي في عملها لا يعني مجرد تحسين أداء إداري، وإنما يعني، بالضرورة، المساهمة في إعادة بناء منظومة اجتماعية أكثر توازناً وعدالة، قادرة على مساندة المجتمع في مرحلة التعافي والنهوض.

وقد سنحت الفرصة لكاتب هذه الكلمات للاطلاع عن قرب على مراحل العمل التي سبقت إطلاق هذه الخطة، وهو ما أتاح رؤية حجم الجهد الذي بُذل في إعدادها. ففي تلك الفترة بدت الوزارة أشبه بخلية نحل حقيقية: فرق عمل تجتمع وتناقش، وخبراء يراجعون البيانات، ونقاشات طويلة حول الأولويات والسياسات، وحوار مستمر مع شركاء محليين ودوليين. وكان واضحاً أن ما يجري ليس مجرد إعداد وثيقة، وإنما هي محاولة جادة لبناء إطار عمل استراتيجي يستند إلى الواقع ويستشرف المستقبل في آنٍ معاً.

ولعل المرء يتمنى لو سنحت الفرصة لعدد أكبر من المواطنين السوريين للاطلاع على طبيعة العمل اليومي داخل هذه الوزارة، وعلى الطريقة التي تُدار بها النقاشات المهنية حول قضايا المجتمع والعمل والحماية الاجتماعية؛ إذ إن معرفة الناس بكيفية عمل مؤسساتهم لا تقل أهمية عن نتائج هذا العمل نفسه، لأنها تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع وتفتح الباب أمام مشاركة أوسع في النقاش العام حول السياسات الاجتماعية.

وهذا يمكن أن يطرح، في الحقيقة، السؤال التالي: لماذا لا تبادر الوزارة نفسها إلى تقليدٍ جديد يتمثل في ابتكار برامج ووسائل لتعريف السوريين، من مختلف الشرائح والفئات، برؤيتها وبرامجها ومشاريعها؛ فتكون، كعادتها، سبّاقةً في خلق نموذجٍ متقدمٍ في تواصل الدولة مع المجتمع، ونموذجاً يُحتذى في بناء جسور الثقة بين الشعب والحكومة في مختلف المجالات؟

ما يجدر ذكرهُ أن خطة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تنطلق من رؤية واضحة قوامها بناء مجتمع سوري متماسك يستند إلى منظومة حماية اجتماعية عادلة وفاعلة، تعزز التمكين والمشاركة وتضمن العمل اللائق وتصون الكرامة الإنسانية. أما رسالتها فتتمثل في بناء نظام وطني متكامل للحماية الاجتماعية والعمل، يرتكز على التمكين والمشاركة وتوازن الأدوار بين الدولة والمجتمع المحلي بمختلف مكوناته. وهي رسالة تعكس تحولاً مهماً في التفكير؛ انتقالاً من منطق الاستجابة الجزئية للمشكلات الاجتماعية إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على التعامل مع التحديات بصورة أكثر استدامة.

وتترجم هذه الرؤية والرسالة في أهداف الخطة التي تركز على تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وتطوير فرص العمل اللائق والتمكين الاقتصادي، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى تحديث الأداء المؤسسي والتحول الرقمي في قطاع الشؤون الاجتماعية والعمل. وهي أهداف تعكس فهماً متزايداً بأن النهوض بالمجتمع يبدأ من الاستثمار في الإنسان نفسه: قدرته على العمل وإمكاناته الإنتاجية وحقه في الحماية والكرامة.

غير أن إحدى أهم السمات التي تميز هذه الخطة هي مركزية مفهوم الشراكات في بنائها وتنفيذها. فالشراكة هنا ليست مجرد بند في الوثيقة، وإنما تعتبرها الوزارة مبدأً حاكماً لطريقة التفكير والعمل، يبدأ من داخل الوزارة نفسها التي تعكس في كوادرها تنوع المجتمع السوري وتعدد خلفياته.

وقد لا نبالغ إذا أكّدنا أن درجة التنوع المجتمعي السوري، بكل وحداته الإثنية والعرقية والدينية والجغرافية، يجعل الوزارة أكثر المؤسسات الحكومية تمثيلاً لأطياف المجتمع بعيداً عن أي إقصاء أو حساسيات، وبشكلٍ هو أقربُ للظاهرة الإيجابية التي يمكن أن يتعلم منها الآخرون كثيراً. خاصةً وأن هذا التنوع يضفي على أجواء العمل، فيما يبدو، انسجاماً وتناغماً إنسانياً راقياً ومتميزاً، فضلاً عما يكتسبه العمل نفسهُ من تكامل خبرات وتجارب الموظفين الثقافية.

كما تتسع دائرة الشراكة لتشمل المجتمع السوري بمكوناته المختلفة، حيث تمتد برامج الوزارة إلى الأسر الفقيرة والهشة، والشباب الباحثين عن العمل، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والعائدين والمتضررين من النزاع، لتصبح برامجها جسوراً بين الدولة والمجتمع تعزز الثقة المتبادلة والتماسك الاجتماعي.

وفوق هذا وذاك، أفسحت الوزارة للشراكة مع منظمات المجتمع المدني دوراً مهماً في صياغة الخطة بفضل خبرتها الميدانية وقربها من المجتمعات المحلية، كما يُنتظر أن تكون شريكاً أساسياً في تنفيذها. أما إطلاق الخطة في مناسبة رسمية وبحضور وزراء وأعضاء السلك الدبلوماسي وممثلي المنظمات الدولية، فإنه يأتي ليؤكد أن قضايا الحماية الاجتماعية والعمل تشكل ركناً أساسياً في مسار التعافي والتنمية وإعادة بناء المؤسسات في سوريا.

غير أن نجاح هذه الخطة يتطلب أن يتم الانتباه إلى دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المتميز في الهيكل الحكومي، فتُعامل بوصفها إحدى الأدوات الأساسية في استعادة المجتمع السوري لعافيته، وتُوفَّر لها الموارد المادية والمعنوية والإدارية والتشريعية اللازمة لتكون في طليعة هذا الجهد الوطني. فتعافي المجتمعات لا يتحقق فقط بإعادة بناء البنية التحتية، وإنما بإعادة بناء الإنسان نفسه وتعزيز قدرته على العمل والإنتاج والشعور بالأمان الاجتماعي.

إن الوزارة تبدو على أهبة الاستعداد لتحويل هذه الخطة إلى واقع ملموس، إذا ما توفرت لها الموارد والتشريعات الضرورية، وحين يحصل هذا فإنها لن تكون قد طورت قطاعاً حكومياً فحسب، وإنما قدمت، أيضاً، نموذجاً مؤسسياً جديراً بالاقتداء، يقوم على التخطيط والشراكة والانفتاح على المجتمع. وهو نموذج يأمل المرء أن يُحتذى في بقية وزارات الدولة ومؤسساتها وهيئاتها الحكومية، لأن الاستثمار الحقيقي لأي دولة هو الاستثمار في إنسانها؛ فهو أساس التنمية وعماد الاستقرار وبداية كل نهوض.

الثورة السورية

——————————

جيل الشباب السوري… ذاكرة ممزّقة وواقع صعب/ فاتح كلثوم

10 مارس 2026

جيل تفتح وعيه على دوي الرصاص ورائحة البارود، جيل نتعرف على بعض ذاكرته، آلامه، أحلامه في لقاءات حية مع شريحة من الشباب والشابات، بأعمار تُراوح ما بين 18 إلى 30 عاماً، اختيروا عشوائياً من عدة أحياء وقرى وبلدات مدن سورية، معظمهم ممن حالفهم الحظ في الحصول على درجات متفاوتة من التعليم، في بلد ظل طويلاً مسرحاً للموت.

من خيمة بالقرب من منزل مدمّر في ريف حماه الشمالي، يطل علينا عمر (18 عاماً)، نازح سابق في مخيم أطمة. ليس مجرد شاب عاش معظم عمره في خيم النزوح، هو تجسيد حي لذاكرةٍ ولدت مشوّهة. عاد إلى قريته المدمّرة في ريف حماه الشمالي، لكنه لم يجد منزلاً، بل سكن في خيمة بجوار ركام بيته. صوته يرتجف بمرارة وهو يطرح سؤاله: “في كل مرّة يحكي لي أبي عن طفولته، أفكّر: شو ممكن أحكي لأولادي في المستقبل؟ هل سأحدّثهم عن رائحة دخان الكاوتشوك في المخيم؟ أم عن رحلة البحث عن ربطة خبز؟ أم عن أصوات الطيران الحربي؟”

هذه الحيرة هي “العدوى” التي تنتقل بين جيل كامل، تقف المهندسة رهف (26 عاماً) لتراقب ساحة “سلمية” العامة، المدينة التي اختارتها عائلتها للهرب من جحيم مدينتها حمص. بالنسبة لها، الذاكرة ضجيج لا يهدأ. تتذكّر كيف كان القصف يختلط بصوت الرعد، وكيف كانت تختبئ مع أختها تحت السرير، بينما العالم في الخارج ينهار. تقول رهف وهي تعصر دمعة خفية: “يا الله شو ذنب السوريين ليصير فينا هيك!”. رهف التي نجت من الموت والتهجير في الفترة التي سبقت سقوط النظام البائد، ما تزال تسأل إن كان الأمان سيعود يوماً؟

متاهة “الحواجز” وعاديّة الرعب

لم يعد الخوف في سورية شعوراً استثنائياً، بل صار “موسيقا تصويرية” للحياة اليومية. نور (25 عاماً) من حلب، يجسد هذه الحالة. فقد عائلته بالكامل تحت الأنقاض في نقطة تماس تفصله عن حي “النيرب” إثر قصفٍ لم يترك له حتى فرصة لصلاة جنازة على ذويه. يعمل نور اليوم في توزيع الملابس، وعمله يتطلب منه عبور عشرات الحواجز يومياً، يقول ببرودٍ مرعب: “أصوات الرصاص وصرخات الجرحى صارت شي عادي عندي”. هذا “الاعتياد” أخطر ما خلفته الحرب؛ إنه تبلد المشاعر دفاعاً عن البقاء. تشاركه ريم (24 عاماً) من حمص هذا التوصيف: “بات الخوف صديقاً لا يفارقني حتى بتنا ننام ونفيق سوا”. تعلمت ريم منه كيف تدرس في الظلام، وكيف تميز بين أنواع القذائف من أصواتها، وكيف تنتظر سكون الرصاص لتذهب إلى مدرستها، ومن ثم معهدها المتوسط، أما عبد الباقي (23 عاماً) طالب الطب في جامعة دمشق المقيم في “صحنايا”، فقد شهد أقصى أنواع الفقد حين قتل أخوه تحت التعذيب، ثم التهمت البراميل المتفجرة أرزاق عائلته. لكنه يتحدّث، عن والده الذي يعمل في ورشة نجارة بإيمانٍ لا يتزحزح، محاولاً حماية ما تبقى من أحلام ابنه في أن يصبح طبيباً في وطنٍ يفتقر إلى الحياة.

أحلامٌ محاصرة بـ “المحسوبيات” وقرارات “الحكومة”

بينما يحاول الشباب القفز فوق جراحهم، يرتطم الحلم بجدار الواقع الاقتصادي والبيروقراطي. وليد (27 عاماً) خرّيج كلية الاقتصاد، يروي قصة اغتيال حلمه بدم بارد، فبعد عامين من العمل في مؤسسة حكومية بعقد سنوي، وجد نفسه وخطيبته مطرودين بقرار تعسفي، ليتبخر حلم بناء أسرة في لحظة.

يقول وليد بمرارة: “لا فرص متاحة، لا في دمشق ولا في مدينتي طرطوس، ولا شيء يبشر بعودة أحلامي”. يمتدّ هذا اليأس إلى سميح (25 عاماً) من حمص، الذي وجد نفسه مجرّد بائع متجول للمحروقات على الطريق العام، بعد فصله من عمله في إحدى مؤسسات القطاع العام، يقول: “القرارات والتغيرات التي تعد بها الحكومة لا تدعو للطمأنينة، أتساءل دائماً: “إلى متى سأستمر؟ ماذا لو فقدت حتى هذه البسطة؟”.

هوية ما بعد الانفجار

تحت وطأة سنوات الحرب، لم تكن الأبنية وحدها هي التي تداعت؛ بل تعرّضت الهوية السورية الكبرى، تلك المظلة التي كانت تجمع الجميع، لتفجيرات معنوية لا تقل قسوة عن الدمار الذي طاول معظم القرى والبلدات السورية إبّان فترة الثورة، في هذا التحقيق، تبرز الهويةُ بوصفها أعمقَ الجروح التي يحملها الجيل الشاب، جرحٌ ينزف اغتراباً كلما اقتربت منه.

حين سألنا المشاركين: “كيف تعرفون أنفسكم اليوم؟”، لم نجد إجابات جاهزة، بل وجدنا متاهة من البحث عن معنى جديد للانتماء في ظل واقع منقسم. يرى وليد أن الانتماء أصبح مفهوماً “مرتبكاً، معقّداً، ومؤلماً”. وليد، الذي عاش تنقله بين قرى طرطوس وجامعات دمشق ومؤسسات القنيطرة، يرفض الخوض في تفاصيل تبرّر رأيه، وكأن الكلام بحد ذاته فخّ. أما ريم فقد وصلت إلى ذروة القطيعة مع انتمائها، معلنةً أن ذاتها الفردية ملاذها الوحيد. تقول: “لا أشعر بأي عاطفة تجاه هويتي السورية، ذاتي هي الأهم من كل تلك المثاليّات الفارغة”. هذا الرد ليس جحوداً، بل هو فعل نجاة نفسية لجيلٍ وجد أن الشعارات الكبرى لم تحمهِ من القصف، ولم تمنحه الدفء في ليالي النزوح.

تمثل سارة وطالبة العلوم الصحية الدمشقية تالا (20 عاماً)، شريحة أخرى للانتماء هرباً من الاستقطاب الحاد. تقول تالا: “الانتماء لهوية محددة لم يجلب سوى التعصب والكوارث، أفضل الانتماء للإنسان”. يشاركها شيروان هذا الموقف، وهو الذي شهد بعينيه كيف يمكن للتجاذبات القومية في الجزيرة السورية أن تحول الجيران إلى أعداء بين ليلة وضحاها، فاختار أن يخلع كل الألقاب ليبقى: “إنساناً فقط”

لكن هذا الهروب نحو الإنسانية يحمل في طياته خوفاً دفيناً. يقول المهندس نور (27 عاماً) من طرطوس، إن الانتماء المقيّد بأيديولوجيا أو جغرافيا لا معنى له في العصر الحديث”. ومع ذلك، تصف رهف الهوية – الوطن بأنها وإن كانت مجموعة من التناقضات “إلا أنها قادرة على أن تكون أحياناً حضناً ودافئاً، وفي ذات الوقت يمكن أن تكون مجرد انتماء جغرافي بارد، قد يتحول إلى ساخن ومحرق في حالات الاستقطاب”. أما أخطر ما يواجه الشباب السوري فهو سؤال الهوية المختبئ خلف: “من وين أنت بالأصل؟” كما يقول شيروان، تشاركه ريم هذا الرأي، وتضيف: “هذا السؤال صار يمثل لي لحظة رعب صامتة”. توضح ذلك رهف: عندما أُسأل هذا السؤال أعرف أنه لا يُراد من خلاله التعارف، بل يهدف إلى الكشف عن الخانة الطائفية التي أنتمي إليها، لهذا السبب لا أجيب، وإن أجبت فيبقى الجواب موارباً” وهنا، نستنتج أن الصمت أو الادعاء بات فعل حماية، عند مجمل السوريين.

يؤكد هذا الرأي طالب الطب البيطري محمد (24 عاماً) من حماة، بقوله: “الهوية يجب أن تبتعد عن الاستقطاب الطائفي والعرقي، وهذا ما أفقدتنا إياه الحرب، ولم ننجُ منه في وقت قريب”، كما يرى محمد أن السوريين تحولوا بفعل الشك المتبادل إلى: “كائنات مشوهة بلا انتماء”، وأن الحل الوحيد هو “إعادة تأهيل الذات” للاعتراف بالآخر وإعادة بناء الهوية الجامعة التي تضمن أن “الوطن للجميع”.

شرخ داخل “البيت الواحد”

لم يتوقف الانقسام عند حدود المناطق أو الحواجز العسكرية، بل تسلل إلى داخل الغرف الصامتة. يقول إبراهيم (28 عاماً)، مدرّس مادة التاريخ في إحدى ثانويات دمشق، إن الحرب تركت “شرخاً اجتماعياً يصعب تضميده”، وهو يلمس هذا الشرخ في طلابه وزملائه وأيضاً بين أفراد أسرته، ويضيف: “عندما تنهار جدران البيوت، تنهار معها الدعامات العاطفية، إلى أن يصل الأمر في بعض البيوت إلى وجود خطوط تماس، غير مرئية، داخل غرفة الجلوس؛ حيث الصمت هو سيد الموقف لتجنب صدامات سياسية بين الأب والابن”. تقول ريم بحسرة: “حتى البيت لم يعد مكاناً آمناً تماماً، فقد يفتح بابه لطالب ثأر يجهل غريمه، وتحت سقف واحد قد تجد خلافات صامتة قابلة للانفجار في أي وقت”. هذا التفكك الداخلي هو ما دفع كثيرين من الجيل الشاب إلى البحث عن عائلة بديلة، أو حي جديد، أو مدينة بعيدة، أو حتى وطن جديد خارج الحدود، إنهم يحاولون صياغة هوية لا تحددها سلطة، ولا طائفة، بل يحددها أملهم المشترك في النجاة، وهو أملٌ ما زال معلقاً كستارة ممزقة على نافذة بيتٍ هجره أصحابه، بحسب رأي بعضٍ ممن التقيناهم في هذا التحقيق.

فجوة الذكاء الاصطناعي

في وقت يتحدث العالم عن الثورة الرابعة، وتجاوز الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية، يجد الشاب السوري نفسه عالقاً في “ثقب تقني أسود” هنا، لا تقاس المسافات بالكيلومترات، بل بـ “الميغابايت” وساعات توفر التيّار الكهربائي. إنها “العزلة التكنولوجية” التي يصفها كريم (21 عاماً)، الذي ما زال يدرس الهندسة المعمارية في جامعة حماة، بأنها “الأكثر إيلاماً على المستوى البعيد”؛ لأنها لا تقتل الجسد، بل تقتل “العقل” وتخرجه من سياق الزمن، يتشارك وإياه هذا الرأي قصي (25 عاماً) الذي التقيناه في مقهى إنترنت متواضع بدمشق، يحاور شاشة صامتة. قصي، الذي أمضى خمس سنوات في دراسة الهندسة المعلوماتية، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة حزينة. يسأل الذكاء الاصطناعي عن تقنيات برمجية حديثة، لكنه يدرك أن الفجوة بين ما يتعلمه وما يطبقه العالم شاسعة. يقول بمرارة: “تخيّل أن أمراً يحتاج تنفيذه لثوانٍ في أي مكان بالعالم، نحن هنا نحتاج لساعات، هذا إذا توفرت الكهرباء والإنترنت معاً في نفس اللحظة.. نحن لسنا شركاء في التطور، نحن مجرد مراقبين من خلف سياج شائك”. يضيف: “هنا لا تقتصر العزلة على ضعف البنية التحتية التي تديرها الحكومة فقط، بل تمتد لتشمل الجدران الرقمية التي فرضتها العقوبات الدولية ليجد الشاب السوري نفسه محاصراً بين حجب خارجي يمنعه من الوصول إلى منصات التعليم العالمية ومواقع التطوير البرمجي، وبين إهمال داخلي وفوضى في قطاع الاتصالات”.

يشرح لنا إياد (28 عاماً)، طالب الدراسات العليا، هذا الحصار المزدوج: “إذا أردت تحميل مرجع علمي أو متابعة دورة تعليمية، تصطدم برسالة تبشرك بأن هذا الموقع غير متاح في بلدك. فالعقوبات لم تطل المسؤولين بقدر ما طالت طموحنا. نحن مضطرون إلى استخدام كواسر البروكسي (VPN) التي تبطئ الإنترنت المتباطئ أصلاً، لكي نثبت للعالم أننا ما زلنا على قيد الوجود”. هذه العزلة خلقت أيضاً واقعاً اقتصادياً مشوهاً. فالشباب الذين ينجحون في اختراق جدران العزلة والعمل عبر الإنترنت (Freelance)، يجدون أنفسهم مضطرين إلى القبول بأجور زهيدة. يقول قصي بذكاء حاد: “قد نجد فرص عمل على النت، ليس لأننا الأفضل، بل لأننا العمالة الأرخص عالمياً”. السوري هنا يبيع خبرته “بتراب المصاري” لأنه لا يملك ترف التفاوض، ولأن طرق تسلّم الأموال بحد ذاتها رحلة محفوفة بالمخاطر والعمولات السوداء بسبب غياب النظام المصرفي العالمي عن البلاد، إلّا أن الشاب السوري ما زال قادراً على خلق مبادرات، حتى لو كانت خجولة في مواجهة مع هذا الفساد التقني، والذي يساهم فيه أيضاً تراجع البحث العلمي في الجامعات السورية وتخلفها عن الركب بسبب “الفساد والإهمال والحرب”، من هنا تبرز مبادرات مدنية صغيرة قواربَ نجاةٍ يبحث عنه دائماً الطامحون من الشباب.

راميا (22 عاماً) طالبة التجارة من مدينة سلمية، تشارك في دورة تدريبية لتعلم البرمجة في مؤسّسة غير ربحية. تقول راميا: “نحن هنا لنحاول كسر العزلة، لكن حتى هذه المبادرات تصطدم بقدرة الشخص المادية” يضيف زميلها في الدورة رحيم (22 عاماً)، وهو طالب في كلية الهندسة الزراعية بمدينة سلمية: “استثمار المتاح من التكنولوجيا محكوم بمعادلة مستحيلة. كهرباء مقطوعة + إنترنت محدود + حجب دولي = جيل خارج التاريخ”. يؤكد هذا قول إياد “سرعة الإنترنت الحالية لا تكاد تسمح بمراسلة حبيبتك أو صديقك، فكيف لها أن تبني مهندساً أو باحثاً؟”.

الخطر الأكبر الذي يراه هؤلاء الشباب ليس في “الآن”، بل في “المستقبل”. فبينما يطوّر العالم خوارزميات تتحكم في مصير البشرية، ما يزال الشاب السوري يبحث عن “وصلة إنترنت” مستقرة ليرفع ملفاً برمجياً بسيطاً. هذه الفجوة المعرفية ستجعل من مرحلة “إعادة الإعمار” – إذا حدثت – معتمدة بالكامل على خبرات خارجية، لأن الجيل الذي كان من المفترض أن يبنيها، تُرك ليتآكل في عزلته الرقمية.

عندما تنهار كل السبل، يصبح الرحيل التعويذة المقدّسة الوحيدة التي يتلوها الشباب. بالنسبة لريم، الهجرة “حلم مُحلى بالعلقم!”، إنه خيار قسري للهروب من واقع لم يعد يمنح حتى الحد الأدنى من الكرامة. أو الطموح أو الأمان، أما يارا (23 عاماً) من سلمية، خريجة أدب إنكليزي، فترى أن: “المجهول مع 24 ساعة كهرباء وإنترنت مستقر، وضمان صحي، أفضل بمليون مرة من واقع البطالة والاستغلال والعتمة التي نعيشها في بلدنا”. إلا أن للمهندس الزراعي علاء (30 عاماً)، رأياً آخر يتسم بالقسوة الواقعية. عندما يصف الهجرة بأنها “عملية بتر عاطفي، حيث يترك المهاجر خلفه آباءً يشيخون في الوحدة، ووطناً يفرغ من طاقاته، ويضف علاء: “كل مهاجر ترك خلفه حسرة لا تنتهي مقابل مبلغ بسيط من المال يرسله لعائلته”.

هل نستحق أن نعيش حياة أفضل؟

وسط كل هذه التناقضات والتشظيات التي شملت العينة المستهدفة في التحقيق، تبرز بارقة أمل خجولة في أروقة الجامعات والمؤسسات المدنية الرسمية. تؤكد عفاف (22 عاماً) طالبة آداب من اللاذقية، أن الجامعة ما زالت “مختبراً للتعايش”، حيث يتعامل الطلاب تعامل زملاء بعيداً عن النفس الطائفي الذي تحاول “السوشيال ميديا” تضخيمه. تشاطرها الرأي إخلاص (30 عاماً)، وهي موظفة في القطاع العام بمدينة حمص: “يحاول البعض من الموظفين التعامل مع الآخرين بروح طائفية، إلا أن هذه النسبة قليلة ومنبوذة، مقابل نسبة كبيرة نتعامل مع بعضنا كزملاء فقط”. وتختم رحاب (30 عاماً) من سلمية، الناشطة في المجتمع المدني التحقيق بنظرة تفاؤلية رغم الرماد: “حالة اليأس هي ردة فعل منطقية على الغموض، لكنها لن تفقدنا الطموح، نحن مستمرون في تعلم الموسيقا، والبرمجة، والبحث عن عمل”. ثم تسأل بثقة: “أليس هذا ما يمثل الأكثرية من شريحة الشباب في مختلف المدن السورية؟ أليس هذا بمكان من القوة القادرة على إنقاذنا من أن نكون مجرد وقود للحروب؟”.

وأخيراً يبقى سؤال عمر: ابن المخيمات، معلقاً في الهواء، يتردد صداه مع كل يأس، مع كل طموح، ومع كل قذيفة تسقط وكل حاجز يُنصب، وكل جدار يحاول الهدامون بناءه بين الإخوة: “ألا نستحق أن نعيش حياة، نحكي عنها لأطفالنا في المستقبل، من دون خوف أو خجل؟”

العربي الجديد

——————————

ثلاث جرائم في شهر واحد، وسؤال لا يمكن تجاهله: تعدد الزوجات.. الحافز أم الشرارة؟/ مازن الشاهين

انفجار القهر الصامت: حوادث العنف الزوجي في سوريا تكشف سنوات من القهر والإهمال النفسي

2026-03-09

في شهر واحد، هزت ثلاث جرائم غير مألوفة المشهد الاجتماعي في سوريا، الجرائم التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن عادية لأن مرتكبيها لم يكونوا “رجال عصابات” أو “مجرمين محترفين”، بل زوجات رفعن أيديهن بالقتل، المجتمع الذي اعتاد على سماع أخبار العنف الذكوري، صُدم هذه المرة بجريمة “نسائية” المصادر المقربة من ملفات العنف الأسري تشير إلى أن هذه الحوادث ليست سوى “قمة جبل الجليد” هناك العشرات من الحالات التي لم ترَ النور، حيث تنتهي المشاكل بالقتل أو الانتحار أو محاولات مكررة، السؤال الذي يطرحه الجميع: لماذا الآن؟ وما الذي تغير في التركيبة النفسية للمرأة السورية حتى وصلت إلى مرحلة “قتل الشريك”؟ وفي مجتمع يعتبر التعدد مباحاً دينياً واجتماعياً، كيف أصبح اليوم سبباً في جرائم قتل؟

الانتقام بصيغة المؤنث

تقول الباحثة الاجتماعية ليلى السليمان في تصريحات لـ”٩٦٣+”: “التعدد كان مقبولاً في السابق ضمن ضوابط وقناعات محددة، لكن اليوم، عندما تعيش الزوجة حياة مليئة بالقهر والعنف والحرمان، يصبح إعلان الزواج بأخرى ليس مجرد خيانة، بل صفعة نهائية تقول لها: أنتِ منتهية الصلاحية. هنا قد يتحول الألم إلى انتقام”.

وتوضح السليمان أن هذه الجرائم ليست محصورة بالجغرافيا أو بالحدث نفسه، بل تجمعها خيوط عميقة من القهر النفسي والاجتماعي المتراكم. وقالت: “هذه الجرائم لم تنشأ من لحظة غضب عابرة، بل هي نتاج سنوات طويلة من التراكم الصامت، في مجتمع لم يضع بعد آليات حقيقية لحماية المرأة من التدمير النفسي والإنساني داخل مؤسسة الزواج”.

وفي إحدى المحافظات الشمالية، استلمت امرأة في الأربعين من عمرها جثمان زوجها بعد 15 عاماً من الزواج وأربعة أبناء، لتكتشف أن زوجها تزوج ثانية دون إبلاغها، وكانت الزوجة الثانية أصغر منها بعشرين عاماً.

تقول السليمان: “ليست مفاجأة تامة، فقد لاحظت تغيّرات في سلوكه منذ أشهر، من غياب متكرر وبرودة عاطفية متصاعدة، لكنها اختارت الصمت خوفاً على أطفالها وعلى سمعتها الاجتماعية. كانت تقول للجيران دائماً: ما دام أولادي بخير، أنا بخير، وكانت تبكي سرًا في المطبخ”.

وتضيف الباحثة الاجتماعية: “في تلك الليلة، بعد أن نام الأطفال، ارتكبت ما لا يُبرَّر وما لا يُفهم إلا بفهم السنوات السابقة، وهي لم تكن تعاني من اضطراب نفسي مُشخّص، لكنها كانت في حالة ما يُعرف طبياً بـالانهيار التراكمي، حيث يتجاوز الضغط النفسي قدرة الفرد على المعالجة والاستيعاب”.

وتقول السليمان إن الحادثة الثانية تكشف عن “ملف العنف المخفي”، إذ تعرّضت امرأة شابة للضرب المتكرر على مدى سبع سنوات. وكانت توثق الكدمات بالصور على هاتفها، لكنها لم تبلغ الشرطة ولم تلجأ للطبيب إلا نادراً، خوفاً من الطلاق وفقدان أطفالها. وعندما أعلن زوجها الزواج الثاني بطريقة مماثلة، لم تكن هذه الحادثة معزولة، بل القشة التي أنهت قدرتها على الاحتمال.

وتروي صديقة مقرّبة للمتهمة: “كانت تُريني الكدمات وتقول: لا أستطيع أن أتركه لأن أطفالي سيأخذهم. كنت أقول لها: اذهبي للشرطة، وكانت ترد: وبعدين؟”

وتضيف السليمان: “هذه الشهادة تُلخّص مأزقاً بنيوياً حقيقياً، حين تدرك المرأة أن الأنظمة المتاحة للحماية، القانونية والاجتماعية والعائلية، لن تحميها فعلاً. تُغلق نوافذ الإفراج المشروع عن المعاناة واحدة تلو الأخرى”.

وتصف السليمان الحادثة الثالثة بأنها “عشرون عاماً من السكوت”. امرأة تجاوزت الخمسين، أم لستة أبناء، وصفت بالصبورة والصامتة. لم تشكُ أو تعترض على مر السنين، وكان يُقال عنها في المجالس العائلية: “المرأة الصالحة هي التي تحتمل”.

وتوضح السليمان: “لم يسأل أحد ماذا وراء هذا الصمت الطويل؟ ما الذي تتحمله هذه المرأة؟ وما الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُكبّل مشاعره عشرين عاماً؟”. تقول ابنتها الكبرى: “كان وجهها دائماً هادئاً، الآن أفهم أن هذا الهدوء لم يكن سلاماً، بل تجميداً لمشاعرها”.

بعد وفاة والدتها، وخلال ثلاثة أشهر فقط، جاء الزوج الثاني ليزيد الضغط النفسي، ما أدى إلى حالة من الحزن المركب والصدمة العاطفية الناتجة عن الخيانة، في مجتمع لم يتعلم بعد أن يسأل المرأة بجدية: “كيف أنتِ؟”.

وتؤكد السليمان أن السؤال الحقيقي ليس: “لماذا ارتكبت هؤلاء النساء جرائمهن؟”، فالمحاكم تجيب عن هذا السؤال. السؤال الأهم هو: “لماذا ترك المجتمع الأمور تصل إلى هذا الحد؟”.

وتضيف: “نحن نعيش في مجتمع يُعلّم المرأة الصمت، ثم يستفيق مذهولاً حين تنفجر. الجريمة لا تُبرر، لكن المجتمع الذي لا يسأل عن الأسباب، ولا يبني أنظمة وقاية، ولا ينصف المظلوم قبل الانفجار، يشارك بطريقة ما في صناعة تلك اللحظة”.

الزواج الثاني ليس السبب

يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين لـ”963+”: “الزواج الثاني ليس السبب، بل الصاعق الأخير في سياق طويل من التراكمات، من العنف والإهمال العاطفي وانعدام الأمان الاقتصادي وانسداد مسالك الخروج الآمن، إضافة إلى غياب آليات التنفيس المشروع”.

ويشير خير الدين إلى أن المجتمعات التي تتوفر فيها خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتطبق قوانين حماية الأسرة فعلياً، تشهد انخفاضاً في معدلات الجرائم الأسرية. بينما في سوريا اليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب والتدمير الاقتصادي والاجتماعي، انهارت كثير من شبكات الدعم التقليدية مثل العائلة الممتدة والمؤسسات الدينية والخدمات الاجتماعية، فصار الفرد أكثر عزلة أمام أزماته.

ويضيف: “الصمت الاجتماعي هو المُنتِج الأساسي للعنف، هناك ثقافة راسخة تكافئ المرأة على الصمت والاحتمال، وتعاقبها حين تتحدث عن معاناتها”.

ويقول الدكتور مالك حداوي، متخصص نفسي لـ”963+”: “مفهوم ‘نافذة التحمل’ Window of Tolerance هو الهامش النفسي الذي يستطيع فيه الإنسان معالجة الضغط. حين يضيق هذا الهامش بشكل متراكم دون أي دعم أو تنفيس، يصبح الفرد عُرضة لردود فعل غير متناسبة مع المثير المباشر”.

ويضيف حداوي: “المطلوب شبكة دعم نفسي واجتماعي وطنية، لا الاكتفاء بالمستشفيات النفسية، ومراكز مجتمعية في الأحياء والقرى يستطيع فيها الفرد ـ ذكراً وأنثى ـ التحدث عن ضغوطه قبل أن تتحول إلى كوارث. يجب تغيير ثقافة ‘الاحتمال الصامت’: الصمت ليس فضيلة حين يكون ثمنه الانفجار”.

ويقترح المحامي مجد الرداوي مراجعة قانون الأحوال الشخصية السوري بشكل جدي في أحكام تعدد الزوجات، باشتراط إخطار الزوجة الأولى وإثبات العدل الفعلي، لا الاكتفاء بالإعلان فقط.

ويضيف الرداوي لـ”963+”: “يجب توفير مسار قانوني آمن وحقيقي للمرأة لاتخاذ قرارها، بما يشمل حق الطلاق مع ضمانات حضانة عادلة، وحماية الأطفال في النزاعات الأسرية عبر مراكز إيواء عائلية. كما يجب تدخل اجتماعي مبكر عند رصد مؤشرات العنف، وبرامج لرعاية الأطفال بعد وقوع الجرائم، وتدريب الأجهزة الأمنية والقضائية على التعامل مع البلاغات بجدية وسرية، وفهم الأبعاد النفسية للضحية قبل توجيه الاتهامات”.

الأطفال ضحايا إضافيون

تختم السليمان بالقول: “الخيط الجامع في الحالات الثلاث هو الأطفال، الذين تراوحت أعمارهم بين ثلاث وخمس عشرة سنة. هؤلاء الأطفال يحملون اليوم جرحاً لم يصنعوه، فالمجتمع الذي تجاهل معاناة الأمهات هو ذاته المسؤول عن رعايتهم الآن”.

وتوضح: “الحوادث الثلاث ليست حكايات عابرة في صفحة الحوادث، بل صرخة تحذير لمجتمع ينهار تحت وطأة الفقر والجهل والعنف. إذا لم نعالج أسباب ‘الانفجار’ قبل فوات الأوان، فإن الأرقام القادمة ستكون أكثر رعباً، ولن نلوم حينها ‘القارورة’ إن تحطمت على رؤوس الجميع”.

+963

——————————

 الآبار المكشوفة في سوريا.. خطر صامت يهدد حياة الأطفال وسط فجوة قانونية/ زينب مصري

2026.03.10

لم تكد صدمة وفاة طفلة في قرية الشيخ أحمد بريف حلب الشرقي تهدأ، بعد سقوطها في بئر، حتى بدأ خبر جديد يتردد عن حادثة مشابهة لطفل سقط في بئر بمنطقة صوران بريف حماة.

ومع تكرار هذه الحوادث خلال الفترة الأخيرة، لم تعد أخبار سقوط الأطفال في الآبار تبدو حوادث فردية أو معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة في عدد من المناطق السورية، وسط تساؤلات متزايدة حول المسؤولية بين الأهالي والجهات الحكومية، في ظل غياب إجراءات واضحة تمنع تكرار هذه المآسي.

وكانت فرق الدفاع المدني السوري أعلنت استجابتها لحادثة سقوط طفلة في بئر ارتوازي جنوب مدينة كويرس بريف حلب الشرقي، وتمكنت الفرق من استخراج الطفلة، لكنها كانت قد فارقت الحياة، دون وجود أي استجابة أو علامات حيوية.

وأظهر التقرير الطبي الصادر عن مشفى مدينة الباب، الذي نُقلت إليه الطفلة، أن سبب الوفاة كان الغرق داخل مياه البئر.

وقبل هذه الحادثة بفترة قصيرة، تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق نحو 30 متراً قرب مدينة الطبقة بمحافظة الرقة، وذلك بعد عملية إنقاذ معقدة استمرت أكثر من ست ساعات.

ويعكس تكرار هذه الحوادث في أوقات متقاربة، وفي ظروف متشابهة، حجم الخطر الذي تمثله الآبار المكشوفة المنتشرة في القرى والمدن السورية، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى مصائد غير مرئية قد تخطف أرواح الأطفال.

كما أثارت هذه الحوادث حالة من الغضب والنقاش بين الأهالي، الذين ينقسمون في تحميل المسؤولية بين أصحاب الآبار من جهة، والجهات الحكومية المعنية بتنظيمها ومراقبتها من جهة أخرى.

حوادث متشابهة.. والآبار الخاصة في الواجهة

يوضح مسؤول فرق البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وسام زيدان، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن معظم حوادث سقوط الأطفال في الآبار تحدث داخل آبار خاصة تقع ضمن منازل العائلات أو في الأراضي التابعة لها.

ويشير زيدان إلى أن فرق الدفاع المدني لم تسجل حتى الآن حالات سقوط في آبار عامة، لافتاً إلى أن كثيراً من هذه الحوادث يرتبط بغياب التغطية الآمنة للآبار داخل المنازل أو الأراضي الزراعية.

ولا تتوفر حتى الآن تقديرات دقيقة لعدد الآبار المكشوفة أو غير الآمنة في سوريا، إذ يصعب حصر الآبار الموجودة داخل الأملاك الخاصة.

ومنذ بداية العام الحالي وحتى إعداد هذا التقرير، استجابت فرق الدفاع المدني لتسعة حوادث سقوط في آبار: حالتان في كانون الثاني، وثلاث في شباط، وأربع في آذار الجاري.

كما نفذت فرق الدفاع المدني خلال عام 2025 ما مجموعه 37 عملية استجابة مرتبطة بسقوط أشخاص داخل آبار.

عمليات إنقاذ معقدة

وبحسب زيدان، فإن معظم هذه الحوادث تتشابه من حيث الظروف المحيطة بها، ففي حادثة منطقة كويرس بريف حلب، سقطت طفلة يتراوح عمرها بين عامين وثلاثة أعوام في بئر بعمق نحو 20 متراً يحتوي على مياه.

وقعت الحادثة في ساعات العصر، لكن العائلة لم تبلغ عن فقدان الطفلة إلا قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً، ما يعني أنها بقيت في الماء نحو ست ساعات، وعند وصول فرق الإنقاذ إلى المكان، أظهرت الكاميرات المتخصصة أن منافذها التنفسية كانت مغمورة بالماء.

وفي إحدى عمليات الإنقاذ الأخيرة في مدينة الطبقة، واجهت الفرق تحديات كبيرة لإنقاذ طفل سقط في بئر ضيق، وبدأت الفرق محاولاتها بإنزال الحبال والعقد لتثبيت الطفل، بالتوازي مع حفر حفرة موازية للبئر للوصول إليه، كما جرى استدعاء فرق دعم ومعدات إضافية، وحتى إنزال أحد عناصر الإنقاذ ذوي البنية الصغيرة داخل البئر، لكن ضيق البئر حال دون تثبيت الحبل بشكل آمن، ما دفع الفرق إلى اللجوء إلى تقنية مختلفة، تمثلت باستخدام خطاف صغير مثبت في أنبوب مرن مزود بكاميرا، ومن خلال هذه التقنية تمكنت الفرق من تثبيت الخطاف في لباس الطفل وسحبه بحذر إلى الخارج.

ويؤكد زيدان أن عمليات الإنقاذ من الآبار تُعد من أكثر عمليات الإنقاذ تعقيداً، إذ تختلف كل عملية عن الأخرى بحسب عمق البئر وقطره وطبيعة التربة ووضعية الضحية داخله.

ولهذا تعتمد فرق الإنقاذ على عدة سيناريوهات متزامنة، مثل الحفر الموازي للبئر أو استخدام الحبال والحلقات والخطافات الخاصة.

كما يعد استخدام الكاميرات المتخصصة من الأدوات الأساسية في مثل هذه العمليات، لأنها تسمح للفرق برؤية وضع الضحية داخل البئر قبل اتخاذ أي خطوة.

فجوة قانونية في التعامل مع الآبار الخاصة

لكن الخطر لا يرتبط فقط بصعوبة عمليات الإنقاذ، بل يتصل أيضاً بوجود فجوة قانونية في تنظيم وتأمين الآبار الخاصة.

فالقانون رقم 31 لعام 2005، المعروف بقانون التشريع المائي، ينظم عمليات حفر واستثمار الآبار ومنح التراخيص المتعلقة بها، لكنه لا يتطرق بشكل واضح إلى إجراءات السلامة أو إلزامية تأمين فوهات الآبار داخل الملكيات الخاصة.

وللحصول على توضيحات رسمية حول مسؤولية تأمين الآبار، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع مديرية الإعلام في وزارة الطاقة، لكنه لم يتلق رداً حتى ساعة إعداد هذا التقرير.

في المقابل، كان مدير الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات قد أوضح في تصريحات لصحيفة “الثورة” أن مراقبة تسوير وتغطية الآبار تقتصر على الآبار العائدة للهيئة العامة للموارد المائية وآبار مياه الشرب التابعة للمؤسسات العامة.

أما الآبار الخاصة، سواء الزراعية أو الصناعية أو السياحية، فتقع مسؤولية تأمينها على عاتق مالكيها باعتبارها ضمن الملكيات الخاصة.

وأشار سلات إلى وجود نحو 147 ألف بئر مرخص مقابل 124 ألف بئر غير مرخص، في إحصائية تحتاج إلى تحديث، بسبب عدم شمولها جميع المناطق السورية، خاصة المناطق الشرقية والشمالية الشرقية.

في المقابل، يشير مسؤول فرق البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وسام زيدان إلى أن التعامل مع الآبار المكشوفة كان يواجه سابقاً صعوبات قانونية، إذ لم يكن هناك إطار واضح يسمح للجهات المختصة بالتدخل المباشر داخل الملكيات الخاصة، ففي كثير من الحالات كان تدخل الفرق يقتصر على تقديم المساعدة في تأمين البئر عند تلقي بلاغ، أو ردمه بعد الحصول على موافقة مالكه.

ويضيف زيدان أن هناك حالياً تنسيقاً بين الدفاع المدني والجهات الحكومية المعنية للعمل على إعداد إطار قانوني ينظم التعامل مع الآبار المكشوفة، ويحدد آليات الاستجابة والتعامل مع الآبار الموجودة في الأماكن العامة أو في المواقع التي لا يُعرف مالكوها.

وفي آب 2025، أصدرت وزارة العدل السورية تعميماً لتشديد الإجراءات ضد المخالفين لقانون حفر الآبار، إلا أن التعميم كان يهدف أساساً إلى حماية المياه الجوفية من الاستنزاف.

كما حظرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية إدخال حفارات الآبار إلى سوريا دون موافقة مسبقة من وزارة الطاقة، في محاولة لضبط إدخالها في ظل الظروف المناخية الجافة.

ما الحلول الممكنة؟

يحذر الدفاع المدني السوري، عبر منشورات توعوية على مواقع التواصل الاجتماعي، من مخاطر الآبار المفتوحة، داعياً إلى إغلاقها وتأمينها لحماية الأطفال من السقوط فيها، ويوصي بإغلاق فوهات الآبار المفتوحة أو المهجورة بشكل آمن، وتأمين الآبار المستخدمة وتغطيتها جيداً ووضع أقفال لها.

كما يشدد على ضرورة رفع فتحات الآبار فوق مستوى الأرض بنحو 50 سنتيمتراً على الأقل لتقليل احتمالية السقوط فيها، ويدعو أيضاً إلى التعاون المجتمعي لإغلاق الآبار المكشوفة، خاصة في البلدات والقرى التي عاد إليها سكانها بعد سنوات من التهجير، إضافة إلى توعية الأطفال بخطورة الاقتراب من الآبار المفتوحة، كما يشجع الأهالي على الإبلاغ عن الآبار المكشوفة أو المهجورة ليتم تأمينها أو ردمها.

في المقابل، يقترح متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تشكيل مجموعات محلية لحصر الآبار داخل القرى أو في الأراضي المحيطة بها، وإغلاق غير المستخدم منها، كما يدعون إلى تسوير الآبار المستخدمة بالبلوك أو الحجر ووضع شبك وأقفال تمنع سقوط الأطفال.

ودعا آخرون الجهات المختصة إلى متابعة ملابسات هذه الحوادث، كما طالبوا وزارة الأوقاف بتعميم توجيهات على أئمة المساجد لتنبيه الأهالي إلى ضرورة مراقبة أطفالهم وعدم تنقلهم بمفردهم، إضافة إلى فتح المساجد كمساحات آمنة للعب.

وفي ظل استمرار خطر الآبار المكشوفة في القرى السورية، تبرز الحاجة إلى إطار قانوني واضح يسمح للسلطات بالتدخل لحماية الأطفال دون الحاجة إلى موافقات فردية، إلى جانب تعزيز جهود الدفاع المدني في الاستجابة السريعة لكل حادثة.

تلفزيون سوريا

——————————

الشؤون الاجتماعية” تطلق خطتها الاستراتيجة.. ما أهدافها؟

أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل خطتها الاستراتيجية الوطنية (2026- 2028)، والتي تهدف إلى ضمان الوصول العادل للخدمات الاجتماعية، وتعزيز العمل اللائق للفئات القادرة على العمل، وتمكين المرأة وحمايتها من العنف، وتعزيز الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للعائدين، والتحول الرقمي لقطاع الشؤون الاجتماعية والعمل.

وتسعى الخطة التي أطلقتها الوزارة في دار الأوبرا، بحضور عدد من الوزراء وممثلين عن المنظمات الدولية والمحلية، في 8 من آذار، لاتباع اتجاه في العمل الاجتماعي في سوريا، ووضع شبكات أمان ونظام حماية اجتماعي شامل، ولتعزيز نظام الحماية للوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا والانطلاق إلى التمكين وبناء شراكات مع القطاع الخاص والشركاء الدوليين.

شراكة المجتمع المدني أساسية

قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، إن عمل الوزارة يرتكز على مجموعة من الأولويات الأساسية، في مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، وتنظيم القوانين، وتأمين عمل لائق وكريم للجميع، إلى جانب تعزيز السلم الأهلي وتمكين المرأة وتطوير حوكمة الوزارة.

وأوضحت، في حديث إلى عنب بلدي، أن إعداد الاستراتيجية جاء نتيجة عمل مشترك بين مختلف المديريات والمدراء في الوزارة في جميع المحافظات، وبمشاركة المحافظين والهيئات المعنية.

المجتمع المدني، بحسب الوزيرة، كان له دور مهم في هذا المسار، مضيفة أن “الحكومة تعمل اليوم في إطار شراكة كاملة مع منظمات المجتمع المدني، التي أثبتت خلال السنوات الماضية قيمتها وأهمية عملها وأثرها في المجتمع”.

تنفيذ الاستراتيجية لا يمكن أن يتحقق بجهد جهة واحدة، بل يتطلب تعاون جميع مكونات الوطن من مختلف المناطق والأديان والطوائف والقوميات، قالت قبوات، مؤكدة أن الهدف هو تحقيق حلم بناء بلد أفضل للجميع.

ولفتت إلى وجود تحديات مادية وتحديات أخرى عديدة، إلا أن العمل ينصب على تحويل هذه التحديات إلى فرص، مشددة على ضرورة مواصلة العمل اليومي لبناء الدولة، لأن العمل، بحسب وصفها، يمثل واجبًا ومسؤولية مشتركة لبناء سوريا.

الاستراتيجية تركز على الاستدامة

من جانبه، قال رئيس مجلس منظمة “لينك”، هاني الحمزة، إن منظمات المجتمع المدني في سوريا، بما فيها المنظمات العاملة في محافظة الحسكة، شاركت في إطلاق استراتيجية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للأعوام 2026- 2028.

وأشار إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إطلاق خطة استراتيجية واضحة للوزارة تشمل تدخلات في مختلف القطاعات، لافتًا إلى أن أبرز ما يميزها هو التركيز على الاستدامة والتحول من التدخلات الطارئة إلى العمل على بناء تنمية مستدامة حقيقية.

وأضاف أن محافظة الحسكة قد تشهد انعكاسًا لهذه الخطة عبر مديرية الشؤون الاجتماعية الموجودة فيها، ومن خلال التعاون بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني في المحافظة.

ودعا إلى توجيه دعم أكبر للمحافظة، خاصة في مجالات إعادة بناء البنية التحتية، وإعادة الحوكمة، وتأهيل المؤسسات.

وأوضح أن المنطقة الشرقية شهدت سابقًا تدخلات من منظمات دولية، إلا أنها كانت تركز في الغالب على الاستجابة الطارئة وسد الفجوات وفق الظروف السائدة آنذاك.

الحاجة اليوم، وفقًا للحمزة، تتمثل في زيادة التنسيق بين المنظمات الدولية ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني المحلية، بهدف تحقيق تنمية حقيقية تشمل تأهيل المجتمع وتمكين الشباب، إضافة إلى دعم القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم.

المجتمع المدني شريك أساسي في مرحلة ما بعد النزاع

بدوره، المدير التنفيذي لمنظمة “أنصر”، حمزة عبد الله، قال لعنب بلدي إن إطلاق الاستراتيجية يمثل حدثًا مهمًا بالنسبة للمجتمع المدني السوري، كونها أول استراتيجية تُطلق بعد مرحلة التحرير، ما يمنحها دلالة رمزية مهمة في تنظيم عمل الوزارة وعلاقتها مع منظمات المجتمع المدني.

وأوضح أن المجتمع المدني يشكل ركنًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية وشريكًا رئيسيًا لوزارة الشؤون الاجتماعية وسائر الوزارات في عملية البناء المجتمعي، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تضافر جهود الجميع.

وأكد أن منظمات المجتمع المدني تسعى إلى العمل مع مؤسسات الدولة بعقلية الشراكة وليس المنافسة، مشيرًا إلى أن هذه المنظمات لعبت خلال سنوات الثورة دورًا مهمًا في سد العديد من الفجوات، ما يجعلها شريكًا يستحق الثقة ودورًا أساسيًا في المجتمع باعتباره القطاع الثالث الداعم لمرحلة النهوض بعد النزاعات والحروب.

وأشار عبدالله إلى أن المنظمات تواجه عدة تحديات حاليًا، من أبرزها التحديات القانونية، موضحًا أن قانون الجمعيات المعمول به يعود إلى عام 1958 ولا يواكب متطلبات العمل المؤسسي الحديثة، ولا يلبي احتياجات الحوكمة وإجراءات العمل الحالية.

كما لفت إلى وجود تحديات تتعلق بالتمويل، مؤكدًا في الوقت نفسه إمكانية تجاوز هذه الصعوبات في حال توفر دعم حقيقي لتمكين المجتمع المدني في سوريا.

صفحة جديدة بين المجتمع المدني والحكومة

وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، قالت لعنب بلدي في وقت سابق، إن المجتمع المدني في سوريا يشهد فتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية، كونه كان فعالًا خلال سنوات الثورة، معتقدة أن الحوار اليوم هو بداية المستقبل، ليتم بناء سوريا من خلال شراكة وثيقة بين الحكومة والمجتمع.

وبناء عليه، انطلق الحوار بين منظمات المجتمع المدني الفعالة في سوريا، وبين الحكومة السورية، عبر ثماني جلسات في فعالية يوم الحوار، ضمن مؤتمر “بروكسل 9” لدعم سوريا، التي نظمها الاتحاد الأوروبي لأول مرة في العاصمة دمشق السورية، في 15 من تشرين الثاني 2025.

وخلص القائمون والمحاورون والمشاركون في مناقشات “يوم الحوار” إلى جملة من التوصيات، التي أُعلنت في الجلسة الختامية،  أبرزها:

    تحويل الصورة النمطية للمجتمع المدني من نهج الرقابة إلى نهج التنسيق والتعاون والشراكة مع الحكومة السورية.

    العمل على مراجعة القوانين الناظمة المحددة لعمل المجتمع المدني، وتبسيط إجراءات التسجيل والإشهار.

    التعاون بين الحكومة السورية والمجتمع المدني بتركيز عمل العدالة الانتقالية، وتعزيز مساراتها، وذلك عبر إيجاد مقاربة تربط بين العدالة الانتقالية وقضية المفقودين لتحقيق سلام مستدام ومصالحة حقيقية.

    المساعدة بتحديد آليات الدعم الأساسية بين المجتمع المدني والحكومة السورية، لتلبية احتياجات الضحايا في عملية العدالة الانتقالية.

    تعزيز التشاركية السياسية وانخراط المجتمع المدني بإشراك المواطنين وبناء المؤسسات.

    العمل على إيجاد عمليات تسهل صنع القرار بشمولية وتشاركية أكثر.

عنب بلدي،

——————————

 مشهد في الشدادي يعكس أزمة سوريّة.. هل تعيد مبادرات التعليم الأطفال إلى المقاعد؟/ مختار الإبراهيم

2026.03.09

في غرفة صفية ضيقة بمدينة الشدادي بمحافظة الحسكة، يجلس نحو عشرين إلى خمسة وعشرين تلميذاً، دون أي مقاعد أو طاولات، ولا أي وسيلة للتدفئة في شتاء قارس، فتلتف الأصابع حول دفاترهم في محاولة لحماية دفء اليدين في أثناء الكتابة، يرفع أحدهم يده ليجيب عن سؤال المعلم، وبعضهم رفع علامة النصر، بينما يحاول آخرون متابعة الدرس وهم يجلسون على الأرض مباشرة، كل زاوية في الصف صغيرة، وكل مساحة محسوبة بدقة، لكن العيون تتعطش للعلم، والإصرار على الدراسة يتغلب على كل نقص.

مشهد صغير يعكس أزمة أوسع في سوريا، حيث آلاف المدارس تضررت أو دُمّرت خلال سنوات الحرب، وكثير من الأطفال يقفون على حافة فقدان أبسط حقوقهم التعليمية، فبعد أكثر من عقد ونصف العقد من اندلاع الثورة، أصبح قطاع التعليم في البلاد من أكثر القطاعات تضرراً، وتشير تقديرات اليونيسيف إلى أن أكثر من سبعة آلاف مدرسة تعرضت للتدمير أو الأضرار، بينما يقف نحو 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، إضافة إلى قرابة مليون طفل آخرين مهددين بالتسرب.

هذه الأرقام لا تمثل بالنسبة للخبراء التربويين، مجرد فجوة مؤقتة، بل خطر نشوء جيل كامل خارج النظام التعليمي، بما له من آثار طويلة المدى على المجتمع والاقتصاد والاستقرار في البلاد.

التعليم في سوريا العائق الأبرز أمام العودة

بعيداً عن هذه الصفوف المكتظة في الشدادي، تتشكل صورة مماثلة لأزمة التعليم لدى ملايين السوريين في الخارج، المهندس علاء عبد الكريم، الذي يعيش في ألمانيا، يقول إن العودة إلى سوريا تتوقف بشكل كبير على توفر مدارس قادرة على استيعاب الأطفال ومواكبة المستوى التعليمي الذي يدرسونه في الخارج، غياب مثل هذه المدارس يجعل العودة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للعائلات السورية، رغم تحسن بعض فرص العمل وإعادة الإعمار في المدن.

في هذا السياق، برزت مبادرة PASCH – Schulen ، التي أطلقتها وزارة الخارجية الألمانية عام 2008، كنموذج للشراكات التعليمية الدولية، تقوم هذه المبادرة على ربط المدارس حول العالم بالمؤسسات التعليمية الألمانية، لتطوير المناهج، تدريب المعلمين، إدخال أساليب تعليم حديثة، وتوفير فرص تبادل ثقافي للطلاب، تشمل الشبكة اليوم أكثر من ألفي مدرسة في أكثر من 100 دولة.

يجلس التلاميذ في غرفة صفية ضيقة بمدينة الشدادي في محافظة الحسكة ـ خاص

يجلس التلاميذ في غرفة صفية ضيقة من دون مقاعد دراسية بمدينة الشدادي في محافظة الحسكة ـ خاص

تقول الأستاذة كريستينا كروتر، التي عملت في مدارس ضمن هذه الشبكة في مصر وتونس وتركيا ولبنان: “إن الأثر الحقيقي لا يظهر فقط في تعليم اللغة، بل في نقل خبرات تعليمية كاملة، من طرق التدريس الحديثة إلى إدارة المدارس وتدريب المعلمين، وهو ما يمكن أن يحدث تحولاً جذرياً في جودة التعليم إذا تم تبنيه في سوريا.

ووفقا لكروتر فإن التاريخ يثبت أن التعليم غالباً ما يكون رافعة أساسية لإعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات، وتسوق بذلك مثلا من حقبة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أسهم إصلاح النظام التعليمي في إعادة بناء ألمانيا اقتصادياً واجتماعياً، وكذلك الأمر في كوريا الجنوبية، أصبح الاستثمار المكثف في التعليم بعد الحرب الكورية نقطة تحول في مسار الدولة نحو التقدم والابتكار، وفي البوسنة والهرسك بعد حرب التسعينيات، استخدمت البرامج التعليمية الدولية لإعادة بناء المدارس والمناهج، وإعادة الاستقرار للمجتمع.

من بين الأنقاض.. بصيص أمل للأطفال

بدأت بعض الجهود الدولية في سوريا بإعادة تأهيل المدارس، بما فيها مشاريع UNICEF لتوفير مساحات تعليمية مؤقتة وتدريب المعلمين، لكن التحدي ما يزال هائلاً، فالمدارس تفتقر للمقاعد، والكتب، والتدفئة، والكوادر المؤهلة، وفي بعض الصفوف، يجلس عشرات الطلاب في غرفة واحدة، مثلما يحدث في الشدادي، وسط برد الشتاء القارس، بينما المدارس الأخرى تضطر إلى العمل بفترات دوام متعددة لاستيعاب العدد الكبير من الطلاب.

وهنا يرى الخبير التربوي سعد الفارس أن تعليم الأطفال الذين عاشوا ويلات الحرب يجب أن لا يقتصر على إعطاء دروس بل على المعلم أي يخلق مساحة تجعل الطالب يتخلص تدريجيا من المشاهد التي لا تزال عالقة في ذهنه والتي بطبيعة الحال تحتاج إلى فترة زمنية ليست قصيرة حتى يتعافى من تعرض لصدمات الحروب بالتخلص منها.

في الصف الذي يجلس فيه الأطفال على الأرض في الشدادي، يخرجون إلى ساحة المدرسة الصغيرة، بعضهم يركضون، وآخرون يضحكون بصوت عالٍ للحظة قصيرة، وكأنهم يعيشون طفولة طبيعية، لكن مستقبلهم وفقا لكلام الخبير الفارس في حديثه لـ”موقع تلفزيون سوريا” يعتمد على قرارات اليوم والتي تتمثل بإعادة ترميم وبناء المدارس بأسرع وقت ممكن، وكذلك تطوير المناهج لتواكب المناهج العالمية، وإدخال خبرات علمية من المهاجرين السوريين العاملين في حقل التعليم لا سيما في المجال الفني والتقني لمرحلة التعليم الثانوية.

“في سوريا التي فقدت آلاف المدارس خلال الحرب، فإن التعليم خلال السنوات الأولى من عملية إعادة الإعمار يجب أن يكون له طابع خاص يأخذ بالاعتبار الحلول االعاجلة بالتوازي مع الخطط الاستراتيجية” هذا ما تراه الأستاذة كراوتر في حديثها لـ”موقع تلفزيون سوريا”.

وأضافت كراوتر أن من واجب الجهة الحكومية المسؤولة عن العملية التعليمية في سوريا والمتمثلة بوزارة التربية الاطلاع على تجارب دولية عايشت ظروفا مشابهة بتلك التي تعيشها سوريا اليوم والأهم هو التواصل مع المؤسسات غير الحكومية NGOs الناشطة في هذا المجال ومخاطبتهم وإبداء الرغبة في الحصول على خبراتهم وخدماتهم.

ولفتت كراوتر إلى أن هذه المؤسسات لا تتخذ أي خطوة تجاه بناء علاقات تعاون مع دول أو مؤسسات أخرى دون أن تتلقى أفكارا مبلورة وناضجة وفقا لمعاييرها التي تستطيع من خلالها إجراء مقارانات ومفاضلات بين الدول التي تستحق الدعم أكثر من غيرها.

وتنصح كراوتر خلال هذه الفترة أني تستفيد الوزارة من الخبرات السورية لا سيما العاملون منهم في منظمات دولية لإعداد أي مقترح مشروع (Project Proposal) لأن طريقة إعداد المقترح تكون عاملا مرجحا -إيجابا أو سلبا- في كثير من الأحيان على حساب الحاجة الحقيقية وأحقية هذه الدولة أو تلك بالظفر في فرصة الحصول على الدعم.

وختمت كراوتر بأنها زاملت خلال عملها في مؤسسات ألمانية ونمساوية مختلفة العديد من الخبرات البشرية من القادمين من سوريا والذين برأيها لا يتأخرون عن تقديم المساعدة والمشورة للفريق الحكومي في حال أتيحت لهم الفرصة.

الجدير بالذكر أن فريق منسقو استجابة سوريا ذكر أواخر عام 2024 أن 2.3 مليون طفل في سوريا يعاني من التسرب المدرسي، بينهم أكثر من 386 ألف طفل في شمال غربي سوريا، أبرزهم تسرب من التعليم نتيجة عوامل مختلفة منها عمالة الأطفال نتيجة ارتفاع التكلفة المعيشية، وعدم قدرة الأهالي على تأمين تكلفة الطفل التعليمية، وبعد المنشآت التعليمية عن مناطق السكن وغيرها من الأسباب.

——————————

 للمرة الأولى منذ 2009.. مسح وطني يكشف واقع معيشة الأسر في سوريا

2026.03.09

وقّعت هيئة التخطيط والإحصاء السوريّة، الإثنين، مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي لتنفيذ مسح “دخل ونفقات واستهلاك الأسر” (HIECS) في سوريا، وذلك في مقر الهيئة بدمشق وبحضور وزير المالية محمد يسر برنية.

وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، يهدف المسح إلى تعزيز النظم الوطنية للأدلة وتوفير بيانات حديثة حول الأوضاع المعيشية للأسر في سوريا.

كذلك، يُعد هذا المسح الأوّل من نوعه في سوريا، منذ عام 2009، إذ من المتوقع أن تسهم نتائجه في تقديم صورة أوضح عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسر السورية، ودعم عملية التخطيط وصنع السياسات.

هيئة التخطيط: نعمل على إعادة هيكلة شاملة للعمل الإحصائي

وسبق أن كشف رئيس هيئة التخطيط والإحصاء، أنس سليم، شهر شباط الفائت، عن مسار جديد لإعادة هيكلة العمل الإحصائي في سوريا، يقوم على ما وصفه بـ”التخطيط المبني على الرقم”، بهدف الانتقال إلى مرحلة تعتمد على بيانات دقيقة ومحدثة في رسم السياسات العامة.

وأوضح سليم في مقابلة مع صحيفة الثورة السورية، أن الهيئة تعتزم إصدار بيانات عام 2025 باعتبارها “نقطة الصفر” لقاعدة معلومات مصححة ومتكاملة، تُبنى عليها الخطط الاقتصادية والاجتماعية المقبلة، بما يعكس واقع المتغيرات السكانية والاقتصادية بعد سنوات من التحولات العميقة.

——————————

 “ألف باء” مواجهة الأزمات المحتملة في الاقتصاد السوري/ إياد الجعفري

الأحد 2026/03/08

في ساعة كتابة هذه السطور، يمكن الإقرار بعودة ساعات التغطية الكهربائية إلى التحسّن في سوريا، بشكل ملحوظ، وذلك بعد بضعة أيام من الانتكاس، جراء وقف توريد الغاز من الأردن ومصر، مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران. كذلك، هدأت إلى حد كبير، موجة الاندفاع إلى محطات الوقود لشراء البنزين والمازوت وتخزينهما، مع سريان شائعات عن فقدان مرتقب للمادتين في الأسواق جراء الحرب. واقتنع عدد كبير من السوريين بمصداقية تصريحات المسؤولين، بأن لا “أزمة” مرتقبة في المادتين. وهو تطور مهم للغاية.

أيضاً، سجّل سعر صرف الليرة السورية تحسناً بعد تراجع ملحوظ. ولا تتجاوز نسبة التراجع في سعر صرف الليرة، حين كتابة هذه السطور، مقارنة بسعر ما قبل الحرب، نسبة 0.42%. وهي نسبة مقبولة للغاية، مقارنة بتراجع سعر صرف الجنيه المصري مثلاً، الذي خسر 4.7% من قيمته مقابل الدولار، خلال أسبوع. بطبيعة الحال، لا توجد أموال ساخنة في سوريا يمكن أن تخرج من أدوات الدين المحلية، على غرار مصر.

كل ما سبق، مؤشرات إيجابية تدل على محدودية أثر الحرب على الاقتصاد السوري، حتى الآن. يقابلها مؤشرات سلبية. إذ يمكن لحظ ارتفاع أسعار بعض السلع بنسب تتراوح ما بين 10 – 15%، منذ بدء الحرب، ليُضاف إلى ارتفاعٍ سابق تزامن مع دخول شهر رمضان. كما أن أزمة الغاز المنزلي، التي تكررت وعود مسؤولي الطاقة بانتهائها قريباً -منذ شهر- لا تزال جليّة على الأرض.

وبذكر كلمة “أزمة”، نلحظ أن هذا التوصيف يثير حساسية ملحوظة لدى المسؤولين المعنيين بمعيشة السوريين. كما تثيرها اقتراحات الارتداد إلى معالجات كانت قائمة في عهد نظام الأسد، وكانت تهدف إلى إدارة حالة الشح في السلع المتاحة في الأسواق، خصوصاً منها المحروقات. ويمكن أن نتوقع أن المسؤولين اليوم يقرأون الارتداد إلى معالجات تعود لعهد نظام الأسد، سواء كان البطاقة الذكية أو نظام الكوبونات، وكأنه إقرار بالفشل في إدارة معيشة السوريين، بصورة أفضل. رغم أن هذا الارتداد بات مطلباً لشريحة واسعة، وفق ما يمكن لحظه في وسائل التواصل الاجتماعي، جراء أزمة الغاز المنزلي التي لم تجد طريقها للحل، حتى الآن.

وفيما ينزعج المسؤولون من توصيف “أزمة”، يتبدى جلياً أن البلاد قد تكون مقبلة على جملة أزمات خطرة معيشياً، إن استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، مدداً زمنية طويلة. مما يتطلب تحرّك الجهات المعنية، سريعاً، لتشكيل خلية لإدارة الأزمة، تستند إلى جملة أسس استراتيجية، مختلفة عن تلك القائمة في أدائها الآن. وفي حين يتم لوم عامة السوريين على سلوكهم الاحترازي القائم على التخزين الاستباقي للمواد، خصوصاً المحروقات، مما خلق “أزمة” بالفعل، ربما يجب قراءة السبب في ذلك، من زاوية مختلفة. فالثقة بالمسؤول الرسمي، اهتزت إلى حد كبير، مع تجربة أزمة الغاز المنزلي. وهي أولى القضايا التي يجب استعادتها، سريعاً، كي يمكن مواجهة ما سيأتي من “أزمات”، جراء الحرب في المنطقة.

ويمكن تحديد نقطة البداية في فقدان شريحة واسعة من السوريين، للثقة في مسؤولي الحكومة، مع صدور تصريحات أظهرت انفصالهم عن أوجاع الشارع، تزامناً مع صدور فواتير الكهرباء المستندة إلى الأسعار الجديدة، مطلع العام الجاري. إذ وجّه المسؤولون في وزارة الطاقة تحديداً، اتهامات لعامة السوريين بالهدر في استهلاك الكهرباء. وأن الاقتصاد في هذا الاستهلاك، هو الحل في مواجهة الأسعار الجديدة، من دون إقرار بأن الأسعار المحددة في خريف العام الماضي، لا تتناسب مع القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السوريين، الذين يعجز 80% منهم عن توفير احتياجاته من الغذاء الكافي والمتنوع والمغذي، وفق آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي.

لاحقاً، جاءت “أزمة” الغاز المنزلي، لتسبب شرخاً جديداً في ثقة السوريين بمدى مصداقية تصريحات مسؤوليهم.  فمنذ منتصف الشهر الفائت، تتكرر وعود مسؤولي الطاقة بانتهاء قريب للأزمة، خلال ساعات ومن ثم أيام. محملين مسؤوليتها إلى سلوك تخزيني من جانب السوريين الذين يشترون أكثر من حاجتهم من أسطوانات الغاز. إلى جانب وجود ممارسات احتكارية واستغلالية من جانب المعنيين بعمليات التوزيع، فشلت السلطات المعنية في ضبطها، حتى الآن. وقد تم ربط ميل السوريين للتخزين، ببدء شهر رمضان. ذلك كله جاء قبل الحرب مع إيران، التي تزامنت أيامها الأولى مع “أزمة” طلب على البنزين والمازوت، وعودة مشاهد الطوابير على الكازيات.

وفيما توحي المؤشرات المتوافرة الآن، أن الحرب في الشرق الأوسط قد تطول، وقد تتمدد آثارها، يتطلب ذلك معالجات مختلفة عن تلك التي تم اعتمادها في قضيتي الكهرباء والغاز المنزلي. ألف باء تلك المعالجات، الاقتراب من الشارع مجدداً، واستعادة ثقة السوريين، عبر الخروج في مؤتمر صحافي يضم المسؤولين المعنيين بقطاع الطاقة، ليتحدثوا بشفافية مع الشعب، حول حجم المخزونات من المشتقات النفطية والغاز، والخيارات البديلة التي يعملون عليها لتجنب انقطاع سلاسل الإمداد. والاعتراف إن كان هناك نقصاً. وما الخطة التي تم اعتمادها للتعامل معه. تلك الشفافية، وإشراك عامة السوريين بالمعطيات الدقيقة التي تحكم أهم شريان لحياتهم –الوقود- هي المدخل الأمثل لخلق تفاعل صحي بين الحكومة والسوريين في الأيام المقبلة. سواء اشتدت الأزمات، أو انفرجت.

المدن

————————————

تغيير كيفي وجائر للأسماء من المدارس وحتى المسرح القومي/ علي سفر

مارس 15, 2026

منذ أعلنت وزارة التربية، في نهاية شهر أيلول في العام الماضي، عن تشكيل آلية لتغيير أسماء المدارس وفق معايير تستند “إلى الرموز ذات العمق الديني والثقافي والتاريخي في المجتمع السوري” وتعتمد على “الشخصيات الوطنية والعلمية والثقافية المؤثرة، بالإضافة إلى اختيار الأسماء الملهمة التي تعزز الانتماء الوطني والإنساني لدى الطلاب”، توقع الجمهور ألا يتكرر تغيير أسماء مدارس ومؤسسات حملت أسماء شخصيات فكرية أو علمية بارزة واستبدالها بأسماء عامة.

إلا أن هذا الرجاء خاب مرة جديدة؛ حيث تداول السوريون قراراً صادراً عن المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق يقضي بتغيير أسماء مدارس سامي الدروبي ومحمد كرد علي وغيرهم، بأسماء مثل “الريادة” و”نور البيان” وغير ذلك! هذه الأسماء التي تبدو في ظاهرها إيجابية ومحايدة، تطرح في الحقيقة سؤالاً أعمق: ما الذي يحدث للذاكرة الثقافية عندما تختفي الأسماء التي صنعت جزءاً من ماضيها؟

في المجتمعات التي قطعت شوطاً في ركب الحضارة، لا تعمل التسميات كعلامات تعريف فقط، بل كإشارات ثقافية أيضاً؛ فهي تضع في المجال العام أسماء شخصيات كان لها دور في الفكر أو الأدب أو العلم. وبالتالي، فإن وجود الاسم في الحياة اليومية يربط المكان بزمن أوسع، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف إلى شخصيات ساهمت في بناء الحياة الثقافية.

عندما تحمل مدرسة اسم مؤرخ مثل محمد كرد علي، فإن الاسم لا يشير إلى شخص غائب فحسب، بل إلى مرحلة كاملة من تاريخ النهضة في دمشق. الأمر نفسه ينطبق على أسماء أخرى في المجال الثقافي والفكري، مثل سامي الدروبي الذي ارتبط اسمه بحركة الترجمة الحديثة وإدخال الأدب الروسي إلى العربية.

إن اختفاء هذه الأسماء هو إضعاف لحضور طبقة كاملة من الذاكرة الثقافية؛ فالمؤسسات التعليمية كانت، لسنوات طويلة، إحدى الوسائل البسيطة لتكريم المثقفين وإبقاء أثرهم حاضراً في الحياة اليومية. والاسم هنا يؤدي وظيفة تربوية صامتة: يذكّر المجتمع بأن المعرفة هي نتاج عمل أشخاص عاشوا وكتبوا وأسهموا في تشكيل الوجدان.

التبديل الجاري اليوم يسير في اتجاه مختلف؛ فالأسماء الشخصية تُستبدل بتعابير عامة لا تشير إلى تجربة أو سيرة أو أثر فكري. المدرسة التي كانت تحمل اسم مؤرخ أو مترجم تتحول إلى رقم إداري مجرد، لا يضيف شيئاً إلى الذاكرة العامة. والنتيجة أن الفضاء الثقافي يصبح أقل ارتباطاً بالتاريخ، وأكثر شبهاً بلغة البيروقراطية الجافة.

ما يزيد الأمر إرباكاً أن كثيراً من الشخصيات التي أزيلت أسماؤها لا تنتمي إلى مرحلة سياسية واحدة، ولا ترتبط بسلطة بعينها؛ فبعضها سبق التحولات الكبرى، وبعضها ينتمي إلى تقاليد فكرية وأدبية متنوعة. إن التعامل مع هذه الأسماء كأنها امتداد لمرحلة سياسية محددة يؤدي عملياً إلى خلط الثقافي بالسياسي، وكأنهما شيء واحد.

وإذا كان تبديد حضور هذه الأسماء في المدارس سيضيع لجهة المسؤولية بين وزارتَي التربية والثقافة ومعهما محافظة دمشق، فإن استسهال إصدار القرارات في تغيير أسماء المؤسسات الثقافية لا يخرج عن الوزارة المعنية هذه المرة؛ إذ ظهر خلال الأيام الماضية أن المؤسسة المسرحية الأعرق في سوريا، والتي حملت اسم “المسرح القومي”، جرى تغيير اسمها بجرة قلم فأصبحت “المسرح السوري”. وهكذا قرأنا ملصقات تحمل ترويسة: “مديرية المسارح والموسيقا، المسرح السوري في حلب يقدم”! وهذا يوحي بأن ثمة مسارح أخرى غير “المسرح السوري” تعمل في المكان ذاته، ونحن حتى اللحظة لم نرَ لا مسرحاً ألمانياً ولا فرنسياً هاهنا!

التسمية الأولى ليست تعبيراً عابراً، وإنما هي جزء من تقليد ثقافي معروف في كثير من البلدان؛ حيث تشير عبارة “المسرح القومي” أو “المسرح الوطني” إلى المؤسسة المسرحية الرسمية التي تمثل الدولة وتدعم الإنتاج المسرحي. في المقابل، تُستخدم عبارة “المسرح السوري” عادة لوصف الظاهرة المسرحية في سوريا ككل، لا للدلالة على مؤسسة سيادية محددة. بهذا المعنى، يتحول التغيير إلى ارتباك اصطلاحي أكثر منه تحديثاً لغوياً؛ فالمصطلح الجديد لا يوضح وظيفة المؤسسة بقدر ما يخلق غموضاً حولها، بينما كانت التسمية السابقة تشير بوضوح إلى موقعها في اللوحة الثقافية والفنية المحلية.

اللافت في هذه الحالات أن القرارات تظهر في الواقع العملي قبل أن يعرف الوسط المعني كيف اتُّخذت؛ تُطبع الأسماء الجديدة على الكتيبات والملصقات، وتبدأ المؤسسات باستخدامها، بينما يظل السؤال الأساسي بلا جواب: من الجهة التي قررت التغيير؟ وما المعايير التي استندت إليها؟

إن التعامل مع الأسماء بوصفها تفاصيل إدارية يقلل من قيمتها الرمزية؛ فالاسم، في النهاية، عنصر أصيل من عناصر الذاكرة العامة. وحين تُزال أسماء المفكرين والكتاب من المؤسسات التعليمية والثقافية، يفقد المجال العام جزءاً من تنوعه. وبدلاً من خريطة تشير إلى شخصيات وتجارب متعددة، يصبح الفضاء مليئاً بتعابير عامة لا تحيل إلى أي إرث محدد.

رفض أي تعديل في الأسماء لا يتعلق بالحنين السلبي إلى الماضي؛ فالتغيير ممكن ومفهوم في كثير من الحالات، ولا سيما حين يرتبط بإزالة آثار عهد النظام البائد. لكن أي تغيير يظل بحاجة إلى رؤية ثقافية واضحة، وإلى فهم للسياق الذي نشأت فيه الأسماء القديمة؛ فالذاكرة الجماعية لا تُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الملفات الإدارية الصماء.

المجتمعات التي تحافظ على منجزها الثقافي تفعل ذلك عبر تفاصيل صغيرة تشكل شبكة رمزية تربط الحاضر بالماضي. وحين تُقطع هذه الشبكة تدريجياً، يصبح المجتمع أقل قدرة على رؤية تاريخه داخل حياته اليومية. لهذا فإن النقاش حول أسماء المؤسسات ليس نقاشاً شكلياً، بل هو جزء من سؤال أكبر يتعلق بكيفية التعامل مع الإرث الثقافي، وبالدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات في إبقائه حياً، في ظل الهشاشة التي أصابت ذاكرة المجتمع خلال سنوات الحرب وانشغال الجميع بالبحث عن النجاة.

الثورة السورية

—————————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى