الإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 19 أذار 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

أطياف 2011 أو “ثورات” سوريا المُلتبسة!/ عمّار المأمون

18.03.2026

يُوجَّه النقد بشدّة إلى تاريخ الثورة السورية وفاعليها وناشطيها وتحوّلاتهم، لكن ما لا يزال خجولاً هو الإشارة إلى التواطؤات التي شارك فيها كثيرون: تواطؤٌ على تجاهل أخطاء كثيرة، وترسيخ “حقائق” هشّة في سبيل إسقاط الأسد.

لا يقتصر الاختلاف على تاريخ اندلاع الثورة السورية ضدّ بشّار الأسد بين يومي (15 أو 18 آذار/مارس)، أي تاريخ خروج التظاهرات إلى الشارع، بل يمتدّ إلى تحديد العلامات الأولى لمواجهة نظام الأسدين. إذ تتنازع أطراف مسلّحة ومدنية، بعد سقوط النظام، على امتلاك “الأصل” ولحظة قول “لا” في وجه “خراس ولاك!”.

بعد سقوط الأسد، اتضحت هذه التيارات التي تحاول رفد لحظة 2011. فئة تقول إن البداية كانت مع تمرّد “الطليعة المقاتلة” في الثمانينات، وآخرون يرون أن الأمر بدأ مع “ربيع دمشق” عام 2000، فيما ترى فئة أخرى، أو “جيل الثورة”، أنها بدأت عام 2011 مع تظاهرات دمشق ودرعا. كل هؤلاء لم تنتصر “ثورتهم” على الأسد!

هناك فئة أخرى، تلك التي” انتصرت” وتطلق على نفسها اسم “الصيدناويين” حسب تعبير حسن صوفان،  أحد قادة استعصاء صيدنايا عام 2008، وعضو لجنة السلم الأهلي حالياً، الذي أكد أن “سجن صيدنايا هو أول ثورة سورية ضد نظام الأسد، وكانت ركيزة لإسقاطه”، وأضاف : “أول بقعة تحررت من النظام السوري، هي سجن صيدنايا، المبنى الأحمر بأكمله، ومبنى الإدارة”، يقول لاحقاً: “نحن أول تحرير صار في سوريا، وأول ثورة صارت في سوريا، هي ثورة سجن صيدنايا”.

هؤلاء، “النزلاء السابقون” في “المسلخ البشري”، إلى جانب أمجد مظفّر، أو أبو محمد الجولاني، أو أحمد الشرع، “النزيل” السابق في السجون الأميركية في العراق، انتصروا…! فـ”ثورتهم” تختلف عن كل ما سبق من جدل، وقد قالها أحمد الشرع علناً: إنه ليس امتداداً للإخوان المسلمين، ولا للثورة السورية، ولا للمنتديات البرجوازية في دمشق وحلب. وبعد سقوط النظام، حصلت تآلفات الميليشيات في وزارة الدفاع، وهبط أحمد الشرع إلى قصرٍ مزخرف، قدّمت فيه أطياف المعارضة السورية فروض الطاعة في صورة جماعية.

تاريخ مختصر جداً لـ”ثورة أحمد الشرع”

بعد هروب بشار الأسد، أعاد الكثيرون النظر في “تاريخ الثورة” كمرجعية لما يحصل “الآن”، ومحاولة رصد “صورة النصر”: هل هي تحطيم أبواب صيدنايا؟ أم تحوّل أبو عمشة إلى قائد عسكري؟ أم أحمد الشرع يرتدي البذلة ويصافح دونالد ترامب؟ صورٌ متعددة تحاول كل فئة من “المهزومين” إلحاق نفسها بها، لكن حكاية الثورة لم تعد ملك “الجميع”، بل هي تتمأسس وتتحوّل إلى خطاب.

حسين الشرع، الذي تحوّل فجأة إلى مفكّر سوري عريق، ووالد أحمد الشرع، يلخّص الثورة السورية في كتابه “ذاكرة الأسماء – 2026” قائلاً: “تُعدّ الثورة الشعبية السورية المنظّمة أول ثورة في تاريخ سوريا لا تعتمد البيان رقم 1، ولا تُنشئ مجلساً لقيادة الثورة، ولا تعتمد نظام الترقيات العسكرية السريعة إلى رتب عليا”.

ينزع الشرع الوالد الصفة الانقلابية عن “النزاع المسلح”، ويتجاهل خروج البيان رقم 1 من بناء التلفزيون السوري كما تجاهله الكثيرون، ويتجاهل حفل النصر الذي رقّي فيه قادة الفصائل وتسلموا رتباً عسكرياً. تاريخ جديد يكتب ويصوّر وينتج بدعم “خليجي” لم يتوقف منذ أيام جبهة النصرة إلى الآن، والتي نظّر باحثون “أجانب” لتحولّها أيضاً في إدلب إلى “حكومة الإنقاذ”!.

ترجمة هذه “الحكاية” واقعياً يتضح في تأمل مناصب “رفاق الدرب” وإهمال المنشقين من العسكريين  والفاعلين في الشأن السوري ضمن مفاصل الحكومة الجديدة، أي تفعيل الولاءات الشخصية على حساب الكفاءة، العبارة المبتذلة التي لم يعد لها معنى، بل وقاربت بلاغة “البعث” في تجويفها.

“النقد الذاتي بعد الهزيمة”

أعاد كثر من “المهزومين” النظر في ثورة 2011، وبدأت أطياف الماضي تحضر في النقاش العام وتُطرد على حساب “الانتصار”، أسئلة لا بد من طرحها بدأت بنفي الثورة السورية نفسها كمرجعية قيمية وأخلاقية، واعترف البعض بالتلاعب بصور التظاهرات وإخفاء راية التوحيد والعقاب في الكوادر، كما طرحت أسئلة حول نفي الوطنية السورية نفسها وإعادة النظر في “الكيان السوري” وكيف تجمعت شعوبه ورسمت حدوده.

يُوجَّه النقد بشدّة إلى تاريخ الثورة السورية وفاعليها وناشطيها وتحوّلاتهم، لكن ما لا يزال خجولاً هو الإشارة إلى التواطؤات التي شارك فيها كثيرون: تواطؤٌ على تجاهل أخطاء كثيرة، وترسيخ “حقائق” هشّة في سبيل إسقاط الأسد.

واحدة من هذه الأسئلة الخجولة حول  حقيقة مفادها: “المسجد هو المكان الوحيد الذي يحق فيه للسوريين التجمع” أو الالتباس حول ما حصل مع أطفال درعا وحقيقة تقليع أظافرهم. كذلك، بدأت أسئلة سابقة تظهر حول “القاشوش” كنموذج على التباس الموت والحياة وأثره على “سردية الثورة”، وعادت أغانٍ كـ”بالذبح جيناكم” إلى الواجهة بعد مجازر العلويين والدروز بوصفها علامات أهملها البعض، حتى الساروت نفسه أيضاً أصبح محط سؤال بعد المجازر التي شهدها كل من الساحل والسويداء بعد سقوط الأسد، وطرح سؤال: هل ما زالت تكفي الحجج التقليدية لتبرير مبايعة الساروت لداعش؟

إعادة النظر هذه كشفت عجز “الثورة” عن جمع السوريين، خصوصاً أن معارك الكثيرين لم تكن فقط مع النظام، بل مع الفصائل المسلحة المتشددة نفسها، تلك التي غُسلت جرائمها وتم تجاهلها شعبياً ورسمياً، العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة تقتصر فقط على جرائم الأسد بصورة فردية، لا كل من حمل السلاح وقطع الرؤوس ووضع الناس في أقفاص.

كيف تضيّع جريمة ضد الإنسانية أمام أعين “الجميع”

شهدت سوريا جريمتين ضدّ الإنسانية على الأقل، وهما قضية “لافارج” والسبي الأيزيدي، وبشار الأسد متّهم بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية. إلا أنه في سوريا، تؤكّد الحكومة الجديدة، ووزارة العدل خصوصاً، التقاضي الفردي، ومحاكمة “أفراد” لا منظومات أو مؤسسات، أي وكأن تقتيل السوريين كان يتم بقرارات فردية ارتجالية، كأي جريمة قتل جنائية أو سوء سلوك مسلكي!

أشار أسامة عثمان، المدير التنفيذي في منظمة ملفات قيصر من أجل العدالة، في اللقاءات التي بثت معه أخيراً، أن “قضية قيصر”، ليست فقط شأناً سياسياً- اقتصادياً، نحن أمام جريمة ضد الإنسانية، ولا يمكن اختزالها بعقوبات ورفعها. مأساة سوريا الجوهرية، هي أننا أمام جريمة تمس كل البشر، “أم الجرائم”، هناك سياق تقاضٍ قانوني يتم إهماله، سواء عمداً أو سهواً، هناك إصرار على عدم إنشاء قوانين ومحاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والاكتفاء بالادعاء الشخصيّ.

الموقف الرسمي يلخَص بـ: لا حساب للمنظومة الأسدية  أو الشركاء المحليين والدوليين للأسد، وتجاهل ما يترتب عليهم من تعويضات وحق للضحايا، وهنا التناقض المريع، الجريمة ضد الإنسانية لا تنتهي برفع عقوبات، وإدانتها جهد دولي ومحلي وقانوني، الدولة نفسها بمؤسساتها تصبح قائمة على أساس المحاسبة ومنع التكرار، أي أن ترتقي الدولة وتأسيسها  إلى مستوى الفاجعة التي تمس جوهرنا الإنساني.

جرائم الأسد “لا تُنسى، ولا تسقط بالتقادم”، والأهم: “لا تغتفر ولا تُسامح”، وحكومة دمشق تتجاهل كل ما سبق، فما حصل منذ عام 2011 هو جريمة لا فقط بحقّ كل سوري، بل كلّ” الإنسانيّة”، هي جريمة تحولت إلى مضرب مثل يقال: “كما حصل في سوريا” أو “سوريا أسوأ”، ولا بد من أن يوضع “العالم” أمام سلطة المحاسبة.

مسار كشف مصير السوريين المختفين قسراً والعدالة الانتقالية، ليسا أولويات متصارعة، بل مساران متوازيان، خصوصاً بعد الكشف عن مسننات  ماكينة الموت التي كان يديرها نظام الأسد، ماكينة تبدأ من التنصت على السوريين، مروراً بالاعتقال، والتعذيب، ثم إطلاق الحكم القضائي، إعلان الوفاة في المستشفى، التخلص من الجثث، ثم التكتم على الحقيقة.

كل هذه الخطوات تكشف أننا أمام عملية منظمة. الجريمة ضد الإنسانية هي منظومة متكاملة، اشتغل بها العشرات، وكلمة “اشتغل” هنا دقيقة، كون هناك مال وتبادل نقود ورواتب وتعويضات ومكآفات.

هذه الخصوصية السورية، وتجاهل جريمة “إدارة الفناء”التي كان يتقنها نظام الأسد، يفقدان الشأن لا فقط أهميته وترويعه، بل يحولان المقتلة السورية  الى شأن سياسي. لا ننسى أن “الأزمة السورية” في الخطاب الأوروبي اختزلت بنقاط عدة فقط: “الهجرة السورية” و”مكافحة الإرهاب”، وتجارة الكبتاغون في السنوات الأخيرة. المنظمات الحقوقية السورية في أوروبا هي من تبنت مفاهيم الجريمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ما فعّل القدرة على التقاضي وملاحقة المجرمين في أوروبا، في الوقت ذاته، “الأزمة السورية” في أميركا، شأن مفرط في سياسته، وتحولت إلى قانون عقوبات اقتصادية، لكن “الجريمة” لا تختزل بـ”العقوبات”.

قضاة وأطباء وحرّاس وجلادون، وشركات اتصالات، والأمم المتحدة، بيروقراطيون وسفلة، كلهم مُتهمون، بعضهم بتعاون مع “حكومة دمشق” لـ”تحقيق السلم الأهلي”. لكن ماذا عن الجريمة ضدّ الإنسانية؟ فرادة الجرائم في سوريا تتضح في “قضية لافارج”، التي، بسبب “نشاطها” في سوريا، تُعدّ مقاضاتها سابقة تاريخية، فهذه هي المرّة الأولى التي تُقاضى فيها شركة بتهمة “التواطؤ بارتكاب جريمة ضدّ الإنسانية”!

المأساة السوريّة ليست قصة نجاح فردي لمقاتل جهادي، أطاح ديكتاتوراً، ثم تحول إلى رئيس، يعطّره ترامب، سوريا قصة جريمة ضد الإنسانية ارتكبتها ماكينة متكاملة ذات أذرع محلية ودولية. حكومة دمشق اليوم، تهمل هذا كله، تعطل إعلان الموت، ومسار التقاضي، تحصّن نفسها بهيئات ومستشارين وتلغرام وبيانات، بل وتوجه الاتهامات الى المنظمات الدولية بسبب عدم منحها التمويل، لكن، ماذا عن مخاطبة الصندوق السيادي وصندوق التنمية وأبو مريم الأسترالي، لمَ يجب أن “تموّل” عدالة السوريين خارجياً عوضاً عن مال وطني، ومصادر من ماكينة الأسد؟

ما يجب تعلمه وإدراكه بدقة، أن نظام الأسد كان قادراً على “إدارة الموت” و”ضبط الفناء” الى حدّ نقل مقابر جماعية من مكان الى آخر، ومسار العدالة وحسم المصائر، إن لم يقنن ضمن قنوات واضحة، بل وقاسية وبيروقراطيّة، سيبقي الجرح مفتوحاً، والمقابر الجماعية مفتوحة، والمسلسلات تنتج من دون أي مشكلة.

يطالب أهالي المفقودين علناً، صراخاً ونحيباً، باليقين والوقت، السؤال المتكرر: متى؟ متى نعلم مصير من ننتظرهم؟ سؤال اليقين هو المطروح دوماً والمؤجل رسمياً، ومن يسكت على “اليقين” يتواطأ مع الألم.

المؤسسات الصحافية هي التي عملت عوضاً عن الجهات الرسمية، نبشت مقابر جماعية، دلّت على أماكن وثائق بوضوح، فرزت أسماء متهمين من مختلف القطاعات. أما الجهات الرسمية فلا “تبحث”، هي تنتظر، دوماً تمشي على رد الفعل. أفراد سوريون معرفون بأسمائهم قدموا كل المعلومات والوثائق للجهات الرسميّة التي لم تتمكن من ضبط “السلم الأهلي”، بل أضافت إليه مجزرتين طائفيتين، وانتهاكات يومية، وخطف نساء…. وتركت أفراداً من ماكينة القتل التي يديرها الأسد يتصرفون بحريّة، “اذهبوا انتم الطلقاء”. قد تسقط الحق العام، لكن ماذا عن الحق الشخصي؟ ماذا عن حق “الإنسانية”؟.

“إدارة الفناء” ليست وركشوب، والجريمة ضدّ الإنسانية لا تُواجه بـ”جلسات النحيب”. سوريا أرض شهدت قتلاً بيروقراطياً لإفناء الأجساد، وأي سلطة، مهما كانت، وكل من يعمل معها، هم دوماً أمام سؤال: متى اليقين؟ وكلما امتد الزمن وطالت الإجابة، ستطارد أسماء وصور المعتقلين “كلّ” السوريين و”كلّ” من تفرّج على قتل السوريين.

تمييع الجريمة ضدّ الإنسانية وتضييعها يحرمان السوريين من العدالة التي يدين لهم بها “العالم” بمعناه الفج؛ العالم الذي “تفرّج” على نظام الأسد، والفرجة هنا، في ظل الجريمة ضدّ الإنسانية، جريمة أيضاً ومُدانة. تضييع “المذبحة السورية” على حساب انتظار التمويل يترك الحكايات بيد الجميع، فلا مرجعية رسمية لحكاية المقتلة السورية، حكاية تدين وتتهم وتنصف بعيداً عن الظنون والشكوك

درج

——————————

 جرح سوريا المفتوح.. ماذا يكشف تحقيق صحفي عن تعقيدات ملف المختفين قسراً؟/ ماهر حسن شاويش

2026.03.18

لقد عملت على ملف المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا منذ انطلاقة الثورة السورية، وتعمّقت في هذا الملف كثيراً، ولا سيما في أوساط شريحة فلسطينيي سوريا بحكم التخصص، وكتبت عنه كثيراً ووثّقت أكثر، سواء بشكل فردي أو من خلال العمل المؤسسي. وقد طرحت هذا الملف مراراً في الإعلام المحلي والعربي والدولي، متنقلاً بين زواريب مخيمات سوريا وأزقة أحيائها، مروراً بعواصم ومدن في عدة بلدان، وصولاً إلى جنيف داخل قاعة مجلس حقوق الإنسان.

لكن، وللأمانة، بعد أن قرأت التحقيق الذي نشره موقع الجمهورية نت بعنوان: «جرح سوريا المفتوح: ماذا تحقق لعائلات المختفين قسرياً؟»، وأعدت قراءته أكثر من مرة، شعرت بثقل هذا الملف أكثر مما شعرت به من قبل.

فالتحقيق جمع أمامي، وفي مادة واحدة، معظم التحديات والمعوقات والعقبات التي تحيط بهذا الملف. فلم يكتف بعرض الوقائع، بل قدّم خلاصات مهمة جداً، وطرح أسئلة ربما تكون الأهم، تاركاً الباب مفتوحاً كما هو جرح الضحايا وذويهم، الذي ما يزال مفتوحاً منذ خمسة عشر عاماً.

أين تكمن أهمية التحقيق؟

بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وخمسة عشر عاماً على انطلاق الثورة السورية، ما تزال واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في تاريخ سوريا الحديث معلّقة بلا إجابات واضحة: مصير مئات آلاف السوريين والفلسطينيين الذين اختفوا قسراً خلال عقود من الحكم الأمني الديكتاتوري وسنوات الحرب الطويلة.

قبل أيام، صدر تحقيق موسّع نشره موقع الجمهورية نت بعنوان: «جرح سوريا المفتوح: ماذا تحقق لعائلات المختفين قسرياً؟» للصحفيين ميلفن إنغلبي وهزار يازجي. يحاول هذا التحقيق رسم خريطة المؤسسات الوطنية والدولية التي تتعامل مع هذا الملف، ويطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الحقيقة والعدالة في البلاد.

عمل الصحفيان على التحقيق لمدة شهرين، وأجريا مقابلات مع أكثر من عشرين مصدراً، من عائلات المعتقلين والمختفين وجمعياتهم، وكذلك مع رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في دمشق وعدد من أعضائها، إضافة إلى مصادر مطلعة على عمل أبرز المنظمات الدولية المعنية بهذا الملف، مثل الهيئة الأممية المستقلة للمفقودين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية للمفقودين.

لكن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها، بل في الأسئلة السياسية العميقة التي يثيرها حول مستقبل مفهوم العدالة في سوريا، وفي كشفه التعقيدات التي تحيط بملف يُعدّ من أكبر ملفات الاختفاء القسري في العالم المعاصر.

في القلب من مفهوم العدالة الانتقالية

في التجارب الدولية التي أعقبت سقوط أنظمة استبدادية أو انتهاء حروب أهلية، تظهر عادة ثلاثة ملفات رئيسية تشكّل جوهر العدالة الانتقالية: محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإصلاح المؤسسات السياسية والأمنية، وكشف مصير الضحايا.

في الحالة السورية، يحتل ملف المعتقلين والمختفين قسراً موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، فالتقديرات تشير إلى أكثر من 180 ألف مختفٍ منذ عام 2011، وربما ما يقارب 300 ألف منذ سبعينيات القرن الماضي.

هذه الأرقام تجعل القضية أكبر بكثير من مجرد ملف حقوقي، إنها قضية اجتماعية ووطنية تمس كل مدينة تقريباً وكل مجتمع محلي، وربما كل عائلة سورية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيبحث عن المختفين؟

بل أيضاً: من سيملك في النهاية رواية ما حدث؟ فالسردية هنا انعكاس لمفهوم الحقيقة، الذي يعتبر ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية.

صراع غير معلن على إدارة الملف

يُظهر التحقيق بصورة غير مباشرة وجود صراع خفي بين ثلاث قوى رئيسية تحاول التأثير في مسار هذا الملف.

الطرف الأول هو الدولة السورية الجديدة، التي تسعى إلى إبقاء الملف ضمن إطار سيادي تقوده الهيئة الوطنية للمفقودين. ويظهر ذلك في تأكيد مسؤولي الهيئة على أن الاستراتيجية للعمل في هذا الملف يجب أن تُحدد داخل البلاد، وأن عينات الحمض النووي لا ينبغي أن تُنقل إلى الخارج، وأن دور المنظمات الدولية يجب أن يبقى داعماً لعمل المؤسسات الوطنية لا بديلاً عنها.

في المقابل، ترى بعض المنظمات الدولية أن لها دوراً أكبر ينبغي أن تلعبه، مستندة إلى خبرتها الطويلة ومواردها المالية الكبيرة، إضافة إلى خشيتها من تأثير الاعتبارات السياسية المحلية في مسار التحقيقات.

لكن التحقيق يشير بوضوح إلى أن الثقة بين الطرفين ما تزال محدودة، وأن العلاقة بين المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية يشوبها قدر كبير من الحذر والتنافس.

أما الطرف الثالث في هذه المعادلة فهو عائلات الضحايا نفسها. فهذه العائلات التي كانت في طليعة الجهود الحقوقية خلال السنوات الماضية لا تثق بالكامل بأي طرف، فهي تخشى من تسييس الملف داخلياً، كما تخشى من بطء المؤسسات الدولية وبيروقراطيتها.

وفي الوقت نفسه، تُصر على أن الهدف لا يمكن أن يقتصر على معرفة المصير فقط، بل يجب أن يشمل العدالة أيضاً بما في ذلك التعويض وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

العدالة أم الاستقرار؟

من أكثر النقاط حساسية التي يلمح إليها التحقيق العلاقة بين ملف المختفين ومسار العدالة الانتقالية الأوسع في البلاد. ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة الجديدة عن ضرورة تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة، ظهرت تقارير عن صفقات تحت غطاء وعناوين اقتصادية، مثل التسويات مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بل وحتى عن تعاون مع شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، محمد حمشو وفادي صقر نموذجاً.

وهذا يفتح سؤالاً سياسياً معقداً، واجهته دول كثيرة خرجت من الحروب وخاضت تجارب مشابهة إلى حد ما: هل ينبغي إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي أم لتحقيق العدالة الكاملة؟

في جنوب إفريقيا وتشيلي والبوسنة والعراق مثلاً، ظهرت توترات مشابهة بين متطلبات الاستقرار ومطالب العدالة. التحقيق لا يطرح هذا السؤال بشكل مباشر، لكنه يلمح إليه بوضوح من خلال عرض التناقض بين آمال وطموحات عائلات الضحايا ومسار السياسة الواقعية.

جمر تحت الرماد

ربما جاءت العبارة الأكثر دلالة على وضع ذوي الضحايا الحالي في التحقيق على لسان إحدى أمهات المختفين قسراً، اللاجئة الفلسطينية السورية مريم حسن، التي فُقِد زوجها وابنها على حاجز قرب مخيم اليرموك، حين قالت إن عائلات الضحايا “كالجمر المتقد”.

هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن الألم وانعكاس لليأس، بل تحمل بين ثناياها تحذيراً سياسياً واضحاً. ففي كثير من البلدان التي خرجت من الحروب، أدى تأجيل العدالة أو تجاهل مطالب أهالي الضحايا إلى ظهور موجات جديدة من العنف أو الانتقام.

ولهذا فإن قضية المختفين قسراً لا تتعلق بالماضي وحده فقط، بل ترتبط أيضاً بمستقبل الاستقرار والسلم الأهلي في البلاد.

الخاتمة

يذكّر التحقيق بأن سقوط النظام لا يعني نهاية القضية. فالبداية الحقيقية لمرحلة ما بعد الحرب تبدأ عندما يبدأ المجتمع بكشف الحقيقة الكاملة عمّا حدث، ولكن البطء، والبيروقراطية، والتنافس المؤسسي، والصفقات السياسية قد تجعل هذا الملف يتراجع تدريجياً إلى الهامش.

وإذا حدث ذلك، فإن البلاد قد تخسر فرصة تاريخية لمواجهة وتوثيق جزء مهم من ماضيها وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

فالمختفون قسرياً والمعتقلون وذووهم ليسوا مجرد قضية إنسانية معلقة، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على تحقيق العدالة بعد عقود من القمع والحرب.

يبقى القول إنه من المفيد ألا يُكتفى بالاطلاع على هذا التحقيق، بل المطلوب أن يُشكل ضغطاً على جميع الجهات التي تعمل على هذا الملف المهم والحساس. فهو يسلط الضوء على الكثير من العناوين الأساسية تقنياً ولوجستياً وقانونياً ومادياً التي يرتكز عليها هذا الملف، وتشكل منطلقاً رئيسياً لإحداث اختراق حقيقي وإيجابي فيه، ينصف ذوي الضحايا ويُبقي لديهم شيئاً من الأمل بأن تضحيات أبنائهم لم تذهب هدراً.

————————–

 مأساة تبحث عن إجابات.. حين يتحول المفقودون في سوريا إلى رفات بشرية/ زيد قطريب

2026.03.11

لو أن فرق الدفاع المدني، تصور وجوه الجثث عند العثور عليها. هل تبدو غاضبةً أم خائفة؟ وإذا ما أصابها التحلل وضاعت معالم الوجوه، كيف تظهر محاجر العيون والأصابع والجماجم؟ هل تستسلم للسكينة بعد الرحيل؟ أم تتحفز توقاً للانتقام؟.

هل يعثرون على ذكريات الجثث، ملقاةً قربها؟ أم أن الانفعالات تتبخر، ونصبح بحاجة لتحاليل الـ”دي إن إي”، لاكتشاف هوية الميت، وبماذا كان يفكر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة؟

تنفجر غابة الأسئلة وتتشابك، عند كل إعلان للدفاع المدني السوري، عن العثور على “رفات بشرية” في أرض زراعية، أو عند مفرق طريق، أو داخل كهف أو قرب حاجز عسكري للنظام البائد، حتى بتنا بحاجة لخبراء في سيكولوجيا المقتولين، تزيح الغطاء عن القصة، مثلما تفعل فرق الإنقاذ عندما تكتشف الجثة!.

ما دفع هذا الموضوع للواجهة، إعلان الخوذ البيضاء بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين، عن اكتشاف “رفات بشرية” داخل ثكنة الشقيف بحلب منذ أيام. الجثة كانت موجودة ضمن تجويف مهجور يشبه المغارة داخل الثكنة، ولولا المصادفة، لأمضت سنوات داخل الكهف، حتى يُعثر عليها وتُدفن كما يليق بالشهداء!.

من شخص لديه عائلة وأبناء إلى “رفات بشرية”

منذ بداية الثورة السورية، تحولت أعداد هائلة من الأشخاص الذين لهم تاريخ ومستقبل وطموحات، إلى مجرد “رفات بشرية” غير معرّفة ولا معروفة، بسبب تحلل الجسد وغياب الملامح. ترى، لماذا لم يخترعوا آلة يمكنها اكتشاف أفكار الجثث ومشاعرها قبل أن تموت؟ لماذا لا يوجد في المختبرات، تحليل يكشف ذلك الصندوق الأسود للجثث؟ من هي؟ وأين كانت تسكن؟ وكم لديها من الأبناء والإخوة؟ هل أمهاتهم مازلن ينتظرنهم بفارغ الصبر؟ أم إنهن قطعن الأمل، ولم يبق سوى صورهم تزين حائط البيت؟.

قبل فترة، تم الإعلان عن العثور على “رفات بشرية” لـ 14 شخصاً، في عدرا العمالية، وتكرر الأمر في حماة وحلب وريف دمشق، كان أبرزها مقبرة “العتيبة” الجماعية في الغوطة، حيث تحول عشرات الرجال والأطفال والنساء، إلى بقايا عظام يسمونها “رفات بشرية”، بلا ملامح أو هوية أو إخراج قيد عقاري، يثبت أن هذه الرفات أو تلك، تملك أرضاً وبئراً، وفيها غرفتان صغيرتان، تعيش فيهما عائلة، توصل أبناءها يومياً إلى المدارس، ثم تعود كي تقطف مساكب البقدونس والنعنع، وتحوله إلى جرزٍ صغيرة لتبيعه في سوق الهال؟.

تحولت الجثث إلى “رفات بشرية”، بلا سجلات أو عائلات وتاريخ وأملاك.. ولأنه من الصعب فرز الجماجم والعظام عن بعضها بشكل صحيح، يتم حملها إلى المقابر الجماعية للضحايا المجهولين، لتحمل أرقاماً عوضاً عن الأسماء، و”لتهدأ عظامكم إلى الأبد، تحت هذا الأديم الذي متّم من أجله!”.

أرقام صادمة لأعداد المفقودين المصنفين كـ”رفات بشرية”

في عام 2021، قدرت الأمم المتحدة أعداد المفقودين في سوريا، بأكثر من 130 ألف شخص. لتعود الهيئة الوطنية للمفقودين، للإعلان بأن عدد الأشخاص المفقودين خلال عقود من حكم عائلة الأسد وفترة الحرب التي أعقبت الثورة، قد يتجاوز 300 ألف شخص.

مع انقضاء الشهور والسنوات، لم يعد بالإمكان تصنيف تلك المئات من آلاف الناس المختفين مجهولي المصير، سوى كـ”رفات بشرية”!. شعب كامل تحول إلى رفات بشرية، من غير المعروف أين تسكن بقاياه؟ هل في حفر ضخمة أعدت لهذه الغاية؟ أم هم موزعون على المفارق وتحت الساحات العامة وداخل الأقبية؟.

هل يمكن أن نستيقظ يوماً، لنُفاجأ بتلك الأعداد الهائلة من الرفات البشرية، وقد نهضت من أماكنها، لتسير بمظاهرة تطالب فيها الأحياء بردّ الاعتبار؟ هل سيعاتبون القادة، ويخترعون شعاراتٍ تناسب الجثث عندما تقوم لتطالب بالحياة؟ وماذا يمكن أن تفعل محافظة دمشق، بسجلات النفوس والبطاقات الشخصية الضائعة من أولئك الأشخاص؟ هل يمكن أن تمنحهم ورقة غير محكوم؟ أم أنها ستلقي بهم في السجون لأنهم بلا أوراق ثبوتية؟.

تقول الهيئة الوطنية للمفقودين، إن لديها “خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا”، لكن رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، قالت إن تحديد مصير الذين فُقدوا خلال الحرب، سيكون مهمة هائلة من المرجح أن تستغرق سنوات!.

إذن، على جميع الغائبين المختفين أو المقتولين المجهولين، الاكتفاء بلقب “رفات بشرية” حتى إشعار آخر!.

عند العثور على مقبرة “العتيبة”، اكتشفت إحدى الأمهات جثة ابنها، من لون الجاكيت التي كان يرتديها.. وأخرى اكتُشفت هويتها عن طريق صورة صغيرة، كانت في جيب سترة الجلد المهترئة، لكن ذلك لم يسقط عنهم صفة “الرفات البشرية”، لأن الثياب لا تعطي الجثث هويتها بشكل حاسم، نتيجة لاختلاط العظام وتداخل البقايا في المقابر الجماعية.

كثيراً ما عاد المقتولون ضمن توابيت محكمة الإغلاق لا يسمح للأهل بفتحها، حيث كانت الأشلاء توزع على الصناديق الحديدية تبعاً لتقديرات القاتل: “هذه الكومة من اللحم والعظام هي لفلان الفلاني”، و”ذلك الرأس المقطوع بلا ملامح، ماذا نفعل به يا سيدي؟ ضعوه في تابوت منفرد، وثبتوه حتى لا يتدحرج ويحدث جلبةً أثناء النقل، ثم أعطوه اسماً وسلموه لأهله حتى يدفنوه حسب الأصول”!.

ذلك السيناريو، يمكن تخيله ببساطة لكثير من الجثث المجهولة في سوريا. وربما بكت أمهات كثيرات على توابيت لا تحمل أبناءها، أو ربما احتوت قطعاً صغيرة منهم.. وماذا عن الذكريات والأحلام والمشاعر، التي كانت قرب الجثث عند العثور عليها؟ “هذه الأشياء لا جثث لها، لأنها تتبخر وتبقى هائمة في الفضاء” هكذا يجيب القاتل!.

مع الوقت، تحول مصطلح “الرفات البشرية”، إلى لعنة تلاحق السوريين.. ويسأل أحد الأطفال والدته: “أين أبي يا أمي؟”، فتجيب: “لقد تحول إلى رفات بشرية، ترقد في مكان ما من تراب سوريا، لكنه سيعود يوماً، عندما يبدأ اليوم العظيم لنهوض الجثث من مراقدها”.

نعود إلى الحكيم أبي العلاء المعري، بعد انقضاء مئات السنوات على رحيله، كأنه يعيش اللحظة الراهنة عندما قال: “خَفّفِ الوَطْءَ ما أظُنّ أدِيمَ الأرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ”.

تلفزيون سوريا

——————————

جرح سوريا المفتوح: ماذا تحقق لعائلات المُختفين قسرياً؟/ ميلفن إنغلبي، هزار يازجي

09-03-2026

        في الذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد أُطلِقت الألعاب النارية في سماء ساحة الأمويين بدمشق احتفالاً، ورسم المظليون خطوطاً في السماء، واستعرضت الدولة الجديدة قوتها في موكب عسكري مهيب، ولم تَغِب عن المشهد الأغاني والهتافات القادمة من زمن الثورة السورية.

        غير أن شيئاً واحداً كان غائباً: لم تكن هناك دقيقة صمت تَستحضرُ أرواح مئات الآلاف ممن قُتلوا أو اختفوا، لم تكن ثمة فسحةٌ للحداد الجماعي، لتحويل الألم الخاص إلى مشاعر مشتركة، للشعور بالهشاشة في وسط الجموع.

        ولهذا بالذات، لم تتجه كثير من عائلات المختفين قسراً إلى الساحة في ذلك اليوم؛ ليس لأنهم لا يملكون سبباً للاحتفال بسقوط الطاغية الذي دمّر حياتهم، بل لأن كثيراً منهم خَشُوا أن تضيق بهم الساحة، أن يشعروا بالوحدة وسط الحشود، تماماً كما حدث قبل عام حين مشَوا في الشوارع المبتهجة يبحثون في كل وجه عن إشارة، عن خبر، عن أي شيء يدلّهم على أن أحبّاءهم ما يزالون أحياء.

        إن هذا الشعور بالوحدة لدى عائلات المُختفين ينطوي على مفارقةٍ عجيبة، فالاختفاءُ القسري ظاهرةٌ تكاد تسكن كل زاوية في سوريا؛ ففي كل حيّ من أحياء هذا البلد ثمة من فقد قريباً أو صديقاً ذهب يوماً ولم يعد. ويُقدَّر عدد المختفين قسراً بما يزيد على مئة وثمانين ألف شخص منذ 2011، وبما يصل ربما إلى ثلاثمئة ألف منذ 1970. لكن مصيرهم يظلّ مُهدّداً بالنسيان في خضم عاصفة الأحداث المتلاحقة منذ سقوط نظام الأسد، فالأخبار السورية تتحدث عن معارك وتوترات في الداخل ومبادرات دبلوماسية في الخارج، بينما ينشغل معظم السوريين في تأمين نفقاتهم الشهرية.

        يتسبّبُ ثقل الحاضر بجعل الالتفات إلى الوراء رفاهيةً يصعب تَحمُّلها، رغم أن هذا بالضبط هو ما تحتاجه سوريا؛ فضمانُ الحقيقة والعدالة لعائلات المختفين قسراً ليس ضرباً من المنّة أو الإحسان، بل هو السبيل الوحيد للبدء بعلاج جرحٍ مفتوح، جرح لن يتسبّبَ إهماله بتعذيب العائلات فحسب، بل سيأكل المجتمع السوري من الداخل.

        بحث سيستغرق عقوداً من الزمن

        فماذا يُقدَّمُ لعائلات المختفين قسراً؟ وما الإنجازات الحقيقية حتى اللحظة؟ وماذا ينتظرنا في الأفق؟

        أمضينا شهرين في العمل على هذا التحقيق، وأجرينا مقابلات مع أكثر من عشرين مصدراً؛ من ذوي المختفين وجمعيات العائلات، ومع رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في دمشق وعدد من أعضائها، إضافةً إلى مصادر على معرفة بعمل المنظمات الدولية الثلاث الرئيسية القائمة على هذا الملف: الهيئة المستقلة الأممية للمفقودين في سوريا (IIMP)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، واللجنة الدولية للمفقودين (ICMP).

        ثمة حقيقة أساسية لا يختلف بشأنها الخبراء: البحث عن المختفين قسراً في سوريا لن يستغرق سنوات، بل عقوداً. ففي الأرجنتين ما يزال البحث جارياً حتى اليوم عن نحو ثلاثين ألف مختفٍ في عهد الحكم العسكري (1976-1983). وفي البوسنة والهرسك، مضت عشر سنوات كاملة على انتهاء الحرب قبل أن تُؤسَّس لجنة وطنية للبحث عن المفقودين.

        في ضوء هذه المقارنة، قد يبدو تأسيس الهيئة الوطنية السورية للمفقودين في أيار (مايو) الماضي، أي في غضون ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، إنجازاً جديراً بالتنويه. أمّا محدودية ما أنجزته هذه الهيئة حتى الآن فلا تُثير استغراباً كبيراً. يقول لويس فونديبريدر، عالم الأنثروبولوجيا الجنائية الأرجنتيني الذي يحمل خبرة أربعين عاماً في أكثر من ستين دولة: «رأيتُ هذا يتكرر مراراً. في العادة يستغرق الأمر سنةً أو سنةً ونصف كحدٍّ أدنى لمجرد تشكيل لجنة وطنية»، ويُجمع فونديبريدر مع كثيرين سواه على أنه لا يزال من المبكر الحكم على ما أنجزته الهيئة.

        غير أن ثمة مشكلات ظهرت بوضوح ويُرجَّح أن تترك أثرها على هذا المسار، ويُمكن تقسيمها إلى ثلاثة محاور رئيسية بناءً على المقابلات التي أجريناها:

        أولها: غياب الشفافية، والإقصاء: إذ تشعر عائلات المختفين قسراً بأنها تُهمَّش تدريجياً من قِبَل الهيئتين الوطنية والأممية على حدٍّ سواء، وهذا إشكالٌ مُضاعَف: فمن جهة، هذه العائلات هي المعنيّ الأصيل بعمل هذه المؤسسات، ومن جهة أخرى، يُفضي إقصاؤها إلى هدر ثروةٍ بشريةٍ ثمينة، إذ لا أحد في هذا العالم يمتلك من العزم والقدرة على المثابرة لعقود مثلما يمتلكه أفرادها.

        تقول مريم حسن، الفلسطينية-السورية التي اختفى زوجها يونس المقبل وابنها محمد على حاجز للنظام قرب مخيم اليرموك في أيلول (سبتمبر) 2013: «ثمة كثير من الشباب المستعدين للتطوع، تعاونوا معهم!»، وتُضيف: «نحن نفهم أن هذا العمل يحتاج وقتاً طويلاً، لكننا نريد من الهيئة أن تكون شفّافةً معنا حول أين نقف. أمّا الآن فهم لا يتواصلون معنا حتى، وهذا يُولِّدُ يأساً عميقاً. يقول الناس: ما الفائدة؟ لا أحد يكترث لنا».

        ثانيها: أزمة التمويل: فالهيئة تعمل وفق خطط طموحة، لكنها تعاني من شحّ شديد في الموارد، والدول المانحة تميلُ في الغالب إلى تمويل المنظمات الدولية بدلاً من دعم الهيئات المحلية، فيما تبقى الميزانية السورية في حدودها الدنيا. فضلاً عن ذلك، لم يُؤطَّر دور الهيئة بقانون واضح بعد، إذ لا تزال تستند إلى مرسوم رئاسي فحسب، ما يجعل تأمين التمويل المُستدام أمراً عسيراً.

        أمّا ثالثها: فهو دور المنظمات الدولية، التي رغم امتلاكها من الموارد ما لا تحلم به الهيئة الوطنية، تشيرُ المقابلات التي أجريناها إلى أن جزءاً وافراً من هذه الأموال يذهب إلى غير مقصده، إذ تعاني الهيئةُ المستقلة الأممية للمفقودين ضعفاً واضحاً في أدائها وتكاد تعجز عن العمل الميداني في سوريا، فيما تُوجَّه إلى اللجنة الدولية للمفقودين اتهاماتٌ بالتأثير في قرارات الهيئة الوطنية لخدمة مصالحها الخاصة، لكنّ الهيئتين ترفضان هذا الادعاء كلياً. وعلى الرغم من توقيع المنظمات الثلاث مع الهيئة على «إعلان مشترك لمبادئ التعاون» في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لا تزال الشكوك والمنافسة بين الأطراف تسود في الواقع العملي.

        لجنة وطنية وسط فوضى إدارية

        يشعر الدكتور محمد رضا جلخي بثقل الضغوط التي تتراكم على كتفيه، وقد كان إلى وقت ليس ببعيد مجرد أستاذ في جامعة إدلب، إلا أنه منذ أيار (مايو) الماضي بات يتصدر الهيئة الوطنية مُواجِهاً توقعات الملايين وإحباطاتهم.

        عندما استقبلَنَا جلخي في وزارة الخارجية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لم يكن لهيئته حتى مكتبٌ خاص بها، وفي غرفة في الوزارة تُشكِّلُ مساحة عمله المؤقتة قال لنا: «لا يمكننا أن نُلوم العائلات على غضبها».

        في الساعات التي قضيناها معه في أكثر من لقاء، بدا جلخي صادقاً في انشغاله بمهمته، ورغم الانتقادات التي تُوجَّه إلى الهيئة، بما يشمل غياب الشفافية وضعف الخبرات في التعامل مع ملف التغييب، يحظى هو شخصياً بإشادة عدد من العاملين في القطاع، فيصفونه بالنزاهة والذكاء ودماثة الخلق. ويُضاف إلى ذلك أنه يحظى بعلاقات متينة مع الدوائر العليا للسلطة الحالية، وهو ما لا ينطبق على جميع العاملين في هذا الملف.

        غير أنه حين استقبلنا في ديسمبر الماضي، في مكتبه المؤقت، قال لنا يومها: «سيكون جاهزاً خلال أسبوعين». لكننا حين اتصلنا به في منتصف يناير لترتيب مقابلة لمتابعة التطورات، كان المكتب لا يزال غير جاهز.

        أكثر ما يُقلقه، كما يقول، هو ضرورة الموازنة بين السرعة والدقة، فرغم الضغط المتصاعد لتقديم نتائج عاجلة، يُصرّ على أن الهيئة لن تنشر أسماءَ من وثائق الأرشيف كما تفعل بعض المواقع الإخبارية أو تطبيقات، مثل «فاتح 115». ويقول: «في بعض هذه الوثائق أخطاء. لقد وجدنا شهادات وفاة لأشخاصٍ لا يزالون أحياء».

        وقد فاقمت الفوضى السائدة في حفظ الأرشيف وتنظيمه الأمر تعقيداً، فخلال عملية إسقاط النظام جرى تدمير كثير من الوثائق أو سرقتها، والمواد التي أنقذتها السلطات باتت موزعةً بين أفراد ووزارات مختلفة، في غياب واضح للتنسيق مع الهيئة.

        ومن أبرز مظاهر هذا الخلل ما بات يُعرف بـ«ملف دمشق»، وهو كنز وثائقي مُسرَّب يضم 33 ألف صورة لمعتقلين لقوا حتفهم. أفادنا المحامي المقيم في برلين أنور البني بأنه هو من سلّم هذه المواد إلى الصحفيين، وأن المصدر الذي أوصلها إليه في كانون الثاني (يناير) 2025 سلّمها أيضاً إلى مسؤول بارز في السلطة الجديدة.

        غير أن جلخي أخبرنا بأن هذا المسؤول لم يتواصل معه بشأن البيانات. وبعد يوم واحد من نشر تحقيق «ملف دمشق»، أصدرت هيئته بياناً أكدت فيه أنها لم «تتلقَّ أي ملفات إضافية تتعلق بما تداولته وسائل الإعلام مؤخراً» وحين سألنا في مطلع فبراير عمّا إذا كان الوضع لا يزال على حاله، وعمّا اتخذته الهيئة من خطوات للحصول على هذه المواد، رفض المتحدث باسمها التعليق وأحالنا إلى البيان السابق.

        ولم يبدُ أنور البني من جهته متحمساً كثيراً لمدّ يد العون إلى الهيئة. فرغم أن المحامي الحقوقي أفاد بأنه تسلّم الملفات منذ يناير من العام الماضي، يقول جلخي إن منظمة البني لم تقترح مشاركته المواد إلا بعد أن أنجز الصحفيون نشر تحقيقاتهم. وحتى حينها، أخبرنا البني بأنه تخلى عن الفكرة في نهاية المطاف لأنه لم يجد في نفسه رغبة في الالتزام بالإجراءات التي أرسلتها إليه الهيئة. وقال ساخراً: «أرسلوا لنا بالبريد الإلكتروني نحو عشر صفحات تشرح كيفية نقل الوثائق. قلت لهم: ربما أكتفي بإلقائها على عتبة بابكم».

        غير أن وزارة العدل وفق ما أفاد به جلخي، سلّمت الهيئة مؤخراً مجموعة ضخمة من الملفات، تشمل عشرات الآلاف من شهادات الوفاة وأوامر الإعدام، ويُرجَّح أن هذه المواد تتقاطع جزئياً على الأقل مع ما يتضمنه «ملف دمشق».

        تفحصُ الهيئةُ الآن هذه الملفات للتحقق من صحتها، وفق ما أفاد به جلخي. وبمجرد الانتهاء من ذلك، ستُزار العائلات، التي تظهر أسماء أفراد منها في الملفات، في المنازل لإبلاغها بالنتائج. ويؤكد جلخي: «سنوضح أن هذه نتائج أولية وليست نهائية» مشيراً إلى أن العائلات ستُمنَح خياراً: فإن رأت أن المعلومات المُستخرَجة من الوثائق كافية، تُسلّم لها شهادة وفاة. أمّا من تريد يقيناً أعمق، فلا بد من البحث عن الرفات.

        وهذا البحث سيطول لعقود، ولا يمكن الشروع فيه في المدى المنظور. إذ يرى جلخي أن المقابر الجماعية يجب أن تبقى مغلقةً وتحت الحماية حتى عام 2027 على الأقل، ريثما يتوافر تمويل كافٍ لدعم تدريب المختصين الجنائيين وإنشاء مختبرات الحمض النووي.

        في الوقت ذاته، يطمح جلخي إلى بناء مؤسسته من الداخل عبر توظيف كوادر وافتتاح مكاتب إقليمية. وتتضمن خُططه إصدار بطاقات خاصة لعائلات المختفين قسراً، تُيسّر لهم حل العقبات القانونية والحصول على دعم اجتماعي واقتصادي ونفسي.

        غير أن عنصراً جوهرياً يغيب عن هذه الخطط كلها: الميزانية. إذ لم تحصل الهيئة حتى الآن إلا على تمويل طارئ رمزي. ويُجري جلخي محادثات مع الحكومة للتفاوض على ميزانية فعلية لهذا العام. ولا يرغب في الإفصاح عن أرقام محددة، لكن المبلغ، على الأرجح، لن يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، وهو أقل بكثير مما تتلقاه لجان مماثلة في بلدان أخرى تُعاني من ظاهرة مشابهة على نطاق أضيق بكثير.

        الهيئة الأممية للمفقودين: موارد وافرة وأداء متعثّر

        تحظى المنظمات الدولية العاملة على ملف الاختفاء القسري في سوريا بأموال أوفر بكثير، فمثلاً، خُصصت للهيئة الأممية للمفقودين، ومقرُّها جنيف، ميزانية اعتيادية معتمدة بنحو 11 مليون دولار لعام 2025 (صُرف منها في نهاية المطاف نحو 8 ملايين دولار في ضوء الأزمة المالية الأممية). وبحسب المعلومات الأممية المتاحة للعموم، ذهب 72 بالمئة من هذه الأموال (نحو 8 ملايين دولار) كرواتب لموظفيها، وهي نسبة مرتفعة حتى بمقاييس المنظمات الدولية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الموارد، التي يحلمُ بها جلخي، تُعاني الهيئة الأممية من إخفاقات صريحة في أدائها، وفق ما كشفت عنه محادثاتنا مع أكثر من ست مصادر مختلفة.

        أُسِّسَت الهيئة الأممية في حزيران (يونيو) 2023 إثرَ سنوات من الضغط والمناصرة من قِبَل جمعيات العائلات في الشتات السوري، وحين افتتحت مكتبها في جنيف في العام التالي، أسهمت هذه الجمعيات في وضع هياكلها وتحديد استراتيجيتها. كانت الهيئة، باختصار، مُؤسَّسةً للعائلات ومن العائلات.

        لكن أموراً كثيرة تغيّرت منذ أن أمسكت الموظفة المدنية المكسيكية كارلا كينتانا بزمام الهيئة في كانون الثاني (يناير) 2025. كانت كينتانا قد ترأست اللجنة الوطنية المكسيكية للبحث منذ عام 2019 حتى استقالتها عام 2023. ووفقاً للتقارير المكسيكية، فقد استقبلت جمعيات العائلات رحيلها بارتياح.

        وفي رئاستها للهيئة الأممية للمفقودين، يُقال إن كينتانا تُدير المنظمة بأسلوب مُغلق يفتقر إلى الشفافية ويميل إلى المركزية المفرطة، وهو ما يستدعي إلى الذهن الانتقادات ذاتها التي أُثيرت في وسائل الإعلام المكسيكية. وتقول جمعيات العائلات السورية إن دورها في صنع القرار، الذي كان فاعلاً في السابق، تراجع في عهد كينتانا، وإنها تفتقر إلى معرفة عميقة بالشأن السوري، فضلاً عن أنها استقطبت عدداً من الموظفين المكسيكيين منذ توليها المنصب. والأرقام تقول إن أربعةً فقط من أصل خمسة وثلاثين موظفاً مُسجَّلون بالجنسية السورية، وإن كان متحدث الهيئة أشار إلى أن غالبية الموظفين يُتقنون العربية بمستوى مهني.

        رفضت كينتانا إجراء أي مقابلة، وأحالت الأسئلة إلى المُتحدِّث باسمها. ولم يُعلّق المُتحدِّث على الانتقادات الموجهة إلى أسلوبها في القيادة تحديداً، مكتفياً بالتأكيد على أن «العائلات في صميم عمل الهيئة»، ومُشيراً إلى أن المنظمة عقدت الشهر الماضي جلسة حوار معمّق مع 27 ممثلاً لمنظمات المجتمع المدني السوري. غير أن عدداً من الحاضرين في هذا اللقاء أكدوا أن مشاركة العائلات لم تعد تتجاوز كونها ديكوراً وواجهة، ولاحظوا غياب شخصيات مدنية بارزة كانت تحضر في لقاءات مماثلة في السابق.

        وفوق هذه الإشكاليات الداخلية، تواجه الهيئة الأممية عائقاً خارجياً كبيراً: ذلك أن الحكومة السورية لم توافق بعد على نقل مقر الهيئة إلى دمشق. ولهذا أسبابه المُتشعبة؛ فثقة السوريين عموماً – حكومةً وشعباً – بالأمم المتحدة تآكلت بسبب إخفاقها الذريع في سوريا، ولأن الأموال الأممية كانت تتسرّبُ في جيوب النظام السابق. وبشكل أخصّ، يبدو أن الهيئة الوطنية تخشى من أن الهيئة الأممية قد تستقطب كفاءات محلية بعروض رواتب أممية مغرية، وأن تُقحِمَ نفسها في ملفات يَحرص جلخي على الاحتفاظ بزمامها. وقد أفادَ لنا بأنه طلب أصلاً من الهيئة الأممية وقف تسجيل حالات الاختفاء القسري الجديدة، وهو ما كان يُمثِّلُ أحد أنشطتها الملموسة القليلة.

        أكدت الهيئة الأممية من جهتها أنها «لم تتلقَّ أي ردٍّ سلبي» على طلب فتح مكتب لها في سوريا، ورفضت التعليق بصورة أوسع. وأشار المُتحدِّثُ إلى أن فِرَق الهيئة تتوجّه إلى سوريا باستمرار «لتعميق التعاون مع أصحاب المصلحة المعنيين»، مؤكداً قدرة المنظمة على «تنفيذ مهامها الجوهرية». وحين سُئل عن أبرز إنجازاتها العام الماضي، أشار إلى توقيع الإعلان المشترك مع الهيئة الوطنية والشركاء في تشرين الثاني (نوفمبر).

        وعلى الرغم من تَحسُّن طفيفٍ في العلاقة مع الحكومة مؤخراً، يبقى واضحاً أن الهيئة الأممية غير قادرة على القيام بمهامها التي أُسِّسَت من أجلها في الوقت الراهن. وما لم تطرأ تغييرات على إدارتها الداخلية، وما لم يُتَح لها وجود دائم داخل سوريا، فإنها تسير نحو التهميش التدريجي أو ربما الإلغاء الكامل. وهذا ليس خسارة مالية وحسب، بل خسارة لمؤسسة يرى فيها كثير من الأسر ضماناً وجدار حماية إن عادت سوريا إلى الصراع أو أخفقت الهيئة الوطنية في أداء مهمتها.

        حدود الدعم الدولي

        تمتلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) حضوراً ميدانياً بارزاً في سوريا؛ إذ أنفقت في عام 2024 ما يزيد على مئة وخمسة وثلاثين مليون دولار على عملياتها هناك (دون أن تُتاح الأرقام التفصيلية لعام 2025). وإن كانت الغالبية العظمى من هذه الأموال تذهب إلى الإغاثة الإنسانية والخدمات الأساسية، فإن الصليب الأحمر يُسهم أيضاً في البحث عن المختفين قسراً في سوريا، وهو من أكثر الجهات العالمية خبرةً في هذا الملف.

        غير أن متحدث الصليب الأحمر رفض ترتيب أي مقابلة مع خبير متخصص في ملف المفقودين، واكتفى بالإجابة عن أسئلة خطية. وحين سُئل عن حجم الإنفاق المُخصَّص لهذا الملف تحديداً، أجاب بأن «اللجنة لا تُفصِحُ علناً عن توزيع الميزانية على الملفات المختلفة».

        وحين سُئل عن طبيعة أنشطتها في هذا الشأن، أشار إلى أن اللجنة تُجري مقابلات مع الأسر حول ذويهم المفقودين، وتُجمّع المعلومات الواردة منها، وتُنظّم جلسات توعية حول مفهوم «الفقد الملتبس»، وتُدرّب خبراء الطب الشرعي السوريين، وتُسهِم في إنشاء مختبر للحمض النووي. كما تتعامل اللجنة مع الهيئة الوطنية منذ تأسيسها، لكن المتحدث لم يُفصح عن طبيعة هذه العلاقة، مكتفياً بالقول: «الحوار الذي تُجريه اللجنة مع الهيئة الوطنية يبقى ثنائياً وسرّياً».

        المنظمة الدولية الوحيدة التي وافقت على منح مقابلة فعلية لهذا التحقيق كانت اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP)، التي أُسست في عام 1996 في أعقاب حرب البوسنة، ومقرها لاهاي، وتنشط في كثير من الدول، وبلغت مساهمات المانحين لها نحو تسعة عشر مليون دولار في عام 2024. وفيما تستأثر أوكرانيا بالجزء الأكبر من هذه الأموال، تُقدَّر استراتيجية التمويل الخاصة بها لبرامج سوريا للفترة 2025-2030 بنحو 3.8 مليون دولار لعام 2026.

        وفق المديرة العامة للَّجنة، كاثرين بومبرغر، تَنصبُّ الأولويةُ في سوريا على بناء قدرات الهيئة الوطنية. وهذا لا يعني مجرد توسيع الكوادر، بل يستلزمُ صياغة تشريع يُحدِّدُ صلاحيات الهيئة، ويضمن ميزانيتها، ويُرسي قواعد حماية البيانات. وتقول بومبرغر إنها حضرت جلسات عصف ذهني مع الهيئة وعدد من الوزارات في الخريف الماضي، وعرضت المساعدة في تيسير تشكيل لجنة لصياغة التشريع. كما أكدت استعداد اللجنة لمشاركة بيانات ثلاثين ألف مفقود مع الهيئة، وتزويدها بنظام إدارة قواعد بيانات مُعرَّب. وقالت: «نظامنا جاهز للانطلاق. العراق يستخدمه، وأوكرانيا تستخدمه، وليبيا على وشك الانضمام».

        من الواضح أن (ICMP) تُولي اهتماماً بالغاً لعلاقتها مع الهيئة الوطنية. يُقال إن مدير برنامجها السوري مازن البلخي يتمتع بقنوات تواصل قوية مع جلخي، الذي أتاحت له اللجنة لقاءات وزيارات عدة. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، استقبلته المنظمة في لاهاي حيث وقّع اتفاقية تفاهم. وقبل ذلك بشهر، يسّرت له ولفريقه زيارة إلى البوسنة والهرسك للاستفادة من تجربتها في البحث عن المفقودين في منطقة غرب البلقان، حيث تمت معرفة هوية أكثر من سبعين بالمئة من المفقودين بمساعدة اللجنة ومختبراتها المتخصصة في تحليل الحمض النووي في لاهاي.

        لكن يبدو أن هذه الرحلات لا تخلو من المصالح الشخصية، فوفقاً لخمسة مصادر، ثلاثة دبلوماسيين واثنان من خبراء الاختفاء القسري، اكتسبت اللجنة سُمعةً بالتشبيك الفعّال مع الحكومات لتسويق خبراتها ومختبراتها لاحقاً.

        يقول فونديبريدر، الأنثروبولوجي الجنائي الأرجنتيني: «اللجنة بارعةٌ في التسويق. تدّعي أنها المؤسسة الوحيدة القادرة على إجراء أبحاث الحمض النووي في حالات كهذه، وهذا ببساطة غير صحيح. في نظري هي فرصة تجارية. إذ يُكلّف تحليل فردي باستخدام الحمض النووي لعظمة واحدة نحو خمسمئة دولار، وإن جرى استخدام الحمض النووي الميتوكوندري، وصل السعر إلى ألف وخمسمئة دولار للعظمة الواحدة».

        ويُضيف فونديبريدر أن نجاح تجربة اللجنة في البلقان تَحقَّقَ في سياق استثنائي لا يُعيد إنتاج نفسه بسهولة في أي مكان آخر. فضحايا سريبرينيتشا، على سبيل المثال، سقطوا في رقعة جغرافية محدودة وخلال إطار زمني ضيق، مما يُيَسّر استخدام الحمض النووي لأن ثمة فكرة مبدئية عمّن دُفن وأين. أمّا الحالة السورية فمختلفة جذرياً؛ البلاد مليئة بالمقابر الجماعية، كثير منها لم يُكتشَف بعد، واستغرق الاختفاء القسري فيها عقوداً متتالية. وفي هذا السياق، يقول فونديبريدر: «الخطوة الأولى هي تتبّعُ الخيوط من خلال الأرشيف والمقابلات مع الأسر والجناة. الحمض النووي لا يُحقّق المعجزات وحده. فالمسألة ليست مجرد جمع عينات. الأصعب بكثير هو تحديد الصلة بين شخص موجود في الأرشيف وبين الموقع الذي قد يكون دُفنَ فيه».

        بالمقابل، ردّت كاثرين بومبرغر على منتقديها بحزم. قالت: «لا مصلحة ذاتية لنا في هذا كله. نريد أن نساعد سوريا بالتنسيق مع المؤسسات الشريكة، ونحن لدينا مختبر حمض نووي هنا يمكنه خدمة سوريا إن شاءت سوريا الاستفادة منه». وأكدت أن مجالات عمل اللجنة «متعددة الأوجه»، مشيرةً إلى أنها لم تُبادر بذكر مختبرات الحمض النووي خلال المقابلة – وهذا دقيق – ورأت في الانتقادات انعكاساً لحدّة التنافس في القطاع في ظلّ التقليص الحاد في التمويل الإنساني العالمي؛ تقول: «المانحون محدودون ونحن جميعاً نتسابق على كسب دعمهم».

        «نحن كالجمر المتقد»

        في هذا السباق على التمويل، تنطلق الهيئة الوطنية من نقطة مُتأخِّرة. رغم أن جلخي أشار إلى أن المملكة المتحدة وألمانيا تواصلتا معه مؤخراً لبحث إمكانية الدعم المباشر، فإن الدول المانحة في الغالب تُفضّل ضخ أموالها عبر المنظمات الدولية. وهذا يُجسّد إشكالية أعمقَ تعتري القطاع الإنساني بأسره. فالحكومات الغربية، ولا سيما في تعاملها مع العالم العربي، تتحاشى في الغالب تمويل الجهات المحلية مباشرةً، خشيةً من ردود فعل شعبية سلبية لدى ناخبيها الذين يحملون في الغالب صورة نمطية سلبية عن المنطقة. لذا يلجؤون عادةً إلى توجيه الدعم عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، حتى حين تكون هذه الأخيرة أقل كفاءةً من نظيراتها المحلية. فالهيئة الأممية للمفقودين، ورغم ضعف أدائها الظاهر، تلقّت العام الماضي مليوناً ومئتي ألف دولار كمساهمات طوعية من ألمانيا ولوكسمبورغ إلى جانب ميزانيتها الاعتيادية، وأكد المتحدث أن دولة أخرى تعهدت بمساهمة إضافية في كانون الأول (ديسمبر).

        يُقدّمُ جلخي وجهة نظر حادة في هذا الشأن، فهو يرى – كما يرى كثيرون في القطاع – أن الجزء الأكبر من أموال المنظمات الدولية يُصرَف في نفقات عامة، واستشارات، وورش عمل، وبنود إدارية. يقول: «هذه الأموال هي في الأصل ملكٌ للعائلات. لذلك اتخذتُ قراراً بعدم المشاركة في أي ورشة أو نشاط مماثل ما لم تكن العائلات هي المستفيدة منه».

        وحين سُئل عن أسباب عدم انتقال الهيئة الأممية إلى دمشق حتى الآن، لم يُجب بشكل مباشر، لكنه أشار إلى استمرار المباحثات. أمّا فيما يخص اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP)، فأكد أنه يتفاوض معها للحصول على الكوادر البشرية المتخصصة والمعدات اللازمة لإنشاء المختبرات، مُصرّاً في الوقت ذاته على أن فحوصات الحمض النووي يجب أن تُجرى داخل سوريا، ويقول: «لن نسمح بخروج عينات الحمض النووي من سوريا».

        يُقدِّمُ جلخي موقفاً صريحاً في المُجمل بشأن العلاقة مع الفاعلين الدوليين: سوريا بحاجة إلى مساعدة الجميع، لكن الهيئة هي التي تُحدد الاستراتيجية وتتولى تنفيذ المشاريع على أرض الواقع. يقول: «هذا العام سيكون اختباراً حقيقياً للمنظمات الدولية ومدى تعاونها المثمر معنا. نحتاج إلى تنفيذ مشاريع على أرض الواقع، لا إلى حضور ورش عمل».

        لكن على الهيئة نفسها أيضاً اجتياز اختبارات جوهرية، فإن أرادت اجتذاب مزيدٍ من التمويل الدولي، فعليها إثبات أنها تعمل وفق معايير صارمة. وقبل كل شيء، يُريد المانحون التأكد من أن الهيئة محايدة تماماً وتبحث عن جميع المختفين قسراً، بمن فيهم من اختُطفوا بعد سقوط الأسد، أو على أيدي جهات كانت قريبة من الحكومة الحالية أو ما تزال.

        يؤكد جلخي التزامه الشخصي بهذا المبدأ: «هذه الهيئة هي لجميع السوريين، وهي مستقلة عن الحكومة. وإن سمعتم يوماً أنني استقلت، فاعلموا أن الحكومة حاولت التدخل في عملي».

        ورغم أن مصادر في القطاع أكدت أن جلخي نفسه يبدو ملتزماً فعلاً بالحياد، فإنها أبدت تشكُّكاً أشدَّ تجاه الحكومة ومسارها، ولهذا يُلحّ هؤلاء على ضرورة أن يتحوّل تفويض الهيئة من مرسوم رئاسي إلى قانون راسخ في أسرع وقت ممكن.

        فضلاً عن ذلك، يرتبط التزام الحكومة بملف المختفين قسراً بالتزامها بالعدالة الانتقالية بمفهومها الأشمل، وهنا أيضاً تبقى الأمور مُلتبسة. فرغم تصريح وزير العدل في مقابلة تلفزيونية أخيرة بأن عام 2026 سيشهد تطورات جدّية في هذا الملف، لم تُعقَد حتى اللحظة محاكمات علنية ذات شأن لكبار مسؤولي النظام السابق.

        بل على العكس من ذلك، أبرمت الحكومة الجديدة عشرات الصفقات مع رجال الأسد وبعض أدواته، وهو ما وثّقه الأكاديميان علي الجاسم من جامعة (أوترخت) ورينود ليندرز من كلية (كينغز كولدج لندن) في تقرير مُفصَّل. ولعل أكثر ما استثار الجدل أن لجنة السلم الأهلي التي شكّلتها الحكومة قررت التعاون مع فادي صقر الذي كانت قواته، من ميليشيات الدفاع الوطني، متورطة في عدد لا يُحصى من حالات الاختفاء القسري وجرائم حرب أخرى.

        ما دامت هذه الصفقات الجارحة قائمة، يظلُّ من العسير على العائلات أن تضع ثقتها في هيئة جلخي. فرغم أن ملف المختفين وملف العدالة الانتقالية يتولّاهُما جهازان منفصلان، إلا أن العائلات ترى فيهما وَجهين لقضية واحدة.

        تقول مريم حسن، التي فُقِدَ زوجها وابنها على حاجز قرب مخيم اليرموك: «أولويتنا المطلقة الآن هي العدالة. يُمكننا أن نصبر على الحكومة في الكشف عن مصير أحبائنا، لكن العدالة لا تنتظر. لن نشعر بالسلام الداخلي إلا حين نرى المجرمين يُعاقَبون، وهذا السلام سينعكس على المجتمع كله».

        وتُحذّر مريم: إن تأخرت العدالة، «سيكون ذلك كوضع قشّ فوق النار». فكثيرٌ من عائلات المختفين، حسب قولها، قد يصل بهم اليأس في نهاية المطاف إلى الانتقام، فيُعيدون إشعال دوامة العنف من جديد: «نحن كالجمر المُتّقد. يُمكن تبريده إلى حين، لكن إن تُرِكَ وحده وأُهمل، فسينتشرُ الحريق إلى حد لا يستطيع أحدٌ إخماده».

        طبعاً، الجميع يعرف أن الجمر يجب ألا يُهمَل. لكن الناس ينسون. وليس أشد ما تخشاه مريم أن السوريين لا يكترثون بالعدالة، بل أن تُبتلَعَ هذه القضية مع الوقت في زحمة الأحداث المتلاحقة، حتى تتحول إلى مجرد إزعاج غير مُرحَّب به، وأمر نافر لا يتلاءم مع أجواء الاحتفال والتطلع للمستقبل. فبالنسبة لمريم، التي كانت من بين الأهالي الذين آثروا عدم التوجه إلى ساحة الأمويين في الثامن من ديسمبر، أحياناً يبدو ذلك المآل أقربَ مما تريد أن تتخيله.

موقع الجمهورية

———————————–

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى