العمل القنصلي في سوريا.. إصلاح إداري لتعزيز الحضور الدبلوماسي/ علي إسماعيل

مارس 16, 2026
شكّل التحول الرقمي نقلة نوعية في العمل القنصلي في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، وهو ما بات واضحاً من خلال إنجاز عدد غير مسبوق من تصديقات الوثائق للمواطنين السوريين عبر المكاتب القنصلية في المحافظات السورية منذ التحرير، والذي وصل إلى أكثر من مليونين و800 ألف وثيقة، وفق آخر تصريح لمدير الإدارة القنصلية في الوزارة محمد يعقوب العمر، قبل نهاية العام الماضي.
وتعكس استراتيجية الوزارة في التحول الرقمي، وما نتج عنها من سرعة الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، وتسهيل الإجراءات، وتقديم الخدمات، حجم الجهد المبذول وكمَّ العمل الكبير، إذ شهدت الأشهر الماضية تطوراً ملموساً في جودة وكفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين داخل سوريا وفي دول الاغتراب، وذلك في سبيل تسريع الإجراءات ورفع مستوى الأداء.
وهذا ما أكده وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في كلمة له السبت، خلال مأدبة إفطار مع السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الجمهورية العربية السورية، حيث أشار إلى أن العمل القنصلي شهد تطويراً ملحوظاً من خلال التحول الرقمي وتحديث الخدمات، إلى جانب إعادة هيكلة البعثات الدبلوماسية، ليكون عام 2026 عام البعثات التي تمثل سوريا الجديدة.
وأسهمت التطبيقات الرقمية في اختصار الوقت والجهد في المعاملات، الأمر الذي أدى إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وتسريع وتسهيل الخدمات المقدمة لهم، كما رفع التحول الرقمي من مستوى الأداء من خلال أتمتة الإجراءات والتقليل من التدخل البشري، بما يضمن الشفافية في تقديم الخدمات.
وشمل التحول تحديث أنظمة البعثات القنصلية لتمثيل الدولة بشكل أفضل في العصر الرقمي، كما أتاح للبعثات الدبلوماسية تحديث طرق التواصل، وتقديم الخدمات مباشرة عبر الإنترنت، وتعزيز القوة الناعمة من خلال نشر الأفكار عبر المواقع والشبكات الاجتماعية.
أثر التحول الرقمي
ظهر النجاح الملموس لتطبيق “MOFA SY” كدليل عملي على نجاح استراتيجية التحول الرقمي التي تنتهجها الوزارة، إذ يُعد التطبيق أداة أساسية لتقديم الخدمات القنصلية للمغتربين السوريين، ويتيح للمستخدمين تعبئة استمارة بيانات معاملة استصدار جواز السفر إلكترونياً، بما يضمن سرعة وكفاءة أعلى للمغتربين، من خلال رقمنة المعاملات، من جوازات سفر وتوثيق المعاملات، وتسريع المواعيد، وتحسين جودة الخدمات، بالإضافة إلى تعزيز الأمن السيبراني للبيانات.
وكانت الإدارة القنصلية في الوزارة قد أشارت إلى أن العمل جارٍ على تطوير التطبيق ليشمل آلية الدفع الإلكتروني ومتابعة المعاملات عبر الإنترنت، كإحدى أدوات تحسين الكفاءة والشفافية، من أجل تخفيف الازدحام ومكافحة الابتزاز الذي كان يحصل سابقاً في بعض المراكز، كما عملت على مضاعفة قدرة المراكز القنصلية لتلبية تزايد الطلب على الخدمات.
وفي بداية أيلول، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين عن إطلاق تطبيق إلكتروني جديد لحجز المواعيد القنصلية، بهدف تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين السوريين في الخارج، حيث بيّن مدير إدارة نظم المعلومات والتحول الرقمي في وزارة الخارجية، عزو المحمد، لوسائل الإعلام أن التطبيق يأتي بديلاً عن المنصة السابقة التي طُوِّرت خلال فترة النظام البائد، والتي عانت من ثغرات أمنية وتنظيمية سمحت باستغلال المواعيد وبيعها واستخدام “البوتات”، ما حرم المواطنين من حقوقهم.
وفي هذا السياق، يقول مستشار العلاقات الدبلوماسية والقنصلية والتحكيم الدولي وليد الحمود، في حديثه لصحيفة الثورة السورية: “إن تحديث العمل القنصلي لم يعد خياراً إدارياً فحسب، بل ضرورة تفرضها متطلبات العصر، ويعد توجهاً عالمياً صحيحاً من حيث المبدأ، فإن التحول الرقمي في الخدمات الحكومية بشكل عام، والخدمات القنصلية بشكل خاص، يمثل واجهة حقيقية لمدى كفاءة الدولة في خدمة مواطنيها داخل الوطن وخارجه، حيث يشكل التحول الرقمي اليوم أحد أهم أدوات تحسين كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين”.
ويضيف: “إن التحول الرقمي في الخدمات القنصلية يمكن أن يحقق عدة فوائد أساسية، منها تسريع إنجاز المعاملات، وتقليل البيروقراطية والفساد الإداري، وتسهيل وصول السوريين في الخارج إلى الخدمات دون الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة، إضافة إلى تحسين الشفافية وإمكانية تتبع الطلبات إلكترونياً، لذلك ينبغي وجود بنية تحتية رقمية حقيقية، وتدريب الموظفين على إدارة الخدمات الرقمية، وربط المنظومة القنصلية بباقي مؤسسات الدولة، كالسجل المدني والهجرة والجوازات”.
وكان مدير الإدارة القنصلية قد عرض، في 16 كانون الثاني من العام الحالي، إحصائيات حديثة تدل على الكفاءة العالية في تنظيم وتسيير الخدمات القنصلية للمغتربين السوريين، مشدداً على أن التحول الرقمي يشكل محوراً أساسياً في خطة تطوير العمل القنصلي وتخفيف الأعباء عن المواطن للحصول على الخدمة.
وبيّن أن إجمالي عدد المواطنين المسجلين على التطبيق وصل إلى 195.29 ألف مواطن، بينما بلغ إجمالي المواعيد المنجزة 136.33 ألف موعد، مع تسجيل 24.45 ألف موعد خلال شهر كانون الثاني/يناير وحده، وبمعدل يومي وصل إلى 2.23 ألف موعد.
ولفت إلى أن إجمالي طلبات الدعم الفني وصل إلى 10.10 آلاف طلب، مؤكداً أن نسب الإنجاز العالية للمواعيد تؤشر إلى أن التطبيق يعمل بكفاءة عالية في تنظيم وتسيير المعاملات القنصلية بكل شفافية.
وفي تصريحات سابقة، أكد المسؤول الإعلامي في الإدارة القنصلية محمد الحمود أن قسم التصديقات العامة يتولى تصديق الوثائق الصادرة عن وزارات الداخلية والتعليم العالي والتربية والصحة والعدل، إضافة إلى وجود أقسام خاصة بالوكالات والوثائق التجارية، مشيراً إلى أنه يتم تصديق أكثر من عشرة آلاف وثيقة يومياً، ويصل عدد المراجعين إلى أكثر من ألف مواطن يومياً، وتزداد هذه الأعداد في فترات الذروة، ولا سيما قبيل العام الدراسي.
خطة تجمع بين التقنية والكوادر البشرية
في 12 شباط، افتتح وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني القنصلية العامة السورية في مدينة بون الألمانية، وأشار حينها في تصريح لوسائل الإعلام إلى أن افتتاح القنصلية يأتي ضمن تحول جذري في الدبلوماسية السورية، وخطة عمل شاملة للبعثات الدبلوماسية التي تبنتها الوزارة، والتي تعتمد على دراسة احتياجات الجاليات، والتقييم المستمر للأداء، والإصلاح الإداري والهيكلي، واستقطاب الكفاءات الوطنية المؤهلة، وإخضاعها لبرامج تدريب حديثة لضمان تقديم خدمات تليق بسوريا الجديدة.
كما أعلن الوزير أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً مدروساً في العمل القنصلي، مؤكداً أن العمل جارٍ على استحداث قنصلية في مدينة غازي عنتاب التركية، وأخرى في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية، بهدف تخفيف الأعباء عن السوريين في تلك المناطق.
وفي الداخل، عملت وزارة الخارجية والمغتربين على تطوير خدماتها القنصلية، من خلال اعتماد نظام الدور الإلكتروني واللصاقة الرقمية، إلى جانب توسيع الصالات ورفع عدد النوافذ، وتدريب كوادر جديدة، فضلاً عن العمل على افتتاح مكاتب قنصلية إضافية في المحافظات، لتخفيف أعباء السفر عن المواطنين.
كما شملت الخطة القنصلية تطويراً جوهرياً في البنية التحتية والآليات التشغيلية، حيث تم تطوير الصالة القنصلية في دمشق عبر زيادة عدد نوافذ تصديق الوثائق من 20 إلى 26 نافذة، بالإضافة إلى رفع عدد نوافذ دفع الرسوم من 6 إلى 9 نوافذ، بهدف تقليل الازدحام وتسريع إنجاز المعاملات.
وركزت الإدارة القنصلية على الاستثمار في العنصر البشري من خلال تطوير وتأهيل الكوادر ورفد الإدارة بموظفين جدد، حيث تم تخريج 42 متدرباً ومتدربة وتوزيعهم على المحافظات السورية، مع تخصيص قسم منهم للعمل في الصالة القنصلية بوزارة الخارجية، كما يجري حالياً تدريب دفعة جديدة من الكوادر القنصلية ضمن خطة التدريب المستمرة لرفع كفاءة العاملين.
وفي هذا السياق، يرى المستشار الحمود في حديثه لصحيفة الثورة السورية أن أي مشروع تحديث قنصلي ناجح يعتمد على مزيج بين التكنولوجيا والكفاءة البشرية، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وينبغي أن يشمل تأهيل الكوادر الدبلوماسية والقنصلية عبر التدريب المستمر، واعتماد معايير شفافة للتعيين والترقية، وإنشاء منصات خدمة موحدة للسوريين في الخارج، وتطوير نظام شكاوى ومتابعة إلكتروني لضمان جودة الخدمة، حيث إن الإصلاح الإداري لا ينجح من دون إصلاح إدارة الموارد البشرية.
ويضيف: “إن التحول الرقمي وتطوير الخدمات القنصلية خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكن الحكم الحقيقي يجب أن يعتمد على ثلاثة معايير عملية، هي: سهولة حصول المواطن على الخدمة، وتقليل الفساد والبيروقراطية، وتحسين تجربة السوريين في الخارج مع السفارات والقنصليات”.
وكان مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين، محمد العمر، قد أشار في وقت سابق إلى أن الوزارة تستعد لافتتاح مكاتب قنصلية جديدة في إدلب ودير الزور، وهي الخطوة الأولى من نوعها في تاريخ المحافظتين، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو تقريب الخدمة من المواطنين وتسهيل حصولهم على معاملاتهم دون عناء السفر.
كما لفت إلى أن الإدارة القنصلية أطلقت مؤخراً قسماً خاصاً بالجودة يتابع أداء البعثات الدبلوماسية والمكاتب القنصلية في الداخل، ويعمل على توحيد الإجراءات، وقياس الأداء، وإدارة الشكاوى، إضافة إلى تنفيذ برامج تدريبية مستمرة لرفع كفاءة العاملين.
ويُذكر أن وفداً تقنياً من وزارة الخارجية والمغتربين السورية بدأ، في 17 تشرين الأول العام الماضي، تقديم بعض الخدمات للجالية السورية في ليبيا، كما أجرى وفد من الوزارة مقابلات في السفارة السورية بالعاصمة الألمانية برلين في الفترة الماضية، لاختيار كوادر جديدة وتطوير العمل القنصلي وتحسين الخدمات المقدمة للجالية في الخارج.
عام 2026 عام البعثات
لأن السفارات والقنصليات السورية تمثل امتداداً للوطن ورسالة طمأنة بأن الدولة تقف إلى جانب أبنائها في الخارج، عملت وزارة الخارجية والمغتربين على إعادة تفعيل الحضور الدبلوماسي، حيث كشف الوزير الشيباني في مدينة بون الألمانية عن سلسلة خطوات وإجراءات تهدف إلى إعادة تفعيل الحضور الدبلوماسي السوري في الخارج وتطوير الخدمات القنصلية، مؤكداً أن عام 2026 سيكون محطة مفصلية في هذا المسار.
وقال الوزير الشيباني إن عام 2026 سيكون عاماً للبعثات السورية الجديدة ومؤسساتها حول العالم، في إطار خطة شاملة اعتمدتها الوزارة لتفعيل البعثات الدبلوماسية، تقوم على التقييم والإصلاح الإداري واستقطاب الكفاءات.
وفي هذا السياق، يقول المستشار الحمود: “إن إعادة هيكلة البعثات الدبلوماسية خطوة إيجابية تهدف إلى تحسين الخدمات القنصلية للجاليات السورية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الدول المضيفة، وتمثيل صورة الدولة الجديدة بشكل مهني، وتقييم نجاح هذه السياسة يعتمد على مستوى كفاءة السفراء والدبلوماسيين، وقدرة البعثات على خدمة الجاليات السورية فعلياً، وحماية مصالح المواطنين في الخارج، وليس فقط تمثيل الحكومة”.
ويضيف: “الدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تبدأ إصلاحاتها الإدارية عبر رقمنة الخدمات الحكومية، حيث إن تطوير العمل القنصلي والتحول الرقمي يشكلان ركيزة أساسية لبناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، بما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويواكب التحولات المتسارعة في الإدارة الحكومية الحديثة، كما أن تعزيز كفاءة البعثات الدبلوماسية وتطوير خدماتها أيضاً يمثلان ركيزة أساسية في تعزيز حضور الدولة ومصالح مواطنيها في الخارج”.
ووفق مبدأ “الاستثمار الاستراتيجي” في الكوادر، أعادت وزارة الخارجية هيكلة الإدارات والسفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث اعتمدت على مجموعة من الدبلوماسيين الجدد.
كما أعادت الوزارة سفراء عُيّنوا إبان النظام البائد إلى الإدارة المركزية، وأجرت مجموعة تعيينات، أبرزها تعيين إبراهيم العلبي، وهو محام ومستشار قانوني متخصص في القانون الدولي، سفيراً مفوضاً فوق العادة ومندوباً دائماً لسوريا لدى الأمم المتحدة في نيويورك في آب العام الماضي، وأعادت أيضاً، في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، العشرات من الدبلوماسيين الذين انشقوا عن النظام البائد إلى السلك الدبلوماسي، ومنحت بعضهم لقب سفير.
الثورة السورية



