منوعات

المقاهي.. من منتدى للفكر إلى صالة انتظار افتراضية/ سمر حمامة

مارس 12, 2026

كانت المقاهي في المدن السورية، ولا سيما في دمشق وحلب، على مر العقود فضاءات ثقافية بامتياز، تحتضن المثقفين والأدباء والفنانين، وتشهد نقاشات فكرية ساخنة وسهرات أدبية لا تنسى.

في مقاهي دمشق القديمة كمقهى النوفرة ومقهى الروضة ومقهى العباسيين، اجتمعت الأجيال وتلاقحت الأفكار وولدت مشاريع ثقافية، وكانت هذه المقاهي أشبه بجامعات شعبية مفتوحة، يتعلم فيها الرواد من بعضهم بعضاً، ويستمعون إلى الشعراء وهم يلقون قصائدهم، ويناقشون الكتب والمقالات التي كانت تنشر في المجلات والصحف.

لكن هذا المشهد الثقافي الثري تحول اليوم بشكل دراماتيكي، فالمقاهي التي كانت تضج بضحكات الأصدقاء ونقاشاتهم الحادة وسهراتهم الممتدة، صارت فضاءات يسودها صمت غريب، يسيطر على وجوه روادها ضوء الشاشات الصغيرة التي تسرق الانتباه وتستحوذ على التفكير، فالإنسان اليوم حاضر بقوة في العالم الافتراضي، يشارك الصور والتفاصيل ويتفاعل مع القريب والبعيد، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى التواصل الإنساني الحقيقي الذي شكل على مدى قرون أساس الثقافة العربية القائمة على المجالس والمشافهة والحوار المباشر.

هذه المفارقة العميقة تدفع للتساؤل: كيف استطاعت هذه الشاشات الصغيرة أن تعيد تشكيل ثقافتنا التواصلية، وأن تقربنا من البعيدين جغرافياً بينما تُبعد عنا الأقربين وجدانياً؟

الوهم الرقمي والاغتراب الثقافي

تشير الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية إلى أن الانغماس في الشاشات الرقمية يخلق وهماً عميقاً بالاتصال، بينما يعمق في الحقيقة شعور الاغتراب الثقافي والانفصال عن الذات والجماعة، فالإنسان، كما تؤكد الفلسفة الوجودية، يحتاج إلى التفاعل الحسي والجسدي المباشر ليشعر بالانتماء الحقيقي والأمان الوجودي، وهو ما لا تقدمه الشاشات مهما بلغت دقتها التقنية.

على صعيد الأسرة التي شكلت الخلية الأولى للتنشئة الثقافية ونقل التراث الشفهي، باتت وسائل التواصل تفكك الروابط التي كانت تعد مقدسة عبر التاريخ الإنساني، حيث أصبح من المألوف رؤية أفراد العائلة يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل منهم يعيش في عالم ثقافي مختلف خلف شاشته الخاصة.

هذا المشهد أدى إلى تراجع لغة الحوار المباشر بين الآباء والأبناء، وغياب القدوة الحية التي كانت تشكل النموذج السلوكي والثقافي للأجيال الجديدة، بل ولجوء الأبناء لاستمداد قيمهم وسلوكياتهم من مؤثرين غربيين عن ثقافتهم وهويتهم، بدلاً من نصائح الأهل وتجاربهم الحياتية المتراكمة.

التكنولوجيا بين الإفادة والإدمان

الاستخدام المفرط للتكنولوجيا غير شكل العلاقات الإنسانية، وأثر بعمق في البنية النفسية والثقافية للفرد المعاصر، بحسب الخبيرة الاجتماعية غفران عوض في حديثها لـ”الثورة السورية” إذ “نلاحظ تزايداً مطرداً في حالات القلق والاكتئاب الناتجة عن المقارنات المستمرة مع حياة الآخرين المثالية المصطنعة على منصات مثل إنستغرام وتيك توك، بينما هي في الواقع مجرد لقطات مختارة بعناية فائقة لا تعكس الواقع الثقافي والاجتماعي كما هو”.

وتضيف عوض: ” السلوك الاجتماعي بات يميل بشكل ملحوظ نحو الاستعراض الدائم والسعي المحموم للقبول الاجتماعي من خلال الإعجابات والتعليقات”، وهذا ما يفقد الإنسان عفويته الثقافية الطبيعية وجعله يعيش في قلق دائم من صورته أمام الآخرين، وتحولت حياته إلى أداء مسرحي مستمر يبحث خلاله عن دور يرضي المشاهدين الافتراضيين، في انفصال واضح عن الموروث الثقافي العربي القائم على التلقائية والصدق في العلاقات.

وفي حديثه لـ”الثورة السورية”، يعتبر خالد الزين أن التكنولوجيا ليست شراً مطلقاً يجب محاربته، بل هي سلاح ذو حدين يتوقف تأثيره على طريقة استخدامنا لها. ويتابع الزين قائلاً: “وسائل التواصل الاجتماعي ساعدتني بشكل كبير في الحفاظ على صلة الرحم مع إخوتي المغتربين، فقد وفرت لنا اتصالاً مرئياً وصوتياً يومياً ما قرب المسافات الجغرافية المستحيلة، وسمح لنا بمشاركة المناسبات العائلية والأفراح والمناقشات المهمة رغم البعد المكاني الذي كانت تفرقه عقود من الزمن”.

ويعتبر الزين أن هذا الجانب الإيجابي العميق يجب أن نتمسك به ونعززه في حياتنا، بعيداً عن الإدمان الرقمي الذي يسرق وقتنا وحياتنا اليومية”، وبالتالي فالتفريط في التواصل الحقيقي لصالح الافتراضي يعني التفريط في تراث ثقافي غني من العلاقات الإنسانية.

انعكاسات الاستخدام المفرط على الثقافة والهوية

وعن آثار الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الثقافي والهوياتي، تؤكد عوض أن تأثيرات الشاشات لا تقتصر على القلق النفسي الفردي، بل تشمل اضطراباً في أنماط التلقي الثقافي وضعفاً في مهارات التركيز والانتباه اللازمة لاستيعاب النصوص الثقافية العميقة، وتراجعاً خطيراً في المهارات التواصلية الواقعية، حيث نجد أن الجيل الجديد يواجه صعوبات حقيقية في إدارة الحوار المباشر أو قراءة لغة الجسد والإشارات غير المنطوقة التي شكلت جزءاً أصيلاً من ثقافتنا العربية، ما يزيد من احتمالية سوء الفهم والانفصال الاجتماعي التدريجي.

وتضيف عوض أن الأمر يتطلب وقفة جادة من المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية لتعزيز الوعي الرقمي النقدي، وتدريب الأفراد على استخدام هذه الوسائل كأداة للبناء الحضاري والإبداع لا كبديل رخيص عن الحياة الواقعية بكل تعقيداتها وجمالياتها، مشددة على أهمية إعادة تأهيل الأجيال لممارسة فن الحوار والتواصل المباشر.

يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان المعاصر اليوم، وفي العالم العربي خصوصاً، هو تحقيق التوازن الدقيق بين العالمين الافتراضي والحقيقي، وبين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على الفضاءات الثقافية التقليدية التي شكلت هويتنا عبر القرون.

و نحن لا نرفض التكنولوجيا بطبيعة الحال، بل نسعى إلى الوصول للاستخدام الواعي الذي يضع الإنسان وقيمه الحضارية وأصالته الوجودية في المقام الأول، فالرسائل النصية السريعة والرموز التعبيرية الجاهزة لا يمكن أن تعوض أبداً عن الجلوس الفعلي مع صديق حميم ومشاركته أفراحه وأحزانه بلقاءات حقيقية، ولا عن المجالس الثقافية التي كانت تزخر بالنقاشات العميقة وتبادل الأفكار.

لذلك لابد من تخصيص أوقات مقدسة للتواصل العائلي والإنساني المباشر، وإعادة إحياء دور المقاهي كمنارات ثقافية تجمع الناس على الحوار والإبداع، بعيداً عن أي تشويش رقمي أو اختراق تقني، عندها فقط يمكن لدفء العلاقات الإنسانية وقدسيتها أن يصمدا في وجه عواصف الرقمنة التي تجتاح عالمنا، ولتبقى قلوبنا قريبة وثقافتنا الإنسانية حية رغم كل المغريات التي تقدمها لنا الشاشات الصغيرة.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى