تطور الاقتصاد السوري تحديث 19 أذار 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
سعر رسمي بلا دولار.. كيف يدير المركزي السوري سوقاً لا يسيطر عليه؟/ مازن الشاهين
سعر الصرف الوهمي: كيف يُسعّر المركزي السوري دولاراً لا يملكه ولا يبيعه؟!
2026-03-19
في كل صباح يصدر مصرف سوريا المركزي نشرة أسعار يُعلن فيها عن سعر مرجعي للدولار مقابل الليرة السورية: 11,000 ليرة شراءً و11,100 ليرة بيعاً، الرقم ثابت، بل يكاد يكون محفوراً في الجدران منذ أشهر، ولكن في الوقت الذي يُصدر فيه المركزي نشرته، يتداول الدولار في شوارع دمشق وحلب وحمص بسعر يتراوح بين 11,780 و11,950 ليرة، أي ما يزيد عن السعر الرسمي بفارق يتجاوز 700 ليرة للدولار الواحد، وهذا التناقض ليس خطأً عارضاً، بل هو جوهر أزمة السياسة النقدية السورية، فمصرف مركزي يُسعّر ما لا يبيعه، ويدّعي الاستقرار في سوق لا يتحكم فيه.
النشرة الرسمية للمركزي السوري: 11,100 ليرة للدولار، والسوق الموازية اليوم: 11,830 ليرة، والفارق: 730 ليرة لكل دولار، وهو ما يعادل نحو 7% من قيمة عملتك، ولا يُعدّ وجود سعر رسمي ومتوازٍ ظاهرة نادرة في الدول ذات الاقتصادات المأزومة، غير أن جميع الدراسات الاقتصادية المقارنة تؤكد أن استمرار هذا الثنائي أطول من المرحلة الانتقالية يُفضي إلى ثلاث نتائج حتمية: تقطيع الاقتصاد بين قطاعين لا يتواصلان، وتراجع الاستثمار الأجنبي الذي يرفض الغموض السعري، وتآكل الثقة الشعبية بالجهاز المصرفي.
المصرف المركزي بين التصريح والواقع
صرّح حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية في سبتمبر 2025 بأن “الوضع السابق غير اقتصادي ولا يمكن أن يستمر”، وأكد أن المركزي في حوار مع المصارف لإيجاد “آلية تضمن حرية السحب دون قيود”. لكن ذلك الحوار لم يُفضِ حتى منتصف مارس 2026 إلى حل جذري.
في المقابل، تواصل إعلان الحصرية إنجازات ديبلوماسية مالية بارزة: فتح حساب لدى البنك المركزي الكندي، وإعادة تفعيل الحساب لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأول مرة منذ 2011. إنجازات هيكلية حقيقية على المستوى الدولي، لكنها لم تُترجم بعد إلى دولار واحد في يد تاجر أو مدّخر سوري.
واقع التسعير اليوم، تكشف الأرقام الحية عن هوّةٍ لا تخطئها العين: “يُقال إن بنوك العالم تحكمها قاعدة واحدة: الوعد الذي لا يمكنك الوفاء به هو الوعد الوحيد الذي لا يجب أن تُطلقه، وهذه القاعدة تنطبق على أسعار الصرف قبل أي شيء آخر”.
فنشرة المركزي الرسمية (ليرة قديمة) 11,000/11,100ثابت منذ أشهر، أما بالليرة الجديدة
110 ل.ج/111 ل.ج بعد حذف صفرين، في السوق الموازي بدمشق اليوم 11,780/11,830، أما السعر الفعلي للتداول السوق الموازية في الحسكة اليوم 11,900/11,950.
وفي البنوك الرسمية 100دولار تعادل 1,110,000 ل.س وهي للمراجعة فقط، أما في السوق الموازية 100دولار تعادل 1,650,000 ل.س وهو الواقع الفعلي للتداول، والفارق لكل 100 دولار 540,000 ل.س إضافية خسارة مدّخر بالليرة، ويعني هذا ببساطة أن كل مواطن يُضطر لشراء الدولار من السوق الموازية ـ وهم الغالبية العظمى ـ يدفع فعلياً سعراً يزيد بنحو 7% عما تُعلنه الدولة رسمياً، وهذا الفارق هو ضريبة غير مُعلنة على كل صفقة، وكل استيراد، وكل حوالة.
بنك مركزي لا يبيع.. هل هذا مقبول في أي اقتصاد؟
الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج يقول في تصريحات لـ”963+” إن القاعدة الذهبية في علم الاقتصاد النقدي لا تقبل نقاشاً “لا يحق لأي جهة مالية ـ حكومية كانت أم خاصة ـ أن تُعلن سعراً لصرف العملة إذا كانت غير قادرة على الإيفاء بجميع طلبات الشراء والبيع بذلك السعر” وبالتالي إعلان سعر دون القدرة على التنفيذ هو بالتعريف “تزوير للسوق”، فما الذي يفعله المصرف المركزي السوري تحديداً؟ يُعلن سعراً يومياً، ويستقبل بعض الحوالات والتحويلات الخارجية بهذا السعر، لكنه لا يبيع الدولار للمواطن أو التاجر في السوق المفتوحة، بمعنى آخر: النشرة وُجدت لتسعير العمليات الرسمية الضيقة، لا لضبط السوق، وهو ما يُفرغها من مضمونها كأداة لسياسة صرف حقيقية.
ويشير السراج أنه في مصر عام 2022، تخلى البنك المركزي عن نظام التثبيت بعد أن أصبح غير قادر على توفير العملة الأجنبية للسوق، وأعلن تعويماً مدروساً أفضى إلى ارتفاع الجنيه ثم استقراره، وفي الأرجنتين عام 2019، فرض البنك المركزي قيوداً على بيع الدولار فأفرز ذلك سوقاً موازية مزدهرة بفارق تجاوز 100%، وفي كلا الحالتين، اعترف البنك المركزي في نهاية المطاف بأن التثبيت الوهمي لا يصمد، وسوريا على المسار ذاته.
ويضيف: “البنوك المركزية التي تُسعّر ولا تبيع كحالة مصر في الفترة (2016 – 2022) وصل الفارق بين الرسمي والموازي إلى 50% والنتيجة تعويم مدروج أنهى الثنائية، أما في لبنان (2019 – مستمر) وتجاوز 1500% والنتيجة انهيار مصرفي كام، وهو ما حدث أيضاً لزيمبابوي(2007 – 2009) انهيار العملة الوطنية، وفي الأرجنتين )2019 – 2023) وصل إلى 100% والنتيجة أزمة ثقة متكررة، والنموذج في سوريا (اليوم) مستمر نحو 7% وآخذ في الاتساع والسيناريو قيد التشكّل”.
الثبات الوهمي، كيف يُصنع الاستقرار المزيّف؟
حين يسأل المراقب: لماذا لم ينهار سعر الصرف تماماً رغم كل الضغوط؟ تكشف المعطيات عن آلية خفية لا يُعلن عنها المركزي، وهي تجفيف السيولة بالليرة السورية في السوق المحلية.
ويقول السراج لجأ مصرف سورية المركزي في مطلع عام 2025 إلى فرض قيود صارمة على سحب الأموال النقدية، وبحسب الوقائع الموثقة، شملت تلك الإجراءات تجميد عدد كبير من الحسابات، وتحديد سقوف يومية وأسبوعية للسحب.
ووفق بيانات المصرف التجاري السوري، من أصل 554 جهاز صراف آلي في المحافظات، لا تعمل فعلياً سوى 302 جهاز، والبقية خارج الخدمة بسبب الأعطال ونقص قطع الغيار، فعندما تشحّ الليرات بأيدي المواطنين والتجار، يضعف الطلب على الدولار لا لأن الثقة عادت، بل لأن الناس ببساطة لا يملكون الليرات الكافية لشراء الدولار، وهذا تثبيت بالإكراه لا بالكفاءة، أي أن تثبيت سعر الصرف بالسوق الموازية تحقق بسبب تجفيف السيولة بالليرة وليس بسبب صحة الاقتصاد، وهذا الفارق جوهري، فمازال سقف السحب الأسبوعي ATM فقط 600 ألف ليرة أي أقل من 60 دولاراً أسبوعياً، وسقف السحب عبر POS فقط 3 ملايين ليرة أسبوعياً وهو قاصر عن تغطية نفقات العائلة، وأجهزة الصراف الفعّالة 302 من أصل 554 والنتيجة طوابير ساعات أمام الفروع.
ويضيف: أما تعميم 1831 (مايو 2025) فالسحب حر للحسابات بعد 7 مايو 2025، ولا يشمل الودائع القديمة، أي أن الودائع القديمة (ما قبل 2025) لا تزال بقيود فعلية، ومدّخرات محاصرة بلا أفق، وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الإجراءات التي اتخذها المركزي ركّزت على السيطرة المحكمة على السيولة بكافة أشكالها، وشملت تجميد حسابات وسقوفاً صارمة للسحب، بهدف كبح التهريب والتحكم بسعر الصرف، بمعنى آخر: الاستقرار الظاهري لسعر الصرف هو وجه آخر لأزمة السيولة التي يعانيها المودعون يومياً.
وتقول سناء عبدالحميد، موظفة حكومية، دمشق في تصريح لـ”963+”: وقفتُ خمس ساعات أمام المصرف التجاري في دمشق لأسحب 600 ألف ليرة من راتبي البالغ مليون و 200 ألف، وحُدّدت بزيارتين لأكمله، والصراف الآلي لا يعمل، والصف لا ينتهي، هذا ليس بنكاً، هذا طابور لحصص التموين!!!
هل هذا استقرار أم خداع إحصائي؟
الجواب كما يراه الخبير الاقتصادي الدكتور محمود إسماعيل يستدعي العودة إلى المبادئ الأولى: ما الذي يعنيه “استقرار سعر الصرف” في الاقتصاد الكلي؟ يعني أن يكون بمقدور أي شخص شراء أو بيع العملة الأجنبية بالسعر المُعلن، في أي وقت، وبأي كمية معقولة، أي قيد على أحد هذين الشرطين يجعل من السعر المُعلن رقماً لا دلالة حقيقية له.
ويضيف إسماعيل في تصريحات لـ”963+” أنه في الحالة السورية، لا يبيع المركزي الدولار بسعر نشرته إلا في نطاق ضيق جداً من العمليات الرسمية، والتجار لا يحصلون عليه بهذا السعر، والمستوردون لا يحصلون عليه، والمواطن العادي لا يحصل عليه، فمن يستفيد؟ حسباً للوقائع: الحوالات الخارجية الرسمية فقط، وهي جزء ضئيل من المعاملات الإجمالية، وهناك مبدأ اقتصادي راسخ: لا قيمة لسعر مُعلن إذا كانت الجهة المُعلِنة غير مستعدة لتلبية الطلب عليه، أي أن النشرة الرسمية بلا قدرة على البيع هي مجرد رقم في وثيقة إدارية، لا سياسة نقدية.
الثمن الحقيقي: من يدفع فاتورة السعر الوهمي؟
يرى إسماعيل أنه حين يتحدث المسؤولون عن “استقرار سعر الصرف” يتجاهلون من يتحمل التكلفة الفعلية لهذا الاستقرار الوهمي. التكلفة تقع على فئات رئيسية وهم: أصحاب الودائع بالليرة، والضرر حاصل من تآكل القيمة الحقيقية بفارق السعرين، وتقدر بمليارات الليرات يومياً، والمستوردون والتجار فهم يشترون الدولار بسعر السوق لا نشرة المركزي، والفارق 7% على كل معاملة، والمغتربون المُحوّلون، الذين يُحوّلون بالسعر الرسمي الأدنى للمصارف المراسلة، وخسارة بالمقارنة مع سعر السوق، والمُصدّرون السوريون (نادرون)، ويُلزَمون بتسليم العملة بالسعر الرسمي المنخفض، وهذا إثباط لأي توجّه تصديري.
ويضيف: أما المستثمر الأجنبي المحتمل، فغموض سعر الصرف يعني مخاطرة إضافية تحسب في كل تقييم، وهذا يعني إحجام عن الدخول، وعلى مستوى سمعة القطاع المصرفي، فإن التناقض بين ما تُعلنه المصارف الرسمية من أسعار وما يدفعه المواطن فعلياً يُوجد شكاً عميقاً في كل رقم تُصدره السلطة النقدية، ومتى بدأت الأرقام الرسمية تفقد مصداقيتها، بات من المستحيل على أي مستثمر بناء توقعاته على بيانات المركزي، وهذا بالضبط ما تبحث عنه المصارف الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف قبل أي انخراط جاد مع الاقتصاد السوري، والمصرف المركزي الذي يُسعّر ولا يبيع يُعلّم السوق درساً واحداً: لا تثق بي، وهو الدرس الأخطر الذي يمكن لبنك مركزي أن يُعلّمه.
ماذا يجب أن تكون السياسة النقدية الصحيحة؟
الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”963+” تحدد الشرطين الجوهريين لأي سياسة صرف فعّالة في مرحلة انتقالية: أولاً، يجب أن تكون الجهة الرسمية قادرة على الإيفاء بالتزاماتها السعرية فعلاً، أو تعلن صراحةً أن السعر توجيهي مرجعي لا للتداول المباشر، ثانياً، يجب أن تنتهي الثنائية بتقليص الفجوة تدريجياً نحو سعر واحد شفاف.
وترى أنه ثمة نموذجان مطروحان للخروج من المأزق: الأول هو التعويم المُدار، بحيث يُعلن المركزي تخلّيه عن التثبيت ويسمح للسعر بالتحرك في نطاق مراقب، مع ضخ محدود لاحتياطيات العملة الأجنبية لامتصاص التقلبات، والثاني هو بناء احتياطي موثوق من العملة الصعبة يُخوّل المركزي فعلاً الوقوف خلف سعره المُعلن، وهو المسار الذي تسعى إليه الاتفاقيات مع الاحتياطي الفيدرالي والبنك الكندي، لكنه يتطلب وقتاً لم يتضح بعد مداه، فالتعويم المُدار يتطلب قرار سياسي واحتياطي بسيط، ويحذر من ارتفاع مؤقت في السعر، ولكنه ممكن فورياً بأي وقت، أما التثبيت بدعم احتياطي حقيقي فيتطلب مليارات الدولارات احتياطياً، ولن يتحقق قريباً ربما يحتاج سنوات، وبالنسبة للوضع الراهن (لا شيء)، صفر تكلفة رسمية، وتآكل الثقة يومياً، وطريق مسدود.
وتختم الخطيب بالقول إن ما يكشفه الواقع ليس مجرد فجوة بين رقمين على لوحة صرف، هو كشف عن مفهوم مغلوط للسياسة النقدية يُقدّم الثبات الظاهري على حساب الصحة الفعلية للاقتصاد، ومصرف مركزي لا يبيع العملة التي يُسعّرها ليس بنكاً مركزياً بالمعنى الوظيفي، هو وحدة إدارية تُصدر نشرات يومية لم تعد تحمل وزناً في القرارات الاقتصادية الفعلية، والإنجازات الدبلوماسية مع الاحتياطي الفيدرالي والبنك الكندي حقيقية، وهي خطوات في الاتجاه الصحيح، ولكن بين فتح حساب في نيويورك وتوفير دولار في يد تاجر سوري، مسافة طويلة، والمدار الحقيقي للثقة النقدية يُقاس في تلك المسافة لا في البيانات الرسمية.
+963
——————————
وداعاً مضيق هرمز: ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا/ أسامة قاضي
مارس 16, 2026
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي نحو 85% من احتياجاتها الغذائية (حسب المنتدى الاقتصادي العالمي 2025)، مما يجعلها عرضة للصدمات في سلاسل الإمداد العالمية، وتشير التقديرات إلى أن الاستثمار في الأمن الغذائي والاستدامة يمكن أن يضيف ما يقارب 30.5 مليار دولار إلى اقتصاد الخليج، وتعتمد استراتيجية الأمن الغذائي في دول الخليج على عدة محاور تشمل المبادرات الحكومية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال.
مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022 أن جميع دول المجلس الست – البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة- أظهر أنها تقع ضمن أفضل 50 دولة في العالم من حيث الأمن الغذائي، ويرجع ذلك إلى قدرتها المالية وسياساتها الاستراتيجية في الاستيراد، ومع ذلك تواجه هذه الدول معضلة تكمن في أنه يتم استيراد معظم الغذاء من الخارج، بما في ذلك المواد الأساسية مثل الأرز والحبوب، إضافة إلى جزء كبير من اللحوم والخضروات.
يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، وتهديدات إيران في زعزعة استقرار المنطقة، من هنا تبرز أهمية “ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا” كإحدى الأفكار الاستراتيجية، وهو بمثابة مشروع جيو-اقتصادي ضخم.
تقوم فكرة المشروع على إنشاء خط سكة حديد سريع يربط شمال المملكة العربية السعودية بسوريا عبر الأردن، ينطلق من مدينة عرعر في شمال السعودية باتجاه أقرب المدن السورية، بسرعة تشغيلية قد تتجاوز 200 كم في الساعة، والهدف من هذا الخط هو نقل المنتجات الغذائية الطازجة والبضائع بين البلدين بسرعة وكفاءة، بما يخلق شبكة إمداد إقليمية جديدة للغذاء والتجارة.
هذه الفكرة تعالج مشكلة حقيقية تواجه دول الخليج، وهي هشاشة سلاسل الإمداد البحرية والاعتماد الكبير على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى جزء كبير من تجارة السلع بما فيها الغذائية المتجهة من وإلى الخليج.
أي اضطراب في هذا المضيق يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري وتأخر وصول السفن، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية داخل السوق الخليجية، خصوصاً المواد الغذائية، وتشير التقديرات إلى أن دول الخليج تستورد مواد غذائية تزيد قيمتها عن 40 مليار دولار.
وتعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على استيراد الخضار والفواكه من دول مثل الهند وباكستان وتركيا ومصر والأردن وإيران، وعندما ترتفع تكاليف النقل البحري نتيجة التوترات في مضيق هرمز، ترتفع الأسعار مباشرة في الأسواق الخليجية، كما أن الخضار والفواكه سلع سريعة التلف، وأي تأخير في النقل البحري قد يؤدي إلى تلف جزء من الشحنات أو نقص مؤقت في المعروض، وهو ما يسبب اضطرابات في الأسعار وسلاسل التوزيع.
تكمن المشكلة أيضاً في أن ثماني موانئ من الموانئ الخليجية يعتمد على الملاحة عبر مضيق هرمز، بما فيها ميناء جبل علي وميناء خليفة في الإمارات، ميناء حمد في قطر، ميناء الشويخ والشعيبة في الكويت، ميناء خليفة بن سلمان في البحرين، إضافة إلى ميناء الملك عبد العزيز في الدمام وميناء الجبيل الصناعي في السعودية، وتشير التقديرات إلى أن 60 -70 % من واردات الغذاء إلى الخليج تمر عبر مضيق هرمز.
في المقابل، هناك عدد من الموانئ التي تقع خارج الخليج ولا تتأثر مباشرة بأي اضطراب في المضيق، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع على البحر الأحمر في السعودية، وميناء خورفكان وميناء الفجيرة في الإمارات، إضافة إلى ميناء صحار وميناء صلالة في سلطنة عمان، لكن حتى مع وجود هذه الموانئ، يبقى الاعتماد على النقل البحري كبيراً، وهو ما يبرز أهمية تطوير مسارات برية بديلة.
هنا تظهر أهمية سوريا، التي تتمتع بتنوع مناخي وإنتاج زراعي كبير وقرب جغرافي من الخليج، فإذا تم ربطها بشبكة نقل سريعة مع السعودية، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج غذائي لدول الخليج، فبدلاً من استيراد الغذاء من قارات بعيدة، يمكن نقل المنتجات الزراعية السورية الطازجة إلى الأسواق الخليجية خلال ساعات عبر خط سكة حديد سريع، ولا يقتصر دور هذا الخط على نقل الغذاء فقط، بل يمكن أن يستخدم أيضاً لنقل البضائع والصناعات المختلفة، إضافة إلى نقل الركاب، مما يعزز السياحة والتبادل التجاري بين البلدين.
كما يمكن أن يساهم المشروع في إطلاق نهضة زراعية واقتصادية في سوريا، حيث سيؤدي ارتفاع الطلب على المنتجات الزراعية إلى إنشاء مناطق زراعية تعاقدية مخصصة للتصدير، ومراكز فرز وتوضيب، ومستودعات تبريد، ومختبرات جودة، إضافة إلى منصات تحميل حديثة على خطوط السكك الحديدية، وإعمار كل المناطق المحيطة بمحطات القطار داخل سوريا، لأن القطار ممكن أن يبدأ داخل سوريا من دير الزور مروراً بحلب وبقية المحافظات وصولاً إلى دمشق ودرعا.
وعلى الحدود يمكن إنشاء ممر جمركي سريع يعتمد على أنظمة رقمية للتخليص الجمركي والتفتيش الصحي والزراعي، بحيث يتم عبور البضائع خلال ساعات بدلاً من أيام، أما داخل السعودية، فيمكن إنشاء مراكز توزيع غذائي مرتبطة بالسكك الحديدية، وأسواق جملة حديثة، وسلاسل تبريد متطورة تربط الخط بالمدن الكبرى في المملكة، ويمكن أن يمتد للدول الخليجية الستة.
كما أن المشروع يتكامل مع أحد أهم المشاريع الاقتصادية العالمية الجديدة، وهو الممر الاقتصادي الهندي أو ممر بهارات الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط الذي أقرّ في قمة العشرين 2023 بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق يمكن أن يصبح الممر السوري–السعودي فرعاً لهذا المشروع العالمي، بحيث يعمل المسار التجاري من الهند، ثم الخليج، ثم السعودية، ثم القطار السعودي–السوري، ثم سوريا، ثم موانئ البحر المتوسط السورية في اللاذقية وطرطوس، ثم أوروبا، وبذلك تعود سوريا كجزء من خط الحرير تاريخياً، لأنها ستشكل جسراً تجارياً يربط آسيا بأوروبا، لكن هذه المرة ليس لنقل الحرير، بل لنقل كل البضائع والصناعات والسلع الزراعية والغذائية عموماً.
تعاني المنطقة العربية منذ عقود من ضعف الترابط الاقتصادي البري رغم قربها الجغرافي. ويمكن لهذا المشروع أن يمثل نموذجاً عملياً لتكامل اقتصادي عربي قائم على المصالح المشتركة بين الإنتاج الزراعي في بلاد الشام والأسواق الاستهلاكية في الخليج والممرات التجارية نحو أوروبا.
ومن المرجح أن يشهد العالم خلال العقود القادمة اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد نتيجة التوترات الجيوسياسية وأزمات الطاقة والغذاء والتغيرات المناخية، وفي مثل هذا العالم، ستكون الدول التي تمتلك مسارات نقل متعددة ومرنة أكثر قدرة على حماية اقتصاداتها، لهذا السبب يمكن أن يصبح ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال العشرين عاماً القادمة، وهذا المشروع الضخم يتناغم مع رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية التي تريد شرق أوسط ناهض وصاعد وعامر بالنشاطات الاقتصادية.
هذا المشروع لا يقتصر على كونه خط سكة حديد، بل يمثل رؤية جيواقتصادية متكاملة تحقق أربعة أهداف في وقت واحد: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، تعزيز الأمن الغذائي في الخليج، دعم إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي، وربط بلاد الشام بالممر التجاري العالمي بين الهند وأوروبا، وبذلك يمكن لهذا الممر أن يسهم في إعادة رسم خريطة التجارة والاقتصاد في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، ومع ربطه بالمشروع العملاق الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ( آي إم إي سي) ستكون سوريا جزءاً من مبادرة رائدة تُعيد تشكيل التجارة العالمية والترابط والتعاون عبر ثلاث قارات من أجل تعزيز تطوير بنية تحتية متينة، وتسهيل الخدمات اللوجستية، وتحقيق نمو مستدام.
الثورة السورية
——————————
توقعات بإنتاج 2.3 مليون طن من القمح في سوريا هذا الموسم
انتعاش في زراعة القمح والشعير بمعظم المحافظات السورية
كشفت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، اليوم الثلاثاء، أن الحكومة السورية تتوقع أن يبلغ إنتاج القمح 2.3 مليون طن خلال الموسم الحالي.
وقالت الوكالة إن البلاد شهدت خلال الموسم الحالي انتعاشاً ملحوظاً في زراعة القمح والشعير بمعظم المحافظات السورية.
وأضافت “سانا”، أن نسبة تنفيذ زراعة القمح خلال الموسم الحالي بلغت 86% مقارنة بـ 76% للموسم الماضي، ونسبة زراعة الشعير 86%، مقارنة بـ 70% للموسم الماضي.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، كشف مدير التخطيط والاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة سعيد إبراهيم، في تصريح لـ”سانا”، أن المساحة المخططة لزراعة محصول القمح خلال الموسم الحالي بلغت نحو 1.4 مليون هكتار، موزعة بين 640 ألف هكتار مروي و830 ألف هكتار بعلي، في حين وصلت المساحة المنفذة إلى حوالي 1.2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ بلغت 86 بالمئة، منها 501 ألف هكتار مروي و763 ألف هكتار بعلي.
وفيما يتعلق بمحصول الشعير، أوضح إبراهيم أن الخطة الزراعية حددت مساحة بنحو 1.4 مليون هكتار، منها 100 ألف هكتار مروي و1.3 مليون هكتار بعلي، لافتاً إلى أن المساحات المنفذة بلغت نحو مليون هكتار بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86 بالمئة، معظمها ضمن الأراضي البعلية.
اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا.. صراع من أجل البقاء والأمن الغذائي
وأشار إبراهيم إلى أن الموسم الزراعي الحالي يشهد تحسناً واضحاً مقارنة بالموسم السابق، الذي لم تتجاوز فيه نسب التنفيذ 76 بالمئة للقمح و70 بالمئة للشعير، مبيناً أن هذا التحسن يعود بشكل رئيسي إلى وفرة الهطولات المطرية التي شملت مختلف المحافظات، إلى جانب زيادة إقبال المزارعين على استثمار الأراضي البعلية، وتحسن عمليات التسميد والخدمة الزراعية.
وبيّن أن الموسم الماضي شهد خروج معظم المساحات البعلية من الإنتاج نتيجة التغيرات المناخية وقلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، ما أثر سلباً على حجم الإنتاج، قبل أن تتحسن الظروف المناخية هذا العام وتسمح بعودة مساحات جديدة إلى دائرة الإنتاج الزراعي.
وفي سياق الإجراءات الوقائية لحماية المحاصيل الاستراتيجية في ظل التغيرات المناخية، دعا إبراهيم المزارعين إلى اعتماد أصناف القمح المقاومة للجفاف، موضحاً أن المؤسسة العامة لإكثار البذار تعمل على تأمين البذار المعقّم والمغربل وتوزيعه على المحافظات وفق الخارطة الصنفية المعتمدة من قبل الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.
كما أشار إلى أن وزارة الزراعة أطلقت مع بداية الموسم الحالي مشروع القرض الحسن لدعم زراعة القمح، والذي يتضمن توزيع بذار القمح وفق الخارطة الصنفية المعتمدة، إضافة إلى الأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، بهدف زراعة مساحة تصل إلى 300 ألف هكتار، مع إعطاء الأولوية للمساحات المروية، وذلك ضمن شروط ميسرة تشمل تقديم وثيقة التنظيم الزراعي أو الكشف الحسي.
وأوضح أن خطة وزارة الزراعة الخمسية للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030 تركز على إدخال أصناف محسنة عالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف والأمراض، إلى جانب تبني تقنيات الزراعة الذكية مناخياً، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وتحقيق إنتاج مستدام بجودة عالية، فضلاً عن العمل على استنباط وإدخال أصناف جديدة ذات مردودية مرتفعة من المحاصيل الرئيسية.
——————————
خطة لتطوير الخدمات البريدية في سورية بالشراكة مع القطاع الخاص/ عدنان علي
16 مارس 2026
أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مساراً لتطوير البريد السوري بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف تحويله إلى خدمة حديثة تشمل الطرود والتجارة الإلكترونية، بما يسهم في تحسين الخدمات ودعم النمو الاقتصادي. وذكرت الوزارة في بيان أنها أصدرت وثيقة طلب معلومات لإقامة شراكة استراتيجية لتطوير المؤسسة السورية للبريد، داعية المشغلين من القطاع الخاص والمستثمرين والائتلافات المؤهلة إلى تقديم تصوراتهم وخبراتهم ومقترحاتهم الأولية، وذلك حتى منتصف شهر إبريل/نيسان المقبل موعداً نهائياً لتلقي الردود.
وأضافت أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية تحديث البريد السوري بما يسهم في تطويره وتحويله إلى منصة حديثة لخدمة المواطنين، باعتباره ركناً أساسياً في بناء منظومة التجارة الإلكترونية، الأمر الذي يعزز النمو الاقتصادي والتمكين الاجتماعي. وأشارت الوزارة إلى أن المؤسسة تعمل في بيئة تشغيلية صعبة تشمل محدودية قدرات النقل والتوزيع، وأضراراً في البنية التحتية، وضعفاً في الأتمتة، إلى جانب تعقيدات قانونية ومالية.
لذلك دعت المشغلين والمستثمرين المهتمين إلى تقديم رؤى عملية مرحلية تنطلق من الواقع القائم، مع حلول قابلة للتنفيذ. وشددت على ضرورة أن تتضمن الردود معلومات عن الجهة المتقدمة وخبرتها، ورؤيتها الاستراتيجية وآلية التنفيذ، والتصور الاستثماري والتجاري، وخطط تحديث العمليات والشبكة والبنية التقنية وإدارة البيانات، إضافة إلى الجوانب القانونية والتنظيمية والمؤسسية، بما يساعد في تحديد متطلبات الاستثمار والتطوير.
بدوره، صرح الصحافي الاقتصادي فؤاد عبد العزيز لـ”العربي الجديد” بأن الحكومة تحاول تطوير قطاع البريد بدعم من الاتحاد البريدي العالمي، الذي قدم مؤخراً منحة للمؤسسة السورية للبريد شملت ثلاث سيارات خدمة وتجهيزات لوجستية مثل الحواسيب والطابعات وأجهزة الطاقة الاحتياطية، بهدف تعزيز الجاهزية التشغيلية وتحسين مستوى الخدمات في المحافظات. كما أعلنت المؤسسة عودة سورية تدريجياً إلى منظومة البريد الدولية، مع خطط لإطلاق خدمة الشحن الدولي واستقبال الطرود من الخارج خلال الفترة المقبلة.
غير أن عبد العزيز لفت إلى صعوبات قد تواجه هذه الجهود على أرض الواقع، لا ترتبط بالضرورة بعمل مؤسسة البريد نفسها، لكنها تعوق عملها، مثل عدم وجود نظام مكتمل للعناوين في عموم سورية، ما يجعل وصول الشحنات البريدية إلى مقاصدها في غاية الصعوبة، فضلًا عن نقص الكوادر الكافية والمدربة على خدمات مثل هذه، إضافة إلى الافتقار إلى الآليات من سيارات ودراجات نارية أو هوائية مخصصة لهذه الخدمات.
الرئيس السوري أحمد الشرع في مقر الأمم المتحدة. نيويورك 23 سبتمبر 2025 (أليكسي روزنفيلد/Getty)
اقتصاد عربي
سورية: مرسوم رئاسي بإحداث هيئة عامة للإمداد والتوريد
وفي سياقٍ متصل ، قال وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، في تصريح لوكالة “سانا” الرسمية، إن “المؤسسة السورية للبريد حققت نمواً ملموساً في عام 2025 وقدمت خدمات أسهمت في توفير الوقت والجهد على المواطنين والدوائر الحكومية”. وأضاف أن الهدف الآن هو تحويل المؤسسة إلى شركة تعمل بمرونة وكفاءة عالية، والارتقاء بها من مجرد مقدم لخدمات بريدية أساسية إلى منصة وطنية متكاملة توفر خدمات الطرود والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، إضافة إلى خدمات رقمية وحكومية للمواطنين وبعض الخدمات المالية وفق القوانين النافذة، مع تحديث البنية التشغيلية والأنظمة الرقمية وصولًا إلى توصيل الشحنات مباشرة إلى المستفيد في منزله أو مقر عمله.
بالتزامن، تعتزم المؤسسة السورية للبريد توسيع انتشار المكاتب البريدية المتنقلة في المحافظات بهدف إيصال الخدمات البريدية والمالية إلى المناطق البعيدة والبلدات التي تفتقر إلى مكاتب ثابتة. وقال مدير عام المؤسسة السورية للبريد عماد الدين حمد، في تصريح نقلته “سانا”، إن عدد المكاتب البريدية المتنقلة العاملة حالياً يبلغ مكتبين، على أن يرتفع قريباً إلى عشرة مكاتب ضمن منحة مقدمة من الاتحاد البريدي العالمي لدعم تطوير خدمات البريد في سورية.
وأوضح أن هذه المكاتب ستخصص للعمل في البلدات ذات الكثافة السكانية المحدودة والبعيدة عن الصالات والمكاتب البريدية، كما يمكن استخدامها مؤقتاً في المناطق التي تتعرض فيها المكاتب البريدية لأعطال تقنية أو توقف مؤقت في العمل. وأشار حمد إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو تخفيف الأعباء المادية ومشقة التنقل عن المواطنين عبر إيصال الخدمات إلى أقرب نقطة ممكنة، لا سيما الخدمات المالية مثل صرف رواتب المتقاعدين وخدمات “شام كاش” والحوالات المالية البريدية.
ولفت إلى أن المؤسسة ستُعلم الأهالي بمواعيد وصول المكاتب المتنقلة من خلال مديريات البريد في المحافظات، التي ستنسق مع رؤساء البلديات لإبلاغ السكان، إضافة إلى نشر المواعيد والتفاصيل عبر صفحات المؤسسة على مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت المؤسسة السورية للبريد قد وضعت في الخدمة أول مكتب بريدي متنقل في سورية يوم الرابع من الشهر الجاري في مدينة سقبا بريف دمشق، بهدف تسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات البريدية. ويقدم المكتب خدمات صرف رواتب المتقاعدين، والحوالات الفورية، وتسديد أقساط الجامعة الافتراضية والتعليم المفتوح، إلى جانب خدمة “شام كاش” المالية.
—————————–
الاقتصاد السوري تحت ضغط الحرب الإقليمية الجديدة/ مازن الشاهين
الحرب الإقليمية تعصف بالاقتصاد السوري: الليرة تحت الضغط والأسواق على صفيح ساخن
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، ومع انطلاق أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، كانت جمعية الصاغة في دمشق تُصدر تسعيرتها الثانية خلال ساعات قليلة، في مؤشر واضح على التوتر الذي يعيشه السوق المحلي. ومع صباح اليوم التالي، شهدت الليرة السورية تراجعاً حاداً، فيما اجتاحت أسواق المواد الغذائية موجة شراء مدفوعة بالذعر. عشرة أيام مرت على اندلاع التوتر الإقليمي، وسوريا تدفع ثمن حرب لم تختَرها، بينما هي بالكاد تتعافى من صراعاتها الداخلية المستمرة منذ أكثر من عقد. في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ سنوات، تضيف الحرب الإقليمية طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الاقتصادي السوري، إذ يحاول الاقتصاد التعافي تدريجياً من آثار أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والتراجع الإنتاجي، إلا أن الصدمات الجديدة تعيده أمام تحديات قاسية قد تعمّق أزماته المالية والمعيشية.
ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد السوري يعدّ من أكثر اقتصادات المنطقة هشاشة أمام الصدمات الخارجية، نظراً لاعتماده الكبير على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وتذبذب الموارد المالية. أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، حركة التجارة، وسعر صرف الليرة السورية. والسؤال الأهم يبقى: هل يستطيع الاقتصاد السوري الصمود أمام موجة جديدة من الضغوط الإقليمية، أم أن هذه الأزمة ستدفعه إلى مرحلة أكثر صعوبة؟
اقتصاد هش أمام الصدمات
يرى الخبراء أن قدرة الاقتصاد السوري على الصمود تعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي، تقليل الاعتماد على الخارج، وخلق مسارات تنموية قادرة على مواجهة الأزمات المتكررة في المنطقة. خلال السنوات الأخيرة، تعرض الاقتصاد السوري لسلسلة من الضغوط: تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، ضعف الاستثمار وتقلص الصادرات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ومع اندلاع توترات عسكرية جديدة، تعود المخاوف من موجة تضخم جديدة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد لـ “963+”: “الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات في حالة هشاشة بنيوية، لذا فإن أي اضطراب إقليمي ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية، سواء عبر أسعار الطاقة، تكاليف النقل، أو اضطراب سلاسل التوريد. الحروب الإقليمية غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما يزيد كلفة النقل والإنتاج، ويترجم مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية”.
ويضيف مراد: “الطاقة أول المتأثرين، إذ تعتمد سورية بشكل كبير على استيراد النفط، وأي اضطراب في أسواق الطاقة يزيد الضغط على الموازنة، ويرفع أسعار الوقود، ما ينعكس على ساعات التقنين الكهربائي وتكاليف النقل والإنتاج الصناعي، وبالتالي على أسعار السلع الأساسية. المواطن السوري، الذي يعتمد على المولدات الخاصة بالمازوت، يتلقى الضربة مباشرة في جيبه”.
ويشير مراد أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يضاعف فاتورة الاستيراد، ويزيد الضغط على المالية العامة وسوق القطع الأجنبي، ما يخلق حلقة من التضخم الذاتي، يضاف إلى صعوبات الحياة اليومية التي يعيشها المواطن، خصوصاً مع استمرار أزمة الكهرباء والاعتماد على مصادر طاقة مكلفة.
سوريا بين مطرقتين
المحلل السياسي نجم العبدالله لـ”963+” يرى أن الوضع السوري يزداد تعقيداً بسبب تبعات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، التي تعكس آثارها على صرف الطاقة، سلاسل الإمداد، الأمن، والاستثمار. سوريا، التي يقودها اليوم نظام جديد يسعى لإعادة الاندماج مع الغرب ودول الخليج، تواجه تهديداً مزدوجاً: من إيران التي ردّت على الضربات بهجمات في دول الخليج والعراق، ومن خلايا الميليشيات الموالية لطهران داخل البلاد.
وزارة الداخلية السورية أعلنت في 5 مارس 2026 إحباط “مخطط إرهابي” في دمشق بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، ما يبرز تأثير التوترات الإقليمية على الأمن الداخلي، شرط أساسي لأي انتعاش اقتصادي. كما أن إعادة تفعيل نشاط “حزب الله” العسكري يضع لبنان ـ البوابة التجارية الغربية لسوريا ـ في دائرة عدم استقرار جديدة.
ويشير العبدالله إلى أن هذه الأزمة تضع سوريا في موقف بالغ الحساسية: “سوريا تدفع الثمن مرة أخرى لوجودها في قلب المنطقة، لكنها هذه المرة تدفعه في لحظة كانت تحاول فيها النظر إلى الأمام. كل حركة في المنطقة لها انعكاس مباشر على الأسواق المحلية، وعلى الاستثمارات المستقبلية، وحتى على الحياة اليومية للمواطنين”.
التجارة والنقل تزيد المشهد تعقيداً
التوترات العسكرية تؤثر مباشرة على حركة التجارة وخطوط النقل الدولية، حيث تتعرض الممرات البحرية والبرية للاضطراب وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. الهجمات الإيرانية على دول الخليج، بما فيها الإمارات والبحرين وقطر والكويت، أثرت على شرايين التجارة الأساسية لسوريا، ورفعت شركات التأمين أقساطها على مسارات البحر الأحمر والخليج العربي، ما زاد فاتورة الاستيراد السورية، فيما رفع تجار الجملة أسعار السلع احترازياً.
ويشير الخبير في التجارة الدولية الدكتور محمد يوسف في تصريحات لـ”963+” إلى أن ما يُعرف بـ “توقعات التضخم” أصبحت عاملاً مؤثراً في الاقتصاد السوري، إذ أن ارتفاع تكاليف النقل أو التأمين ينعكس فوراً على أسعار السلع المستوردة، من القمح والزيوت إلى الأدوية والمواد الأولية للصناعة. كما تتأثر حركة الترانزيت عبر بعض الدول المجاورة، ما يزيد صعوبة الاستيراد ويجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي توتر إقليمي.
ومع اشتداد القصف الإقليمي، تراجعت الإمدادات التجارية وارتفعت الأسعار بسرعة، لتزيد معاناة السوريين الذين أنهكتهم الحروب السابقة. عادت طوابير الغاز والخبز في دمشق ومدن عدة، لتذكّر المواطنين بأزمات سابقة. يقول التاجر أبو محمود لـ”963+”: “الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي خبر سياسي أو عسكري، فمجرد الحديث عن توتر إقليمي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار”.
المواطن السوري، الذي خرج من أتون حرب دمرت نصف بنيته التحتية، يجد نفسه اليوم يدفع فاتورة حرب لم يختَرها. تقول سناء جابر، موظفة حكومية: “رواتبنا بالكاد تكفي أساسيات الحياة، وأي ارتفاع جديد في الأسعار يزيد الضغط على العائلات، فالغلاء طال كل شيء، من الخبز المدعوم إلى الأدوية، ومن أجرة المواصلات إلى أجور الأطباء”.
سعر الصرف تحت الضغط
أصدرت جمعية الصاغة في دمشق أربع تسعيرات متتالية خلال ثلاث ساعات ونصف، فيما سجّل سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية في السوق الموازية 11,870 ليرة، مقابل السعر الرسمي 11,000 ليرة.
ويشير الخبير المالي الدكتور عبدالعزيز العثمان، في تصريحات لـِ”963+” إلى أن استمرار الحرب الإقليمية يزيد الضغط على سوق الصرف، خصوصاً في ظل اقتصاد يعتمد على الواردات ويعاني نقصاً في القطع الأجنبي. المصرف المركزي لجأ إلى تقييد السحوبات وتحجيم الطلب على الدولار، إجراءات “تؤجل الانفجار ولا تحل المشكلة”، مؤكداً أن أي استقرار حقيقي يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات، وهو تحدٍ كبير في الظروف الحالية.
بدوره، القطاع الخاص، الذي يحاول التعافي منذ سنوات، يواجه اليوم ضغوطاً إضافية. يقول الصناعي الحلبي سامر نصار: “التوترات الإقليمية تجعل المستقبل غير واضح بالنسبة للمستثمرين، والقطاع الصناعي يحتاج إلى بيئة مستقرة للتخطيط للإنتاج والتصدير”. ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية يزيد من صعوبة استمرار المشاريع.
في المقابل، يرى الخبير عدنان الجاسم في تصريحات لـ”963+” أن الأزمات الإقليمية قد تتيح فرصاً محدودة للزراعة، إذا تمكنت سوريا من تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. تعزيز الأمن الغذائي، وفق الجاسم، قد يخفف أثر اضطرابات التجارة الدولية، شريطة توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة ودعم المزارعين وتطوير البنية التحتية للقطاع.
الاستثمار المؤجّل.. ثمن باهظ
سوريا كانت تستعد لموسم استثماري بعد مسيرة التطبيع الديبلوماسي الأخيرة وفتح حساب لدى الفيدرالي الأميركي، ما كان يشكل بيئة محفّزة لرؤوس الأموال. لكن الحرب أوقفت هذا المسار.
الباحثة الاقتصادية خلود السلامة تحذر في تصريحات لـ”963+”: “عدم اليقين الاستثماري سيؤدي إلى تأجيل المشاريع وتراجع فرص العمل، خصوصاً في بلد يُقدّر معدل البطالة فيه بأكثر من 55%”. لكنها تشير إلى عوامل تخفف الصدمة، مثل ضعف الارتباط الاقتصادي المباشر مع إيران والتوجه نحو الشراكة مع تركيا، شريطة استمرار الاستقرار الأمني الداخلي.
وتقول الحكومة السورية إنها تتابع “الإجراءات الاحترازية”، لكن الواقع يفرض تحديات كبيرة: الرواتب الحكومية لم تُسلّم، الدعم التمويني تقلص، والمساعدات الإنسانية أقل من المتوقع.
الخبير الاقتصادي الدكتور خليل إبراهيم يوضح لـ”963+” أن الخيارات تشمل: تعزيز الإنتاج المحلي، دعم القطاعات الزراعية والصناعية لتأمين السلع الأساسية، تحسين إدارة الموارد المالية، تشجيع الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات مع الدول الصديقة. التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة يشكل مساراً واقعياً لتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل، خصوصاً مع محدودية الموارد. ويرى إبراهيم أن التعافي سيكون بطيئاً ومعقداً، ويتطلب استقراراً سياسياً وإقليمياً إلى جانب إصلاحات داخلية تعزز الإنتاج والاستثمار.
+963
——————————
سوريا تلاحق ثروات النظام السابق من بواباتها العقارية/ مازن الشاهين
العقارات تحت المجهر: هل تتحول السوق السورية إلى ساحة لكشف الأموال المنهوبة؟
2026-03-15
دخلت السوق العقارية في سوريا مرحلة جديدة من التدقيق والرقابة بعد الدعوة العلنية التي أطلقها رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع باسل السويدان، مطالباً أصحاب المكاتب العقارية في البلاد بالإبلاغ عن أي عمليات بيع أو نقل ملكية تبدو مشبوهة أو غير متناسبة مع الأسعار السائدة في السوق. هذه الدعوة التي جاءت بالتنسيق مع وزارات الداخلية والإدارة المحلية والاقتصاد، بدت بالنسبة لكثير من المراقبين خطوة غير مسبوقة في مسار ملاحقة الثروات المرتبطة برموز النظام السابق وأعوانه، في محاولة لقطع الطريق أمام تصفية الممتلكات وتهريب الأموال قبل أن تصل إليها التحقيقات القضائية.
وتشير أوساط قانونية واقتصادية إلى أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مواجهة معقدة مع ما يسميه الخبراء بـ”عقارات الظل”، وهي الممتلكات التي جرى تسجيلها خلال السنوات الماضية بأسماء وسطاء أو شركاء صوريين بهدف إخفاء المالك الحقيقي لها. فالعقار، بخلاف الأموال السائلة أو التحويلات المصرفية، يترك أثراً واضحاً في السجلات الرسمية، ما يجعله في نظر الجهات الرقابية مدخلاً محتملاً لكشف الثروات غير المشروعة. ومع ذلك، يطرح هذا التحرك أسئلة عديدة حول قدرة الدولة على تطبيق هذه الآلية في سوق توصف منذ سنوات بأنها من أقل القطاعات الاقتصادية شفافية، وحول مدى استعداد القطاع العقاري الخاص للانخراط في هذه المعركة الحساسة.
حتى الآن، لا توجد أرقام رسمية دقيقة عن حجم الأموال أو العقارات التي يشتبه في ارتباطها بالكسب غير المشروع، لكن مصادر مطلعة تؤكد أن الملف ضخم ومعقد. فقد تأسست لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام، ومنحت صلاحيات واسعة تشمل التحقيق في الذمم المالية للمسؤولين السابقين وشبكاتهم الاقتصادية، إضافة إلى متابعة البيوع العقارية المشبوهة وإحالة الملفات إلى القضاء عند اكتمال الأدلة.
خطة متكاملة
وفي هذا السياق، قال مصدر في اللجنة فضل عدم ذكر اسمه في تصريح لـ”963+”: “الدعوة التي أطلقناها هي جزء من خطة متكاملة، ونحن لا نطلب من أصحاب المكاتب العقارية أن يقوموا بدور المحققين، بل أن يمتلكوا الحساسية القانونية التي تمكنهم من التمييز بين الصفقة الطبيعية والصفقة التي قد تحمل مؤشرات على وجود خلل أو شبهة”.
ويضيف المصدر أن بعض العلامات قد تكون كافية لإثارة الشكوك الأولية، مثل عرض عقار في منطقة حيوية بسعر منخفض بشكل واضح مقارنة بالقيمة السوقية، أو إصرار البائع على إتمام الصفقة بسرعة غير مبررة، أو طلب الدفع نقداً بالكامل دون المرور بالإجراءات المعتادة. ويقول: “لدينا معلومات أولية عن عقارات يعتقد أنها تعود لأشخاص مقربين من رموز النظام السابق، وبعض هذه العقارات بدأ يظهر في السوق بأسعار تقل أحياناً بين 30 و40 في المئة عن قيمتها الحقيقية، وهو ما قد يشير إلى محاولة تصفية سريعة للأصول وتحويلها إلى سيولة نقدية يسهل نقلها أو إخفاؤها”.
ويرى المصدر أن التركيز على القطاع العقاري في هذه المرحلة ليس مصادفة، بل نتيجة إدراك متزايد بأن العقار كان خلال السنوات الماضية “الخزنة المفضلة” لكثير من أصحاب النفوذ ورجال الأعمال المرتبطين بالسلطة. فالمال النقدي يمكن تحويله إلكترونياً أو إخفاؤه عبر شبكات مالية معقدة، لكن العقار يظل مرتبطاً بسجلات رسمية وموقع جغرافي محدد، وهو ما يجعله أكثر قابلية للتعقب. ويضيف: “حين يبيع شخص عقاراً بسعر منخفض بشكل غير منطقي، فهو في الواقع يرسل إشارة غير مباشرة إلى أنه يحتاج إلى السيولة بسرعة، حتى لو خسر جزءاً كبيراً من القيمة. وهذا النوع من السلوك هو ما نحاول رصده”.
ورغم غياب البيانات الرسمية، تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الأموال المرتبطة بشبكات الفساد في سوريا قد يكون ضخماً للغاية. فوفقاً لتقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2023، يُعتقد أن ما بين 40 و60 مليار دولار قد تم تهريبها عبر شبكات مرتبطة بالنظام السابق. أما معهد الشرق الأوسط فيقدّر أن إجمالي الأضرار الاقتصادية والأصول المنهوبة المرتبطة بسنوات الحرب قد يصل إلى نحو 200 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على 17 شخصاً و19 كياناً مع تجميد أصولهم في الخارج، بينما تشير مراصد سورية محلية إلى وجود ما يقارب ثلاثة آلاف عقار في دمشق وحدها مرتبط بنزاعات ملكية أو شبهات فساد.
تأتي هذه التقديرات في سياق سوق عقارية تعد واحدة من أكبر مخازن الثروة في البلاد. فبحسب تقديرات غير رسمية، يحتفظ السوريون بأكثر من 60 في المئة من ثرواتهم في شكل عقارات أو أراضٍ، وهو ما يجعل هذا القطاع محورياً في أي محاولة لتعقب الأموال غير المشروعة.
وتشير بيانات غير رسمية من اتحادات مهنية ومكاتب عقارية إلى وجود نحو 20 ألف مكتب عقاري في البلاد، فيما كان يتم تسجيل ما بين 70 و120 ألف عملية بيع سنوياً في الظروف الطبيعية قبل الحرب. لكن الصراع الذي بدأ عام 2011 أدى إلى تراجع حركة البيع بنحو 40 في المئة، في حين بقي العقار بالنسبة للكثيرين الوسيلة الأكثر أماناً لحفظ القيمة في ظل التضخم الحاد وتقلبات سعر الصرف.
ملاذ الأموال غير المعلنة
وفي هذا السياق، يقول مصدر يعمل في قطاع العقارات بدمشق في تصريح لـ”963+”: “العقار في سوريا كان دائماً الملاذ الآمن للأموال غير المعلنة، وخلال الحرب لجأ كثير من المتنفذين إلى شراء الأراضي والعقارات بأسماء مختلفة”. ويضيف أن السوق شهدت في الأشهر الأخيرة عروض بيع بأسعار منخفضة بشكل غير معتاد، إذ تقل في بعض الحالات بين 25 و40 في المئة عن السعر الحقيقي. ويؤكد أن هذه الظاهرة قد تعكس محاولة بعض المالكين تصفية ممتلكاتهم بسرعة قبل أن تصل إليها التحقيقات.
الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد يرى أن العقار لعب دوراً محورياً في اقتصاد الظل السوري خلال السنوات الماضية. ويقول في تصريح لـ”963+”: “العقار كان الوسيلة الأكثر أماناً لتخزين الثروة، خصوصاً في ظل التضخم وتقلبات سعر الصرف، ولذلك تحولت نسبة كبيرة من الأموال التي تراكمت خلال سنوات الحرب إلى أصول ثابتة مثل الأراضي والمباني”. ويضيف أن فتح ملف العقارات المشبوهة لا يتعلق فقط بمكافحة الفساد، بل قد يكون خطوة مهمة في إعادة تنظيم الاقتصاد السوري.
لكن مراد يحذر من أن هذه العملية قد تترك تأثيرات مؤقتة على السوق. فمن جهة، قد يؤدي الخوف من التحقيقات إلى زيادة المعروض إذا سارع بعض المالكين إلى بيع عقاراتهم قبل فتح الملفات القانونية. ومن جهة أخرى، قد يدفع القلق المستثمرين إلى التردد في الدخول في صفقات جديدة، ما قد يؤدي إلى ركود مؤقت في حركة البيع والشراء. ويرى أن النتيجة النهائية ستعتمد إلى حد كبير على مدى قدرة الدولة على بناء نظام رقابي واضح وشفاف يضمن العدالة ويمنع التلاعب.
على المستوى القانوني، تثير الدعوة التي أطلقها رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أسئلة حول مسؤولية أصحاب المكاتب العقارية.
فقد أشار باسل السويدان في بيانه إلى أن الإبلاغ عن أي حالات اشتباه “يعتبر عاملاً مهماً في تفادي أي مسؤولية قانونية قد تنشأ لاحقاً”. وتشمل الحالات التي قد تستدعي الإبلاغ بيع العقارات بأسعار منخفضة بشكل غير متناسب مع القيمة السوقية، أو الاشتباه في أن المالك الحقيقي مرتبط برموز النظام السابق، أو وجود محاولات لإخفاء الملكية عبر تسجيل العقار بأسماء أشخاص آخرين.
إشراك القطاع الخاص
الخبيرة القانونية سارة الحسين ترى أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في آليات عمل اللجنة، إذ كانت تعتمد في السابق بشكل أساسي على المعلومات الواردة من الجهات الرقابية أو البلاغات الفردية.
وتقول في تصريح لـ”963+”: “إشراك القطاع العقاري الخاص يجعل عملية الرصد أكثر شمولية وسرعة، لأن المكاتب العقارية هي الحلقة الأولى التي تمر عبرها معظم عمليات البيع”. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود تحديات كبيرة، من بينها نقص الخبرة الفنية لدى العاملين في المكاتب العقارية في اكتشاف عمليات غسل الأموال، إضافة إلى الحاجة إلى آليات واضحة لحماية المبلغين ومنع إساءة استخدام البلاغات.
وتوضح الحسين أن المشكلة لا تقتصر على العقارات نفسها، بل تمتد إلى تعقيد شبكات التملك التي تطورت خلال السنوات الماضية. فالشخص الواحد قد يمتلك عدداً كبيراً من العقارات المسجلة بأسماء زوجته أو أبنائه أو أقاربه أو حتى موظفين يعملون لديه.
وتقول: “فك هذه الشبكات يتطلب عملاً تحقيقياً معقداً ونظاماً معلوماتياً متكاملاً، لأن الملكيات قد تكون موزعة على عدة أسماء وعناوين مختلفة”. وتشير إلى أن دولاً مثل جورجيا وأرمينيا نجحت في رقمنة سجلاتها العقارية بالكامل وربطها بأنظمة مكافحة غسل الأموال، وهو نموذج قد يكون مفيداً لسوريا في هذه المرحلة.
من جانبه، يوضح المحامي كابي شمعون أن هناك عدة طرق استخدمت في السنوات الماضية لإخفاء الملكيات العقارية المرتبطة بأموال غير مشروعة.
ويقول في تصريح لـ”963+”: “الطريقة الأكثر شيوعاً كانت تسجيل العقارات بأسماء أقارب أو شركاء صوريين أو موظفين، بحيث يظهر شخص عادي كمالك رسمي للعقار”. كما استخدمت الوكالات العامة لإبقاء المالك الحقيقي مجهولاً، إضافة إلى البيع الصوري الذي يتم فيه نقل الملكية شكلياً إلى شخص موثوق مع بقاء السيطرة الفعلية للمالك الأصلي. ويضيف أن بعض الحالات تضمنت أيضاً بيع العقار بسعر منخفض لتسريع عملية النقل دون إثارة الانتباه.
لكن إثبات الملكية الحقيقية في مثل هذه الحالات ليس أمراً بسيطاً. فالكثير من عمليات نقل الملكية تمت قبل سنوات طويلة، وقد تكون قانونية من الناحية الشكلية حتى لو كانت مرتبطة بأموال غير مشروعة. لذلك يرى شمعون أن التحقيقات تحتاج إلى تتبع مالي دقيق يربط بين مصادر الأموال المستخدمة في شراء العقار وبين حركة التحويلات المالية في تلك الفترة.
في الميدان، يعيش الوسطاء العقاريون حالة من التردد بين التعاون مع السلطات والخوف من الوقوع في مشكلات قانونية أو فقدان الزبائن. ففي مكتب عقاري صغير في حي المزة بدمشق، يقول أبو كمال، الذي يعمل في هذا المجال منذ أكثر من عشرين عاماً، إن السوق شهدت في الأشهر الأخيرة ظواهر غير مألوفة.
ويضيف: “بعد سقوط النظام، جاءني خلال أسابيع قليلة ثلاثة عروض لبيع عقارات في مناطق راقية بأسعار أقل من نصف قيمتها الحقيقية، وكان البائعون في عجلة شديدة ويريدون الدفع نقداً وإنهاء الصفقة بسرعة”. ويرى أن مثل هذه الحالات قد تكون مرتبطة بمحاولات تصفية الأصول بسرعة.
في المقابل، يروي أبو محمود، صاحب مكتب عقاري في حي الميدان، تجربة مختلفة. إذ يقول إنه تلقى عرضاً لبيع شقتين وأرض عبر وكالات بأسماء أشخاص لا يعرفهم. وعندما سأل عن سبب البيع السريع، قيل له إن المالك يستعد للسفر. ويضيف: “شعرت أن هناك شيئاً غير طبيعي، فاتصلت باللجنة وقدمت لهم المعلومات”. وبعد أيام تلقى اتصالاً يشكره على التعاون، دون أن يتم إبلاغه بتفاصيل إضافية حول سير التحقيق.
لكن الصورة تبدو أكثر تعقيداً في مدن مثل حلب، حيث تداخلت قضايا الفساد مع آثار الحرب. فالكثير من العقارات دمرت أو تعرضت للغصب خلال سنوات الصراع، ثم أعيد تسجيلها بأسماء مختلفة. ويقول أبو نضال، وهو صاحب مكتب عقاري في المدينة: “أحياناً لا نعرف إن كان البائع يبيع ملكه الشرعي أم ملكاً استولى عليه خلال الحرب”. ويرى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب أولاً بناء قاعدة بيانات عقارية نظيفة ومحدثة يمكن الاعتماد عليها.
على مستوى المواطنين، تثير الحملة أيضاً مخاوف وأسئلة. فبعض السوريين اضطروا خلال الحرب إلى بيع منازلهم بأسعار منخفضة جداً بسبب التهجير أو الحاجة إلى المال. ويقول أبو محمود، وهو مواطن من حمص: “بعت بيتي عام 2017 بثلث ثمنه لأنني كنت أهرب مع أولادي، فهل يعني هذا أنني قد أواجه مشاكل الآن؟”.
في المقابل، تعتقد رشا الجنيد، وهي موظفة حكومية، أن السوق دخلت مرحلة من التردد. وتقول: “الكثير من المشترين يخافون الدخول في صفقات قد تخضع للتحقيق لاحقاً، وهذا جعل السوق شبه مجمدة”.
ورغم هذه المخاوف، يرى البعض أن الحملة قد تحمل جانباً إيجابياً إذا أدت إلى زيادة المعروض من العقارات في السوق وخفض الأسعار. لكن النتيجة النهائية ستعتمد على كيفية إدارة هذه العملية، وعلى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين ملاحقة الفساد وحماية المواطنين الذين يتعاملون بحسن نية.
في النهاية، يعتقد المحامي رياض السالم أن نجاح هذه الحملة يتطلب أكثر من مجرد دعوة للتبليغ. ويقول في تصريح لـ”963+”: “نحتاج إلى رقمنة السجل العقاري بالكامل، وربط بيانات الملكية بالبيانات المصرفية والضريبية، إضافة إلى إصدار تشريعات واضحة لمصادرة الأموال غير المشروعة”.
ويرى أن تدريب العاملين في القطاع العقاري وتوفير قنوات اتصال آمنة مع الجهات الرقابية سيكونان عنصرين حاسمين في نجاح هذه الجهود.
ويختم السالم بالقول إن العقار في سوريا لم يكن مجرد ملكية فردية، بل تحول خلال سنوات الحرب إلى خزنة ضخمة تراكمت فيها أموال النفوذ والفساد. ومع فتح هذا الملف اليوم، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع الدولة تفكيك شبكات الملكيات المخفية التي تراكمت خلال سنوات طويلة، أم أن “عقارات الظل” ستظل جزءاً من الاقتصاد غير المرئي؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مصير مليارات الدولارات، بل أيضاً مستقبل السوق العقارية السورية في السنوات القادمة.
+963
——————————
كيف تؤثر أزمة الغاز في المنطقة على سوريا؟/ مجد عبيسي
مارس 15, 2026
تلقي أزمة الغاز في السوق العالمية بظلالها على الاقتصاد السوري بشكل مباشر وغير مباشر، لا سيما قطاع الكهرباء.
وأوقفت “قطر للطاقة” عمل منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي أثرت على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما بدد نحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية في الوقت الحالي.
وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، الأسبوع الماضي، إن الأمر قد يستغرق شهوراً حتى تعود عمليات التسليم إلى طبيعتها.
ووسط أزمة إقليمية متشابكة، يواجه الاقتصاد السوري ضغوطاً تضخمية، قد تمتد آثارها إلى الاستثمارات المحلية والمشاريع الناشئة والخدمات الأساسية.
المتغير الأكثر تأثيراً
يؤكد الخبراء في حديثهم لصحيفة “الثورة السورية”، أن أزمة الغاز الإقليمية لها تبعات متعددة المستويات على سوريا.
وذكرت الشركة السورية للبترول أن الحرب الإقليمية أثرت بشكل كبير على توريد الغاز من الشركاء الخارجيين.
والعام الماضي، أعلنت قطر مبادرة لتزويد سوريا بكميات من الغاز الطبيعي عبر الأردن، بهدف دعم قطاع الطاقة وتوليد نحو 400 ميغاواط، كما مولت وصول الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا.
وشهد مطلع العام الحالي بوادر لحل مشكلة الطاقة في سوريا، حيث ارتفعت الكمية المولدة بما يفوق الضعف، من نحو 1600 ميغاواط ساعي إلى أكثر من 3000 ميغاواط ساعي مع وصول الغاز المصري الوارد عبر الأردن، ما أدى إلى تحسن ساعات الوصل لتتراوح بين 12 و20 ساعة في اليوم، بعد أن كان التقنين الجائر يصل إلى نحو 20 ساعة يومياً قطع على مستوى البلاد.
لكن الوضع عاد إلى التراجع بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية– الإيرانية، إذ انخفض وصل الكهرباء بنحو 50 بالمئة بعد إيقاف مصر ضخ 100 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً إلى سوريا ولبنان، عبر الأردن، بالتزامن مع تخفيض الشركة السورية لتوليد ونقل الكهرباء الطاقة المنتجة من محطة دير علي في ريف العاصمة إلى النصف، لإجراء الصيانة الدورية.
وأوضحت وزارة الطاقة أن الانخفاض الحاصل في ساعات التغذية الكهربائية حالياً، يعود إلى تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إضافة إلى توقف ضخها في بعض الأحيان.
وقالت الوزارة في بيان، إن هذا التوقف يأتي نتيجة التصعيد الإقليمي الراهن، وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة، مشيرة إلى العمل بالتوازي على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.
ورأى المحلل الاقتصادي سامر رحال، أن أزمة توقف الغاز القطري ستبدأ بالضغط على منظومة الكهرباء التي تعاني أصلاً من نقص الوقود وتراجع الإنتاج في سوريا.
وأضاف رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا سينعكس على حياة السكان، لأن الكهرباء في سوريا مرتبطة مباشرة بمعظم القطاعات اليومية. فزيادة ساعات التقنين ترفع تكاليف تشغيل المصانع والورش الصغيرة، وتزيد الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما قد تتأثر خدمات أساسية مثل ضخ المياه وتشغيل بعض المرافق العامة.
الإنتاج المحلي
رغم أن سوريا تمتلك احتياطيات غاز مهمة في حقول الجزيرة، إلا أن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وخطوط النقل خلال السنوات الماضية، تقلل من إمكانية الاعتماد عليها.
ولا يتجاوز الإنتاج المحلي من الغاز 110 أطنان يومياً، مقابل احتياج يومي يبلغ نحو 1700 طن، في حين تتسع خزانات الغاز في سوريا لنحو 7000 طن فقط، وهي استطاعة محدودة مقارنة بحجم الطلب.
ويرى المحلل الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن الحكومة اليوم مضطرة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الموارد المحلية المحدودة أو البحث عن بدائل أكثر تكلفة، وهو ما يزيد الضغط على قطاع الطاقة ويقلل قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب.
ويوضح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”، أن إنتاج الغاز محلياً لا يزال قائماً، لكنه يواجه تحديات عدة، بما في ذلك تضرر بعض الحقول خلال فترة النظام المخلوع، كما أن عمليات الصيانة والتطوير تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة.
لذلك، فإن الكميات المنتجة محلياً لا تكفي لتغطية الحاجة الكاملة لمحطات الكهرباء والصناعة والمنازل. وكان الغاز المستورد يساعد على تعويض جزء من النقص، لكن بعد توقفه تتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وتعمل الشركة السورية للبترول حالياً على بناء خزانات جديدة وتأهيل مصب نفطي لتعزيز قدرة التخزين والتفريغ.
وفي ما يتعلق بالحلول طويلة الأمد، أكدت الشركة أن استيراد الغاز يُعد إجراء مؤقتاً، في حين تعتمد الخطة الاستراتيجية على تطوير حقول الغاز السورية وزيادة الإنتاج المحلي وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء للمواطنين.
وأضافت الشركة أن سوريا قد تحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لتصبح دولة مصدّرة للنفط، مشيرة إلى توقيع مذكرة تفاهم لاستكشاف حقول الغاز في البحر.
القطاعات المتضررة
يشير السيد عمر إلى أن القطاعات المتضررة واسعة، إذ قد تتأثر الخدمات الأساسية مثل ضخ المياه وتشغيل المستشفيات والمدارس. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، تنعكس هذه الضغوط على أسعار السلع والخدمات، ما يزيد العبء على الأسر التي تعاني من ظروف اقتصادية صعبة. وهنا، يصبح تطوير الحقول السورية أكثر أهمية لتعويض جزء من النقص.
ويضيف أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على قطاع الكهرباء، لكنها تحتاج إلى استقرار أمني واستثمارات وتقنيات حديثة. كما أن تحسين شبكات النقل والتوزيع يساهم في تقليل الهدر وضمان وصول الغاز إلى محطات التوليد بكفاءة أكبر.
تكلفة إضافية
يتوقع المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، أن تتجه بعض المعامل والورش والمحطات في الفترة القادمة إلى خطوط طاقة أخرى مثل المازوت أو الفيول أو أنواع وقود أخرى، رغم أن هذا له تكلفة أعلى بكثير، وهذا سيؤثر مباشرة على أسعار المنتجات والخدمات.
كما أن الدولة ستتحمل تكاليف ارتفاع الأسعار، كونها تبيع الكهرباء اليوم وفق شرائح معينة، وفي حال اضطرّت إلى رفع التكلفة بالانتقال إلى المازوت أو الفيول، سيؤدي ذلك إلى زيادة التكلفة عليها، ولكن لا يمكن رفع أسعار شرائح الكهرباء مرة ثانية، وبالتالي سيصبح عبئاً على الميزانية العامة، وفق ما قال الدبس لصحيفة “الثورة السورية”.
من جهة أخرى، ستضطر الشركات العامة أو الخاصة، الخدمية والإنتاجية، إلى رفع أسعارها وتشغيل الكهرباء بأنواع أخرى من الوقود.
ويرجح الدبس أيضاً أن يرتفع سعر المازوت المنزلي، وبالتالي ستزداد تكاليف المعيشة من جهة، وتكاليف الإنتاج وتزداد الأسعار من جهة أخرى. ما يعني أن التأثير سيكون مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد السوري ككل.
ونتيجة لذلك، قد لا تحتمل بعض المصانع والورش هذه الزيادة، فستضطر إلى إغلاق أبوابها أو العمل بساعات أقل بكثير من الساعات الممكنة، لأنها لا تملك القدرة على رفع الأسعار. وبالتأكيد، سيشمل هذا معامل الصناعات الغذائية والأسمنت والحديد وأي مصانع أخرى.
مشروعات الطاقة
يرى الدبس أن هناك تأثيراً غير مباشر سيظهر في أي مشاريع طاقة ناشئة لتجديد المحطات أو تحديثها أو إنشاء محطات جديدة، ودخول مستثمرين، وكل ذلك سيتوقف لأنه في الأساس لا يوجد غاز لتشغيل المحطات.
ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى تسرب المستثمرين، لأن دراسات الجدوى كانت مبنية على غاز بسعر معين أو مازوت بسعر معين، فارتفاعه الآن سيؤدي إلى تغير في دراسات الجدوى، وبالتالي ستنشأ مشاكل.
وهذا الارتفاع غير معروف المدة، فربما إذا توقفت الحرب خلال أسبوعين أو ثلاثة شهور، قد تعود الأسعار إلى طبيعتها. أما إذا استمرت الفترة أطول، فسيظل الارتفاع، وهذا سيؤدي إلى أن جميع عمليات التحديث والتطوير وإنشاء المعامل الجديدة والصناعات الجديدة ستعيد حساباتها من البداية، وربما تتوقف لفترات طويلة.
ويوضح الدبس أن هذا يعني أن الاقتصاد السوري ككل سيتأثر بشكل مباشر، وكذلك الدخل والخدمات العامة. وسيؤدي ذلك إلى تأثير واضح على تشغيل اليد العاملة ودخل المواطن، سواء من خلال الأجور أو من خلال إيرادات الدولة من الضرائب والرسوم وغيرها.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة فينتشر جلوبال الأمريكية، ثاني أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، مايك سابل، خلال منتدى معني بأمن الطاقة في طوكيو إن التقلبات في أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية الناجمة عن أزمة الشرق الأوسط “قصيرة الأجل للغاية”.
وأضاف سابل: “هناك تقلبات هائلة في الأسواق.. لكننا نرى أن هذا قصير الأجل للغاية ومتفائلون بشدة حيال متانة السوق على المدى المتوسط والطويل وقوة الاستثمارات فيها وعودة الإمدادات من جديد. نتوقع استقراراً كبيراً في أسعار التسييل على المدى الطويل”.
وتشير تقديرات إلى أن متوسط سعر الغاز الطبيعي المسال للتسليم في نيسان لمنطقة شمال شرق آسيا 19.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بانخفاض عن 22.50 دولار في الأسبوع السابق، والذي كان أعلى مستوى منذ منتصف كانون الثاني 2023.
وقالت مصادر بالقطاع إن التقديرات خلصت إلى أن سعر التسليم في أيار سيكون 18.90 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
ضرر متبادل
يشير الدبس إلى أن الضرر سيكون متبادلاً بين الطرفين: زيادة تكاليف الإنتاج سترفع الأسعار، ما يؤدي إلى التضخم، وبالتالي سيواجه المواطن صعوبة في شراء المواد الأساسية وتلبية احتياجاته اليومية. أما من جهة الدولة، سينعكس ذلك على الميزانية، سواء من ناحية دعم الكهرباء أو من ناحية تراجع الاستثمارات وانخفاض الإيرادات الضريبية الناتجة عن العمليات التشغيلية، مما يخلق خللاً وضغطاً على الاقتصاد السوري، وينعكس لاحقاً على الأمن القومي.
ويضيف أن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، وهناك علاقات وعقود استثمارية طويلة وقوية بين قطر وبلدان الخليج الأخرى وبين سوريا. وستتأثر هذه العقود أيضاً، مما يؤدي إلى تأثير مباشر على جميع البنود المرتبطة بالاستثمارات، وتتوقف الاتفاقات المعقودة بين الحكومة السورية والحكومات القطرية أو الخليجية.
عندها ستضطر سوريا إلى شراء الغاز من مصادر أخرى، سواء من روسيا أو أذربيجان أو مصادر أخرى، وربما فتح أسواق جديدة لتغطية العجز، لكن بأسعار السوق الرائجة وليس بأسعار الدعم المقدمة من قطر. وهذا سيجبر سوريا على فتح مجالات اقتصادية وسياسية جديدة مع دول كانت في السابق في غنى عنها، وفق الدبس.
الثورة السورية
——————————
نحو حل نهائي لعُقدة “المناقلة” على الحدود السورية/ إياد الجعفري
الأحد 2026/03/15
منذ صدور قرار هيئة المنافذ والجمارك السورية بمنع دخول شاحنات النقل غير السورية، واعتماد آلية “مناقلة” البضائع في المنافذ الحدودية البرّية، كان النقاش دوماً منحازاً لطرف أحد أصحاب المصلحة في هذه العُقدة.
المدافعون عن القرار يتحدثون بكثافة عن مظلومية سائقي وملاك شاحنات النقل السورية، التي حُرمت من المعاملة بالمثل في معظم الحالات، على مدار نحو عقدٍ ونصف. وقد دفعت هذه الشريحة التي تُعد بالآلاف وتعيل عشرات آلاف الأسر، أثماناً باهظة، كسواها من السوريين، جراء تبعات الحل الأمني الذي اعتمده نظام الأسد حيال ثورة العام 2011.
فالعقوبات والاضطراب الأمني في الداخل السوري، ومن ثم سمعة تهريب المخدرات، قيّدت حركة هذه الشاحنات بصورة كبيرة. ومن ثم، كانت النتائج الأعمق. فانهيار القطاع الإنتاجي في البلاد، أدى إلى انهيار إيرادات العمل في هذا القطاع، ونجم عن ذلك عجز تبدى في عدم تحديث أسطول الشحن السوري. ومع سقوط النظام البائد، تنفس العاملون في هذا القطاع، الصعداء، جزئياً، مع انفتاح البلاد على الاستيراد بصورة كبيرة. فتحركت أرزاقهم إلى حد ما. لكن بقيت القيود الناجمة عن تهالك شاحناتهم، تمنعهم من الولوج إلى معظم دول الجوار، وإلى أسواق الخليج الغنية، إلى جانب تأثير تضاءل الصادرات السورية. في حين كانت الشاحنات غير السورية، تعبر البلاد بكل حرية. ومع ارتفاع سقف القدرة على التعبير، بدأ السائقون ينظمون احتجاجات محدودة، كان أكبرها، ذاك الذي حدث عشية صدور قرار منع دخول الشاحنات غير السورية، مطلع شباط/فبراير. وهو القرار الذي حوّل ملايين الدولارات من إيرادات لشركات النقل غير السورية، لتصبح إيرادات للعاملين في قطاع الشحن السوري. الأمر الذي خلق ارتياحاً واسعاً في أوساطهم.
كذلك انعكس هذا القرار مكاسبَ لصالح خزينة الدولة، إذ أتاح الكشف عن هامش كبير من التهرّب الجمركي. وتذهب تقديرات مؤيدين لهذا القرار، إلى أن فارق القيم الحقيقية للبضائع التي تم الكشف عنها بعد فرض نظام “المناقلة”، قد يصل إلى نحو 15 ألف دولار لكل شاحنة، وسطياً. مما يعني عوائد نوعية لخزينة الدولة. وفي سياق الدفاع عن القرار، نقرأ آراءً تتحدث عن كونه وسيلة للحد بشكل كبير من تهريب المخدرات والمواد الممنوعة إلى دول الجوار، عبر إخضاع البضائع لتفتيش أدق، خلال عمليات “المناقلة”.
على الضفة المقابلة، أضرّ القرار بمصالح التجار وشريحة واسعة من الصناعيين. فارتفعت تكاليف النقل، وزاد الزمن الذي يتطلبه، إلى جانب التلف والأضرار التي باتت تهدد أصنافاً كثيرة من البضائع خلال عمليات المناقلة. كذلك تحركت حكومات لبنان والأردن، للتواصل مع السلطات السورية المعنية، دفاعاً عن مصالح قطاع الشحن لديها، والذي تعرّض لأضرار جسيمة، بسبب هذا القرار. أما أبرز المتضررين، فكانت جيبة المستهلك السوري. وخلافاً لما يقال عن عدم تأثير القرار على أسعار السلع، يمكن تفسير جانب من أسباب القفزات النوعية في أسعار السلع منذ مطلع رمضان، بهذا العامل. ويمكن رصد ارتفاعات تتجاوز 50% في معظم السلع الأساسية.
ومن ثم جاءت الحرب في الشرق الأوسط، لتفرض تحديات ملحة تتعلق بالحاجة لتحقيق سلاسة في سلاسل توريد الإمدادات، ولتتيح فرصة لإبراز قيمة الممر الإقليمي البرّي في سوريا والأردن، كمتنفس لوجيستي، لمجمل دول الإقليم. وبناء على هذه الاعتبارات جاء الاتفاق الأخير بين سوريا والأردن، بإلغاء “المناقلة” للشاحنات التي تنقل البضائع الوطنية للبلدين. ويشكك ممثلو قطاع الشحن السوريين المتضررين بقضية شهادات المنشأ للبضائع، والتي يقولون إنه يجري تزويرها بسهولة، لتصبح ذات منشأ أردني، مما يعني أن حديث ممثلي هيئة المنافذ عن أن الاتفاق محصور بالبضائع المحلية للبلدين، غير واقعي من الناحية العملية. ناهيك عن الاختلال الكبير في الميزان التجاري بين سوريا والأردن، لصالح الأخير. مما يجعل كفّة الاتفاق تميل بقوة لصالح قطاع الشحن الأردني. هذه القراءة لممثلي قطاع الشحن السوري، ورغم الإقرار بدقتها إلى حد كبير، تتجاهل المكسب الناجم عن إتاحة وصول الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة للقيام بعمليات التحميل والتفريغ، وفق الاتفاق. وتتجاهل أيضاً، المسبب العميق لقبول هيئة المنافذ باتفاق كانت قد قاومت الضغوط باتجاهه، على مدار الأسابيع الخمسة السابقة، من جانب الأردنيين بالذات. فاعتبارات تسهيل نقل البضائع في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، باتت حاجة سورية ملحة، ربما أكثر من حاجة الأردن. بسبب هيكل الاقتصاد السوري الضعيف إنتاجياً، والمستند بصورة رئيسة على الاستيراد.
لذا من الصعب عدم الاتفاق مع التسوية المؤقتة التي لجأت إليها هيئة المنافذ في اتفاقها مع الأردن. ويبدو أن الهيئة نجحت في إقناع ممثلي قطاع الشحن بذلك، وفق المعطيات المتوافرة حتى الآن، مما هدّأ التوترات في معبر نصيب. لكن المعالجة النهائية لمعضلات هذه القضية، أبعد من قدرات هيئة المنافذ ومسؤولياتها. فسوريا بحاجة ملحة لإعادة تفعيل قطاع الإنتاج فيها، كي لا تظهر “عوراتها” بهذه الصورة، مع كل أزمة إقليمية، تكون فيها في مأزق الحاجة لسلاسل إمداد، ناهيك عن الضرر النوعي على صعيد عدم القدرة على توفير فرص عمل، نتيجة هذا الخلل الهيكلي في الاقتصاد. هذا المستوى من المعالجة، بعيد المدى. ويتطلب سنوات من العمل. لكن يجب اتخاذ قرار استراتيجي بهذا الاتجاه، والبدء في وضع رؤية لتنفيذه.
أما على صعيد قطاع الشحن السوري، فيجب على ممثلي هذا القطاع والعاملين فيه، التفكير بمرونة، والتجاوب مع طرح وزارة النقل قبل ثلاثة أشهر، بتنظيم عملية نوعية لاستبدال وتحديث أسطول الشحن السوري. وبطبيعة الحال، فإن مخاوف العاملين في هذا القطاع، جراء محدودية قدرتهم على تحمّل تكاليف استبدال شاحناتهم القديمة بأخرى جديدة، متفهمة. لكن التفكير في حلول نهائية لهذه المعضلة، هو المخرج من وضعية “الفيتو” على شاحنات الأسطول السوري، الموضوعة من معظم دول الجوار والخليج، جراء تقادم الشاحنات السورية. كما أن رهان قطاع الشحن السوري وممثليه –كما يجري الآن- على احتكار مساحة النقل المحلية، يعني رفع تكلفة النقل وزمنه، على حساب المستهلك والتاجر، والأهم، إفقاد سوريا لقيمتها اللوجستية الناجمة عن كونها ممراً برّياً مهماً لدول الإقليم.
لذا، فالتفكير بمرونة، بحلول من قبيل التقسيط، أو الشراكة مع مستثمر محلي أو أجنبي -كما طُرح- يتيح حل أبرز عقدة لإعادة إحياء قدرة قطاع الشحن البرّي السوري على العمل بحرية، في معظم دول الإقليم. وهو وإن كان سيرتب أعباء مالية مستقبلية على مالكي الشاحنات السورية، إلا أنه في الوقت نفسه، سيوسّع فرصهم في العمل، عبر إلغاء مبدأ “المناقلة”، واعتماد آلية النقل العابر للحدود (Door-to-Door)، مما سيتيح لشاحنات البضائع السورية أن تدخل أسواق الخليج على نطاق واسع، مجدداً. وهو ما سينعكس إيجاباً على جميع أطراف هذه “العُقدة”، وفي مقدمتهم، المستهلك السوري، بحيث تنخفض فاتورة التكاليف التي أثقلت جيبه، في الآونة الأخيرة.
المدن
——————————-
انفراج مالي مرتقب… تحويلات بالدولار من وإلى سوريا
الأحد 2026/03/15
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن تفعيل حساب في البنك الفيدرالي الأميركي يتيح لسوريا العودة إلى منظومة البنوك المراسلة وتنفيذ عمليات التقاص والتحويل بالدولار، ما يدعم تدفق تحويلات المغتربين والاستثمارات وعودة التجارة الخارجية إلى القنوات المصرفية الرسمية، ويعزز السيولة وفرص الاستيراد والعمل.
وأشار في تصريح لـ”الإخبارية السورية” إلى أن الحساب الخاص بسوريا في البنك الفيدرالي الأميركي أصبح جاهزاً وفعالاً، وسيتم تفعيله قريباً، بعد جهود بدأت في تموز لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
وقال الحصرية إنَّ إعلان إعادة تفعيل الحساب لقي ترحيباً من وزارة الخزانة الأميركية والمبعوث الرئاسي الأميركي، اللذين اعتبرا الخطوة تاريخية وداعمة لتعافي الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أنها تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة وتؤشر إلى توجه لإعادة دمج النظام المالي السوري عالمياً.
تكاليف التحويل
إلى ذلك، أوضح أن التحويلات عبر القنوات الرسمية ستخفض تكاليف التحويل بعد إنهاء دور الوسطاء والقنوات غير الرسمية، مشيراً إلى أن التحويل عبر نظام “سويفت” يصل في 77 في المئة من الحالات خلال 10 دقائق، ما يعزز ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي.
وأكد أن الخطوة تأتي ضمن رؤية المصرف المركزي لبناء قطاع مالي وفق المعايير العالمية وتعزيز اندماج سوريا في المنظومة المالية الدولية، لافتاً إلى العمل بالتوازي على تعاون مع بنوك مركزية في كندا وأوروبا.
وكشف الحصرية أنه جرى عقد اجتماعات مع البنك المركزي الكندي ومؤسسات مالية في كندا لبحث فتح حساب للمصرف المركزي السوري، إضافة إلى لقاءات مع بنوك كبرى وهيئات تنظيمية ومؤسسات طباعة عملة، والعمل أيضاً على مسار مشابه مع البنك المركزي الأوروبي وألمانيا وفرنسا لتعزيز التعاون المصرفي.
العملة الجديدة
وفيما يتعلق باستبدال العملة الجديدة، أكد الحصرية أنه تم استبدال نحو 40 في المئة من الكتلة النقدية المتداولة، بعد أن كانت 35 في المئة في بداية الشهر، مشيراً إلى أن العملية تسير بسلاسة ومن المتوقع تسارعها بعد عيد الفطر.
وبيّن الحصرية أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات نتيجة الحرب في المنطقة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي، مثل اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات الصرف، إلا أن سياسات المصرف المركزي ساهمت في الحفاظ على استقرار نسبي لسعر الصرف رغم ارتفاع الدولار عالمياً
——————————
الحرب تُربك الاستثمارات وتعيد ترتيب الأولويات في سوريا/ ناظم عيد
السبت 2026/03/14
لم تظهر تأثيرات الحرب الإسرائيلية والأميركية ـ الإيرانية على نحوٍ كبير على سلاسل الإمداد الغذائي والنفطي للأسواق السورية.
وإن كانت حالة الهلع التقليدية في مثل هذه الظروف تتسبب ببعض الاختناقات والطلب الزائد – ظهر ذلك بارتفاع أسعار المواد الغذائية والغاز المنزلي – إلا أن الجهات الرسمية أرجعت الموقف لطقوس شهر رمضان في سوريا. وبالفعل اعتاد السوريون على ارتفاع الأسعار في هذا الشهر، بالتالي لا يمكن الجزم بأن ماحصل من تعقيدات يعود إلى ظرف الحرب كانعكاس مباشر.
اطمئنان نسبي
لكن من الإنصاف هنا الإشارة إلى الإدارة الرسمية للسوق، والنجاح في تبديد حالة القلق ـ كما حصل في مادتي الغاز والبنزين ـ لأن العامل النفسي غالباً يكون نصف المشكلة عندما يتعلق الأمر بالأسواق وأزماتها.
وبالفعل أسهمت تأكيدات الرسميين حول وفرة المخازين من السلع الأساسية “احتياطي قمح لثمانية أشهر” وتصريحات التجار غير المتشائمة، إضافة لتكثيف بث مشاهد نقل النفط الخام من مناطق الجزيرة السورية إلى المصافي، وغير ذلك، في طمأنة السوريين بشأن توفر احتياجاتهم الأساسية.
درس الحرب
لكن على المدى الطويل، إن طالت الحرب أو توقفت وبقيت آثارها لفترة، يبقى على الحكومة السورية مهام أكثر استراتيجية لا بد من الشروع بها ـ بحرب أو بلا حرب ـ أي الاستفادة من “درس الحرب” الذي ربما يتكرر كثيراً في منطقة هي الأكثر قلقاً وتوتراً في هذا العالم “منطقة الشرق الأوسط”. إذ مازال كل من يراقب المجريات على الأرض ينتظر إنجازات حقيقية على مستوى تفعيل مقومات الكفاية المحلية في بلد متنوع الموارد ويمكن أن ينعم بالاكتفاء الذاتي، ثم على مستوى الاستثمار ورؤوس الأموال المطلوبة لمعاودة النهوض.
فالحقيقة التي لم ينظر إلبها خبراء الاقتصاد والتنمية بعين الارتياح. هي أن معظم الاستثمارات الكبيرة المعلن عنها منذ التحرير وحتى اليوم، تعود لشركات غير سورية، سعودية وقطرية بالدرجة الأولى، ثم تركية وإن لم تجرِ للأخيرة مراسم احتفاء معلنة.
ضريبة الجغرافيا
في المجمل وكما يظهر من التطورات الأخيرة، هذه الحرب لن تطول بشكلها الحالي، ولا يتوقع أن تتحول إلى حرب تقليدية طويلة الأمد، فمن وجهة نظر الخبير الاقتصادي والأكاديمي د. فادي عياش، التكلفة تبدو باهظة جداً على كافة الأطراف، وكما هو معروف فالحروب هي من أساليب التفاوض الخشن.
لكن رغم ذلك يرى عياش في حديثه مع “المدن” أنه سيكون لهذه الحرب تداعيات مؤثرة على المدى القريب والمتوسط، على مستوى المنطقة والعالم، ولكن سيكون التأثير أكبر على الاقتصادات المستوردة للطاقة وعلى الاقتصادات الهشة من حيث سلاسل الإمداد والتموين والتأمين.
في سوريا يتوقع الخبير عياش أن يكون التأثير كبير لاعتبارات الموقع الجغرافي في منطقة الصراع وتأثر دول الجوار المباشر في الحرب من جهة، وكذلك بسبب طور التعافي السوري الذي لم يكتمل بعد من جهة أخرى مما يزيد مخاطر تلك التداعيات.
ولذلك يتطلب الموقف إدارة محكمة للمخاطر وإعداد سيناريوهات لإدارة البدائل لتخفيف الآثار المتوقعة على الأقل في الأمدين القريب والمتوسط، سواء استمرت الحرب أو توقفت.
وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي الإستراتيجي لسوريا حيث يمكنها تفعيل موانئها الهامة والآمنة على المتوسط، وكذلك التفعيل الأعظمي للمعابر البرية مع المحيط والنقل الجوي لتأمين مسارات بديلة لتأمين السلع الرئيسة ذات الأولية كالغذاء والدواء وحوامل الطاقة… وهذا يتطلب تسهيلات و تيسيرات إجرائية استثنائية في هذه المرحلة.
كفاية ذاتية!
يرى د. عياش أن سوريا تتمتع بقدرات ذاتية مؤثرة يمكن، في حال استثمارها بكفاءة، أن تلبي معظم الاحتياجات المحلية على المستوى الغذائي والطاقوي.
فموسم الأمطار يبشر بإنتاج زراعي وفير مما يتطلب تقديم تسهيلات ودعم كبير للمحاصيل الإستراتيجية وذات التأثير المباشر على الأمن الوطني كالغذاء والمحاصيل الصناعية.
كما أن استعادة حقول الطاقة في المنطقة الشرقية ورغم عدم جاهزيتها الكلية وتضرر شبكات الأنابيب إلا أنها ستكون داعمة وقادرة على تخفيف تأثير الحرب على تأمين المشتقات النفطية على الأقل وبمستوى مقبول.
مع التنويه بأن التأثير الفعلي المتوقع لا يتعلق بقلة التوريدات المحتملة أي النقص في المواد بقدر ما يتوقع أن يكون ارتفاع في تكاليف تأمينها كأثر غير مباشر لتضرر سلاسل الإمداد واللوجستيات الدولية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وهذا يتطلب وعياً مجتمعياً لتجنب السلوكيات التي تضاعف الطلب وتزيد من الضغط على الموارد، وكذلك تفعيل أجهزة حماية المستهلك لتأمين استقرار وتوازن العرض السلعي ومنع الاحتكار وتوازن الأسعار.
مخاوف استراتيجية
لكن ماذا عن البُعد الإستراتيجي الآخر في “الاستحقاق السوري الكبير”، ماذا عن الاستثمار والتدفقات الرأسمالية الموعودة؟ كانت الأنباء عن تبدّل الأولويات الاستثمارية في دول الخليج العربي و”تأخر ترتيب الوجهة السورية كأولوية” مثيرة لقلق السوريين الذين يعولون عليها كثيراً.
هنا يرى الخبير عياش، أن دول الخليج ستتأثر بشكل مباشر من تداعيات الحرب في منطقتها وسوف يؤدي إلى تغييرات مؤثرة في أولوياتها الاستثمارية ولا سيما في حال زادت وتيرة القصف والتدمير للبنى الأساسية. وربما من الطبيعي أن ينعكس ذلك على أولوياتها الاستثمارية الخارجية، ولا سيما في سوريا التي تعول كثيراً على الاستثمارات الخليجية بالعموم والسعودية بالخصوص.
لكن الاستقرار النسبي لسوريا وتحييدها عن الصراع الدائر بالتزامن مع رفع العقوبات وتحسن الاستقرار الداخلي قد يكون فرصة بديلة لتشجيع وجذب استثمارات هامة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي عبرت عن اهتمامها بالاستثمار في إعادة الإعمار في سوريا، كفرص متممة أكثر منها بديلة. وهذا يتطلب جهوداً مكثفة لتذليل كافة العقبات والمخاوف المرتبطة بالاستثمار لتحسين البيئة الجاذبة لهذه الاستثمارات المحتملة ولا سيما المتعلقة في البنى التحتية والطاقة.
وربما علينا ألا نغفل عن حتمية تفعيل أكبر لدور قطاع الأعمال المحلي والمغترب وتفعيل التشاركية الاقتصادية.
المدن
——————————
ضغوط الحرب الإقليمية على الاقتصاد السوري.. مسارات للمعالجة/ وعد ديب
مارس 13, 2026
يواجه الاقتصاد السوري ضغوطاً متزايدة مع تصاعد تداعيات الحرب الإقليمية، ما ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية ومستوى معيشة المواطنين. ويتوقع خبراء اقتصاديون أن يشهد التضخم قفزة كبيرة مدفوعاً بارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات والمواد الأساسية، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد.
كما تشير التقديرات إلى احتمال انكماش النمو الاقتصادي وتراجع الاستثمار، مع مخاوف من ارتفاع البطالة إلى نتيجة ركود الأنشطة الإنتاجية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى قدرة السياسات الاقتصادية على الحد من التداعيات، ودور القطاعات الإنتاجية وتحويلات المغتربين في تخفيف الضغوط على سعر الصرف ودعم الاستقرار الاقتصادي.
تأثير الحرب
تأتي الحرب الإقليمية المستمرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لتلقي بظلالها على الاقتصاد السوري.
وأوضح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، لصحيفة “الثورة السورية” أن التأثيرات الاقتصادية بدأت تظهر بشكل واضح على المواطنين، من تقنين الكهرباء بسبب نقص الغاز، وارتفاع الأسعار نتيجة توقف بعض مصادر الاستيراد، إلى تخوفات من تأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد، مما يعمق المعاناة.
وأضاف أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تضخم اقتصادي حاد يترافق مع ضعف الإنتاج وارتفاع الأسعار، وبالتالي ضعف قيمة العملة الوطنية. ومع انقطاع التيار الكهربائي وتأخر وصول الغاز للمصانع، ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل ملحوظ، مما أثر في قدرة المواطن على تلبية احتياجاته اليومية.
البطالة وأبعادها الاجتماعية
في ظل الظروف الراهنة، تشير توقعات الخبراء إلى أن معدلات البطالة قد ترتفع بسبب انكماش النمو الاقتصادي، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي.
وأوضح الدبس أن هذا الوضع سيؤدي إلى زيادة البطالة نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليفه، مما قد يضطر الشركات لتقليص العمالة أو إغلاق مصانعها.
من جهته، أكد المحلل الاقتصادي مختار الإبراهيم، أن استمرار البطالة لفترة طويلة سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، مثل اتساع دائرة الفقر وزيادة الهجرة الجماعية، ما يفاقم الضغوط على المجتمع.
وشدد الإبراهيم على ضرورة تبني سياسات نشطة لسوق العمل، مثل دعم المشروعات الصغيرة، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات المحلية لتوفير فرص عمل جديدة. كما لفت إلى أهمية توسيع برامج التدريب المهني لتحسين مهارات المواطنين، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الأكثر هشاشة.
سعر الصرف
توقع الدبس أن تتعرض الليرة السورية لضغوط شديدة نتيجة التضخم والانكماش في القطاعات الإنتاجية، مع قلة السيولة الأجنبية في البنك المركزي، مما قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وأشار إلى وجود بعض الحلول الجزئية، مثل تحفيز الصناعات الوطنية ودعم المشاريع الصغيرة لتقليل الاعتماد على الواردات وتحقيق بعض الاستقرار.
من جانبه، شدد الإبراهيم على أهمية استعادة النشاط الإنتاجي المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع تحسين بيئة الأعمال وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط.
التحويلات المالية
عن دور المغتربين في دعم الاقتصاد المحلي، اتفق الدبس والإبراهيم على أن التحويلات الخارجية تعد من المصادر الأساسية للقطع الأجنبي حالياً. وأكد الدبس أهمية توجيه هذه التحويلات من مجرد دعم استهلاكي إلى استثمارات في مشاريع إنتاجية لتحفيز الاقتصاد المحلي.
وأضاف الإبراهيم أن تحويلات المغتربين تسهم في دعم الاستهلاك المحلي وتخفيف الضغوط المعيشية، مع ضرورة توجيهها لدعم فرص العمل عبر تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتوفير بيئة قانونية ومالية جاذبة.
تدابير عاجلة
في سياق الحديث عن مسارات المعالجة، يرى الدبس أن الحكومة يجب أن تتخذ تدابير فورية، مثل ضبط الكتلة النقدية المتداولة من خلال الحد من طباعة العملة وضبط تداولاتها، مشدداً على ضرورة مكافحة الفوضى في السوق السوداء ومنع ضخ المزيد من الأوراق النقدية لاحتواء التضخم.
من جهته، أكد الإبراهيم، أن الاقتصاد المحلي، رغم هشاشته نتيجة سنوات الحرب والعقوبات، ما زال قادراً على الصمود في حال اتخاذ تدابير فعالة.
وأوضح أن أبرز القطاعات التي ينبغي التركيز عليها حالياً تشمل الزراعة والصناعات الغذائية، إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعد قادرة على تأمين جزء مهم من الاحتياجات المحلية، وتوليد فرص عمل بموارد محدودة، وبالتالي تخفيف الضغط على الاستيراد وتقليل الاعتماد على القطع الأجنبي.
وأشار الإبراهيم إلى أن تركيز الحكومة على هذه القطاعات سيقلل الضغط على الاستيراد ويوفر القطع الأجنبي، مع أهمية تقديم التسهيلات الضريبية والجمركية لدعم هذه القطاعات.
وأكد الدبس أن التحديات الاقتصادية الحالية تتطلب تعاوناً شاملاً بين الحكومة والقطاع الخاص، إضافة إلى وضع رؤية وطنية شاملة للتعامل مع آثار الحرب. وأضاف: “الواقع اليوم مرير، لكن هناك حلول يمكن أن تخفف الأثر المباشر على المواطن، ولا يمكننا رهن مستقبلنا فقط على المساعدات الخارجية أو التحويلات المالية من المغتربين”.
——————————
سوريا والأردن يتفقان على العبور “دون مناقلة”
اتفقت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مع وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، على عبور متبادل مشروط للشاحنات.
واتفق الجانبان على السماح للشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري فقط بالدخول إلى الأراضي الأردنية، والسماح بدخول الشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط إلى الداخل السوري، دون إجراء عمليات المناقلة على الحدود.
وقالت الهيئة عبر قناتها في “تلغرام“، الخميس 12 من آذار، إن الهدف من الاتفاق “تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق”.
مباحثات سورية أردنية لتعزيز التبادل التجاري
على هامش زيارة وفد حكومي أردني رفيع المستوى إلى دمشق اليوم، عُقدت جلسة ثنائية جمعت رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي مع وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردنية يعرب القضاة، حيث جرى بحث عدد من الملفات الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك بين البلدين الشقيقين.
وتناول اللقاء، وفقًا للهيئة، سبل تعزيز حركة التبادل التجاري بين سوريا والأردن، مع التأكيد على تسهيل دخول البضائع والمنتجات السورية إلى السوق الأردنية وضمان انسيابية عبورها بإجراءات مرنة تسهم في دعم النشاط التجاري بين الجانبين.
التكامل اللوجستي عبر الموانئ والمنافذ
اتفق الجانبان السوري والأردني، خلال الاجتماع على تسهيل عبور الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ، وكذلك تسهيل عبور الشاحنات الأردنية إلى الموانئ السورية للقيام بالعمليات ذاتها، بما يعزز التكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ويفتح آفاقًا أوسع أمام حركة التجارة الإقليمية.
ونظرًا للظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة وما تفرضه من تحديات على حركة النقل والتجارة، اتفق الجانبان على السماح للشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري فقط بالدخول إلى الأراضي الأردنية، وكذلك السماح بدخول الشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط إلى الداخل السوري، دون إجراء عمليات المناقلة على الحدود، وذلك بهدف تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق.
وأكدا أهمية الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لكل من سوريا والأردن، والعمل على تطوير آليات التعاون بما يسهم في تحويل البلدين إلى مراكز إقليمية لتجميع البضائع وإعادة تصديرها إلى أسواق الخليج وأوروبا، الأمر الذي من شأنه تعزيز حركة التجارة وتنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وتم الاتفاق على استمرار التنسيق المشترك لمواجهة انعكاسات الأوضاع الإقليمية على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، بما يضمن انسيابية حركة نقل البضائع وتأمين احتياجات الأسواق وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة في كلا البلدين.
منع دخول الشاحنات الأجنبية وقرار المناقلة
أثار قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بمنع دخول الشاحنات غير السورية (باستثناء الترانزيت) إلى سوريا موجة من الردود والمواقف لدى أصحاب شركات ومكاتب الشحن والاستيراد والتصدير والتجار والصناعيين السوريين، بين من عارض هذا القرار وأيده.
القرار وفر فرص عمل جديدة لمئات العمال السوريين وعشرات الشاحنات والبرادات السورية بشركات نقل وشحن البضائع، تحديدًا في معابر “البوكمال- القائم” الحدودي مع العراق و”نصيب- جابر” الحدودي مع الأردن و”جديدة يابوس- المصنع” الحدودي مع لبنان، وفقًا لما أفاد به مدير في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية عنب بلدي (فضل عدم نشر اسمه لأسباب إدارية).
في نفس الوقت، شكّل القرار ملفًا ضاغطًا على دول الجوار السوري، لبنان والأردن والعراق، التي مُنعت شاحناتها من دخول الأراضي السورية بغرض تصدير ما لديها من سلع ومنتجات إلى سوريا، مع حدوث حالة من الارتباك في المعابر الحدودية.
وكشف مدير عام النقل البري والبحري في لبنان، أحمد تامر، في شباط الحالي، وجود مباحثات مع سوريا بشأن قرارها منع دخول الشاحنات غير السورية المحمّلة بالبضائع الخاصة بالسوق السورية إلى أراضيها، وقال إن لبنان ينتظر أن ينعقد اجتماع قريب مع الجانب السوري للتوصل لحلول، بحسب ما نقلت عنه قناة “فرانس 24”.
كما أشار الناطق الرسمي باسم وزارة النقل الأردنية، محمد الدويري، إلى وجود مباحثات مع سوريا، مبينًا أن الأردن ينتظر رد سوريا بخصوص السماح للشاحنات الأجنبية بالدخول والعبور، علمًا أن الشاحنات الأردنية تفرّغ حمولاتها في المنطقة الحرة عند معبر “نصيب” مع سوريا وكانت 250 شاحنة أردنية تدخل إلى سوريا يوميًا.
توفير فرص عمل والمعاملة بالمثل
المدير في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، قال، إن قرار منع الشاحنات غير السورية من الدخول إلى سوريا سبقه إحداث نافذة واحدة للخدمات في معبر “جديدة يابوس” الحدودي، الذي يعد أحد الشرايين الرئيسة في سوريا لتدفق المسافرين والبضائع، وتم اتخاذ القرار بعد دراسة معمقة من قبل الهيئة، استنادًا إلى:
تنظيم حركة نقل البضائع المستوردة، وتشغيل أسطول النقل السوري وتعزيز حقوق السائقين السوريين.
تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع بعض دول الجوار، مثل الأردن.
تأمين فرص عمل للعمال السوريين والمركبات السورية التي توقفت أغلبيتها عن العمل على خط الترانزيت بين سوريا ودول الخليج، بعد القرار السعودي بالسماح فقط بدخول شاحنات النقل الثقيل (أكثر من 3.5 طن) بشرط ألا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
وفور تطبيق القرار، توافد العمال وأصحاب شركات الشحن والنقل العاملة في الاستيراد والتصدير إلى المعابر الحدودية للعمل في “طابونات” (ساحات) الشحن بالمعابر الحدودية مع دول الجوار، بحسب المدير، ولا سيما معبري “نصيب” و”جديدة يابوس” الحدوديين، للتسجيل على نظام الدور لإجراء المناقلة (نقل البضائع) بين الشاحنات غير السورية والسورية، ونقل البضائع والسلع إلى الداخل السوري.
من الجانب السوري: نافذة واحدة لتقليص الزمن
ما بين 200 و250 عاملًا سوريًا، وعشرات مكاتب وشركات الشحن، سجلوا أسماءهم في يوم واحد بمكتب نقل البضائع التابع لوزارة النقل بمعبر “جديدة يابوس” الحدودي مع لبنان، حسب نظام “الدور”، بحسب ما قاله المدير، بهدف تأمين انسيابية البضائع ومنع حدوث اختناقات في ساحات الشحن وعلى الطريق الواصل بين “المصنع” و”جديدة يابوس”.
وكشف أن عدد الحمولات من البضائع والسلع التي تعبر يوميًا من الجانب اللبناني إلى الجانب السوري، بعد تفريغها ونقلها إلى شاحنات سورية، يتراوح ما بين 150 و200 حمولة، مبينًا أن هناك أعدادًا كبيرة من الشاحنات السورية في شركات النقل كانت شبه متوقفة عن العمل منذ أكثر من عشرة أعوام، وجاء القرار ليعيد النشاط إلى هذه الشاحنات ويؤمّن إيرادات جديدة للشركات والأفراد.
وحول تدفق البضائع، أوضح أن العمل بدأ ينتظم تدريجيًا في ساحات الشحن بالمعابر الحدودية، ويصبح أكثر انسيابية منذ صدور القرار، علمًا أنه تم افتتاح نافذة واحدة في معبر “جديدة يابوس” الحدودي مع لبنان، تضم جميع الخدمات التي يحتاج إليها المستوردون لتخليص بضائعهم جمركيًا، بهدف تبسيط الإجراءات واختصار زمن دخول البضائع إلى سوريا.
وقال المدير في هيئة المنافذ، “تم إنشاء مكتب النافذة الواحدة في أمانة جمارك الجديدة بهدف تبسيط وتسريع إجراءات دخول الشاحنات، سواء كانت محمّلة ببضائع مستوردة أو مصدّرة أو ترانزيت، إضافة إلى العفش المنزلي، وتقوم الفكرة الأساسية على جمع كل النقاط والمكاتب اللازمة في مكان واحد بحيث تُنجز المعاملة كاملة خلال أقل من نصف ساعة”.
المناقلة: زمن أطول وتلف في البضائع وتكاليف أكبر
قال “أحمد ع.” (تحفظ على نشر اسمه الكامل) من إحدى شركات الاستيراد والتصدير وشحن البضائع الشخصية، لعنب بلدي، إن المناقلة بين الشاحنات على الحدود تحتاج إلى وقت إضافي، ما يؤدي إلى زيادة زمن نقل البضائع، خصوصًا للسلع الحساسة كالمواد الغذائية أو المنتجات سريعة التلف، موضحًا أن الشاحنات كانت تدخل الأراضي السورية مباشرة لتسليم البضائع، والآن العملية أكثر تعقيدًا، وقد ترفع التكاليف اللوجستية لعموم التجار.
وأضاف أن المناقلة تعني الحاجة إلى عمليات نقل مزدوجة وأيدٍ عاملة إضافية، ما يرفع تكاليف النقل والتأمين على الواردات والصادرات، معتبرًا أن هذه التكاليف غالبًا ما يتحملها المستوردون والتجار، ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع للمستهلكين.
وكشف عن تكدس الشاحنات على الحدود، ولا سيما مع الأردن ولبنان، مؤكدًا أن ذلك سيؤثر على حركة التبادل التجاري مع هذين البلدين.
إعاقة شحنات الترانزيت
ستؤدي المناقلة إلى تحميل المستوردين تكاليف أعلى لخدمات النقل البري، ما سيضطر بعضهم لإعادة تقييم عقود التوريد أو تغيير طرق النقل، كاللجوء للشحن الجوي، إذا كانت التكاليف مرتفعة إلى هذه الدرجة، بحسب ما قاله “م. ا.” أحد المخلصين الجمركيين لعنب بلدي.
وأكد أن البضائع القادمة من دول الخليج، على سبيل المثال، ستخضع مرتين للمناقلة، على الحدود السعودية- الأردنية وعلى الحدود الأردنية- السورية، وهذا يؤثر على جودة وحالة السلع الحساسة، ويسبب مشكلات في الالتزام بالمواعيد جراء هذه المناقلة الإضافية.
وأشار إلى أن قرار منع دخول الشاحنات السورية سيؤدي إلى إرباك كبير في حركة الترانزيت العابرة في بعض المعابر، موضحًا أن شركات النقل الأجنبية ستكون بموجب القرار قد فقدت بعض أعمالها في سوريا، مما سيدفعها لتخفيض عدد السائقين والعمال المرتبطين بها.
القرار الذي يعكس السياسات الجديدة لهيئة المنافذ والجمارك ووزارة النقل المتمثلة بدعم قطاع النقل السوري والحد من البطالة وخلق فرص تشغيلية داخل سوريا، خصوصًا في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وزيادة الاستثمارات عبر السيطرة على حركة الشحن من وإلى المنافذ، ربما يتسبب بأعباء إضافية واضحة، من خلال زيادة التكاليف وتأخير البضائع والتأثير على التجارة مع دول الجوار.
——————————
هل همس الأردن في أذن الشرع… تجنب منزلق لبنان: العقبة ـ طرطوس في التفعيل بعد احتواء «أزمة الشاحنات»/ بسام البدارين
الزيارة السريعة التي قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الخميس، إنه قام بها إلى دمشق وتضمنت مقابلة خاصة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تظهر مجدداً بأن الدبلوماسية الأردنية تتحرك في كل المسارات الممكنة على أساس التنويع والسعي قدر الإمكان لـ «تحييد» سوريا عن تداعيات المعركة الساخنة الجارية حالياً في الإقليم.
لم يكشف الصفدي عن الخلفيات والتفاصيل، وأشار إلى «نقل تحيات جلالة الملك إلى أخيه الرئيس أحمد الشرع»، ثم صرح بأن «العلاقات الثنائية تمضي قدماً» برؤية واضحة وإرادة قوية».
لم يتضح بعد عن ماذا يتحدث الوزير الصفدي بصيغة محددة، لكن لوحظ عموماً أن ملفين على الأقل في الإطار الثنائي شهدا تطوراً على الهامش المتسارع إقليمياً:
الأول، ملف «حركة الشاحنات» العالق بين البلدين، الذي استوجب حلاً سريعاً بسبب أجواء التصعيد العسكري في المنطقة مع إيران، حيث أعلن وزارة الصناعة والتجارة الأردنية التفاهم على بروتوكول جديد يتجاوز خلافات فنية.
ما فهم ضمناً هنا أن سوريا ستسمح بعبور الشاحنات الأردنية بصيغة «ترانزيت»، وعمان ستسمح بالمقابل للشاحنات السورية بالعبور والمناولة عبر ميناء العقبة إذا تعرقت الواردات عبر المتوسط.
في الأثناء، ثمة مقترحات عند جهات اختصاص بإنتاج آلية لإنهاء حصرية الاستيراد عبر ميناء العقبة بسبب الحرب وسيناريو لاستعمال «ميناء طرطوس» عند الحاجة لصالح الأردن إذا تفاعلت أزمة «سلاسل التزويد والشحن» بسبب الحرب وتعطل العمل على البحر الأحمر.
ما يعنيه ذلك عملياً، أن عمان ودمشق وضعتا بروتوكولاً طارئاً للتعايش والتكيف في حركة الشحن البري باعتباره بديلاً آمناً إذا ما استمرت مناخات التصعيد العسكرية، وذلك على قاعدة التعاون الأخوي المنتج، كما يقدر رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق، وهو يتحدث لـ «القدس العربي» عن أهمية التشاور الدائم مع «الشقيق السوري» في ظل الظروف الحالية.
لكن تلك مهمة أطقم وزارية ثنائية لا تقف عن حدودها حركة الوزير الصفدي النشطة في الاتجاه السوري؛ فالأردن مهتم جداً وللغاية في عزل النظام السوري الجديد عن سياقات الأحداث وبقاءه ضمن «الرؤية العربية» التي تتبلور حالياً في ظل السيناريوهات التي تثيرها الحرب مع إيران… المرجح تلك هي الرؤية التي يلمح لها الوزير الصفدي.
عملياً، ما تريده عمان في هذه المرحلة الحرجة إقليمياً هو مساعدة الدولة السورية والرئيس الشرع في إدارة توازنات لا تدفع بدمشق للتورط في أي سيناريو صراع مباشر حتى «ضد إيران»؛ لأن الوضع «هش في الإقليم وفي العمق السوري»، واليمين الإسرائيلي يترصد بالجميع، كما فهمت «القدس العربي» من مسؤول أردني رفيع المستوى في المنظومة العميقة.
زيارة الصفدي السريعة لدمشق قد تكون في سياق «النصح بتجنب التوجيه» الإسرائيلي والأمريكي بعنوان «التصعيد بين لبنان وسوريا» في مرحلة تتميز بما يسميه السياسي المخضرم طاهر المصري «سيولة استراتيجية مفتوحة الاحتمالات».
لإنجاز ذلك، تنصح عمان ضمناً، الرئيس الشرع بالبقاء في «المركز العربي» الذي يتفاعل الآن رداً على «اعتداءات إيران» بدلاً من الانفراد بموقف اشتباكي تحريضي يؤسس لنزاع مع قوة فاعلة ونشطة الآن في لبنان.
في أفق تلك «النصيحة الخاصة» تصور استراتيجي أردني يحذر من الخضوع سورياً لأي أجندة يخطط لها في لبنان كل من يمين إسرائيل والمبعوث توماس براك، بهدف خلط الأوراق على أساس أن التجربة برمتها «وليدة وجديدة» في دمشق، والاندفاع ضد إيران سورياً قد يؤذيها ويصنع إشكالية في لبنان يخطط لها -برأي الأردن- يمين تل أبيب.
تلك نصيحة ثمينة جداً، يفترض أنها تعرض مع توفير «بدائل» أمام الرئيس الشرع، عنوانها اجتماعات القاهرة لوزراء الخارجية العرب، والحرص الشديد على تماسك المجموعة العربية في السعي إلى «خفض التصعيد» وحرمان اليمين الإسرائيلي من حرب طويلة ومعقدة يستغلها في فلسطين وجنوبي لبنان وسوريا.
لاحظ الجميع أن الصفدي تحدث عن زيارة وتحية ملكية للشرع مباشرة بعد صدور «بيان سوري رسمي» يدعو إلى «نزع سلاح حزب الله»، الأمر الذي قرع في كل حال أجراس الإنذار الأردنية خشية تورط دمشق.
عمان «ضد اعتداءات إيران» على المملكة والدول العربية، وتقول ذلك بكل اللهجات ومن اللحظة الأولى، لكنها حريصة بحساسية مرتفعة للغاية على أن لا يستغل بنيامين نتنياهو وطاقمه حالة الحرب لـ «فرض وقائع» جديدة في المنطقة، ليس في الضفة الغربية فقط، ولكن جنوبي لبنان وسوريا أيضاً.
السياسات الإسرائيلية المختلطة بالأطماع في الجنوبين اللبناني والسوري تؤسس لـ «حصار جيوسياسي» على الأردن، برأي الفريق الركن المتقاعد قاصد محمود، الذي طالب بالانتباه مبكراً عبر «القدس العربي».
ونتنياهو -برأي الخبير الدكتور دريد محاسنة- توجهاته واضحة ومفهومة في «السيطرة على موارد ومصادر المياه» في لبنان وسوريا.
عملياً، ما دام الخبراء الأردنيون يحذرون من «الاستغلال الإسرائيلي» لمسار الأحداث، يمكن القول إن «الرسالة التي همس بها» في أذن الرئيس الشرع قد تكون على الأرجح مرتبطة بالنصيحة الأردنية المركزية التي اهتمت أيضاً بـ «تصليب وتعزيز» الأمن السوري في مناطق جنوبي سوريا وفي محيط درعا والسويداء، حتى لا يحاول الإسرائيلي التموقع في المنطقة بذرائع أمنية.
لذلك، وفي إطار قواعد الاشتباك الأردنية المرسومة بدقة، فإن البقاء قرب سوريا ودمشق والشرع وسط فوضى الصواريخ والأجندات، يصبح استراتيجية تحظى برعاية رفيعة في عمان؛ لأنها أولاً، تساعد في «تأمين» تعاون لوجستي مثمر خلال الحرب برياً وبحرياً وتجارياً. وثانياً، لأنها تخطط أو تحاول التخطيط لرسم صورة منهجية تمنع انزلاق سوريا الجديدة في منحنيات إسرائيلية تمتد فيها الحرب على إيران لتتحول إلى حرب عربية ـ عربية بين سوريا وقوى أساسية في لبنان.
————————-
سوريا: اجتماعات مع مسؤولين أردنيين تحلّ أزمة الشاحنات… وسائقون يحتجون/ جانبلات شكاي
العلاقات السورية الأردنية في مختلف مجالاتها والمتعلقة بالدفاع والأمن والاقتصاد كانت حاضرة على طاولة أكثر من جلسة رسمية احتضنتها دمشق بين كبار مسؤولي البلدين الخميس، لكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه ودخل التنفيذ مباشرة أمس الجمعة وسمح بدخول الشاحنات الأردنية المحلة بالمنتجات ذات المنشأ الأردني إلى سوريا، لم يلق قبولاً لدى عدد من أصحاب الشاحنات السورية فنظموا احتجاجا وحاولوا قطع الحركة عند منفذ نصيب – جابر الحدودي، ما دفع إلى تدخل عناصر الأمن التي استطاعت استيعاب الموقف وإعادة الحركة للمنفذ في الاتجاهين.
وفي السادس من شباط الماضي أصدرت المنافذ والجمارك السورية القرار 31 وقامت بموجبه بمنع دخول الشاحنات الأجنبية المحملة بالضائع المستوردة، باستثناء بعض المواد، على أن تتم مناقلة هذه البضائع مع الشاحنات السورية عند المنافذ الحدودية المشتركة، الأمر الذي لاقى ترحيباً كبيراً من أصحاب الشاحنات السورية لكنه خلق بداية ازدحاماً شديداً، وانعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية داخل البلاد وخصوصاً أن القرار جاء قبيل شهر رمضان وزيادة الطلب على مثل هذه المواد.
تنسيق أمني عسكري
واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة، ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان، في دمشق الخميس، وفداً أردنياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أيمن الصفدي، وضم رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي، ومدير المخابرات العامة اللواء أحمد حسني حاتوقاي.
وفي ساعة متأخرة من ليل الخميس صدر بيان سوري أردني مشترك ذكر أن الشرع بعث تحياته إلى ملك الأردن عبد الله الثاني وأكد عمق العلاقات الأخوية والحرص على تعزيز تعاون أوسع في مختلف المجالات، وبما يخدم الشعبين والبلدين الشقيقين.
وحسب البيان الذي نشرته الرئاسة السورية عبر صفحتها على «تليغرام» نقل الصفدي تحيات عبد الله الثاني إلى الشرع، كما نقل رسالة أكدت وقوف الأردن إلى جانب سوريا، والحرص على تعزيز العلاقة الأخوية التاريخية بين البلدين الشقيقين.
وتحدث عن جلسة مباحثات موسعة عقدها الوفدان السوري والأردني برئاسة الشيباني والصفدي ركزت على التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين، وأكد الوفدان استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح من خلال آليات العمل المشتركة التي مأسسها البلدان.
وحسب البيان فإن الاجتماع بحث تداعيات التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة، والاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وآفاق استعادة التهدئة وتفعيل الدبلوماسية سبيلا لتكريس الأمن والاستقرار، وأكد الوزيران إدانة الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على أراضي الأردنية وعلى دول الخليج العربي، وجددا التأكيد على إدانة الاعتداءات والغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا وتدخلاتها فيها، والتي تعد اعتداء على سيادة سوريا يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين وانتهاكا لاتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974، والطلب بانسحاب إسرائيل الفوري لخطوط اتفاقية فض الاشتباك.
البضائع السورية إلى الأردن
وفي إطار العلاقات التجارية الثنائية، استضافت دمشق جلسة محادثات أخرى لبحث تعزيز التكامل اللوجستي وتسهيل حركة التجارة عبر الموانئ والمنافذ البرية المشتركة، شارك فيها رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية قتيبة بدوي مع وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني يعرب القضاة.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» ذكر مدير العلاقات في المنافذ والجمارك السوري مازن علوش أن المحادثات تناولت تعزيز حركة التبادل التجاري وتسهيل انسيابية عبور البضائع عبر المنافذ الحدودية، وتم الاتفاق على تسهيل دخول البضائع والمنتجات السورية إلى السوق الأردنية وضمان انسيابية عبورها بإجراءات مرنة تسهم في دعم النشاط التجاري بين الجانبين.
وبين أنه وفق الاتفاق الذي دخل التنفيذ مباشرة وبدأ العمل به من صباح (أمس) الجمعة، فإن الأردن سيعيد فتح استيراد البضائع السورية المنشأ على مختلف أنواعها من المنتجات الزراعية أو المواد المصنعة والتي كانت عمان قد علقتها منذ عام 2014 في عهد النظام السابق بحجة الحد من تجارة المخدرات.
وقال إنه تم الاتفاق أيضاً على تسهيل عبور الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ، وكذلك تسهيل عبور الشاحنات الأردنية إلى الموانئ السورية للقيام بالعمليات ذاتها، بما يعزز التكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ويوفر خيارات إضافية للتجار والمصدرين والمستوردين في كلا البلدين.
وردا على سؤال عن مصير عمليات المناقلة السابقة عند المنافذ الحدودية قال علوش إنه ونظراً للظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة (في إشارة منه للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران) وما تفرضه من تحديات على حركة النقل والتجارة، تم الاتفاق على السماح للشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري بالدخول إلى الأراضي الأردنية، وكذلك السماح للشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني بالدخول إلى الأراضي السورية، دون إجراء عمليات المناقلة على الحدود، وذلك بهدف تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق.
وأوضح أن الجانبين أكدا أهمية الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لكل من سوريا والأردن، والعمل على تطوير آليات التعاون بما يسهم في تحويل البلدين إلى مراكز إقليمية لتجميع البضائع وإعادة تصديرها إلى أسواق الخليج وأوروبا، وهو ما من شأنه أن يعزز حركة التجارة الإقليمية وينشط قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وأكد أن الاتفاق متوقع له أن يسهم في خفض التكاليف اللوجستية المرتبطة بعمليات النقل والشحن، ولا سيما مع تقليص إجراءات المناقلة على الحدود وتسريع حركة عبور الشاحنات، ما قد ينعكس إيجاباً على استقرار أسعار بعض السلع في السوق السورية، خصوصاً السلع المستوردة أو تلك التي تمر عبر الأردن أو عبر ميناء العقبة، نتيجة انخفاض تكاليف النقل والوقت اللازم لوصول البضائع إلى الأسواق.
ولم يستبعد إمكان التوصل لاتفاقات مشابهة مع دول الجوار الأخرى, وقال إنه من الممكن أن يشكل الاتفاق السوري ـ الأردني خطوة تمهيدية نحو تطوير تفاهمات مماثلة مع دول الجوار، ولا سيما في مجال تسهيل حركة الشاحنات وتبسيط الإجراءات الجمركية، موضحاً أن تطبيق نموذج مشابه مع دول أخرى يبقى مرتبطاً بطبيعة العلاقات الثنائية والظروف الاقتصادية واللوجستية لكل دولة، إضافة إلى خصوصية الأنظمة الجمركية والبنية التحتية للنقل والمنافذ الحدودية.
ومنذ لحظة الإعلان عن الاتفاق الجديد، قرأ أصحاب الشاحنات السورية أنه جاء لصالح الشاحنات الأردنية وعلى حسابهم، باعتبار أن سوريا الخارجة من حرب طويلة لا توجد لديها منتجات للتصدير والقرار عمليا أنهى قرار المناقلة الصادر قبل أكثر من شهر، ما يهدد الأسطول السوري البالغ نحو 35 ألف شاحنة، بعودته للتوقف عن العمل كما كان حاله قبل القرار 31.
رفض واحتجاجات
وظهرت دعوات في ساعات متأخرة من ليل الخميس عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتظاهر ومنع دخول الشاحنات الأردنية إلى سوريا، وهو ما تمت ترجمته صباح أمس حيث تجمع العشرات من سائقي الشاحنات السورية عند منفذ نصيب وقاموا بعمليات شغب ورشق الشاحنات الأردنية بالحجارة، مسببين أضرارا فيها.
وعلى الفور تم استقدام عناصر من أمن الطرق من مدينة درعا القريبة لضبط الوضع.
وقال علوش إن الأمن استطاع استيعاب الموقف عند المنفذ وعادت الحركة، مشيراً إن الدولة والحكومة تتخذ قراراتها بناء على المصلحة العامة ولا يمكن لها أن تكون تحت إمرة ورأي عدد من سائقي الشاحنات.
وبين لـ «القدس العربي» أن «المنافذ والجمارك» هي أكثر جهة تعاطفت ووقفت مع أصحاب وسائقي الشاحنات السورية وما زلنا نقف معهم، والقرار استثنى المناقلة فقط للبضائع ذات المنشأ الأردني وهذه لا تشكل إلا جزءاً صغيراً من البضائع المستوردة عبر الأردن لأن هذه في معظمها تأتي براً من دول الخليج العربي أو عبر ميناء العقبة من جنوب شرق آسيا.
وأكد علوش أن اتفاق الجمعة لا يؤثر على الشاحنات السورية بل على العكس يفتح للمرة الأولى آفاقاً أوسع أمام السائقين والشاحنات السورية، إذ تم الاتفاق على السماح للشاحنات السورية المحمّلة ببضائع ذات منشأ سوري بالدخول إلى الأراضي الأردنية بشكل مباشر دون مناقلة، بما يتيح لها الوصول إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ. وهذا يعني عملياً أن الشاحنة السورية يمكنها أن تدخل محمّلة بالبضائع السورية وتعود من العقبة محمّلة ببضائع أخرى، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على عمل السائقين ويزيد من فرص التشغيل والنقل لديهم.
القدس العربي
———————————–
احتجاجات على قرار المناقلة بين سوريا والأردن.. “المنافذ” تبرر
شهد مدخل معبر “نصيب” الحدودي بين سوريا والأردن، من الجانب السوري، احتجاجات، الجمعة 13 من آذار، من قبل عمال وسائقين سوريين، تطورت إلى رمي شاحنات أردنية كانت تقوم بنقل البضائع إلى داخل سوريا بالحجارة، والشجار مع السائقين الأردنيين.
ووفقًا لمراسل عنب بلدي في درعا، حاول عمال وسائقون سوريون منع سيارات أردنية محملة بالبضائع من دخول الأراضي السورية، احتجاجًا على قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، الخميس، بالسماح بالعبور المتبادل المشروط للشاحنات السورية مقابل الشاحنات الأردنية، وطالبوا بتطبيق “مبدأ المعاملة بالمثل” قبل السماح بعبور الشاحنات الأردنية.
العمال وسائقو الشاحنات السورية، التي تقوم بعمليات المناقلة من الشاحنات الأردنية في معبر “نصيب”، وكذلك الذين ينقلون البضائع المصدرة من سوريا إلى الأردن ودول الخليج، عبروا عن استيائهم خلال الاحتجاجات، نظرًا لتوقف الشاحنات السورية المحملة بالبضائع السورية في طابور طويل على معبر “جابر” الحدودي الأردني المقابل للمعبر السوري.
“المنافذ”: السائق السوري أولوية
قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، إن “مصلحة السائق السوري تبقى أولوية أساسية في كل ما تقوم به الهيئة من إجراءات وتنظيمات، بما يسهم في تعزيز نشاط هذا القطاع الحيوي وتحسين ظروف العمل فيه”، حسبما ذكرته الوكالة السورية للأنباء (سانا).
وأكد علوش أن الهيئة كانت ولا تزال الجهة الأكثر حرصًا على الدفاع عن مصالح السائقين السوريين، ومتابعة قضاياهم، وقد عملت خلال الفترة الماضية على طرح مطالبهم بشكل مباشر في مختلف الاجتماعات واللقاءات الثنائية، “انطلاقًا من قناعتنا بأن السائق السوري هو شريك أساسي في حركة التجارة والنقل بين الدول”.
وأضاف أن الهيئة “ستبقى على تواصل دائم مع السائقين والفعاليات العاملة في قطاع النقل”.
واتفقت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مساء الخميس، مع وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، على عبور متبادل مشروط للشاحنات.
وينص الاتفاق السوري الأردني على السماح للشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري فقط بالدخول إلى الأراضي الأردنية، والسماح بدخول الشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط إلى الداخل السوري، دون إجراء عمليات المناقلة على الحدود.
وقالت الهيئة عبر قناتها في “تلجرام“، إن الهدف من الاتفاق “تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق”.
الهيئة تبرر
مدير العلاقات بالهيئة، علق أيضًا، بأن قرار السماح المشروط بوقف المناقلة، جرى التوافق عليه بين الجانبين السوري والأردني في إطار تنظيم حركة نقل البضائع وتسهيل انسيابها بين البلدين، وهو يقتصر حصرًا على الشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط.
وأما بقية البضائع القادمة عبر الأردن أو عبر دول أخرى، وهي في الحقيقة تشكل الحجم الأكبر من حركة النقل التجاري، فستبقى خاضعة لإجراءات المناقلة المعتمدة على الحدود كما هو معمول به سابقًا دون أي تغيير.
وعلى العكس تمامًا، أوضح علوش أن القرار الجديد يفتح للمرة الأولى آفاقًا أوسع أمام السائقين والشاحنات السورية، إذ تم الاتفاق على السماح للشاحنات السورية المحمّلة ببضائع ذات منشأ سوري بالدخول إلى الأراضي الأردنية بشكل مباشر دون مناقلة، بما يتيح لها الوصول إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ.
وهذا يعني عمليًا أن الشاحنة السورية يمكنها أن تدخل محمّلة بالبضائع السورية وتعود من العقبة محمّلة ببضائع أخرى، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على عمل السائقين ويزيد من فرص التشغيل والنقل لديهم، وفقًا لعلوش.
واشار إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو تنشيط حركة النقل البري والتبادل التجاري بين سوريا والأردن، وخلق فرص عمل أكبر للسائقين وشركات النقل، وتسريع وصول البضائع إلى الأسواق وتقليل الكلف والوقت، بما ينعكس إيجابًا على حركة التجارة والاقتصاد في البلدين.
مباحثات سورية- أردنية لتعزيز التبادل التجاري
على هامش زيارة وفد حكومي أردني رفيع المستوى إلى دمشق، عُقدت جلسة ثنائية جمعت رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي، مع وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردنية يعرب القضاة، حيث جرى بحث عدد من الملفات الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك بين البلدين الشقيقين.
وتناول اللقاء، وفقًا للهيئة، سبل تعزيز حركة التبادل التجاري بين سوريا والأردن، مع التأكيد على تسهيل دخول البضائع والمنتجات السورية إلى السوق الأردنية وضمان انسيابية عبورها بإجراءات مرنة تسهم في دعم النشاط التجاري بين الجانبين.
التكامل اللوجستي عبر المواني والمنافذ
اتفق الجانبان السوري والأردني، خلال الاجتماع على تسهيل عبور الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ، وكذلك تسهيل عبور الشاحنات الأردنية إلى المواني السورية للقيام بالعمليات ذاتها، بما يعزز التكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ويفتح آفاقًا أوسع أمام حركة التجارة الإقليمية.
ونظرًا للظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة وما تفرضه من تحديات على حركة النقل والتجارة، اتفق الجانبان على السماح للشاحنات السورية التي تحمل بضائع ذات منشأ سوري فقط بالدخول إلى الأراضي الأردنية، وكذلك السماح بدخول الشاحنات الأردنية التي تحمل بضائع ذات منشأ أردني فقط إلى الداخل السوري، دون إجراء عمليات المناقلة على الحدود، وذلك بهدف تسهيل حركة نقل البضائع وتسريع وصولها إلى الأسواق.
وأكدا أهمية الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لكل من سوريا والأردن، والعمل على تطوير آليات التعاون بما يسهم في تحويل البلدين إلى مراكز إقليمية لتجميع البضائع وإعادة تصديرها إلى أسواق الخليج وأوروبا، الأمر الذي من شأنه تعزيز حركة التجارة وتنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وتم الاتفاق على استمرار التنسيق المشترك لمواجهة انعكاسات الأوضاع الإقليمية على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، بما يضمن انسيابية حركة نقل البضائع وتأمين احتياجات الأسواق وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة في كلا البلدين.
منع دخول الشاحنات الأجنبية وقرار المناقلة
أثار قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بمنع دخول الشاحنات غير السورية (باستثناء الترانزيت) إلى سوريا موجة من الردود والمواقف لدى أصحاب شركات ومكاتب الشحن والاستيراد والتصدير والتجار والصناعيين السوريين، بين من عارض هذا القرار وأيده.
القرار وفر فرص عمل جديدة لمئات العمال السوريين وعشرات الشاحنات والبرادات السورية بشركات نقل وشحن البضائع، تحديدًا في معابر “البوكمال- القائم” الحدودي مع العراق و”نصيب- جابر” الحدودي مع الأردن و”جديدة يابوس- المصنع” الحدودي مع لبنان، وفقًا لما أفاد به مدير في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية عنب بلدي (فضل عدم نشر اسمه لأسباب إدارية).
في نفس الوقت، شكّل القرار ملفًا ضاغطًا على دول الجوار السوري، لبنان والأردن والعراق، التي مُنعت شاحناتها من دخول الأراضي السورية بغرض تصدير ما لديها من سلع ومنتجات إلى سوريا، مع حدوث حالة من الارتباك في المعابر الحدودية.
وكشف مدير عام النقل البري والبحري في لبنان، أحمد تامر، في شباط الماضي، وجود مباحثات مع سوريا بشأن قرارها منع دخول الشاحنات غير السورية المحمّلة بالبضائع الخاصة بالسوق السورية إلى أراضيها، وقال إن لبنان ينتظر أن ينعقد اجتماع قريب مع الجانب السوري للتوصل لحلول، بحسب ما نقلت عنه قناة “فرانس 24”.
وكان الناطق الرسمي باسم وزارة النقل الأردنية، محمد الدويري، أشار آنذاك، إلى وجود مباحثات مع سوريا، مبينًا أن الأردن ينتظر رد سوريا بخصوص السماح للشاحنات الأجنبية بالدخول والعبور، علمًا أن الشاحنات الأردنية تفرّغ حمولاتها في المنطقة الحرة عند معبر “نصيب” مع سوريا وكانت نحو 250 شاحنة أردنية تدخل إلى سوريا يوميًا.
——————————
وزير المالية السوري محمد يسر برنية: سوريا تتجه لإصدار قوانين ضريبية جديدة برؤية مختلفة
2026.03.13
كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن قرب صدور قوانين ضريبية جديدة تتسم بالواقعية وتختلف بصورة جوهرية عن القوانين السابقة، بما يسهم في خدمة المواطنين والتجار والصناعيين، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية والعمل على رقمنتها.
وأوضح برنية في تصريح لصحيفة صحيفة الثورة، خلال لقائه أمس الخميس وفداً من اتحاد غرف الصناعة السورية برئاسة مازن ديروان في مبنى الوزارة بدمشق، أن سياسة الوزارة في مرحلة ما بعد التحرير تقوم على مبدأ الشراكة الفاعلة مع الصناعيين والمكلفين مالياً.
محاور استراتيجية لدعم الاقتصاد
وأضاف أن الوزارة تعمل وفق ثلاثة محاور استراتيجية، تشمل تطوير الخدمات المالية الحكومية وفق معايير عصرية، وتعزيز قطاع التمويل، وتحفيز القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في عملية التنمية.
وأشار إلى صدور قرار خاص لمعالجة أوضاع المنشآت المتضررة وترقين قيودها المالية، إضافة إلى الاهتمام بملف القروض المتعثرة، إلى جانب حزمة من الإجراءات والحوافز الهادفة إلى تنشيط الاقتصاد.
ولفت برنية إلى أهمية توسيع الشراكة مع قطاع الأعمال وتعزيز الثقة المتبادلة، مؤكداً التوجه لإطلاق استراتيجية وطنية تشارك فيها المؤسسات الحكومية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بهدف دعم سبل العيش وخلق فرص عمل جديدة.
——————————
مصرف سوريا يعلن عن خدمات جديدة للمغتربين
وتعزيز العلاقات المالية والاقتصادية مع الدول الأخرى
12 مارس ,2026
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، أن المصرف يعمل على بناء علاقاته مع المصارف المركزية والمصارف التجارية في العالم، على أساس تعزيز العلاقات المالية والاقتصادية مع الدول الأخرى وخدمة الجاليات السورية في عالم الاغتراب.
وأوضح الحصرية في تصريح اليوم الخميس، أن هذه الجاليات عانت الأمرين خلال أكثر من 15 عاماً من العقوبات، مشيراً إلى أن مصرف سوريا المركزي هو لكل السوريين سواء داخل سوريا أو في عالم الاغتراب.
وقال الحصرية إن إعادة فتح حساب المصرف لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك تمثل خطوة استراتيجية مهمة من المتوقع أن يكون لها أثر إيجابي مباشر على القطاع المالي السوري، مع اكتمال الخطوات الأخرى ضمن خطة المركزي لإعادة الاندماج بالقطاع المالي الدولي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
وأوضح الحصرية أن هذه الخطوة تكتسب أهميتها من مجموعة عوامل مترابطة تشمل تعزيز مسار التعافي والاستقرار المالي في البلاد، والثقة بالاقتصاد السوري، وإبراز التزام المصرف بسياسات التعاون البناء مع المؤسسات المالية الدولية.
وقال الحصرية إن من شأن هذه الخطوة أيضاً تسهيل التحويلات المالية وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى سوريا، ودعم التجارة الخارجية عبر تسهيل المدفوعات والتسويات المالية الدولية، وتعزيز الاستقرار المالي من خلال توسيع وتطوير العلاقات مع المؤسسات المالية العالمية.
كما أعلن الحصرية عن التوصل إلى اتفاق مع البنك المركزي الكندي لبدء الإجراءات اللازمة لفتح حساب لمصرف سوريا المركزي لديه.
——————————
في اقتصاد السوق والبسطات/ بسام القوتلي
مارس 12, 2026
قال المهاتما غاندي”: الفقر أسوأ أنواع العنف”. ويقول الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني في أدبياته: “نحن نسعى إلى حرية الإنسان، والإنسان الفقير لا يمكن أن يكون حراً”. وأقول أنا: “إن مستوى تطور الشعوب لا يقاس بثرواتها، بل بطريقة تعاملها مع الأضعف بينها”.
عند الحديث عن الفقر، من الضروري التمييز بين الفقر المطلق والفقر النسبي، إذ يختلف كل منهما في طبيعته وآليات التعامل معه. وقد يلتقي هذان النوعان في مجتمعات يكون جميع أفرادها فقراء، وهي حالات نادرة تقتصر غالباً على بعض القبائل المعزولة.
في الغرب، لا يكاد الفقر المطلق (بمعنى العجز عن تأمين الطعام والمأوى) يكون موجوداً، بل يسود الفقر النسبي، حيث يمتلك بعض الأفراد دخولاً أقل من غيرهم ضمن المجتمع ذاته. أما في دول مثل سوريا، فيتجاور الفقر المطلق والفقر النسبي بصورة صارخة: قلة تقود سيارات فارهة، فيما تعجز كثرة عن تأمين قوت يومها.
تتقبل المجتمعات الفقر عندما يكون حالة عامة تشمل الجميع، ويصمت الفقراء عادة حين تلبى حاجاتهم الأساسية. أما المجتمعات التي يجوع فيها بعض أفرادها بينما يشاهدون غيرهم ينعمون بالرفاه، فهي مجتمعات مهددة بالثورات، والجريمة، والعنف.
تحاول الحكومة السورية اليوم الابتعاد عن نموذج الاقتصاد الموجه من الدولة -الذي أثبت فشله- والانتقال نحو اقتصاد السوق. إلا أن هذه العملية لم تكن يوماً سهلة، فهي تتطلب تعديلات هيكلية عميقة في بنية الدولة، لخلق بيئة استثمارية جاذبة تؤمن حداً أدنى من الأمان لرأس المال المحلي والأجنبي، وتشجع العمل التعاوني الضروري لعملية إعادة البناء. تشمل هذه التعديلات: مكافحة الفساد، تخفيف البيروقراطية، استقلال القضاء وفعاليته، وتعزيز الأمن.
لجأت بعض الدول إلى ما يعرف بنظرية الصدمة لتسريع هذا الانتقال، غير أن تلك الدول كانت تمتلك مؤسسات مستقرة وطبقة وسطى قد تتضرر من الصدمة، لكنها غير مهددة بالموت جوعاً. أما سوريا، فتعاني من غياب شبه كامل للمؤسسات، وتدمير واسع للطبقة الوسطى نتيجة عنف منظومة الأسد، ما يجعل تطبيق نظرية الصدمة تهديداً وجودياً لأجزاء واسعة من المجتمع.
سنترك هنا نقاش الإصلاحات السياسية والاقتصادية على المستوى الكلي، ونتوقف عند شريحة من الحلقة الأضعف في المجتمع: أصحاب البسطات.
فبعد تقليص القوى العاملة في مؤسسات الدولة، وفتح باب الاستيراد دون ضوابط كافية، لجأ كثيرون إلى ظاهرة كانت موجودة سابقاً ولكن على نطاق أضيق: فتح بسطات صغيرة لتأمين الحد الأدنى من الدخل. وتعد هذه الظاهرة إحدى آليات التكيف المعروفة في المجتمعات التي تعاني من فقر مدقع. وتشمل آليات التكيف السلبية: تخفيض الإنفاق (إن أمكن)، استنزاف المدخرات (إن وجدت)، الاقتراض (إن توفر)، وبيع الأصول (إن وجدت). كما تشمل آليات إيجابية، أبرزها إيجاد بدائل للدخل.
تقع البسطات ضمن هذه المحاولات الإيجابية لإيجاد مصدر دخل، وإن كان محدوداً، وغالباً ما تترافق مع آليات أخرى أقل استدامة كبيع الأصول أو الاقتراض. المثير للاستغراب أن بعض المدن السورية تلجأ إلى إصدار قرارات بإزالة البسطات من الشوارع بحجة الإساءة للذوق العام أو عرقلة الحركة، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذه البسطات تمثل مصدر الدخل الوحيد المتبقي لكثير من العائلات التي أغلقت في وجهها سبل العيش.
إن اضطهاد هؤلاء الفقراء، ومحاولة «تجميل» الواقع السوري عبر إقصائهم عن المراكز الحضرية، لا يقدم حلولاً لمشكلة الفقر، بل يساهم في تعميقها، ويحصر خيارات الفقراء بآليات تكيف سلبية وقصيرة الأمد.
ماذا يمكن لإدارات المدن أن تفعل؟ لخلق توازن بين الحاجة إلى تنظيم وجود البسطات، وبين تمكين الفقراء من استخدام آليات تكيف إيجابية تؤمن لهم الدخل، يمكن لإدارات المدن اعتماد السياسات التالية:
تحديد أماكن قانونية للبسطات دون حصرها في مناطق قليلة أو بعيدة، عبر تنظيم عددها وتوزيعها في كل شارع، بما يمنع الضغط على مناطق محددة أو عرقلة الحركة. تنظيم زمني يسمح بوجود البسطات في أوقات معينة، وإزالتها خلال ساعات أخرى حسب الضرورة. تصميم نماذج أكشاك منخفضة الكلفة تحسن المشهد العام وتحمي أصحاب البسطات من العوامل الجوية.
أيضاً فرض معايير نظافة واضحة مع توفير حاويات نفايات مناسبة. وإلزام أصحاب البسطات بالتسجيل في منصة مخصصة تستخدم لجمع بيانات حول أوضاعهم، مؤهلاتهم، أسباب لجوئهم لهذا العمل، وطموحاتهم المستقبلية. وفرض رسوم تسجيل رمزية ترتفع تدريجياً مع تحسن الدخل، مع إعفاء الفئات الأشد هشاشة كالأرامل، الأيتام، وذوي الإعاقة.
وكذلك استخدام بيانات التسجيل لتفعيل برامج قروض أو منح صغيرة تساعد على تطوير الأعمال أو الانتقال التدريجي إلى قطاعات أخرى تناسب المؤهلات، إضافة إلى توفير تدريبات مهنية لمن يرغب. وتشكيل لجان أحياء تتولى قضايا الحي، بما فيها تنظيم البسطات، وبناء علاقات تعاونية – لا تنافسية – مع المحلات القائمة، والتعاون في مجالات الأمن والنظافة.
في الختام، لا يمكن أن ننجح كسوريين دون دعم فقرائنا ومساعدتهم على النجاح. فإما أن ننهض معاً، أو نفشل في أهم اختبار لنا: بناء مجتمع متماسك يحمي أفراده بعضهم بعضاً.
الثورة السورية
——————————
مال السلطة في إيران: الاقتصاد السياسي لإمبراطورية الولي الفقيه/ مسلم عبد طالاس
11-03-2026
تُعدُّ دراسة النظام الحاكم في إيران من منظور الإيديولوجيا أو الجغرافيا السياسية قراءة منقوصة ما لم تتناول المربع الأهم، وهو الاقتصاد السياسي للسلطة حيث تتحول الجمهورية الإسلامية من مجرد نظام ديني يقوده الفقهاء إلى بنية اقتصادية مركبة تُدار عبر شبكة من المؤسسات المرتبطة مباشرة بقمة الهرم وهو المرشد الأعلى. ومن هذا المنظور، لا يُمكن فهم موقع المرشد في إيران من خلال المنظور السياسي القانوني، أي صلاحياته الدستورية فقط، بل من خلال دوره الجوهري في تنظيم شبكة واسعة من الموارد المالية وشركات الطاقة والبنية التحتية والمؤسسات المالية التي تُشكل في مجموعها منظومة اقتصادية موازية للدولة التقليدية. هذا الواقع هو ما يجعل الاقتصاد الإيراني غير قابل للفهم باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي الكلي الكلاسيكية مثل حجم الناتج المحلي أو معدلات التضخم أو البطالة على أهميتها، لأن هذه الأرقام لا تكشف وحدها عن الكيفية التي يجري بها توزيع السلطة الاقتصادية في البلاد، وهي سلطة يحكمها في النهاية الولاء السياسي والاستقرار المؤسسي للنظام قبل أي اعتبار آخر من اعتبارات الكفاءة أو السوق.
تتشكل البنية الاقتصادية السياسية لإمبراطورية المرشد من ثلاثة أقطاب رئيسية تتقاسم الهيمنة على ما يتراوح بين ثلاثين وخمسين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. القطب الأول هو المؤسسات السيادية التابعة للمرشد مباشرة، وعلى رأسها لجنة تنفيذ أمر الإمام المعروفة باسم «ستاد»، وهي صندوق استثماري عملاق يُقدّر بأكثر من تسعين مليار دولار (وهذه تقديرات 2013 ويُرجح أنها نمت بسرعة منذ ذلك الوقت) يُسيطر على قطاعات الاتصالات والأدوية والطاقة، بالإضافة إلى مؤسسة المستضعفين التي تُدير مئات الشركات الصناعية والزراعية، و«آستان قدس رضوي» التي تُهيمن على قطاع العقارات والأوقاف. أمّا القطب الثاني فهو المجمع الصناعي العسكري بقيادة الحرس الثوري، الذي يتحكم في مفاصل البنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء، وصولاً إلى القطب الثالث الذي يضم «البنيادات» الخدمية مثل مؤسسة الشهيد ولجنة الإمداد، وهي أوعية مالية تضمن ولاء القاعدة الصلبة للنظام عبر شبكات رعاية اجتماعية موازية للدولة.
إن التأصيل النظري لهذه الحالة يضعنا أمام ما يُعرف في الاقتصاد السياسي بالدولة الريعية، وهي الدولة التي تعتمد في معظم إيراداتها على الخارج عبر تصدير الموارد الطبيعية بدلاً من الاعتماد على الضرائب المحلية. هذا الوضع يخلق عقداً اجتماعياً مشوهاً يقوم على قاعدة «لا ضرائب، إذاً لا تمثيل سياسي». لكن الحالة الإيرانية في عهد المرشد أضافت بعداً نظرياً جديداً يُمكن تسميته بالريع المؤسسي، حيث تحررت السلطة من الحاجة لرضا المجتمع وإنتاجيته لأن بقاء النواة الصلبة للنظام مُؤمَّن عبر أصول مالية ضخمة لا تخضع لرقابة البرلمان ولا تندرج ضمن الموازنة العامة للدولة. هذا الانفصال البنيوي هو ما يمنح النظام استقلالية عن المجتمع، ويسمح له باتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية كُبرى حتى لو كانت تضر بالنمو الاقتصادي الوطني، طالما أن تدفقات الأموال داخل مكتب المرشد والمؤسسات التابعة له مستمرة ومؤمنة. ويعمل هذا الاقتصاد وفق نظرية الزبائنية السياسية، حيث تُوزع الموارد كأعطياتٍ لضمان الولاء الشخصي والمؤسسي، فمنحُ العقود الكبرى للمؤسسات العسكرية ليس بحثاً عن الجودة أو السعر الأفضل، بل هو عملية إعادة تدوير للريع لضمان صمود أجهزة الدولة الأمنية أمام أيّ محاولة انقلابية أو احتجاجات شعبية.
بعد ثورة عام 1979، أعادت النخبة الثورية تشكيل الاقتصاد الإيراني على أُسس جديدة عبر مصادرة ممتلكات واسعة تعود إلى النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام الملكي، وأعادت توزيعها على مؤسسات وقفية واجتماعية أنشأها النظام الجديد. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المؤسسات التي تُعرف باسم «البنياد» إلى كيانات اقتصادية ضخمة وتكتلات تعمل في قطاعات متعددة تشمل الصناعة والزراعة والطاقة والمصارف. ومن أبرز هذه الكيانات «مؤسسة المستضعفين» التي تُعدُّ ثاني أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد، و«آستان قدس رضوي» التي تُدير أوقافاً هائلة في مدينة مشهد، و«لجنة تنفيذ أمر الإمام» التي تُدير تكتلاً يُقدر بمليارات الدولارات. هذه المؤسسات تتمتع بميزة فريدة وهي العمل خارج الرقابة الحكومية التقليدية، فلا تخضع للمساءلة البرلمانية ولا تدفع ضرائب للدولة في كثير من الأحيان، وترتبط مباشرة بمكتب المرشد الأعلى. هذا النموذج خلق ما يُمكن تسميته برأسمالية المحاسيب في ثوب ديني، حيث يمتلك هذا القطاع السيادي غير الحكومي ميزات القطاع العام من دعم وحماية واحتكار، وميزات القطاع الخاص من سرية ومرونة في الإدارة، وهو ما يمنح مكتب المرشد قدرة هائلة على إدارة الندرة وتحويل الوصول للموارد إلى أداة سياسية للسيطرة المطلقة.
بالتوازي مع هذه المؤسسات الوقفية، برزت المؤسسة العسكرية كأحد أهم الفاعلين الاقتصاديين في البلاد، ويتمثل هذا الدور خصوصاً في الحرس الثوري الإيراني الذي تحول خلال العقود الماضية إلى قوة اقتصادية هائلة. فبعد الحرب الإيرانية العراقية، توسّعت أنشطة الحرس الاقتصادية بشكل كبير في قطاع البناء والبنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء للإعمار. ومع انسحاب الشركات الأجنبية من إيران بسبب العقوبات الدولية، أصبح الحرس الثوري المُقاول الرئيسي في مشاريع الطاقة والنقل والاتصالات، وبذلك تحولت المؤسسة العسكرية إلى شريك تجاري ضروري للدولة، مما ربط مصيرها المالي ببقاء منصب المرشد الذي يمنحها هذه الامتيازات الاستثنائية. هذا التحول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو إعادة صياغة للعقيدة الأمنية، حيث أصبح الحرس الثوري يمتلك مصلحة مادية كبرى في استمرار حالة «لا حرب ولا سلم» التي تُبرر وجود اقتصاد الطوارئ واحتكار الموارد تحت شعار الأمن القومي، مما يجعل أي توجه نحو الانفتاح الاقتصادي أو السلام يُمثل تهديداً مباشراً لمصالح أمراء الحرب الماليين.
لقد أدت هذه البنية المعقدة إلى خلق ما يُمكن تسميته الاستقلال المالي للقرار العسكري، وهو ما يُفسر قدرة طهران على الاستمرار في خوض حروب الوكالة والمواجهات الإقليمية حتى في أحلك أوقات الأزمات المعيشية. فالمؤسسة العسكرية تُمول ذاتها بعيداً عن موازنة الدولة الرسمية عبر شركاتها ومصارفها وشبكاتها المالية، مما يجعل قرار التصعيد العسكري محصناً ضد الضغوط السياسية الداخلية أو النقص في ميزانية الدولة العامة. وفي هذا السياق، تحوّلت العقوبات الدولية التي كان الهدف منها إضعاف النظام إلى عامل يُعزز نفوذ هذه الشبكات، حيث تمتلك المؤسسات المرتبطة بالمرشد والحرس الخبرة والشبكات التحت أرضية للالتفاف على القيود الدولية، مما أدى إلى تصفية القطاع الخاص المستقل لصالح اقتصاد الظل الذي يتربح من تعدد أسعار الصرف وفروقات الأسعار بين السوق الرسمية والسوق السوداء. وهكذا تحولت العقوبات من أداة ضغط إلى وسيلة لتمركُز الثروة في يد القلة الموالية لقمة الهرم، بينما تحملت الطبقة الوسطى والفقيرة العبء الأكبر عبر تآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.
إلى جانب ذلك، شهد المجتمع الإيراني خلال العقد الأخير تراجعاً ملحوظاً في حجم الطبقة الوسطى، حيث أدى ارتفاع التضخم وتآكل المدخرات إلى انخفاض مستويات المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. هذه التغيرات الاجتماعية لم تؤدِ بالضرورة إلى انهيار النظام السياسي، لكنها أعادت تشكيل العقد الاجتماعي، فالدولة لم تَعُد قادرة على شراء الصمت الاجتماعي عبر توزيع عوائد النفط كما في السابق، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القمع الأمني من جهة، وعلى شبكات الإغاثة والخدمات التي تُديرها مؤسسات المرشد من جهة أخرى لضمان ولاء القواعد الشعبية الأكثر فقراً. وفي مواجهة هذه الضغوط، تبنت القيادة الإيرانية مفهوم اقتصاد المقاومة، وهو نموذج يهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي، لكنه في الواقع تحوّل إلى إيديولوجيا تهدف لجعل النظام غير قابل للإسقاط عبر الضغط المالي، من خلال بناء جزر اقتصادية مكتفية ذاتياً تضمن بقاء النخبة الحاكمة حتى في ظلّ العزلة الدولية الشاملة.
اليوم، ومع انتقال السلطة لمرشد جديد في ظلّ مواجهة عسكرية مُستعرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، يُواجه هذا النموذج ذروة تحدياته التاريخية. فالمُرشد الجديد لا يرث منصباً دينياً وسياسياً فقط، بل يرث إمبراطورية مالية مُتصارعة الأجنحة ومُثقلة بالأزمات. وعليه أن يُوازن بدقة متناهية بين حصص الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والوقفية لضمان عدم حدوث انشقاقات داخلية، في وقت تتحول فيه الثروة إلى ذخيرة لتمويل جبهات القتال الخارجية وتعويض خسائر البنية التحتية المُحتملة. إن خطر فقدان السيولة المالية التي تضمن ولاء الميليشيات هو ما قد يدفع النظام نحو الحذر في اتخاذ قرارات عسكرية متهورة قد تؤدي لتدمير أصوله الاقتصادية الحيوية.
وبناء على ذلك، فإن فهم اقتصاد المرشد هو المفتاح الوحيد لتَوقع قدرة طهران على الصمود أو التغيير، لأنها منظومة تُدار من قمة الهرم السياسي بقدر ما تُدار من الأسواق، حيث تتحول فيها الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى بقاء مقدس.
*****
اعتُمد في إعداد هذا المقال على تقارير استقصائية دولية (مثل تقرير رويترز عن مؤسسة ستاد) ودراسات أكاديمية في الاقتصاد السياسي الإيراني لكلٍّ من سوزان ملوني وكِفان هاريس، إضافة إلى دراسات الاقتصاد السياسي للريع، والبيانات الصادرة عن مراكز أبحاث متخصصة في شؤون الشرق الأوسط.
موقع الجمهورية
——————————
الاقتصاد السوري تحت ضغط الحرب الإيرانية/ يحيى السيد عمر
مارس 12, 2026
رحب كل من وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، بالبيان الذي أصدره صندوق النقد الدولي، والذي أشاد بالتزام الحكومة السورية بتبني سياسات اقتصادية رشيدة
مع اتّساع نطاق الحرب في إيران، لا يمكن أن تبقى الآثار محصورة في حدود جغرافية محدودة، بل يمكن لها أن تمتدّ لتطال الاقتصادات الضعيفة، وسوريا تأتي في مُقدّمة هذه الاقتصادات؛ بحُكْم موقعها الجغرافي واعتمادها على الاستيراد من الخارج، من الطاقة والوقود إلى السلع الأساسية، وبالتالي فإن التصعيد العسكري الحالي في الخليج قد ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من فاتورة الكهرباء إلى سعر الخبز.
أُولى آثار الحرب تَظْهر في سوق الطاقة، مع تضرُّر الإمدادات من الخليج وانعكاس ذلك على الأسواق العالمية. ارتفاع أسعار النفط في هذه الحالة يعني تكلفة إضافية تتحمّلها الدول المُستورِدة، وسوريا التي تُعاني بالفعل من ضَعْف الإنتاج المحلي وتراجُع القدرة على تكرير النفط في مصافيها، سوف تكون أمام فاتورة استيراد أعلى للمشتقات النفطية. ومع محدودية الموارد بالعُملة الصعبة، تتحوَّل كل زيادة في السعر العالمي إلى ضغط مباشر على المالية العامة وعلى قدرة الدولة على تأمين الوقود.
تأثير ذلك يَطَال قطاع الكهرباء؛ المحطات تعتمد بدرجة كبيرة على الفيول والغاز المستورَدَين، وأيّ ارتفاع في الكلفة يعني تقليل الإنتاج وانقطاع في التيار أو أعباء مالية إضافية على الخزينة. النقل بدَوْره يتأثر سريعاً، فتكلفة المازوت والبنزين تدخل في حساب كل سلعة من المزرعة إلى السوق. ومع انتقال هذه الزيادة عبر حلقات الإنتاج والتوزيع، تتَّسع دائرة التضخم لتشمل الغذاء والصناعة والخدمات؛ في اقتصاد يعاني بالفعل من تأكُل القوة الشرائية، يصبح هامش التحمُّل محدوداً للغاية.
التأثير يمتدّ إلى الممرات البحرية، أيّ توتر عسكري في الخليج ينعكس مباشرةً على حركة الملاحة ومضيق هرمز الذي أصبح شِبْه مُغلَق، وهو شريان رئيسي لتجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. كما أنّ ارتفاع مخاطر الشحن يَدْفع شركات النقل إلى زيادة كلفة التأمين والرسوم؛ ما قد يُطِيل زمن الرحلات أو يَفْرض مسارات بديلة أكثر كلفة. الموانئ السورية، التي تعتمد على الاستيراد لتأمين القمح والمواد الأوَّلية والسلع الاستهلاكية، لا تصبح بمنأى عن هذه التطورات.
زيادة تكاليف الشحن تعني ارتفاعاً إضافياً في أسعار السلع عند وصولها إلى السوق المحلية. القمح المُستورَد، والزيوت النباتية، والسكر، والمواد الخام للصناعات، كلها تتأثَّر بكلفة النقل والتأمين. ومع محدودية البدائل المحلية، يصعب امتصاص هذه الزيادات دون انعكاسها على المُستهلِك النهائي، وبالتالي فإن أيّ اختناق بحري طويل الأمد يُهدِّد انتظام الإمدادات، ويُعيد إلى الواجهة مخاوف نقص بعض السلع أو اضطراب توزيعها.
البُعد الإقليمي يساهم في تعقيد المشهد، بعض الدول وجدت نفسها في قلب مواجهة مفتوحة مع إيران، رغم أنها ليست طرفًا، وهو ما قد يُعيد ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية في المنطقة، ويدفع هذه الدول إلى الانشغال بمعالجة تداعيات الأزمة؛ ما قد يُقلِّص الهامش المتاح لدعم ملفات أخرى، ومنها الملف السوري. هذا التحوُّل لا يعني بالضرورة توقفاً كاملاً للدعم أو التعاون، لكنه يَفْرض إعادة الحسابات لدى بعض الأطراف.
سوريا، التي تعتمد في جزء من علاقاتها الاقتصادية على تفاهمات إقليمية، قد تَجِد نفسها أمام واقع أكثر حذراً في الاستثمارات والمبادلات التجارية. الشركات الإقليمية تَمِيل في أوقات الاضطراب إلى تقليص المخاطر وتأجيل التوسُّع، مع تعطُّل ولو قصير لحركة التحويلات المالية والتجارة العابرة للحدود.
العملات بطبيعتها تتأثر بالأحداث، تبقى الليرة السورية حساسة تجاه أيّ توتر إقليمي واسع، خاصةً إذا ترافق مع ارتفاع في أسعار الطاقة وزيادة الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد. الضغط على الاحتياطي النقدي يتصاعد مع ارتفاع فاتورة استيراد النفط، ما يفتح الباب أمام تقلّبات في سعر الصرف. هذه التقلّبات تُغذّي بدَوْرها موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، في حلقة يَصْعب كسرها من دون موارد إضافية أو إجراءات نقدية ومالية دقيقة.
وسط التوترات، تنشط أيضاً المُضارَبات، ويزداد الميل إلى تحويل المدَّخرات نحو الدولار أو الذهب. هذا السلوك الدفاعي مفهوم في اقتصاد عانى سنوات طويلة من عدم الاستقرار، لكنه يُضِيف عبئاً إضافياً إلى العُملة المحلية. كلّ تراجُع في سعر الصرف ينعكس سريعاً على أسعار السلع المُستورَدة، التي تُشكّل نسبة كبيرة من الاستهلاك المحلي.
الأمن الغذائي يقف في قلب هذه المعادلة؛ لأن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة يرفعان من تكلفة الإنتاج الزراعي المحلي أيضاً، من تشغيل مضخات الريّ إلى نقل المحاصيل. وعندما تجتمع زيادة التكلفة المحلية مع ارتفاع أسعار السلع المُستورَدة، تتآكَل قدرة الأُسَر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتصبح الفئات ذات الدَّخل المحدود الأكثر تأثراً؛ لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب للغذاء والطاقة.
الأخطر أن زيادة أَمَد هذه الأزمة يؤدي إلى اتّساع مستوى الفقر وزيادة العبء على شبكات الدعم الاجتماعي، وبالتالي فإن الاستقرار الاجتماعي يصبح مرتبطًا بشكل وثيق بقدرة الدولة على إدارة هذه الصدمات، سواء عبر سياسات دعم موجّهة أو عبر تأمين مخزونات إستراتيجية تُخفّف أثر التقلّبات الخارجية.
مع ذلك، لا تخلو الصورة من هوامش يمكن التحرُّك ضمنها. التحولات في مسارات التجارة الإقليمية قد تَخْلق فرصاً محدودة لإعادة تموضع اقتصادي. بعض الدول تسعى في أوقات الأزمات إلى تنويع طرق الإمداد وتوسيع شبكة شركائها، وإذا نجحت سوريا في الحفاظ على قَدْر من الاستقرار الداخلي وتَبَنّي نهج عملي في علاقاتها الاقتصادية، فقد تتمكَّن من جذب شراكات بديلة أو تعزيز دَوْرها كممرّ تجاري في بعض القطاعات.
تحقيق ذلك يتطلّب إدارة دقيقة للمخاطر وتخفيف الاعتماد المُفْرط على مصدر واحد للطاقة أو التمويل؛ من خلال تنويع الشركاء، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي كلّما أمكن، وتحسين بيئة الأعمال، وهي أدوات ضرورية لزيادة القدرة على الصمود. في عالم يتغيَّر بسرعة تحت ضغط الصراعات، الاقتصادات التي تمتلك مرونة أعلى تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
الحرب في إيران، إذا اتَّسعت أكثر، لن تكون حدثًا بعيدًا عن سوريا. خيوط الطاقة والتجارة والتحالفات تجعل المنطقة شبكة مترابطة يصعب عزل أيّ جزء منها عن الآخر، وإدارة المرحلة تتطلّب تعاملًا هادئًا مع المتغيّرات، وتركيزًا على تقليل التكلفة الداخلية قَدْر الإمكان. في النهاية، معيار النجاح لن يكون في تجنُّب التأثر كليّاً، بل في تقليص حجم الخسائر والحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
الثورة السورية
——————————
سوريا لن تتجنب التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران/ حايد حايد
تفسيرات اضطراب الاسعار تشير في النهاية إلى حقيقة واحدة: هشاشة الاقتصاد السوري
آخر تحديث 11 مارس 2026
أسهمت مساعي سوريا إلى النأي بنفسها عن إيران ووكلائها، حتى الآن، في تجنيب دمشق أن تتحول إلى ساحة مباشرة في الحرب المتصاعدة على إيران. وتعزيزا لهذا التوجه، اتخذت السلطات السورية إجراءات احترازية لتأمين الحدود مع لبنان والعراق، فنشرت قوات إضافية وشددت الرقابة لمنع امتداد الصراع إلى الأراضي السورية.
لكن الحكومة، على الرغم من تحركها السريع لاحتواء المخاطر الأمنية المحتملة، لم تُظهر قدرا مماثلا من الاستعجال في الاستعداد للارتدادات الاقتصادية للحرب. فالصراع الدائر يعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، وقد بدأت بوادر الضغط الاقتصادي تظهر بالفعل في سوريا.
وعلى خلاف الاقتصادات الأكبر القادرة على امتصاص الصدمات في الأسواق العالمية، لا تملك سوريا هامشا يذكر للتخفيف من وطأتها. والأسَر التي تكافح أصلا لتأمين احتياجاتها الأساسية يهددها ارتفاع الأسعار وتفاقم النقص تهديدا مباشرا في معيشتها اليومية.
ومن دون سياسة استباقية لتأمين الإمدادات وضبط الأسواق، قد تتحول الكلفة الاقتصادية لنزاع إقليمي طويل إلى واحد من أشد التحديات الداخلية إلحاحا في سوريا.
وقد بدأت آثار الحرب تتردد في الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من تعطل الإنتاج ومسارات الشحن، ولا سيما في الخليج وعبر مضيق هرمز. كما تدفع كلفة الطاقة المرتفعة التضخم إلى الصعود على نطاق أوسع، عبر زيادة كلفة النقل والإنتاج، وهو ما يرفع أسعار الغذاء ويؤخر شحن السلع الأساسية.
وقد بدأت الاقتصادات المتقدمة بالفعل اتخاذ خطوات للتخفيف من هذه الصدمات. فالحكومات تستعد للسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للوقود، ودعم كلفة الطاقة، والبحث عن مسارات إمداد بديلة لتحقيق قدر من الاستقرار في الأسواق. كما فرضت دول أخرى قيودا على صادرات الوقود والغاز أو علقتها حماية لإمداداتها المحلية، وهي خطوات تدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع وتزيد تقلبات أسواق الطاقة.
وفي المقابل، يقف الاقتصاد السوري الهش بين أكثر الاقتصادات تعرضا لهذه الضغوط. فالبلاد تعاني أصلا أزمة معيشية حادة، تغذيها اختلالات بنيوية في الإنتاج والتجارة والسياسة النقدية. ومنذ بداية رمضان، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بحدة في أنحاء البلاد. كما أدى نقص الغاز المنزلي إلى عودة الطوابير الطويلة بعد أشهر من توافره النسبي، وبدأت مشاهد مشابهة تظهر عند محطات الوقود.
وقد قدم المسؤولون تفسيرات متعددة لهذه الاضطرابات. فارتفاع أسعار المواد الغذائية رُبط بزيادة الطلب خلال رمضان، ونقص الغاز عُزي إلى تأخيرات مؤقتة في الاستيراد بسبب الأحوال الجوية، فيما نُسبت طوابير الوقود إلى الشراء بدافع الذعر الذي أثارته الحرب. لكن هذه التفسيرات كلها تشير في النهاية إلى حقيقة واحدة: هشاشة الاقتصاد السوري وافتقاره إلى وسائل فعالة لامتصاص الصدمات الخارجية.
فالإنتاج المحلي ما زال ضعيفا، فيما تؤمن الواردات قسما كبيرا من السلع الأساسية. ولهذا فإن أي اضطراب، ولو كان محدودا، في تدفق الوقود أو القمح أو غيرهما من المواد الأساسية يمكن أن يمتد بسرعة عبر الاقتصاد كله، فيصيب النقل وتوليد الكهرباء وإنتاج الغذاء والنشاط الصناعي.
وفي مثل هذه الظروف، تنتقل الصدمات العالمية إلى الأسواق المحلية بسرعة. فالتجار يوسعون هوامشهم تحوطا من عدم اليقين، والمنتجون يرفعون الأسعار استباقا لارتفاع كلفة المواد الأولية في دورة الإنتاج التالية، والمستوردون يحتسبون تقلبات سعر الصرف وارتفاع نفقات النقل. وهكذا يتحول اضطراب الأسواق العالمية سريعا إلى تضخم تتحمله الأسر.
لذلك، لا يجوز انتظار تفاقم الأزمة. فسوريا تحتاج إلى سياسة استباقية لإدارة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن نزاع إقليمي طويل الأمد. والكلفة الوقائية هنا تبقى أقل بكثير من كلفة إدارة أزمة بعد انفجارها.
وينبغي أن يأتي تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي في مقدمة الأولويات العاجلة. فالحفاظ على مخزونات كافية من الوقود والقمح والحبوب والأدوية والمواد الغذائية الأساسية من شأنه أن يخفف أثر أي اضطراب في الإمدادات على الأسواق المحلية. كما أن تنويع مسارات الاستيراد ومصادره، مع تعديل الأنظمة بما يتيح تأمين كميات أكبر من السلع الأساسية، يساعد على رفع مستوى الاحتياطي الاستراتيجي ويقلص التعرض للانقطاعات المفاجئة.
ولا تقل أهمية عن ذلك الرقابة المشددة على السوق. ففترات عدم اليقين تدفع إلى التخزين والمضاربة، وهو ما يفاقم النقص ويسرع ارتفاع الأسعار. ومن هنا، ينبغي أن يبقى ضمان التدفق المستمر للسلع الأساسية أولوية مركزية.
كذلك، سيكون التنسيق الأوثق مع القطاع الخاص ضروريا. فالشركات السورية تؤدي دورا محوريا في الحفاظ على سلاسل التوريد واستمرار الإنتاج في القطاعات الرئيسة. وإنشاء آلية خاصة للاستجابة للأزمات، تنسق التحرك السريع بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يمكن أن يساعد على رصد الاختناقات مبكرا ومنع تحول الاضطرابات المحدودة إلى نقص واسع النطاق.
وربما تكون جهود سوريا للابتعاد عن الحرب قد خففت خطر التصعيد العسكري على أراضيها، لكنها لا تستطيع أن تعزل البلاد عن صدمتها الاقتصادية. والأولوية الآن هي منع هذا الاضطراب من التحول إلى مصدر أوسع لتهديد الاستقرار الداخلي.
وخطر الجمود لا يقف عند حدود ارتفاع الأسعار أو النقص المؤقت في السلع الأساسية. فهذه الضغوط تضرب مباشرة القدرة اليومية على العيش لدى الأسر التي تكافح أصلا لتأمين أبسط احتياجاتها.
ويبقى السؤال: هل تنجح سوريا في عبور هذا الاضطراب الإقليمي بقدر من الاستقرار، أم تجد نفسها أمام دورة جديدة من الأزمات الاقتصادية والتوتر الاجتماعي؟ الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي ستدير بها الحكومة هذه الضغوط في الأسابيع المقبلة.
المجلة
——————————
الملفات المعيشية ببعدها السيادي.. تعزيز النظم الوطنية لقياس الأمن الأسري/ هبا أحمد
مارس 12, 2026
شأنه شأن ملف إعادة الإعمار، يعد ملف الأمن الأسري وما يرتبط به من دخل ونفقات واستهلاك، وبالتالي أمن غذائي في سوريا، من أبرز التحديات التي تتطلب تضافر كل الجهود الداخلية والتشبيك مع الخارج والمنظمات الدولية ذات الصلة للوصول إلى بر الأمان في هذا الملف، ولا سيما لصلته المباشرة بالمواطن ومعيشته وأمانه الغذائي الذي يشكل حجر الرحى في استراتيجية البناء، لذلك فإن الأمر، وواقع الحال الذي أفرزته الحرب، يتطلبان تفعيل استراتيجيات وطنية لمواجهة هذا التحدي الاقتصادي والسياسي على حد سواء.
وفي ظل تشابك الملفات وتداخلها بما يشكل وحدة متكاملة، يتحول مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر إلى أداة لرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مع انعكاسات ذلك على الاستقرار السياسي والأمني، إذ يشكل الإنفاق الأسري في سوريا مؤشرا كاشفا للاقتصاد العام والتوجهات الاقتصادية.
بمعنى آخر، تتحول الملفات المعيشية إلى ملفات سيادية لصلتها بالاستقرار المجتمعي الذي يفضي إلى استقرار سياسي بالضرورة، ولا سيما في دولة مثل سوريا خارجة من حرب أنتجت معدلات مرتفعة من الفقر وصلت إلى حد الفقر المدقع، والذي من شأن عدم معالجته أن يفضي إلى ارتفاع معدلات الجريمة، وبالتالي زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي، إذ إن الملفات المعيشية تخضع بالضرورة لإطار اقتصادي وسياسي واجتماعي.
وتشكل فجوة الفقر، المتمثلة في الفارق الكبير بين الدخل والنفقات، أكبر التحديات في سوريا، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على مسارات التنمية المستقبلية لاحقا، فالإنفاق الأسري لا يرتبط فقط بالبقاء الفيزيولوجي، وإنما يشكل تراكما استثماريا للإنسان.
حجر الأساس في صياغة السياسات
في السياق، وقعت هيئة التخطيط والإحصاء مع برنامج الأغذية العالمي “WFP” مذكرة تفاهم بخصوص تنفيذ مسح “تعزيز النظم الوطنية للأدلة من خلال مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر” “HIECS” في سوريا، ووقع المذكرة رئيس الهيئة أنس سليم، مع المديرة القطرية للبرنامج في سوريا ماريان وارد، في مقر الهيئة بدمشق، بحضور وزير المالية محمد يسر برنية.
وأكد الوزير برنية، في كلمة له خلال توقيع المذكرة، أن المسح يمثل خطوة أساسية لتوفير بيانات دقيقة وموثوقة تعد حجر الأساس في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن نتائجه ستدعم إعداد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية والاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، إضافة إلى تحسين توجيه الدعم إلى مستحقيه وتصميم برامج أكثر فاعلية.
بدوره، أوضح رئيس الهيئة أن الشراكة مع برنامج الأغذية العالمي تمثل خطوة مهمة في تطوير العمل الإحصائي الوطني، مؤكدا حرص الهيئة على إنتاج بيانات نوعية تتجاوز الإحصاءات الروتينية، وتسهم في إعداد خطط التنمية على المستويين الوطني والمحلي، ودعم السياسات العامة القائمة على الأدلة.
في حين أوضحت ماريان وارد أن نتائج المسح ستساعد البرنامج وشركاءه على تصميم تدخلات أكثر دقة واستهدافا، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجا، مؤكدة أهمية الملكية الوطنية للبيانات ودورها في دعم مسارات التنمية المستقبلية.
ويعد هذا المسح الأول منذ عام 2009، ويأتي بعد استكمال المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري، ويهدف إلى توفير بيانات دقيقة ومحدثة تمثل جميع الأسر السورية في كل المحافظات، بما يتيح قياس مستويات المعيشة ورصد الفقر، وتوفير البيانات اللازمة لحساب معدلات التضخم.
ووفقا لبنود المذكرة، يتم استخدام نتائج المسح في إعداد استراتيجيات الحماية الاجتماعية متوسطة المدى، وإعداد التقرير الطوعي الخاص بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة “SDG” في سوريا، الذي تعمل الهيئة على إنجازه، كما ستشارك نتائجه مع الوزارات المعنية لدعم تطوير برامجها وخططها السنوية.
ويشار إلى أن هيئة التخطيط والإحصاء وقعت في شهر آب الماضي، مع برنامج الأغذية العالمي، مذكرة تفاهم لتنفيذ المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا، بهدف توفير بيانات ومؤشرات محدثة عن حالة الأمن الغذائي الأسري وخصائص الأسر الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، وفق مستويات أمنها الغذائي، وتم الإعلان عن نتائجها في كانون الثاني الماضي.
وفي الشهر الماضي أطلقت الحكومة السورية استراتيجية وطنية شاملة للفترة 2026-2028 لمكافحة الفقر الذي طال قرابة 80-90 بالمئة من السكان، تهدف إلى خفض نسب الفقر الجذري عبر الانتقال من المعونة إلى الإنتاج، وتركز على التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة، بالشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية.
الإنفاق قبل الحرب وبعده
من بين أسوأ مفرزات الحرب تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين وتفاقم معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى 85 بالمئة من إجمالي عدد السكان، جراء عدة عوامل، من بينها فقدان السكان لمصادر رزقهم، وانخفاض معدلات الدخل، وارتفاع معدلات الإنفاق على الغذاء بسبب استنزاف قيمة الليرة السورية وقدرتها الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات تجاوزت 1000 بالمئة.
وقبل عام 2011 تميز الإنفاق الأسري في سوريا باستقرار نسبي، حيث بلغ متوسط إنفاق الأسرة الشهري نحو 30.9 ألف ليرة سورية عام 2009، وكانت الطبقة الوسطى تشكل نحو 60 بالمئة من المجتمع، مع اعتماد كبير على الدعم الحكومي للسلع الأساسية، مما سمح بمستوى معيشة مقبول، وكانت الأسر قادرة على الادخار أو الاستثمار، من دون أن تضطر إلى بيع الممتلكات لتغطية نفقاتها اليومية، وكان الإنفاق يتركز على المواد الغذائية والتعليم والصحة والنقل، قبل أن تتراجع القدرة الشرائية وتنهار الليرة بفعل الحرب.
وبعد الحرب، انهارت القوة الشرائية مع تدني مستوى الدخل، وتدهور الإنفاق الأسري، حيث يعيش 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، مع الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وتستهلك المواد الغذائية أكثر من 45 بالمئة من دخل الأسرة، ويتوزع الباقي بين السكن والنقل والخدمات الأساسية، على حساب الصحة والتعليم، الأمر الذي دفع الكثير من العائلات إلى بيع ممتلكاتها.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن عجز إنفاق الأسرة في سوريا يتجاوز 60 بالمئة من دخلها، إذ إن متوسط الحاجة إلى إنفاق الأسرة في سوريا تتراوح تقديراته بين 9 ملايين و12 مليون ليرة شهريا، فبالمقارنة مع متوسط تقديري لدخل الأسرة، والبالغ قرابة 3.5 ملايين ليرة، نجد عجز الدخل المتاح عن تأمين ما لا يقل عن 60 بالمئة وسطيا من سلة الحاجات الأساسية، وهنا يمكن التقدير أن نسبة الإنفاق على الغذاء لا تقل عن 40 بالمئة من الحاجة إلى الإنفاق، وهذا معدل كبير ويتجاوز المؤشرات العالمية التي تفترض ألا يتجاوز الإنفاق على الغذاء معدل 25 بالمئة من الإنفاق الإجمالي على سلة الحاجات الأساسية.
برنامج الأغذية العالمي
ينفذ برنامج الأغذية العالمي في سوريا مجموعة من البرامج الطارئة، تشمل مساعدات غذائية مدرسية وبرامج دعم للأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل، بالإضافة إلى دعم عملية إعادة الإعمار والتنمية من خلال برامج الصمود.
وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أكثر من 80 بالمئة من العائلات السورية غير قادرة على تلبية احتياجاتها من الغذاء المتنوع والكافي والمغذي، رغم التحسن التدريجي في مؤشرات الأمن الغذائي في البلاد، بحسب موجز البرنامج الخاص بسوريا لشهر شباط 2026، الذي يغطي الفترة الخاصة بشهر كانون الثاني 2026، مضيفا: تعافي سوريا ما يزال مقيدا بسنوات طويلة من الصراع والعزلة وضعف الاستثمار، الأمر الذي أسهم في بقاء الاقتصاد هشا، وتضرر البنية التحتية، ومحدودية فرص العمل.
وأوضح البرنامج أن نحو 18 بالمئة فقط من العائلات السورية تعد آمنة غذائيا في عام 2025، مقارنة بـ11 بالمئة في عام 2024، مشيرا إلى أن استمرار هذا التحسن يعتمد على الاستقرار السياسي والاستثمار المستدام في جهود التعافي وتعزيز القدرة على الصمود.
وقدم البرنامج خلال كانون الثاني 2026 مساعدات لنحو 6.7 ملايين شخص في سوريا، شملت توزيع 36.7 ألف طن من المواد الغذائية، إضافة إلى تحويلات نقدية بقيمة 9.2 ملايين دولار لدعم الأسر الأكثر احتياجا، لافتا إلى أن العمليات في سوريا تحتاج إلى 175 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة، من آذار إلى آب 2026، لمواصلة البرامج الإنسانية، منوها، في الوقت ذاته، إلى أن غياب التمويل في الوقت المناسب قد يجبر البرنامج على تقليص المساعدات، في وقت لا تزال فيه مكاسب التعافي هشة.
وأوضح البرنامج، في تقرير سابق له، أنه قدم مساعدات شملت ملايين المستفيدين عبر برامج متنوعة، منها توزيع الغذاء الطارئ، وتوفير الخبز المدعوم والمحصن يوميا، إضافة إلى دعم سبل العيش والوجبات المدرسية والتغذية، بما يعكس التزامه بتأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز الصمود المجتمعي.
وأشار البرنامج إلى أنه يعمل بالشراكة مع المؤسسات الوطنية على مشاريع إعادة الإعمار وبناء القدرات، مثل إعادة تأهيل المخابز والصوامع، ودعم المزارعين بالبذور والأسمدة، إلى جانب مبادرات لتعزيز الإنتاجية الزراعية وضمان الأمن الغذائي المستدام.
وأكد أن سوريا تمتلك فرصا كبيرة لإعادة البناء وتحقيق التعافي، مشددا على أن استمرار التمويل الدولي سيتيح تعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، بما يفتح آفاقا إيجابية لمستقبل أكثر استقرارا وعدلا.
ويعد برنامج الأغذية العالمي “WFP” أكبر منظمة إنسانية في العالم تابعة للأمم المتحدة، تأسست عام 1961 ومقرها روما، ويهدف إلى مكافحة الجوع، وتحقيق الأمن الغذائي، وإنقاذ الأرواح في حالات الطوارئ، كالنزاعات والكوارث، وتغيير حياة المجتمعات من خلال دعم سبل العيش المستدامة في أكثر من 120 دولة.
إعادة بناء قاعدة البيانات
ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، أن إجراء مسح شامل لدخل ونفقات واستهلاك الأسر بعد انقطاع دام نحو سبعة عشر عاما، يمثل خطوة أساسية في إعادة بناء قاعدة البيانات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، فخلال هذه السنوات شهد الاقتصاد السوري تحولات عميقة بفعل الحرب وتداعياتها، إلى جانب موجات التضخم الحادة وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل كثيرا من المؤشرات والبيانات القديمة غير قادرة على عكس الواقع المعيشي الحالي للأسر.
ومن هنا، تقول الدكتورة الشياح، في تصريح لـ”الثورة السورية”: “تبرز أهمية هذا المسح بوصفه أداة لقياس مستوى الفقر الحقيقي في المجتمع، إذ سيقدم بيانات أكثر دقة حول نسب الفقر والفقر المدقع، والفروق بين المناطق الحضرية والريفية، وهو ما يسمح بفهم أعمق لخريطة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، كما يتيح المسح التعرف إلى أنماط الاستهلاك الجديدة التي تشكلت خلال السنوات الماضية، بعدما غيرت الظروف الاقتصادية أولويات الإنفاق لدى الأسر، سواء في ما يتعلق بحصتها من الغذاء أو السكن والطاقة، أو ما تخصصه للتعليم والصحة”.
وإلى جانب ذلك، وفقا للباحثة الاقتصادية، يسهم المسح في تحديث مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، مثل خط الفقر الوطني، ومستوى عدم المساواة في توزيع الدخل، والتقديرات الفعلية لتكاليف المعيشة. وتكمن أهمية هذه المؤشرات في أنها توفر أساسا أكثر واقعية لصياغة السياسات العامة. فبدل أن تستند القرارات الاقتصادية إلى تقديرات عامة أو بيانات قديمة، تصبح مبنية على معلومات ميدانية تعكس بدقة واقع الأسر ومستويات دخلها وإنفاقها.
الانعكاس السياسي والاقتصادي
وحول سؤال ماذا يعني هذا المسح على المستوى السياسي والاقتصادي، توضح الشياح أنه، اقتصاديا، يشكل المسح مرجعا مهما لأي عملية إصلاح اقتصادي محتملة، إذ يتيح قياس حجم الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، كما يوضح طبيعة توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويحدد المناطق الأكثر هشاشة اقتصاديا.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن للحكومة أن تعيد تقييم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، سواء في ما يتعلق بإعادة تصميم منظومة الدعم، أو صياغة سياسة أكثر واقعية للأجور، أو تطوير برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجا.
أما على الصعيد السياسي، فيحمل المسح، وفقا للدكتورة الشياح، دلالات مهمة تتصل بطبيعة إدارة السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة. فوجود بيانات دقيقة ومحدثة قد يمهد للانتقال نحو سياسات اقتصادية أكثر توجيها، تقوم على استهداف الفئات الأشد فقرا بدل الاعتماد على الدعم الشامل. كما أن اعتماد القرارات الاقتصادية على بيانات رسمية يعزز من شرعيتها ويمنحها قدرا أكبر من المصداقية، فضلا عن كونه يبعث رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن هناك جهودا لإعادة بناء المؤسسات الإحصائية وتحديث قاعدة البيانات الوطنية.
التأثير في القرارات
وبينت الباحثة الاقتصادية أنه يمكن لنتائج هذا المسح أن تنعكس مباشرة على عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، وفي مقدمتها سياسات الدعم. إذ قد تكشف البيانات بشكل أوضح عن الفئات التي تستفيد فعليا من الدعم، وتلك التي لا يصلها بشكل كاف، الأمر الذي قد يدفع نحو إعادة هيكلة هذه السياسات، سواء من خلال التوسع في أشكال الدعم النقدي المباشر للفئات الأكثر فقرا، أو تقليص الدعم العام لبعض السلع والطاقة، أو توجيه الدعم وفق اعتبارات جغرافية واجتماعية أكثر دقة.
كما يمكن أن تلعب نتائج المسح دورا مهما في تحديد الحد الأدنى للأجور، إذ تتيح البيانات احتساب تكلفة سلة المعيشة الأساسية، وقياس الفجوة بين مستويات الدخل والإنفاق لدى الأسر. وهذه المعطيات تعد ضرورية لوضع حد أدنى للأجور أكثر ارتباطا بالواقع الاقتصادي.
ولا يقتصر تأثير المسح على هذين الجانبين، كما توضح الشياح، بل يمتد أيضا إلى رسم السياسات الاجتماعية الأوسع، حيث يمكن استخدام البيانات الناتجة عنه في تصميم برامج الحماية الاجتماعية، وتطوير سياسات تتعلق بالأمن الغذائي والتغذية، إضافة إلى دعم السياسات المرتبطة بالتعليم والصحة.
تأثير المنظمات الدولية
غالبا ما يتركز دور المنظمات الدولية المشاركة في مثل هذه المسوح في الجوانب التقنية والمنهجية أكثر من كونه دورا سياسيا مباشرا. فهي تسهم في تصميم منهجية المسح وصياغة الاستبيانات، كما تساعد في تحديد المؤشرات الأساسية التي ينبغي قياسها، مثل مؤشرات الفقر والأمن الغذائي والتغذية، مع ضمان توافق البيانات مع المعايير الدولية المعتمدة. وهذا قد يؤدي إلى التركيز على مؤشرات بعينها، مثل الأمن الغذائي أو الهشاشة الاقتصادية أو الفقر متعدد الأبعاد.
وإلى جانب ذلك، نوهت الدكتورة الشياح إلى أن هذه المنظمات توفر، في كثير من الأحيان، دعما ماليا وفنيا لتنفيذ المسح، نظرا إلى ارتفاع كلفته وتعقيد عملياته الميدانية والإحصائية، كما تقدم الخبرة التقنية في تدريب الفرق الميدانية وتحليل البيانات.
أما تأثيرها غير المباشر في السياسات فيظهر غالبا من خلال استخدام نتائج المسح في التقارير الدولية أو في برامج المساعدات، مما قد ينعكس على أولويات الإنفاق الحكومي أو تصميم برامج الحماية الاجتماعية والدعم الغذائي. ومع ذلك، يبقى توظيف نتائج المسح في رسم السياسات العامة قرارا سياديا يعود في النهاية إلى الحكومة.
وتخلص الشياح إلى القول إنه يمكن أن يشكل هذا المسح أحد أهم الأدوات الاقتصادية في سوريا خلال المرحلة المقبلة، لأنه سيقدم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة صورة أكثر وضوحا عن شكل الفقر الحقيقي في المجتمع، ومستويات تكاليف المعيشة، وخريطة الهشاشة الاجتماعية بين مختلف المناطق والفئات. وبناء على هذه المعطيات، قد يصبح المسح مرجعا أساسيا في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في السنوات القادمة.
الثورة السورية
——————————
خبير يوضح مذكرة التفاهم السعودية لتوريد عدادات ذكية إلى سوريا
أعلنت الشركة السعودية للصادرات الصناعية (صادرات)، في 9 من آذار، عن توقيع مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة “جلوبال ترونيكس”، بهدف التعاون والشراكة في مشروع توريد عدادات كهربائية ذكية في سوريا.
وتنص المذكرة، بحسب بيان الشركة السعودية للصادرات الصناعية (صادرات)، على “تداول السعودية” دراسة جدوى لتشكيل تحالف وتحديد أدوار أطراف التحالف، وسبل التمويل لمشروع توريد وتنفيذ عدادات كهربائية ذكية أحادية الطور وثلاثية الطور في سوريا.
يبدأ العمل بهذه المذكرة من تاريخ توقيعها وتكون نافذة لمدة 12 شهرًا، مع إمكانية تمديد هذه الفترة أو تجديدها باتفاق الطرفين.
ونوهت الشركة السعودية إلى أن الجهة التي تم التوقيع معها تتضمن كلًا من شركة “جلوبال ترونيكس” وشركة “سيجنيفيكا”.
وقالت في البيان بأنه لا يوجد أثر مالي ناتج عن توقيع هذه المذكرة حاليًا، وسيتم الافصاح عن أي أثر مالي جوهري في حال إبرام اتفاقيات أو تعاقدات مستقبلًا.
المكاسب الاقتصادية
وفي تصريحات لعضو جمعية العلوم الاقتصادية في سوريا محمد بكر، لعنب بلدي، أشار إلى العديد من الملاحظات التي تطرح تساؤلات حول المكاسب الاقتصادية المتوقعة من تطبيق هذه المذكرة.
بداية، أكد بكر أنه لم يصدر أي بيان رسمي من وزارة الطاقة أو أي جهة حكومية سورية تؤكد أو تنفي الأخبار المتعلقة بالمذكرة.
وركز بكر على أن مذكرة التفاهم الموقعة بين شركة “صادرات” السعودية وشركتي “جلوبال ترونيكس” و”سيجنيفيكا” لم تكن ملزمة، وذلك مثل العديد من المذكرات الموقعة مع جهات أخرى والتي لم يتم تنفيذها.
وأضاف أن المناقصة الدولية الخاصة بمشروع العدادات الذكية قد أغلقت في شباط الماضي بمشاركة 45 شركة من جنسيات مختلفة، ولكن لم يتم الإعلان عن نتائجها أو إلغائها.
من ناحية أخرى، أشار بكر إلى أن المذكرة تتضمن دراسة جدوى لتشكيل تحالف بين الشركات المذكورة لتوريد وتنفيذ العدادات الذكية في سوريا.
ولكنه شدد على أنه لا توجد أي معلومات تدل على وجود اتفاق أو إحالة مناقصة على إحدى هذه الشركات المتعاقدة من قبل الجانب السوري.
تهالك البنية التحتية
وفيما يخص البنية التحتية لشبكات الكهرباء في سوريا، أشار بكر إلى أن الوضع الحالي يعاني من انهيار كبير ولا يلبي متطلبات تركيب نظام العدادات الذكية.
ولفت إلى أن المشروع يتطلب تجهيزات متكاملة تشمل شبكات كهربائية، شبكات اتصالات عبر الألياف البصرية، وأيضًا شبكة إنترنت من الجيل الخامس.
بالإضافة إلى ضرورة اعتماد الدفع الإلكتروني من خلال الحسابات المصرفية وليس عبر شركات الدفع المحلي مثل “شام كاش” و”سيرتل كاش”.
نجاح مشروع العدادات الذكية
أوضح محمد بكر أن الخطوة الأهم التي يجب اتخاذها لضمان نجاح مشروع العدادات الذكية وتحقيق فائدته للاقتصاد السوري هي الابتعاد عن الاستعراض ونشر أخبار اتفاقيات لم ولن يتم تنفيذها.
وأن أي مشروع، بحسب بكر، لديه متطلبات للبدء بوضعه قيد التنفيذ، كالتمويل والبنية التحتية.
ويرى بكر أن من الضروري مشاركة أوسع للخبرات القديمة، والتي تملك الكثير من المعلومات المفيدة، وتختصر الجهد والوقت وتحقق الوصول الى التنفيذ الفعلي للمشروع.
ما نلاحظه هو تدخل بعض أصحاب القرار الذين يفتقرون إلى الخلفية الفنية اللازمة للمشروع، بحسب بكر، وهو ما يظهر بوضوح من خلال التخبط الإداري في إدارة ملف مناقصة العدادات.
وذلك بالإعلان عن المناقصة، ثم تمديدها، تعديلها، ثم إلغاؤها، وإعادة الإعلان عنها مجددًا، لتبدأ بعدها مرحلة دراسة العروض وفضها. والآن نرى بعض الشركات تتحدث وكأن المناقصة قد تم إحالتها بالفعل، وفقًا لتصريح بكر.
التحديات التقنية
وبالنسبة للتحديات التقنية، أبرز بكر مشكلات فنية عدة مثل:
شبكة الكهرباء والتي تحتاج إلى إعادة تأهيل والانتهاء من مشاكل فاقد الشبكة الفني.
شبكة الاتصالات التي لا تغطي الكثير من المناطق المدمرة واعتمادها على شبكة كابلات نحاسية والتي تحد كثيرًا من كفاءة الشبكة ولن تخدم أبدًا العداد الذكي.
شبكة الإنترنت التي لا تغطي كامل الجغرافيا السورية، بالإضافة إلى عدم استقرار وثبات للتغطية في كل أنحاء القطر.
الدفع الإلكتروني حيث تم استبعاد المصارف المرخصة وفتح الباب لشركات تتقاضى عمولات وتعاني من ضعف فني في تطبيقاتها.
وأخيرًا، أكد بكر أن المشروع ضخم ويحتاج التمويل والتعاون بين أكثر من شركة لتنفيذه بجودة عالية، ليتم الاستفادة القصوى من تركيب العداد الذكي.
تركيب العدادات الذكية بدءًا من آب
وفي وقت سابق، أوضح مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء خالد أبو دي، أن المؤسسة ستباشر مع بداية آب المقبل تركيب العدادات الذكية ضمن برنامج يمتد لثلاث سنوات.
وبيّن أنه جرى خلال العام الماضي إعداد خطة لتأمين هذه العدادات، وتقديم دراسة فنية متكاملة أعدّها فريق مختص بمشاركة مهندسين سوريين من داخل البلاد وخارجها.
وأشار أبو دي إلى أن نحو 1.2 مليون مشترك ما زالوا بلا عدادات، مؤكدًا وصول دفعات أولية سيتم توزيعها على الشركات للبدء بتركيبها، بهدف تغطية معظم المشتركين مع نهاية العام القادم.
تخبط إداري في مناقصة العدادات الذكية
في أواخر عام 2025، أعلنت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء عن مناقصة ضخمة لتوريد 6 ملايين عداد ذكي أحادي الطور و500 ألف عداد ثلاثي الطور، بقيمة تقديرية تتجاوز نصف مليار دولار.
وكان من الممكن أن تشكل هذه المناقصة خطوة استراتيجية نحو تحديث قطاع الكهرباء وتحسين الجباية وتقليل الفاقد فضلًا عن جذب اهتمام العديد من الشركات المحلية والعالمية.
إلا أن المناقصة شهدت سلسلة من التعديلات والإلغاءات المفاجئة وأثارت تساؤلات حول جدية المشروع وأسباب التأجيل المتكرر.
مع تكرار تعديل مواعيد الإغلاق، وإلغاء المناقصة بشكل نهائي في 7 كانون الثاني 2026.
ورغم الوعود بإعادة طرح المناقصة في وقت لاحق بشروط جديدة، إلا أن المؤسسة أعادت الإعلان تحت رقم جديد (1/2026) وبالسرعة الكلية، مع تحديد موعد إغلاق قصير لا يتجاوز شهرًا واحدًا.
———————–
سوريا تحصل على منحة جديدة من البنك الدولي لسوريا
المنحة تهدف إلى رفع كفاءة وشفافية ومساءلة استخدام الأموال العامة
الرياض – العربية Business
12 مارس ,2026
أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن المنحة المخصصة لسوريا، التي وافق عليها مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي والمقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية “IDA” بقيمة 20 مليون دولار، تمثل محطة جديدة في مسار تطور العلاقة بين سوريا ومجموعة البنك الدولي بعد عقود من الانقطاع.
وأوضح برنية، اليوم الخميس، أن المنحة وهي الثانية التي تقدم لسوريا، تهدف إلى رفع كفاءة وشفافية ومساءلة استخدام الأموال العامة.
وأشار إلى أن من أبرز مكونات المنحة إنشاء قسم لإدارة المساعدات المالية “SEAFS” ضمن الوزارة ليتولى تنسيق المشاريع الوطنية والدولية وتعزيز الرقابة والانضباط المالي على المساعدات المالية المقدمة عبر مختلف القنوات، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سعر الدولار في مصر يواصل الصعود ويقترب من مستوى قياسي جديد
قصص اقتصادية الجنيه المصري سعر الدولار في مصر يواصل الصعود ويقترب من مستوى قياسي جديد
وقال وزير المالية إن مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي يدعم جهود تعزيز حوكمة إدارة المالية العامة في سوريا، معرباً عن أمله بأن يرى سوريا مدرجة على جدول أعمال الاجتماع القادم لمجلس المساهمين، حيث ستناقش مشاريع بمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار تغطي قطاعات متعددة وذلك بدعم وتنسيق من وزارة الخارجية والمغتربين.
وكان البنك الدولي وافق في الخامس والعشرين من شهر يونيو الماضي على المنحة الأولى بقيمة 146 مليون دولار لتحسين إمدادات الكهرباء ودعم التعافي الاقتصادي في سوريا.
——————————
سوريا في عين العاصفة.. التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية ـ الإيرانية/ مازن الشاهين
الحرب الأميركية-الإيرانية تهز المنطقة.. ماذا يعني ذلك على الاقتصاد السوري؟
2026-03-10
في منطقةٍ تعيش على إيقاع التوترات المتلاحقة، لا تبدو أي مواجهة عسكرية حدثاً عابراً، فكيف إذا كانت بين الولايات المتحدة وإيران؟ حربٌ من هذا النوع لا تُقاس آثارها بعدد الصواريخ فحسب، بل بارتداداتها على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأسعار الصرف، وسلاسل الإمداد، وسوريا الخارجة من سنوات حربٍ مدمّرة، تجد نفسها مجدداً في قلب الإعصار، ففي اللحظة التي يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى أكبر قدر من الاستقرار والدعم الدولي، يجد نفسه في مواجهة أزمة إقليمية قد تُبدّد جزءاً من الاهتمام الدولي والتمويل نحو أولويات أخرى، واليوم تتقاطع الحسابات السياسية مع تحديات اقتصادية معقدة، ليجد الاقتصاد السوري نفسه أمام تحدٍّ نفسي عميق: كيف يُقنع المستثمرين الدوليين أن سورية “آمنة للاستثمار” بينما تستعر حرب في دولة مجاورة على بُعد بضع مئات من الكيلومترات؟ هذا التحدي لا يحتاج إلى رصاصة واحدة تُطلق على الأراضي السورية ليُلقي بظلاله على قرارات الاستثمار، ما يجعل السؤال مشروعاً: هل تتحول هذه المواجهة إلى عبء إضافي على الاقتصاد السوري، أم إلى فرصة لإعادة التموضع الإقليمي؟
كيف تُعيد هذه الحرب تشكيل مسار الاقتصاد السوري الناشئ؟
يقول المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+” سوريا ليست طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنها بحكم الجغرافيا والسياسة جزء من معادلة إقليمية معقدة، والحرب الأميركية ـ الإيرانية، لن تمر دون أثر، ودمشق فضّلت في الأيام الأولى للحرب التحفّظ والمراقبة، بدلاً من اتخاذ مواقف علنية، وهو نهج مدروس لدولة تريد الحفاظ على علاقتها مع واشنطن (الداعمة للضربات) وأنقرة (الرافضة لها) والرياض (المتضررة من الانتقام الإيراني) في آنٍ واحد، لكن ثمة بُعد إيجابي لا يمكن إغفاله، فتأثير الحرب يُنهي نهائياً أي احتمال لعودة النفوذ الإيراني في سوريا، وانهيار القدرة الإيرانية على زعزعة الاستقرار إقليمياً، وهو يوفر لحكومة دمشق فرصة ذهبية لتعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية التي تريد ملء الفراغ الإيراني في المشرق العربي.
ويضيف: إلا أن ذلك يتوجب عليها إدارة فاتورة الطاقة المتنامية في ظل ارتفاع أسعار النفط وتوقف الغاز الإسرائيلي، والحفاظ على ثقة المستثمرين وإقناعهم بأن سوريا “جزيرة استقرار نسبية” في بحر اضطراب إقليمي، وتأمين استمرار المساعدات الإنسانية لـ 16.5 مليون سوري في ظل انشغال المانحين بأولويات متضاربة، فالصورة ليست بالسواد الكامل ولا بالوردية المُتوهَّمة، وسوريا دولة هشّة تمشي على حبل مشدود بين فرصة تاريخية غير مسبوقة وهواجس إقليمية تتربص بها من كل اتجاه، والحرب الأمريكية-الإيرانية لم تضرب الاقتصاد السوري مباشرةً بأزمة فورية، لكنها أضافت أوزاناً جديدة على ظهر بنية لا تزال تتعلم كيف تقف.
ويشير العبدالله إلى أن الصورة ليست قاتمة، واشنطن ستضغط لتحويل سوريا إلى نموذج إقليمي في مرحلة الاستقرار الجديدة، والمملكة العربية السعودية التي تبرعت بـ 1.65 مليون برميل نفط لسورية في نوفمبر 2025 ـ في سياق تعزيز نفوذها الإقليمي ـ تبدو أكثر دوافع لاستمرار الدعم وتكثيفه الآن، والدول الخليجية لا تُريد أن تخسر ما بنته في سوريا بسبب الحرب، بل على العكس، هذه الحرب تجعل الاستثمار في سوريا أكثر استراتيجية من أي وقت مضى، وهذا الدعم الموضوعي، إذا تحوّل إلى دعم مالي منظّم وسريع، قادر على استيعاب الصدمة الإقليمية وتحويلها إلى رياح خلفية.
بالمقابل يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن العبادي في تصريحات لـ”963+” من أن “غياب التهديد الإيراني المباشر” لا يعني حضور الفرصة الاقتصادية الكاملة، فالدول المجاورة مشتعلة، والطرق التجارية في خطر، وأسعار كل شيء ترتفع، والصراع لا يطرق باب الاقتصاد السوري بالعنف المسلح، بل يتسلل إليه عبر الأسعار والممرات والمستثمرين المترددين.
ويضيف أنه قبل أن تبدأ الحرب بيوم واحد، كانت الأمم المتحدة تُصنّف سوريا ضمن أكثر 18 بؤرة جوع في العالم لعام 2026، وكان برنامج الأغذية العالمي يُحذّر من أن 16.5 مليون سوري ـ أي نحو 70% من السكان ـ بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وكان إنتاج القمح قد تراجع بنسبة 40% في 2025 بسبب الجفاف، محقّقاً عجزاً بلغ 2.73 مليون طن، والآن مع اشتعال الحرب، تبرز مخاوف اقتصادية ذات طابع إنساني مباشر، أبرزها ارتفاع أسعار القمح عالمياً، فالحرب في الشرق الأوسط التي تهدد الشحن عبر هرمز سترفع أسواق السلع الغذائية بدرجات متفاوتة، وسورية، التي تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها الغذائية، ستتأثر مباشرةً، إضافة إلى مخاطر انشغال المانحين، الأزمة الإنسانية الإيرانية وتداعيات الحرب قد تُحوّل جزءاً من موارد المانحين الدوليين بعيداً عن سورية، وتحذّر الأمم المتحدة من أن أي تراجع في تدفق المساعدات سيُفاقم أزمة الجوع السورية المتصاعدة أصلاً.
التجارة والممرات: شرايين تحت الضغط
يضيف العبادي تقع سوريا على عقدة طرق برية تربط الخليج بالمتوسط، وأي اضطراب في العراق أو الخليج سيؤثر على حركة الشاحنات، وكلفة التأمين البحري، وزمن الشحن، وفي حال اتسعت رقعة المواجهة لتشمل مضيق هرمز، سترتفع تكاليف الشحن عالمياً، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في السوق السورية، مشيراً إلى أن سوريا تبني استراتيجيتها التجارية على ثلاثة محاور: الشمال عبر تركيا، والشرق عبر العراق نحو الخليج، والجنوب نحو الأردن ولبنان، الحرب الأميركية – الإيرانية تتهدد هذه المحاور بدرجات متفاوتة، فالمحور الشرقي حيث العراق في قلب العاصفة فهو في خضمّ الصراع المحتدم، وميليشيات موالية لإيران كـ ‘كتائب حزب الله’ أعلنت شنّ ضربات على القوات الأميركية في أربيل وقواعد أخرى، فيما يُشير مجلس الأطلسي إلى أن “العراق لا يزال ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران” هذا الواقع يجعل الطريق البري السوري-العراقي مثقلاً بعدم اليقين، وقد يدفع الشاحنات إلى تعليق العبور جزئياً.
أما المحور الشمالي، بحسب العبادي، “فتركيا تبدو الرابح الأكبر وإن كانت في موقف ورطة ديبلوماسية ومكسب اقتصادي في آنٍ معاً، فبينما أعلنت أنقرة رفضها للحرب وعدم السماح باستخدام قاعدة إنجيرليك لضرب إيران، تجد نفسها المنفذ اللوجستي الوحيد الآمن نسبياً لسورية في الوقت الراهن، وقد كانت تركيا أصلاً تضخّ غازاً إلى دمشق عبر الأراضي السورية منذ نهاية 2025، وهو خط حيوي يكتسب أهمية مضاعفة الآن، وفي المحور الجنوبي توقف الغاز الإسرائيلي، حيث كانت سوريا تستفيد، من خلال ترتيبات إقليمية عبر الأردن، من جزء من إمدادات الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطات الكهرباء، وهذا الخط متوقف الآن، والأردن الذي يربطه اتفاق تجارة مع سورية وقّعه الطرفان في 2025 يواجه هو الآخر ضغوطاً مماثلة، مما يُعقّد الربط الكهربائي الإقليمي الذي كانت دمشق تبنيه بعناية.
ويختم العبادي أن أفضل دفاع اقتصادي هو زيادة الإنتاج، لأن أي اقتصاد يعتمد على الاستيراد فقط يبقى رهينة التقلبات.
أزمة الطاقة.. الصدمة تصل دمشق
خبير الطاقة المهندس عارف النحاس يؤكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن كل دولار إضافي في سعر برميل النفط ينعكس مباشرة على كلفة الكهرباء والنقل والصناعة، والاقتصاد السوري لا يحتمل صدمة طاقة جديدة، فإيران لاعب أساسي في سوق الطاقة، واستهداف منشآتها رفع الأسعار عالمياً، وبالنسبة لسورية، التي تعتمد على استيراد المشتقات النفطية وسط تراجع الإنتاج المحلي، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة فاتورة الاستيراد، وضغطاً أكبر على احتياطي القطع الأجنبي، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وموجة تضخم جديدة.
ويضيف: “سوريا قبل الحرب كانت تُنتج 400 ألف برميل نفط يومياً، واليوم لا تُنتج أكثر من 40 ألفاً، وهي بالتالي مستورد صافٍ في لحظة تشهد فيها أسواق الطاقة العالمية انفجاراً غير مسبوق، والضربة الأولى جاءت غير مباشرة، فمجرد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز في 1 مارس أرسل موجة صدمة فورية عبر أسواق الطاقة، ارتفع سعر برميل النفط فوق 79 دولاراً قبل أن يصل إلى أعلى من ذلك، ووفق محللي ING وأوكسفورد إيكونوميكس، قد يتجه النفط نحو 100 إلى 140 دولاراً للبرميل في حال امتد الصراع لأسابيع، وأما الضربة الثانية فكانت مباشرة، فقد أعلنت إسرائيل إغلاق حقلي ‘ليفياثان’ و’كاريش’ احترازياً، وأوقفت تصدير الغاز إلى سوريا والأردن ومصر، وهذا يعني أن سوريا تفقد مصدراً كانت تعتمد عليه جزئياً لإنتاج الكهرباء عبر اتفاقيات إقليمية، وقطر علّقت إنتاج الغاز الطبيعي المسال احترازياً بعد استهداف منشآتها”.
ويختم نحاس: “في اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات، كل صدمة خارجية تُضاعف الأعباء. غير أن التاريخ يُظهر أن الأزمات قد تفتح أحياناً نوافذ لإعادة التموضع وإعادة البناء، وتبقى الكلمة الفصل في قدرة صانع القرار على إدارة المخاطر، وفي مرونة المجتمع والقطاع الخاص على التكيّف مع عاصفةٍ جديدة قد لا تكون الأخيرة”.
+963
——————————
الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي/ أمير حقوق
تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من غلاء الأسعار، طالت العديد من السلع الأساسية والمواد الغذائية، في ظل ظروف اقتصادية معقدة ترهق السوريين.
وتنعكس هذه الموجة الجديدة من الغلاء بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للسوريين، حيث تتسع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار، الأمر الذي يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن بعض السلع الأساسية.
كما يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة معدلات التضخم في الأسواق المحلية، وهو ما يهدد بمزيد من التدهور في القدرة الشرائية ويعمّق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها السوريون في حياتهم اليومية.
غلاء بوتيرة مفاجئة
قامت عنب بلدي بجولة في عدد من أسواق المحافظات السورية، ولوحظ غلاء الأسعار بوتيرة مرتفعة خلال الأسبوع الحالي، إذ ارتفعت بعض السلع حوالي 50%.
وتراوح سعر كيلو الفروج بين 34 و39 ألف ليرة سورية، بعدما كان الأسبوع الماضي بين 28 و32 ألف ليرة سورية، ووصل سعر كيلو شرحات الدجاج لحوالي 80 ألف ليرة سورية، بعدما سجل 52-56 ألف ليرة سورية، أما كيلو “فخاذ الوردة” فسجل سعر 50 ألف ليرة سورية، بعدما كان 35 ألف ليرة سورية.
الخضار أيضًا لم تكن بمنأى عن موجة الغلاء، إذ سجل كيلو البندورة في أسواق دمشق 20 ألف ليرة سورية، بعدما سجل في الأسبوع الماضي 12 ألف ليرة سورية، وكيلو الخيار والفليفة سجلا سعر 18 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرهما 11-15 ألف ليرة سورية، وكيلو الليمون تجاوز سعره 25 ألف ليرة سورية، بعدما كان يباع حوالي 18 ألف ليرة سورية.
الغلاء طال أيضًا أصناف الحلويات وعصائر والفاكهة، وحتى أسعار الألبسة.
عدد من الباعة، التقتهم عنب بلدي، أكدوا تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة، وأصبحت حالات البيع تقتصر على عينات صغيرة.
وأرجعوا الغلاء، لعدة عوامل أهمها ارتفاع أجور النقل ونقص بالمنتج المحلي، وإغلاق استيراد بعض الأصناف الزراعية والحيوانية.
تضخم هيكلي ومستورد
هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار، تطرح تساؤلات عديدة حول أسبابها الحقيقية، ومدى ارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية، فضلًا عن تأثيراتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية ومستويات المعيشة.
كما تثير مخاوف من احتمال استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات تحد من تسارع الأسعار.
الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، قال إن الاقتصاد السوري يشهد في عام 2026 موجة تضخمية جديدة وعنيفة، توصف بأنها الثانية من نوعها من حيث الحدة خلال فترة قصيرة، حيث قفزت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق لتسجل أرقامًا قياسية تفوق قدرة المواطن على التحمل.
“موجة الغلاء الحالية التي نعيشها ليست مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل هي تضخم هيكلي ومستورد في آن واحد”، بحسب ما قاله الدكتور محمد خلال حديثه إلى عنب بلدي.
ويرى محمد أنه يمكن توصيف أسبابها الاقتصادية من خلال تحليل العوامل التالية:
1. صدمة العرض مقابل زيادة الطلب الموسمية: مع حلول شهر رمضان، يزداد الطلب الاستهلاكي بشكل حاد على المواد الغذائية واللحوم، مما يشكل ضغطًا تصاعديًا على الأسعار.
في المقابل، يعاني العرض المحلي من محدودية حادة نتيجة عوامل طبيعية كالجفاف، وضعف الإنتاج الزراعي والحيواني بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات، مما يخلق فجوة سعرية كبيرة.
2. ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل جنوني: يعاني المزارع السوري من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف مستلزمات الإنتاج، وأبرزها الأسمدة التي ارتفعت بشكل كبير نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتباطها بالاستيراد، على سبيل المثال، قفز سعر طن سماد اليوريا بشكل مفاجئ، مما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وبالتالي على السعر النهائي للمستهلك.
كذلك، تتزايد أجور اليد العاملة وأجور النقل (التي ترتبط بسعر المحروقات)، مما يزيد العبء على الفلاح ويقلص هامش الربح لديه أو يدفعه لرفع الأسعار.
3. ضعف العملة والتضخم المستورد: على الرغم من الحديث عن استبدال العملة وحذف الأصفار، فإن قيمة الليرة السورية لا تزال تعاني من الضعف أمام الدولار، مما يجعل الغلاء “مستوردًا”.
فالاقتصاد السوري يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد التامة الصنع أو للمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، أي تراجع في سعر الصرف يترجم فورًا إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة والمحلية على حد سواء.
4. اضطراب سلاسل التوريد وتكاليف النقل: تتأثر سلاسل التوريد بعوامل داخلية كضعف البنى التحتية، وعوامل خارجية كالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهذه الاضطرابات تؤدي إلى تعطل بعض طرق النقل وزيادة تكاليف الشحن، مما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق المحلية.
5. غياب التدخل الفعال وآليات السوق غير المنضبطة: مع اعتماد وزارة الاقتصاد بشكل واسع على سياسة السوق الحر، وغياب الرقابة الفعالة على أسواق الجملة والتجزئة، يلعب التجار وأصحاب البقاليات دورًا أساسيًا في المضاربة على الأسعار، في كثير من الأحيان، تذهب الزيادات الكبيرة في الأسعار إلى جيوب الوسطاء، بينما يبقى المزارع يتقاضى ثمنًا زهيدًا لإنتاجه لا يغطي كلفته.
تضخم غذائي حاد
أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيعتبر أن السوق السوري يشهد موجة غلاء جديدة يمكن توصيفها اقتصاديًا بأنها موجة تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد زيادة موسمية مرتبطة بدورة الطلب المعتادة.
من منظور اقتصادي، يمكن فهم هذه الموجة عبر تداخل عدة عوامل بنيوية، بحسب رؤية السلوم في حديثه إلى عنب بلدي، وهي:
الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، حيث لا تزال سلاسل الإمداد الغذائية تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المستورد أو مرتفع الكلفة، ما يضيف أعباء إضافية على كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة الغذائية، بدءًا من المزرعة مرورًا بالنقل والتخزين، وصولًا إلى منافذ البيع.
العامل الثاني يتمثل في اختناقات العرض الناتجة عن ضعف الإنتاج المحلي من جهة، وتعقيدات الاستيراد أو تأخر منح الإجازات من جهة أخرى، وهو ما يخلق في كثير من الأحيان حالة نقص فعلي أو متوقَّع في المعروض، وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة يميل التجار إلى التسعير وفق ما يمكن تسميته “سعر الغد” بدلًا من “سعر اليوم”، تحسبًا لارتفاعات لاحقة في التكاليف.
العامل الثالث يرتبط بارتفاع الطلب الموسمي مع حلول شهر رمضان، وهو عامل تقليدي في الأسواق السورية، إلا أنه يعمل هذه المرة فوق أرضية تضخمية هشة تراكمت على مدى سنوات طويلة.
أما العامل الرابع فهو الإرث التضخمي الثقيل الذي تراكم منذ عام 2019، حيث شهدت أسعار السلع الأساسية زيادات تراكمية كبيرة أضعفت قيمة العملة المحلية وأفرغت الأجور من مضمونها الحقيقي، بحيث أصبحت أي صدمة جديدة، لو كانت محدودة، قادرة على إحداث قفزات سعرية ملحوظة.
وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، لا يمكن إغفال تأثير التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران وإسرائيل.
صحيح أن العلاقة ليست مباشرة على مستوى الأسعار اليومية للسلع في الأسواق المحلية، إلا أن هذه التطورات ترفع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين في المنطقة، وتزيد من مخاطر اضطراب الإمدادات، بحسب السلوم.
وبالنسبة لاقتصاد هش يعتمد على الواردات في جزء مهم من احتياجاته الغذائية والنفطية، فإن هذه الصدمات الخارجية تضاعف الضغوط التضخمية القائمة أصولًا.
نسبة التضخم بالربع الأول 100%
يقدّر الدكتور عبد الرحمن محمد، بناء على المعطيات المتاحة وتحليل اتجاهات الأسواق، نسبة التضخم الحالية، والتي تعتبر مرحلة “تضخم الركود” الحاد، كما يلي:
التقديرات تشير إلى أن معدل التضخم السنوي في الربع الأول من عام 2026 يتجه للاقتراب من حوالي 100% أو أكثر، محذرًا من أن بعض التوقعات المحذرة تذهب إلى احتمالية تسجيل تضخم يتجاوز 124%.
ويلخص الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالآتي:
تآكل القدرة الشرائية: النتيجة المباشرة والأكثر قسوة هي انهيار القوة الشرائية للمواطن السوري، حيث لم تعد الرواتب والأجور قادرة على مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار، مما يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها من المواد الأساسية والاستغناء عن بعضها.
انخفاض الإقبال على الشراء: المفارقة أن الأسعار ترتفع بينما يقل الإقبال على الشراء بنسب تصل إلى 40% كما حدث في بداية رمضان، مما يعكس حالة الركود التضخمي حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع كساد السوق.
تفاقم الفقر والبطالة: هذه الأوضاع تدفن أي أمل بتحسن سريع لمستوى المعيشة، وتزيد من معدلات الفقر والبطالة التي تتجه نحو مستويات قياسية قد تصل إلى 60% من القوى العاملة في سيناريوهات متدهورة.
توقعات للتضخم السنوي
الباحث محمد السلوم يتوقع أن يتراوح معدل التضخم السنوي العام في سوريا قد يدور حاليًا في نطاق يتراوح بين 40 و70 بالمئة، في حين يمكن أن يصل التضخم الغذائي في بعض السلع إلى مستويات أعلى قد تقترب من 60 إلى 100%، مع تفاوتات ملحوظة بين المناطق والمحافظات.
انعكاسات هذه الموجة، بحسب رأي السلوم، تتجاوز الجانب الاقتصادي البحت لتطال البعد الاجتماعي بشكل مباشر.
فظاهرة “فقر الغذاء” تتسع تدريجيًا، حيث تضطر العديد من الأسر إلى تقليص استهلاك البروتينات والفواكه والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة، وأحيانًا مجهولة المصدر، بما يحمله ذلك من آثار صحية محتملة على المدى المتوسط.
كما يؤدي تسارع الأسعار إلى إضعاف قدرة المنتجين والتجار على التخطيط، ويوسّع من حجم الاقتصاد غير المنظم، ويعزز ظاهرة التسعير على أساس العملات الأجنبية أو كلفة الاستبدال، وفقًا للسلوم.
ما الآثار؟
قال الدكتور عبد الرحمن محمد، إن التأثيرات الاقتصادية إثر موجة التضخم، تتمثل في:
تراجع الإنتاج المحلي: ارتفاع التكاليف وعدم الجدوى الاقتصادية يدفع الكثير من المزارعين والمنتجين إلى تقليص مساحاتهم الزراعية أو التوقف عن العمل، مما يزيد الاعتماد على الاستيراد ويخلق حلقة مفرغة في ارتفاع الأسعار.
توسع السوق الموازية وضعف الاقتصاد الرسمي: يؤدي التضخم الجامح إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية، ويزيد من الدولرة (التعامل بالقطع الأجنبي)، ويوسع رقعة السوق السوداء على حساب الاقتصاد المنظم.
استنزاف المدخرات: يفقد المواطنون أي مدخرات نقدية كانت بحوزتهم، مما يقضي على أي فرصة لتكوين رأس مال محلي يمكن استثماره في المستقبل .
مطالب بدعم الإنتاج ومراقبة الأسواق
اقترح الدكتور عبد الرحمن محمد، مجموعة من الحلول العاجلة، والتي تعتبر حزمة من السياسات العاجلة والاستراتيجية:
التدخل المباشر لدعم الإنتاج: بدلًا من الدعم العشوائي للسلع، يجب التوجه نحو “دعم نقدي ذكي” للمواطنين الأكثر حاجة بالتوازي مع دعم مستلزمات الإنتاج للمزارعين والصناعيين المحليين (أسمدة، وبذار، ومحروقات) لزيادة المعروض وكسر حلقة الاحتكار.
مراقبة الأسواق وكسر الاحتكار: تفعيل دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لمراقبة سلاسل التوريد من المزرعة إلى المستهلك، والتصدي بحزم لاحتكار الوسطاء والمضاربات غير المشروعة بالأسعار.
العمل على استقرار سعر الصرف: لا يمكن السيطرة على التضخم دون محاولة جادة لضبط سوق القطع الأجنبي عبر تعزيز الاحتياطي من العملات الصعبة، وخلق آليات شفافة لتدفق الحوالات الخارجية والاستثمارات.
استراتيجية وطنية للتحول الاقتصادي: الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “صناعة النمو” عبر وضع خطط طموحة لتحقيق سيادة الغذاء والطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري السوري في الداخل والخارج، وتحويل الاقتصاد من الريعي إلى الإنتاجي.
آليات دعم ذكية
يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أنه على صعيد المعالجة، فإن المقاربة الواقعية تقتضي الجمع بين إجراءات إسعافية قصيرة الأجل وإصلاحات تدريجية أعمق.
فعلى المدى القريب تبدو الحاجة ملحّة لاستهداف السلع الغذائية الأساسية بآليات دعم ذكية ومركّزة، إلى جانب مراجعة قيود الاستيراد المتعلقة بالسلع والمدخلات الحرجة، وضبط هوامش الربح في حلقات الوساطة بما يتناسب مع الكلفة الفعلية.
أما على المدى المتوسط، فإن الاستقرار النسبي للأسعار يظل مرهونًا بتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي في قطاعات الزراعة والدواجن والتصنيع الغذائي، وتحسين بيئة سعر الصرف، وبناء شراكة أكثر فاعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإدارة ملف الأمن الغذائي، خاصة في المواسم الحساسة التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.
عنب بلدي
——————————–
الضمير بديلاً عن الدولة.. كيف تُدار أزمة الأسعار في سوريا؟/ منهل عروب
2026.03.10
في سوريا، لا تبدأ أزمة الأسعار من السوق، بل من اللغة التي تُفسَّر بها. فبدلاً من سياسات تضبط الانفلات، يُستدعى «الضمير» ليقوم بدور الدولة، ويُطلب من التاجر أن يعالج ما عجزت عنه المؤسسات. هكذا تتحول الأزمة المعيشية من خلل اقتصادي إلى اختبار أخلاقي، ويصبح السؤال الحقيقي: من يدير الأسعار؟ الدولة الممثلة بالجهات المعنية والتي تعمل وفق معايير قابلة للقياس، أم الضمير الشعبي بكل ما تحمله هذه العبارة من معانٍ فضفاضة بهدف التهرب من تحميل المسؤولية لجهة محددة؟ وهل هذا اتهام غير مباشر للسوريين وتحميلهم مسؤولية الفشل الاقتصادي، أم إعلان عجز الدولة عن وضع سياسات اقتصادية فاعلة؟
ففي كل موسم رمضاني، يتكرر المشهد ذاته في الخطاب الاقتصادي الرسمي في سوريا: دعوات إلى الضمير، نداءات إلى المسؤولية الشخصية، وتذكير التجار بأنهم أمام اختبار أخلاقي لا ينبغي أن يفشلوا فيه. هذا العام لم يكن استثناءً. فقد شدّد وزير الاقتصاد على ضرورة التزام التجار بالتسعير العادل خلال رمضان، وعدم استغلال حاجة الناس، مؤكدًا أن «الاقتصاد الحر» يقوم على المنافسة الشريفة وعلى ضمير المنتجين والموردين.
في الظاهر، تبدو هذه الرسالة طبيعية، بل وربما محمودة. من يعارض الدعوة إلى العدالة في الأسعار؟ ومن يرفض أن يتحلّى التجار بالضمير؟ لكن المشكلة لا تكمن في الدعوة ذاتها، بل في ما تخفيه: تحويل أزمة اقتصادية بنيوية عميقة ومهمات مؤسسية حكومية إلى مسألة أخلاقية فردية، وإعادة تعريف دور الدولة من جهة منظِّمة للسوق إلى جهة واعظة أخلاقياً للتجار، من دون أن تتحمّل مسؤولياتها.
حين ترتفع الأسعار في أي اقتصاد، تُطرح أسئلة واضحة: ماذا عن التضخم؟ ماذا عن السياسة النقدية؟ ماذا عن الأجور؟ ماذا عن الاحتكار وسلاسل التوريد؟ في الحالة السورية، هذه الأسئلة تختفي من الخطاب الرسمي، ليحل مكانها تفسير مبسّط: المشكلة في جشع بعض التجار وغياب الضمير.
هذه النقلة ليست بريئة. إنها عملية سياسية واعية تنقل مركز المسؤولية من بنية الاقتصاد ودور السياسات والخطط الاقتصادية التي تضعها الوزارة إلى سلوك الأفراد. فبدلاً من أن تكون الأسعار نتيجة خلل في السياسات العامة، تصبح نتيجة لانحراف أخلاقي في السوق المتمثّل في المجتمع. وبدلاً من مساءلة الدولة عن أدواتها الاقتصادية، يتم استدعاء الضمير الفردي كأداة بديلة لضبط السوق. بهذا المعنى، لا يعود التضخم أزمة سياسات، بل أزمة أخلاق. ولا تعود الدولة مطالبة بإصلاح أدواتها، بل يطالب التاجر بإصلاح ضميره.
اقتصاد حر شروطه غير متوفرة
يشير الخطاب الرسمي إلى أن التسعير يتم ضمن «اقتصاد حرّ» يقوم على المنافسة العادلة. لكن هذا الافتراض يتجاهل السؤال الجوهري: هل تتوافر في سوريا شروط اقتصاد حر فعلاً؟
الواقع الملموس يشير إلى العكس. السوق يعاني من تركّز واضح في سلاسل التوريد، وتداخل عميق بين رأس المال والسلطة، وغياب شبه كامل للرقابة المستقلة، إضافة إلى ضعف أجهزة حماية المستهلك. في مثل هذه البيئة، لا يمكن الحديث عن منافسة عادلة، لأن السوق نفسه غير متكافئ. فمثلاً أعلنت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن 59 ضبطًا في مدينة حمص، وفق ما أوردته الإخبارية السورية، في مسعى منها للقول إن جهاز حماية المستهلك يقوم بواجبه. لكن هذا الرقم صغير جدًا بالمعيار الاقتصادي والقانوني، في ظل فلتان الأسعار الذي تعيشه سوريا في شهر رمضان ومحاولة ضبطه.
وبالتالي، يصبح الحديث عن «اقتصاد حر» خطابًا تبريريًا أكثر منه توصيفًا واقعيًا أو منهجًا اقتصاديًا تتبناه الدولة. إذ يجري استخدام مفهوم نظري لتغطية واقع احتكاري، ثم يُطلب من الأفراد أن يتصرفوا وكأنهم يعملون ضمن سوق تنافسية سليمة.
الأخطر: ربط الأسعار بالضمير والمسؤولية الوطنية
الأخطر في الخطاب الأخير ليس فقط دعوة الضمير، بل ربطها بالمسؤولية الوطنية، وحتى بتضحيات السوريين. هنا يحدث تحول نوعي في وظيفة الأخلاق داخل الخطاب العام. لم تعد الأخلاق إطارًا شخصيًا، بل أصبحت أداة سياسية. فحين يُقال للتاجر إن التسعير العادل هو وفاء لتضحيات الوطن، تتحول علاقة السوق من علاقة اقتصادية إلى علاقة أخلاقية وطنية. بذلك، يصبح خفض الأسعار علامة على الانتماء، ورفعها مؤشرًا على نقص الوطنية، وليس على العرض والطلب أو الربح والخسارة.
هذه الصياغة ليست محايدة. إنها تعيد تعريف السلوك الاقتصادي بلغة سياسية، وتفتح الباب أمام استخدام الشرعية الوطنية كأداة ضغط اقتصادي. هنا تتحول الأخلاق من قيمة إنسانية إلى وسيلة، أو بالأحرى محاولة لإدارة السوق في ظل غياب أدوات تنظيم فعالة.
الدولة تطلب من السوق أن يقوم بدورها
في أي نموذج اقتصادي مستقر، تقوم الدولة بدور واضح: تنظيم السوق، منع الاحتكار، حماية المستهلك، وضمان حد أدنى من العدالة في توزيع الأعباء. أما في الحالة السورية، فيبدو أن هذه الوظائف يتم تفويضها ضمنيًا إلى السوق نفسه.
بدلاً من سياسات تسعير واضحة، أو دعم فعلي للسلع الأساسية، أو رقابة فعالة على سلاسل التوريد، يكتفي الخطاب الرسمي بنداءات أخلاقية. أي بدلاً من أن تقول الدولة: «سنضبط الأسعار وفق آلية محددة وواضحة وقابلة للقياس والمساءلة»، تقول: «اضبطوا أنفسكم!» هذه المفارقة تكشف خللاً عميقًا: كلما تراجعت قدرة الدولة على التدخل، ارتفع منسوب الخطاب الأخلاقي. وكأن الضمير يتحول إلى بديل عن القانون، والوعظ إلى بديل عن السياسة العامة.
هنا تكمن المفارقة الأساسية: الضمير قيمة فردية، بينما العدالة الاقتصادية مسؤولية مؤسسية. وعندما يختلط المستويان، تضيع الحدود بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي، وتتحول القيم إلى بديل هشّ عن السياسات.
الأسواق لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بالقوانين والمؤسسات وتوازنات القوة بين العرض والطلب، والتاجر والمستهلك والوسيط المحايد بينهما، وهو الدولة. أما الضمير، مهما كان مهمًا، فيبقى خيارًا فرديًا لا يمكن أن يشكّل أساسًا لسياسة اقتصادية عامة. وفي بلد يعيش واحدة من أعمق أزماته المعيشية، لا يبدو أن المشكلة هي نقص الضمير بقدر ما هي غياب السياسة.
تلفزيون سوريا
————————————
شركة سعودية توقّع مذكرة تفاهم لمشروع العدادات الذكية في سوريا
2026.03.10
وقّعت شركة الصادرات الصناعية “صادرات” السعودية، مذكرة تفاهم مع شركة “غلوبال ترونيكس” بهدف التعاون بخصوص مشروع العدادات الذكية في سوريا.
وبحسب بيان للشركة نشر على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول)، أمس الإثنين، يبدأ العمل بهذه المذكرة (غير الملزمة) من تاريخ توقيعها وتكون نافذة لمدة 12 شهراً، ويجوز تمديد هذه الفترة أو تجديدها لمدة أو مدد مماثلة باتفاق الطرفين.
وأضافت أنّ المذكرة تشمل دراسة جدوى تشكيل تحالف وتحديد أدوار أطراف التحالف، وسبل التمويل لمشروع توريد وتنفيذ عدادات كهربائية ذكية أحادية الطور وثلاثية الطور في سوريا.
وأشارت شركة “صادرات”، إلى أنّه “لا يوجد أثر مالي ناتج عن توقيع هذه المذكرة حالياً، وسيتم الإفصاح عن أي أثر مالي جوهري في حال إبرام اتفاقيات أو تعاقدات مستقبلاً”.
تركيب العدادات الذكية في سوريا
في شهر كانون الثاني الماضي، قال مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، خالد أبو دي، إن “المؤسسة ستباشر مع بداية شهر آب المقبل، تركيب العدادات الذكية ضمن برنامج يمتد لثلاث سنوات، وجرى إعداد خطة لتأمين هذه العدادات خلال العام الماضي”.
وأوضح أن فريقا مختصا بمشاركة مهندسين سوريين من داخل وخارج سوريا أعد دراسة فنية متكاملة، مشيراً إلى “طرح مناقصة مفتوحة حتى الثامن من شباط القادم، تتبعها الإجراءات الإدارية اللازمةـ وفترة توريد تمتد أربعة أشهر”.
وبين “أبو دي” أنه يوجد نحو مليون ومئتي ألف مشترك ما زالوا بلا عدادات، وتعمل المؤسسة حالياً على تأمين عدادات إلكترونية غير مسبقة الدفع لهم، حيث وصلت دفعات أولية سيتم توزيعها على الشركات للبدء بتركيبها، بهدف تغطية معظم المشتركين مع نهاية العام القادم، بالتوازي مع وصول دفعات إضافية بشكل دوري.
——————————
في جديدة يابوس.. شاحنات عالقة ومعاملة بالمثل/ مازن الشاهين
أزمة جديدة يابوس: شاحنات عالقة ومعاملة بالمثل تعطل حركة الترانزيت بين سوريا ولبنان
2026-03-09
على الطريق الدولي بين دمشق وبيروت، ترتسم مشاهد الانتظار الطويل عند معبر جديدة يابوس، حيث تصطف عشرات الشاحنات اللبنانية المحمّلة بالبضائع في طوابير تمتد مئات الأمتار، وسط حالة من الترقّب بعد قرار تطبيق “المعاملة بالمثل” من قبل السلطات السورية، في خطوة أعادت الجدل حول مستقبل الترانزيت البري والعلاقات الاقتصادية بين البلدين الجارين، واقعٌ يتسبب بتأخير حركة التجارة البرية ويمسّ بشكل مباشر قطاع التصدير والترانزيت الذي يشكل شريان حياة للاقتصاد اللبناني، ويؤثر بالمقابل على رفد السوق السورية بسلع متنوعة بأسعار معقولة.
وتحذر مصادر في الهيئات الاقتصادية اللبنانية من أن استمرار الجمود في ملف الترانزيت يقوّض فرص الشركات اللبنانية في المنافسة، ويعزز من أزمات البطالة وانخفاض الإيرادات بالعملات الأجنبية.
في المقابل، يبرر مسؤولون وخبراء اقتصاديون سوريون القرار باعتباره إجراءً سيادياً يندرج ضمن مبدأ المعاملة بالمثل وتنظيم سوق النقل الداخلي.
في الأثناء، تتزايد الدعوات من الفعاليات الاقتصادية في البلدين لتدخل حكومي عاجل، سواء على المستوى اللبناني بتفعيل القرارات المقترحة، أو على المستوى السوري بمراجعة قرار المعاملة بالمثل، أو عبر تشكيل لجنة مشتركة تبحث حلولاً جذرية لأزمة النقل بين البلدين، والتي تتفاقم بين الحين والآخر تبعاً للتطورات السياسية والاقتصادية.
القرار أعاد رسم قواعد العبور بين سوريا ولبنان، وأثار سجالاً اقتصادياً حول من يتحمل الكلفة… ومن يملك مفتاح الحل، فكيف يرى السوريون واللبنانيون هذه الأزمة؟ وما هو مستقبل التجارة البرية في ظل التوترات التنظيمية والاقتصادية المتزايدة؟ وبين رائحة البنزين وأصوات محركات الشاحنات، يظلّ الأمل معقوداً على اتفاق يعيد فتح الطريق بين بيروت ودمشق، لا فقط لعبور البضائع… بل لعبور الثقة أيضاً.
توتر على الأسفلت: شاحنات العبور على الحدود… انتظار طويل ورسائل مفتوحة:
في مساء جديدة يابوس، تتراجع الأصوات ويغمر السكون المكان، الشاحنات ساكنة، لكن القلق متحرك في وجوه السائقين والتجار، وبينما يناقش المسؤولون الخطط، يبقى السائقون في الميدان أكثر من يدفع الثمن، فكلّ ساعة تأخير تُترجم بخسارة جديدة، وكلّ قرار غير منسّق يزيد المسافة، وعلى طرف الطريق، تبقى الأضواء مشتعلة حتى الفجر، ترمز إلى طريقين متقابلين في الجغرافيا ولكنهما متشابكان في المصير.
فحلّ الأزمة، في النهاية، لن يأتي من المناقلة اليدوية، بل من مناولة سياسية واقتصادية على مستوى القرار تفتح المعابر على أوسعها أمام المصالح المشتركة، عندما يتحوّل الممر الحدودي إلى ساحة مفتوحة للقلق والمفاوضات الميدانية غير الرسمية بين السائقين والجهات المعنية، فيما تتزايد الخسائر يوماً بعد آخر.
عند نقطة الانتظار، يحاول السائقون تمضية الوقت بشكل جماعي. بعضهم يخيط أغطية القماش لحماية البضائع، وآخرون يتحدثون عن ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
طابور شاحنات على الجانب السوري من المعبر، وسائقون يجلسون قرب موقدة نار صغيرة، يحاولون كسر صمت الطريق، وآخرون يجلسون قرب حاوياتهم في انتظار المناقلة، وسائقان لبناني وسوري يتقاسمان الخبز والشاي بجانب شاحناتهما عند الغروب.
يقول السائق اللبناني نادر وهبه وهو ينتظر منذ يومين: “الحدود لا يجب أن تتحوّل إلى جدار اقتصادي، وهي ليست مساحة للضغط المتبادل، بل جسر عبور للمصالح المشتركة، فحمولتي خضار وفاكهة… كل ساعة تأخير تعني خسارة، نحن أول المتضررين من قرارات لا نعرف كيف وُضعت”.
أما السائق السوري محمود الزارع فيقول: “صرنا نحن السوريين واللبنانيين ننتظر القرار ذاته… كلنا نريد أن نتحرك”.
عضو لجنة الشحن والنقل والترانزيت في غرفة تجارة دمشق “فضل عدم ذكر اسمه”، يكشف لـ”٩٦٣+” أن عملية المناقلة بين الشاحنة السورية وغير السورية تستغرق أحياناً نحو خمسة أيام، ما يؤخر دخول البضائع إلى الأراضي السورية ويتسبب بضرر مباشر للتجار وللمستهلك على حد سواء.
ويوضح أن هذه التأخيرات تعود جزئياً إلى نقص عدد العمال “العتّالين” في المعابر، وهو ما لا يكفي لتأمين حركة النقل اليومية، وأضاف: إن النقص في العمالة والآليات أدى إلى ازدحام كبير للشاحنات وخلل في جدول دخول البضائع، ما تسبب بارتفاع التكاليف وفقدان بعض المواد الطازجة في الأسواق، ودعا إلى إعادة تقييم آلية المناقلة وتخفيف القيود الإدارية، وزيادة الموارد البشرية والفنية لتجنب الاختناقات التجارية.
ما تأثير القرار؟ وماهي المخاطر المحيطة؟
أصدرت السلطات السورية مؤخراً قراراً يقضي بمنع دخول الشاحنات الأجنبية، ومن بينها اللبنانية، إلى الأراضي السورية محملة ببضائع، والتعامل معها وفق مبدأ “المعاملة بالمثل” رداً على إجراءات لبنانية مشابهة، موضحة أن القرار ليست له أبعاد سياسية أو عقابية، بل هو خطوة لضمان الشفافية الجمركية ومكافحة التهريب، وبموجب القرار الجديد، يتوجب تفريغ الحاويات في المراكز الحدودية وتحميلها على شاحنات سورية فقط لإكمال رحلتها داخل سوريا.
هذا الإجراء فاجأ شركات النقل والمصدرين، إذ يعتمد البلد على المعبر السوري كمنفذ رئيسي إلى الأسواق العربية.
تشير التقديرات إلى أن حجم التجارة البرية اللبنانية عبر سوريا يتجاوز 700 مليون دولار سنوياً، وأن أي تعطّل في المعابر يؤدي إلى تراجع فوري في الصادرات الزراعية وارتفاع كلفة الشحن نحو الخليج بنسبة تصل إلى 35%.
يرى الدكتور جورج صليبا، الخبير الاقتصادي اللبناني في تصريحات لـ”963+” أن القرارات السيادية، مهما كانت مبرراتها، تحتاج دائماً إلى جسور تنسيق حتى لا تتحول إلى كلفة مشتركة يدفعها الجميع، وأن استمرار التأخير سيؤدي إلى تراجع مكانة لبنان كممر تجاري نحو الدول العربية، وخسائر متبادلة تطال الجمارك السورية والتجار اللبنانيين معاً، وأن القطاع الخاص في كلا البلدين هو المتضرر الأكبر، لأن أي عراقيل في خطوط الترانزيت تؤدي إلى ارتفاع الكلفة النهائية على المستهلكين وفقدان فرص العمل لدى شركات النقل والسائقين.
ويؤكد أن الأزمة الحالية تعكس غياب التنسيق الاقتصادي الحقيقي بين البلدين، رغم العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة، والحل الأمثل يكمن في تفعيل الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين، خاصة تلك المتعلقة بالنقل والترانزيت، بدلاً من العودة إلى سياسة المعاملة بالمثل التي تضر باقتصاديات الطرفين، وفي نهاية اليوم، الشاحنة الواقفة على حدود جديدة يابوس لا تحمل مواقف سياسية، بل تحمل زيت زيتون وخضاراً وأدوية وأثاثاً، وصاحبها ليس دبلوماسياً يتفاوض على المصالح، بل رب أسرة يسدّد قرضاً مصرفياً ويموّل تعليم أبنائه من هذه الرحلة.
ومن الجانب السوري، يعتبر الدكتور محمد يوسف، الخبير في شؤون التجارة في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن أي دولة تحمي قطاعها اللوجستي، وعندما تُمنع الشاحنات السورية من دخول أراضٍ أخرى أو تُفرض عليها قيود، يصبح من الطبيعي تطبيق المعاملة بالمثل، فالهدف ليس تعطيل التجارة، بل إعادة تنظيمها، نحن نفتح الباب أمام التنسيق لا المواجهة.
ويضيف “سوريا تتعرض أيضاً إلى ضغوط مماثلة إثر التباطؤ في تدفق بعض السلع والأسواق”، ويؤكد أن الحل يكمن في تشبيك المصالح المشتركة وليس في تبادل المعاملات التعطيلية.
ضياع الوقت والكلفة: شكاوى لبنانية
دعا نقيب شركات الترانزيت في لبنان سركيس عطاالله مسؤولي بلاده إلى التنسيق مع الحكومة السورية، لتفعيل قرار سابق يسمح بنقل البضائع إلى الدول المجاورة ضمن الحاويات، بسبب منع سوريا دخول الشاحنات الأجنبية.
وقال في بيان نشرته الوكالة اللبنانية للأنباء، إن القرار يسهّل حركة الترانزيت من خلال السماح بإخراج البضائع من المرافئ اللبنانية ضمن الحاويات الواردة من الخارج برسم الترانزيت إلى سوريا من دون تفريغها إلى الشاحنات داخل نطاق المرفأ.
ويقتضي القرار أن تنقل الحاويات مباشرة ومختومة أصولاً من الجمارك اللبنانية إلى مركز جديدة يابوس، حيث تفرّغ إلى الشاحنة السورية بإشراف صاحب البضاعة، وفقاً للأنظمة.
في المقابل، عبر مستوردون لبنانيون عن قلقهم من التعقيدات الجديدة، مؤكدين أن القرار السوري سيرفع كلفة النقل وسيؤخر وصول البضائع، يقول سركيس خاجو “أحد أصحاب شركات الشحن” في تصريحات لـ”963+”: نحن لا نعارض مبدأ السيادة أو التنظيم، لكن القرارات المفاجئة تربك العقود وتكبّدنا غرامات تأخير، المطلوب آلية تنسيق واضحة وثابتة، كنا ننقل بضائعنا مباشرة إلى وجهتها النهائية، والآن سنضطر لتفريغها وإعادة تحميلها على الحدود، وهذا يعني وقتاً إضافياً وتكاليف أكبر تنعكس على أسعار السلع.
وجهة النظر السورية: حق سيادي وتحفيز للنقل الوطني
في المقابل، يرى مسؤول في وزارة النقل السوري، “فضّل عدم ذكر اسمه”، أن القرار نابع من حرص الدولة على “المعاملة بالمثل وحماية حقوق النقل السوري”، ويقول:
“لبنان يشترط على الشاحنات السورية الشحن والتفريغ عند الحدود ولا يسمح لها بالدخول، فكان لابد من تطبيق الإجراء نفسه… لسنا ضد استمرار التبادل التجاري، لكننا ندعو لاحترام سيادة وإجراءات كل بلد، والقرار هو لتنظيم العملية وتحقيق مبدأ السيادة الاقتصادية”.
ويضيف المصدر: “النقل السوري تضرر بشكل كبير بفعل الإجراءات اللبنانية سابقاً وكنّا نتغاضى ونقدم تسهيلات أحياناً، اليوم الوضع لم يعد يحتمل، ويجب تشجيع شركات النقل السورية التي تمر بأزمة خانقة”.
في نفس السياق، يوضح مسؤول في الجمارك السورية (طلب عدم ذكر اسمه) أن القرار جاء في إطار حماية الاقتصاد الوطني السوري من ممارسات التهريب والاستهلاك غير المشروع للمواد المدعومة، إضافة إلى الحرص على تنفيذ القوانين الجمركية بصرامة، ويقول المصدر: “شهدنا حالات يتم فيها استخدام الشاحنات الأجنبية في عمليات تهريب وتلاعب في نوعية وشهادات البضائع، ما دفع الحكومة السورية لاتخاذ إجراءات مشددة تضمن إخضاع الحمولات لإشراف دقيق”.
ويؤكد أن تفريغ الحاويات في معبر جديدة يابوس أمام عيون الجمارك وأصحاب البضائع يقلل من مخاطر التهريب ويدعم جهود الدولة في تحصيل الرسوم وإحكام الرقابة.
ويوضح: “لا نسعى إلى تعطيل التجارة اللبنانية، نريد فقط تحديد مسارات واضحة تمنع التهريب وتحافظ على موارد الدولة، مع احترام مبدأ التعامل بالمثل”.
ومع ذلك، يشدد على انفتاح الحكومة السورية على التعاون مع لبنان لتسهيل انسياب البضائع، شريطة الالتزام بالإجراءات القانونية واحترام سيادة الدولة السورية وحرية اتخاذ القرار بما يراعي المصالح الوطنية.
وتشير بيانات سورية إلى أن إدخال الشاحنات الأجنبية دون ضوابط خلال السنوات الماضية تسبب بخسائر جمركية وتجاوزات في سوق النقل المحلي، وهو ما تسعى دمشق إلى معالجته ضمن خطة إصلاح اقتصادية أوسع.
الكلفة الاقتصادية: من يدفع الثمن؟
حسب تقارير إعلامية لبنانية فإن النتيجة الفورية للقرار السوري هو شلل شبه تام في معبر جديدة يابوس، المنفذ البري الأساسي بين البلدين، والشريان الذي تعبره يومياً ـ في الأوقات الاعتيادية ـ ما بين 300 و400 شاحنة تحمل بضائع بقيمة تتجاوز 15 مليون دولار أسبوعياً، وأن حجم التبادل التجاري المهدَّد بالأرقام يشير أن قيمة الصادرات اللبنانية عبر سوريا سنوياً تتراوح بين 400 و600 مليون دولار، وأن نسبة الصادرات اللبنانية التي تعبر الأراضي السورية تزيد على 60% من إجمالي الصادرات البرية، وأن عدد شركات الترانزيت المتضررة في لبنان أكثر من 120 شركة، وعدد السائقين المباشرين المتضررين يُقدَّر بـ 4000 إلى 6000 سائق، ووفق تقديرات نقابية أولية، فأن تكلفة الانتظار على السائق الواحد ، تكلفة الوقود خلال فترة الانتظار 50 إلى 80 دولاراً يومياً، والأجر اليومي الضائع 70 إلى 120 دولاراً، إضافة إلى قيمة البضائع الفاسدة.
وبين الموقفين، تبقى الكلفة الفعلية موزعة على عدة أطراف كما يقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريحات لـ”963+” وهم المصدرون والمستوردون: الذين يتحملون رسوم تخزين إضافية وغرامات تأخير، وشركات النقل التي تخسر أيام عمل وإيرادات مباشرة، والمستهلك النهائي الذي قد يواجه ارتفاعاً في الأسعار نتيجة زيادة كلفة النقل.
ويحذر من أن أي تعطيل طويل الأمد سيدفع بعض التجار للبحث عن ممرات بديلة عبر مرافئ أو حدود أخرى، ما يضعف دور لبنان كمحور ترانزيت.
ويؤكد أن إنشاء لجنة حدودية اقتصادية مشتركة خطوة ضرورية لتفادي أزمات مماثلة، فالبلدان بحاجة لبعضهما اقتصادياً ولوجستياً، وأي عرقلة في الحدود بينهما تنعكس مباشرة على العمال والتجار والمزارعين في الجانبين.
يرى أن الحل يكمن في اتفاق ثنائي متكامل بين وزارتي النقل في البلدين لتبسيط إجراءات الترانزيت واعتماد نظام رقمي موحّد بين الجمارك اللبنانية والسورية، وإقامة منطقة لوجستية مشتركة قرب المعبر تعمل على تبديل الحاويات ومتابعة الإجراءات بسرعة دون تعطيل الرحلات.
يختم “مراد” بالقول: الملف اليوم ليس مجرد شاحنات مصطفة عند الحدود، بل اختبار لقدرة الحكومتين على إدارة الخلافات التنظيمية بعيداً عن التصعيد، فالتجارة، في بيئة اقتصادية منهكة على جانبي الحدود، ليست ترفاً سياسياً.. بل شرياناً حيوياً لا يحتمل الانقطاع الطويل. تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين يُظهر أن التجارة غالباً ما تتأثر بالتجاذبات السياسية، لكنها في النهاية تفرض منطقها، فحجم التبادل والترابط الجغرافي يجعلان من الصعب على أي طرف الاستغناء الكامل عن الآخر.
+963
——————————
خبير اقتصادي يوضح للإخبارية تأثير الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على الاقتصاد السوري
آذار 8, 2026
أوضح نائب رئيس المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية محمود الذرعاوي، أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران ستؤثر على الاقتصاد العالمي، وعلى الاقتصاد السوري بشكل خاص، لأن سوريا لا تملك رفاهية الانتظار ولا رفاهية الوقت، وأي ضيق أو ضغط ينعكس سلباً عليها.
وقال الذرعاوي، في حديثه لقناة الإخبارية، الأحد 8 آذار، إن سوريا بحكم وضعها الحالي في قلب العاصفة، مشيراً إلى أن البلاد في مرحلة إعادة بناء وإعادة تكوين، وتعتمد بدرجة كبيرة على السوريين المقيمين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، ما يجعل التأثير حتماً سلبياً ومباشراً.
وأضاف أن الاقتصاد السوري كان يعول، كما ظهر في الفترة الماضية، على الاتفاقيات أو على الرغبة الخليجية بالاستثمار في سوريا، إلا أن دول الخليج ستكون خلال هذه الفترة منشغلة عن أي استثمار خارجي، الأمر الذي سينعكس على حجم الاستثمارات المتوقعة في سوريا.
ولفت الذرعاوي إلى أن وقف حركة الطيران للسوريين القادمين بشكل يومي يؤثر جزئياً على الدخل الوارد إلى سوريا، كما ينعكس على سلاسل الإمداد، إذ إن جزءاً كبيراً من البضائع لا يزال يدخل عبر الموانئ الخليجية، إضافة إلى اعتماد السوق السورية على نسبة لا بأس بها من الصناعات الخليجية نتيجة ضعف الصناعة المحلية خلال السنوات الماضية. وأكد أن سوريا أمام عوائق كثيرة وتأثير مباشر لما يحدث في الخليج.
وأشار إلى أن الاقتصاد السوري يتأثر أحياناً أكثر من اقتصادات دول الخليج أو غيرها من دول العالم، بسبب عدم قدرة البلاد على تحمل ارتفاع فاتورة الطاقة أو البترول، كونها دولة مستوردة له، ما ينعكس مباشرة على الأسعار وعلى الشعب الذي يعيش أساساً تحت خط الفقر الحقيقي.
وختم الذرعاوي بالقول إن اتصالات السيد الرئيس مع زعماء الدول الخليجية والرؤساء والملوك، وطرح إمكانية استخدام الموانئ السورية كبديل، تأتي في إطار محاولة تخفيف الضغط المتوقع على الخليج خلال الفترة المقبلة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، السبت 28 شباط، بدء عمليات قتالية واسعة للجيش الأمريكي على الأراضي الإيرانية بهدف “حماية الشعب الأمريكي والقضاء على التهديدات الوشيكة” الصادرة عن النظام الإيراني، على حد قوله، ما أدى إلى هجمات إيرانية استهدفت أراضي عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.
المصدر: الإخبارية
——————————
“شام كاش” يحير السوريين.. ويوقف قبض الرواتب لساعات
العربية.نت جوان سوز
09 مارس ,2026
مع توقّف تطبيق “شام كاش” وهو تطبيق إلكتروني لإدارة المعاملات المالية الوحيد في سوريا، عن الخدمة لساعات، تضاربت الأنباء بشأن الأسباب، وسط كم من الشائعات حول خرق التطبيق ووجود خلل تقني.
وقد أدى هذا التوقف المؤقت أيضاً خلال اليومين الماضيين إلى تأخّر صرف رواتب موظفي الدولة عن شهر مارس/آذار الجاري.
إذ تسبب العطل المفاجئ الذي دام ساعات، بتأخّر دفع مستحقاتٍ مالية لموظفي الدولة وأسرهم الذين يعتمدون على هذا التطبيق كمنصّة رئيسية لاستلام رواتبهم، وعبّر العشرات منهم عن عجزهم عن استلام راتبهم عبر “شام كاش” بعد هذا العطل.
خلل تقني
في حين أعلنت الشركة التي تدير هذا التطبيق أن العطل ناجم عن خلل تقني مرتبط بمزوّد خدمة الدومين، ولا يتعلّق بأي اختراق أمني أو تسريب للبيانات، وذلك بعد ساعات من تبنّي خبير أمن سيبراني سوري مقيم في ألمانيا منذ سنوات عملية إيقاف التطبيق بشكلٍ مفاجئ.
ورغم تأكيد الشركة أن سبب العطل لا يعود للاختراق، إلا أن عشرات السوريين عبّروا في منشوراتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي عن غضبهم من سوء الخدمات لدى”شام كاش”، مؤكدين أن التطبيق يفتقر إلى آليات حماية رقمية كافية.
فعادت الشركة لتنوه في بيان آخر أمس الأحد إلى أنه “لا داعي للقلق في حال حدوث بعض التوقّفات المؤقتة خلال اليوم”. وأضافت أن “الفريق التقني يعمل حالياً على استكمال معالجة الخلل السابق بشكلٍ كامل وضمان استقرار الخدمة”.
“توقيف حساباتهم”
بينما اشتكى سوريون من توقيف حساباتهم وعدم تمكنهم من الوصول إليها رغم أنهم حاولوا ذلك مراراً عبر “شام كاش” بعد إعلان الشركة حل المشكلة التنقية التي واجهت تطبيقها المصرفي.
كما قام عدد من السوريين بتأييد خبير الأمن السيراني أنس السود الذي تبنى خرق التطبيق وإيقافه مؤقتاً، معتقدين أن مثل هذه المشاكل قد ترغم الشركة على اتخاذ المزيد من التدابير لحماية التطبيق وأموال زبائنه.
لكن آخرين اعتبروا أن موعد الاختراق لم يكن مناسباً بعدما تسبب بتأخر صرف رواتب موظفي الدولة.
في حين ذكرت مصادر من العاصمة دمشق لـ “العربية.نت/الحدث.نت” أن “السلطات ستتعامل بحزم مع مثل هذه الأعطال التي تواجه التطبيقات الالكترونية عبر المتابعة مع الوزارات المختصة”، لاسيما وأن هذا العطل يأتي بعد أسابيع من اختراق مواقع الكترونية حكومية.
هذا ولفت خبراء برمجيات إلى أن تطبيق “شام كاش” يفتقر إلى آليات حماية رقمية كافية ووثائق قانونية واضحة تنظّم شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية، ما يزيد من المخاطر على أموال وبيانات المستفيدين ويؤكد الحاجة الملحة لوجود ضمانات وآليات فعالة لاستمرار الخدمات المالية الرقمية وحماية حقوق المستخدمين.
—————————
الصندوق السيادي السوري.. أداة لإنعاش الاقتصاد أم قناة مالية بلا رقابة؟/ سامر القطريب
2026.03.08
شهدت سوريا في تموز 2025 تحولاً هيكلياً بارزاً بإصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (113)، القاضي بتأسيس “الصندوق السيادي السوري”. يهدف هذا الكيان الاقتصادي المستقل، المرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، إلى إدارة الموارد البشرية والمادية وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاجية. إلا أن هذا الإجراء أثار انقساماً واسعاً بين التفاؤل بقدرته على تنشيط الاقتصاد الوطني، والمخاوف من تحوله إلى قناة مالية موازية تفتقر للشفافية وتعمل بمعزل عن السلطة التشريعية.
يتزامن تأسيس الصندوق مع نشاط مكثف لـ “اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع”، التي أتمت تسويات مالية كبرى مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق (أمثال سامر فوز ومحمد حمشو وطريف الأخرس)، أفضت إلى استرداد أصول وشركات تُقدر قيمتها بـ 1.6 إلى 3 مليارات دولار. وبينما يرى خبراء اقتصاديون ضرورة توجيه هذه الموارد لدعم البنية التحتية وتعويض المتضررين (جبر الضرر)، يشدد حقوقيون على أن هذه “التسويات المالية” لا يمكن أن تشكل حصانة قانونية أو تسقط الحق في المساءلة الجزائية عن جرائم الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان ـ وهو ما أكدته اللجنةـ مؤكدين أن العدالة الانتقالية والشفافية في إدارة “أموال الشعب” هما الضمانة الوحيدة لاستدامة السلام والاستقرار الاقتصادي في سوريا المستقبل.
الصندوق السيادي السوري
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في تموز المرسوم رقم (113) لعام 2025 القاضي بإحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي في الجمهورية العربية السورية تسمى الصندوق السيادي، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقره دمشق ويرتبط برئاسة الجمهورية. ويهدف إحداث الصندوق وفق المرسوم إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من الاختصاصات كافة، وتنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.
ويعمل الصندوق بالاعتماد على نظام حوكمة صارم وشفاف من خلال تقارير ربع سنوية وسنوية تقدم إلى رئاسة الجمهورية، والتدقيق المالي عبر أجهزة مستقلة عن الصندوق والرقابة الآنية وتصويب الأخطاء قبل وقوعها، وفق بيان نقلته وكالة سانا.
وبين المرسوم أن الموارد المالية للصندوق تتكون من المصادر الآتية:
الاعتمادات والأموال التي تخصصها الدولة له
الموارد التي تتحقق من نشاطات الصندوق
قيمة الأصول الثابتة في المجلس والاستثمارات الخاصة به
الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة
وعلى سبيل المثال، قالت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية في الرابع من آذار الجاري، إن سوريا طرحت مناقصة عالمية لترخيص جديد لمشغل شبكة هواتف محمولة يحل محل إم.تي.إن سوريا.
وقالت الوزارة إن المشغل الفائز، بموجب ترخيص مدته 20 عاما، سيحصل على 75 بالمئة في الشركة المحلية، بينما سيحتفظ الصندوق السيادي السوري بالنسبة المتبقية.
الصندوق السيادي واسترداد المال العام
عقب الإعلان عن الصندوق قال الباحث الاقتصادي كرم الشعار في تدوينة على “فيس بوك”، إن المرسوم يسمح للرئاسة السورية التصرف بممتلكات القطاع العام والاستثمار بمعزل عن الوزارات أو السلطة التشريعية .
في 26 من شباط الماضي، قال باسل السويدان رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لوكالة “سانا”، إن استرداد المال العام الناتج عن الكسب غير المشروع، أو ما وصفت بـ”التسويات”، جاء ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، بوصفه إجراءً قانونياً ذا طبيعة مالية علاجية.
وقال: إن تحديد نسبة 80 بالمئة في بعض التسويات جاء نتيجة لتدقيق قانوني ومالي متخصص، وتقييم دقيق للقيمة السوقية للأصول، ومدى التعاون وصدق الإفصاح، مع مراعاة المصلحة العامة.
وأعلنت اللجنة إتمام تسويات مع عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام المخلوع من أبرزهم محمد حمشو وسامر فوز وطريف الأخرس وغيرهم، إضافة إلى نقل ملكية أصول شركة “شام القابضة” إلى الدولة.
وأشار السويدان إلى أن معالجة الكسب غير المشروع لبعض الأفراد، مثل سامر فوز، تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت قطاعات صناعية وتجارية وخدمية ومصرفية، حيث جرى تحويل هذه الأصول والمبالغ المحصلة إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي لإدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على قيمتها الإنتاجية.
يذكر أن “صندوق التنمية السوري”، كما يعرف نفسه “مؤسسة اقتصادية وطنية أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم (112) لعام 2025، تعنى بمشروع إعادة بناء سوريا ومستقبل مزدهر لكل السوريين. ككيان يتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، فإننا نكرّس جهودنا لقيادة مسيرة التنمية المستدامة في البلاد”.
يشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع لجنة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وأُحدثت بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025 لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال.
صندوق التنمية
مخصصات صندوق التنمية بحسب ما ورد في موقعه الإلكتروني الرسمي، مشيرا إلى أن تعهدات التبرع تتطلب فترة معالجة. وسيتم تحديث البيانات وعكسها على المنصة بمجرد اكتمالها.
كم دخل من أموال وأصول إلى الصندوق السيادي؟
حول هذا السؤال يقول الباحث الاقتصادي محمد علبي لموقع تلفزيون سوريا، إنه حتى الآن لا يوجد رقم إجمالي رسمي منشور يوضح حجم الأموال والأصول التي دخلت الصندوق السيادي نتيجة التسويات التي تجريها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. فالبيانات الحكومية تؤكد فقط أن التسويات تهدف إلى استرداد الأموال أو نقل ملكية الأصول إلى الدولة، ثم إدارتها عبر صندوق التنمية أو الصندوق السيادي. لكن في غياب تقارير مالية لهذا الصندوق السيادي يبقى الحجم الحقيقي لهذه الموارد غير واضح.
ويضيف علبي “مع ذلك، توفر بعض التحقيقات الصحفية تقديرات تقريبية. فتحقيقاتٌ استقصائية أشارت إلى أن السلطات حصلت على أصول تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار من خلال تسويات مع عدد من رجال الأعمال “الكبار” المرتبطين بالنظام السابق، شملت حصصاً في شركات كبيرة وأصولاً صناعية وتجارية. كما أشارت إلى أن بعض التسويات الفردية تضمنت نقل ملكية شركات وعقارات واستثمارات متنوعة إلى الدولة، ما يعني أن الجزء الأكبر من الموارد ليس سيولة نقدية فقط، بل مجموعة أصول اقتصادية وعقارية يجري وضعها تحت إدارة الصندوق أو الدولة، ولا أحد يعلم ضمن أي إطار قانوني وما إن كان تم نقل الملكيات، لأن لا قراراتٍ قضائية معلنة بهذا الشأن. بالنتيجة، يمكن القول إن القيمة الإجمالية ربما تتراوح بين 2 و3 مليار دولار، إذا أُخذت بعين الاعتبار كل التسويات التي جرت خلال العام الماضي، لكن الرقم النهائي لا يزال غير معلن رسمياً”.
أين يجب أن تستخدم أو تُستثمر أموال الصندوق السيادي؟
التجارب الدولية تظهر أن الأموال المستردة من الفساد أو التسويات يمكن أن تتحول إلى أداة مهمة للاستقرار الاقتصادي إذا وُظفت في القطاعات الإنتاجية ذات الأثر المضاعف المرتفع. في الحالة السورية، يبرز العامل الاجتماعي خصوصاً، وهنا يرى علبي أن الاستخدام الأكثر جدوى يتمثل في توجيه جزء من هذه الأموال (المنقولة) إلى تمويل مستحقات بعض الموظفين والمتقاعدين المحجوزة (كتلك للمعلمين في إدلب)، وهو ما يساعد في تخفيف الضغوط الاجتماعية. إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والطاقة والمياه والنقل، لأن هذه القطاعات تمثل جوهر التحديات الهيكلية أمام التعافي الاقتصادي، كما يمكن تخصيص جزء من السيولة (إن كانت بالقطع الأجنبي) لتعزيز الاستقرار النقدي وتمويل الواردات الأساسية.
أما الأصول غير المنقولة التي انتقلت إلى الدولة أو الصندوق (مثل الشركات أو العقارات) فالأفضل إدارتها ضمن استراتيجية إعادة هيكلة واضحة وشفافة. كما يمكن أن تُستخدم هذه الأصول كأداة لجبر ضرر الضحايا ضمن استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية، يجري التوافق عليها مع هيئات العدالة الانتقالية والمفقودين ضمن إطار تشريعي يُقرّه مجلس الشعب. فالمتضررون من كسب هؤلاء المسؤولين ورجال الأعمال غير المشروع هم الأحق بأن تُسهم هذه الأموال في جبر ضررهم.
بهذه الطريقة تتحول الأصول المصادرة من أصول جامدة إلى محفظة إنتاجية تولّد تدفقات مالية مستدامة، واجتماعية تساعد في مسار تحقيق العدالة للضحايا. وفق علبي.
هل يتحول الصندوق السيادي إلى ثقب أسود؟
يلفت علبي إلى أنه “من حيث المبدأ المالي السليم فإن أموال الصندوق السيادي تذهب للخزينة لا مباشرةً لتمويل الموازنة، لأن الموازنة تصدر بقانون”.
ويوضح أن الأموال المستردة من الكسب غير المشروع هي في النهاية مال عام ويجب أن تخضع لنفس قواعد الشفافية والرقابة التي تخضع لها الإيرادات العامة. وجود صندوق سيادي لإدارة الأصول ليس أمراً غير مألوف، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول إلى قناة مالية موازية للموازنة العامة لا يعرف أحدٌ عنها شيئاً، وهي غير مطابقة بأي شكلٍ من الأشكال للمعايير الدولية (الشهيرة بمعايير سانتياغو) لهذا النوع من الصناديق، كما أنها غير شفافة، فتقاريرُ التدقيق لها لا تخرج عن رئاسة الجمهورية.
ويرى علبي أن الحل الأكثر توازناً بعد إصلاح حوكمة الصندوق، هو الفصل بين نوعين من الموارد. الأصول طويلة الأجل مثل الشركات والعقارات يمكن أن تُدار عبر الصندوق السيادي بهدف تعظيم قيمتها الاستثمارية وفي ذات الوقت جبر ضرر الضحايا. بينما يجب أن تُحوَّل العوائد النقدية أو جزء كبير منها إلى الخزينة العامة وتُدرج في الموازنة بشكل واضح وقابل للتدقيق. هذا يضمن الحفاظ على قيمة الأصول من جهة، ويمنع إخراج المال العام من منظومة الرقابة المالية من جهة أخرى. فلا معنى لصندوقٍ سيادي غير خاضعٍ لأي رقابة، هذا يصبحُ أشبه بثقبٍ أسود، يُشبه تلك لنظام الأسد كـ”الأمانة السورية للتنمية”، على حد قوله.
الشفافية.. جذب الاستثمارات واستقرار الليرة
يوضح علبي أن الشفافية المالية عامل أساسي في بناء الثقة الاقتصادية. فالمستثمرون المحليون والدوليون ينظرون إلى وضوح الملكية وقوانينها وإجراءات الحكومة تجاهها، وقواعد الحوكمة قبل اتخاذ أي قرار استثماري. وعندما يكون حجم الأصول تحت إدارة الصندوق السيادي غير معروف، أو عندما تكون طريقة إدارتها غير واضحة، يزداد ما يُعرف اقتصادياً بـ«المخاطر المرتفعة»، وهو ما يضعف تدفق الاستثمارات ويزيد الضغط على العملة المحلية.
أما عندما تكون الأصول معلنة وقواعد الإدارة واضحة (من حيث التقارير المالية والتدقيق والحوكمة) فإن ذلك يعزز مصداقية السياسة الاقتصادية ويخفض مستوى عدم اليقين. هذا لا يؤدي وحده إلى استقرار العملة، لكنه يسهم في تحسين توقعات السوق ويزيد قدرة الاقتصاد على جذب التمويل والاستثمارات.
سوريا والابتعاد عن “اقتصاد الظل”
بعد رفع العقوبات لم تعد سوريا بحاجة إلى اقتصاد الظل للالتفاف على القيود. فهل يمكن للصندوق السيادي أن يلعب دوراً حيوياً بتحويل أموال التسويات إلى مشاريع تنموية؟ يقول علبي إن ذلك ممكن، وقد يكون أحد أهم أدواره في المرحلة القادمة. فخلال سنوات العقوبات الواسعة كانت معظم المؤسسات التي استُحوِذَ عليها عبر التسويات مقيدة بالعقوبات، وتعمل عبر شبكات مالية غير رسمية أو ما يسمى اقتصاد الظل. أما مع إدراجها في كيان غير معاقب كالصندوق السيادي، فإن الفرصة أصبحت متاحة لنقل هذه الموارد إلى قنوات مالية رسمية وشفافة، «ولكن» ولتجنب تعرّض الصندوق نفسه للعقوبات (حيث أن أصول رجال الأعمال هؤلاء لازالت معاقبة) فيجب على الصندوق، ولجنة الكسب غير المشروع أن تكشف بشفافية عن العملية والإطار القانوني الذي نقلت بموجبه إلى الصندوق السيادي، “إن كانت فعلاً قد نقلت إليه”، يقول علبي.
التسويات تسترد الأموال العامة فقط
التسويات أثارت جدلا وغضبا لدى السوريين المتضررين، وفي حين أن التسوية لا تسقط الحق القانوني بالتوجه إلى القضاء، يوضح المحامي والحقوقي “المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان” المعتصم كيلاني لموقع تلفزيون سوريا، أنه استنادا إلى الإعلان الدستوري المؤقت للجمهورية العربية السورية لعام 2025، ولا سيما المواد 1 و2 و12 و13 منه، فإن مبدأ سيادة القانون وفصل السلطات وصون الحقوق والحريات يشكّل الإطار الناظم لأي نقاش حول التسويات المالية والمساءلة القضائية.
فالمادة الأولى تؤكد سيادة الدولة ووحدة كيانها القانوني، والمادة الثانية تقرّ مبدأ فصل السلطات، بما يعني خضوع جميع الأفراد والهيئات “دون استثناء” لرقابة القضاء، وعدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن. كما أن المادة الثانية عشرة تنص على صون حقوق الإنسان وتكريس الاتفاقيات الدولية المصادق عليها كجزء من المنظومة القانونية الوطنية، الأمر الذي يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويجعل الحق في التقاضي والمحاكمة العادلة ضمانة دستورية قائمة. أما المادة الثالثة عشرة، التي تحمي الحريات العامة وحرية التعبير، فهي تؤسس لحق المجتمع في مراقبة إدارة المال العام ومساءلة القائمين عليه.
ويؤكد كيلاني أنه في ضوء هذه النصوص، فإن التسويات المالية التي تُبرم أمام هيئة إدارية، بما في ذلك هيئة الكسب غير المشروع، لا تُنشئ حصانة جزائية تلقائية ما لم يرد نص قانوني صريح وواضح بذلك، وبما لا يتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري نفسه.
ويتابع أن “الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة يبقى للنيابة العامة، ويجوز للمتضرر المباشر أن يتقدم بادعاء شخصي تبعا للحق العام، كما يجوز الطعن في القرارات الإدارية أمام القضاء الإداري إذا شابها عيب مخالفة القانون أو إساءة استعمال السلطة. وعليه، فإن أي تسوية مالية تعالج الشق المدني أو المالي لا تمحو بذاتها المسؤولية الجزائية عن أفعال قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون”.
هل سلوك المسار القضائي بحق المتورطين ممكن في سوريا؟
يشير كيلاني إلى أنه من الضروري التأكيد على مبدأ جوهري في هذا السياق، وهو أن التسويات المالية يجب أن تبقى ضمن نطاقها المحدد بوصفها أدوات لمعالجة أوضاع مالية أو لاسترداد أموال عامة، ولا يجوز لها على الإطلاق أن تتجاوز هذه العتبة لتطول الحق في المحاسبة عن الجرائم أو أن تنتقص من حق الضحايا وذويهم في العدالة وجبر الضرر. فالمساءلة الجزائية عن الجرائم، ولا سيما الجرائم الجسيمة، حق للمجتمع بأسره وليست مسألة قابلة للتفاوض المالي. كما أن جبر الضرر للضحايا هو حق مستقل، لا يمكن استبداله بتسوية إدارية أو اتفاق مالي لا يمر عبر قنوات العدالة المستقلة. وأي توسيع لمفعول التسويات ليشمل إغلاق باب الملاحقة أو تعطيل حقوق الضحايا يشكل مساسًا مباشرًا بمبدأ صون الحقوق المنصوص عليه في المادة 12 من الإعلان الدستوري.
ومن حيث إمكانية سلوك هذا المسار القضائي حاليًا داخل سوريا، فإن الإعلان الدستوري لعام 2025، من خلال تكريسه لفصل السلطات وصون الحقوق، يؤسس من الناحية الدستورية لإمكانية مساءلة أي شخص طبيعي أو اعتباري. غير أن الفعالية العملية لهذا المسار ترتبط بدرجة استقلال القضاء وتوافر الإرادة المؤسسية لمباشرة التحقيقات بصورة نزيهة وشفافة. ومع ذلك، فإن المبدأ الدستوري واضح: المساءلة ليست خيارًا سياسيًا بل التزام قانوني.
المساءلة والتدقيق
وفيما يتعلق بالصندوق السيادي، يوضح كيلاني أنه إذا كانت أمواله ناتجة عن موارد عامة أو عن تسويات تتصل بالمال العام، فإنها تندرج ضمن الملكية العامة التي تُدار باسم الشعب. ومقتضى سيادة القانون وصون الحقوق يفرض خضوع إدارة هذه الأموال للشفافية والرقابة، بما يشمل نشر تقارير دورية عن مصادر التمويل، وآليات الاستثمار، والعوائد، وإخضاعها لتدقيق مستقل، وتمكين السلطة التشريعية أو الجهة الرقابية المختصة من ممارسة دورها الكامل. ويضيف “أن حق السوريين في معرفة ما يوجد داخل الصندوق السيادي ليس مطلبا سياسيا فحسب، بل استحقاقا دستوريا متفرعا عن مبدأ خضوع المال العام للمساءلة”.
ويلفت إلى أن أي عملية انتقال سياسي لا تُبنى على العدالة تبقى معرضة للهشاشة والانهيار. ففكرة أن لا سلام بلا عدالة ليست شعارا نظريا، بل خلاصة تجارب دول عديدة خرجت من نزاعات مسلحة، حيث أثبتت العدالة الانتقالية — بما تتضمنه من كشف للحقيقة، ومساءلة للمسؤولين، وجبر لضرر الضحايا، وإصلاح للمؤسسات — أنها الطريق الوحيد إلى سلام مستدام. ويجد هذا المسار سنده في المادة 12 من الإعلان الدستوري التي تلزم الدولة بصون الحقوق والحريات، إذ لا يمكن حماية الحقوق من دون مساءلة من انتهكها.
وفيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يقول كيلاني إنها وفق القانون الدولي العرفي واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يغير من طبيعتها تبدل الأنظمة أو تغير الأحوال السياسية. كما أن المسؤولية عنها لا تقتصر على المنفذ المباشر، بل تمتد إلى الآمر والمشارك والمحرض والمساعد والمتواطئ، وكل من قدّم دعمًا ماديًا أو لوجستيًا أو ماليًا مع علمه بالسياق الجرمي، أو سهّل أو تستر أو دلّس. وهذه القاعدة تعكس مبدأ راسخًا في القانون الدولي مفاده أن الجرائم الأشد خطورة تمس الإنسانية جمعاء ولا يجوز أن تكون محل مساومة أو إغلاق إداري.
ويختم مؤكدا أن “الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، بما يكرسه من سيادة للقانون وفصل للسلطات وصون للحقوق، لا يجيز حصانة ضمنية ناتجة عن تسويات مالية، ولا يمنع مساءلة أي شخص تتوافر بحقه أركان المسؤولية الجزائية. كما أن إدارة الأموال العامة، بما فيها أموال الصندوق السيادي، يجب أن تخضع للشفافية الكاملة. والعدالة الانتقالية، القائمة على المساءلة وعدم التقادم في الجرائم الجسيمة، تمثل الشرط الضروري لقيام سلام مستدام في سوريا”.
تلفزيون سوريا
——————————
“ألف باء” مواجهة الأزمات المحتملة في الاقتصاد السوري/ إياد الجعفري
الأحد 2026/03/08
في ساعة كتابة هذه السطور، يمكن الإقرار بعودة ساعات التغطية الكهربائية إلى التحسّن في سوريا، بشكل ملحوظ، وذلك بعد بضعة أيام من الانتكاس، جراء وقف توريد الغاز من الأردن ومصر، مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضد إيران. كذلك، هدأت إلى حد كبير، موجة الاندفاع إلى محطات الوقود لشراء البنزين والمازوت وتخزينهما، مع سريان شائعات عن فقدان مرتقب للمادتين في الأسواق جراء الحرب. واقتنع عدد كبير من السوريين بمصداقية تصريحات المسؤولين، بأن لا “أزمة” مرتقبة في المادتين. وهو تطور مهم للغاية.
أيضاً، سجّل سعر صرف الليرة السورية تحسناً بعد تراجع ملحوظ. ولا تتجاوز نسبة التراجع في سعر صرف الليرة، حين كتابة هذه السطور، مقارنة بسعر ما قبل الحرب، نسبة 0.42%. وهي نسبة مقبولة للغاية، مقارنة بتراجع سعر صرف الجنيه المصري مثلاً، الذي خسر 4.7% من قيمته مقابل الدولار، خلال أسبوع. بطبيعة الحال، لا توجد أموال ساخنة في سوريا يمكن أن تخرج من أدوات الدين المحلية، على غرار مصر.
كل ما سبق، مؤشرات إيجابية تدل على محدودية أثر الحرب على الاقتصاد السوري، حتى الآن. يقابلها مؤشرات سلبية. إذ يمكن لحظ ارتفاع أسعار بعض السلع بنسب تتراوح ما بين 10 – 15%، منذ بدء الحرب، ليُضاف إلى ارتفاعٍ سابق تزامن مع دخول شهر رمضان. كما أن أزمة الغاز المنزلي، التي تكررت وعود مسؤولي الطاقة بانتهائها قريباً -منذ شهر- لا تزال جليّة على الأرض.
وبذكر كلمة “أزمة”، نلحظ أن هذا التوصيف يثير حساسية ملحوظة لدى المسؤولين المعنيين بمعيشة السوريين. كما تثيرها اقتراحات الارتداد إلى معالجات كانت قائمة في عهد نظام الأسد، وكانت تهدف إلى إدارة حالة الشح في السلع المتاحة في الأسواق، خصوصاً منها المحروقات. ويمكن أن نتوقع أن المسؤولين اليوم يقرأون الارتداد إلى معالجات تعود لعهد نظام الأسد، سواء كان البطاقة الذكية أو نظام الكوبونات، وكأنه إقرار بالفشل في إدارة معيشة السوريين، بصورة أفضل. رغم أن هذا الارتداد بات مطلباً لشريحة واسعة، وفق ما يمكن لحظه في وسائل التواصل الاجتماعي، جراء أزمة الغاز المنزلي التي لم تجد طريقها للحل، حتى الآن.
وفيما ينزعج المسؤولون من توصيف “أزمة”، يتبدى جلياً أن البلاد قد تكون مقبلة على جملة أزمات خطرة معيشياً، إن استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، مدداً زمنية طويلة. مما يتطلب تحرّك الجهات المعنية، سريعاً، لتشكيل خلية لإدارة الأزمة، تستند إلى جملة أسس استراتيجية، مختلفة عن تلك القائمة في أدائها الآن. وفي حين يتم لوم عامة السوريين على سلوكهم الاحترازي القائم على التخزين الاستباقي للمواد، خصوصاً المحروقات، مما خلق “أزمة” بالفعل، ربما يجب قراءة السبب في ذلك، من زاوية مختلفة. فالثقة بالمسؤول الرسمي، اهتزت إلى حد كبير، مع تجربة أزمة الغاز المنزلي. وهي أولى القضايا التي يجب استعادتها، سريعاً، كي يمكن مواجهة ما سيأتي من “أزمات”، جراء الحرب في المنطقة.
ويمكن تحديد نقطة البداية في فقدان شريحة واسعة من السوريين، للثقة في مسؤولي الحكومة، مع صدور تصريحات أظهرت انفصالهم عن أوجاع الشارع، تزامناً مع صدور فواتير الكهرباء المستندة إلى الأسعار الجديدة، مطلع العام الجاري. إذ وجّه المسؤولون في وزارة الطاقة تحديداً، اتهامات لعامة السوريين بالهدر في استهلاك الكهرباء. وأن الاقتصاد في هذا الاستهلاك، هو الحل في مواجهة الأسعار الجديدة، من دون إقرار بأن الأسعار المحددة في خريف العام الماضي، لا تتناسب مع القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السوريين، الذين يعجز 80% منهم عن توفير احتياجاته من الغذاء الكافي والمتنوع والمغذي، وفق آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي.
لاحقاً، جاءت “أزمة” الغاز المنزلي، لتسبب شرخاً جديداً في ثقة السوريين بمدى مصداقية تصريحات مسؤوليهم. فمنذ منتصف الشهر الفائت، تتكرر وعود مسؤولي الطاقة بانتهاء قريب للأزمة، خلال ساعات ومن ثم أيام. محملين مسؤوليتها إلى سلوك تخزيني من جانب السوريين الذين يشترون أكثر من حاجتهم من أسطوانات الغاز. إلى جانب وجود ممارسات احتكارية واستغلالية من جانب المعنيين بعمليات التوزيع، فشلت السلطات المعنية في ضبطها، حتى الآن. وقد تم ربط ميل السوريين للتخزين، ببدء شهر رمضان. ذلك كله جاء قبل الحرب مع إيران، التي تزامنت أيامها الأولى مع “أزمة” طلب على البنزين والمازوت، وعودة مشاهد الطوابير على الكازيات.
وفيما توحي المؤشرات المتوافرة الآن، أن الحرب في الشرق الأوسط قد تطول، وقد تتمدد آثارها، يتطلب ذلك معالجات مختلفة عن تلك التي تم اعتمادها في قضيتي الكهرباء والغاز المنزلي. ألف باء تلك المعالجات، الاقتراب من الشارع مجدداً، واستعادة ثقة السوريين، عبر الخروج في مؤتمر صحافي يضم المسؤولين المعنيين بقطاع الطاقة، ليتحدثوا بشفافية مع الشعب، حول حجم المخزونات من المشتقات النفطية والغاز، والخيارات البديلة التي يعملون عليها لتجنب انقطاع سلاسل الإمداد. والاعتراف إن كان هناك نقصاً. وما الخطة التي تم اعتمادها للتعامل معه. تلك الشفافية، وإشراك عامة السوريين بالمعطيات الدقيقة التي تحكم أهم شريان لحياتهم –الوقود- هي المدخل الأمثل لخلق تفاعل صحي بين الحكومة والسوريين في الأيام المقبلة. سواء اشتدت الأزمات، أو انفرجت.
المدن
————————-
الممرات الجوية السورية حلقة وصل استراتيجية.. ما تأثير اضطراب حركة الطيران في ظل التصعيد العسكري؟/ علي إسماعيل
مارس 8, 2026
مع بداية التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط في 28 شباط الفائت، واتساع نطاق الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، شهد قطاع النقل الجوي في المنطقة اضطرابا واسعا، ما دفع عددا من الدول إلى إغلاق أجزاء من مجالها الجوي أو تقييدها بشكل مؤقت، من بينها سوريا.
والهيئة العامة للطيران المدني السوري، وبعد سلسلة من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها خلال الأيام الماضية لضمان سلامة الحركة الجوية، أعلنت إعادة فتح الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري باتجاه الجمهورية التركية، مشيرة، عبر بيان لهاK إلى أنه ستتم إعادة تشغيل مطار حلب الدولي اعتبارا من الساعة 00:00 صباح يوم الأربعاء 4 آذار الجاري، مع الإبقاء على إغلاق بقية الممرات الجوية ومطار دمشق الدولي حتى إشعار آخر.
وكانت وكالة رويترز قالت في تقرير لها في 3 آذار إن مطارات رئيسية في الإمارات وقطر، من بينها مطارا دبي وأبو ظبي ومطار حمد الدولي في الدوحة، تأثرت مباشرة بالإغلاقات، في وقت بدت فيه الأجواء فوق إيران والعراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات شبه خالية من الحركة.
وأشارت الوكالة إلى أن القيود الجوية جاءت في ظل تصعيد عسكري متسارع أعقب الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” على أهداف داخل إيران، وما تبعها من ردود إيرانية طالت مواقع في المنطقة. وأدى هذا التصعيد إلى رفع مستوى التأهب في عدد من العواصم الإقليمية، وسط مخاوف من امتداد المواجهة إلى مسارات الملاحة الجوية والتجارية الحيوية، منوهة بأن تأثيرات الإغلاق لم تقتصر على دول المنطقة، بل امتدت إلى وجهات دولية في آسيا وأوروبا نتيجة إعادة توجيه الرحلات لتجنب مناطق التوتر.
ممر لوجستي لأول مرة
هيئة الطيران المدني في سوريا، كشفت عن فتح ممر جوي من مدينة حلب باتجاه البحر المتوسط أمام الخطوط الجوية السورية وشركات الطيران الأجنبية، مع استئناف حركة الطيران تدريجيا عبر مطار حلب الدولي.
بدوره، رئيس هيئة الطيران المدني في سوريا، قال إن الهيئة أعادت فتح ممر جوي من مدينة حلب الشمالية باتجاه البحر المتوسط أمام شركات الطيران الأجنبية وكذلك الخطوط الجوية السورية، مع استئناف حركة الطيران تدريجيا عبر مطار حلب الدولي.
وذهب رئيس الهيئة عمر الحصري إلى إن الهدف الأساسي من إعادة فتح هذا الممر الجوي “هو تأمين مسارات تشغيل آمنة للطيران القادم والمغادر من مطار حلب الدولي ضمن شبكة المسارات الجوية المتاحة حاليا” وأضاف أنه سيكون متاحا لأي شركة طيران طالما أنها تستوفي معايير السلامة الدولية.
وتابع قائلا “بطبيعة الحال، فإن هذه الممرات ليست مخصصة حصرا للخطوط الجوية السورية، بل يمكن استخدامها من قبل شركات الطيران الأخرى التي تختار العبور أو التشغيل عبر المجال الجوي السوري، وذلك وفق الإجراءات التنظيمية المعتادة والتصاريح اللازمة”.
وقالت الهيئة في بيان صدر الخميس، إنها أعادت “تشغيل الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري باتجاه تركيا، بالتوازي مع إعادة تشغيل مطار حلب الدولي”.
وذكرت الهيئة أن أولى رحلات الخطوط الجوية السورية غادرت حلب متجهة إلى إسطنبول الخميس ووصلت بسلام “في خطوة تعكس استئناف الحركة الجوية تدريجيا عبر مطار حلب، كما من المقرر تسيير رحلة جديدة الجمعة من حلب إلى مدينة جدة، مع دراسة إضافة وجهات أخرى انطلاقا من حلب، من بينها مدينة الرياض”.
وتابع الحصري “وللعلم أيضاً، من المقرر أن تستخدم الخطوط الجوية الملكية الأردنية هذا المسار (الجمعة) ضمن رحلتها من عمّان إلى حلب، في إطار استئناف الحركة الجوية التدريجي”.
وما تزال حركة النقل الجوي التجاري متوقفة إلى حد كبير في معظم أنحاء الشرق الأوسط، حيث أغلقت المطارات الرئيسية في الخليج -بما في ذلك مطار الدوحة وأيضا مطار دبي أكثر المطارات ازدحاما في العالم بالركاب الدوليين- لليوم السادس على التوالي بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران، التي ردت بضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة على منطقة الخليج بأكملها.
الممرات الجوية السورية أصول سيادية استراتيجية
وفقا لقواعد القانون الدولي واتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام 1944، تعتبر الأجواء السورية أصولا سيادية للدولة السورية، لأنها تشكل امتدادا للإقليم الوطني فوق الأرض والمياه الإقليمية، مما يمنح الدولة حقا حصريا في السيطرة عليها وإدارتها، وحماية أمنها القومي، وتنظيم الملاحة الجوية، واستغلال مواردها. وتعد سوريا نقطة تقاطع رئيسية بين ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهو ما يعزز مكانتها كدولة ذات تأثير إقليمي ودولي في حركة الطيران، ويجعل ممراتها الجوية امتدادا حيويا للطيران الدولي والتجارة العالمية.
وتكتسب الأجواء السورية وممراتها بعدا استراتيجيا باعتبارها مسارات جوية مخصصة للطائرات العابرة، تربط سوريا بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا وآسيا، خاصة بعد سقوط النظام المخلوع وانتهاء المعارك.
وفي 11 شباط الفائت، وقعت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا مع هيئة تنظيم الطيران المدني الأردنية اتفاقية ثنائية محدثة لتنظيم الخدمات الجوية بين البلدين، كبديل للاتفاقية السابقة الموقعة في دمشق عام 1976، بهدف مواكبة التطورات العالمية في قطاع النقل الجوي، واعتماد سياسة الأجواء المفتوحة لتعزيز التنافسية وتوسيع خيارات المسافرين، والسماح لعدد أكبر من شركات الطيران بالعمل بين الجانبين، وفق وكالة الأنباء الأردنية “بترا”.
كما شملت المباحثات تحديث الاتفاقية الفنية الخاصة بتحديد المسؤوليات بين مركزي مراقبة المنطقة في عمان ودمشق، بما يضمن الالتزام بأعلى معايير السلامة الدولية، وتسهيل انسيابية الحركة الجوية وفق مبادئ معاهدة شيكاغو للطيران المدني الدولي.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي عامر ديب في حديثه لصحيفة الثورة السورية: “تشكل الأجواء السورية عقدة ربط دولية تسهم في تأمين حركة الطيران، واختصار أوقات الرحلات، وتقليل تكاليف التشغيل لشركات الطيران العالمية، ما يمثل ميزة اقتصادية مهمة في حال استثمارها”.
ويضيف أن “سياسة الأجواء المفتوحة هي نهج تنظيمي واتفاقي دولي يهدف إلى تحرير أسواق النقل الجوي بين الدول، عبر تخفيف أو إزالة القيود التقليدية على عدد الرحلات، والمسارات، وشركات الطيران، وحتى الأسعار، حيث تعزز هذه السياسة المنافسة الدولية، وتشجع توقيع اتفاقيات خدمات جوية جديدة تسمح لشركات الطيران بالتوسع وتشغيل رحلات متعددة دون قيود كبيرة على الحقوق الجوية، وفقا لما تشير إليه هيئات الطيران المدني الدولية”.
وتبنى سياسات الأجواء المفتوحة عادة على اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين الدول، وتهدف إلى تحقيق شبكات أكثر كفاءة وخيارات أوسع للمسافرين، وتشير مؤلفات منظمة الطيران المدني الدولي “الإيكاو” إلى أن الدول تعمل على تحديث اتفاقياتها الجوية لتحسين الوصول والربط بين الأسواق.
استثمار اقتصادي مهم
تعتبر رسوم عبور الطائرات عبر الأجواء السورية مصدرا حيويا للدخل من القطع الأجنبي، وأحد الإيرادات المالية الأساسية للدولة التي تساهم في دعم الاقتصاد الوطني. ووفق بيانات صادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني السوري، شهدت حركة الطائرات العابرة للأجواء السورية ارتفاعا ملحوظا بنسبة 6.4% خلال شهر كانون الثاني 2026 مقارنة بالشهر الذي سبقه، مبينة أن 5244 طائرة عبرت الأجواء السورية خلاله، في مؤشر على زيادة وتيرة العبور الجوي عبر المجال الجوي السوري بعد فترة من الاستقرار النسبي في الأشهر السابقة.
وتشير الأرقام التي كشفت عنها الهيئة إلى ارتفاع نسبة المسافرين عبر مطاري دمشق وحلب، اللذين شهدا حركة أكثر من 1.6 مليون مسافر خلال عام 2025، بواقع نحو 15 ألف رحلة.
وأفادت في بيان أن إجمالي المسافرين عبر مطار دمشق، “مغادرون وقادمون”، بلغ مليونا ونصف المليون مسافر، بواقع 12500 رحلة، وورد في البيان أن إجمالي المسافرين عبر مطار حلب بلغ 196 ألف مسافر، بواقع أكثر من 2100 رحلة.
وفي 11 شباط الفائت، كشفت الهيئة عن 9000 مسافر خلال 118 رحلة جوية عبر سبع شركات في مطار حلب الدولي، وذلك في شهر كانون الثاني 2026 فقط.
وارتفعت حركة الطيران إلى سوريا بأكثر من 500% مقارنة بالعام الماضي، في ظل خطة شاملة لتأهيل البنية التحتية للمطارات، وفق ما أعلن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني عمر الحصري في 5 شباط الفائت، موضحا أن هناك اتفاقا بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي ورفع طاقته الاستيعابية من 2 إلى 6 ملايين مسافر قبل نهاية عام 2026، مع إنجاز 60% من أعمال الصالة رقم 2 واستكمال الصالتين 1 و2 ضمن الإطار الزمني نفسه.
وأشار إلى أن أكثر من 16 شركة طيران تعمل حاليا في المطارات السورية بعد أن كانت مقتصرة على الناقل الوطني، مع إدخال 8 طائرات جديدة إلى أسطول السورية للطيران بتكلفة تتراوح بين 200 و220 مليون دولار، مشيرا إلى عدم وجود خطط حاليا لرفع رسوم الهبوط أو الخدمات بهدف جذب شركات الطيران والاستثمارات، لافتا إلى قرب إعادة تشغيل مطار دير الزور خلال شهر إلى شهرين، إضافة إلى رؤية طويلة الأمد لإدراج الشركة القابضة السورية للطيران في سوق دمشق للأوراق المالية.
كما أعلن عن تأسيس شركة قابضة للطيران تضم الطيران الوطني والصيانة والخدمات الأرضية، في خطوة تنظيمية تهدف إلى تحقيق إدارة احترافية وربحية مستدامة لقطاع الطيران المدني، مشيرا إلى أن مطار حلب الدولي يعمل حاليا بشكل طبيعي، فيما يتوقع افتتاح مطار دير الزور خلال وقت قصير لخدمة المنطقة الشرقية.
وأشار خبراء اقتصاديون إلى ضرورة إشراك القطاع المصرفي في تمويل مشاريع النقل الجوي، عبر أدوات تمويل مرنة ومبتكرة، كإنشاء صناديق قطاعية لتمويل البنية التحتية، أو إصدار سندات وصكوك، إضافة إلى تطوير أنظمة دفع إلكترونية موحدة للرسوم والخدمات الجوية، وتسهيل التحويلات وفتح حسابات مصرفية متعددة العملات للمستثمرين والمشغلين، مع توفير دعم ائتماني مخصص لشركات الشحن والخدمات الجوية.
وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أعلن عن إطلاق شركة طيران سورية خاصة جديدة باستثمارات سعودية مباشرة، من المتوقع أن تبدأ عملياتها بأسطول يضم أكثر من 12 طائرة، إلى جانب تضمين العقود خططا تطويرية لمطار حلب الدولي بهدف استعادة دوره كمركز ملاحي إقليمي.
إدارة الممرات وكيف تعاملت سوريا معها؟
يشهد قطاع الطيران العالمي واحدة من أشد الأزمات في تاريخه الحديث، بعد أن أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى إغلاق مجال جوي حيوي وتعطيل حركة النقل الجوي عبر محاور رئيسية تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا. وذكرت تقارير إعلامية أن الممرات الجوية التي كانت تشهد حركة كثيفة فوق إيران والعراق و”إسرائيل” والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر أصبحت شبه خالية من حركة الطيران، وأدت هذه التطورات إلى بقاء عشرات الآلاف من المسافرين عالقين في مطارات ومدن بعيدة مثل بالي وفرانكفورت، بعد توقف العديد من الرحلات أو تغيير مساراتها.
وكشف تصاعد الصراع في الشرق الأوسط عن مدى اعتماد السفر الجوي العالمي على عدد محدود من المراكز الرئيسية، على رأسها دبي، أكثر المطارات الدولية استقبالا لحركة المسافرين، إضافة إلى مطاري الدوحة وأبو ظبي، لتكمل، إلى جانب دبي، ثلاثية مراكز النقل الجوي في الخليج، وذلك بعد التأثير السريع الذي تركه إغلاق المجال الجوي لمنطقة الخليج على شبكات الطيران في جميع أنحاء العالم.
وكذلك الأمر، يشهد المجال الجوي السوري تهديدات مستمرة نتيجة الصراع العسكري، مما يعرقل قدرة سوريا على التحكم الكامل في ممراتها الجوية، وهذه التحديات تؤثر على أمن الطيران المدني وقدرة الدولة على استغلال هذه الأجواء بشكل كامل.
وقد عملت الهيئة على استثمار الجزء الشمالي من المجال الجوي السوري عبر الإعلان عن تشغيل مطار حلب، كما أعلنت الخطوط الجوية السورية عن إعادة تشغيل الرحلات من مطار حلب الدولي إلى مدينة إسطنبول التركية، اعتبارا من يوم الخميس الموافق 5 آذار 2026، موضحة أن تشغيل الرحلات جاء استنادا إلى قرار الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي القاضي بفتح الممرات الجوية في القطاع الشمالي من المجال الجوي السوري.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي قد أغلقت، منذ اليوم الأول للتصعيد العسكري، كل المطارات السورية أمام عمليات الإقلاع والهبوط، في إطار الالتزام بأعلى معايير السلامة الجوية وأمن الطيران المدني، واستنادا إلى التقييمات التشغيلية والفنية المستمرة التي تجريها.
وحول هذا الموضوع، يقول الخبير الاقتصادي عامر ديب: “إن فتح الممرات مع تركيا أمر مهم وخطوة ذكية، خاصة أن أعداد العالقين في المطارات كبيرة، وهذه الخطوة تجعل حركة الطيران باتجاه تركيا محطة أولية آمنة للترانزيت أو وجهة نهائية عن طريق سوريا، وهذا يؤدي إلى أثر اقتصادي كبير. وعلى الرغم من المخاطر، إلا أن الرسوم في هذه الحالات تكون مرتفعة أيضا، والإيرادات تكون كبيرة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النقل الجوي أو العبور”.
الثورة السورية
——————————
إعادة بناء النموذج التنموي السوري/ ميسون محمد
7 مارس 2026
المفارقة لا تكمن في أن سورية تقف على أعتاب مرحلة جديدة، بل في أن هذه اللحظة، التي يُفترض أن تكون فرصة تاريخية، قد تتحول إن أسيء فهمها إلى إعادة إنتاج الأخطاء بصيغة أكثر حداثة وأقل صخبًا. الخطر لا يتمثل في غياب الرغبة في الإصلاح، بل في طبيعة التصور الذي يؤطر هذا الإصلاح. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى مراجعة نموذج التنمية نفسه قبل أي خطوات مالية أو تقنية.
أزمة نموذج
الإشكالية الأساسية لا تكمن في نقص الموارد المالية، ولا في ضعف الثقة الخارجية كما يُروَّج أحيانًا. جوهر المشكلة يكمن في النظر إلى التنمية باعتبارها مسألة تقنية تُدار بالأرقام والعقود والاستثمارات، بدلًا من اعتبارها مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ما يُعتبر أحيانًا أزمة تمويل قد يكون في الواقع انعكاسًا لأزمة في نموذج التنمية نفسه.
السردية السائدة تفترض أن البداية الصحيحة للتعافي هي جذب رؤوس الأموال، وأن استقرار الاقتصاد سيؤدي تلقائيًا إلى استقرار سياسي واجتماعي. لكن التجارب الدولية تثبت أن العلاقة ليست بهذه البساطة. ففي بعض دول أوروبا الشرقية بعد تسعينيات القرن الماضي، أدى الانتقال السريع إلى اقتصاد السوق من دون وجود مؤسسات قوية وآليات رقابية فعالة، إلى ظهور أوليغارشيات (مجموعة صغيرة من الأثرياء أو الشركات القوية التي تستحوذ على أجزاء كبيرة من السوق أو القرار الاقتصادي والسياسي، بحيث يهيمنون على الاقتصاد ويؤثرون في السياسات لصالحهم، غالبًا على حساب باقي المجتمع) وهيمنة مصالح ضيقة على القرار العام. الخطأ لم يكن في فكرة الانفتاح الاقتصادي، بل في غياب إطار قانوني واضح ورقابة مجتمعية فعالة.
التنمية الحقيقية ليست مجرد تدفق للسيولة المالية، بل هي إعادة توزيع للفرص. وعندما تُختزل في حوافز ضريبية وتسهيلات للمستثمرين فقط، فإنها تصبح وسيلة لتعزيز وضع من يملكون القدرة على دخول السوق، بينما يظل الذين فقدوا وظائفهم أو هاجروا أو تراجعت قدرتهم الشرائية خارج دائرة الاستفادة المباشرة. النمو الذي لا يترجم إلى عدالة ملموسة في حياة الناس يبقى مجرد رقم في تقرير اقتصادي، وليس تحولًا حقيقيًا في الواقع الاجتماعي.
قاعدة الثقة: شريك لا متلقٍ
يتضح أن أي مشروع اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا ضمن دولة قانونية قوية، أي دولة تملك قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء. نجاح ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن بسبب «خطة مارشال» وحدها، بل لأنه جرى بناء نظام مؤسسي صارم رسَّخ سيادة القانون والفصل بين السلطات. الاستثمار جاء نتيجة للثقة، لا بديلًا عنها، لأن الثقة لا تُستورد، بل تُبنى تدريجيًا.
غالبًا ما يميل الخطاب العام إلى مساواة السرعة بالكفاءة، وكأن التمهل في الإصلاح المؤسسي يُعتبر ترفًا لا تسمح به الظروف. إلا أن تجارب المنطقة تُظهر أن التعجيل في القرارات الاقتصادية من دون إشراك المجتمع بشكل واسع قد يؤدي إلى ردود فعل عكسية. الإصلاح الذي يفهم الناس معناه ويشعرون بآثاره يكون أكثر رسوخًا من إصلاح يُعلن بوصفه مجرد إنجاز تقني.
ولذلك، يصبح إشراك المواطنين في صنع القرار شرطًا أساسيًا لتعزيز هذه الثقة واستدامة الاستقرار، وليس مجرد شعارات إدارية أو سياسية. هنا تبرز أهمية اللامركزية الإدارية: عندما تُمنح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات فعلية في التخطيط والإنفاق، يصبح القرار أقرب إلى احتياجات المواطنين، ويشعر الناس بأنهم شركاء في صياغة مستقبلهم وليس مجرد متلقين. أظهرت تجربة إسبانيا بعد الانتقال الديمقراطي أن توسيع صلاحيات الأقاليم لم يضعف الدولة، بل عزز تماسكها من خلال إشراك مكوناتها في صنع القرار. اللامركزية هنا ليست تفكيكًا للدولة، بل إعادة توزيع عقلانية للسلطة داخلها.
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تأجيل العدالة الانتقالية إلى حين تحسن المؤشرات الاقتصادية. تجاهلها لا يُنهي آثار الماضي، بل يدفعها إلى العمل في الخفاء، ما يولد لاحقًا انقسامات أعمق. العدالة هنا لا تعني الانتقام، بل الاعتراف والإنصاف وضمان عدم التكرار، وهي شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
من جهة أخرى، تميل السردية الشائعة إلى تصوير الحديث عن الحقوق والحريات باعتباره ترفًا في زمن إعادة الإعمار. غير أن التجارب المقارنة توضح أن تقييد المجال العام لا يخلق بيئة جاذبة للاستثمار طويل الأمد. رأس المال يبحث عن وضوح القواعد، استقلال القضاء، وإمكانية التنبؤ بالمستقبل، وهي متطلبات اقتصادية بقدر ما هي سياسية.
الاستثمار الحقيقي في الإنسان
في المحصلة، كل ما سبق يؤكد أن الرهان الحقيقي هو الإنسان، لا بوصفه مجرد مورد في تقارير التخطيط، بل كفاعل اجتماعي وسياسي. استعادة الكفاءات المهاجرة، توفير بيئة عمل قائمة على الجدارة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة هي عناصر لا تقل أهمية عن أي حزمة تحفيزية. الاقتصاد الذي لا يستثمر في البشر يصبح هيكلًا هشًا يعتمد على تدفقات خارجية متقلبة.
السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت سورية قادرة على جذب الاستثمارات، بل ما إذا كانت قادرة على بناء نموذج تنموي يُشعر مواطنيها بأنهم شركاء في معادلته، لا مجرد هامش فيها. الخطر لا يكمن في الفشل الظاهر، بل في نجاح جزئي يخفي خللًا بنيويًا. المشكلة الحقيقية لم تكن يومًا في قلة الموارد، بل في تصميم نموذج التنمية نفسه وكيفية توزيع الفرص والمسؤوليات بين الدولة والمواطنين.
الترا سوريا
——————————
“شام كاش” يتوقف عن العمل فجأة.. ومبرمج سوري يعلن مسؤوليته: أوقفت السيرفر بطلب قانوني
8 مارس 2026
شهد تطبيق “شام كاش” للتحويلات المالية الرقمية، أحد أبرز المحافظ الإلكترونية العاملة في سوريا، توقفًا مفاجئًا وكاملًا عن العمل منذ الساعات الأولى من فجر اليوم، في حادثة أثارت حالة من الجدل والاستنفار بين آلاف المستخدمين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم أو تنفيذ معاملاتهم.
وفي خضم حالة التخبط والغموض التي سادت بعد انقطاع الخدمة، خرج شخص يدعى “أنس عيون السود”، ليعلن مسؤوليته عن تعطيل التطبيق، نافيًا بشكل قاطع أن يكون الأمر يتعلق بعملية اختراق أو سرقة بيانات كما قد يتبادر إلى الذهن.
وأوضح “عيون السود”، الذي يقيم في ألمانيا، في منشور له أن ما قام به لا يعدو كونه تقديم طلب قانوني أدى إلى إيقاف السيرفر المشغِّل للتطبيق، مشبهًا الأمر بـ”إطفاء الكمبيوتر”، ومؤكدًا أن بيانات العملاء آمنة ولم تتعرض لأي ضرر.
ووفقًا لمصادر متطابقة، فإن هذه الخطوة تهدف إلى إيصال “رسالة” واضحة إلى الحكومة الجديدة، على خلفية تعاملها مع الملفات التقنية والمالية، خاصة بعد قرار البنك المركزي باعتماد التطبيق لتحويل رواتب الموظفين، وهي الخطوة التي قوبلت بتحفظات شعبية واسعة بسبب غياب الضمانات والشفافية.
غير أن التوقف المفاجئ لم يأتِ بمعزل عن أزمة أعمق كانت تعتمل في صفوف مستخدمي التطبيق خلال الأيام الماضية، حيث تزامن مع تصاعد حدة الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى إدارة “شام كاش” بتجميد أرصدة مئات المستخدمين، بموجب إجراءات وُصفت بأنها معقدة وغير عادلة.
وتشير شهادات المتضررين إلى أن المشكلة تبدأ عندما يتعرض شخص ما لعملية نصب إلكتروني عبر روابط احتيالية، فيقوم المحتال باستخدام الأموال المسروقة لشراء بضائع أو عملات رقمية من مستخدمين عاديين لا علاقة لهم بالجريمة، وعند تقديم الضحية شكوى، تبادر إدارة التطبيق إلى تجميد رصيد البائع الأخير بشكل فوري، محمِّلةً إياه تبعات الاحتيال دون التحقق الكافي من دوره في العملية.
وقد حذر خبراء في الأمن السيبراني، من بينهم المبرمج “أنس عون السعود”، الذي سبق أن نشر توضيحات تقنية حول هذه الثغرات الإجرائية، من خطورة التعامل مع منصات تفتقر إلى آليات حماية شفافة وحوكمة رقمية واضحة، مشيرين إلى أن التطبيق لا يوفر حتى الآن وثائق قانونية ناظمة لشروط الاستخدام أو سياسة الخصوصية والحظر، على غرار ما هو معتمد في التطبيقات المالية الموثوقة عالميًا.
——————————–
بعد “الفيدرالي” الأميركي.. مصرف سوريا يفتح حساباً في بنك مركزي عالمي آخر
لتسهيل حركة التجارة والاستيراد والتحويلات وتحسين قنوات الدفع والتسويات المالية
الرياض – العربية Business
نشر في: 08 مارس ,2026
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية عن التوصل إلى اتفاق مع البنك المركزي الكندي لبدء الإجراءات اللازمة لفتح حساب لمصرف سوريا المركزي لديه.
وأكد الحصرية أن هذه الخطوة تمثل تطوراً مالياً مهماً يعكس مرحلة جديدة من انفتاح النظام المالي السوري على المؤسسات النقدية الدولية، وتتويجاً عملياً للاجتماعات التي عقدها المصرف مع البنك المركزي الكندي في نهاية العام الماضي ولقرار كندا رفع العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، ما أتاح إعادة بناء قنوات التعامل المصرفي الرسمية بين الجانبين بعد سنوات من القيود.
وقال إن وجود حسابات للمصرف المركزي السوري لدى بنوك مركزية كبرى يسهل تنفيذ التحويلات الدولية، ويعزز القدرة على إدارة الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، ويمنح قدراً أكبر من الموثوقية في التعاملات المالية مع الخارج، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
وأعرب حاكم مصرف سوريا عن أمله أن يفتح هذا التطور الباب أمام تسهيل حركة التجارة والاستيراد والتحويلات، إضافة إلى تحسين قنوات الدفع والتسويات المالية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي وإعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية.
وأشار إلى أن تنويع الحسابات لدى أكثر من بنك مركزي مثل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الكندي يعكس توجه المصرف نحو توسيع شبكة العلاقات المالية الدولية وتقليل الاعتماد على قناة واحدة في إدارة المدفوعات والاحتياطيات.
واعتبر الحصرية أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء تقني بل مؤشر على تحولات أوسع في العلاقات المالية الدولية، معرباً عن أمله في أن تشكل تقدماً في مسار تدريجي لإعادة اندماج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي السوري.
وكانت الحكومة الكندية أعلنت في الخامس من شهر ديسمبر الماضي رفع العقوبات عن سوريا في أعقاب الجهود التي تبذلها الحكومة السورية لتعزيز استقرار البلاد، لافتة إلى أن خطواتها بإزالة العقوبات عنها تتماشى مع قرارات اتخذها حلفاؤها مؤخراً بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
——————————-
======================



