تقنية

حين يكتب الذكاء الاصطناعي وينشر: هل من حقّ القارئ أن يعرف؟/ إياد شماسنة

لم يعد السؤال الحاسم اليوم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة نص أدبي؟ لقد تجاوزنا ذلك عملياً؛ فالكتابة الآلية، جزئياً أو كلياً، تتسرّب إلى غرف التحرير وعروض الوكالات والمنصات الرقمية، وتقدّم «نصوصاً سريعة» تُنتَج كما تُنتَج الإعلانات. السؤال الأخلاقي والمؤسسي الأشد إلحاحاً هو: هل للقارئ حق معرفي في معرفة كيف خُلقَ النص؟ وهل يصبح الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص شرطاً لحماية الثقة ومنع التضليل، لا مجرد فضول تقني أو مزاج نقدي؟

القارئ العربي والعالمي لا يشتري كلمات منمّقة داخل غلاف، بل يدخل في عقدٍ ضمني مع منظومة النشر: وهو أن وراء النص مسؤولية بشرية قابلة للمساءلة؛ مؤلفٌ له سيرة واسم وخبرة يعتمد عليها، وناشرٌ يضمن حداً أدنى من التحقّق، وسوقٌ لا يخلط الإبداع بالتّضليل. لذلك لم يعد النقاش ترفاً نقدياً، بل مسألة حوكمة للنشر في زمن السرعة ورخص الإنتاج، وحدود النزاهة حين تصبح «الكتابة» قابلة للاستنساخِ واسعِ النطاق بكلفةٍ شبه معدومة.

من سؤال القدرة إلى سؤال الثقة

لم يعد السؤال اليوم: هل تكتب الآلة؟ بل: بمن نثق حين نقرأ؟ فالمشكلة لم تعد في قدرة التقنية على إنتاج نصوص تشبه الأدب، بل في قدرتها على إرباك الحدود بين النص الحيّ والنص المصنوع بلا تجربة أو مسؤولية.

حتى لو اعتُبر الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، يبقى السؤال الأهم: من يتحمّل مسؤولية النص حين يُنشر بوصفه عملاً أصيلاً؟ فالفارق الحاسم ليس في الإنتاج، بل في المساءلة: اسم حقيقي، جهة نشر واضحة، ومسؤولية أخلاقية ومعرفية يمكن الرجوع إليها.

صار هذا القلق ملموساً في السياق العربي مع الحديث عن إصدار كتب بأسماء يصعب التحقق منها، ونصوص تُشبه إنتاج الآلة أكثر مما تعكس خبرة إنسانية. وهنا لا تبدو الأزمة أزمة أداة بقدر ما هي أزمة انقطاع في سلسلة الثقة: هوية المؤلف، أصل النص، حقوقه، ومعايير التحقق منه. بهذا المعنى، لم يصنع الذكاء الاصطناعي الأزمة، بل كشف خللاً أقدم: نشراً بلا تدقيق، وتسويقاً بلا مسؤولية معرفية.

لماذا لا يكون الإفصاح تفصيلاً شكلياً؟

من يرفض الإفصاح يحتج بالقول إن القارئ يحاكم النص كنص، وإن الكتّاب استعانوا تاريخياً بمحررين ومراجع وأدوات تقنية من دون إعلانٍ ثابت عن ذلك. بالطبع، تبدو هذه الحجة مقنعة إذا بقي النقاش جمالياً عن: جودة الأسلوب ومتانة الكتابة.

لكن النقاش اليوم يتجاوز الجمال إلى الثقة، لقد أصبح الإفصاح وظيفة أخلاقية ـ مؤسسية مرتبطة بالعقد التداولي بين القارئ والنشر. المسألة ليست وجود «أداة»؛ فقد كانت الأدوات دائماً جزءاً من ورشة الإبداع والكتابة، بل طبيعة الخبرة والمسؤولية والفاعلية المتعلقة بالنص وإمكانية إسناده إلى ذات بشرية محددة.

إذا استخدم الكاتب أدوات مساعدة، حتى الذكاء الاصطناعي، ثم أعاد صياغة النص بوعي، وتحقق من المعلومات، واتخذ قراراته النهائية ووقّعه باسمه، فالمسؤولية واضحة؛ وقد يكون الإفصاح هنا مفيداً في سياقات معينة من دون أن يكون شرطاً دائماً.

أما الأزمة وإنعدام الثقة فتبدأ حين يُختلق «مؤلف» غير موجود، أو يُقدَّم نص مولّد آلياً بوصفه تجربة بشرية خالصة ويعنون بسيرة ذاتية أو حصاد خبرات متراكمة، فيُضلَّل القارئ بشأن مصدر الصوت ومسؤولية القرار. هنا نتحدث عن تزوير للهوية التأليفية وإسقاط لشرط المساءلة: فاسم المؤلف على الغلاف ليس زينة، بل عنوان مسؤولية، واختراع مؤلف وهمي يقلب بنية الثقة في المجال الثقافي.

يقوم الأدب، حتى في أكثر لحظاته تجريباً، على وعد ضمني: أن وراء النص صوتاً إنسانياً يتحمّل مسؤوليته، وأن الكتابة ليست مجرد سلامة لغوية، بل رؤية وخبرة ومعنى. وحين يتضخّم دور التوليد الآلي بلا إفصاح، يدخل القارئ منطقة ملتبسة: قد يكون النص محكماً، لكن نسبه الإبداعي غامض، وهنا لا يعود السؤال عن الجودة فقط، بل عن الأمانة أيضاً.

وفي الأدب العربي، حيث الحروب والمنفى ومحو الذاكرة، تصبح الثقة مسألة أكثر حساسية. فالقارئ لا يبحث عن المتعة وحدها، بل عن معرفة وشهادة ومعنى. لذلك فإن التضليل لا يسيء إلى الذائقة فقط، بل يجرح العلاقة الإنسانية العميقة بين الكاتب والقارئ.

الإفصاح متصل بالملكية الفكرية لا بالذائقة

ومع تشابك الاقتصاد الثقافي مع حقوق الترجمة والتوزيع والمنصات الرقمية، لا ينفصل سؤال «كيف كُتب النص؟» عن سؤال «لمن تعود الحقوق؟». ففي بعض السياقات القانونية الدولية تُعدّ «المساهمة البشرية» شرطاً محورياً لحماية حقوق المؤلف، وقد أشارت تقارير وأحكام إلى أن العمل المنتج كلياً بالذكاء الاصطناعي بدون إسهام بشري ذي معنى قد لا ينال الحماية نفسها، لأن مفهوم «المؤلف» يفترض فاعلاً بشرياً.

وقد يبدو هذا بعيداً عن القارئ العربي، لكنه يمسه مباشرة لأن كثيراً من دور النشر العربية تعمل ضمن سوق ترجمة عابر للحدود، ولأن غموض منشأ النص يفتح باب نزاعاتٍ ويزيد هشاشة الكاتب والقارئ. كلما اتسعت المنطقة الرمادية حول التأليف اتسع الالتباس والابتزاز: من يملك الحق؟ من يضمن الأصل؟ ومن يتحمل تبعات الاقتباس غير المصرّح به أو التشابه غير القابل للتتبّع؟

الخطر الحقيقي ليس أن تُكتب رواية بمساعدة أداة، بل أن تتحول دور النشر، تحت ضغط الربح، إلى خطوط إنتاج تستبدل التحقق بـ«الضخّ». حين يصبح الغلاف عقداً دعائياً لا وثيقة ثقة، وحين تصبح «الترجمة» علامة تسويقية لا التزاماً مهنياً، يصبح القارئ الحلقة الأضعف.

والنتيجة ليست تقنية بل ثقافية: النصوص السريعة والرخيصة تزاحم الأصوات الجادة، خصوصاً الكتّاب الشباب، أو القادمين من هوامش جغرافية وسياسية تعاني أصلاً من نقص المنصات وفرص النشر العادل. في سوقٍ يُقاس بالكمّ، تُستنزف القيمة الرمزية للأدب بوصفه خبرةً ومعرفةً ومساءلة. ويخسر القارئ حقه في كتابٍ صادقٍ لا في «منتج» يُشبه الكتب.

بدل سؤال الكاتب أو المؤلف «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟» الأفضل اعتماد إفصاحٍ موجز في صفحة البيانات يحدّد نطاق الاستخدام بدون تشهير أو تفصيلٍ تقني وخصوصا في البحث العلمي. هذا الإفصاح مكوّن من ثلاث درجات:

1. استخدام محدود: اقتراح بدائل/تلخيص/تنظيم/تحرير بدون توليد نص أصيل ممتد.

2. استخدام متوسط: مقاطع أو مسودات جزئية أُعيد بناؤها جذرياً بيد المؤلف.

3. استخدام واسع: مسودات ممتدة أو فصول كاملة مع بيان نوع التدخل البشري.

4. استخدام كامل: إنتاج كامل/تدخل بشري أدنى/ مؤلف افتراضي.

هذا النموذج قد يحفظ حق القارئ، ويحمي الكاتب من الاتهام المطلق، ويمنح معياراً لمساءلة الناشر.

ما الذي ينبغي أن يتغير؟

إذا كانت الأزمة تتجه إلى أزمة ثقة مؤسسية، فالعلاج ليس بياناتٍ عامة بل بصياغة بروتوكولات، نحن نحتاج خطة عملٍ نظامية تشبه أنظمة الجودة: إجراءات واضحة ومسؤوليات محددة وسلسلة تحقق. فالناشر ليس بائع ورق، بل حارس عهدٍ بين النص والقارئ.

يشمل ذلك: توثيق هوية المؤلف/ المترجم وقنوات التواصل لضمان المساءلة؛ تدقيق أصول الترجمات وبياناتها لأنها عقد حقوق ومعرفة؛ مراجعة تحريرية ترصد مؤشرات التسطّح وتستدعي فحصاً إضافياً؛ سياسة إفصاح معيارية في صفحة البيانات؛ وبنود تعاقدية صريحة تحدد المسؤوليات وحدود استخدام الأدوات وآلية التدقيق عند النزاع مع حفظ حق القارئ.

هذا النهج لا يجرّم التقنية، بل يمنع أن تتحول إلى قناع للتضليل أو واجهة لتزويرٍ ثقافي وتسويقٍ مضلِّل.

«الهلوسة»: حين يصير الخلل معرفياً لا أسلوبياً

هناك بُعد آخر يهدد النصوص غير التخييلية، وحتى الرواية التاريخية والسرد المعرفي: هلوسة النماذج، أي اختراع وقائع ومراجع وأسماء تبدو مقنعة شكلاً لكنها بلا أصل. هنا لا يكفي القول إن الذكاء الاصطناعي «ساعد»، لأن الضرر يقع في صميم المعرفة؛ لأن النتيجة هي قارئ يخرج بمعلومة خاطئة، وباحث يبني استشهاداً على مرجع غير موجود، وسرد تاريخي يزرع «وثيقة» مصطنعة داخل الوعي العام.

الآن؛ يصبح الإفصاح شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ. لا بد من أدوات تحقق بشرية، خصوصاً في النصوص التي تدّعي مرجعية تاريخية أو بحثية. وما لم تتبنَّ دور النشر العربية حدّاً أدنى من تدقيق الوقائع، سيصبح السوق عرضة لإغراقٍ معرفي: نصوص لامعة ومقنعة، لكنها مخترعة بلا مؤلف بشري حقيقي.

أين يقف الكاتب من كل هذا؟

الكاتب ليس خصماً للآلة ولا تابعاً لها؛ إنه صاحب رؤية وصوت، وقد يستعين بالذكاء الاصطناعي كما يستعين بقاموس أو محرّر، بشرط الوعي والضبط. فالكتابة ليست مجرد تكوين جمل سليمة، بل بناء دلالة وصناعة منظور ومساءلة أخلاقية. وحين تُستخدم الأداة لإخفاء فراغ التجربة أو لتزوير النِّسب الإبداعي للنص، يخسر الكاتب قبل القارئ، لأن نصّاً بلا صاحبٍ يقف خلفه لا يعيش طويلاً.

كما أن غياب الحوكمة يضرب الكتّابَ الأضعف: كتّاباً بلا ميزانيات، وأصواتاً تكتب في ظل الحرب والمنفى والقهر. هنا تصبح العدالة الثقافية مسألة منافسة غير عادلة في سوقٍ تُغرقه النصوص الرخيصة المولّدة اصطناعيا: من يملك فرصة الوصول؟ ومن يُزاح لأن «الضخّ» الاصطناعي أسرع من الإبداع البشري؟

خلاصة الأمر

ليس التحدي الحقيقي أمام الأدب العربي هو وجود الذكاء الاصطناعي، بل كيفية إدخاله إلى منظومة النشر من دون كسر الثقة. لتخطي المشكلة؛ لا نحتاج إلى ذعرٍ أخلاقي ولا إلى تساهلٍ تجاري؛ نحتاج إلى معايير واضحة: إفصاح ذي طبقات، تحقق مؤسسي، ومساءلة قانونية. عندها فقط سيبقى الذكاء الاصطناعي أداةً داخل ورشة الكاتب، لا قناعاً يسيطر على النص ويمرّ بلا حساب. وحين تُحمى الثقة، يُحمى الأدب: بعيدا عن أن يكون سلعةً إضافية في سوقٍ مزدحم، عندئذ سيصبح، أو سيبقى علاقةً إنسانيةً عميقة بين صوتٍ يكتب وقلبٍ يقرأ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى