شواهد الموت.. تفاصيل تُكشف لأول مرة عن مجزرة القبو وإعدامات داريا بريف دمشق

في داريا لم تكن المقابر نهاية الحكاية.. حلقة “شواهد الموت” من برنامج “الملف 404” تكشف كيف وثّق شبان سوريون قبور الضحايا وفضحوا مجزرة القبو، محافظين على أدلة حاول نظام بشار الأسد طمسها.
لم تكن داريا مدينة عادية في سجل المأساة السورية، بل تحولت مع السنوات إلى أرشيف مفتوح للموت، حيث صارت تربتها شاهدا صامتا على جرائم نظام بشار الأسد التي دفنت تحت الأرض لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة من عاشوا المأساة.
وفي حلقة “شواهد الموت” من برنامج الملف 404 على منصة الجزيرة 360، يُعاد فتح هذا الأرشيف المظلم عبر تحقيق يوثق واحدة من أكثر القصص إنسانية وجرأة: كيف حوّل شبان سوريون المقابر إلى سجل دقيق لجرائم القتل والإخفاء القسري.
اقرأ أيضا
list of 4 items
تستعيد الحلقة سنوات الحصار التي عاشتها داريا بريف دمشق، حين تحولت شوارعها إلى فضاء دائم للقصف والقتل وكانت الجثث تصل تباعا إلى الأهالي الذين وجدوا أنفسهم أمام مهمة قاسية، وهي دفن أبنائهم بسرعة قبل أن تتجدد الغارات أو تتقدم الدوريات العسكرية في الأزقة المدمرة.
في تلك الأيام الثقيلة، لم يكن الدفن مجرد طقس أخير لتوديع الضحايا بل سباقا مع الزمن والخوف، وكان الأهالي يدركون أن الجثث قد تضيع هويتها إلى الأبد إن دُفنت دون توثيق وأن كثيرين قد يتحولون إلى أرقام مجهولة في حرب ابتلعت تفاصيل لا حصر لها.
مبادرة صامتة
وسط هذا المشهد، بدأت مبادرة صامتة يقودها عدد من الشبان الذين أدركوا أن الحرب لا تقتل البشر فقط بل قد تمحو آثارهم أيضا، لذلك قرروا أن يحفظوا أسماء الضحايا وملامحهم، وأن يتركوا خلفهم دليلا يمكن أن يقود يوما ما إلى الحقيقة.
كان هؤلاء الشبان يعملون في الظلام بعيدا عن أعين القناصة ونقاط التفتيش، يحملون الجثث بصمت ويبحثون في جيوبها وملابسها عن أي ورقة أو بطاقة تعريف أو علامة قد تكشف هوية صاحبها، في محاولة لإنقاذ الاسم قبل أن يبتلعه النسيان.
أحيانا كان الاسم واضحا في بطاقة شخصية أو ورقة صغيرة وأحيانا أخرى لا يجدون سوى خاتم أو قطعة قماش أو علامة جسدية مميزة وكانت كل تفصيلة تُسجل بدقة، لأن أبسط إشارة قد تساعد لاحقا عائلة مكلومة على التعرف إلى ابنها.
بعد ذلك تُلتقط صورة للجثة ثم يُدوَّن وصفها بعناية في سجلات بسيطة قبل أن تُدفن في قبر يحمل رقما محددا، ولم يكن الأمر مجرد دفن تقليدي بل عملية توثيق بدائية لكنها شديدة التنظيم تشبه عمل فرق التحقيق الجنائي في مواقع الجرائم.
ومع مرور الوقت، بدأت تتشكل خرائط سرية للمقابر يرسمها الشبان بعناية ويحددون فيها مواقع القبور وأرقامها، وكانت هذه الخرائط بمثابة دليل خفي يمكن أن يقود الأهالي لاحقا إلى قبور أحبائهم حين تتاح فرصة العودة.
ولم يكن الاحتفاظ بهذه الخرائط أمرا سهلا، فمجرد اكتشافها كان قد يعرّض أصحابها لخطر الاعتقال أو التصفية، ومع ذلك استمرت المهمة لأن الخوف من ضياع الحقيقة كان أكبر من الخوف من المصير الشخصي.
تكشف الحلقة أن هذه المبادرة الصغيرة تحولت مع الوقت إلى أرشيف إنساني واسع يضم صورا وأسماء وأرقام قبور، ليصبح واحدا من أهم الشواهد التي توثق ما حدث في داريا خلال سنوات الحصار والقتل والإخفاء القسري.

مجزرة القبو
لكن أكثر ما كشفته الحلقة إيلاما كان ما عُرف لاحقا باسم “مجزرة القبو”، وهي واحدة من الجرائم التي بقيت تفاصيلها مطموسة لسنوات، قبل أن يبدأ الناجون والأهالي في سرد شهاداتهم وما حدث داخل ذلك الملجأ الضيق الذي لجأ إليه مدنيون هربا من القصف.
في ذلك القبو المكتظ، كان المدنيون يعتقدون أنهم وجدوا ملاذا مؤقتا من القصف المتواصل، لكن المكان الذي بدا وكأنه مساحة نجاة تحول فجأة إلى مسرح لجريمة دامية انتهت بسقوط عدد كبير من القتلى في لحظات قليلة.
ويروي الناجي الوحيد من المجزرة في الحلقة تفاصيل اللحظات التي سبقت إطلاق النار، حين كان الخوف يملأ المكان والأنفاس متقطعة في الظلام قبل أن يتحول القبو في دقائق إلى مساحة مكتظة بالصمت والجثث.
تنسج شهادته خيوط القصة ببطء، فتستعيد ملامح الضحايا وأصواتهم الأخيرة وتكشف كيف تحولت لحظة الاحتماء من الموت إلى مواجهة مباشرة معه، في واحدة من أكثر لحظات الحرب السورية قسوة وإيلاما.
ولا تقف الحلقة عند حدود المجزرة، بل تذهب أبعد من ذلك لتروي ما حدث بعد الدفن، حين بقيت تلك الخرائط والصور دليلا صامتا على الجرائم تنتظر اللحظة التي يمكن فيها فتح الملفات ومساءلة المسؤولين.
بهذا المعنى، تتحول داريا في هذا التحقيق من مدينة أنهكها الحصار والدمار إلى شاهد حي على ذاكرة لم تُمح، فالتربة التي احتضنت الضحايا لم تكن نهاية قصتهم، بل بداية رحلة طويلة نحو كشف الحقيقة.



