عندما تتحوّل الدولة إلى ملكية عائلية/ ميشال شماس

2026.03.19
قبل خمسةٍ وعشرين عاماً، وقف الدكتور عارف دليلة في منتدى الأتاسي ليقول جملته الشهيرة التي هزّت أركان نظام الأسد: “نحن لا نعيش في دولة، بل في مزرعة بيت الأسد وشاليش ومخلوف”. هذه الجملة شكلت حينها تشريحاً دقيقاً لبنية سلطة حوّلت المؤسسات إلى واجهات، والقانون إلى غطاء، والمناصب إلى حصص تُوزَّع على أساس القرب لا الكفاءة. هذا التشخيص لم يمرّ بلا ثمن، فقد دفع د. عارف دليلة عشر سنوات من عمره في السجن لأنه تجرّأ على تسمية الأشياء بأسمائها، ولأنه كشف ما حاول النظام إخفاءه خلف شعارات “الدولة والمؤسسات والقانون”.
واليوم، وبعد كل ما مرّ به السوريون، يعود منطق المزرعة ليطلّ برأسه من جديد، بأسماء جديدة وشعارات مختلفة، لكن بالعقلية ذاتها: عقلية تحويل الدولة إلى ملكية خاصة تُدار بالقرابة والولاء. الخطر الحقيقي ليس في تغيير الأشخاص، بل في بقاء البنية ذاتها التي حوّلت الدولة إلى شبكة مصالح مغلقة. فعندما يُستبدل “بيت الأسد وشاليش ومخلوف” ببيوت وعائلات ودوائر نفوذ أخرى، من دون تغيير المنطق الذي يحكم التعيين والسلطة، نكون أمام إعادة تدوير للاستبداد نفسه مع تغيير اللافتة فقط.
إن استمرار هذا النهج يعني أن التعيين سيبقى قائماً على الولاء لا الكفاءة، وعلى تقاسم النفوذ لا على المسؤولية العامة، وعلى تقديم “أهل الثقة” على “أهل الخبرة”. وعندها لن نكون أمام انتقال من نظام استبدادي إلى دولة قانون، بل أمام إعادة إنتاج لذات البنية التي ثار السوريون ضدها. فالدولة التي تُدار بالعائلة والطائفة والشلّة ليست دولة، بل امتداد لمزرعة قديمة تُعاد صياغتها بأسماء جديدة.
هذه العقلية لم أتعرف إليها في السياسة فقط، بل لمستها في تفاصيل الحياة اليومية. ففي العام 2005، دخل جارنا الصائغ إلى مكتبنا في الدويلعة وهو يرتجف، وروى لي ولأستاذي الشهيد خليل معتوق كيف دخلت عليه امرأة منقّبة ترتدي كفوفاً سوداء، وعرضت عليه سواراً ذهبياً، وكيف لمح من تحت النقاب ملامح رجل، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن “المنقّبة” ليست سوى صديقه في المهنة، متنكراً بزي امرأة منقبة ويحمل أدوات جريمة كاملة: مقص، ومشرط، وشريط لاصق.
أُلقي القبض على الرجل، وأُحيل إلى القضاء. لكن المفاجأة لم تكن في الجريمة نفسها، بل في محاولة تمييعها. النيابة العامة صنّفت الفعل جنحة، رغم وضوح نية الاعتداء. وعندما اعترضت وطلبت إعادة توصيف الجرم كجناية، أخذني محامي المتهم إلى زاوية من المحكمة وقال لي جملة تختصر كل ما هو مختلّ في ثقافتنا السياسية والاجتماعية: “يا أستاذ، ما في داعي نكبرها… نحنا مسيحيين كلياتنا، وعيب نخلي العالم تشمت فينا.” طبعاً رفضتُ هذا المنطق بشكل قاطع، واستجابت المحكمة لطلبي، وأُعيد الملف للنيابة التي وصفت الجرم كجناية.
في تلك اللحظة أدركت أن المشكلة لم تكن في النصوص القانونية فقط، بل في العقلية التي رسّخها نظام الأسد لعقود: عقلية ترى في الطائفة مظلّة، وفي القرابة حصانة، وفي المونة بديلاً عن القانون. عقلية تُفرغ العدالة من معناها، وتحوّل الحق إلى شأن عائلي، وتعتبر الانتماء أهم من الحقيقة. كانت تلك الحادثة، بكل بساطتها، مرآة صغيرة تعكس منطق المزرعة الذي حكم سوريا: منطق يقدّم الولاء على الكفاءة، والقرابة على المسؤولية، والطائفة على العدالة.
وما يجعل هذه العقلية أكثر خطورة هو أنها لا تبقى حبيسة العلاقات الاجتماعية، بل تتحوّل بسهولة إلى منهج حكم عندما تتسلّل إلى مؤسسات الدولة. فعندما تُدار الإدارات العامة بمنطق “هذا من جماعتنا” و”ذاك ليس منّا”، وحين يصبح معيار التعيين هو الولاء لا الكفاءة، نكون أمام إعادة إنتاج لنفس البنية التي قامت عليها سلطة الأسد، حتى لو تغيّرت الأسماء والوجوه.
ولعلّ ما يزيد الأمر تعقيداً أن بعض القوى والمنظمات المدنية التي ترفع شعارات التغيير والعدالة تعيد، من حيث لا تشعر أو ربما عن قصد، إنتاج الأدوات ذاتها التي قامت عليها سلطة الأسد: شبكات ولاء مغلقة، محاصصات عائلية، وتعيينات تُبنى على الثقة الشخصية لا على الكفاءة. وهكذا يتحوّل الحديث عن “التحرر من الاستبداد” إلى مجرد تغيير في الوجوه، في حين تبقى البنية العميقة التي صنعت الاستبداد على حالها.
إن أي مشروع سياسي لا يقطع جذرياً مع هذه العقلية، ولا يؤسس لمؤسسات تُدار بالقانون لا بالقرابة، سيقودنا إلى النتيجة نفسها التي عرفناها لعقود: دولة شكلية فوقها سلطة فعلية تُدار كملكية خاصة.
إن بناء دولة حقيقية لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بتغيير المنطق الذي تُدار به السلطة. فالدولة ليست مجموعة مبانٍ أو شعارات أو هياكل إدارية، بل منظومة قيم تحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وتضع القانون فوق الجميع بلا استثناء. وما لم نقطع مع عقلية “المزرعة” التي تجعل المنصب امتيازاً شخصياً لا مسؤولية عامة، ونفصل بين السلطة والقرابة، وبين الوظيفة والانتماء، فلن نكون أمام مشروع دولة، بل أمام إعادة تدوير لذات النموذج الذي دمّر سوريا.
إن الدولة التي نحلم بها لا تُبنى بالمحاصصة، ولا تُدار بالولاءات، ولا تُختزل في العائلة أو الطائفة أو الشلّة، بل تقوم على مبدأ بسيط وواضح: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج المساءلة. من يريد بناء دولة حقيقية، لا يبدأ بتعيين إخوته، ومن يريد إصلاحاً سياسياً، لا يبدأ بتوزيع المناصب على الأقارب وأبناء الشلّة، ومن يريد عدالة، لا يساوم عليها بحجة الطائفة أو العائلة أو الحرج أمام الجماعة.
الدولة تُبنى بالكفاءة، لا بالقرابة. بالقانون، لا بالمونة. وبالمؤسسات، لا بالعائلات. وإذا كان قدر السوريين أن يدفعوا هذا الثمن الهائل من الدم والتهجير والخراب، فأقل ما يستحقونه هو ألا يُعاد إنتاج منطق المزرعة فوق أنقاض وطنهم، وأن يكون معيار إدارة الشأن العام هو الجدارة والمسؤولية، لا الولاء والقرابة والطائفة.
تلفزيون سوريا



