كنوز سورية التائهة… من بطون الأرض والمتاحف إلى أوروبا/ حسن عبد الله الخلف

17 مارس 2026
باتت قراءة وسماع الأخبار عن تعرّض المتاحف الوطنية في سورية للسرقة أمراً مألوفا في السنتين الماضيتين، وشهد ملف الآثار السورية سلسلة حوادث تكشف اتساع شبكات التهريب والاتجار غير المشروع بالتراث، في ظل انهيار منظومات الحماية وضعف الرقابة الفعلية.
بمتابعة الأخبار العالمية نقرأ أن فسيفساء أثرية ضخمة هربت من محافظة إدلب إلى الولايات المتحدة وضُبطت قي منزل في كاليفورنيا، كما خضعت رقميات أثرية تعود إلى مملكة إيبلا للمصادرة والتحقيق في ألمانيا بعد ظهورها في السوق الأوروبية وكذلك عرض تمثال تدمري في مزاد في لندن. … وتعيد هذه الوقائع طرح السؤال الجوهري: كيف تغادر القطع الأثرية سورية وتصل بسهولة إلى المزادات والبيوت الخاصة في الخارج؟ ومن المسؤول عن تتبع مساراتها ووقف الاتجار بها؟
أعلنت الجهات الرسمية نهاية العام الماضي (2025) عن استعادة أكثر من 1400 رقيم وقطعة أثرية إلى متحف إدلب وفق إعلان وزارة الثقافة لكن تفاصيل هذه العمليات بقيت غامضة، دون نشر وثائق واضحة حول آليات الاسترداد أو الجهات التي شاركت فيها.
وشهدت الفترة الأخيرة حوادث خطيرة شملت سرقة تماثيل “فينوس” من داخل متاحف، إضافة إلى وقائع نهب في متحف دير عطية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول كيفية سرقة قطع من مؤسسات يفترض أنها الأكثر حماية في البلاد، وأين كانت أنظمة الرقابة الداخلية، وهل جرى التحقيق أو محاسبة المتورطين.
إلى جانب السرقات المباشرة، تعرّضت مواقع أثرية عديدة لعمليات تجريف وحفر عشوائي بعد سقوط النظام السابق، ما أدى إلى تخريب طبقات أثرية كاملة وفقدان معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها. ومع تزايد ظهور القطع السورية في الأسواق الدولية، بات واضحاً أن ما يجري ليس حوادث منفصلة، بل جزء من أزمة عميقة في إدارة التراث وحمايته.
المعطيات السابقة تدلل بأن ملف الآثار يبدو اليوم في أسفل سلم أولويات الحكومة الحالية، إذ يغيب الاهتمام المؤسّسي الجاد بحماية التراث الثقافي، ويغلب على السياسات العامة خطاب أيديولوجي ديني لا يرى في الآثار قيمة حضارية مركزية.
وفي ظل هذا التوجه، يتحوّل التراث السوري إلى ضحية الإهمال والنهب، بينما يبقى مصير مئات القطع المفقودة مجهولاً، من دون تحقيقات شفافة أو خطّة وطنية واضحة لحماية ما تبقى من الإرث الحضاري السوري.
خطر يهدد النسيج العمراني السوري
يرى المدير العام السابق للآثار والمتاحف ومعاون وزير الثقافة سابقاً، عبد الرزاق معاذ، أن الخطر الحقيقي الذي يهدّد التراث السوري لا يقتصر على نهب القطع الأثرية أو الحفر غير الشرعي، بل يمتد بصورة أعمق إلى تفكيك النسيج العمراني التاريخي للمدن السورية. فبينما تحظى المواقع الأثرية التقليدية مثل التلال والمعابد والقلاع باهتمام إعلامي نسبي، تبقى الخسارة الأكبر في الأحياء التاريخية والأسواق والبيوت القديمة التي تشكل الذاكرة الحية للمدن.
ويشير معاذ في حديثه إلى “سورية الجديدة” إلى أن الحرب دمّرت مدناً كاملة، لكن الأخطر مما حدث خلال تلك السنوات هو حالة التفلت الإداري التي رافقت تلك المرحلة. فقد جرى في عدد من الحالات رفع الصفة الأثرية عن مبانٍ مسجلة رسمياً عبر قرارات قضائية أو إدارية، كما حدث في مدينتي حمص وحماة. ويلفت معاذ إلى أن مسؤولين في المؤسّسات المعنية شككوا في قرارات التسجيل السابقة، واعتبروا أن بعض المباني “لا تستحق” الحماية أصلاً. وهذه القرارات، بحسب معاذ، لا تقل خطورة عن التنقيب غير الشرعي، لأن رفع الصفة الأثرية يفتح الباب مباشرة أمام الهدم أو الاستثمار العقاري أو إعادة التنظيم العمراني، وغالباً دون أي اعتبار للقيمة التاريخية المتراكمة للمكان.
ويكشف معاذ عن وجود خلل بنيوي في التنسيق بين البلديات والمحافظات ومديرية الآثار “عندما لا تعمل هذه الجهات ضمن رؤية مشتركة لحماية التراث، يمكن أن تتحول مخططات التنظيم العمراني نفسها إلى أداة لمحو الهوية التاريخية بدلاً من حمايتها، وقد أدت بالفعل بعض المخططات التنظيمية والقرارات البلدية إلى خسارة عدد كبير من الأبنية التاريخية والأوابد العمرانية”.
وفيما يتعلق بحماية المتاحف، يوضح معاذ أن الانتهاكات والسرقات ليست ظاهرة جديدة، إذ كانت موجودة منذ عقود، لكنها تزايدت خلال حكم عهدي حافظ وبشار الأسد نتيجة تدخل بعض الأجهزة الأمنية في أعمال الحفر غير الشرعي أو التعديات على المواقع الأثرية، إضافة إلى ضعف الدعم الحكومي لمديرية الآثار ونقص الكوادر المتخصّصة القادرة على القيام بمهام الحماية والرقابة.
ورغم أن عمليات الجرد الدورية للمقتنيات المتحفية كانت تُجرى خلال فترة إدارته، مع وجود مراجعات مستقلة للتحقق من السجلات، فإن المشكلة الأساسية ظلت في التناقص المستمر للكفاءات المؤهلة داخل المؤسسة، وقد تفاقمت هذه الأزمة بعد سقوط النظام، إذ وصلت المديرية إلى حالة مؤسّساتية صعبة، مع متاحف تعرضت للنهب ومواقع مدمرة ومدن تاريخية مهدّمة.
ويكشف معاذ أن المديرية العامة للآثار والمتاحف أوفدت في السابق 138 مختصاً للدراسة والتخصص في الخارج، لكن معظمهم لم يعد إلى البلاد، ما أدى إلى فقدان الخبرات الضرورية لإدارة عمليات الترميم وإعادة التأهيل. وفي جوهر المشكلة، يرى معاذ أن حماية التراث لا يمكن أن تبقى مجرد مهمة إدارية محصورة بالمؤسّسات الرسمية، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي وسياسي شامل يبدأ من المسؤولين أنفسهم، ويعتمد على تنسيق فعلي بين مؤسّسات الدولة المختلفة، لإعادة تأهيل ما دمرته الحرب.
الولاءات الحزبية أخطر من الحرب
يرى الباحث الأثري علي عثمان أن اختزال أزمة الآثار السورية في نتائج الحرب وحدها يضلل فهم المشكلة الحقيقية. فالحرب، برأيه، سرّعت الانهيار لكنها لم تكن السبب الجذري له. الخلل الأعمق يكمن في منظومة اتخاذ القرار داخل مؤسّسات الدولة، حيث تداخلت المصالح السياسية والأمنية مع إدارة التراث، في غياب الشفافية والمساءلة وضعف استقلالية المديرية العامة للآثار والمتاحف.
وقال عثمان لـ”سورية الجديدة” إن هذه البيئة المؤسّسية الهشة سمحت بانتشار ظواهر مثل المحسوبيات في التعيينات، وضعف الكفاءة في بعض المواقع القيادية، وتهميش الخبرات الأكاديمية، فمنذ ستينيات القرن الماضي، أصبحت الانتماءات السياسية والولاءات الحزبية عاملاً مؤثراً في التوظيف داخل المؤسّسات، بما فيها قطاع الآثار. ولفت إلى مشكلة أخرى لا تقلّ خطورة، ضعف الكادر المتخصّص القادر على إدارة الملف الأثري. فإدارة مواقع أثرية معقدة والتعامل مع بعثات تنقيب دولية يتطلبان خبرات واسعة وكوادر مؤهلة علمياً ولغوياً وإدارياً.
وفي المقابل، يتوقّع عثمان أن تشهد سورية في المرحلة المقبلة إقبالاً كبيراً من البعثات الأثرية الأجنبية، لأن سورية تمثل أحد أهم الحقول الأثرية في العالم، كما أن دراسة آثارها أصبحت محور اهتمام أكاديمي واسع بعد سنوات الحرب. لكن هذا الإقبال قد يتحوّل إلى عبء بدلاً من فرصة إذا لم تتوافر مؤسسة وطنية تحفظ السيادة العلمية على التراث السوري. ويؤكد عثمان أن الآثار ليست مجرد قطاع ثقافي، بل يمكن أن تكون أداة دبلوماسية مهمة في علاقات سورية الخارجية. فالتعاون الأثري مع الجامعات والمؤسسات الدولية، وتنظيم المعارض العلمية، واستقبال البعثات البحثية، كلها قنوات فعالة لفتح حوار ثقافي مع العالم وتحسين صورة البلاد دولياً. ولكن تحقيق ذلك، وفقا لعثمان، يتطلب إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً يبدأ بتعزيز استقلالية المديرية العامة للآثار والمتاحف، وإعادة تفعيل المجالس العلمية المختصة، وإعادة بناء الكادر المهني المؤهل القادر على إدارة المواقع والمتاحف والتعاون الدولي.
ضعف التوثيق والأرشفة أضاع تراثنا
يقدم الأكاديمي والباحث في الآثار السورية عدنان المحمد قراءة تفصيلية لأزمة سرقة الآثار السورية، مبيناً أن الظاهرة لم تبدأ مع الحرب، لكنها تضخمت بشكل غير مسبوق خلالها بسبب انهيار منظومة الحماية وضعف التوثيق المؤسسي. يقول: “قبل عام 2011 كانت حوادث السرقة محدودة نسبياً، فمثلاً سُرقت نحو 13 قطعة أثرية من متحف دير الزور عام 2010، كما سُجلت حالات أخرى متفرّقة، لكن مع بداية الحرب بدأت موجة نهب واسعة طالت المواقع الأثرية والمتاحف”. ويفيد بأن نحو خمسة آلاف قطعة أثرية اختفت من متحف الرقة بين عامي 2013 و2014 خلال فترة الصراع بين الفصائل المسلحة. كذلك تعرض مستودع متحف إدلب للنهب حيث سُرقت قرابة ستة آلاف قطعة، استُعيد منها لاحقاً جزء محدود يقدَّر بنحو 1300 إلى ألفي قطعة فقط، كما سُجلت سرقات في متاحف أخرى، من بينها سرقة ستة تماثيل من متحف دمشق مؤخراً”.
ويرى المحمد أن هذه الحالات تعكس هشاشة نظام الحماية في المتاحف السورية، ويؤكد أن المشكلة الأكبر تكمن في ضعف التوثيق والأرشفة، فكثير من مقتنيات المتاحف كانت موثقة في سجلات ورقية قديمة، وغالباً بلا صور دقيقة للقطع. وهذا ما ظهر بوضوح في حالة متحف الرقة؛ إذ عندما طُلب من الجهات السورية تزويد اليونسكو والإنتربول ببيانات القطع المسروقة لملاحقتها دولياً، تبين أن المعلومات المتوفرة تقتصر على أوصاف عامة من دون صور، ما يجعل تعقبها شبه مستحيل.
وينوّه المحمد أن صعوبة استعادة القطع المنهوبة تزداد بسبب طبيعة القانون الدولي للآثار، فوفق اتفاقية اليونسكو لعام 1970 يمكن استعادة القطع التي خرجت من بلدها بعد هذا التاريخ إذا استطاعت الدولة إثبات ملكيتها لها، لكن إثبات ذلك يتطلب وثائق وصوراً دقيقة، وهو ما تفتقر إليه كثير من السجلات السورية.
على خطى تهريب البشر
لمعرفة مسارات (وطرق) التهريب التي تبدو للمتابع بأنها معقدة، يوضح المحمد أن القطع الأثرية غالباً ما تسلك الطرق نفسها المستخدمة في تهريب البشر، فالقطع القادمة من شرق سورية تنتقل عادة إلى شمال العراق ثم تركيا فإلى أوروبا، بينما تمر القطع من شمال سورية مباشرة إلى تركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية. وغالباً ما يجري تهريب القطع عبر أفراد يسيرون على طرق التهريب البرية لتجنب التفتيش.
ويوضخ المحمد أن تتبع القطع المنهوبة يعاني ضعفاً مؤسسياً داخل سورية، فالقسم المسؤول عن متابعة الآثار المسروقة يفتقر إلى فريق متخصص أو قاعدة بيانات رقمية، وغالباً ما يعتمد فقط على البلاغات التي ترد من الخارج. في المقابل، يبرز دور المجتمع المحلي عاملاً حاسماً في حماية المواقع الأثرية. ويرى المحمد أن التوعية التقليدية عبر المحاضرات ليست كافية، لأن السكان غالباً ما يعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة تجعلهم عرضة للانخراط في أعمال الحفر غير الشرعي، لذلك يقترح ربط حماية الآثار بمنافع اقتصادية مباشرة للسكان من خلال مشاريع سياحية محلية.
كما يشير المحمد إلى مبادرات بحثية استخدمت تقنيات مثل (المياه الذكية- Smart Water) لوضع علامات غير مرئية على بعض القطع الأثرية، بحيث يمكن التعرّف عليها لاحقاً في حال ظهرت في الأسواق الدولية. وقد ساهمت جهود باحثين ومنظمات دولية في استعادة بعض القطع من دول مثل لبنان وسويسرا وتركيا. وفي المحصلة، يرى المحمد أن أزمة الآثار السورية هي نتيجة تداخل عدة عوامل: السرقات المنظمة، ضعف التوثيق، غياب فرق متخصصة لتعقب القطع، وتراجع دور المجتمع المحلي في حماية المواقع.
الرقّة.. موقع مفتوح للتنقيب والنهب
يقدم الباحث الأثري جبار عبد الله رؤية شاملة عن أزمة آثار الجزيرة السورية، مع التركيز على مدينة الرقة، مؤكداً أن التحدّيات ليست وليدة الحرب بل امتداد لإهمال منهجي طويل الأمد. منذ القرن التاسع عشر، استهدف المستشرقون والخبراء الغربيون خزفيات العباسيين وآثارهم، فيما شارك السكان المحليون أحيانًا في جمع القطع وبيعها للأسواق الخارجية، ما جعل الرقة منذ ذلك الحين ساحة مفتوحة للتنقيب والنهب. واستمر هذا الإهمال خلال حكم حزب البعث، بينما أثرت المشاريع المائية الكبرى في عهد حافظ الأسد على عشرات المواقع الأثرية، حيث غمرتها بحيرات اصطناعية.
مع اندلاع الحرب، دخلت آثار الرقة في مرحلة كارثية من الخراب الممنهج، فقد وثقت التقارير تدمير مواقع أثرية من قبل تنظيم الدولة. وتشير شهادات محلية إلى تورط عناصر من قسد في عمليات تنقيب غير شرعية في مواقع مثل تل البيعة والسورا والرصافة وتل أبي قبيع الغربي. وبعد تحرير الرقة وعودة الجيش العربي السوري، لم يتحسن الوضع؛ بل ازدادت وتيرة التنقيبات السرية، ورُصد أشخاص يستخدمون أجهزة كشف معادن لتحديد مواقع للنهب، وأحيانًا أشخاص مسلحون يُعتقد أنهم من الجيش يسألون عن مواقع أثرية للقيام بالحفريات. وتعكس تلك الممارسات هشاشة الوضع القانوني والرقابي، حيث يغيب الردع الفعلي أمام المتعدين، بما في ذلك غض الطرف من وزارتي الداخلية والدفاع تجاه بعض الانتهاكات.
… لا حماية للتراث بلا وعي فالمجتمع لا يمكنه الدفاع عما لا يعرفه. من هشاشة الردع القانوني إلى ضعف الشفافية، ومن صراعات التعيين الداخلية إلى غياب استراتيجية وطنية لاستقطاب الكفاءات، تتضح فجوة الدولة نفسها أمام مسؤولياتها. كل الملاحظات تتقاطع على نقطة واحدة: ما يحدث ليس مجرد سرقات أو تخريب عابر، بل تراكم تاريخي من إهمال، تدخلات أمنية، قرارات مدمرة للنسيج التاريخي، ونقص مزمن في الكوادر. فهل تدرك الحكومة حجم الخسارة التي يتعرض لها التراث السوري، أم سيظل هذا الملف هامشياً فيما يتآكل الإرث الحضاري للبلاد؟
العربي الجديد



