كيف تُضحك القدر؟/ يعرب العيسى

17 مارس 2026
أرى خططاً بعدد الحصى والرمال، أرى عقوداً ومذكّرات تفاهم بحجم المجرّة، وعوداً بجموح قصيدة، آمالاً بعرض درب الأعمى.
في الكهرباء والنفط، في التعليم والصحة، في السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، في تعيين سيبان حمّو وفي لوحة مبنى مديرية التربية بالسويداء، في مخافر الشرطة بالساحل وفي السير في شوارع حمص، في تطبيق مرسوم العفو وفي صدور مرسوم المنحة، في استبدال العملة وفي سعر صرفها. ثم أخيراً، في تجنّب الحرب الكبرى، وفي هزيمة إيران وإسرائيل معاً.
هذا ليس على مستوى الحكومة والناطقين باسمها، والدائرين في فلكها فقط، بل حتى على مستوى أشخاص عاديين مثلنا، يفورون ويلقون بوعود وبطولات لم يجرؤ على قولها عمرو بن كلثوم.
قبل بضعة أشهر، وفي ندوة تلفزيونية، كنّا نتحدث عن السيناريوهات المحتملة أمام سورية، ولأنني من بقايا العجائز الذين ما زالوا يرون إسرائيل هي الخطر الحقيقي، وما عداها مؤقت وعابر، قلت: أخشى، في لحظةٍ ما، أن تجد إدارة الرئيس أحمد الشرع نفسها بين خيارين، أن تدخل في مواجهة برّية مباشرة مع حزب الله، أو تدخل إسرائيل إلى حدود دمشق. رد عليّ ضيف آخر، وهو زميل صحافي عتيق، كان عاقلاً فيما مضى، ردّ بحماس مراهق تسلّم حاجزاً في مدخل قريته للتو: جاهزون لجميع الاحتمالات، لدينا بين قطنا والحدود شباب يأكلون رأس الحية، ولا يهمّهم أنها حدود الجولان أو حدود لبنان. الحكومة لديها خطة لذلك، وتستطيع خلال ست ساعات أن تحشد أربعة ملايين رجل مهما كان العدو، ومعلوماتي أنها وضعت خطة لكل السيناريوهات ولسنوات.
بغض النظر عن أن بين قطنا والحدود لدينا شباب يائسون حطمتهم الحرب، وأخذت مستقبلهم وبيوتهم وعملهم وربما أقدام بعضهم. وبغض النظر عن أن جنازة أم كلثوم لم يخرج فيها أربعة ملايين، لكن خطّة؟ ولسنوات؟
تقول آن لاموت (الكاتبة الأميركية): إذا أردت أن تُضحك الأقدار أو الآلهة فأخبرها بمخطّطاتك. وهي قالتها عن الإنسان بشكل عام، فما بالك بنا. قبل سنوات أتى الربيع طلْقاً، كما يفعل كل سنة، وكنّا مجموعة من الأصدقاء يريدون الهروب بضع ساعات من قلق الحرب، والاحتفال بقدومه، واقترحنا أن نذهب في رحلة ونقضي يوماً في الطبيعة، وفيما كنّا مختلفين على الموعد، في يوم العطلة بعد أسبوعين أو بعد ثلاثة. قاطعتنا صديقة، شريكة معنا في الرحلة وصاحت بنا: ما أوقحكم، سوريون وتخطّطون لثلاثة أسابيع؟ يومها كان يمكن للأسبوع الواحد أن يقتل أربعة منّا بقذيفة عشوائية أو برصاصة طائشة، أو بالتقاء مزاجين عكرين لعسكري على حاجز ومحقق في فرع.
واليوم لم تتغيّر الأمور كثيراً، ربما لم يعد الحاجز والفرع وقذيفة الهاون مخاطر مرجّحة، لكن مخاطر جديدة حلّت محلها ربما تكون أمضى، مثل ملثَّمَين على درّاجة نارية، لص بيوت، صاروخ حيتس إسرائيلي يعترض صاروخ خرمشهر إيرانياً فوق برزة البلد. كل ما تغير أننا صرنا نخطط ونوقع اتفاقيات ونشعر بالعزّة والفخار والثقة بالغد. ونردد عبارات إنشائية يظنّ من يسمعها أننا الدولة الأموية حقاً.
أذكر إعلاناً من التسعينيات يروّج اللوتو اللبناني، بطله شاب أشعث يجلس مرتخياً في صالة مزادات فاخرة، وكلما قال أحد العجائز المتأنّقين مليون، رد عليه بمائة مليون، ومن قال مليونين زاد عليه بمليار. مسترخياً وسط صيحات الدهشة، وينتهي الإعلان بعبارة: “فنّص مع اللوتو كل اثنين وخميس”.
العربي الجديد



