المقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب شريف الدواخلي: “داعش” يسعى لمعركة طويلة الأمد مستغلاً “تعدد الأقطاب”

شريف الدواخلي: داعش يغيّر تكتيكاته في سوريا ويستعد لحرب استنزاف طويلة

عمار زيدان

2026-03-09

في الأسابيع الأخيرة عاد موضوع تصاعد نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا ليطرح نفسه بقوة على الساحة السياسية والأمنية. فبعد الهزيمة التي مُني بها التنظيم عقب سقوط آخر معاقله خلال معركة الباغوز، اعتقد كثيرون أن خطره قد تراجع بشكل كبير. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن “داعش” ما زال يمتلك القدرة على إعادة تنظيم صفوفه وتنفيذ هجمات متفرقة، مستفيداً من حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد. لذلك يبرز هذا الملف البالغ الأهمية كقضية تستحق النقاش لفهم أسبابه وتداعياته في وإمكانية إنهائه.

وفي حوار خاص لـ”963+” مع الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الإرهاب شريف الدواخلي أجاب فيه عن العديد من الأسئلة كان أبرزها حول النشاط الملحوظ لـ”داعش” في سوريا خلال الفترة الماضية وكيف يمكن للتنظيم أن يحافظ على استدامته؟

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

كيف تقرأ النشاط الملحوظ لتنظيم “داعش” في سوريا خلال الأسابيع القليلة الماضية؟

 عقب سقوط نظام الأسد في  8 كانون الأول / ديسمبر 2024 استغل التنظيم حالة الفراغ الأمني ما أتاح لخلايا التنظيم حرية أكبر في التحرك بمناطق واسعة، واستطاع الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة التى خلفتها الفوضى، ناهيك عن البعد العقائدي حيث يرى التنظيم في الرئيس السوري أحمد الشرع عدوا مرتداً، وبالفعل في الأسبوع الأخير من شباط / فبراير الماضي، أعلن التنظيم عن مسؤوليته عن هجومين استهدفا أفرادا من الجيش السوري في شمال وشرق سوريا، مشيراً إلى  ما وصفه بـ«مرحلة جديدة من العمليات» ضد قيادة البلاد، وحث التنظيم عناصره على قتال الحكومة السورية، وذلك في رسالة صوتية منسوبة للمتحدث باسم التنظيم «أبو حذيفة الأنصاري» تم بثها على الإنترنت وهاجم خلالها الحكومة السورية، كما هاجم الرئيس السوري أحمد الشرع، متوعداً بشن هجمات جديدة في سوريا، كما أدى الانسحاب الأميركي من سوريا في فبراير 2026، إلى خلق فراغ أمني كبير أضعف جهود مكافحة تنظيم داعش، وتسبب هذا الانسحاب في تصاعد الهجمات، خاصة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية  شمال شرق البلاد.

كذلك أدى الهجوم الذي شنته الحكومة السورية على مناطق (قسد) في يناير الماضي إلى تشتيت جهود مكافحة التنظيم، حيث اضطرت القوات المحلية لتوجيه مواردها نحو جبهات القتال بدلاً من ملاحقة خلايا داعش.

 هل يملك التنظيم القدرة على استنزاف طويل الأمد في ظل الهيكلية الحالية ومصادر التمويل؟

 التنظيم استولى على العديد من الأموال والأسلحة عقب سقوط نظام بشار الأسد، وهو يستهدف بالفعل معركة طويل الأمد لزعزعة الاستقرار وليس لإقامة دولة، وهو ما ظهر جلياً في التحول الجوهري لتكتيكاته ومصادر تمويله لتناسب طبيعة المرحلة التى تتميز بالعمل اللامركزي.

 كيف يمكن لتنظيم “داعش” أن يحافظ على استدامته في سوريا؟

تحول التنظيم من هيكلية الدولة المركزية إلى نموذج “الشبكات الفضفاضة” والتى ترتكز على خلايا نائمة ومستقلة تعمل كمجموعات في البادية السورية ومحيط دير الزور والجنوب باستقلالية عالية، مما يصعب استهداف مركز ثقل واحد للتنظيم، ورغم انه خسر كبارر قادته لكنه حافظ على “نظام خلافة” بديل يعتمد على “قيادة خفية” عبارة عن قادة محليين يديرون شؤون المناطق ميدانياً دون الحاجة لاتصالات مكثفة قد تكشفهم، والتنظيم يستغل المناطق الوعرة (مثل البادية) والحدود الهشة بين مناطق السيطرة المختلفة للاختباء والمناورة.

ويعتمد التنظيم على “اقتصاد سري” لتمويل انشطته، فرغم فقدانه حقول النفط الكبرى لكنه لا يزال يمتلك “احتياطات مالية” قد تصل لنحول 10 ملايين دولار في العراق وسوريا، تم تخزينها سابقاً على شكل نقد أو ذهب لاستخدامها في “سنوات العجاف”، كما أنه  يعتمد بشكل متزايد على الأصول الافتراضية وشبكات الحوالات غير الرسمية، وهو يفرض “إتاوات” على شاحنات البضائع والمهربين في مناطق نشاطه، بالإضافة إلى انخراطه في عمليات تهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود، وهو لا يكتفي بذلك بس يستخدم شركات واجهة (محلات صرافة، وغيرها) في دول الجوار لاستثمار أمواله وتوفير دخل مستدام “غسيل أموال”.

وتسمح هذه الهيكلية والتمويل للتنظيم بالبقاء بـكلفة تشغيلية منخفضة مقارنة بمرحلة “الدولة” التى كان يروج لها، وفي تقديري فإن التمويل الحالي للتنظيم يكفيه لسنوات من العمليات التكتيكية الخاصفة التى تتضمن الكمائن والاغتيالات، وتتركز الموارد والشبكات اللوجستية لتنظيم داعش في عدة “جيوب استراتيجية” توفر له الحماية والتمويل المستدام أبرزها ما يعتبره “مثلث الموارد والتدريب” والحديث عن عن البادية السورية فتعد البادية (حمص ودير الزور وحماة) القلب النابض للتنظيم حالياً.

 هل تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في عودة نشاط داعش «البادية السورية» أنموذجاً؟

 لا شك في ذلك.. ببساطة تحولت “البادية السورية ” أو صحراء الشام من مجرد صحراء إلى ما يشبه “القلعة الطبيعية” التي تؤمن للتنظيم “الاستدامة العملياتية” فالبادية تشكل نحو 55 % من مساحة سوريا، وهذا الامتداد يربط محافظات حمص وحماة والرقة ودير الزور، وتقع جنوب شرق سوريا وشمال شرق الأردن وغرب العراق، وتلك المساحة الكبيرة توفر إمكانية المناورة ونقل التعزيزات بين جبهات متباعدة دون أن ترصده مراكز المراقبة الثابتة، وهي ليست مجرد صحراء رملية فحسب بل تتميز بتضاريس صخرية وتلال ووديان وعرة توفر مخابئ طبيعية يصعب اختراقها بالطيران أو المسيرات، وقد استغل التنظيم ذلك لإنشاء شبكة من الأنفاق والمخازن تحت الأرض، مما يضمن له حماية عناصره وموارده المالية بعيداً عن الغارات الجوية، كما استغل الفجوات الأمنية التى وفرتها لها البادية حيث تقع في مناطق “التماس” أو الفراغ بين القوى المختلفة سواء الحكومة أو قسد أو قوات التحالف ما يسهل مهمة التنظيم التى يستغل “الجغرافيا المفتوحة” للمنطقة لتنفيذ استراتيجية ” الكر والفر” عبر شن هجمات سريعة على قوافل الإمداد وآبار النفط، ثم التواري فوراً في عمق الصحراء قبل وصول أي رد فعل عسكري.

والبادية ممر لخطوط الإمداد “النفط والغاز” والسيطرة على تلك البقعة تمنحه القدرة على “فرض إتاوات” كما قلت سابقا ما يدعم استمراره المالي، وتبقى البادية “خط رجعة” للتنظيم والتى تضمن عدم القضاء عليها نهائيا، فالصحراء بيئة مثالية للميلشيات التى تعتمد على “الاستنزاف” طويل الأمد. 

 ما تأثير العوامل الإقليمية والدولية والمحلية الحالية على نشاط تنظيم داعش في سوريا؟

 يجد التنظيم في “تعدد الأقطاب” الفاعلة والصراعات البينية في سويا فرصة ذهبية لاستمراره كقوة استنزاف، مستغلاً غياب التنسيق الدولي الموحد بعد الانسحاب الأمريكي، فمحلياً أدى انهيار مؤسسات النظام السابق إلى نشوء مساحات شاسعة غير محكومة، خاصة في البادية وأرياف حمص وحماة، مما منح التنظيم فرصة لإعادة رص صفوفه بعيداً عن الرقابة المكثفة، كما يرى التنظيم في الشرع “منافس ايديولوجي” شرس ما يدفعه لتكثيف هجوماته ضد مؤسسات الدولة لتقويض شرعيته، كما يستغل هجمات الحكومة السورية على «قسد» والتى شتت جهود  مكافحة الإرهاب، مما أتاح لخلايا داعش استغلال انشغال الطرفين بالقتال البيني لتنفيذ عمليات مباغتة.

 كما مثل قرار واشنطن بسحب قواتها في فبراير 2026 نقطة تحول حيث فقدت القوات المحلية «قسد» الغطاء الجوي والدعم الاستخباراتي الحيوي، مما شجع داعش على محاولة اقتحام السجون (مثل الهول) لتحرير عناصره، ورغم رغم العقوبات الدولية، نجح التنظيم في استخدام شبكات “الهوالة” والعملات الرقمية العابرة للحدود لتجاوز النظام المالي التقليدي، مما وفر له تدفقات مالية مستمرة لتمويل خلاياه “المنفردة”، كما قد يستغل التنظيم قرار رفع بعض العقوبات الدولية عن سوريا في 2025 عبر تسرب بعض الموارد الاقتصادية إلى شبكات الابتزاز التي يديرها التنظيم محليا.

 كيف سيؤثر انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في القدرة على تجفيف منابع داعش والقضاء عليه بشكل كامل؟ وهل ذلك ممكناً؟

 أبرز الايجابيات لانضمام سوريا للتحالف هو التنسيق الاستخباراتي المباشر لأول مرة ما يساعد في تتبع “المقاتلين الأجانب” ومنع تسللهم عبر الحدود أو انخراطهم في أجهزة الدولة، كما تسلمت الحكومة السورية الجديدة المسؤولية عن السجون ومخيمات النازحين (مثل الهول) التي تضم عناصر التنظيم وعائلاتهم، وهو ما يغلق ثغرة أمنية كانت تستغلها الخلايا لتهريب القيادات، والأهم هو أن الانضمام للتحالف يشكل تعاوناً وثيقاً مع الخزانة الأمريكية والشركاء الإقليميين لملاحقة حوالات “الهوالة” والعملات الرقمية التي يستخدمها التنظيم، بالإضافة إلى حماية آبار النفط من الابتزاز، ويساعد التحالف في رفع العقوبات تدريجياً وتدفق استثمارات من دول الخليج وبشكل اساسي السعودية وقطر ما يدعم الدولة لمد يد التنمية للمناطق الفقيرة التى كانت بيئة خصبة لتجنيد “داعش”.

لكن في رأيي القضاء الكامل “عسكريا” على داعش 2026 يواجه عقبات كثيرة مثل تحول التنظيم إلى “جيوش الظل” كما ذكرت سابقا فلم يعد التنظيم يسعى للسيطرة على مدن، بل يعمل كخلايا سرية في البادية السورية الوعرة، وهي جغرافيا يصعب تطهيرها بالكامل حتى مع الدعم الجوي، كما تخشى بعض الجهات الدولية من محاولات التنظيم اختراق المؤسسات الأمنية السورية الجديدة خلال مرحلة إعادة الهيكلة.

 هل سوريا والعراق على وجه الخصوص باتت أقل جذباً كبيئة خصبة للجماعات الإرهابية؟

 نعم لم تعدا مثل السابق في سنوات “2014 وحتى 2019” لكنهما لم يصلها لمرحلة “البيئة الطاردة” فالأمر أقرب لمسرح لتمرد عسكري يعتمد على الاستنزاف طول الامد، فلم يعد التنظيم يسيطر على مدن أو سكان، مما أفقد “الخلافة” المزعومة جاذبيتها للمقاتلين الأجانب الذين كانوا يتوافدون بالآلاف، وتشير تقديرات عام 2026 إلى وجود ما بين 1,500 إلى 3,000 مقاتل فقط في سوريا والعراق، وهو تراجع هائل عن الـ 80,000 مقاتل في السابق، كما  بدأت عمليات نقل واسعة لآلاف المعتقلين من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق لضمان عدم حدوث عمليات هروب جماعي، مما جفف أحد أهم مصادر تجديد صفوف التنظيم.

وفي العراق، بات التنظيم لا يؤثر على الحياة اليومية في معظم المدن، وتحول نشاطه إلى قضية إنفاذ قانون بدلاً من حرب جيوش، مع تركز هجماته في المناطق الريفية النائية ضد القوات الأمنية، وساهم تحسن القبضة الأمنية العراقية والتعاون مع التحالف في جعل بيئة المدن صعبة جداً على اختراق الخلايا الإرهابية.

ويمكن القول إن أفريقيا (منطقة الساحل) باتت هي البيئة الأكثر جذباً حالياً للجماعات الإرهابية بسبب هشاشة الدول هناك، كما أنها توفر ما فقده في سوريا والعراق: “الأرض، والموارد، وضعف الرقابة الدولية، والأهم البيئة الاجتماعية المحتقنة”، وهناك يرى التنظيم فرصاً أكبر للسيطرة الميدانية مقارنة بسوريا والعراق اللذين باتا تحت “سيطرة أمنية” لم تتوافر قبل ذلك.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى