سوريا 57 بعدسة “ألمانيّة شرقية”: بلاد فتيّة تعانق الحداثة/ علي سفر

الثلاثاء 2026/03/10
حجم الخط
مشاركة عبر
تتيح الأرشيفات الإلكترونية لهواة الصور القديمة العرب، فرصاً كثيرة للعثور على لقطات غير معروفة، جرى نشرها في مجلات وصحف أوروبية أو أميركية من قبل صحافيين أو جوالة وزائرين زاروا المنطقة قبل عقود طويلة.
ورغم أن غالبية ما نُشر سابقاً من صور وثقتها مجلات معروفة، كمجلة “لايف” الأميركية أو “ناشيونال جيوغرافيك”، قد جرى التعامل معها من زاوية حيادية على الأغلب -مع بعض الانحيازات الاستشراقية- إلا أن ثمة زاوية مغفلة لم يجرِ التدقيق في صناديقها التي يعلوها الغبار، وما تحتويه من صور للشرق ودوله. هذه الفجوة المعتمة هي الصحف الشيوعية، أي تلك التي صدرت في دول أوروبا الشرقية، وقامت في فترات متباعدة بإرسال صحافييها إلى المنطقة لتوثيق ما يجري فيها، أو لصناعة تقارير تخدم سياسات الدول المنضوية في حلف وارسو، والتي تُظهر وجود نفوذ ما لهذه الدول، مقابل محاولات دول حلف الناتو تثبيت قواعدها العسكرية والسياسية والثقافية أيضاً.

الآن، وبعد مرور عشرات السنين على اندلاع الصراع بين المحورين ونهايته، يُعتبر اكتشاف صور “اشتراكية” عن سوريا جزءاً من ثمار الحرب الباردة التي حفظها التاريخ، ليراها السوريون وينظروا إلى بلدهم كيف كانت.
قبل أيام قليلة، أتاح أحد الحسابات النشطة في نشر المجلات القديمة في موقع “أرشيف” العالمي، فرصة لرؤية صور غير معروفة عن سوريا، حين نشر أعداداً متتالية من مجلة “ZiB” (اختصار لـ Zeit im Bild) التي كانت تصدر في مدينة درسدن الألمانية، وتُعد من أهم المجلات المصورة التي تركز على القضايا السياسية والاجتماعية والتقارير الدولية من منظور اشتراكي.

وفي هذه الأعداد، يعثر المهتم على ثلاث مقالات مصورة كانت حصيلة عمل الصحافي الألماني الشرقي بول فريدمان (Paul Friedemann)، الذي أوفدته المجلة مراسلاً صحافياً إلى سوريا، لينقل للقارئ الألماني ملامح البلد المعتمل بالصراعات مع غلبة للتيارات اليسارية، فكانت سوريا نموذجاً صالحاً لمجال عمل المجلة والصحافي في آنٍ معاً؛ فهو أحد المصورين الذين تعتمد عليهم صحافة ألمانيا الشرقية (DDR) لنقل صور حية من “دول العالم الثالث” الصديقة للنهج الاشتراكي آنذاك.
قام فريدمان بتصوير مناحٍ متعددة من الحياة السورية وكتب تعليقات عليها، ويتضح من خلالها الطابع المؤيد لـ”النهضة السورية” والتحالف مع الكتلة الشرقية (الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية)، مع التركيز على إظهار التباين بين “سوريا القديمة” و”سوريا الفتية”. وتعكس تعليقات فريدمان رؤية تجمع بين الملاحظة الميدانية والانتماء الأيديولوجي للإعلام الاشتراكي؛ فهو يركز على صورة لسوريا بوصفها بلداً يعيش مرحلة انتقالية بين التقليد والحداثة. ويظهر هذا من خلال تكرار الإشارة إلى التناقضات في المشهد السوري: بين السيارات الحديثة في طرق معبّدة بجانب قوافل الجمال، ومضخّات الري الحديثة إلى جانب النواعير التقليدية، وأحياء عمرانية جديدة في دمشق بجوار الأسواق القديمة والبازارات التاريخية. هذه المقارنة المستمرة تعكس تصوره لسوريا كدولة تتحرك من الماضي نحو مستقبل حديث.

في الوقت نفسه، يظهر في تعليقاته قدر من الانبهار بالشرق، إذ يذكر الصور النمطية المرتبطة به مثل الصحراء والبدو والجمال، لكنه يحاول تجاوز هذه الصورة التقليدية عبر إبراز ما يسميه “سوريا الجديدة” التي نشأت بعد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي العام 1946. ومن خلال هذا الإطار، يربط فريدمان بين التقدم السوري والتحولات السياسية العالمية في زمن الحرب الباردة؛ فهو يقدم الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي كأصدقاء حقيقيين لسوريا، يشجعون التنمية الاقتصادية ويدعمون استقلالها، في مقابل تصوير القوى الغربية -خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا- كقوى تحاول التأثير في الاقتصاد السوري أو عرقلة تجارته.

كما أولى فريدمان اهتماماً واضحاً بالتحولات الاجتماعية داخل المجتمع السوري؛ فسلط الضوء على توسع التعليم، وزيادة أعداد المدارس والطلاب بعد الاستقلال، إضافة إلى التغيرات في مكانة المرأة، مثل حصولها على حق التصويت ودخولها مجالات العمل والتعليم. وتظهر هذه العناصر في النص كدلائل على تقدم اجتماعي يرافق عملية بناء الدولة الحديثة. إلى جانب ذلك، يركز المراسل الصحافي على مشاريع التنمية الاقتصادية مثل تنظيم الري، ومشاريع الزراعة، وبناء المصانع، خصوصاً في قطاع النسيج والقطن. ورغم هذه الصورة المتفائلة، يشير فريدمان أيضاً إلى بعض التحديات، مثل استمرار علاقات شبه إقطاعية في الريف وسيطرة كبار ملاك الأراضي.
وبشكل عام، يقدم التقرير رؤية لسوريا بوصفها دولة فتية مليئة بالتناقضات، لكنها تسير نحو التحديث الاقتصادي والاجتماعي ضمن سياق سياسي متأثر بصراعات الحرب الباردة.
المدن


