“لبنان وسوريا” بعينَي ساطع نور الدين: ضد الاستسلام للتاريخ/ حسين جلعاد

الأربعاء 2026/03/18
في زمنٍ تتفكك خرائط المشرق مرة أخرى، يأتي كتاب الصحافي اللبناني ساطع نورالدين “لبنان وسوريا: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة” كنوع من التفكير المعرفي في علاقة تبدو في ظاهرها جغرافية، لكنها في حقيقتها معضلة تاريخية وسياسية معقدة. والكتاب ليس سرداً تاريخياً تقليدياً للعلاقات اللبنانية-السورية، بل محاولة لفهم المفارقة التي حكمت البلدين منذ ولادتهما الحديثة، فهما متجاوران حدّ الالتصاق، لكنهما يسيران سياسياً في اتجاهين متعاكسين.
نور الدين، الذي خبر كواليس السياسة العربية من موقعه في الصحافة، لا يقدم لنا سرداً تاريخياً، وإنما يشرّح العلاقات الملتبسة عبر إعادة ترتيب الوقائع بعيداً من الروايات الأيديولوجية التي سيطرت على تاريخ المشرق. ومنذ الصفحات الأولى، يضع المؤلف قارئه أمام منهج مختلف، فليس الهدف إعادة سرد الماضي، بل استخدامه لفهم ما يمكن أن يحدث لاحقاً. وهو يعلن بوضوح أن الكتاب “رحلة نحو المستقبل لا عودة إلى التاريخ” وأن الغاية منه إثارة نقاش مؤجل حول البلدين اللذين فرّقتهما الأقدار ولم توحدهما المصالح. وهذه المقاربة تكشف شيئاً أساسياً في مشروع الكتاب أنه ليس تاريخاً للعلاقات السورية-اللبنانية، بل تفكير في مصيرها.
الهروب من “أسر التاريخ”
يستهل المؤلف كتابه الصادر حديثا عن دار “نوفل- هاشيت أنطوان”، بموقف راديكالي ضد “الاستسلام للتاريخ”، معتبراً أن الذاكرة العربية المشتركة محشوة بالخرافات والبطولات الوهمية التي تعطل التفكير في المستقبل، ويدعو هنا إلى “إطلاق للخيال العاقل” في لحظة انتقالية حرجة يمر بها المشرق العربي. ويرى نور الدين أن لبنان وسوريا، منذ نيلهما الاستقلال، سارا في طريقين متناقضين تماماً، فثمة نظام لبناني ليبرالي مفرط في تفلّته، يقابله نظام سوري يحاول اليوم استعادة الدولة الوطنية عبر نموذج قد يبدو صادماً للوهلة الأولى وهو “نموذج طالبان” كحل مركزي لضبط العنف الأهلي وتجاوز إرث “الحكم العلوي-الشيعي”.
الجغرافيا الواحدة والدولتان المتناقضتان
أحد أهم أفكار الكتاب أن العلاقة بين البلدين لم تكن يوماً علاقة طبيعية بين دولتين جارتين. فلبنان وسوريا وُلدا في الوقت نفسه تقريباً من رحم الانتداب، لكنهما اختارا مسارين متناقضين في بناء الدولة. وقد تشكل لبنان كنظام ليبرالي منفتح على الاقتصاد العالمي، بينما اتجهت سوريا نحو الدولة المركزية ذات الطابع القومي والاشتراكي. هذا التباين البنيوي، بحسب نورالدين، جعل العلاقة بينهما علاقة تنافر دائم أكثر منها علاقة تكامل. ويشير المؤلف إلى أن البلدين أنتجا عبر عقود الاستقلال “سلسلة لا متناهية من الصراعات والأزمات التي لا تهدأ إلا عندما يتغير النظام في أحدهما”.
هذه الفكرة، التي تتكرر في فصول الكتاب، هي مفتاح القراءة كله، فليست المشكلة حدوداً أو نزاعات عابرة، بل اختلاف في طبيعة الدولة نفسها. وربما تكون الفكرة الأكثر إثارة في الكتاب هي تصور نورالدين للبنان وسوريا كمرآتين متعاكستين. فلبنان يمثل نموذج الدولة المتعددة الطوائف ذات الاقتصاد الحر والانفتاح الثقافي. أما سوريا فتمثل نموذج الدولة المركزية التي حاولت توحيد المجتمع بالقوة الأيديولوجية والعسكرية.
لكن المفارقة أن كلا النموذجين واجه أزمة عميقة، فالدولة اللبنانية تفككت مراراً تحت ضغط الطائفية، بينما تحولت الدولة السورية إلى نظام سلطوي طويل الأمد. وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين البلدين أشبه بصراع بين نموذجين للدولة في المشرق، لا مجرد نزاع بين حكومتين.
الحدود المصطنعة والذاكرة المشتركة
يناقش نورالدين مسألة الحدود بين البلدين، وهي مسألة كثيراً ما قُدمت باعتبارها أصل المشكلة. لكنه يقلب هذه الفكرة رأساً على عقب. فمن وجهة نظره، ليست الحدود سبب الصراع بل نتيجة له. فالمشكلة أعمق بكثير، إنها تتعلق بالهوية السياسية والاجتماعية لكل دولة.
لبنان، في الخيال السوري، كان دائماً “الخطيئة التاريخية” التي فصلت جزءاً من بلاد الشام عن مركزها الطبيعي. وفي المقابل، عاش لبنان طويلاً تحت هاجس “الأخ الأكبر” السوري. هذه العلاقة النفسية المتوترة جعلت الحدود بين البلدين شيئاً متحركاً، قابلاً للإغلاق أو الاختراق تبعاً لمزاج الأنظمة السياسية. ويذكّر نورالدين بأن العلاقات بين البلدين لم تكن مستقرة إلا في فترات قصيرة، بينما كانت فترات التوتر هي القاعدة. بهذا المعنى، فإن الحدود لم تكن مجرد خط على الخريطة، بل تعبيراً عن أزمة هوية سياسية في المشرق كله.
قراءة في اللحظة الراهنة
الجزء الأكثر إثارة في الكتاب هو تحليله للتحولات الجديدة في سوريا بعد سقوط النظام الأسدي، وما يمكن أن تعنيه هذه التحولات بالنسبة للبنان. ويرى نورالدين أن هذه المرحلة الانتقالية قد تعيد رسم العلاقة بين البلدين بالكامل. لكنه في الوقت نفسه يحذر من التفاؤل السريع، لأن المشكلات البنيوية التي حكمت العلاقة طوال قرن لم تختفِ بعد. فلبنان وسوريا، كما يقول، قد يظلان “شقيقين لا ينفصلان أبداً، لكنهما أيضاً لن يتوحدا”.
هذه العبارة تلخص روح الكتاب كله: قرب جغرافي لا يمكن إنكاره، واستحالة سياسية في الوقت نفسه.
والفصل الأكثر إثارة للجدل في هذا الكتاب هو “الفيدراليتان في اتجاهين متعارضين”، حيث يحلل المؤلف كيف أدى سقوط “التجربة الأسدية” كما يسميها، إلى فراغ سلطوي لم تملأه مؤسسات الدولة، بل ميليشيات إسلامية وتنظيمات تسعى لنيل الشرعية الدولية عبر “تمويه” هويتها المتطرفة.
ولا يغيب حزب الله اللبناني عن مبضع نور الدين التحليلي، حيث يخصص فصلاً لمساءلة دور الحزب وتدخله العسكري في سوريا عام 2015. ويعتبر الكتاب أن هذا التدخل كان القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث حوّل “ربيع دمشق” إلى فرصة ضائعة لربيع بيروت، ومستدعياً تدخلات إقليمية (إيرانية-روسية) أخرجت الأزمة من سياقها المحلي إلى صراع دولي.
وفي العموم، يدعو الكتاب إلى مصالحة تاريخية لا تبنى على “الوحدة الاندماجية الشاملة” الواهمة، بل على “حلول واقعية تدريجية” تحفظ الخصوصيات والحدود، وتستفيد من ثورة الاتصالات التي جعلت من إغلاق المعابر فعلاً “بربرياً” يتجاوز الزمن. وفي المجمل فإن الكتاب يذكّرنا بحقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي أن الجغرافيا قد تجمع الشعوب، لكن السياسة هي التي تقرر إن كانت ستعيش معاً أم في مواجهة دائمة.
النقد والتفكيك.. إشكاليات الدولة الفاشلة
يبرز كتاب نور الدين كقطيعة معرفية مع الأدبيات القومية التقليدية التي دأبت على تصوير العلاقة بين لبنان وسوريا من منظور “الشعب الواحد في دولتين” أو “الامتداد الطبيعي”. ويمارس المؤلف هنا نقداً تفكيكياً لتلك السرديات، ويعتبرها أساطير أعاقت بناء الدولة الوطنية في كلا البلدين. فهو لا يرى في الجغرافيا قدراً حتمياً يفرض الاندماج، بل يراها “تخوماً” و”صدوعاً” ولدت نتيجة مسارات سياسية واجتماعية متباينة. ويضع الكتاب نفسه ضمن تيار “الواقعية السياسية الجديدة” في المشرق، التي تدعو إلى الاعتراف بالحدود ليس فقط كخطوط جغرافية، بل كفواصل حضارية وسياسية تعبر عن نضج الهويات الوطنية المستقلة بعيداً عن أوهام “بلاد الشام” الكبرى التي التهمتها الصراعات الطائفية.
ويتجاوز تحليل نور الدين الرصد الصحافي للأحداث، ليلامس عمق “الفلسفة السياسية” للفشل المشرقي، حيث يطرح فرضية جريئة حول تحول الأنظمة من أدوات للإدارة إلى أدوات للهدم، إذ يقارن بين “تفكك” الدولة اللبنانية و”إعادة تشكل” الدولة السورية على أسس قد تبدو بدائية أو دينية.
ينتمي هذا العمل إلى نوع من الأدبيات التي ازدهرت بعد “الربيع العربي”، وهي أدبيات “المراجعة المرة” أو “الاعتراف التاريخي”. ساطع نور الدين، يمارس في كتابه نوعاً من “النقد الذاتي” للمرحلة السابقة بكل أحلامها وخيباتها. والكتاب ليس مجرد تحليل لبلدين، بل هو مرثية فكرية لجيل آمن بالوحدة والمقاومة، ليجد نفسه أمام واقع “الفيدراليات المقنعة” والولاءات العابرة للحدود. وبذلك، يحجز الكتاب مكانه في المكتبة العربية كوثيقة شاهدة على “نهاية المشرق القديم” وبداية تشكل مشرق جديد غامض، محطماً في طريقه الأصنام الأيديولوجية التي حكمت الخطاب العربي لقرابة قرن من الزمان.
المدن



