التحولات السورية: السياسة، الأمن والتحالفات الإقليمية/ أحمد الجابر

سوريا بعد سقوط النظام: التحولات السياسية والتحالفات الداخلية والإقليمية
2026-03-16
تشهد سوريا منذ أواخر عام 2024 تحولات سياسية عميقة أعادت تشكيل المشهد الداخلي والإقليمي المرتبط بها. فقد أدى سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى إنهاء مرحلة استمرت أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تقودها إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي تولى رئاسة البلاد رسمياً في كانون الثاني/يناير 2025 ضمن حكومة انتقالية يفترض أن تقود البلاد خلال فترة انتقالية تمتد لعدة سنوات بهدف صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات مستقبلية.
ومنذ تشكيل الحكومة الانتقالية في آذار/مارس 2025، بدأت السلطات الجديدة محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد القوى العسكرية المختلفة التي نشأت خلال سنوات الحرب، إلى جانب إطلاق مبادرات للحوار الوطني وإعادة ترتيب النظام السياسي. كما أُنشئت مؤسسات وهيئات جديدة، من بينها هيئات للعدالة الانتقالية وصناديق لإعادة الإعمار والتنمية، في محاولة لمعالجة إرث الحرب الطويلة وإعادة إطلاق الاقتصاد وإعادة دمج مؤسسات الدولة.
ورغم هذه الخطوات، لا تزال المرحلة الانتقالية تواجه تحديات معقدة، أبرزها تعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية، واستمرار التوترات في بعض المناطق، إضافة إلى صعوبة تحقيق توافق سياسي واسع داخل البلاد. كما أن الحكومة الجديدة ما زالت تعمل على ترسيخ سيطرتها على كامل الأراضي السورية، في ظل بقاء جماعات مسلحة مختلفة ووجود حساسيات سياسية واجتماعية تراكمت خلال سنوات الصراع.
وتتزامن هذه التحولات الداخلية مع تغيرات إقليمية ودولية متسارعة، حيث أصبحت سوريا مجدداً جزءاً من توازنات الشرق الأوسط في مرحلة تشهد إعادة رسم للتحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول مستقبل الدولة السورية، وطبيعة العلاقة بين الفاعلين العسكريين والسياسيين داخلها، إضافة إلى مصير الشبكات السياسية والاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
تحوّل سياسي
يقول طارق عجيب، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية لـ”963+”: إنَّ سوريا اليوم تقف أمام مرحلةٍ مفصلية، وليست مجرد لحظة عابرة. ويضيف أنَّها مفصلية لأنَّ هذا هو الوقت الذي تنتقل فيه البلاد من الحالة التي عانت منها خلال سنوات الحرب إلى حالةٍ أخرى مختلفة. ويتابع قائلاً إننا اليوم ننتظر ما هي هذه الحالة الجديدة، وما هي نتائج هذا التحول الذي تمر به البلاد. ولهذا السبب يلفت إلى أنَّ مرحلة التحول غالباً ما تترافق مع استحقاقاتٍ عديدة يجب التعامل معها، كما أنَّ هناك مخاطر كثيرة قد تترصد الدولة السورية.
ويشير عجيب إلى أنه رغم تلك المخاطر، هناك خطوات يجري العمل عليها داخل سوريا، موضحاً أنَّ الإدارة السورية الجديدة تواجه صعوباتٍ كبيرة. ويعلّل ذلك بأنَّ الخطوات التي تسعى هذه الإدارة إلى تحقيقها تتطلب التخلص من الكثير من المشكلات والتعقيدات التي تراكمت خلال السنوات الماضية. ويرى أنَّ تلك الإشكاليات نتجت عن وجود شبكات متعددة، منها شبكات فصائل مسلحة، وشبكات أمنية، وأخرى مرتبطة بقوى خارجية أو حتى بمصالح داخلية.
ويعتقد أنَّ تفكيك هذه التحديات يحتاج إلى قرارات جريئة وإلى وقتٍ أيضاً. ويستطرد قائلاً إنَّ العالم كله يمر حالياً بمرحلة صعبة، كما أنَّ المشهد الإقليمي يتسم بدرجةٍ عالية من التعقيد، وليس المشهد السوري وحده. ويشير إلى أنَّ سوريا جزء رئيسي من هذا التعقيد الإقليمي، رغم أنَّ البعض قد يعتقد أنَّها بعيدة عنه أو أنَّ تأثيره محدود عليها.
ويؤكد أنَّ العكس هو الصحيح، فـسوريا تقع في قلب الإشكالية الصعبة التي تمر بها المنطقة، ولهذا السبب يزداد الضغط على الداخل السوري وعلى الإدارة السورية الجديدة. ويفسّر ذلك بالقول إنَّ السؤال المطروح اليوم هو: كيف ستتمكن هذه الإدارة من عبور هذه المرحلة المفصلية؟ وكيف ستنجح في إنجاز ما تسعى إليه على مستوى الداخل، من خلال التخلص من العوائق التي تمنع انتقال الدولة السورية من حالتها السابقة إلى حالة أفضل وأكثر استقراراً.
كما يرى أنَّ الهدف النهائي هو بناء مستقبل أفضل، وإقامة مؤسسات سليمة، وتأسيس مجتمعٍ قادر على ضمان الاستقرار والأمان لكل مكونات الشعب السوري. ويعتبر أنَّ التحديات الكبيرة في هذه المرحلة الصعبة، التي تمر بها المنطقة وسوريا في قلبها، تتطلب إرادة قوية وتعاوناً واسعاً من قبل الإدارة السورية الجديدة، من أجل الوصول إلى الأهداف التي تعمل عليها منذ سقوط النظام وحتى اليوم.
تحالفات إقليمية.. ما مستقبلها؟
وحول تأثير الحرب الحالية في الشرق الأوسط على التحالفات، يرى عجيب أنَّ هذه الحرب لن تؤثر بشكل كبير على التحالفات القائمة. ويضيف أنَّ تحالفات سوريا، وتحديداً الإدارة السورية الجديدة، باتت واضحة، إذ تتجه نحو التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية ومع المشروع الذي يجري الحديث عنه في الشرق الأوسط الجديد، والذي ينسجم مع المسار الذي تسعى إليه واشنطن في المنطقة.
ولهذا السبب، يعتقد أنَّ الحرب الحالية لن تغيّر الاصطفافات أو موقع سوريا ضمن التحالفات الإقليمية والدولية. ويشير إلى أنَّ الإدارة السورية الجديدة حسمت موقفها بالوقوف ضمن المعسكر الأميركي، الذي يتخذ موقعاً مناقضاً للمحور الإيراني. كما يوضح أنَّ هذه الإدارة أعلنت بشكل واضح وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة ما تسميه الخطر الإيراني في المنطقة وأذرعه المختلفة.
ويرى أنَّ الحرب قد تؤثر على سوريا بشكلٍ أو بآخر، لكنها لن تغيّر موقعها في التحالفات الدولية والإقليمية، لأنَّ هذا الموقع بات محسوم القرار.
وفي حديثه عن التحديات الداخلية، يعتقد عجيب أنَّ العقدة الأساسية في سوريا تكمن في العلاقة بين الفاعلين العسكريين والفاعلين السياسيين داخل البلاد. ويضيف أنَّ هناك شعوراً في الداخل السوري بوجود قدرٍ من التباعد أو عدم الانسجام بين الجناحين السياسي والعسكري.
ويشير إلى أنَّ الأمور لم تصل حتى الآن إلى الحد الأدنى من التوافق المطلوب، الذي يسمح بوجود استقرار داخلي حقيقي. ويفسّر ذلك بوجود اختلاف في الذهنيات والأجندات بين الجناح السياسي في إدارة الدولة، الذي يقوده الرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني وعدد من القيادات السياسية، وبين الجناح العسكري الذي يمتلك بدوره علاقات وارتباطات متعددة، كما يحمل أحياناً رؤى فكرية مختلفة عن رؤية الجناح السياسي.
ولهذا السبب يلفت إلى أنَّ الصراع على النفوذ لا يزال قائماً بدرجاتٍ مختلفة، كما أنَّ تحقيق الانسجام المطلوب بين الجناحين ما زال يواجه صعوبات. ويضيف أنَّ هذا التوافق ضروري لبناء مسارٍ سياسي واضح نحو الأمام، يضمن قيام مؤسسات دولة سورية منسجمة وقادرة على طمأنة الداخل والخارج معاً.
ويتابع قائلاً إنَّنا ما زلنا عملياً ضمن هذا الصراع، الذي يُفترض أن يتجه خلال المرحلة المقبلة نحو إيجاد نقاط التقاء بين الجناحين العسكري والسياسي، خصوصاً أنَّ لكل منهما جهات داعمة قد تختلف أحياناً في مصالحها. ويختم بالقول إنَّ مستوى التوافق المطلوب لم يتحقق حتى الآن بالحد الأدنى، فيما يتعلق برؤية كل جناح لمستقبل سوريا.
وفي ما يتعلق بملف الاقتصاد الحربي والشبكات المرتبطة به، يشير عجيب إلى أنَّ الاقتصاد الحربي في سوريا ليس بالضرورة اقتصاداً صناعياً عسكرياً، لكنه يعتمد على شبكات تدعم الفصائل المسلحة أو الحراك العسكري في المنطقة. ويرى أنَّ التحولات الإقليمية، وخصوصاً التحول في موقف سوريا بعد سقوط النظام، سيكون لها تأثير واضح في هذه الشبكات.
ويفسّر ذلك بأنَّ سوريا انتقلت من ضفةٍ سياسية إلى أخرى، وهو تحول كبير انعكس بالفعل على هذه الشبكات، رغم أنَّ عملية تفكيكها لم تنتهِ بالكامل بعد. ويشير إلى أنَّ هناك جهوداً مستمرة لمنع وصول السلاح أو الأموال أو الأفراد إلى الفصائل التي تصنفها الدولة السورية حالياً على أنها فصائل خارجة عن القانون أو ذات أجندات غير سورية.
ويعتقد أنَّ التحولات التي جرت في سوريا حققت بالفعل جزءاً من التأثير المطلوب على هذه الشبكات، لكنها ما زالت قادرة أيضاً على لعب دور إضافي في تفكيكها بشكل أوسع.
شبكات النفوذ
وفي حديثه عن النخب والشبكات التقليدية، يوضح عجيب أنَّ كل مرحلة انتقالية في أي دولة تشهد عادة إعادة تشكيل لمراكز النفوذ. ويضيف أنَّ من يتولى السلطة في مرحلة جديدة يسعى غالباً إلى إعادة بناء منظومته السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة.
ويرى أنَّ الإدارة السورية الجديدة تعمل على بسط نفوذها على مختلف الشبكات المالية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، وهو أمر طبيعي تقوم به معظم الدول عند انتقال السلطة. ويفسّر ذلك بأنَّ التحول في سوريا كان انتقالاً كبيراً من ضفة سياسية إلى أخرى، ما يعني أنَّ العملية لا تقتصر على تفكيك الشبكات السابقة، بل قد تصل إلى إعادة تشكيلها بالكامل أو استبدالها بشبكات جديدة.
ويضيف أنَّه بعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام، بدأ بالفعل خروج أو تراجع كثير من الشبكات التقليدية، وهو ما يفتح المجال أمام نخب جديدة لملء هذا الفراغ وتولي إدارة القطاعات المختلفة. ويؤكد أنَّ الهدف من ذلك هو تمكين الإدارة السورية الجديدة من السيطرة على مفاصل الدولة بشكل كامل، بما يسمح لها بقيادة البلاد وفق رؤيتها السياسية في المرحلة المقبلة.
أما عمار جلو، الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات والمقيم في ريف حلب، فيقول لـ”963+”: إنَّ سوريا تقف بالفعل أمام لحظة مفصلية، لكن ما يجري على الأرض لا يشير بالضرورة إلى تفكيك الشبكات السياسية والأمنية. ويضيف أنَّ العديد من الشخصيات المرتبطة سابقاً بالمكاتب السياسية للفصائل أو بالمكاتب المدنية التابعة لها بدأت اليوم بالتموضع داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
ويرى أنَّ ذلك أدى إلى نشوء مراكز قوى داخل الدولة تعتمد أحياناً على حسابات فصائلية أكثر مما تعتمد على معايير مؤسساتية، وهو أمر يعتبره خطيراً على مستقبل الدولة السورية. ويفسّر جلو هذه الظاهرة بأنها تقوم في كثير من الأحيان على مبدأ الولاء بدلاً من الكفاءة، حيث يتم استقطاب الأقارب أو الموالين لشغل الفراغات داخل المؤسسات الحكومية.
ويحذر من أنَّ هذا المسار قد يؤدي مستقبلاً إلى أزمات في أداء مؤسسات الدولة، نتيجة تعيين أشخاص على أساس الولاء لا على أساس الكفاءة والمعايير المهنية. ويشير إلى أنَّه لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على تفكيك هذه الشبكات، بل إنَّ كثيراً من التعيينات الحالية قد تعكس استمراراً للحالة السابقة بصيغة مختلفة.
وفي ما يتعلق بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، يرى جلو أنَّ سوريا قد تتحول إلى ساحة مهمة في حال توسع الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ويفسّر ذلك بموقع سوريا الجغرافي، إذ تشكل نقطة وصل بين العراق ولبنان، حيث توجد فصائل مسلحة موالية لإيران.
كما يشير إلى أنَّ الأراضي السورية قد تُستخدم كممر لخطوط الإمداد العسكري أو كنقطة تموضع قريبة من الحدود مع إسرائيل. ويضيف أنَّ هشاشة الاستقرار داخل سوريا حالياً قد تجعلها أكثر عرضة للتأثر بتطورات الصراع الإقليمي.
ويرى أنَّ المشهد الإقليمي لم يشهد حتى الآن تشكل تحالفات واضحة بشكل كامل، رغم وجود مؤشرات على تقارب بعض دول الخليج مع الولايات المتحدة في مواجهة إيران. كما يلفت إلى أنَّ كثيراً من الدول لا تزال مترددة في تحديد موقفها النهائي، خصوصاً في ظل عدم وضوح الاستراتيجية الأميركية بشكل كامل.
ويتابع جلو قائلاً إنَّ ما يجري داخل سوريا حالياً هو في جانب منه إعادة توزيع للنفوذ بين الفاعلين السياسيين والعسكريين. ويضيف أنَّ كل طرف يسعى إلى تعزيز حضوره في مفاصل معينة من السلطة، سواء في الوزارات أو المؤسسات المختلفة.
ويشير إلى أنَّ هذا الأمر يعكس توازناً جديداً للقوى داخل الدولة السورية، حيث يتموضع كل تيار في مواقع محددة لتعزيز نفوذه. كما يرى أنَّ الاقتصاد الحربي تراجع نسبياً مع تراجع حدة الصراع العسكري في سوريا، لكنه لم يختفِ تماماً، خاصة في ظل غياب مؤشرات قوية على إعادة الإعمار أو انطلاق عملية تنموية واسعة.
ويعتقد أنَّ توسع الصراع الإقليمي قد يؤدي إلى عودة بعض مظاهر الاقتصاد الحربي، بينما قد يؤدي انتهاء الصراعات وعودة الاستثمارات الخليجية إلى تقليصه بشكل كبير.
وفي ختام حديثه، يشير جلو إلى أنَّه لا يرى حتى الآن ظهور نخب سياسية جديدة بشكل حقيقي في سوريا. ويفسّر ذلك بغياب الحياة السياسية المنظمة، وعدم وجود قانون للأحزاب أو فضاء سياسي مفتوح يسمح بظهور قوى سياسية جديدة. ويرى أنَّ استمرار إغلاق المجال السياسي يحدّ من إمكانية بروز نخب جديدة أو جيل سياسي ثانٍ قادر على المشاركة في بناء الدولة السورية في المستقبل.
+963



