الثورة السورية… من إسقاط نظام الأسد لتحدي بناء الدولة/ عبسي سميسم

18 مارس 2026
يحيي السوريون اليوم الأربعاء الذكرى الـ15 لانطلاق الثورة السورية وهي الذكرى الثانية التي يحييها السوريون بعد تحقيق الثورة هدفها الأساسي وهو إسقاط نظام بشار الأسد (في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024)، لتدخل البلاد بعدها في مرحلة بناء الدولة ضمن مرحلة انتقالية معقّدة ووسط تحديات كبيرة على عدة مستويات للوصول إلى تحقيق الأهداف الفعلية للثورة بإقامة دولة مواطنة يحكمها القانون. ويختلف السوريون حول التاريخ الحقيقي لانطلاق الثورة، إذ يعد قسم منهم أن انطلاقتها بدأت من دمشق من التظاهرة التي خرجت في حي الحريقة بدمشق يوم 15 مارس/آذار 2011، فيما يعتبر القسم الآخر أن بدايتها الفعلية كانت في 18 مارس من العام نفسه من خلال تظاهرة في مدينة درعا.
وكانت مطالب الثورة السورية بداية تركز على شعار الحرية وعلى إجراء إصلاحات سياسية ضمن النظام نفسه، إلا أنها سرعان ما تحوّلت إلى مطالب بإسقاط النظام كاملاً بعد أن واجه نظام الأسد التظاهرات بالرصاص الحي، وتوسعت رقعة التظاهرات لتشمل معظم الجغرافيا السورية، وتحوّلت الثورة السورية إلى العمل المسلح الذي بدأ به ضباط منشقون عن جيش النظام، بهدف حماية المتظاهرين، ولكن إدخال النظام الجيش بأسلحته الثقيلة لمواجهة المناطق الثائرة واقتحامها بالدبابات وارتكابه مجازر مروعة بحق السوريين واستعانته بمليشيات غير سورية لقمع المتظاهرين، حوّل الثورة السورية إلى ثورة مسلحة تحكمت بتمويل فصائلها العديد من الدول. كما أصبحت سورية ساحة للمقاتلين الأجانب من كل الأطراف، إلى أن تم تحقيق الهدف الأساسي للثورة السورية بإسقاط النظام في 8 ديسمبر 2024 على يد هيئة تحرير الشام التي كانت تبنت أهداف الثورة السورية، بعد أن كانت فصيلاً جهادياً، لتدخل الثورة السورية في تحدي بناء دولة المواطنة في ظل وجود كوادر من السلطة الجديدة بخلفيات جهادية لا تؤمن بكل الأهداف التي خرجت من أجلها الثورة السورية.
مسار طويل لبناء الدولة
ويرى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة نوار شعبان أن تحليل المرحلة الانتقالية في سورية يحتاج إلى الكثير من الواقعية والهدوء بالحكم، موضحاً في حديث لـ”العربي الجديد” أن التوقعات لا تقاس خلال سنة أو سنتين أو ثلاث بل من خلال مسار طويل من إعادة بناء الدولة من مختلف تفاصيلها. ويضيف: من الممكن أن نقول إن ما حدث منذ سقوط نظام بشار الأسد يمثل لحظة تاريخية من الهدف الأول الذي خرجت الثورة من أجله في 2011 وهو إنهاء نظام الحكم الذي استمر أكثر من خمسين عاماً، وهذا بحد ذاته تحوّل عميق في تاريخ سورية. لكنه يستدرك: بعد انتهاء الفرح وانتهاء مرحلة سقوط النظام بكل تفاصيلها يأتي السؤال المهم جداً، ماذا بعد سقوط النظام، لنرى طبيعة المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها بعد تشكل الحكومة الانتقالية وبناء مؤسسات دولة. ويلفت إلى أن كل هذه المحاولات تمت بالتزامن مع خروج البلاد من نزاع مسلح طويل ومعقد دمر المؤسسات اقتصادياً وأنتج واقعاً أمنياً معقداً جداً.
ويقول شعبان إن الواقع الأمني اختلف عما كان عليه في زمن النظام السابق، فالدولة كانت قائمة على القبضة الأمنية الشاملة، ورغم ذلك لم يكن هناك استقرار، وما يحدث اليوم هو إعادة تشكيل القطاع الأمني ومحاولة دمج الفاعلين المسلحين سواء في وزارة الدفاع أو الداخلية، ومع ذلك لا تزال بعض المناطق متشتتة ومتفرقة وهذا يعكس أن بناء منظومة أمنية جديدة يحتاج وقتاً أطول من مجرد تغير سياسي في رأس الحكم. ويضيف أن الموضوع معقد جداً من الناحية الأمنية، فهناك تحسن ولكن ما زلنا في الخطوات الأولى.
وعلى مستوى العدالة الانتقالية، يقول شعبان إن المشهد أكثر تعقيداً، فالخطوات الأولى كانت جدية من الحكومة مثل إنشاء مؤسسات تعني بالعدالة الانتقالية وملف المفقودين ومحاولة معالجة الانتهاكات الواسعة خلال العقود الماضية، لكن هذه الخطوات لا تزال في بدايتها، بل حتى يمكننا القول لم تبدأ بعد في بعض الزوايا المفصلية، لأن هذه الملفات مرتبطة بالنزاع السابق من معتقلين ومفقودين وانتهاكات وجرائم حرب هائلة وضخمة جداً. ويضيف أن هذه التعقيدات موجودة وواقعية ولكن من الضروري أن تكون هناك شفافية في الطرح توضح أن هناك تعقيدات وأن الملف شائك.
وعلى مستوى تشكيل مؤسسات الدولة، يرى شعبان أنه عندما يتم تشكيل مؤسسات من غير توضيح حيثيات عمل هذه المؤسسات وكيفية طريقة عملها، فإن المجتمع المحلي سوف يعتقد أن هذه المؤسسات سوف تعطيه نتيجة، ولكنها في الحقيقة لن تعطيه نتيجة لأنه يوجد تعقيدات، لذلك يرى الكثير من السوريين أن العدالة الانتقالية تسير ببطء مقارنة بحجم التضحيات التي قدمت خلال سنوات الثورة، وهذا أمر مفهوم ولكن هناك إشكاليات يجب أن تكون الدولة واضحة بشأنها، وتحل المشكلة من خلال توضيح حجمها الحقيقي.
ملفات ما بعد الثورة السورية
من جهته، يقول المحامي والسياسي السوري محمد صبرا، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن السلطة حققت خلال العام الماضي تقدماً في بعض الملفات على حساب ملفات أخرى، موضحاً أن المرحلة الانتقالية تضم أربعة ملفات رئيسية، أولها ملف الأمن والاستقرار والسلم الأهلي، ويتضمن هذا الملف بسط سلطة الدولة على التراب الوطني وحل المليشيات وجمع السلاح وإطلاق ملف العدالة الانتقالية والمحاسبة. ويرى أن السلطة حققت نجاحاً جزئياً في هذا الملف، وكان ذلك في بسط سيطرة الدولة على التراب الوطني، بينما ما تزال قضية تثبيت أركان السلم الأهلي والتي تستند على العدالة الانتقالية، غائبة عن اهتمام السلطة.
أما الملف الثاني، بحسب صبرا، فهو إعادة بناء النظام السياسي السوري، والذي يتضمن الصكوك القانونية التي يجب إصدارها خلال هذه المرحلة والإطار الدستوري الناظم لها وتهيئة البيئة القانونية اللازمة لبناء نظام سياسي ديمقراطي وتداولي في المرحلة النهائية وإعادة هيكلة الإدارات العامة للدولة وفق أسس الإدارة الرشيدة. ويعرب صبرا عن اعتقاده أن السلطة أخفقت إخفاقاً كبيراً في هذا الملف، فالإعلان الدستوري كان قاصراً وفيه ثغرات كبيرة أدت إلى فراغ تشريعي وتضارب صلاحيات كبير، فضلا عن أن هناك تخبطاً في بناء أجهزة الإدارة وتداخلاً كبيراً بين هذه الأجهزة.
وفي ما يخص ملف إعادة الإعمار وإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية، فيرى صبرا أن السلطة أخفقت فيه بسبب غياب رؤية واضحة حول النظام الاقتصادي، موضحاً أن هناك تخبطاً كبيراً في هذا الملف، خصوصاً مع وجود قرارات تمس بنية الاقتصاد وتخلق شبكات مصالح جديدة تتمحور حول السلطة، لافتاً إلى أن هذه الشبكات ستفرز طبقة اقتصادية مسيطرة جديدة وهو أمر خطير في هذه المرحلة لأنه سيعيق بناء المرحلة النهائية بشكل سليم، خصوصاً أن السلطة لا يوجد لديها خطة عملياتية لعملية إعادة الإعمار.
أما الملف الرابع وهو ملف إدارة العلاقات الخارجية، فيرى صبرا أن السلطة نجحت فيه من حيث الإطار العام أي من حيث نسج علاقات متعددة مع دول الإقليم والعالم وتجنب الاستقطابات الحادة وهذا نجاح مهم، لكنه يعتبر أنها أخفقت في بناء الجهاز التنفيذي اللازم لذلك من سفراء ومسؤولي إدارة العلاقات الخارجية، وهذا الإخفاق غير مبرر ولا يمكن فهم أسبابه حتى اللحظة.
من جهته، يرى الباحث في مركز جسور وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن موضوع التفاعل مع ذكرى الثورة هو موضوع أصيل وراسخ في ذاكرة الشعب السوري وفي ضميره، مشيراً إلى أن الحكومة السورية تفاعلت معه منذ البداية بإعلانه مناسبة وطنية وعطلة رسمية، ومن خلال الاهتمام بهذه الذكرى بالفعاليات والأنشطة. ويرى علوان أن الحكومة السورية اليوم رغم الضغوط الكثيرة عليها والتحديات الكبيرة التي تواجهها، إلا أنها تراعي الجانب المعنوي وأهميته، وهذا شيء صحيح، ففي عملية البناء لا بد من مراعاة الجانب المعنوي، لأن البناء ليس مجرد إجراءات بدون روح وقيم معنوية، بل إن جميع الإجراءات تفقد قيمتها إذا كانت مجرد إجراءات لا قيمة معنوية ولا روح وطنية لها. ويضيف أن هذا الاهتمام هو ضمن الاتجاه الصحيح الذي تخطو به الحكومة السورية خطواتها نحو بناء سورية الجديدة، فالشيء المعنوي يعوض النقص المادي سواء في الموارد اللوجستية أو المالية أو حتى نقص الموارد البشرية.
العربي الجديد



