التدخل الاسرائيلي السافر في سورياتحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع
الجنوب السوري كساحة مفتوحة للحرب الحدود السورية الجنوبية على وقع الحرب الإقليمية/ زينة شهلا

- 13-03-2026
-
- قبل أيام، وبينما كان حومد الرجب يعمل في أرض زراعية بمنطقة جلين جنوب غرب درعا، قبيل الغروب بقليل، سمع صوتاً قوياً يعلو فوق رأسه، وبعد لحظات أدرك أنها طائرة مسيرة، سقطت قربه. حادثة كهذه لم تَعد غريبة عن معظم بلدات الجنوب السوري في الآونة الأخيرة، مع تصاعد وتيرة الحرب الإقليمية بين إسرائيل وإيران.
أراضي جلين في ريف درعا الغربي حيث سقطت إحدى المسيرات«كان أطفالي بجانبي، والجميع في المنطقة استنفر، لأننا خفنا أن تكون فيها بقايا مواد متفجّرة. أبلغنا عناصر الأمن القريبين، فقدِموا على الفور وأزالوا بقاياها من الأرض»، يقول الرجل النازح مع عائلته منذ سنوات من ريف حلب، ويُضيف بشيء من التهكُّم أنه أكمل يومه كالمعتاد، فالسكان، وفق رأيه ألِفُوا منذ سنوات كل ما يتصل بالقصف والأسلحة.«نشعر بأننا صرنا في ساحة حرب، ومتضرّرون من كل الأطراف. نعاني منذ 14 سنة، واليوم جاءت هذه الحرب لتُضيف مأساة جديدة فوق مآسينا»، يُضيف بأسى، مشيراً إلى أن أي تصعيد أكبر لن يدفعهم إلى النزوح مجدداً: «إلى أين سنذهب؟ من سيستقبلنا؟ سنبقى هنا فلا مكان آخر نلجأ إليه».
المزارع حومد رجبهذا الإحساس بالخطر والاستنفار، رغم محاولات السكان في محافظات الجنوب السوري التعامل معه بروح النكتة واللامبالاة، حاضر بقوّة. فأصوات الطائرات الحربية الإسرائيلية لا تهدأ على مدار الساعة، ولا سيما ليلاً، وينشغل الناس بمراقبتها كلما مرّت فوق رؤوسهم: سرب واحد.. سربان.. طائرة كبيرة للتزوّد بالوقود تحيط بها أربع طائرات، بل خمس.. مثل هذه الأحاديث يُمكن سماعها بسهولة في الشوارع والأسواق المُكتظة، مع اقتراب نهاية شهر رمضان. أمّا أخبار إسقاط الطائرات المسيّرة الإيرانية واعتراضها بالصواريخ الإسرائيلية، وأماكن سقوطها بين الحقول والأراضي والمنازل، فقد أصبحت خبز الناس اليومي منذ بداية الحرب.«درع لحماية دولة الاحتلال»لدى كثيرين ممن قابلتهم في الجنوب السوري خلال الأيام الفائتة، يقين عام بأن الاحتلال الإسرائيلي يتّخذ من منطقتهم ما يُشبه الدرع لحماية أراضيه، إذ تتعمد قواته إسقاط المسيرات والصواريخ الإيرانية في الأراضي السورية لإبعاد الأذى عن سكان إسرائيل، غير آبهة بما قد تحصده من أرواح، أو تخلفه من أضرار. ومن بلدات إنخل والعجمي والشجرة ونوى وجاسم والطيبة في ريف درعا، إلى مدينة السلام والحيران في القنيطرة، وعرى في ريف السويداء، أصابت شظايا الحرب أراضيَ زراعية ومنازل ومحلات تجارية وخياماً لمهجرين. ودفع ذلك مديريات التربية في المحافظات الثلاث إلى تعليق الدوام المدرسي حفاظاً على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية، في ظل مخاوف من تصعيدٍ أكبر يحوّل سوريا إلى ساحةٍ إضافيةٍ للحرب.
صورة المسيرة مع أحد عناصر القوى الأمنية
أراضي قرية العجمي حيث سقطت إحدى المسيرات في قرية العجمي حيث أسقطت الدفاعات الجوية الإسرائيلية مسيّرةً إيرانية الخميس الفائت، التقينا عدداً من السكان. كانت السيدة ريّا (50 عاماً) تغتنِم ساعات الشمس في الظهيرة لتتمشى مع حفيدتها في الأراضي الزراعية. تقول إن الأحداث الأخيرة دفعتهم لمنع الأطفال من اللعب خارجاً، وحتى مشاوير الكبار باتت تقتصر على الأمور الضرورية.وبجانب منزل المزارع (أبو نورس)، اجتمع أطفال وهم يلعبون ويتحدثون عن سقوط المسيّرات، ويتفاخرون من منهم كان أقل ذعراً منها ومن أصوات الطيران. يقول الرجل بأن أكثر ما يخيفهم هو سقوط الشظايا العشوائي، دون أن يدروا مصدرها، وبالتالي يشعرون بأن الحياة «على كف عفريت».ومن جلّين إلى سحم الجولان وعابدين وصولاً إلى معرية وكويا، تتقاطع هواجس الناس من هذه التصعيدات وتأثيرها على حياتهم اليومية، مع مخاوف مستمرة منذ أكثر من عام من التوغلات الإسرائيلية في أراضيهم. يتحدث محمد سعيد الحسن وهو من سكان قرية عابدين وصاحب بقالية صغيرة فيها: «عم يصير ضرب كل الوقت. طبّت قذيفة عند البلدية»، ويُشير هو وعدد من السكان إلى السماء حيث تعبرُّ الطائرات فوق رؤوسهم يومياً، مشتكين من أصواتها التي تُثير الذعر: «المدارس سكّرت، الناس خايفة من الحرب، وغير هيك الاحتلال كل فترة بيدخل على القرية وبيتجوّل، خاصة بالليل، ما في شي ممنوع عليهم».
قرية عابدين في ريف درعا
قرية معرية في ريف درعا مع الاقتراب أكثر من الخط الحدودي مع هضبة الجولان المحتلة، تختلط أصوات الطيران الحربي بصفارات الإنذار التي تُطلَق من شمال إسرائيل مع اقتراب صواريخ من إيران أو لبنان، لتخترق هدوء المنطقة التي يكثر فيها المزارعون ورعاة الأغنام. في وادي كويا إلى أقصى الغرب، لا تُغري الطبيعة الساحرة بين الجبال والوديان والأنهار كثيراً من الزوار في هذه الأيام. فالطقس ما يزال بارداً، وأخبار الحرب لا توحي بكثير من الطمأنينة.لا يبدو الحال أكثر أماناً في محافظة القنيطرة. فمن مدينة السلام حيث سقطت أيضاً طائرة إيرانية مسيّرة قبل أيام، تتحدث شيرين، وهي سيدة أربعينية تمتلك محلاً لبيع الملابس، عن الخوف المستمر من الاحتلال وممارساته: «نعيش منذ أكثر من عام تحت وطأة الخوف، لكنه في الأيام الأخيرة مضاعف، فصوت الطيران الحربي أعلى، وسمعنا صوتاً قوياً عندما سقطت الطائرة المسيّرة. نحن هنا ساحة حرب جانبية، يستخدمونها كي يحموا أنفسهم، وليست لديهم مشكلة على الإطلاق بأن نتلقى نحن كل الأذى».
مدينة السلاموفي قرية كودنة إلى الجنوب قليلاً، والتي يُعاني سكانها من التوغّلِ المتكرر لدوريات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تُنفّذ حملات اعتقال وتفتيش، وتبدو التخوفات وحتى حالة الغضب واضحة للعيان، في حين يلفّ هدوء رهيب شوارع القرية وأزقتها لا يخترقه سوى جلبة الطيران والصواريخ. تقول أم جمانة وهي سيدة خمسينية: «عم نسمع أصوات أكتر، وعموماً عايشين بخوف مستمر من وقت سقوط نظام الأسد. كل يوم ننام ونصحى ونقول الله يجيرنا، وما عم نسترجي نطلع. افرضي أنتِ وماشية بالطريق ينزل صاروخ؟ الناس هون مسالمين وطيبين وما بدهم تصعيد، وحاسين ما حدا سائل عننا وأننا عايشين منسيين من قلة الموت».
قرية كودنة ريف القنيطرة
قرية كودنة ريف القنيطرة
قرية كودنة ريف القنيطرة أصبح التنقّل بين قرى ريف القنيطرة، وهو محفوف بالمخاطر أصلاً في الأشهر الأخيرة، أكثر صعوبة وفق شهادات عدد من السكان، إذ يضطرون إلى اتخاذ طرقٍ أطول لتجنّب بعض المناطق ذات الاحتمالية العالية لوجود دوريات إسرائيلية، ويقول السكان إن هذه الدوريات باتت أكثر حضوراً وكثافة مع التصعيد الإقليمي، «ربما تخوفاً من وجود خلايا أو عناصر تابعين لحزب الله» على حد توقعاتهم. محاولات لإيقاع حياة طبيعيهذه الهواجس والتخوفات اليومية، والتي باتت ملازمةً لحياة ملايين السكان، لا تمنع محاولاتهم وإصرارهم على أن يحظوا بإيقاع حياة طبيعي قدر الإمكان، خاصةً وأن هذه الحرب تزامنت مع شهر رمضان المبارك.في مدينة درعا، يستيقظ الأهالي وينامون على أصوات الطائرات الحربية، وينشغلون يومياً بإحصاء الصواريخ التي يسمعونها من بعيد، محاولين تمييز مصدرها ووجهتها، ولا يكفّون عن مقارنتها بما شهدته المحافظة من قصف عنيف خلال سنوات الحرب على يد قوات النظام السوري وحلفائه، فما يحدث الآن حسب رأيهم هو «لعبة» مقارنة بآلة الحرب التي حصدت أرواحهم ودمّرت ممتلكاتهم.وبعد الإفطار تزدحم أسواق المدينة بالمارة والمشترين خاصة مع اقتراب عيد الفطر، ويستمر الازدحام واضحاً حتى ما بعد منتصف الليل.برأي محمد محاميد، وهو صاحب أحد المحلات في سوق السبيل، فإن حركة البيع والشراء جيدة عموماً، وما يُعيقها، أكثر من الحرب الحالية، هو تردي الوضع الاقتصادي لمعظم الناس، يقول: «كل شي عم نسمعه هلأ ولا شي قدام اللي شفناه خلال 15 سنة. شو بده يصير أكثر؟». ويوافقه الرأي حكم الأسود الذي يُدير محمصة في السوق نفسه، فالحرب وإن شغلت بال الناس وغيرت شيئاً من روتين حياتهم اليومي، لكنها اليوم ليست الهاجس الأكبر لمعظمهم، بل تراجع القدرة الشرائية: «اليوم حركة السوق خفيفة رغم أنك ترين كثيرين يتجولون في الشوارع، لكنهم لا يشترون كالمعتاد، والسبب ليس الحرب وإنما انقطاع السيولة المتوفرة لديهم».يأمل الأهالي أن تنتهي هذه المرحلة في أسرع وقت، وألا تنزلق نحو تصعيد أكبر. ويتفق الجميع على أن سوريا غير قادرة اليوم على دفع كُلفة نزاع جديد، في وقت بدأت فيه بعض آثار ما يجري تنعكس على حياتهم، فقد ارتفعت أسعار معظم المواد الغذائية، وانخفضت ساعات تغذية التيار الكهربائي، وازداد الضغط على محطات الوقود، كما عُلِّقت المدارس حتى موعد غير معروف. «نريد الأمان أولاً وأخيراً. إن توفر الأمان، فكل شيء آخر يهون».
وادي كويا - موقع الجمهورية
- قبل أيام، وبينما كان حومد الرجب يعمل في أرض زراعية بمنطقة جلين جنوب غرب درعا، قبيل الغروب بقليل، سمع صوتاً قوياً يعلو فوق رأسه، وبعد لحظات أدرك أنها طائرة مسيرة، سقطت قربه. حادثة كهذه لم تَعد غريبة عن معظم بلدات الجنوب السوري في الآونة الأخيرة، مع تصاعد وتيرة الحرب الإقليمية بين إسرائيل وإيران.



