تاريخ

الخروج الأخير «لغز» اختفاء نساء وأطفال من مدينة الحصن في ريف حمص بعد حصار مُميت/ ياسمين نايف مرعي

  • 19-03-2026

    • «أحفظُ جيداً ملابس أطفالي وزوجتي… سأعرف رفاتهم من ثيابهم»، كلمات تفيض بأسى لم تَمحُهُ الأيام، قالها عمّار قاضي أثناء عبورنا طريق الرويس، الذي قطعه عددٌ من أهالي قلعة الحصن في ريف حمص الغربي في آذار (مارس) 2014، باتجاه حاجز أمني أُقيم بجانب دير مار جرجس في بلدة المشتاية، قبل أن يختفوا إلى الأبد. لا يستبعد عمّار فكرة أن يجد زوجته الحامل وأطفالهما في مقبرة جماعية، تضمُّ رفاتهم مع مَن خرجوا معهم من سكان المدينة قبل 12 عاماً، ولم يُعثَر لهم على أثر حتى الآن.الحصار تقع مدينة قلعة الحصن في ريف حمص الغربي، قرب الحدود اللبنانية، على تلة مرتفعة تُشرف على الطرق الحيوية بين الساحل السوري والداخل، إلى جوار قلعة الحصن الأثرية التاريخية. أواخر العام 2011، بدأت الحصن بالتظاهر علناً ضد نظام بشار الأسد. وخلال الأشهر التالية تطورت الاحتجاجات إلى مواجهات بين المعارضة المسلحة في المنطقة وقوات نظام الأسد. تعرّضت الحصن لاحقاً للحصار نحو عامين؛ ما تسبَّبَ بموجات نزوح لجزء من الأهالي إلى مناطق أخرى داخل سوريا وخارجها. بمرور الوقت، تعددت الحواجز الأمنية المحيطة بالمدينة، ثم انتهى الحال بسيطرة قوات الأسد عليها في آذار (مارس) 2014. عاش من بقي من سكان المدينة أثناء الحصار أزمة غذاء شديدة أجبرتهم على تناول ثمار الأشجار المزروعة، الأعشاب البرية والحشائش وحتى أوراق الشجر، وفق رواية عدد من الأهالي. يقول عمّار قاضي (مواليد 1986، كان عامل بناء في لبنان عند اندلاع الثورة) إنه أكل أوراق التوت بعد أن نفدَ الطعام: «آخر المراحل ما عاد عنا شي ناكله غير الحشائش». يتحدث عمّار عن طفلته سوسن خلال الحصار: «كان العذاب الأكبر إلي إنّو طفلة عمرها سنتين بتبكي من الجوع وما في بإيدي شي.. كنت روح لأجمع الحشائش زحف حتى ما أتعرض للقنص». ويؤكّدُ عمار تَعرُّضَ مجموعة من الأشخاص لإطلاق النار أثناء جمعهم للحشائش.يستحضر فؤاد قندقجي (عامل بناء من مواليد 1969) تلك الفترة، على هاتفه المحمول يحتفظ بعدة صور لزوجته وأولادهما؛ نورا (مواليد 6 شباط 2001) وعدنان (مواليد 6 نيسان 2003) ومنصور (مواليد 21 حزيران 2005) وسلمى (مواليد 13 نيسان 2007) وعلي (مواليد 8 شباط 2009). لم يكن يعلم حين التقط تلك الصور أنها ستكون آخر ما تبقى له من أثرهم. من بين هذه الصور، يحدق فؤاد إلى واحدة تجمع أربعة من أولاده ملتفين حول مائدة الطعام، وأمام كل منهم طبق «مهلبية» صنعتها الأم بعد أن تمكنوا من الحصول على سكر. قيلَ لهم حينها إن السكر مسموم، لكنهم بسبب الجوع لم يجدوا بُدّاً من تناول تلك الحلوى، حتى لو كانت آخر ما يأكلونه. لحسن الحظ، كان العَرَضُ الوحيد الذي عانت منه الأسرة بعد تلك الوجبة هو خدرٌ خفيفٌ في الفم.صورة لأربعة من أطفال فؤاد قندقجي المختفين، تظهر الأطفال جالسين حول مائدة «المهلبية» التي أعدتها الأم أثناء الحصار. (شاركها الأب فؤاد مع مُعدّة التحقيق)ورغم الحصار وقلّة الإمكانات، كانت زوجته أسماء بيطار تجتهد في إعداد وجبات الطعام بما يتوفر لها من مواد. طبخت، ذات مرة، شقائق النعمان التي تنمو في الربيع وقدمتها لأطفالها كطبق سبانخ. كما قامت وزوجها بتبخير الماء المُملحَّ الذي يُغمَر به الزيتون لاستخراج الملح، مثلما فعل آخرون.صمد الرجلان مع عائلتيهما حتى حانت لحظة لم يعودا قادرينِ فيها على تأمين أي غذاء لهم. توجَّبَ عليهما حينها اتخاذ قرار بإخراج عائلاتهما من الحصار. كانت قوات النظام قد فتحت باب ما عُرِفَ حينها بالتسوية للسكان المحاصرين الراغبين في الخروج. يوضح المحامي أنور البني أن التسوية شكّلت إجراءات اتخذها نظام بشار الأسد ضد المناطق الثائرة عليه، وكانت بمثابة عرض استسلام كامل مع وعد بعدم الاعتقال المباشر. وبعد دخول النظام هذه المناطق، كان يستهدف الأهالي بالملاحقة والاعتقال، ويدفعهم للخروج منها، وفقاً للبني.الخروجفي الأيام الأخيرة للحصار، وقبل سيطرة نظام بشار الأسد على مدينة الحصن، خرج من تبقى من الأهالي صوب الحواجز الأمنية المحيطة. ظنَّ عمار وفؤاد أنهما ينقذان عائلتيهما من عواقب حصار قد يستمر لفترة أطول. يقول فؤاد: «ما في خبز ولا برغل، ما في شي… حتى وزني صار 40 كيلو من نقص الأكل».مساء 18 آذار 2014، أي قبل يومين من سيطرة قوات نظام بشار الأسد على المدينة، خرجت زوجة عمّار القاضي، ديالا شرفو (مواليد 1992)، من المدينة مع صغيريهما؛ معمّر ذي الشهور العشرة (مواليد 20 أيار 2013)، وسوسن (مواليد 3 حزيران 2011)، وطفلهما الثالث الذي تحمله في أحشائها. كان معها أيضاً والدتها آسيا دعبول (مواليد 1960) ووالدها خالد شرفو (مواليد 1958). جرى اتصال هاتفي بين عمّار ووالد زوجته، وأكَّدَ أنهم  كانوا في فندق  الخضر المقابل لحاجز الرويس، حيث تم احتجازهم.صورة تجمع طفلي عمار القاضي مع جديهما آسيا دعبول وخالد شرفو (شاركها الأب عمار مع معدة التحقيق)كذلك فعلت أسماء زوجة فؤاد قندقجي وأولادها، رِفقة أختها نعمة وعدد من النسوة. عبرت من حارة السرايا باتجاه طريق الرويس، وبقي فؤاد على تواصل مع زوجته حتى 19 آذار قبل اختفائها مع أطفالها.لا يبدو أن الطريق، التي تكشفُ عن جمال المنطقة وما فيها من نباتات برية وخُضرة، تؤدي إلى مصير مجهول. لكن في نهاية الطريق، أُقيمَ حاجز أمني كانت تُسيطر عليه ما تُعرف بكتيبة «أسود الوادي»، وهي ميليشيا محلية تابعة لقوات «الدفاع الوطني»، وفق عمّار القاضي. عند الحاجز، تعرَّفَ عناصر المليشيا إلى النساء والأطفال ممّن تربطهم قُربى بمطلوبين للنظام، وفق شهادات بعض من قابلناهم.https://www.youtube.com/embed/8anybmlIuVU?feature=oembed فيديو يظهر طريق الرويس الممتد بين مدينة الحصن حتى بلدة المشتاية والذي عبره المدنيون الذين خرجوا من الحصار سيراً على الأقدام (تصوير عمار الزير)تَوزَّعَ الأهالي الخارجون من الحصار بين من أُخِذوا في باصات إلى تلكلخ وغيرها من المناطق في سوريا، فيما احتُجز العشرات في فندق الخضر، معظمهم من النساء والأطفال، وطُلِبَ إلى النساء الاتصال بأزواجهنَّ وإقناعهم بالخروج من المدينة، من بينهنَّ كانت أسماء وديالا.خلال توافد أهالي قلعة الحصن، تواجدَ على الحاجز أيضاً عناصر من الجيش النظامي. كما تواجدت في المكان الشرطة المدنية والأمن السياسي، وكذلك طاقم من الهلال الأحمر- فرع حمص، كما يُوضح ناجي مسوح (اسم مستعار)، الذي كان يعمل في فندق الخضر آنذاك. قادَ كتيبةَ «أسود الوادي» بشر اليازجي، الذي عملَ سابقاً في القطاع السياحي. يقول بشر في مقابلة أجرتها معه مراسلة في قناة «أو تي في» اللبنانية، إنه لا فرق بين مدني ومُسلَّح في الحصن، يقول: «ابن المسلح مسلح، وزوجة المسلح اللي بتطبخ له كمان هي مسلحة مثله». يوضح أكثر في تلك المقابلة أن الكتيبة التي يقودها كانت غير نظامية، ولكنها أصبحت (نظامية) لاحقاً. ويُظهِرُ التقرير ذاته مشاهد لعناصر من الكتيبة وهم يتسلمون رواتبهم في مقر لها. بالعموم، يبدو أن اليازجي كان صاحب نفوذ واسع؛ إذ يوضح في المقابلة ذاتها أنه طلب تعطيل شبكة الاتصالات في منطقة الوادي بالكامل عند اشتباههم في تفخيخ مركبة بواسطة جهاز موبايل، وبالفعل تمّ قطع الاتصالات حينها.يقول المطران السابق لمنطقة الوادي التابعة لأبرشية عكار، إيليا طعمة، إن بشر اليازجي أنشأ مقراً له قرب المطرانية في مرمريتا، حيث يُقيم طعمة، ما تسبَّبَ باستيائه. لم يكن طعمة راغباً في أن تحيط بالمطرانية أي مظاهر أمنية. يؤكد المطران طعمة أن قائد فرقة أسود الوادي بشر اليازجي ليس عسكرياً في الأساس، لكنّه حمل السلاح وتدرَّبَ على تقنيات الاتصال واستخدام الشبكات في إيران. يقول بشر اليازجي، في مقابلة تلفزيونية حول علاقة الدفاع الوطني بإيران، إن سوريا دولة غير مُجهَّزة لقتال الشوارع، ويُضيف: «نحن أصدقاء، مو عيب صديقي إذا ساهم معي أو شارك معي».أمّا بالنسبة لعمار وفؤاد، وغيرهما من الرجال الذين بقوا محاصرين في المدينة، وقُدِّرَ عددهم بالمئات بينهم مقاتلون وناشطون ومدنيون، فقد قرَّروا الانسحاب ليلاً. ساروا من فوق قرية عناز حيث اشتبكوا مع الدفاع الوطني وسقط منهم عدد من القتلى، ثم تعرضوا لهجمات متعددة واستهدافات طوال الطريق، حتى وصلوا نهر الكبير الجنوبي الفاصل بين سوريا ولبنان. الناجون تركوا جثامين الشهداء وعبروا إلى لبنان عبر النهر، تطالهم النيران. وصلوا لبنان، ومنهم من احتجز من قبل الأمن العام اللبناني وأُطلِقَ سراحهم لاحقاً، فيما ذهب بعضهم للمشافي.الاحتجازيقول العامل في ما كان يُسمى «فندق الخضر» 1 ناجي مسوح (اسم مستعار)، إن قوات «الدفاع الوطني» هي من طلبت جمع الناس في صالة الفندق. كان الفندق وقتها خارج الخدمة بسبب صعوبات مالية. وأوضح أن الهلال الأحمر وفّر الوجبات و«الطبابة» وبعض المستلزمات للأهالي، بطلب من «الدفاع الوطني». صورة توضح مدخل فندق الخضر أثناء استقبال المدنيين الفارين من مدينة الحصن من قبل الهلال الأحمر السوري. يظهر في الصورة اسم الفندق، كما يظهر جزء من حاجز الرويس الذي قام باحتجاز المدنيين. (صفحة الهلال الأحمر السوري، فرع حمص، على فيسبوك، تاريخ 27-03-2014).أقام عناصر من قوات «الدفاع الوطني» في الصالة ليلاً ونهاراً خلال تلك الفترة، وفق شهادة مسوح، الذي أكد وجود امرأة أُوكِلَ إليها تفتيش النساء. أضاف مسوح (اسم مستعار) أن من لم يُحتجَز في الفندق نُقل إلى مناطق أخرى مثل تلكلخ.جلست خولة حداد (مواليد 1975) في آخر صالةِ الفندق، محاطة بعدد من نساء مدينة الحصن، ومعها بناتها الأربع منار (مواليد 1992) وذكية (مواليد 1995) وقمر (مواليد 1996) ونور (مواليد 2003)، وحفيدتها فاطمة حوير (مواليد 2013)، وفق ما أظهره فيديو بثّته قناة الميادين عام 2014. تروي خولة للمذيعة محاولاتها الخروج سابقاً، وتتحفَّظُ على مشاركة أي تفاصيل عن زوجها. ألحّت عليها المذيعة بالأسئلة حول زوجها وهل كان ممَّن حملوا السلاح. رفضت خولة استكمال الحديث، ونفت أن يكون لزوجها علاقة بالمسلحين. يقول يحيى حوير، زوج ابنتها منار، الذي تعرّفَ عليهنَّ في مقطع الفيديو، إنه بقي على تواصل معهنّ، وكان يطمئنُ عليهنّ باتصالات عبر هاتف محمول بقي معهنّ، حتى فُقِدَ الاتصال بينهم بعد 19 آذار (مارس). كان يحيى يأمل أن يحتضنَ مجدداً طفلته فاطمة ذات الأربعة أشهر، لكن فاطمة غابت مع والدتها وجدتها وخالاتها.انقطع الاتصال مع العائلات المُحتجزة في التاسع عشر من آذار، ودخلت قوات النظام إلى قلب مدينة الحصن في العشرين منه. يستذكر العامل في الفندق ناجي مسوح (اسم مستعار)، تفاصيل ما حدث في اليوم الأخير من احتجاز الأهالي، الذي فرضَ فيه نظام بشار الأسد سيطرته على مدينة الحصن. يقول إنه مع حلول الظهيرة بدأ عناصر «الدفاع الوطني» بإطلاق النار من أسلحتهم عبر النوافذ ابتهاجاً بالسيطرة على الحصن. فيما أجهش بقية من في الصالة بالبكاء. يُضيف مسوح: «تقولي جبهة حرب وفتحت».يؤكد مسوح (اسم مستعار) أنه تمّ تحميل الناس في شاحنات «أناتر»، المُستخدَمة في نقل البضائع والمواشي، مع تخصيص إحدى الشاحنات للماشية التي سُلبت من الأهالي. وغادرت بعدها إلى حمص، حسب اعتقاده، في حين بدأت عمليات النهب لمدينة الحصن لمدة أربعة أيام.الاختفاءانطلقنا في هذا التحقيق من قائمة أعدّها المجلس المحلي السابق لمدينة الحصن خلال فترة الحصار (2011-2014)، وشاركها معنا أحد أعضائه السابقين. تضمنت القائمة أسماء حوالي مئة وعشرين مفقوداً ومفقودة، تمكنا في هذا التقرير من توثيق وصول أربعين منهم على الأقل إلى فندق الخضر قبل اختفائهم. اعتمدنا في توثيق حالات المفقودين على شهادات الأهل (الزوج، الوالد، الأخ، الابن أو القريب) عن السيدات والأطفال الذين تم جمعهم في فندق الخضر، كما تعرّفَ ذوو المفقودين على السيدات والأطفال الذين ظهروا في مقاطع فيديو بثتها قناة الميادين لمقابلات أُجريت مع سيدات وأطفال. تمّ التحقق من المكان الذي ظهر في الفيديو بمطابقة معالم ظهرت من نوافذ الفندق، مع معالم مشابهة ظهرت في صور الأقمار الصناعية للمنطقة عام 2014. كما تحققت الصحفية من تلك المعالم عند زيارة المكان. إلى جانب ذلك، اعتمدنا في التوثيق على من أبلغتهم قريباتُهنّ، عبر الهاتف، أنهنَّ احتُجزنَ في هذا الفندق، أو على من التقى بهنَّ في المكان قبل أن يتمكن من الخروج عبر تسوية ما.في مكتب الهلال الأحمر بحي الإنشاءات بحمص، التقيتُ طارق الأشرف، منسق العمليات في الهلال الأحمر العربي السوري-فرع حمص. كان الهدف من اللقاء البحث عن إجابات حول مصير المفقودين. يوضح الأشرف أن الهلال الأحمر كان موجوداً في الإخلاءات كافة، طرفاً رديفاً للسلطة في مجال الخدمات الإنسانية، «بما لا يتنافى مع مبادئه الأساسية المتمثلة في الحياد وعدم التحيز والإنسانية» وفق قوله. وأكد أنه لم يكن للهلال دور في الاتفاقات بحد ذاتها، بل يقتصر دوره على تقديم الخدمات الإنسانية، من طعام وشراب واحتياجات الأطفال والطبابة. يقول الأشرف: «الدولة كانت ترمي هذه المهام على الهلال».تواصلتُ مع إدارة الأمن العام في حمص لمعرفة مصير المفقودين. أكَّدَ مسؤولٌ رفض الكشف عن اسمه أنهم لم يتمكّنوا من إلقاء القبض على أي من الأشخاص الذين ارتكبوا مجازر في المنطقة الغربية كقلعة الحصن وما حولها؛ إذ لا يوجد دليل على تورط أحدٍ بعينه. لكنّ قوات الأمن نجحت في اعتقال من قاموا بعمليات خطف وارتكاب مجازر جماعية في مدينة حمص وما حولها، ومنطقة القصير، حيث اعترفوا بوجود مقابر جماعية تمّ الكشف عنها، وفق مسؤول الأمن العام.كما طلبتُ الإذن من إدارة الأمن العام في حمص للاطّلاع على سجلات الأمن العسكري والأمن السياسي في تلكلخ، لمعرفة ما إذا كانت أسماء النساء والأطفال المفقودين مدونة فيها، وجاء الردُّ بأن السجلات كافة وُجدت محروقة قبل سقوط نظام بشار الأسد. وبحسب مسؤول في إدارة الأمن في حمص، فإن قضية المفقودين في المنطقة الغربية «تبقى حلقة غامضة حتى الآن».واصلتُ البحث عن قائد كتيبة «أسود الوادي» بشر اليازجي، وبجهد شخصي تمكنتُ بعد أسابيع من الحصول على رقم هاتفه المحمول، حيث بات يُقيم في كندا. في البداية كتبتُ له رسالة نصية بصفتي صحفية، وطلبتُ أن نتواصل هاتفياً. تحدثنا مدة ساعة وربع، رفضَ بشر في بدايتها أن أقوم بالتسجيل، وسمحَ لي بأخذ ملاحظات لنشرها في التحقيق، لكنّه في محصلة الحديث كان فخوراً بما قام به من إدارة تنظيم يضم نحو سبعمئة عنصر، وأكّدَ أنه لا يعرف مصير أي من النساء والأطفال الذين نُقلوا من فندق الخضر، مُحمِّلاً المسؤولية للجهات الأمنية في تلك الفترة. ينكر قائد «أسود الوادي» بشر اليازجي علاقته باختفاء هؤلاء الأشخاص، وبعد انتهاء المكالمة، أرسل لي رسالة يطلب فيها عدم نشر تفاصيل المكالمة.الأثرمضى 12 عاماً على اختفاء الطفلة نورا، ابنة فؤاد قندقجي، التي فُقِدت مع إخوتها الأربعة ووالدتها أسماء بعد ترحيلهم من فندق الخضر. ما يزال فؤاد يفتقد «حنّية» نورا التي كانت تُخبِئ نصف نصيبها من الخبز حين توفره، على الرغم مما عانوه من الجوع بسبب الحصار. كانت تهمس له عند حضوره إلى المنزل «خبيت لك هذا يابي».لم تكن بلدة الحصن الوحيدة التي شهدت حالات اختفاء قسري. يُشير تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في آب (أغسطس) الماضي 2025، إلى ما لا يقل عن 181,312 شخصاً ما يزالون قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري في سوريا، منذ آذار (مارس) 2011 حتى آب (أغسطس) 2025، من بينهم 5332 طفلاً و9201 امرأة.في سياق البحث لمعرفة مصير هؤلاء المفقودين، تواصلتُ مع الهيئة الوطنية للمفقودين، وشاركت قائمة الأسماء التي تثبّتنا من فقدها ضمن مسار هذا التقرير، وجاءني الرد بأن «…الهيئة الوطنية للمفقودين تعمل حالياً على تحليل عدد كبير من الوثائق والبيانات من مصادر متقاطعة، بهدف الوصول إلى معلومات موثوقة حول مصائر المفقودين، ومن بينهم السيدات والأطفال من قلعة الحصن. وأن عملية التحقق من المعلومات تستغرق وقتاً نظراً لتعقيد الملف وحساسيته، لكننا ملتزمون بمقاربة مهنية وشفافة. وسيتم إبلاغ العائلات فور توفر أي معلومات موثوقة، وبالطرق المهنية المناسبة التي تراعي ظروفهم الإنسانية». *****تقدمت أريج ببلاغات لعدد من المنظمات والهيئات، وهي المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، المركز السوري للعدالة والمُساءلة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا. أشارت البلاغات إلى «واقعة احتجازٍ أعقبها اختفاء قسري لعدد من أهالي مدينة قلعة الحصن-وادي النصارى (ريف حمص الغربي)، بعد أن كانوا يتواجدون في آذار (مارس) 2014 داخل فندق سان جورج-الخضر في بلدة المِشتاية». تضمنت البلاغات قائمة بالمفقودين.حصلنا على ردٍّ من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM) باستلام البلاغ. كما أبلغتنا بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا أن الأسماء التي تمت مشاركتها مدرجة في بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في حين لم نتلقَّ رداً من بقية الجهات حتى نشر هذا التقرير.
    • 1. في مدينة الحصن بريف حمص الغربي.
    • أُعِدَّ هذا التقرير بدعم من أريج ****يوثق التقرير شهادات بشأن 40 مفقوداً أغلبهم من النساء والأطفال، خرجوا من مدينة الحصن في ريف حمص في آذار (مارس) 2014، بعد حصار امتدَّ نحو عامين، ومرَّوا عبر حاجز أمني قبل أن يتم احتجازهم في منشأة سياحية من قبل مليشيا «الدفاع الوطني» التابعة لنظام الأسد. يكشف التقرير عن تفاصيل تتعلق بالحصار ويوثق أسماء من فُقدوا، ويكشف تفاصيل ما حدث قبل اختفائهم مع مدنيين آخرين لم يتضح حتى الآن عددهم الكلي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى