أزمات الداخل السوريتحقيقاتتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

حرية الإعلام في سوريا.. لم تُحسم بعد/ أمير حقوق | محمد ديب بظت | ركان الخضر

يشهد الإعلام السوري مرحلة مفصلية، في ضوء التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، إذ يحاول هذا القطاع إعادة تعريف دوره بعد عقود طويلة ارتبط خلالها بالسلطة السياسية وخطابها.

وبين محاولات الانفتاح على المجتمع والخروج من عباءة الإعلام السوري السلطوي، وتعزيز التغطية المهنية، يقف الإعلام اليوم في مواجهة تحديات معقدة تقف أمام حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية.

وفي محاولة لفهم طبيعة التحولات التي يشهدها الإعلام السوري في هذه المرحلة، لا يقتصر النقاش على رصد التغيرات التي طرأت على التغطية الإعلامية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة أوسع لواقع هذا القطاع والتحديات التي تواجهه.

وفي هذا الإطار، تسعى عنب بلدي في هذا الملف إلى استعراض أبرز ملامح المشهد الإعلامي من خلال ثلاثة محاور رئيسة، تتناول واقع الإعلام السوري بعد سقوط النظام، وإطلاق مدونة السلوك لقطاع الإعلام ودورها بتصويب الخلل، إضافة إلى اختبار بيئة العمل الصحفي اليوم، ولا سيما ما يتعلق بالوصول إلى المعلومات واستقلال تنظيم القطاع الإعلامي.

بين الهشاشة واتساع هامش التعبير

الإعلام السوري يعيش مرحلته الانتقالية

في ظل مرحلة انتقالية تعيشها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، يشهد الإعلام السوري مرحلة تحول يحاول من خلالها الخروج من عباءة تمثيل السلطة وترديد شعاراتها وتبني نهجها.

تلك الصورة التي رافقت هذا الإعلام على مدى عقود سابقة، وحوّلته عن دوره الحقيقي المتمثل في نقل المعلومات والأخبار للجمهور بمصداقية وموضوعية، بهدف تنوير المجتمع وتشكيل وعيه، إلى أداة وصوت بيد السلطة تروج لأفكارها وأيديولوجياتها، وتحاول إيجاد مسوغات ومبررات لفشلها، وتقدم صورة غير حقيقية عن الواقع من خلال تلميع السلطة وإظهار أنها على حق على الدوام.

مرحلة إعلامية تتخللها تحديات بلسان كوادرها

استدعت الفترة الحالية في سوريا سؤالًا حول أبرز التغييرات التي حدثت على واقع التغطية الإعلامية، سواء على مستوى وسائل الإعلام الحكومية أو الخاصة، بعد أكثر من عام على سقوط النظام السابق.

الصحفي السوري ومدير تحرير شبكة “سوريا الحدث” الإخبارية، محمد الحلبي، نوه في حديث لعنب بلدي، إلى ضرورة التمييز بين الإعلام الحكومي والخاص من ناحية التغطية الإعلامية، فالإعلام الخاص أصبح يمتلك هامشًا أكبر من الحرية.

التغييرات التي طرأت على التغطيات الإعلامية، بحسب رأي الحلبي، تمثلت في إعطاء الإعلام الخاص مساحة أكبر، ودعوته للمشاركة بتغطية العديد من الفعاليات، في حين كانت التغطيات الإعلامية حكرًا على المؤسسات الإعلامية الحكومية.

في الوقت نفسه، يعتبر الحلبي أن الإعلام الحكومي لا يزال دون مستوى إمكانية التعويل عليه بنقل الحقائق.

أما الصحفي السوري محمد عبيد، فيعتقد أن تغطية الإعلام السوري اختلفت كليًا عن حقبة النظام، مشيرًا إلى أن الإعلام السوري انتقل من إعلام موجَّه يخضع لقبضة السلطة إلى إعلام أكثر انفتاحًا على صوت الشارع.

وقال عبيد، إن الإعلام السوري الحكومي نجح في المزج بين إعلام يعبّر عن صوت الناس والشارع، وفي الوقت نفسه يشكّل منصة رسمية للحكومة، وهو ما يمكن رؤيته بوضوح في التفاعل المباشر بين المراسلين والمواطنين على الهواء.

تسهيلات أم ثقة؟

يعتقد مدير تحرير شبكة “سوريا الحدث”، محمد الحلبي، أن الإيجابيات التي طرأت على الإعلام السوري خلال الفترة الانتقالية، تمثلت في التسهيلات الممنوحة للصحفيين لجهة الأدوات الإعلامية وتأمينها، وتأمين الموافقات الخاصة لبعض أدوات التصوير، مثل “طائرات الدرون”، عن طريق وزارة الإعلام، دون الحاجة إلى الرجوع للجهات الأمنية.

أما محمد عبيد فقال إن أبرز الإيجابيات التي طرأت على تغطية الإعلام السوري، تتمثل في تحسن ثقة المواطن بالإعلام الوطني.

كذلك تراجعت قدرة الشائعات على التأثير، وأصبح الجمهور يعتمد بدرجة أكبر على التصريحات الرسمية الصادرة عبر منصات الإعلام السوري، بحسب رأي عبيد.

تصاريح محدودة الوقت وغياب الأكاديميين

تركزت السلبيات، برأي الحلبي، في غياب التصريح للتغطيات الإعلامية لمدة طويلة الأمد، فصلاحية التصريح عبارة عن 15 يومًا، وكل تصريح خاص لتغطية معيّنة، معتبرًا أن من غير المعقول أن يبقى الصحفي يضيع وقته بالذهاب إلى الوزارة للحصول على التراخيص، وهي سلبيات يمكن تداركها، وفق رأيه.

وأضاف الحلبي أن هناك سلبية أخرى، تتمثل في غياب البطاقات الصحفية حتى الآن.

أما عبيد فقال إن أبرز سلبيات الإعلام السوري اليوم تتمثل في نقص الكوادر الأكاديمية المتخصصة، إضافة إلى الحاجة لتطوير البنية التقنية واللوجستية، وبناء خطوط إنتاج إعلامية واضحة وثابتة، فالإعلام السوري اليوم يضم طيفًا واسعًا من الخبرات القادمة من بيئات إعلامية مختلفة.

الوزارة: اتساع هامش التعبير

وصف مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، في حديث إلى عنب بلدي، المشهد الإعلامي بعد التحرير بالمرحلة الانتقالية المفتوحة التي اتسع فيها هامش التعبير، وشهدت تعددًا في المنصات.

الإيجابيات السابقة، بحسب رأي حاج أحمد، أسفرت عن تحديات واضحة مثل تفاوت المعايير المهنية، وتصاعد التضليل، وخطابات الاستقطاب والكراهية، وضعف البنية التنظيمية.

ولتطوير هذا المشهد، أوضح أن وزارة الإعلام اتبعت عدة خطوات، وفق استراتيجية محددة تمثلت بما يلي:

    تنظيم ذاتي مهني عبر مدونة السلوك بوصفها وثيقة معيارية تتم مراجعتها وتحديثها باستمرار.

    تحديث بنية التراخيص والخدمات وآلية الوصول للمعلومة.

    الانتقال التدريجي نحو إطار قانوني عصري يضمن الحقوق ويحدد الواجبات.

واقع انتقالي هش

نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، عماد الطواشي، يرى أن الإعلام السوري بعد التحرير يمر بواقع انتقالي هش، يجمع بين فرص حقيقية للتغيير والانفتاح، وبين إرث ثقيل للنظام المخلوع من الإرهاب الأمني والتشريعات المقيدة.

ويشرح الطواشي أن التحديات المواجهة للإعلام السوري، هي غياب إطار مؤسسي، وضعف البنية التشريعية الضامنة لحرية التعبير، واستمرار عقلية الوصاية على العمل الصحفي بدل تنظيمه وفق معايير مهنية مستقلة.

الأستاذة في كلية الإعلام بجامعة “دمشق” الدكتورة لين عيسى، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن الإعلام السوري اليوم يعيش مرحلة انتقالية حساسة، تتأرجح بين إرث طويل من المركزية والرقابة، وبين محاولات رسمية لإعادة تنظيم البيئة الإعلامية عبر أدوات جديدة.

وأضافت عيسى أن الإعلام الحكومي لا يزال الأكثر حضورًا وتنظيمًا في المشهد الإعلامي، في حين يوجد إعلام خاص لكنه يعمل ضمن حضور مضبوط نسبيًا.

هامش الحرية في الإعلام

تنوعت وتبدلت أشكال ملكية وسائل الإعلام في سوريا خلال العقود الماضية، فقد تحولت من احتكار كامل لهذا المجال من قبل الدولة على مدى سنين طويلة، إلى إتاحة المجال للدخول إلى هذا العالم من قبل القطاع الخاص مع بداية الألفية الجديدة ووصول الأسد الابن إلى السلطة.

انفتاح لم يلبِّ الطموحات، فقد كان شكليًا، بينما المضمون والجوهر استمر على ذات النهج الذي يتبعه إعلام الدولة في الترويج للسلطة وتلميع صورتها في كل الظروف والأوقات.

وفي السياق، يُطرح تساؤل حول مدى حرية الإعلام السوري بمناقشة مواضيع تتسم بجرأة الطرح، وما الممنوعات.

وزارة الإعلام لا تضع خطوطًا حمراء على المواضيع التي يناقشها الإعلام السوري، بحسب مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد.

واستثنى حاج أحمد النقاشات التي تتعلق بخطاب الكراهية والتحريض وضرب التماسك المجتمعي، إضافة إلى التشهير وانتهاك الخصوصية.

    الرئيس الشرع: هناك فوضى إعلامية نتيجة غياب الضوابط

    مستوى حرية التعبير في سوريا اليوم واسع، ولكن في الوقت نفسه هناك حالة من الفوضى الإعلامية نتيجة غياب الضوابط الواضحة، فكل من يخطر بباله أمر يتحدث به في الإعلام، وقد يهاجم الناس على أساس طائفي دون أن يحاسبه أحد، وقد يؤثر ذلك في وضع أمني بالغ الحساسية، فهو ينشر دون معرفة، والتعطش لحاجة الشفافة وممارسة الحريات، يجب أن يكون له برنامج.

وكشف حاج أحمد أن الوزارة تتخذ عدة إجراءات لحماية الصحفيين، منها وجود منصات ووسائل تواصل بشكل دائم وفي أي وقت، لمتابعة شؤون الصحفيين وحل الإشكاليات المتعلقة بعملهم.

وكذلك تصميم تطبيقات ومنصات لخدمة المستفيد ستنطلق قريبًا، من أجل تحقيق أعلى درجات الرضا مع تقديم أفضل الخدمات، وخاصة سهولة الوصول للمعلومة وحماية الصحفيين.

من حفل إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا – 15 شباط 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)

من حفل إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا – 15 شباط 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)

مدونة السلوك الإعلامي..

تصويب للخلل أم تقييد للحريات الإعلامية

في خضم التحول الذي يمر به المشهد الإعلامي في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، برزت محاولات لإعادة تنظيم العمل الإعلامي ووضع أطر مهنية تضبط ممارساته في المرحلة الجديدة.

وفي السياق، جاء إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا بوصفها خطوة تسعى إلى تحديد معايير للعمل الإعلامي وتوجيهه نحو مزيد من المهنية والمسؤولية.

وقد أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، وقُدمت هذه المدونة باعتبارها مرجعًا معياريًا يهدف إلى تنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية.

وتسعى المدونة إلى تنظيم العمل الإعلامي وفق مبادئ مهنية وأخلاقية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وتعزيز السلم الأهلي.

كما تحظر المدونة نشر أو ترويج خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي، مؤكدة أن دور الإعلام يتمثل في تعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع.

الضابط للمحتوى الإعلامي

في ظل ما يواجهه قطاع الإعلام من تحديات وانتقادات، يبرز اليوم تساؤل أساسي حول الكيفية التي يمكن أن تسهم بها هذه المدونة في تصويب الخلل القائم في واقع العمل الإعلامي، وما إذا كانت قادرة فعلًا على إرساء معايير مهنية وأخلاقية أكثر وضوحًا تنعكس إيجابًا على الممارسة الإعلامية وجودة المحتوى.

مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام السورية، عمر حاج أحمد، قال إن المدونة تعتبر وثيقة نتاج عمل تشاركي ضخم، صاغها الصحفيون ذاتهم من أجل حمايتهم وحماية جمهورهم.

المدونة وثيقة أساسية في عمل الوزارة والإعلام الرسمي لاحقًا، بحسب تعبير حاج أحمد، مشيرًا إلى أنها ستكون الضابط والناظم للمحتوى الاعلامي الحكومي، ومنها ستنتقل للإعلام الخاص والمستقل.

وعزا ذلك إلى أنها وثيقة معيارية أخلاقية ومهنية تهدف لتنظيم قطاع الإعلام، وتضبط محتواه بشكل ذاتي، دون تدخّل فيها، مع تصويب الخلل فيه، وبالتالي ننتقل لمحتوى إعلامي أكثر مهنية وأكثر مسؤولية.

حد من الفوضى المهنية

الأستاذة الجامعية والخبيرة الإعلامية الدكتورة لين عيسى، ترى أن الدور المتوقع للمدونة يتمثل في تشكيل مرجعية مهنية موحدة تحدد معايير الدقة والموضوعية، وقواعد التحقق من المعلومات، وضوابط النشر، وآليات التعامل مع المصادر، بما يسهم في الحد من الفوضى المهنية داخل المؤسسات الإعلامية.

في المقابل، أشارت عيسى إلى وجود تحديات قد تواجه تطبيق المدونة، من بينها غياب آليات رقابية مستقلة لضمان الالتزام بها، وضعف التدريب المهني، إضافة إلى الحاجة لتحديث القوانين الإعلامية القديمة بما يتوافق مع المبادئ التي تتضمنها المدونة.

لا دور للمدونة إذا لم تكن مستقلة

نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، عماد الطواشي، اعتبر أن أي مدونة سلوك لا يمكن أن تؤدي دورًا إصلاحيًا حقيقيًا ما لم تصدر عن جسم مهني مستقل، وتُطبق عبر آلية واضحة لتلقي الشكاوى والمساءلة الأخلاقية، بعيدًا عن السلطة التنفيذية.

المدونة، بحسب رأيه، في السياق الصحيح، أداة تنظيم ذاتي، لا أداة ضبط إداري أو قانوني. الآلية السليمة تبدأ بإنشاء مجلس للصحافة يضم النقابات وممثلين عن جمعية الناشرين، تنبثق عنه لجنة مستقلة للشكاوى، وليس بفرض نص من أعلى.

الوزارة كسلطة تنفيذية.. مخاوف من تقييد الحريات

المدونة أثارت موجة من الانتقادات لدى عدد من العاملين والجهات في قطاع الإعلام السوري، حيث ركزت الملاحظات على الطريقة التي اتبعتها الوزارة في إعدادها.

كما عبّر منتقدون عن مخاوفهم من أن تؤدي إلى الحدّ من الحريات الإعلامية، ولا سيما في ظل اعتبارهم أن الجهة المسؤولة عن تنفيذها هي نفسها وزارة الإعلام بوصفها جهة رسمية، الأمر الذي قد يثير تساؤلات حول استقلالية تطبيقها.

نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، عماد الطواشي، قال إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود مدونة سلوك بحد ذاتها، بل في الجهة التي أصدرتها وطريقة التعامل معها.

المدونة، بصيغتها الحالية، صادرة عن وزارة الإعلام السورية كسلطة تنفيذية، مع توجه لتحويلها إلى شرط للترخيص، ما ينقلها من إطارها الأخلاقي الطوعي إلى نص ذي طابع إلزامي، وفقًا للطواشي.

هذا يشكل تعديًا واضحًا على دور النقابات المهنية، “ويتعارض مع التجارب المقارنة التي تُسند إعداد وتطبيق مواثيق الشرف إلى هيئات مستقلة أو مجالس صحافة”، بحسب الطواشي.

وزارة الإعلام لم تتدخل بصياغة كلمة واحدة ضمن المدونة، ومن صاغها هم الصحفيون ذاتهم، وهم شاهدون على أصل الكلمات التي صاغوها، إضافة إلى أن الوزارة كانت الضامن لتنفيذ ورشات إعداد المدونة وتنسيقها دون تدخّل، بحسب رد مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام السورية، عمر حاج أحمد.

وقال إن الوزارة تبنّت هذه المدونة كمرجع أخلاقي ومهني للإعلام الرسمي، وكذلك وثيقة أخلاقية لكل من يريد العمل الصحفي تحت إشراف الوزارة.

والوزارة كان دورها ضمن لجنة الصياغة لا يتجاوز 10%، بحسب تعبير حاج أحمد، رافضًا ما يشاع بأنها سلطة تنفيذية للجنة المساءلة التي قرر المشاركون في المدونة وجودها لاحقًا.

المسؤول عن تنفيذ وتطبيق المدونة مجلس سيتم تشكيله لاحقًا وباستقلالية وتشاركية تامة، بحسب حاج أحمد.

    رابطة الصحفيين السوريين: بطلان الوصاية الحكومية

    رفضت رابطة الصحفيين السوريين “مدونة السلوك” قبل إطلاقها من قبل وزارة الإعلام السورية، متحدثة عن بطلان الوصاية الحكومية في ظل الإعلان الدستوري.

    وقالت إنها تابعت حينها بقلق إعلان وزارة الإعلام حول نيتها إطلاق ما سمّته “مدونة سلوك مهني”، مضيفة أنها تنطلق من مسؤوليتها في حماية مكتسبات العمل النقابي، وصون حرية الصحافة في المرحلة الانتقالية.

    وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى يجري اجتماعًا مع مديري الإعلام – 6 شباط 2026 (وزارة الإعلام)

    وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى يجري اجتماعًا مع مديري الإعلام – 6 شباط 2026 (وزارة الإعلام)

ما بعد مدونة السلوك..

اختبار الوصول إلى المعلومات واستقلال تنظيم الإعلام

رغم صدور المدونة بوصفها خطوة تنظيمية تهدف إلى ضبط المعايير المهنية، فإن الأسئلة الأعمق تتجاوز النص ذاته إلى بيئة التطبيق، فالمشهد الإعلامي اليوم لا يعاني فقط من خلل في الأداء أو تفاوت في الالتزام المهني، بل من إشكاليات بنيوية تتعلق بآليات الوصول إلى المعلومات، وتحديد المسؤوليات، وحدود العلاقة بين الصحفي والجهة الرسمية.

وهنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت المدونة قادرة وحدها على معالجة هذا الخلل، أم أنها تحتاج إلى مظلة تشريعية أوسع تحصّنها وتحوّلها من إطار أخلاقي إلى منظومة قابلة للإنفاذ.

في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى إمكانية صدور قانون إعلام جديد، يعيد رسم العلاقة بين الإعلام والسلطة التنفيذية على أسس أكثر وضوحًا.

إلى جانب ذلك، يبرز نقاش حول الجهة التي يفترض أن تتولى تنظيم القطاع، هل تبقى المهمة ضمن الإطار الحكومي المباشر، أم يجري التفكير بإنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام تفصل بين التنظيم والسلطة التنفيذية؟

الوصول إلى المعلومات ليس مثاليًا

يطرح واقع ضعف تجاوب بعض الجهات الرسمية مع وسائل الإعلام إشكالية إضافية تتعلق بحق الوصول إلى المعلومات، وهو حق يشكل حجر الأساس لأي ممارسة صحفية مسؤولة، فدون التزام مؤسساتي واضح بالرد على الاستفسارات ضمن أطر زمنية محددة، تبقى المسؤولية المهنية للصحفي منقوصة، ويترك المجال واسعًا أمام الشائعات أو الروايات غير المكتملة.

ترى الصحفية ديالا عبد الكريم، أن التعريف بمدونة السلوك الإعلامي لم يكن كافيًا بالشكل المطلوب، معتبرة أن التركيز انصب بشكل أكبر على إطلاق المدونة والحديث عن فوائدها، بدلًا من التعريف ببنودها بشكل مبسط ومكثف.

وقالت عبد الكريم لعنب بلدي، إن المدونة كان من الأفضل أن تنشر على نطاق أوسع وبصيغ مختصرة ودورية، بما يتيح للصحفيين الاطلاع على بنودها وفهمها بشكل واضح، مشيرة إلى أن ما ينقصها بشكل أساسي هو وجود آليات مساءلة قانونية واضحة في حال انتهاكها.

وفيما يتعلق بحق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات، قالت عبد الكريم، إن الوضع “ليس مثاليًا”، لكنه أفضل مقارنة بما كان عليه في السابق.

المكاتب الإعلامية.. بين التنظيم وتقييد الوصول

وصفت عبد الكريم العلاقة مع المكاتب الإعلامية في المؤسسات الرسمية بأنها جيدة عمومًا، لكنها أشارت إلى إشكالية تتمثل في حصر التواصل غالبًا عبر هذه المكاتب فقط.

وقالت إن العمل الصحفي يتطلب في بعض الأحيان مقابلة المسؤولين مباشرة وطرح الأسئلة عليهم، معتبرة أن دور المكاتب الإعلامية ينبغي أن يقتصر على تنظيم التواصل وتسهيله، لا أن تكون بديلًا كاملًا عن الوصول إلى المسؤولين.

وأكدت أن حق الوصول إلى المعلومات يظل القضية الأكثر إلحاحًا للصحفيين، إذ لا يمكن للصحفي أداء عمله دون توفر معلومات واضحة ومتاحة.

المكاتب الإعلامية يمكن أن تسهم في الحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة، برأي الصحفية، ويكون ذلك “من خلال الرد السريع على القضايا المثيرة للجدل وتقديم توضيحات رسمية توفر معلومات موثوقة وتحد من الشائعات والتأويلات”.

المعلومات مرتبطة بـ”العلاقات الشخصية”

وفي السياق، يرى الصحفي محمد عبيد، أن إمكانية حصول الصحفيين على المعلومات من الجهات الرسمية تحسنت مقارنة بالفترات السابقة، خاصة مع وجود مكاتب إعلامية ومكاتب علاقات عامة في الوزارات والمديريات والمؤسسات الحكومية.

بالمقابل، ينتقد الصحفي ارتباط الوصول السريع إلى بعض المعلومات، خصوصًا تلك التي تحمل طابعًا عاجلًا أو خاصًا، في كثير من الأحيان بالعلاقات الشخصية أكثر من ارتباطه بالمسار المؤسسي.

وأرجع ذلك إلى حداثة تجربة المكاتب الإعلامية في بعض المؤسسات، إضافة إلى أن عددًا من العاملين فيها لا يزالون حديثي العهد بالعمل الإداري والإعلامي المنظم.

وأضاف أنه على المستوى الشخصي، وبحكم شبكة علاقاته مع عدد من الشخصيات التي تشغل مناصب إعلامية، يستطيع الحصول على المعلومات بسهولة نسبية.

ضمان الحقوق أولوية للصحفيين

حول الأولويات التي تهم الصحفيين اليوم، قال الصحفي محمد عبيد، إن ضمان الحقوق المهنية للصحفيين يأتي في مقدمة هذه الأولويات، إلى جانب حماية العمل الصحفي من أي تضييق أو تهديد، وضمان محاسبة أي جهة تمارس إساءة بحق الصحفيين.

جلسة لمناقشة مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا – 8 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/نور حمزة)

جلسة لمناقشة مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا – 8 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/نور حمزة)

مساران بعد المدونة

اعتبر مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام السورية، عمر حاج أحمد، أن المرحلة التي تلت إصدار مدونة السلوك المهني ستشهد العمل على محورين أساسيين، جرى التوافق عليهما خلال عملية الصياغة، وبإشراف اللجنة الوطنية المستقلة.

·      المحور الأول: يتمثل في تشكيل لجنة أو مجلس أخلاقي يعنى برصد المحتوى الإعلامي، وتلقي الشكاوى والبت بها وفق بنود المدونة، بهدف ضبط المحتوى وتصحيحه في حال الخطأ، عبر إجراءات سلوكية غير قضائية.

·      المحور الثاني: يتعلق بالعمل على إعداد قانون إعلام عصري، يعتمد في معاييره المهنية والأخلاقية على مدونة السلوك، ويهدف إلى ضمان حرية العمل الصحفي ضمن إطار من المهنية والمسؤولية.

وأضاف أنه سيتم في “القريب العاجل” العمل على تعديل قانون الإعلام المعمول به حاليًا، مشيرًا إلى أن مشروع القانون قد يكون من أوائل القوانين التي تُطرح على مجلس الشعب في أولى جلساته عند انعقاده.

الخطة المطروحة تقوم على إشراك شريحة واسعة من الصحفيين والقانونيين في صياغة القانون، أو وضع إحاطاته التفسيرية، ليكون، وفق حاج أحمد، ناتجًا من الأسفل إلى الأعلى وبمشاركة واسعة.

وفي ملف الوصول إلى المعلومات، أشار إلى العمل حاليًا على تنظيم آلية تضمن سهولة حصول الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على المعلومات، على أن يعلن عن الإجراءات قريبًا، مؤكدًا وجود تدابير بحق الجهات التي تتجاهل الطلبات أو تمتنع عن الرد دون مبرر.

مخاوف من إعادة إنتاج أدوات الضبط

في المقابل، يرى نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، عماد الطواشي، أنه لا يمكن حتى الآن الحديث عن تحسن ملموس في بيئة الحريات الإعلامية، معتبرًا أن صدور المدونة لم يُترجم إلى ضمانات إضافية للصحفيين.

وأضاف أن المدونة أثارت مخاوف مشروعة من توسيع هامش الرقابة الإدارية، مشددًا على أن التغيير الحقيقي لا يقاس بصدور النصوص، بل بالممارسات العملية وبمدى شعور الصحفي بالأمان والاستقلالية في أثناء أداء عمله.

وعن الأمور التي تنقص المدونة، أوضح أن عنصرين أساسيين لا يزالان غائبين، الاستقلالية الكاملة عن السلطة التنفيذية، ووجود جهة مهنية منتخبة أو متوافق عليها تشرف على تطبيقها.

    رابطة الصحفيين: إنشاء هيئات مستقلة فعليًا لا شكليًا

    التشريع الحديث يجب أن يستند إلى الفصل الصريح بين التنظيم والرقابة التنفيذية، وضمان استقلالية النقابات والمؤسسات الإعلامية إداريًا وماليًا، إضافة إلى حماية الصحفي من التوقيف أو الملاحقة بسبب عمله المهني، واعتماد مبدأ التنظيم الذاتي والمساءلة المهنية بدلًا من العقوبات الزجرية.

    والضمانات المطلوبة تتمثل في نصوص دستورية واضحة تحمي حرية التعبير، وإشراك النقابات والفاعلين الإعلاميين في صياغة القانون، وإنشاء هيئات مستقلة فعليًا لا شكليًا.

إشكالية فصل السلطات

قال الحقوقي بسام الأحمد لعنب بلدي، إن قوانين الإعلام في الدول الديمقراطية تستند إلى منظومات قانونية ودستورية متكاملة، تهدف إلى حماية الفضاء العام وحرية التعبير.

وأضاف أن الهدف في هذه الدول يكون حماية الحق في التعبير وضمان الشفافية، بينما يختلف الأمر في دول مثل سوريا، حيث قد تتحول القوانين، بحسب تعبيره، إلى أدوات للسيطرة على المحتوى ومنع خروجه عن “الخط المرسوم”.

وفيما يتعلق بآلية إقرار قانون إعلام جديد، قال الأحمد، إن الصلاحية الأساسية تعود إلى مجلس الشعب، إلا أن تأخر تشكيله يطرح تساؤلات حول المسار التشريعي.

وأشار إلى إشكالية أخرى تتعلق بفصل السلطات، معتبرًا أن المجلس، حتى في حال تشكيله، يبقى سياسيًا مرتبطًا بالسلطة التنفيذية، نظرًا إلى آلية تعيين أعضائه، سواء بشكل مباشر من قبل رئيس الجمهورية أو عبر لجان مرتبطة بالسلطة، ما ينعكس على استقلالية العملية التشريعية.

ما الذي يجب أن يحمله القانون الجديد؟

الفارق الجوهري الذي ينبغي أن يحمله أي قانون إعلام جديد يتمثل في تحويله من أداة تنظيم وضبط إلى أداة حماية لحرية التعبير، عبر تضمين نصوص واضحة تتعلق بالوصول إلى المعلومات، وحماية البث، وضمان الحق في الاطلاع على الوثائق العامة والتاريخية، بحسب الحقوقي بسام الأحمد.

كما شدد على ضرورة وجود قوانين واضحة لمكافحة التشهير والقذف، بالتوازي مع قوانين تضمن الوصول إلى المعلومات، بحسب الأحمد، محذرًا من أن الأهداف المعلَنة لأي تشريع قد تختلف عن غاياته الفعلية إن لم تقترن بضمانات حقيقية.

وأكد أن تعزيز الإعلام المستقل وإتاحة المجال لوجهات نظر متعددة، بعيدًا عن احتكار الرواية الرسمية، يتطلب ضغطًا من منظمات المجتمع المدني والصحفيين، حتى لا تتحول التشريعات إلى غطاء جديد لإعادة إنتاج أدوات الاستبداد.

وختم الأحمد بأن أي إصلاح تشريعي حقيقي يتطلب بيئة قضائية مستقلة وآليات واضحة تضمن المحاسبة في حالات خطاب الكراهية، دون تحويل القانون إلى أداة رقابة مقنّعة.

عنب بلدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى