سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

ما الذي تحتاجه سوريا لتصبح لاعباً إقليمياً مستقلاً؟/ عمار زيدان

أصبح هناك فرصة في الوقت الحالي لإعادة ضبط التحالفات والانفتاح على محيط عربي أوسع، بما في ذلك دول الخليج.

2026-03-13

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية، عاد الحديث مجدداً عن موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وعن إمكانية تحولها من دولة أنهكتها الحرب والصراعات إلى لاعب إقليمي يسعى لاستعادة دوره السياسي والاقتصادي في المنطقة. فمنذ عام 2011 شهدت البلاد واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث، حيث تداخلت العوامل الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على التأثير بمحيطها الجيوسياسي.

وتحولت سوريا خلال السنوات الماضية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، من بينها روسيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، إلى جانب استمرار التوتر مع إسرائيل، خاصة في ما يتعلق بملف هضبة الجولان. وقد جعل هذا الواقع من سوريا مركزاً لتجاذبات إقليمية ودولية معقدة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مستقبلها السياسي والاقتصادي، وعلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

مع سقوط نظام الأسد المخلوع، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحولات السياسية فأصبحت سلطة المركز التقليدي للدولة أقل تشدداً، وبدأت إعادة تشكيل مؤسساتها على أسس أكثر مرونة. هذا الانقلاب الكبير في المشهد السياسي السوري لم يقتصر على تغيير القيادة، بل فتح الباب أمام إعادة تعريف دور سوريا في المنطقة، وإعادة النظر في تحالفاتها التقليدية واستراتيجياتها الأمنية والاقتصادية.

وأصبح هناك فرصة في الوقت الحالي لإعادة ضبط التحالفات والانفتاح على محيط عربي أوسع، بما في ذلك دول الخليج، بهدف إعادة دمج سوريا في شبكة التحالفات الإقليمية بطريقة أكثر مرونة.

اقتصادياً، تواجه سوريا الجديدة تحديات ضخمة نتيجة سنوات من الصراع والحصار والعزلة الدولية. لكنها في الوقت نفسه تمتلك عناصر قوة محتملة، منها الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأوروبا، والموارد البشرية المؤهلة، والبنية التحتية الصناعية والزراعية التي يمكن إعادة تأهيلها. هذه المقومات قد تسمح لها أن تتبنى دوراً اقتصادياً فاعلاً في المنطقة، بما يشبه فكرة أن تصبح محوراً صناعياً وتجارياً قادراً على جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط حركة التجارة الإقليمية.

أما على الصعيد الأمني، تبرز سوريا كلاعب لديه الإمكانية للموازنة بين القوى الكبرى في المنطقة، خصوصاً في ظل التوترات الحالية بين إيران و وإسرائيل ودور الولايات المتحدة في الملف الإقليمي. حيث أن إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية على أسس وطنية، والتعاون مع دول الجوار قد يمنح الحكومة السورية القدرة على حماية سيادتها ومصالحها دون الاعتماد الكامل على محور خارجي واحد.

 وفي السياق، يقول الصحفي السوري المقيم في لندن محمد فتوح إنه بسبب الوضع الذي تمر به سوريا، يفترض أن يكون الهدف الأساسي من أي تحركات خارجية، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي، تحقيق أمرين رئيسيين. الأول هو جذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات أو المساعدات لإعادة الحياة الطبيعية إلى المدن والبلدات المتضررة، وبدء مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية. أما الثاني فيتمثل في تحييد سوريا عن التجاذبات والصراعات الخارجية، إذ أن أي انخراط في صراعات إقليمية أو دولية من شأنه أن يعرقل خطوات التعافي، وربما يزيد من حدة الاستقطابات الداخلية، ويدخل البلاد في أزمات جديدة على المستويين الداخلي والخارجي.

ويضيف لـ “963+”، “على المدى الأبعد، يفرض الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا على الحكومة بناء شبكة علاقات دولية وإقليمية متوازنة، والسعي إلى تبوؤ دور طبيعي كأي دولة أخرى في الساحة الدولية. لكن ذلك يجب أن يتم مع مراعاة الدروس السابقة، إذ أن سوريا مرت في العقود الماضية بعدة انتكاسات بسبب سياسات إما متنافرة أو عدوانية مع المحيط العربي وغير العربي، أو نتيجة انخراطها في محاور متصادمة، ما أدى إلى الانحياز لطرف على حساب آخر”.

ويؤكد فتوح أن الحكومة السورية بحاجة إلى التفكير ملياً في خياراتها الخارجية، مع إعطاء الأولوية للعلاقات مع المحيط العربي والجوار القريب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب، بما يشمل أوروبا والولايات المتحدة يضاف إلى ذلك القوى الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا.

ويتابع، “يمكن وصف هذه السياسة بتصفير المشاكل إذ أن الخروج بسوريا من آثار سنوات الحرب والدمار يتطلب علاقات جيدة، أو على الأقل غير صدامية، مع جميع الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، مع اتخاذ مواقف واضحة تجاه أي محاولات للتأثير الخارجي أو التلاعب بالشؤون الداخلية والابتعاد عن التدخل في القضايا الداخلية للدول الأخرى أو تصدير الأزمات أو التغيير من داخل سوريا إلى الخارج”.

بالتالي، لا يُفترض أن تندفع سوريا في الوقت الحالي نحو تحالفات دائمة أو محاور ثابتة، بل يمكنها الانخراط بمشاريع متعددة الأطراف، ذات أهداف محددة وموسعة، بحيث لا تتحول إلى تحالف دائم أو محور، مع القدرة على المناورة ومرونة القرار في سياق إعادة البناء الداخلي والتعافي السياسي والاقتصادي، بحسب الصحفي السوري محمد فتوح. 

ويؤكد الباحث والناشط عبد الرحمن ربوع، أنه من المبكر الحديث عن تحوّل سوريا إلى لاعب إقليمي مؤثر في الساحة السياسية، فالبلاد ما زالت تخطو خطواتها الأولى على طريق التعافي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وما تزال أمامها تحديات داخلية كبيرة ينبغي على الحكومة الانتقالية معالجتها قبل التفكير في أدوار خارجية.

ويقول في تصريحات لـ “963+”، “صحيح أن سوريا دولة محورية في محيطها الإقليمي، وتشكل بحكم موقعها الجغرافي وانتمائها القومي والديني حلقة وصل جيوسياسية مهمة في الشرق الأوسط. إلا أن خروجها من حرب استمرت أربعة عشر عاماً تركها مثقلة بأعباء هائلة، إذ تعاني من إنهاك اقتصادي عميق وتجاذبات سياسية معقدة، إضافة إلى مأساة إنسانية تمثلت في تهجير ونزوح ما يقارب نصف سكانها. وفي ظل هذه الظروف، لا تبدو البلاد قادرة في الوقت الراهن على الاضطلاع بدور إقليمي فاعل، خصوصاً في منطقة تعيش بدورها حالة من الصراعات والتوترات التي قد “تجعل الحكيم حيران”.

وفي الوقت ذاته، يشير “ربوع” إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد إعادة رسم لخريطة التحالفات السياسية والاقتصادية، في ظل دور أميركي واضح يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الأمن الإقليمي ومصالح إسرائيل. هذه التحولات قد تدفع سوريا إلى إعادة تموضع سياسي مختلف عما كان سائداً في مرحلة نظام الأسد.

ويرى الباحث المصري، أن المشهد الإقليمي الحالي يشير إلى تراجع نفوذ ما كان يُعرف بمحور “المقاومة” بقيادة إيران، مقابل صعود متزايد لما يُعرف بمحور الاعتدال العربي، الذي يَعد بفرص اقتصادية وتنموية قد تكون سوريا من أبرز المستفيدين منها، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين.

بدوره، يتحدث الصحفي عماد المصطفى لـ “963+”، عن التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا في هذه المرحلة والذي يتمثل في إعادة بناء الثقة الدولية، وهو أمر يتطلب سياسات خارجية متوازنة تقوم على الانفتاح والتعاون بدل الصدام. فالحكومة السورية بحسب رأيه، تحتاج اليوم إلى بيئة إقليمية ودولية مستقرة تسمح لها بالتركيز على إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، خاصة بعد سنوات من التدمير الذي طال البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

ويشدد على أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة استراتيجية مهمة، إذ يمكن أن تتحول إلى نقطة وصل اقتصادية وتجارية بين المشرق العربي وتركيا وأوروبا. لكن تحقيق ذلك يتطلب سياسة خارجية حذرة تتجنب الانخراط في صراعات المحاور التي لطالما أثرت سلباً على الاستقرار الداخلي في البلاد.

كما يؤكد أن العلاقات مع دول الخليج على وجه الخصوص يجب أن تشكل أولوية في المرحلة المقبلة، نظراً لما يمكن أن تقدمه هذه الدول من دعم سياسي واقتصادي في عملية إعادة البناء. وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على قنوات تواصل متوازنة مع القوى الدولية المؤثرة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، بما يضمن لدمشق هامشاً أوسع من الحركة في علاقاتها الخارجية.

ويخلص المصطفى إلى أن نجاح سوريا في هذه المرحلة سيعتمد على قدرتها  في بناء سياسة خارجية واقعية ومرنة، تستفيد من الدروس التي فرضتها السنوات الماضية وتقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتجنب الانخراط في تحالفات حادة قد تعيد إنتاج الأزمات التي عانت منها البلاد خلال عقود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى