من المطبخ إلى الذاكرة الجماعية.. الكليجة إرث يجمع أبناء الجزيرة السورية/ خضر الهويد

19 مارس 2026
في منازل مدن الجزيرة السورية وأزقة مدنها وحواريها وربوع ريفها المترامي، تحمل العشر الأواخر من رمضان تقليدًا تراثيًا اعتادته الغالبية حتى أصبح طقسًا شعبيًا وجزءًا أصيلًا من التراث اللامادي للمنطقة. خلال ساعات المساء، تنبعث رائحة طبق الكليجة بنكهات متنوعة، فكل بيت وكل سيدة لها طريقة مختلفة ونَفَس خاص في إعدادها، إلا أن الثابت الوحيد وجودها في ضيافة العيد وتقديمها لكل الزوار والمعايدين على اختلاف نكهاتها؛ فالحشوة ثابتة، بالإضافة إلى الراحة والجوز واللوز والفستق والبندق والزبيب.
طقوس إعداد الكليجة
تقول أم أحمد، السيدة الثلاثينية، لموقع “الترا سوريا”: “الكليجة طبق ثابت خلال الأعياد والمناسبات، نقوم بإعدادها في البيوت على الأغلب، وهو يحتاج للكثير من الجهد، وقد يستمر طيلة النهار. لنبدأ عند المساء بإعدادها، حيث تجتمع الجارات أو الأقارب لتشارك في صناعتها، فقسم يقوم بتقطيع العجين، وقسم يضعها في الأطباق، والبعض يشرف على وضعها في الفرن ومراقبتها لحين الاستواء”.
تضيف أم أحمد: “على مدى ساعات تستمر صناعة الكليجة للوصول إلى النكهة التي تتباهى بها السيدات في كل بيت”، فيما تستذكر أم عبدالله، وهي تشارك بناتها وحفيداتها صناعة الكليجة في منزلها في أحد أحياء القامشلي، كيف كانت تشارك في صناعتها منذ الصغر.
تقول لـ”الترا سوريا”: “منذ أكثر من 50 عامًا ونحن نصنعها في المنزل، كنت أشارك جدتي ووالدتي في صناعتها، واليوم نتشارك أنا وبناتي وحفيداتي العمل ذاته، وإعدادها لا يكتمل إلا بهذه الجمعات التي تحمل معها الألفة والمحبة”. وأضافت: “نجتمع في المطابخ، نتقاسم العمل الذي يمتد لساعات، فكلٌّ يعرف عمله ونتبادل الأحاديث”.
جزء من تراث أهل الجزيرة
يوضح الباحث في التراث اللامادي للجزيرة السورية زهير هاجري، لـ”الترا سوريا” أن “الكليجة أكثر من طبق ارتبط بعيد أو مناسبة معينة، لكنه بات جزءًا من التراث اللامادي لأبناء المنطقة ككل؛ فهو يرتبط بعيدي الفطر والأضحى لدى المسلمين من العرب والكرد والمردلية والمحلية، وبأعياد الفصح والميلاد ورأس السنة عند المسيحيين، والأكيتو عند الإيزيديين، والنوروز لدى الكرد، وبكافة الأعياد والمناسبات الأخرى”.
ولفت هاجري إلى أن “في مجالس العزاء عند العرب والكرد والمردلية والمحلية، يُقدّم ما يسمى (قصموص الكليجة) في آخر أيام العزاء، ويتراوح حجمه حسب الحالة الاجتماعية والمادية للعائلة، كما تقدمه الطوائف المسيحية في المآتم والتعازي”.
تطور أساليب صناعة الكليجة
تطورت وسائل إعداد الكليجة عبر السنين، فكانت النسوة في السابق يعدّها على الصاج أو التنور، حتى دخول الكهرباء إلى المنطقة، حيث يتم إعدادها اليوم عبر الأفران المنزلية. لكن خلال سنوات الحرب وانعدام الكهرباء، لجأت الأسر في بعض المناطق إلى الأفران الحجرية المنتشرة في الأحياء لإعداد الكليجة، حيث يتم جلب صحون خاصة من القِرن قبل ساعات المساء، وتقطيعها ووضعها فيها، ثم نقلها إلى الفرن بحسب الدور، وقد تستمر هذه العملية لساعات.
يقول كرم الهزاع، صاحب فرن حجري، لـ”الترا سوريا”: “في الأعياد والمناسبات نعمل لساعات طويلة لتلبية طلبات الأهالي، نقوم بحجز دور مسبقًا لكي لا ينتظر أحد، ومع ذلك نعمل تحت ضغط الطلبات الكثيرة، فالكثير لا يملكون الكهرباء وهم مجبرون على إعداد الكليجة في الأفران الحجرية”.
برهان محبة ومودة
يتبادل أهالي الجزيرة السورية الكليجة مع أصدقائهم في باقي المناطق السورية، فهي تعد “ماركة مسجلة” لدى أبناء المنطقة. يقول أبو أحمد، من أهالي ريف القامشلي، لـ”الترا سوريا”: “في كل زيارة أو عمل إلى المناطق الأخرى، أحمل معي بعض الهدايا للأصدقاء، وخاصة الكليجة، فهي تعبر عن المحبة والمودة. في بعض الأحيان نقوم بإرسالها عبر شركات النقل لبعض الأصدقاء، والكليجة التي نهديها للأصدقاء لا يتم شراؤها من الأسواق، بل يتم إعدادها في البيت”.
الكليجة أكثر من مجرد حلوى؛ فهي جزء من الهوية الثقافية لأبناء الجزيرة السورية، وطقس يجمعهم على اختلاف أديانهم وأعراقهم. كما أنها ذاكرة جماعية تختزن تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية التي نسجتها الأجيال عبر الزمن. لا تقتصر قيمتها على مذاقها أو حضورها في الأعياد، بل تتجاوز ذلك لتكون تعبيرًا حيًا عن روح المشاركة والتكافل، إذ تتحول عملية إعدادها إلى مناسبة اجتماعية بحد ذاتها، تُستعاد فيها الحكايات وتُجدّد روابط القربى والجيرة.
الترا سوريا



