هل نشاهد كلاسيكو إسباني بطعم الكلاسيكر الألماني في الموسم المقبل؟

ترددت أنباء في وسائل الإعلام الألمانية الأسبوع الماضي بشأن ما وُصف على نطاق واسع بـ«تفاقم» الخلافات بين إدارة شركة ريد بول وبين المدرب الألماني الشهير يورغن كلوب، الذي يتولى منصب رئيس قطاع كرة القدم العالمية لدى عملاق مشروبات الطاقة، ومعها تسابقت الصحف والمواقع الرياضية الإسبانية، وخصوصا المحسوبة على ريال مدريد، في تحديث القصص والروايات حول إمكانية توليه القيادة الفنية للنادي الملكي خلفا للمدرب المؤقت الحالي ألفارو أربيلوا بداية من الموسم الجديد، والأمر اللافت أنه رغم نفي ريد بول لصحة ما أثير حول الخلافات مع المدرب العالمي، فلم تتوقف الإشاعات والأخبار التي تضع اسمه في جملة مفيدة مع عملاق أوروبا وإسبانيا، لدرجة أن بعض المصادر الإعلامية المقربة من الرئيس فلورنتينو بيريز، أو ما تُعرف بالمحيط الإعلامي الأبيض، بدأت تروج لفكرة استعداد كلوب لتقديم استقالته من وظيفته الحالية مع بدء العد التنازلي لنهاية هذا الموسم، ريثما يحط الرحال إلى الملعب الأشهر عالميا على هذا الكوكب «سانتياغو بيرنابيو»، ليبدأ في تدشين أهم وآخر المشاريع الملكية في نهاية حقبة الرئيس التاريخي للنادي في العصر الحديث، والسؤال الذي يراود الكثير من المتابعين بوجه عام وعشاق الريال بالأخص هو: لماذا يتزايد الحديث في العاصمة الإسبانية عن اهتمام الميرينغي بيورغن كلوب؟ وهل حقا هو الرجل المختار الذي يبحث عنه بيريز في ولايته الأخيرة مع اقترابه من عامه الـ80؟ هذا ما سيجيب عليه التقرير الآتي.
كاريزما مدريد
لا يُخفى على أصغر مشجع مدريدي قبل أصحاب الأقلام الذهبية هناك في «ماركا» و«آس»، أن الفريق الأبيض يعاني بشدة من غياب ذاك المدرب القائد، أو المدرب الذي تتماشى شخصيته مع الجينات المدريدية على طريقة جوزيه مورينيو، وزين الدين زيدان والأستاذ كارلو أنشيلوتي، وهذا الأمر كان واضحا في معاناة المدرب المغلوب على أمره تشابي ألونسو، الذي أثبتت التجارب أنه ما زال بحاجة لمزيد من الوقت والخبرة من أجل التعامل مع فريق يضم في غرفته مجموعة من أشهر وأفضل نجوم اللعبة في الوقت الحالي. صحيح كانت لديه الجينات المدريدية، لكنه لا يملك تلك الكاريزما المهيبة التي تمكنه من فرض هيمنته على تمرد اللاعبين في مواقف محرجة مثل اللقطة الفارقة مع فينيسيوس جونيور بعد قرار استبداله في نهاية مباراة كلاسيكو النصف الأول للدوري الإسباني أمام الغريم الأزلي برشلونة، في ما كان أشبه بالموقف الوجودي بالنسبة للمدرب، إما ينتصر لنفسه وللجماعة، وإما يرفع الراية البيضاء أمام اللاعب، ومن سوء طالع ألونسو، أن النتائج لم تساعده على كبح جماح لاعبه البرازيلي، الذي بدوره أبدع في استغلال أزمته مع المدرب، بتصعيد الأمر مع الإدارة، من خلال تفعيل خاصية «التمرد والعصيان» في مفاوضات تمديد عقده، قبل أن تأتي الضربة القاضية من كيليان مبابي بعد الهزيمة أمام البلوغرانا في نهائي الكأس السوبر الإسبانية في السعودية، والحديث عن اللقطة الشهيرة التي تعمد خلالها المهاجم الفرنسي تحريض زملائه على تجاهل تعليمات المدرب بعمل ممر شرفي للمنافس وهو في طريقه لاستلام الكأس والميدالية الذهبية. وبالطبع مواقف كهذه، كان من الصعب أن تحدث في وجود مدرب بشخصية وثقل وحضور كلوب، يعرف جيدا كيف يفرض كلمته على الجميع، من دون أن يفتعل ولو مشكلة واحدة، بطريقة أقرب ما يكون لزيزو ومورينيو قبل أن يتحول إلى مدرب صدامي بامتياز في العشرية الأخيرة، وهذه بالكاد جُل المواصفات التي يبحث عنها رئيس النادي في عراّب المشروع الجديد، بما في ذلك منحه صلاحيات بفرض كلمته على مجلس الإدارة في القرارات الخاصة بمستقبل اللاعبين والصفقات الجديدة، بلغة كرة القدم أن يتم التعاقد على وظيفة مدير فني لمشروع طويل الأجل، وليس مدرب (كوتش) عابر لموسمين أو ثلاثة، وبعد النجاحات المبهرة التي حققها سواء مع بوروسيا دورتموند أو ليفربول، في الغالب لن يمانع بيريز في منحه الراية بشكل مطلق، على الأقل حتى يتفرغ إلى الأمور الإدارية مع استعداداه لدخول عقد الثمانينات في عمره.
كلاسيكر ألماني
تقول المقولة المأثورة ما أشبه اليوم بالبارحة، في نهاية العقد الأول من القرن الجديد وبداية العقد الثاني، كان برشلونة يمارس نوعا من أنواع التجبر الكروي النادر سواء على المستوى المحلي أو القاري، وحدث ذلك منذ وصول بيب غوارديولا إلى هرم القيادة الفنية خلفا للهولندي فرانك ريكارد في العام 2008، لينهي موسمه الأول باكتساح كل البطولات التي شارك فيها البارسا على مدار الموسم، أبرزها الدوري والكأس في إسبانيا، ثم بقهر مانشستر يونايتد في نهائي ملعب «الأولمبيكو» الشهير عام 2009، ليأتي فلورنتينو بيريز في ولايته الثانية بسلسلة من الصفقات ماركة «الغالاكتيكوس» في مقدمتهم الهداف التاريخي كريستيانو رونالدو، وشريك رحلة النجاح في الخط الأمامي كريم بنزيمة، والساحر البرازيلي الأنيق ريكاردو كاكا، ومع ذلك عجز الفريق المدريدي على الوقوف في وجه الطوفان الكتالوني في وجود المدرب التشيلي مانويل بيلغريني، ليقع اختيار الإدارة على بطل دوري الأبطال وأول وآخر ثلاثية في تاريخ الإنتر الإيطالي جوزيه مورينيو، في ما كان أشبه بالتكليف الصريح بإنهاء غطرسة ليونيل ميسي ورفاقه في أسرع وقت ممكن، حيث كان بيريز ومجلسه المعاون على قناعة تامة بأن مورينيو يملك من الشخصية والكاريزما والحضور ما يكفي لتقريب المسافات الضوئية مع برشلونة غوارديولا الرهيب، وهو ما فعله بشكل تدريجي، لكن بعدما تلقى هزيمة ساحقة في أول كلاسيكو في الليغا، وآنذاك انحنى بخماسية مذلة، قبل أن ينجح تحويل مواجهات الكلاسيكو إلى معارك متكافئة وقابلة لكل الاحتمالات حتى نهاية حقبته، وهذا تقريبا ما يريده النادي المدريدي من كلوب في المرحلة القادمة، باعتباره مورينيو هذا الزمن، القادر على الوقوف في طريق مشروع برشلونة المخيف على المدى المتوسط، تماما كما كان يحدث مع جيل ميسي مع بداية دخوله مرحلة النضج الكروي تحت قيادة الفيلسوف، الفارق أن المدرب الحالي الذي يشرف على المشروع الكتالوني الشاب هو المدرب الألماني الصارم هانزي فليك، ومن منطلق «لا يفل الحديد إلا الحديد»، تُجمع جُل المصادر المقربة من الرئيس، أنه على قناعة تامة بأن كلوب هو الوحيد على هذا الكوكب القادر على التصدي لغطرسة مواطنه الكروية في الملاعب الإسبانية، وقد تمتد إلى المستوى القاري، خاصة بعدما كان على بعد خطوة واحدة من التأهل للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، لولا بعض التفاصيل البسيطة أمام أفاعي «جوسيبي مياتزا» في ملحمة إياب نصف النهائي، وهذا يعني أن عالم كرة القدم والجمهور الإسباني قد يكون على موعد مع كلاسيكو بطعم «الكلاسيكر» الألماني الذي يُطلق عادة على مواجهات القمة في الدوري الألماني بين بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند، متمثلا في وجود فليك في الجبهة الكتالونية وابن جلدته كلوب في الطرف المدريدي.
طموحات مشتركة
صحيح كلوب ليس بتلك الصرامة التي تروج عن فليك، لكن الشيء المؤكد أنه مدرب لا يعرف مصطلح المجاملة عندما يتعلق الأمر بمصلحة الفريق، كواحد من القلائل الذين يرفعون دائما وأبدا شعار «مصلحة الجماعة فوق الجميع»، وهذا الأمر سيجبر الجميع على تقديم التضحيات التي يطلبها المدرب سواء في التدريبات الجماعية أو المباريات الرسمية، حتى يتحولوا إلى وحوش كاسرة كما فعلها من قبل مع محمد صلاح وساديو ماني وروبرتو فيرمينو وباقي الجيل الذهبي الذي أعاد لقب البريميرليغ لليفربول بعد غياب دام 3 عقود. وعلى سيرة ثلاثي الريدز المخيف، تبقى هذه واحدة من أبرز المواصفات الإيجابية التي يريدها بيريز من كلوب، كمدرب معروف عنه كفاءته في إخراج أفضل ما لدى نجومه، خصوصا أسلحته الفتاكة على أطراف الملعب وسعيد الحظ في مركز المهاجم الوهمي رقم (9.5)، وهي تقريبا نفس الأسلحة التي تحتاج لمن يعيد بريقها مرة أخرى في مدينة «الفالديبيباس»، وفي رواية أخرى «التركيبة السحرية» التي تطوع طاقة وموهبة كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وجود بيلينغهام وروديغو غوس (بعد تعافيه من إصابته السيئة) لخدمة المنظومة الجماعية، تلك المعادلة التي استعصت حتى على الميستر كارليتو في موسمه الأخير في ولايته الثانية في «سانتياغو بيرنابيو»، وكانت سببا في ذهابه إلى بلاد السامبا البرازيلية الصيف الماضي، لكن مع كلوب، قد تسير الأمور كما يخطط لها ويتمناها بيريز والجميع في النادي، شريطة أن يأتي المدرب المحتمل بنفس الطاقة والحماس والشغف، وبنفس الحالة المبهجة التي استهل بها مغامرته الأسطورية في «الآنفيلد»، وذلك لحاجة غرفة خلع الملابس لهكذا طاقة إيجابية، بعد فشل تجربة تشابي ألونسو، وما تبعها من شكوك لا تنتهي بشأن مستقبل ألفارو أربيلوا بعد انتهاء هذا الموسم.
وكما يحتاج الريال لمدرب بنفس شخصية مواصفات كلوب، لضمان مستقبل الفريق في ما تبقى من هذا العقد، أيضا صاحب الشأن ما زال بحاجة لتجربة بهذا الوزن، تجربة مع احد فرق الصفوة، او كما يقولون واحدا من أشهر 3 أندية على هذا الكوكب، ليثبت أنه يستحق تخليد اسمه في دفاتر كاتب التاريخ، غير أنها ستكون فرصة مثالية بالنسبة له لتعزيز أرشيفه من البطولات، بعد التخلص من عناء منافسة بيب غوارديولا في بلاد الضباب. لذا من ناحية المنطق والعقل، سيكون من الصعب فشل تجربة كلوب والريال، خاصة لو حصل على بعض التدعيمات الجوهرية على مستوى محور قلب الدفاع وخط الوسط، لكن قد تحدث أشياء أخرى خارج التوقعات في الأسابيع المتبقية على انتهاء الموسم، مثل نجاح المدرب الحالي في تحقيق معجزة على الطريقة الزيدانية، لا سيما بعد الانتصار المظفر الذي تحقق على حساب مانشستر سيتي بثلاثية نظيفة في ذهاب دور الـ16، أو قد يقع الاختيار على الأرجنتيني الوسيم ماوريسيو بوتشيتينو بعد انتهاء عقده مع المنتخب الأمريكي عقب المونديال، أو يظفر أوناي إيمري أو ماكس أليغري بالمنصب المرموق على مقاعد «البيرنابيو»، لذا دعونا ننتظر ونراقب ما سيحدث بعد نهاية الموسم.
القدس العربي



