أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

المثقف السوري بين استعادة الفضاء العام وإعادة تعريف دوره/ ميشال شماس

أبريل 23, 2026

في الخمسينيات، عاش المثقف السوري واحدة من أكثر المراحل حيوية في تاريخه. فقد كان يتحرك داخل فضاء سياسي مفتوح نسبياً، صحافة مستقلة ونقابات فاعلة وجامعات نشطة، وقاد نقاشات عامة حول الدستور والديمقراطية والهوية بوصفه صاحب رأي ومنتج معرفة، كما شارك في صناعة الرأي العام.

لكن هذا الدور بدأ يتآكل في عهد الوحدة مع عبد الناصر الذي عطل الحياة السياسية والمدنية، ثم تراجع أكثر بعد استيلاء حزب البعث على السلطة، إلى أن اختفى تقريباً في عهد حافظ الأسد ومن بعده ابنه، اللذين حوّلا الدولة إلى منظومة أمنية مغلقة ترى في الرأي المختلف تهديداً لا قيمة معرفية. فانكمش المجال العام، وتحوّل المثقف من فاعل في النقاش إلى مراقَب داخل فضاء شديد الحساسية تجاه أي اختلاف.

هذا التحوّل السياسي ترك أثره العميق على الثقافة والتعليم واللغة. ويكفي أن نقارن لغة الأحكام القضائية في الخمسينيات والستينيات، التي كانت تُكتب بقدر كبير من الدقة والرصانة والبلاغة، بالنصوص القضائية في عهد الأسدين، حيث امتلأت بالأخطاء والركاكة، لندرك حجم الانحدار. هذا المثال وحده يكشف كيف تراجع احترام اللغة كأداة للعدالة، وكيف أصبحت اللغة مرآة لانهيار البنية التعليمية التي كانت تنتج القاضي والمحامي والمثقف. فاللغة نفسها أصبحت مرآة لتفكك المجال العام، ولتراجع مكانة المعرفة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

في بيئة كهذه، كان من الصعب على المثقف إنتاج معرفة مستقلة. فالمجال العام فقد أدواته الأساسية من لغة دقيقة وتعليم قادر على تكوين عقل نقدي ومؤسسات تحمي النقاش من الانزلاق إلى التخوين. ومع غياب هذه العناصر، تقدمت الشعارات على الأفكار والانفعالات على التحليل والولاءات على المعايير وتحوّل النقاش إلى صراع هوياتي لا إلى مساحة تفكير. وتم تحميل الكلمة بما يفوق معناها وأصبح ينظر للرأي بوصفه اصطفافاً.

كما تغيّرت علاقة المجتمع بالمعرفة. فالقارئ الذي عاش عقوداً داخل دولة تُعاقب التفكير وتكافئ التلقين، لم يكن قادراً على التخلّص من أثر تلك التجربة دفعة واحدة. فالثقافة التي تشكّلت تحت القمع لا تزول فوراً بمجرد تغيّر الظروف السياسية. لذلك كان من الطبيعي بعد سقوط الأسد أن يحمل معه ذلك الإرث الثقيل إلى المجال العام الجديد، ولكن بوتيرة أشدّ وأكثر حدّة في تصنيف الرأي كموقف سياسي، وأن يبحث عن نوايا صاحبه بدل النظر في حجته، وأن يزداد تراجع حضور النقاش العقلاني، وصعود خطاب الانفعال والاتهام، لتتحول الثقافة من أداة لفهم الواقع إلى ساحة فرز. ويصبح المثقف مطالباً بتقديم “هوية سياسية” قبل أن يقدّم رأياً.

ومع اتساع دائرة الشك والانفعال، وجد المثقف نفسه داخل فضاء يضيّق عليه قبل أن يصغي إليه. فكل محاولة لطرح فكرة تُقرأ كإعلان انتماء، وكل مراجعة تُفسَّر كتحوّل في الولاء، وكل نقد يُفهم كطعنة في “المعسكر” الذي يُفترض أنه ينتمي إليه. عند هذه النقطة، اندفع بعض المثقفين بحجة المحافظة على الاستقرار إلى تبرير سياسات السلطة دون مساءلة، بينما اكتفى آخرون بالنقد والرفض من دون أن يقدّموا أي خيار عملي يمكن البناء عليه.

ولكي يستعيد المثقف دوره ويكون فاعلًا ومسموعاً، خصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية، عليه أن يوازن بين نقد السلوك والأخطاء وتقديم بدائل عملية، وبين الاعتراف بأن هذه المرحلة صعبة بطبيعتها وتتطلب صبراً وترشيداً في التوقعات. فخطاب النقد المستمر دون تقديم بدائل ممكنة يقود في النهاية إلى الإحباط، كما أن الخطاب التمجيدي التبريري يشجع على التمادي في الخطأ.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى فضاءات نقاش مستقلة تُحوّل النقد من ردّ فعل انفعالي إلى عمل منظم يمكن البناء عليه، وهي الخطوة التي تفتح الطريق أمام مقاربات عملية أوسع لاستعادة دور المثقف في المجال العام.

وعليه، فإن أولى خطوات استعادة هذا الدور تبدأ ببناء منابر مستقلة وآمنة للنقاش تتيح تبادل الأفكار بعيداً عن لغة الاتهام والتخوين. فالبلاد تحتاج إلى صحافة مستقلة، ومراكز فكرية منفتحة، وفعاليات عامة تحترم تعددية الآراء وتربط بين الخريطة الفكرية واحتياجات المواطن اليومية.

وثانيها، أن يعيد المثقفون تعريف أدوات عملهم، فالنقد لا قيمة له إذا بقي غاية في ذاته، بل يجب أن يتحوّل إلى قوة دافعة للتغيير. وهذا يستدعي من المثقف استعادة صلته بالناس عبر بناء جسور ثقة حقيقية. فالجمهور لا يبحث عن خطاب جميل بقدر ما يبحث عن صدقية في الموقف واتساق بين القول والفعل. والمثقف الذي يشارك الناس همومهم، ويقدّم معرفة مرتبطة بحياتهم اليومية، يصبح جزءاً من المجال العام وقادراً على المساهمة في تشكيل الوعي.

أما الخطوة الثالثة فهي استعادة الاستقلالية كي يتحرر المثقف من ضغط الاصطفافات ومن إغراءات القرب من السلطة أو المعارضة، ويبني مواقفه على معرفة دقيقة وقراءة هادئة للوقائع. فالاستقلالية تمنحه القدرة على اتخاذ مسافة نقدية من الجميع دون أن يفقد صلته بالناس وقضاياهم. والمثقف الذي يحافظ على هذه المسافة يصبح أكثر قدرة على إنتاج خطاب متوازن، لا يساوم على الحقيقة ولا ينجرّ إلى الاستقطاب.

قد يبدو هذا الكلام مثالياً أمام واقع بلد مدمر، لكن استحضار حجم الخراب لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لتعليق المطالبة ببناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا الولاء، ولا إلى مبرّر للكفّ عن النقد. فالمجتمعات الخارجة من الكوارث لا تتعافى بالانتظار، بل بخلق مساحات للنقاش وآليات مشاركة مجتمعية حقيقية تُشرك شرائح واسعة في صياغة السياسات وتحديد أولويات التعافي.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى