المظلومية في سؤال بناء الدولة السورية: عندما يصبح الألم رأسمال سياسي في الصراع على السلطة/ علاء الخطيب

25-04-2026
ليس السؤال في سوريا اليوم من يحكم، ولا حتى من انتصر. السؤال الأكثر حضوراً، وإن لم يُطرح بصراحة، هو: من هي الضحية الحقيقية؟ ومن هي الضحية القادمة؟
منذ سقوط النظام، لم يبدأ صراعٌ على شكل الدولة أو برنامجها السياسي فقط، بل على امتلاكِ الألم. كل جماعة تستدعي ذاكرتها المثقلة بالجراح، لا لتروي ما حدث فقط، بل لتؤسِّس شرعيتها الأخلاقية في الحاضر.
الآلام السورية فوق التصوُّر، تمتدُ منذ عقود من عهد الحكم الديكتاتوري المخابراتي، وتضاعفت خلال الأربع عشرة سنة من عمر الثورة والحرب. إنها آلام هائلة تجعل من عملية إعادة البناء الاجتماعي والنفسي المهمةَ الأصعب. لكن ما حدث هو أن الألم تحوّلَ من تجربة إنسانية تستدعي العدالة، إلى رأسمال سياسي يُستخدَم لإغلاق المجال العام لا لفتحه.
فكل فئة سورية باتت تحمل وجعها كـ«نص مُقدَّس» لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتنظر إلى وجع الآخر كـ«سردية مشكوك فيها»، وكأن أرض الأنبياء لم تنسَ بعد محنة أنبيائها أمام مُكذِّبيهم. وقد يُقال إن الحروب تنتهي حين تتوقف المدافع، لكن الحالة السورية تكشف عن نوع آخر من الحروب التي تبدأ لحظة توقف الحرب الأولى، لتندلع بعدها حروب جديدة تحمل رايات المظلوميات، وتشهدُ صراعات على «احتكار الألم»، عندما لا يتصارع الناس على برامج سياسية أو رؤى اقتصادية، بل يتسابقون لإثبات أحقيتهم بلقب «الضحية الأولى».
فكيف تَحوَّلَ الجرح من دافعٍ نحو العدالة إلى «رأس مال سياسي» يُعطِّلُ بناء الدولة؟
في هذا المناخ، لم تعد المظلومية مجرد وصف لمعاناة، بل أصبحت هوية كاملة. والهوية، حين تُبنى على الألم، تميلُ إلى الدفاع عن نفسها أكثر مما تميلُ إلى التعاقُد مع الآخرين. هنا يبدأ الخلل: فالدولة لا تُبنى من تفوّق أخلاقي، بل من توزيع مسؤولية.
المظلومية
المظلومية (Victimhood)، في أصلها، شعور إنساني مشروع. هي استجابة طبيعية لانتهاك أو قهر أو خسارة لا يمكن إنكارها، وعند الجماعات هي حالة اجتماعية ونفسية تتعمَّق عندما تتبنى جماعةٌ ما شعوراً مشتركاً بأنها تعرّضت لظلم مُتعمَد ومُمنهَج من قبل جماعة أخرى. يتحول هذا الشعور الجماعي إلى هوية جمعية، ما يُعزز تَماسُك الجماعة داخلياً، لكنه في الوقت ذاته يُغذّي مشاعر العداء تجاه الجماعات الأخرى، ويُؤسِّس لما يُعرف باسم «عقلية نحن مقابل هم».
وسوريا، بكل مكوناتها، تملك من الذاكرة الجريحة ما يكفي لإثبات ذلك. غير أن المشكلة لا تبدأ عند الألم نفسه، بل عند تَحوُّله إلى هوية سياسية دائمة. فحين تُصبح المظلومية تعريفاً للذات، لا مجرد تجربة مرّت الذاتُ بها، تتحول من مطلب عدالة إلى إطار يُحدِّد من هو الصديق ومن هو العدو، ومن يستحق الكلام ومن يجب أن يصمت. ففي لحظة الفوضى، تبدو هوية الضحية أكثر أماناً من هوية المُواطن؛ فالمُواطن يُطالَب بالمشاركة والمُساءلة والتنازل، أما الضحية فلا تُطالَب إلا بالاعتراف بمظلوميتها.
في هذه اللحظة تحديداً، يتبدّل موقع المظلومية: من دافع أخلاقي نحو المُساءَلة، إلى مصدر شرعية جاهزة. لا يعود المطلوب إثبات برنامج أو تقديم تَصوُّر سياسي، بل يكفي استدعاء الألم لتبرير الموقف. وهنا تبدأ السياسة بالتراجع أمام العاطفة، ويتحول النقاش العام من بحثٍ في المستقبل إلى منافسةٍ في سرد الماضي.
ميكانيكا «نحن وهم»: المظلومية كدرعٍ وسيف
في المختبر السوري، لم تبقَ المظلومية حبيسة الصدور، بل تحولت إلى «أداة وظيفية» لإدارة الصراع. لقد أتقنَ نظام الأسد مبكراً استخدام «مظلومية الأقليات» كدرع يحتمي خلفه من استحقاقات الديمقراطية، مُصوِّراً الدولة كحارس وحيد ضد «فناء حتمي» يتربَّص بالمكونات الصغيرة؛ وساندته في ذلك موسكو، التي ما فتأت تكرر في خطابها الرسمي أن تَدخُّلها يهدف إلى حماية الأقليات من خطر «الأكثرية السنية».
بالمقابل، وبعد سقوط نظام الأسد، تضاعفت لدى قطاعات من المعارضة «مظلومية الأكثرية السنية» التي استُخدمت كسيف أخلاقي؛ سلاح يمنح صاحبه حق تجاوز المحاسبة أو نقد الذات، بذريعة أن حجم التضحية يمنح «تفويضاً مطلقاً» للتقرير نيابةً عن الجميع.
هنا نلمس جوهر «العطالة السياسية»: المظلومية حين تتحول إلى «أمرٍ واقعٍ» أخلاقي، فإنها تمنح أصحابها حصانة ضد القانون. فالضحية، في عُرف الاستقطاب السوري، لا تُخطئ، ولا تحتاج للاعتراف بالآخر، لأنها ترى في أي تنازل «خيانة لدم الضحايا». وهكذا، يتحول «رأس مال الألم» إلى العائق الأكبر أمام «التعاقُد الوطني»؛ فالدولة في جوهرها هي عقد مساواة بين مواطنين، بينما المظلومية هي «تراتبية في الأحقية» تقوم على عمق الجرح، لا على جدارة المواطنة.
هذه المظلوميات رغم أنها نَبتت من تربة آلام حقيقية وعميقة، لكنها أصبحت، ضمن تعقيد الصراع المستمر على وفي سوريا، أداةً وظيفية تخدم أنواع الصراعات المختلفة، ما يصبُّ في زيادة صعوبة تحقيق التعاقد الوطني المنشود.
لماذا يميل المجتمع السوري إلى تقديس المظلومية؟
للمظلومية جاذبية عميقة تُهدّد المجتمعات عموماً في أوقات الأزمات. فالمظلومية تمنح الجماعة معنى واضحاً في عالم مضطرب؛ تمنحها تفسيراً بسيطاً لما حدث: نحن الخير الذي تَعرَّضَ للشر. هذا التفسير مُريح نفسياً، لأنه يُعفي الذات من مراجعة أخطائها، ويُحوِّلُ السياسة إلى أخلاق مطلقة. إنها هروب من شعور مرير، يَنتُجُ عن فقدان كل شيء بما في ذلك الهوية الحقيقية، إلى هوية المظلوم التي تُبرّر الواقع وتُساعد على التعايش معه.
تُذكِّرُنا هذه الميكانزمات النفسية والاجتماعية بالسلوك المصاحب للإيمان بنظريات المؤامرة. فنظريةُ المؤامرة تستند أيضاً إلى إيمان عميق بوجود جماعة شريرة تَكيدُ وتؤذي، وهي تقدم أيضاً تفسيراً سهلاً وعاطفياً للأزمة التي تضرب الجماعة، وفي الوقت نفسه تعفي الجماعة والأفراد من المسؤولية. ولنظريات المؤامرة انتشارٌ واسعٌ تَلاقَى مع سردية المظلومية في المجتمع السوري.
لقد ترافقت المظلومية ونظريات المؤامرة في التحكُّم بالمجتمعات العربية منذ عقود طويلة. فقد رسَّخَت النظم العربية الحاكمة، والتيارات القومية السياسية، والتيارات الإسلامية السياسية، نظريةَ مؤامرة الغرب على العالم العربي، بِدءاً من الاستعمارات واغتصاب فلسطين. وعلى التوازي تَرسَّخَ شعور مظلومية عميق تجاه المتآمرين. وقد ازدادت قوة هذه المنهجيات مع اشتعال الحرب الإعلامية ما بين السنّة والشيعة بعد وصول الخميني لحكم إيران، واحتدام الصراع على ضفتي الخليج العربي، حيث استخدم الطرفان حجة المظلومية أمام الآخر، وأن الطرف الثاني جزءٌ من مؤامرة كونية ضد الإسلام السنّي أو الشيعي.
الطائفية لم تكن طارئةً على المجتمع السوري، فهي موجودة منذ وجود الطوائف والقوميات كما هو حال غالبية المجتمعات، لكن هذه الطائفية لم تصل إلى مستويات خطيرة على المستوى المجتمعي إلا مرات نادرة تاريخياً. مع استلام حافظ الأسد السلطة في بداية سبعينيات القرن الماضي، سادَ الشارع السوري فكرة أن الحاكم علوي وأن العلويين قد استولوا على السلطة. حافظ الأسد، وانطلاقاً من مبدأ «فرق تَسُد»، لم يعمل على مواجهة الخطر الطائفي، بل استثمر فيه وعزَّزَ الوهم الشعبي القائم على فكرة «النظام العلوي»، من خلال بناء هرم سلطة موزّع بشكل طائفي وقومي وعشائري، وإن كان غير معلن رسمياً. وقد كان تمرد الإخوان المسلمين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، الذي حمل شعار «إسقاط النظام العلوي»، حافزاً إضافياً لحافظ الأسد ليضبط بنية السلطة في سوريا، ويُعزّز مبدأ «فرق تَسُد» من خلال الاستفادة من الخوف المتبادل بين الطوائف والقوميات. في كل الأحوال، يؤكد انفجار الطائفية بعد 40 سنة من حكم الأسدين الديكتاتوري أنهما استثمرا فيها، إذ لا يمكن لمثل هذه الأزمات أن تنفجر خلال سنة أو سنوات قليلة بدون وجود أرضية تاريخية تستند إليها.
بعد الثورة السورية انفجرت الأزمة الطائفية، التي كانت نيراناً تحت السطح، خصوصاً مع تَدفُّق المال والسلاح ضمن أجندات الدول المتدخلة بالأزمة السورية، وصعود الفصائل الإسلامية السُّنّية تحت شعار محاربة النظام العلوي، وتدخل الفصائل الإسلامية الشيعية مساندةً لنظام الأسد، والحملات الإعلامية المكثّفة التي استثمرت بالتفسير الطائفي للأزمة السورية.
فكان أن زادت المظلومية السنّية أضعافاً خلال الأربع عشرة سنة بعد الثورة، وبدأت تتزايد مظلوميات المكونات الأقل عدداً، إلى أن انفجرت بعد أن استلم السلطة في سوريا فصيل إسلامي ذو خلفية جهادية سنّية طائفية، والذي كما يبدو من سياسته أنه أيضاً يُريد الاستثمار في التركيبة الطائفية والقومية والعشائرية للمجتمع السوري لصالح سلطته والاعتماد على نفس مبدأ «فرق تَسُد».
لم يكن مفاجئاً أن شعور المظلومية السُّنّية لم يتراجع بعد سقوط نظام الأسد، مع انتشار وهمِ أن «السنّة يحكمون» الآن. فقد كان إطلاق مصطلح «تحالف الأقليات» الخادع دعماً كبيراً لسردية مظلومية الأكثرية، وجدارَ صدٍّ أمام شعور «النصر»؛ وبالمحصلة تخدمُ المظلوميةُ الحاكمَ لترسيخ سيطرته.
إذن، ومع سقوط نظام الأسد، كانت «الأكثرية» ما زالت تعيش وتعاني آلام المأساة، وكانت «الأقليات» جاهزة بعد أربع عشرة سنة من العنف المفرط، والحملات الإعلامية الكثيفة التي تُحذّرهم من الطرف السني الذي يعني الحكم الإسلامي، جاهزةً للالتجاء إلى سردية مظلومية مقابلة. ثم كانت مجزرتا الساحل والسويداء المُحفِّزَ الأكبر في ترسيخ سرديات المظلومية عند كل الأطراف.
هنا تتحول السياسة من إدارة اختلاف إلى معركة خلاص. كل طرف يتحدث بلغة اليقين، كأن الحقيقة استقرّت عنده نهائياً. ومع تَضخُّم هذا اليقين، يتراجع مفهوم «الممكن» الذي تقوم عليه السياسة، ليحلَّ محله تصور لاهوتي للصراع: حق مطلق في مواجهة باطل مطلق.
خوارزميات الفجيعة: حين يُصبح الألم «ترند»
لم يَعُد صراعُ المظلوميات حبيسَ المجالس المُغلقة، بل وجد في الفضاء الرقمي «وقوداً» لا ينفَد. هنا تتدخل التقنية لتعميق الاستقطاب؛ فمنصّات التواصل الاجتماعي، بطبيعة خوارزمياتها، لا تُروج للنقاش العقلاني أو البحث عن المُشترَكات، بل تنحاز للصرخة الأكثر إيلاماً والأكثر حدة لأنها تجلب «تفاعُلاً» أكبر. تحولت المظلومية في «غرف الصدى» الرقمية إلى «بضاعة سوقية» تُباع وتُشترى بالنقرات، حيث يجري تحويل ذاكرة الجراح إلى «هوية رقمية قتالية». في هذا الفضاء، يُصبح الاعتراف بألم الآخر «خيانة رقمية»، ويتحول التَراجُع عن لغة المظلومية إلى فقدانٍ للحضور والجمهور. فخوارزميات المنصّات لا تفهم الحقيقة، بل تقيسُ الانفعال. والانفعالُ الأعلى هو الذي يفوز بالانتشار.
أمّا النخب السورية، فقد وقع بعضها في فخّ «السهولة». فبدلاً من أن يلعب المثقف دور «مهندس العقد الاجتماعي» الذي يُفكك الأوهام، تَحوَّلَ كثيرون إلى «حكواتية للمظلومية». لقد استمرأوا دور «الندّابين» على أطلال آلام جماعاتهم لأنها تمنحهم شرعية سريعة وجماهيرية عاطفية، مُتهرِّبين من مواجهة الحقيقة القاسية: إن المظلومية، مهما بلغت عدالتُها، لا يُمكن أن تكون دستوراً لبناء دولة، بل هي، بصيغتها الراهنة، «قنبلة موقوتة» تُفخِّخُ المستقبل.
من هوية الضحية إلى هوية المواطن؟
الآلام السورية ليست مادة للجدل ولا موضعَ مُزايدة. هي حقيقة دامغة، مُوثَّقة في الذاكرة والقبور والمنافي. والاعترافُ بها شرط لأي حديث عن المستقبل. لكن تحويل هذا الاعتراف إلى هوية سياسية مُغلقة هو ما يستحق النقاش.
لا يمكن مطالبة السوريين بالتخلي عن مظلومياتهم، فالألم ليس خياراً يمكن إلغاؤه بقرار سياسي، خاصة في الحالة السورية حيث تجاوز الألم أسوأ الكوابيس؛ لكن ما يمكن فعله هو إعادة موضعته. الفرق بين هوية الضحية وهوية المواطن ليس في حجم المعاناة، بل في موقعها داخل السردية العامة. الضحية تطلبُ الاعتراف، أمّا المُواطن فيُطالِبُ بالقانون. الضحية تبحث عن تعويض أخلاقي، أمّا المُواطن فيبحث عن عقد متساوٍ يحمي الجميع، بمن فيهم خصوم الأمس.
سورية تواجه سؤالاً صعباً جداً، لأن كمية الألم هائلة، وبالتالي فالانتقالُ من سلوكيات ورؤى المظلومية، إلى سلوكيات العقد الاجتماعي ورؤى الدولة، ربما يكون الأصعب في الفضاء السوري. قد تكون الخطوة الأولى في تفكيك سلوكيات المظلومية هي الاعتراف بآلام الآخر وعدم احتكار الألم؛ والتخلي عن محاولة احتكار الأخلاق والوطنية، فقد سيطرت على مختلف الجماعات السورية أصوات تحتكر الأخلاق والوطنية في جماعاتها وتسلبها من الآخرين، والحدُّ من قوة هذه التوجهات وسيطرتها ضرورةٌ قصوى في المراحل الأولى. وهنا يجب ألا يقع الاعترافُ في فخ القياس، بمعنى الانتقال للتنافس على من تألم أكثر وكأننا أمام بضعة عشر شخصاً يُمثّل كل منهم طائفة أو قومية، وأحدهم تألَّمَ أكثر من الآخرين. فنحن هنا أمام ملايين من السوريين، ومئات الآلاف من الضحايا، ولا يُمكن القبول بادعاء أنه بما أنني أنتمي لهذا المكون السوري الذي قُتل منه أكثر بكثير من البقية، فأنا أمتلكُ حقاً أَوْلى وأهمَّ من حقوق الآخرين.
في الواقع، لا يكفي أن تعترف الجماعات بآلام بعضها، فالاعتراف العاطفي لا يبني دولة. ما يبني الدولة هو تحويلُ الألم إلى حق قانوني عام، لا إلى امتياز جماعي. والمُواطَنة لا تَسأل: من تألم أكثر؟ بل تسأل: ما هي القاعدة التي تحمي الجميع من الألم مستقبلاً؟ فالدولة لا تُبنَى كي تُنصِفَ الضحية، بل كي تَمنَعَ إنتاج ضحايا جدد.
وهنا تبرز أهميةُ العدالة الانتقالية ومحوريتُها بمفهومها الواسع. فالعدالة الانتقالية لا تهدف فقط إلى معاقبة المجرمين ومنتهكي حقوق المواطنين، بل أيضاً تهدف، وهو الأهم، إلى تقديم التعويض المعنوي أولاً، ثم المادي حسب الممكن. العدالة الانتقالية تُخرِجُ سرديات المظلوميات من تَضخُّم الانفعال الذاتي الجماعي، الذي يميل في هذه الحالة لتضخيم المعاناة الذاتية وتحجيم معاناة الآخرين. فالعدالة الانتقالية ليست فقط إجراءً قانونياً بحتاً، بل هي عملية حوارية إعلامية اجتماعية سياسية، تستخدم الإعلام والتعليم، بهدف حماية حقوق الضحايا والمواطنين، وتعويض المُتضررين قدر الإمكان. والعدالة الانتقالية هي الآلية التي تنقل الألم من الشارع إلى المؤسسة، ومن الثأر إلى القانون.
من لاهوت الخَلاص إلى فن إدارة الاختلاف
إن العائق الأكبر أمام التحوُّلِ نحو المواطنة في سورية هو بقاء السياسة أسيرةً لـ«لغة الخلاص». فهوية الضحية تميلُ بطبعها إلى صياغة شعارات تبدو أخلاقية لكنها إقصائية بنيوياً، مثل: «لن نُظلَم مرة أخرى» أو «لن نسمح بتكرار الماضي». هذه الشعارات، رغم صدقِ دَافِعِها، تُحوِّلُ الدولة في المخيال الجماعي إلى «مكافأة للضحية» أو «حصن للمُكوِّن»، بدلاً من أن تكون إطاراً للجميع.
المواطنة، في جوهرها، هي اعترافٌ شجاع بأن الاختلاف دائم، وأن الصراع يجب أن يكون سياسياً لا وجودياً. الانتقال نحو الدولة يبدأ حين ندرك أن الجمهورية ليست «يوتوبيا» تُنهي الألم بلمسة سحرية، بل هي مُؤسَّسة لإدارة الخلافات وتبريد الصراعات تحت سقف القانون. إننا بحاجة إلى «نزع القداسة» عن المظلوميات السياسية، لكي نتمكن من رؤية الآخر كـ«شريك في العقد» لا كـ«تهديد للناجين».
نحو جمهورية الأحياء في سوريا
كثرٌ هم «المظلومون» الذين يبشرون بمظلومياتهم في البلد، لكن «المواطنين» كادوا يختفون تحت ركام الهويات القتالية. إن سورية لن تنهض إلا إذا توقف السوريون عن عبادة جراحهم، وبدأوا في بناء مؤسساتهم.
الألمُ حقيقي، والعدالةُ مطلب لا مساومة فيه، لكن المظلومية حين تتحول إلى «رأس مال سياسي» تُصبح هي القيد الذي يمنعنا من السير نحو المستقبل. الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو الدولة تبدأ بكسر احتكار الألم، والاعتراف بأن وجعَ الآخر ليس إنكاراً لوجعي، بل هو الأرضيةُ المشتركة التي نلتقي عليها لبناء جمهورية تحمي الأحياء، وتُكرِّم الضحايا بالعدالة لا بالاستثمار في دمائهم. ربما لا يكون الخروج من سردية الضحية قراراً يُتَّخَذُ دفعة واحدة، لكنه يبدأ بلحظة إدراك بسيطة: أن الاعتراف بوجع الآخر لا ينتقص من وجعي، بل يحرره من أن يتحول إلى سلاح، فالدول لا تُبنى بالنوايا الطيبة، ولا بالبكاء على الأطلال، بل بجرأة الاعتراف وتَواضُع التعاقد.
موقع الجمهورية



