مراجعات الكتب

سيرة الرغيف: هوامش على تاريخ الخبز في سوريا/ محمد تركي الربيعو

في كتابه «قاموس الصناعات الشامية»، ينقل جمال الدين القاسمي بقايا أجواء القرن التاسع عشر وحياة الخبز في دمشق، حين يذكر أن الخباز كان يحصل على رغيف واحد مقابل كل مئة رغيف، وكذلك الأجير. هذه العلاقة البسيطة تعكس اقتصاداً قائماً على المشاركة أكثر من السوق الحديثة. وكان الخبز آنذاك مختلفاً عن خبز اليوم؛ سميكاً نسبياً، مصنوعاً من قمح يطحن بقشره، ويعرف في اللهجة الدمشقية باسم «راسو بعبو»، ولم يكن الخبز الأبيض منتشراً بعد. كما كان خبز التنور منتشراً بقوة، وكانت نساء الريف يبعنه في الأسواق القديمة في دمشق وحلب وغيرها.

لكن هذا الاستقرار النسبي انهار مع الحرب العالمية الأولى. وعندما دخلت الدولة العثمانية الحرب عام 1914 إلى جانب ألمانيا، فرض البريطانيون والفرنسيون حصاراً على بلاد الشام، وبدأت أزمة الخبز تتشكل تدريجياً. في البداية بقي الخبز متوفراً نسبياً، لكن مع استمرار الحرب تراجعت الزراعة، وتحولت الأولويات نحو الجيش والمجهود العسكري. ثم جاءت الكارثة الكبرى عام 1915، عندما اجتاح الجراد مناطق واسعة من سوريا ولبنان وفلسطين، والتهم المحاصيل الزراعية، لتبدأ واحدة من أكبر المجاعات في تاريخ المنطقة الحديث. من دمشق إلى بيروت إلى القدس، أصبح الخبز نادراً، وتحول الحصول عليه إلى معركة يومية. باعت عائلات كثيرة ممتلكاتها مقابل كيس قمح، وامتدت طوابير طويلة أمام الأفران، وسقط أطفال تحت الأقدام أثناء محاولات أمهاتهم الوصول إلى رغيف خبز. حتى نوعية الخبز تغيرت. لم يعد الناس قادرين على الاعتماد على القمح وحده، فاضطروا إلى خلط الطحين بالشعير ومواد أخرى، وظهر خبز رديء لا طعم له ولا رائحة. ويذكر أحد الزجالين اللبنانيين في تلك الفترة ساخراً من هذا الواقع: «اليوم نأكل خبز الشعير وغداً نبدأ بالنهيق». كما ظهر نوع من الخبز القاسي السميك عرف باسم «طوب خانة»، وكان يعد أساساً للجنود.

بعد سقوط الحكم العثماني، دخلت سوريا مرحلة الانتداب الفرنسي، ابتداءً من عام 1920. حاول الفرنسيون إعادة تشكيل الاقتصاد الزراعي بما يخدم مصالحهم، وشجعوا زراعات مثل الحرير على حساب القمح في بعض المناطق، لكن الخبز بقي القضية الأكثر حساسية لدى الناس. ومع ارتفاع الأسعار في الثلاثينيات، تحول الرغيف إلى شعار سياسي.

عام 1936، ارتفع سعر الخبز بنسبة كبيرة قاربت مئة في المئة، واندلعت احتجاجات واسعة، خاصة في المدن الصناعية مثل حلب ودمشق. لم تكن المطالب فقط مرتبطة بالاستقلال الوطني، بل أيضاً بحق الناس في العيش الكريم. أصبح الرغيف رمزاً للنضال الاجتماعي، وأحد أبرز عناوين العلاقة المتوترة بين المجتمع والسلطة الاستعمارية. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، عادت أزمة الخبز بقوة. كان شبح المجاعة الأولى ما يزال حاضراً في ذاكرة الناس، ولذلك بدأ السكان في سوريا ولبنان بتخزين القمح، خوفاً من تكرار الكارثة. اختفى الخبز من الأسواق، وعادت الطوابير الطويلة أمام الأفران، وبدأ القلق من انهيار الأمن الغذائي يزداد يوماً بعد يوم.

لكن المسألة هذه المرة لم تكن محلية فقط، بل كانت جزءاً من حسابات الحرب العالمية نفسها، فالبريطانيون كانوا يخشون من حدوث مجاعات واسعة في أوروبا نتيجة الحرب، وتعطل التجارة البحرية، وصعوبة نقل الحبوب من مناطق الإنتاج التقليدية، ولهذا نظروا إلى سوريا وبلاد المشرق، ومعها مناطق واسعة من الشرق الأوسط، بوصفها خزانات زراعية محتملة، يمكن أن تساهم في إنتاج القمح وتأمين الخبز، ليس فقط للسكان المحليين، بل أيضاً لدعم المجهود الحربي البريطاني وحماية مناطق نفوذهم من الانهيار الغذائي. كان الخوف البريطاني واضحاً، لأن الجوع لا يهدد الناس فقط، بل يهدد الولاءات السياسية أيضاً. فالمجاعات قد تدفع السكان إلى التمرد، أو إلى التعاطف مع القوى المنافسة، خصوصاً مع تقدم النفوذ الألماني في تلك المرحلة. لذلك لم ينظر البريطانيون إلى الخبز باعتباره ملفاً اقتصادياً عادياً، بل بوصفه جزءاً من الأمن الاستراتيجي للحرب.

ومن هنا جاء إنشاء ما عرف بمركز التموين للشرق الأوسط في القاهرة عام 1941، وهو جهاز هدفه الأساسي تنظيم إنتاج القمح، وضبط توزيع الطحين، ومراقبة الأفران، وضمان استمرار الخبز في الأسواق. كما عمل البريطانيون على تشجيع الزراعة المحلية، وزيادة المساحات المزروعة بالقمح، وتأمين احتياجات المدنيين والقوات البريطانية المنتشرة في المنطقة، وحتى دعم جبهاتهم في شمال افريقيا.

ولم يتوقف الأمر عند الزراعة فقط، بل امتد إلى تدخل مباشر في عمل الأفران نفسها، من خلال توزيع حصص الطحين ومراقبة الأسعار، في خطوة يمكن اعتبارها من البدايات الفعلية لتحول الخبز إلى ملف تديره الدولة بشكل مركزي. وكانت الحرب العالمية الثانية، بهذا المعنى، معركة على جبهتين، جبهة البنادق وجبهة الخبز، وربما فهم البريطانيون مبكراً أن الحفاظ على رغيف الخبز لا يقل أهمية عن الحفاظ على خطوط النار. بعد الاستقلال عام 1946، دخلت سوريا مرحلة جديدة. في الخمسينيات، ومع تغير الحكومات والانقلابات المتكررة، بقي الخبز مستقراً نسبياً، مقارنة بالمراحل السابقة، وبدأ الخبز الأبيض ينتشر أكثر في المدن، كما دخلت الأفران الآلية إلى دمشق وحلب وحمص، معلنة بداية نهاية مرحلة الخبز المنزلي التقليدي. لم تعد النساء يجتمعن كما في السابق لإعداد العجين، وبدأت الحياة الحضرية الحديثة تفرض شكلاً جديداً من الاستهلاك. لكن التحول الأكبر جاء مع وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1963. هنا دخل الخبز مرحلة التأميم الكامل. تم تأميم الأفران، وتوحيد شكل الرغيف وسعره وحجمه في جميع المدن السورية. أصبح الرغيف نفسه في دمشق وحلب ودير الزور والحسكة.

كان هذا جزءاً من مشروع الدولة المركزية، التي أرادت أن تجعل الخبز سلعة مدعومة تخضع بالكامل لسيطرة السلطة. مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، دخل الخبز في سوريا مرحلة مختلفة تماماً، يمكن وصفها بمرحلة «الخبز كسياسة دولة». لم يعد الرغيف مجرد سلعة غذائية مدعومة، بل أصبح جزءاً من معادلة الحكم نفسها، وعنصراً أساسياً في بناء الاستقرار الاجتماعي والسياسي. كان الأسد يدرك مبكراً أن السيطرة على الغذاء لا تقل أهمية عن السيطرة على الجيش أو الأجهزة الأمنية، فالدولة التي تستطيع تأمين الخبز بسعر منخفض تضمن قدراً كبيراً من الهدوء الاجتماعي، خصوصاً في بلد خرج من سلسلة انقلابات واضطرابات سياسية، وفي بيئة إقليمية شهدت انتفاضات مرتبطة بالمواد الأساسية، ولهذا تعامل النظام مع القمح والخبز بوصفهما ملفاً سياسياً وليس اقتصادياً فقط. خلال تلك المرحلة، أصبح شراء القمح من الفلاحين يتم عبر مؤسسات الدولة، وكانت الحكومة تحدد الأسعار وتتحكم بعملية التخزين والنقل والطحن والتوزيع.. دخلت المؤسسة العامة للحبوب ومؤسسات المطاحن والمخابز في قلب هذا النظام. كان الرغيف المدعوم جزءاً من العقد غير المعلن بين السلطة والمجتمع؛ الدولة توفر الخبز الرخيص، والمجتمع يقبل بقدر كبير من الصمت السياسي. لكن هذا الاستقرار الظاهري كان يخفي مشكلة كبيرة هي الفساد والبيروقراطية. انعكس ذلك مباشرة على جودة الخبز نفسه. ظهر ما عرف شعبياً باسم «الخبز العسكري»، وهو خبز كبير الحجم، خشن، ثقيل، مالح أحياناً، وغير مشوي جيداً في كثير من الأحيان. لم يكن الناس يشترونه لأنه الأفضل، بل لأنه الأرخص والأكثر توفراً. نشأت أجيال كاملة في سوريا وهي لا تعرف سوى هذا النوع من الخبز، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة اليومية لعقود الثمانينيات والتسعينيات.

مقابل هذا الخبز الحكومي، بقيت أنواع أخرى من الخبز نادرة ومحدودة. الصمون، أو الخبز الطري المعروف في العراق ولبنان، لم يكن منتشراً إلا في أفران قليلة جداً. كما أن خبز التوست أو الخبز الخاص بالسندويشات الحديثة لم يكن جزءاً من الحياة اليومية لمعظم السوريين، بل أقرب إلى رفاهية محدودة.

ومع بداية التسعينيات، حين بدأت ملامح انفتاح اقتصادي محدود تظهر، سمحت الدولة بافتتاح الأفران الخاصة، وظهر معها ما عرف شعبياً باسم «الخبز السياحي». كان هذا الخبز أصغر حجماً، أفضل طعماً، وأكثر جودة، لكنه أعلى سعراً. هنا بدأ الخبز يكشف عن انقسام طبقي واضح. هناك من يستطيع شراء الخبز الجيد، وهناك من يكتفي بخبز الدولة المدعوم. لم يعد الرغيف مجرد غذاء، بل أصبح علامة اجتماعية تميز بين الطبقات، حتى داخل الحي الواحد، وأحياناً داخل الأسرة نفسها.

مع بداية الألفية الجديدة، ومع وصول بشار الأسد إلى الحكم، دخلت البلاد مرحلة ما سمي باللبرلة الاقتصادية. توسعت الأفران الخاصة أكثر، وتحسنت أنواع الخبز الجديدة، مثل خبز البرغر والتوست والصمون، بينما تراجعت جودة الخبز الحكومي بشكل واضح. ورغم أن بعض الشرائح الاجتماعية استطاعت التأقلم مع هذا التحول، فإن شرائح واسعة بقيت معتمدة بالكامل على الخبز المدعوم بسبب الفقر وضعف القدرة الشرائية.

ثم جاء عام 2011، ودخل الخبز المرحلة الأكثر قسوة في تاريخه الحديث. لم تعد المشكلة في السعر أو الجودة فقط، بل في وجود الخبز نفسه. ظهرت الطوابير الطويلة، والبطاقات التموينية، وأصبحت ربطة الخبز هدفاً يومياً لعائلات كاملة. في كثير من المناطق، تحول الخبز إلى سلاح مباشر في الحرب، فالحصار كان يبدأ بقطع الطحين، والضغط على السكان يبدأ من الأفران.

قصفت طائرات النظام عدداً من المخابز في مدينة حلب، وقتل عشرات المدنيين الذين كانوا ينتظرون دورهم للحصول على الخبز، لم يكن ذلك مجرد استهداف لمبنى، بل استهداف لفكرة الحياة نفسها. حتى في مناطق المعارضة، ظل الخبز جزءاً من السياسة. ظهر مصطلح «ألوية الخبز» بوصفه تعبيراً ساخراً عن مجموعات مسلحة انشغلت بالغنائم والموارد أكثر من انشغالها بإدارة حياة الناس أو القتال. هنا أيضاً بقي الخبز معياراً أخلاقياً وسياسياً؛ من يسيطر على الخبز يسيطر على الناس، ومن يفشل في تأمينه يفقد شرعيته بسرعة.

اليوم، وبعد كل هذه التحولات، أصبح للخبز معنى آخر في حياة السوريين، لم يعد مجرد عادة يومية أو جزءاً من المائدة، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بفكرة البقاء على قيد الحياة. في معظم البيوت السورية، لا يمكن تخيل وجبة من دون خبز، مهما كانت بسيطة. الخبز حاضر مع الإفطار والغداء والعشاء، ومع الشاي أحياناً، وحتى مع الماء. يذكر أحد السوريين أنه لا يستطيع شرب الماء من دون قطعة خبز، في إشارة إلى مدى التصاق الخبز بحياته اليومية. بالنسبة لكثير من العائلات الفقيرة، لا يوفر الخبز فقط الإحساس بالشبع، بل يمثل الوجبة الأساسية نفسها. قطعة خبز مع زيت أو شاي أو لبنة قد تكون وجبة يوم كامل. حتى المطاعم الشعبية في الشوارع السورية تكشف هذه الحقيقة. كثير منها يعتمد على الخبز أكثر من اعتماده على اللحم أو المكونات الأخرى. السندويش نفسه قائم على الخبز، والزبون يبحث أحياناً عن كمية الخبز أكثر من نوع الحشوة. كل شيء في المدن السورية يبدو معجوناً بالخبز؛ البيوت، الأفران، الأسواق، الطوابير، وحتى الذاكرة.

لهذا فإن كتابة سيرة الخبز ليست أمراً هامشياً، بل سجل اجتماعي مفتوح، ونأمل أن يكتب تاريخه في المستقبل القريب.

كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى