“خفايا سقوط الأسد” لمنير الربيع: من الأبد إلى التحولات/ محمد حجيري

الاثنين 2026/04/27
يختار رئيس تحرير “المدن”، الزميل منير الربيع في كتابه “خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع”(دار رياض الريس -2026)، لحظة مفصلية متشعبة للكتابة عن سورية، هي لحظة سقوط أو هروب الأسد، ووصول الشرع الى السلطة بعد 14 عاماً من الثورة والحرب. فالأول وريث بيولوجي لحافظ الأسد ولنظام البعث والاستبداد، والثاني آتٍ من عالم مبهم، والده كان عروبيا ناصرياً، وهو تدرّج من مقاتل جهادي في العراق إلى شخصية متشعبة في الثورة والحرب السورية، ومن صوت شبحي بلا وجه في قناة “الجزيرة” إلى قائد ميداني على رأس الفصائل السورية المسلحة في قلب دمشق.
كان الاعتقاد السائد لسنوات، بعدما تحولت سورية الى ساحة صراع دولي وتتقاسمها أميركا وروسيا وإيران وإسرائيل وتركيا، وتسيطر عليها فصائل إسلامية وكردية ونظامية وداعشية وعشائرية.. أن بشار الأسد استمر في السلطة لعدم وجود بديل دولي متوافق عليه. نجا من موجة الاحتجاجات والثورات والمعارك، خصوصاً بعد تدخل روسيا والميليشيات الشيعية الإيرانية والافغانية واللبنانية، الزينبية والفاطمية، وقد يورّث بشار ابنه حافظ لاحقاً، ولكن في لحظة مفصلية تحوّلية، تصدعت الميليشيات الايرانية وتهاوى النظام الرابض على صدور السوريين منذ أكثر من نصف قرن “سقوط الأسد لم يكن مجرّد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار”(ص 24)، فـ”دمشق فجر الثامن من ديسمبر. تاريخ لن يمحى من ذاكرة السوريين، مهما حاولوا التعامل معه كحدث عابر”(ص 31)، “كان الخوف منتشراً طوال الوقت في الهواء”.
لكن شيئاً ما انكسر فجأة في ذلك الفجر: “امرأة تركض حافية في أحد أحياء دمشق، صارخة بأعلى صوتها من أعماق روحها: سقط الأسد”. “لم يكن هتافها شعاراً، كانت تصرخ”(ص 32)، لكن الزوج الخائف من زوجته المجنونة طلب أن تنام، “كان دفاعاً نفسياً أخيراًـ فسنوات مديدة على سورية بلا أمل”، لم يكن متوقعاً بعد سنوات من احتلال البعث الأسدي الفضاء العام والشارع والمدرسة والمقهى والإعلام والكتاب المدرسي والتاريخ والرياضة والأحلام، أن يبدأ سقوط تماثيل الأسد واتباعه وتُفتح الزنازين، لم يصدق السوريون كيف يمكن “للأبد” أن ينتهي. لكن “رحل الأسد بعد أن ترك البلد مثقلاً بالخراب”(ص 40)، مدن بكاملها لم يبق منها غير الركام والمقابر الجماعية جراء البراميل المتفجّرة والتعفيش الممنهج والتطهير الطائفي، لقد راهن الأسد على أن موقع سورية يحميه على الدوام، ولم يدرك أنه تخطى حدوده في “لعبة الأمم”، وفي لحظة ما، بعد عملية 7 أكتوبر في غزة و”حرب الإسناد” في لبنان ومقتل أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، تقطعت به الحبال والسبل، ووجد بشار الأسد نفسه “بلا حبل يمسكه أو يرقص عليه”.
قال بعض المحليين أن الأسد سقط في الضاحية الجنوبية لبيروت أو حارة حريك، لا في دمشق، سقط يوم اغتيال حسن نصرالله، فـ”ردع العدوان” انطلقت مع توقف حرب الإسناد، وما آلت إليه حرب إسرائيل على حزب الله، وما خلفته من خسائر نوعية.
يكتب منير الربيع عن لحظة مفصلية في سورية وما تعنيه في بلد كان موقعه الجغرافي موضع تجاذب بين الأمس واليوم، “سورية فيها الطرق بين العراق والعمق الآسيوي والبحر المتوسط، وتقع على الممرات المؤدية إلى مصر، وعلى الحدً الشمالي للجزيرة العربية”(ص 16) والمعطى السائد أنّ من يسيطر على سورية يسيطر على الشرق الأوسط، وسقوط الأسد أشعر كثيرين أنّ ما انهار ليس شخصاً أو حكومة، بل فكرة جسدتها كلمة “الأبد”.
لا يكتفي منير الربيع بالسرد التقريري، بل يعتمد على شهادات أشخاص في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل، و”الحسم كان نتيجة 14 سنة من التراكمات، ثورة وحرب دموية، خبرات، أخطاء، تضحيات، تحولات اجتماعية عميقة”(ص 26). صورة لم تصدق في البداية، لم يصدق المؤلف الخبر من اتصال صديق، ولم يصدق أنهم بدأوا فتح سجن صدنايا، “لم استطع أن أفرح فوراً”(119). ولحظة قرر الذهاب إلى دمشق، بعد عشرين عاماً على الزيارة الأخيرة، وهو الممنوع من زيارة سورية بسبب مساندته الثورة، ظلّت فكرة واحدة تدور في رأسه “الداخل إلى دمشق اليوم لا يحتاج إلى كتابة وصيته الأخيرة (123)، والانطباع الأول بعد سقوط بشار “لم يكن الخوف من سقوط النظام، بل من الفراغ الذي يليه”(132).
يسرد منير الربيع خفايا سقوط الأسد من مصادر ميدانية خاصة، وينقل رؤية أحمد الشرع لـ”سورية الجديدة”، بناء على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرب. ويرصد شخصية “الشرع متعدّد الطبقات”، البراغماتي ورجل المرحلة الانتقالية الذي يسعى إلى تحويل سورية من “ساحة حرب إلى مركز استقطاب”، و”من الخنادق إلى الدبلوماسية”. كانت اللحظة تتطلب الانتقال “من شرعة الثورة إلى شرعية الدولة”، وكان في ذهن أحمد الشرع “خط أحمر لا يجوز تجاوزه. ألا تتحول سورية الى نسخة جديدة من النموذج الليبي أو العراقي، حيث تفككت الدولة، وتوزعت السلطة بين جماعات مسلحة متنازعة”. وما حدث لم يكن شأناً سورياً داخلياً فحسب، كان تحولاً امتد أثره إلى المشرق كله. تغيّر التموضع السياسي، وتبدلتْ البوصلة الاقتصادية، وانتقلت سورية من الساحة والمعسكر الشرقي الروسي إلى مساحة أكثر انفتاحاً على الغرب أو صارت ما “بين بين”، بكل ما يحمله ذلك من تعقيدات وأسئلة.
يرى النظام الجديد أن سورية الجديدة “محور ربط تجاري بين الشرق والغرب”. وتحاول دمشق إعادة تموضعها “بوصفها عقدة وصل إقليمية، من خلال تعزيز علاقاتها مع تركيا والسعودية، وصولاً إلى إحياء رمزية خط الحجاز التاريخي كممر سياسي واقتصادي”(ص198). ويرصد المؤلف نقاط القوّة في سورية فهي “ليست فقيرة”، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين طرق وممرات عديدة، أو لناحية الموارد فيها من غاز وفوسفات ومعادن وأراض خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. و”القوة الحقيقة لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر”. في سورية تنوع سكاني وتركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد وهو ما يفرض تحدياً أساسياً في كيفية بناء الدولة والحفاظ على المجتمع. و”تملك سورية ما بعد الأسد فرصة التحول إلى ما يمكن وصفه بـ”الحصان الأسود في شرق المتوسط”(ص 203).
يقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة بتعقيد سورية نفسها، من النفط والموارد إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم، من روسيا إلى اميركا ومن البلدان العربية إلى تركيا إلى الجماعات السكانية من الدروز إلى الأكراد والعلويين، وصولا إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان “قائمة على التكامل”، على عكس النظام السابق الذي كرّس التبعية. في مقابل الاحتضان الدولي والعربي لسورية الجديدة “استخدمت اسرائيل القوة العسكرية، إضافة الى اعترافات داخل بعض المجموعات، للضغط على دمشق ولانتزاع مكاسب سياسية بعيدة المدى منها”(ص 244). ونتنياهو يسعى إلى “تخريب المسار السوري، لأسباب تتصل بحساباته الداخلية” (ص 243).
باختصار يرصد هذا الكتاب، سورية، من زمن الأبد إلى زمن التحولات والأسئلة والانتظار.
المدن



