العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

في ضرورة تأسيس هيئة وطنية للأرشيف السوري/ سعيد حجازي

أبريل 30, 2026

يشكل موضوع الوثائق والأرشيفات في العالم ملفاً سيادياً تخضع إدارته لمجموعة من المعايير والضوابط العلمية والأكاديمية. ولهذا الملف وظائف متعددة، تشمل دعم الحوكمة، وتوثيق الذاكرة التاريخية للشعوب، وتوفير مجال خصب للبحث العلمي بوصفه أحد المصادر الأولية المعتمدة، إضافة إلى البعد السياسي والاقتصادي حيث يسهم في توثيق التحولات الديموغرافية والمناطق الحدودية والملكيات والأوقاف وغير ذلك.

وإن غياب آلية مركزية موحدة لحفظ وتصنيف وإتاحة الوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة وفروع الأمن والحزب الساقط لا يُضعف فقط عملية اتخاذ القرار الحكومي، بل يُهدد أيضاً مسار العدالة الانتقالية ويؤدي إلى استمرار أنماط الفساد والإفلات من العقاب عبر إعادة توظيف عناصر النظام القديم داخل المؤسسات الجديدة.

إن مفهوم “حوكمة الذاكرة” يستند إلى إدراك أن الوثائق ليست مجرد مادة تاريخية جامدة، بل هي أداة فعالة في إعادة توزيع السلطة والمعرفة بعد انهيار الأنظمة الاستبدادية.

لهذا، فإن السؤال حول الأرشيف في سوريا اليوم هو سؤالٌ جوهري حول حوكمة الدولة ومستقبل العدالة فيها. يُظهر توثيق جرائم الأنظمة الاستبدادية في الأدبيات الدولية أن الاعترافات الشفوية وحدها لا تكفي قانونياً أو تاريخياً، لأن مبدأ “المسؤولية القيادية” في القانون الجنائي الدولي يتطلب إثبات وجود سلاسل أوامر واضحة وتوقيعات وتقارير دورية ومذكرات داخلية، وبدون هذه العناصر تظل حتى أكثر التهم توثيقاً عرضة للطعن أمام المحاكم.

كما أن ذاكرة الناجين والشهود، رغم قيمتها الأخلاقية والإنسانية العالية، تخضع للتقادم والنسيان والضغوط النفسية، في حين تبقى الوثيقة صامدة كدليل مادي، لذلك فإن أي تأخير في جمع وحماية الأرشيفات الأمنية والعسكرية السورية يعني خسارة متدرجة وغير قابلة للتعويض للأدلة الجنائية.

يحتل الأرشيف موقعاً مركزياً في إعادة تشكيل العلاقات الدولية للدولة السورية الجديدة، وتقدِّم الوثائق المحفوظة معلومات حول التعاون الأمني والاستخباري، واتفاقات التهريب، وتدفقات الأسلحة، وغسيل الأموال عبر بنوك أجنبية، وتبادل المعتقلين، والصفقات النفطية.

كما أن غياب أرشيف مركزي منظم يسمح لشبكات الفساد العابرة للحدود التي كانت تربط النظام السابق بجهات إقليمية ودولية بإعادة الظهور بأشكال جديدة. من منظور القانون الدولي، فإن الدول التي لا تحمي أرشيفها الوطني تُعتبر غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقيات الأمم المتحدة كاتفاقية مكافحة الفساد واتفاقية مناهضة التعذيب.

لذلك، فإن إنشاء هيئة وطنية للأرشيف في سوريا ليس مسألة داخلية، بل هو شرط أساسي لتعزيز الشرعية الدولية للدولة السورية الجديدة، وفتح آفاق التعاون القضائي والأمني مع الدول الراغبة حقاً في دعم العدالة والاستقرار.

تكشف المعطيات المتاحة حالات من “الاختراق المؤسساتي” عبر غياب قاعدة بيانات تاريخية، فالمؤسسات الحكومية لم تتمكن -بسبب غياب أرشيف مركزي- من إجراء تدقيق أمني وسياسي شامل للكوادر البشرية. وبالتالي، تمكن أفراد كانوا جزءاً من جهاز القمع أو الفساد من إعادة الظهور بوصفهم فاعلين جدد في الفضاء السياسي والإداري، دون أن تحمل ملفاتهم أي أثر لانتماءاتهم السابقة.

ويسمح غياب الأرشيف أيضاً بقيام علاقات تبادل منفعة غير مرئية بين فلول النظام وبين جهات فاعلة جديدة، تستند إلى معلومات سرية محتفظ بها خارج إطار الدولة.

على الصعيد الاقتصادي، فإن الكثير من مذكرات التفاهم والعقود المحلية والدولية المبرمة سابقاً لا تزال عصية على التنفيذ وبعيدة عن تطبيق مبدأ الشفافية. ويزيد غياب السجلات الأرشيفية من صعوبة استرداد الأموال المنهوبة أو مقاضاة المتورطين في صفقات فساد كبرى، كما يُعيق تطبيق معايير “الشفافية المالية” و”حوكمة القطاع العام”، وهما ركيزتان أساسيتان في أي إصلاح اقتصادي بعد الصراع.

كما أن المستثمرين الدوليين -خصوصاً أولئك المهتمين بإعادة الإعمار- لن يقدموا على استثمارات كبيرة في غياب أرشيفٍ للملكية والعقود والديون. لذلك فإن إنشاء أرشيف اقتصادي شفاف ليس مطلباً توثيقياً فحسب، بل هو شرط أساسي لإنعاش الاقتصاد السوري وجذب الاستثمار.

إن بقاء آلاف المخبرين والعناصر الأمنية داخل نسيج المؤسسات والمرافق العامة دون أي رقابة أو مساءلة يعوق بناء الثقة بين المواطن والدولة الجديدة، ويُبقي على بنية “الدولة الموازية” قائمة، ويُضعف أي مسار للمصالحة المجتمعية. يتطلب توثيق شبكات المخبرين الوصول إلى الأرشيفات الأمنية، حيث كانت تسجل أسماؤهم ومعلوماتهم، وبدون ذلك، تظل هذه الشبكات كامنةً قادرةً على إعادة تنظيم نفسها عند أول فرصة.

بناء على المعطيات السابقة، تعد أرشفة الوثائق السورية أولوية سيادية واستراتيجية تستلزم إنشاء هيئة وطنية للأرشيف، تكون لها الصلاحيات التالية: الاستلام والحصر الجبري لكافة الوثائق الورقية والإلكترونية من كل وزارة ومديرية وفرع أمني ومقر حزبي سابق خلال إطار زمني محدد، التصنيف والفهرسة وفق معايير دولية، الحفظ الرقمي وضمان عدم العبث أو التدمير. تحديد مستويات الإتاحة للجهات القضائية وللباحثين وللضحايا، بما يتوافق مع قوانين حماية البيانات الشخصية والخصوصية.

كما تتولى الهيئة الوطنية للأرشيف التنسيق مع هيئات العدالة الانتقالية لتزويدها بالوثائق المطلوبة في قضايا محددة، وتمتلك صلاحية “الاستعجال الأرشيفي”، أي: الحق في تثبيت وحماية أي وثيقة تتعرض لخطر التدمير أو العبث، حتى قبل استكمال إجراءات الحصر الشامل.

وتعمل الهيئة على مبدأ “الوصول التدريجي”، حيث تُصنف الوثائق إلى ثلاث فئات رئيسية: الأولى وثائق ذات أولوية قصوى كأوامر القتل والتعذيب التي يمكن الاستفادة منها في مسار العدالة الانتقالية. الثانية وثائق للإتاحة العامة التاريخية، ويمكن الاستفادة منها لأغراض المطالعة والبحث العلمي واتخاذ القرار. والثالثة وثائق حساسة لا تُتاح إلا لجهات معينة أو بعد مدة زمنية محددة.

هذا التصنيف لا يمنع الشفافية ولا يحد من إتاحة المعلومات، بل ينظمها ويحمي الخصوصيات. يحتاج استحداث هذه الهيئة إلى قرار من مستويات سياسية عليا، وأن تكون مزودة بموازنة مستقلة وفريق فني من الأرشيفيين والمؤرخين والمحققين.

إن إنشاء هيئة سيادية للأرشيف الوطني يؤدي إلى حراسة الذاكرة المؤسساتية بوصفها حقاً للمجتمع، ودعم مسار العدالة الانتقالية عبر الأدلة الموثقة، وتشكيل الهوية الوطنية القائمة على الحقيقة لا على النسيان القسري. وسوريا اليوم في مرحلة تاريخية مهمة تتطلب قراراً سيادياً قبل أن تتبدد الوثائق أو تتلف أو يُعبث بها أو تُستخدم كأدوات مساومة.

إن تأسيس هيئة وطنية للأرشيف شرط ضروري لأي انتقال سياسي ناجح. فبدون الذاكرة الموثقة، تتحول السياسة إلى مسرح للادعاءات المتقاطعة، وتتحول العدالة إلى إنصاف انتقائي عشوائي، وتتحول الدولة إلى غلاف هش لمحتوى قديم.

وبالعكس، مع أرشيف وطني قوي، يصبح بمقدور السوريين بناء دولة لا تقوم على النسيان القسري أو المصالح الضيقة، بل على حقيقة وموضوعية يمكن للجميع أن يرتكزوا عليها ولو بشكل مختلف. وهذه هي الوظيفة الأعمق والأهم للأرشيف: ليس فقط حفظ الماضي، بل تمكين المستقبل.

المدير العام للمكتبة الوطنية السورية

الثورة السورية

———————————-

 تبعثر الوثائق الأمنية السورية.. أزمة الذاكرة والعدالة بعد السقوط/ عصام اللحام

2026.04.28

تبعثرت في كل مكان ملايين الوثائق من المؤسسات والأفرع الأمنية والمعتقلات والسجون، مع تبخر النظام المخلوع بكل قواته وعناصره، في اللحظة الفارقة التي لم ينسها السوريون في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وهي اللحظة ذاتها التي ضاعت فيها تلك الوثائق في فوضى الفرح، وكانت كنزاً لا يُقدّر بثمن، ومباحاً في آنٍ معاً لكل من وصل أولاً أو حتى لاحقاً. فالتاريخ هنا توقف عند الخامسة وبضع دقائق من يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ولم يتحرك إلا بعد أن باتت كل المقرات مجرد جدران تختزن آلاف الآلام، وتخفي ذاكرة مئات آلاف الأرواح المعذبة، بلا وثيقة أو ورقة تثبت أن هناك من مرّ هنا واختفى.

“تسليع” الوثائق.. الاستحواذ المفتوح عليها

شكّلت وثائق النظام المخلوع، الأمنية منها على وجه الخصوص، سلعة تتبادلها وسائل الإعلام وبعض الجهات الحقوقية التي تصدر تقارير وتحقيقات استقصائية بشكل متقطع، في محاولة للقول للذاكرة إنه لا مكان للنسيان. لكن المحاسبة والتوثيق القانوني ما زالا غائبين وتائهين.

ظلّت سرقة الوثائق، أو الاستحواذ عليها، أو الاستفراد بها، مباحة وممكنة لأشهر. فمن تمكن من الوصول إلى تلك الأفرع والمعتقلات مبكراً، فقد حظي بما حظي، ومن فاته ذلك، بقيت لديه إمكانية الوصول المتقطع والمحدود لأشهر، قبل أن يُغلق الملف (كما كان يُظن) ببلاغين من وزارة العدل في 15-12-2025، تلاه بيان آخر من وزارة الداخلية في 27-1-2026، دعا فيهما إلى ضرورة تسليم الوثائق للحكومة السورية، مع تحذير مغلّظ من نشر مضمون هذه الوثائق أو المعلومات الرقمية عبر أي وسيلة، بما في ذلك الوسائل الإعلامية والإلكترونية، إذ يُعرّض مرتكب المخالفة للمساءلة القانونية أمام المحاكم السورية.

تحذيرات بلا أثر

بقي البيانان حبراً على ورق. فقبلهما، وما بينهما، وما بعدهما، وحتى الآن، تباغت الوثائق السوريين بتجديد الألم؛ تجديد لا علاج له، كونها صادرة عن أشخاص وصفحات، وكثير من الوسائل الإعلامية، التي تنشر تفاصيل مهولة تحتاج إلى إطار وأسس قانونية لحفظها وتبويبها وتنظيمها وترتيبها، لبناء قضايا المحاسبة، وهذا أقل المطلوب.

ويبرز الأثر الأكبر في الوثائق التي تتضمن أسماء وصور معتقلين ومغيبين قضوا تحت التعذيب، في ما وُصف بـ”بيروقراطية الموت”، كما أطلق عليه تحقيق استقصائي كبير حمل عنوان “وثائق دمشق”.

صيدنايا يعود إلى الواجهة.. أزمة سيادة وعدالة وذاكرة

اليوم، وبعد نحو 17 شهراً على السقوط، تتحول المسألة من ما كان يُفترض جمعه أو، على أقل تقدير، ردع من يملكه عن نشره، لتعود تسجيلات جديدة إلى العلن. وهذه المرة من سجن صيدنايا، في مقاطع توثق أوضاع المعتقلين هناك.

إن تبعثر الوثائق لا يشكّل أزمة دليل إدانة فحسب، بل يشكّل أيضاً أزمة سيادة وعدالة وذاكرة.

وفي تقرير سابق للمعهد العربي في واشنطن، قال الباحثان في جامعة جورج تاون، مروة داودي ونور الدين جبنون، إن مثل هذه الاكتشافات تقدم لمحة عن العمليات الداخلية لنظام الأسد، وإن الحفاظ على هذه الأرشيفات أمر ضروري لمستقبل سوريا، حيث يمكن أن تكون أساسًا للعدالة الانتقالية، وتعزيز المساءلة والمصالحة.

ووفقًا للباحثين، لا توثق هذه السجلات القرارات البيروقراطية فحسب، بل تؤرخ أيضاً للعنف المنهجي والمعاناة الإنسانية التي تكبدها السوريون لأكثر من خمسة عقود في ظل سلالة الأسد.

سوريا على مفترق طريق مشابه لتجارب فاشلة أو ملتبسة

إن حماية هذه الوثائق وتنظيم الوصول إليها يطرحان تحدياً مباشراً أمام أي حكومة سورية، في ظل مخاطر الاستغلال والتسييس أو الترحيل غير المصرّح به. وتقدم تجارب العراق وليبيا أمثلة تحذيرية واضحة، حيث خرجت الأرشيفات عن نطاقها الوطني واستُخدمت سياسيًا، بما قوض الثقة بالمؤسسات الجديدة.

وبذلك، يصبح التعامل مع الوثائق اليوم اختبارًا لشرعية الدولة الناشئة، ولمدى قدرتها على حفظ الذاكرة بوصفها حقًا عامًا وأداة للعدالة، لا مادة للتوظيف أو تصفية الحسابات.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى