أزمات الداخل السوريالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 30 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

أزمات الداخل السوري

تحديث 30 نيسان 2026

شقق جاهزة منذ سنوات.. كيف حرم النظام المخلوع ألف عائلة من السكن في “ضاحية الأندلس”؟/  رغد خضور

أبريل 30, 2026

على مدى سنوات طويلة، شكّلت الجمعيات السكنية أحد أبرز الخيارات المتاحة أمام الراغبين بامتلاك مسكن بتكلفة أقل نسبياً، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات وصعوبة الوصول إلى سوق السكن التقليدي، واستند هذا التوجّه إلى وعود بتأمين مساكن ضمن مناطق حديثة التنظيم، تراعي معايير عمرانية متقدمة، وتؤمّن خدمات متكاملة تضمن الاستقرار على المدى الطويل.

وبناءً على تلك الوعود والمخططات المعلنة، أقدم آلاف المواطنين على الاكتتاب في مشاريع سكنية، واضعين فيها مدخراتهم على أمل استلام مساكنهم خلال سنوات محدودة، غير أن الواقع، بعد مرور سنوات، جاء مغايراً تماماً، إذ لم تكتمل العديد من الأبنية، وغابت البنى التحتية الأساسية، لتبقى مئات الشقق خارج نطاق السكن الفعلي، وتتحول هذه المشاريع إلى استثمارات مجمّدة تفتقر لأي مردود مباشر.

ويتجلى هذا الواقع بشكل واضح في ضاحية الأندلس التابعة لبلدية صحنايا بريف دمشق، حيث اندفع عدد كبير من المواطنين منذ مطلع الألفينات للاكتتاب في مشاريع الجمعيات السكنية هناك، مستفيدين من قربها الجغرافي من المدينة، إذ لا تبعد سوى كيلومتر إلى كيلومترين عنها، إلا أن هذه الميزة لم تنعكس على واقعها الخدمي، إذ لا تزال المنطقة حتى اليوم تفتقر إلى أدنى مقومات السكن، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، فضلاً عن غياب الطرق المعبدة والبنية التحتية المنظمة.

ورغم حصول هذه المشاريع على التراخيص الرسمية اللازمة، فإن أعمال التنفيذ تعثرت نتيجة سلسلة من القرارات التنظيمية والإدارية التي امتدت لسنوات، ما أدى إلى إبطاء وتيرة الإنجاز بشكل كبير، ويُعد حل الاتحاد العام للتعاون السكني، المُحدث بموجب المرسوم رقم 17 لعام 2007، أحد أبرز التحولات التي أثرت على هذا القطاع، إذ كان الاتحاد يشكّل مظلة تنظيمية داعمة لعمل الجمعيات، ويوفر لها تسهيلات مهمة، لا سيما الإعفاء من الرسوم البلدية والضرائب والطوابع.

ومع صدور المرسوم رقم 37 لعام 2019، الذي قضى بإلغاء الاتحاد العام والاتحادات الفرعية في المحافظات، ونقل أصوله المنقولة وغير المنقولة—والتي تقدّر بمليارات الليرات—إلى وزارة الإسكان، دخلت العديد من المشاريع السكنية في حالة من التعطيل والتجميد، ما انعكس سلباً على استمرارية التنفيذ وعلى قدرة الجمعيات في استكمال مشاريعها أو تأمين البنية التحتية اللازمة لها.

وفي ظل استمرار هذا التعثر، تضخمت التكاليف التي تكبدها المكتتبون بشكل كبير، نتيجة تغير سعر الصرف وارتفاعه خلال السنوات الماضية، حيث دفع كثير منهم عشرات آلاف الدولارات مقابل شقق لم تصبح صالحة للسكن حتى الآن، بل إن بعض المقتدرين الذين أتموا تجهيز شققهم بالكامل، أحجموا عن الانتقال إليها بسبب غياب الخدمات الأساسية، ما جعل تلك الاستثمارات فاقدة لأي قيمة استخدامية فعلية.

وبعد أكثر من عشرين عاماً على انطلاق أعمال البناء في الضاحية، لم تُنفذ بلدية صحنايا الحد الأدنى من مشاريع البنية التحتية، كتمديد شبكات المياه والكهرباء أو إنشاء شبكات الصرف الصحي، في وقت يشير فيه رؤساء الجمعيات إلى أنهم واجهوا تنصلاً متكرراً من المسؤولية عند مراجعة الجهات المعنية في النظام المخلوع، حيث يتم إحالة الملف إلى محافظة ريف دمشق، التي بدورها لم تتخذ إجراءات حاسمة لمعالجة هذا الملف، وسط حالة من المماطلة استمرت مع تعاقب المسؤولين.

ألف شقة بلا خدمات

وفي حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أوضح رئيس إحدى الجمعيات السكنية في ضاحية الأندلس، غسان السمارة، أن إعفاء الجمعيات السكنية سابقاً من رسوم التراخيص لدى البلدية، دفع البلديات إلى التهرب من تنفيذ أعمال البنية التحتية، بما في ذلك المياه والكهرباء والصرف الصحي.

ولفت إلى أن إلغاء الاتحاد العام للتعاون السكني، ومصادرة الأموال والمقرات التي كان يملكها في دمشق وباقي المحافظات، بالتوازي مع بدء تطبيق استيفاء رسوم التراخيص على جميع الرخص المقدمة من الجمعيات، كلها عوامل أسهمت في استمرار عدم تخديم الضاحية.

وأشار السمارة إلى أن ضاحية الأندلس لـ”المحاربة” من قبل بعض المسؤولين في النظام المخلوع، مستشهداً بقرار صادر عن المحافظ زاهر موسى خلال فترة توليه منصب محافظ ريف دمشق (2009–2011)، يقضي بوقف جميع الأعمال في الضاحية دون مبرر أو مسوغ قانوني، مضيفاً أن عدداً من المحافظين السابقين تجاهلوا مطالب الجمعيات السكنية رغم تكرارها وإلحاحها.

وأوضح أن أعضاء الجمعيات السكنية أصبحوا عالقين في هذه المشاريع بعد أن دفعوا كامل مدخراتهم لإشادة الأبنية، معتبراً أنهم وقعوا في حالة تعثر نتيجة موافقة البلدية على منح رخص البناء، مقابل امتناعها لاحقاً عن تنفيذ أعمال التخديم.

كما لفت إلى صدور قرار سابق عن محافظ ريف دمشق يقضي بتعديل نظام ضابطة البناء في بلدية صحنايا عبر إضافة طابقين لكل بناء، مع استثناء ضاحية الأندلس من هذا القرار، مطالباً بتطبيقه على أبنية الضاحية لما يحققه من خفض في تكاليف إنشاء الشقق بنسبة تصل إلى 40 بالمئة.

وطالب السمارة الجهات المعنية بتنفيذ خدمات البنية التحتية بشكل كامل، بما يشمل المياه العذبة والمالحة، وشبكات الصرف الصحي، والكهرباء، والاتصالات، والطرق، مؤكداً توفر الإمكانيات لذلك عبر الموازنات المستقلة في البلديات ودعم وزارة الإدارة المحلية، كما نوه إلى وجود نحو 1000 شقة جاهزة للسكن في الضاحية، إلا أن غياب الخدمات الأساسية يحول دون إمكانية الإقامة فيها.

وذكر أن عدداً من الجمعيات السكنية تمتلك محاضر في ضاحية الأندلس، من بينها “جمعية الزيتون” التي تمتلك محضرين تضم 40 شقة منفذة على الهيكل بنسبة 50 بالمئة منذ أكثر من خمس سنوات، و”جمعية تشرين” التي تمتلك نحو 20 محضراً تضم حوالي 400 شقة، نُفذ منها 70 شقة على الهيكل، إضافة إلى “جمعية التقدم” التي تمتلك 22 محضراً تضم 400 شقة، نُفذ منها 16 شقة.

كما تشمل القائمة “جمعية الزراعة” التي تمتلك 5 محاضر منفذ منها 50 بالمئة، و”جمعية الطيران” التي تمتلك 8 محاضر تضم 80 شقة منفذة بالكامل على الهيكل، و”جمعية أصدقاء الفن” التي تمتلك 24 محضراً منفذاً وتضم 200 شقة، و”جمعية البشر” التي تمتلك 3 محاضر منفذة تضم نحو 45 شقة.

وأضاف أن “جمعية نور الشرق” التي يترأسها تمتلك 3 محاضر منفذة تضم 40 شقة بنسبة إنجاز تصل إلى 90 بالمئة، إلى جانب جمعية الجلاء التي تمتلك 3 محاضر تضم نحو 50 شقة منفذة بنسبة 70 بالمئة.

قرارات تزيد التكاليف وتؤخر الإنجاز

وفي سياق متصل، أفاد الخبير العقاري المطلع على عمل الجمعيات في الضاحية، المحامي علي خليل، في حديث لـ”الثورة السورية”، بأن مسؤولية تأمين البنى التحتية تقع على عاتق البلدية، لافتاً إلى أن تعثر إنجاز العديد من المشاريع جاء نتيجة إجراءات قانونية وإدارية مرتبطة بالنظام المخلوع، مثل الرسوم، وعدم توزيع الأراضي، وعدم السماح للجمعيات بسحب إيداعاتها من المصرف العقاري، إضافة إلى غياب منظومة داعمة تقدم الاستشارات وتنظم عمل الجمعيات، مضيفاً أن حل الاتحاد السكني كان “خطأً فادحاً”.

ولفت إلى أن منطقة الضاحية تعاني من إهمال كبير على مستوى الطرق والمياه والصرف الصحي، رغم أن الجمعيات قامت بشراء الأراضي من القطاع الخاص، مضيفاً أن أي أعمال تتعلق بالبنى التحتية يتم تمويلها من قبل الأعضاء.

وأوضح أن أبرز المشكلات الحالية تتعلق بشبكة الصرف الصحي، إلى جانب تحديات متوقعة مستقبلاً تشمل الكهرباء، وتأخر ترحيل الأتربة، وتعبيد الطرقات، وشبكات مياه الشرب، مؤكداً أن أي تأخير في معالجة هذه الملفات سيؤدي إلى تكاليف إضافية وزيادة في المدة الزمنية، رغم أن تنفيذ البنى التحتية ليس من مهام الجمعيات.

وأشار إلى أنه تم مؤخراً توجيه كتب رسمية إلى المحافظة من قبل عدة جمعيات للمطالبة بمنح طوابق إضافية، إلا أنه لم يتم تلقي أي رد حتى الآن، موضحاً أن المسؤولية أمام المكتتبين مشتركة بين الجمعية والجهات العامة، وأي تقصير أي طرف ينعكس سلباً على تحقيق أهداف الجمعيات.

وكما أكد أن الجمعيات السكنية بحاجة إلى إعادة نشر الثقافة التعاونية وتعزيز فهم دورها والغاية من تأسيسها، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود لدعمها، خاصة في ظل غياب الفساد الداخلي عند إبعاد تجار العقارات عن عمل هذه الجمعيات.

60 ألف دولار لشقة لا تصلح للسكن

ترتبط مدة الإنجاز في مشاريع الجمعيات السكنية غالباً بمدى التزام المكتتبين بسداد الأقساط تبعاً لمراحل تنفيذ البناء، ومن المفترض ألا تتجاوز مدة التسليم بضع سنوات، وفقاً ليامن الجاجة، أحد المكتتبين على شقة سكنية في “جمعية الشرق الأوسط” بضاحية الأندلس منذ عام 2006.

وأضاف الجاجة أن مشروع ضاحية الأندلس شهد توقفاً كاملاً في أعمال البناء لمدة سبع سنوات، نتيجة قرار صادر عن محافظ ريف دمشق آنذاك، بحجة إعادة المخطط التنظيمي بما يراعي تخصيص مساحات خضراء.

وأشار إلى أن الشقة باتت حالياً جاهزة للاستلام على الهيكل، إلا أن استلامها يتطلب الالتزام بخطة تسديد تمتد لعام كامل، تتضمن دفع مبلغ 20 مليون ليرة سورية لقاء إنهاء أعمال الإكساء، والتي تشمل قبو البناء، ومسكن الناطور، ومواقف السيارات.

وبيّن أنه، بصفته مكتتباً في الجمعية، قادر على تسديد المبلغ دفعة واحدة، إلا أنه يفضل التريث في الدفع حالياً، نظراً لافتقار المنطقة إلى الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء وتعبيد الطرقات، مرجعاً ذلك إلى عدم تعاون البلدية، ما يجعل دفع المبلغ بمثابة تجميد لأموال إضافية دون تحقيق فائدة مباشرة.

ولفت إلى أنه سبق أن دفع، منذ اكتتابه وحتى الآن، ما يقارب 60 ألف دولار أمريكي ثمناً للشقة، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مضيفاً أن الضاحية كانت واعدة، خاصة مع وجود مخطط لفتح طريق رئيسي يربطها بالأوتوستراد الدولي، إلا أن تقصير البلدية ومحافظة ريف دمشق، آنذاك، حولها إلى منطقة شبه نائية.

الخدمات على نفقة الجمعيات

وللوقوف على أسباب التأخير والتعثر في تخديم الضاحية، توجهت “الثورة السورية” بأسئلتها إلى بلدية صحنايا، حيث أوضح رئيس المجلس البلدي، كامل يوسف متري، أنه تم إقرار المخطط التنظيمي لضاحية الأندلس وتصديقه لأول مرة بموجب القرار رقم /101/ لعام 2012، ثم جرى تعديله وتصديقه مجدداً بالقرار رقم /145/ بتاريخ 22 حزيران عام 2015.

وبيّن متري أن ضاحية الأندلس تقع جنوب بلدة صحنايا، وتحمل صفة تنظيمية مزدوجة (سكن حديث وسكن شعبي)، حيث يُسمح للعقارات المصنفة ضمن (السكن الحديث) بالحصول على التراخيص والبناء، في حين لا يُسمح بذلك للعقارات المصنفة (سكن شعبي).

وأوضح أن الضاحية تتألف من ثلاث كتل رئيسية: الكتلة الشمالية بمساحة تقارب 83,942.412 متر مربع، وتبلغ نسبة الأبنية المرخصة فيها نحو 50 بالمئة، والكتلة الغربية بمساحة تقارب 118,870.38 متر مربع، ولا تتجاوز نسبة الأبنية المرخصة فيها 1 بالمئة، إضافة إلى الكتلة الجنوبية التي تبلغ مساحتها نحو 105,320 متر مربع، وتصل نسبة الأبنية المرخصة فيها إلى 20 بالمئة، مع الإشارة إلى وجود سكة ضمن هذه الكتلة.

وأشار إلى أنه في السابق كانت جهات قطاع التعاون السكني معفاة من الرسوم عند الترخيص، ولم يتم تسديد أي مبالغ لصالح بلدية صحنايا، إلا أنه وبموجب القرار رقم /215/ والتعليمات التنفيذية للقانون المالي للوحدات الإدارية رقم /37/ لعام 2021، تم حصر الإعفاء بالمساكن التي لا تتجاوز مساحتها الصافية 130 متراً مربعاً من رسوم رخص البناء، مع خضوعها لباقي الرسوم.

وأضاف أنه نظراً لأن الحد الأدنى لمساحة العقارات في ضاحية الأندلس يبلغ 400 متر مربع، فإنها لا تُعد معفاة من الرسوم عند الترخيص، مشيراً إلى أنه نتيجة عدم تحصيل أي مبالغ مالية سابقاً، فإن تنفيذ الخدمات كان يُفترض أن يتم على نفقة الجمعيات السكنية وليس البلدية، وذلك قبل صدور القرار /215/، في حين تم بعد صدوره استيفاء الرسوم المترتبة أصولاً.

وفيما يتعلق بالمرافق العامة، لفت متري إلى أن خدمات الضاحية، بما في ذلك الطرق وشبكات الكهرباء والصرف الصحي والهاتف والمياه، غير منفذة على أرض الواقع حتى الآن، باستثناء وجود شبكة طرق غير معبدة، مؤكداً أنه لم يرد إلى البلدية أي طلب حتى تاريخه لتخديم ضاحية الأندلس.

وفي ظل هذا الواقع، تتحمل السياسات والقرارات التي اتُّخذت خلال عهد النظام المخلوع مسؤولية مباشرة في تعثر مشاريع ضاحية الأندلس، بعد سنوات من التوقفات الإدارية والقرارات التنظيمية التي عطّلت التنفيذ وعمّقت خسائر المكتتبين.

وبعد أكثر من عشرين عاماً، لا يزال مئات المكتتبين بانتظار حلول تنهي حالة الجمود، وتتيح لهم الاستفادة من شقق دفعوا ثمنها منذ سنوات طويلة، وفي وقت تشهد فيه سوريا أزمة سكن متفاقمة، يمكن لنحو 1000 شقة جاهزة أن تسهم في التخفيف منها، لو تم استكمال البنى التحتية ووضع حد لهذا التعثر.

الثورة السورية”

——————————–

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس اللجنة لـ«الشرق الأوسط»: مرحلة الحسم القضائي تعقب «الإفصاح الطوعي»

دمشق: موفق محمد

30 أبريل 2026 م

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.

كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.

وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.

الإفصاح الطوعي

وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.

وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».

وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.

وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

رجال أعمال أجروا تسويات

وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.

ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.

أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».

وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».

كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.

التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.

غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.

وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.

وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.

عدم تعطيل القضاء

شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.

وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.

وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.

وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.

وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.

انتهاء المهلة

وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.

ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.

وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.

——————————–

=======================

تحديث 29 نيسان 2026

استقطاب الشارع السوري مشكلة تحتاج إلى حلول سريعة/ هناء محمد درويش

أبريل 29, 2026

في مناسبات عدة ومنذ سقوط نظام الأسد، يشهد الشارع السوري نوعاً من الاستقطاب الموجود أصلاً في المجتمع نتيجة سياسات نظام الأسد عبر سنوات من الاستبداد. هذا الاستقطاب لا يملك شكلاً محدداً، فهو استقطاب سياسي اجتماعي ديني ثقافي.

من الطبيعي ألا تشهد المجتمعات اتفاقاً كاملاً على جميع تصرفات الحكومات أو حتى قراراتها، ويعود ذلك لتنوع تلك المجتمعات. هذا التنوع الذي يجب أن يكون ميزة في المجتمع السوري بات اليوم يتحول إلى مشكلة متجذرة في بنيته.

عدا عن استقطاب “مؤيد ومعارض” الذي نشأ بعد الثورة السورية وازداد ترسيخه مع مرور الوقت وكثرة المجازر، هناك استقطابات وخلافات مناطقية كانت يوماً ما مثالاً للتندر والفكاهة لكنها اليوم أصبحت سبباً في المشاكل، مثل الحديث عن الفروق بين المدن أو بعض مميزات منطقة عن أخرى. لعل المجتمع السوري بعد هذه السنوات من الحرب بات مشحوناً بشكل كبير للتعامل بردات الفعل.

ماهو الاستقطاب المجتمعي؟ هو انقسامات حادة في الرأي العام بين أبناء المجتمع التي تختلف في مواقفها من الحكم أو السلطة، بين المعارضة ومؤيدي السلطة، تعززها أحياناً تدخلات خارجية مثل القوى الإقليمية، وكذلك الخلفيات السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع وشرائحه المختلفة.

كيف يظهر هذا الاستقطاب؟ أبرز المواقف التي يظهر فيها الاستقطاب في المطالب المعيشية: المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بين داعم ومؤيد ورافض ومحايد، ويساهم فيه الخطاب الإعلامي والافتراضي، ويعززه السوشال ميديا خاصة مع استخدام خطاب كراهية بين الأطراف المختلفة.

الاستقطاب في الشارع السوري يعني تطور النقاش وتحوله من خلافات حول مواضيع السياسة إلى خلافات اجتماعية وفكرية كبيرة بدأت مع انطلاق الثورة بين من كان يدعم النظام ومن يعارضه. زاد من هذا الانقسام مع ازدياد الهموم المعيشية والنزوح واللجوء واختلاف التقاليد ومستويات المعرفة وغيرها، إضافة إلى كل ما طرأ على المجتمع خلال سنوات الحرب.

هذا الاستقطاب أصبح واضحاً بشكل كبير خاصة مع طلب أبناء المجتمع المتضررين بتحقيق العدالة ممن تسبب بضررهم، وإن تأخر هذه المحاسبة ووجود هؤلاء تسبب بانزعاج الشارع الثوري. وقد بدأت هذه المواقف تظهر من خلال الاحتجاجات والإضرابات والمطالبة بالإصلاحات الأمنية والاقتصادية، وإن كانت المطالب حتى اللحظة خجولة.

لعل أبرز أسباب الاستقطاب الحالي هو الانهيار الاقتصادي وانتشار الفقر وارتفاع أسعار المعيشة والتفاوت الطبقي. هذه الأسباب كلها جعلت شريحة واسعة تنظر إلى أي قرار اقتصادي أو اجتماعي بأنه لا يلبي الطموح وأنه يخدم فئة معينة، كما أن سيطرة الخطاب الثنائي (مؤيد/معارض) كان لها دور رئيسي.

وبالتالي انقسم المجتمع السوري بين من يرى أنه قدم كل شيء للخلاص من النظام، ومن يرى أنه خسر كثيراً بزوال النظام، وطرف آخر وسط يرى بأن استمرار حياته هو الأهم دون اتخاذ موقف واضح.

إن غياب النقاش السياسي والحياة السياسية ومؤسسات تمثيل الشعب يمثل سبباً في عدم وجود خطاب وسطي مشترك لفئات المجتمع، كما أن غياب أحزاب سياسية حقيقية ومؤسسات نقابية مستقلة جعل  السياسة والقوانين تحلل عبر الشارع والسوشال ميديا دون معرفة حقيقية، مما زاد من سلطة الشخصيات الافتراضية، وهو ما يزيد من التصعيد والاستقطاب بدلاً من الحوار.

كيف يظهر الاستقطاب في الواقع؟ في الشارع: اعتصامات مثل قانون وكرامة في دمشق تتحول إلى ساحة مواجهة بين ناس تشجع على مواجهة الحكومة، بحسب الطرف  المناوئ، وبين أخرى ترى فيها فوضى أو تغطية على ملفات مختلفة منها محاسبة المجرمين، وأن مثل هكذا وقفات تعطل عمل الحكومة، خاصة إذا كان من يدعو لها غير معروف التوجه السياسي.

وعلى الإنترنت: هناك خطاب ثنائي يقسم النقاشات بين السوريين مع تبادل تهم العمالة والخيانة (فلول، مطبلين)، ما يُشجع على التصعيد بين أفراد المجتمع ويمنع أي محاولة لبناء حلول وسطية.

كيف يمكن التخفيف من الاستقطاب؟ التركيز على القضايا المعيشية المشتركة (الكهرباء، البنزين، الرواتب، الخدمات) بدلاً من ربط كل قضية بالصراع السياسي، ما يفسح المجال للعمل الجماعي. وإيجاد أماكن ومنابر حوارية سورية – سورية (أونلاين وحضورية) تضع قواعد لاحترام الاختلاف مع تجنب التصنيف الجماعي للأفراد تحت شعارات مؤيد/معارض. والعمل على  إيجاد مؤسسات تعددية وشفافة (أحزاب، نقابات، حوار وطني) تعمل على إعادة تعميق الصلة بين الدولة والمواطن بعيداً عن الشعار والعاطفة.

ختاماً: ليس الخوف من اختلاف السوريين بقدر ما هو من تحوّل هذا الاختلاف إلى قطيعة بينهم وبقاء الشارع بلا حوار حقيقي ولا مساحة أمان ولا عدالة تعيد التوازن. والحل يبدأ حين نصغي لبعضنا دون تخوين أو مزاودة.

الثورة السورية

—————————–

 رقمنة “السجل العقاري” في سوريا.. بين السيادة وحقوق الملكية

2026.04.29

تشكل مسألة توثيق الملكيات العقارية في سوريا إحدى أبرز التحديات المرتبطة بمرحلة ما بعد النزاع، في ظل ما تعرضت له السجلات الرسمية من أضرار أو فقدان في بعض المناطق.

ومع التوجه نحو رقمنة السجل العقاري، تبرز تساؤلات حول آليات حماية حقوق الملكية وضمان دقتها، إلى جانب دور هذه العملية في دعم جهود إعادة الإعمار وتعزيز الثقة بالمؤسسات.

وتقدم وزارة الإدارة المحلية والبيئة مشروع التحول الرقمي بوصفه مدخلاً لتحديث الإدارة وتبسيط الخدمات، معلنةً عن خطة لرقمنة ما بين 500 و600 ألف عقد ونحو 5 آلاف سجل عقاري في دمشق خلال عام واحد، ضمن مسار أوسع يشمل مراكز البيانات وحماية الأنظمة.

لكن خلف هذه اللغة التقنية، يظهر ملف أشد تعقيداً؛ فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية تحويل الورق إلى ملفات رقمية، بل بما إذا كانت هذه الأوراق سليمة أصلاً، ومن يملك حق الاعتماد عليها في ظل اختفاء آلاف القيود بفعل نفوذ سياسي وفساد إداري امتد لعقود في زمن النظام المخلوع.

من أين تبدأ الرقمنة؟

يضع المهندس أحمد عليوي، مدير التحول الرقمي في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، حدوداً واضحة لفهم المشروع؛ مؤكداً أن الفكرة الشائعة عن “رقمنة السجل العقاري” غير دقيقة، لأن العمل لا يبدأ من النظام، بل من البيانات نفسها.  

في حديثه لتلفزيون سوريا، أوضح عليوي أن ما جرى مع شركة “توركسات” (Türksat) التركية في 21 نيسان الجاري، هو “مذكرة تفاهم” فقط، وليس عقداً تنفيذياً، ما يعني أن المشروع ما يزال في مرحلة دراسة الواقع وتحليل البيانات.

يشرح عليوي أن هذه المرحلة تتيح للوزارة تقييم أي نموذج تقني قبل اعتماده، مع الاحتفاظ بالقرار النهائي، مشدداً على أن “السيستم ليس المشكلة.. المشكلة ما الذي سنضعه داخله”. هذا التوصيف يلخص جوهر الأزمة؛ فالسجلات ليست جاهزة للتحويل الرقمي، بل تحتاج إلى تنظيم وتدقيق فني وقانوني قبل ذلك.  

تركيا نموذجاً.. تجربة أزمة لا مجرد تقنية

لا يربط عليوي اختيار الشراكة مع تركيا بملف تاريخي، بل يستند إلى تجربتها العملية الممتدة لسنوات طويلة.

ويوضح أن التجربة التركية تبدو الأقرب إلى الواقع السوري من حيث طبيعة العمل وتدرج التطور، خاصة أن أنقرة طورت أنظمتها ضمن ظروف معقدة، وهو ما ينسجم مع احتياجات الوزارة في بيئة توصف بأنها “بيئة أزمة”. ويؤكد أن الهدف الأساسي يتمثل في دراسة “تجربة المستخدم” (User Experience) وسير المعاملات، بهدف تقليص زمن إنجازها من أسابيع إلى ساعة أو ساعتين.

ويشير عليوي إلى أن من أبرز العوامل التي منحت النموذج التركي هذه الأهمية قدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، إذ أعادت تركيا تنظيم سجلاتها وبنيتها الإدارية بشكل واسع بعد الزلازل التي تعرضت لها.

هذا الواقع يجعل التجربة التركية، برأيه، “مختبرة في بيئة أزمة” حقيقية، وهو ما يتقاطع مع الحالة السورية التي خرجت من دمار واسع وتحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، ويشدد على أن الهدف ليس استيراد نظام جاهز، بل دراسة تجربة متكاملة وتكييفها بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

مرحلتان لا واحدة.. أرشفة ثم تحول

يفصل عليوي بين مرحلتين أساسيتين:

    الأرشفة الرقمية: وهي تحويل الوثائق والقيود الورقية إلى نسخ إلكترونية، وهو ما يستهدفه المشروع في دمشق خلال الـ 12 شهراً القادمة.

    التحول الرقمي الكامل: ويشمل بناء منظومة مترابطة تسمح للمواطن بإنجاز الخدمة عبر الهاتف المحمول أو الحاسوب من دون الحاجة لزيارة الدوائر الحكومية. ويقدر عليوي أن الوصول إلى المنظومة الكاملة قد يستغرق بين 5 إلى 7 سنوات، لضمان دقة البيانات وتكاملها بين المحافظات.  

من يملك سيادة البيانات؟

يشدد مدير التحول الرقمي على أن البيانات العقارية تمثل ملفاً سيادياً بامتياز، ويؤكد أن تخزين البيانات سيتم بالكامل داخل سوريا ضمن مراكز بيانات محلية وتحت إدارة وطنية، ولن تحصل أي جهة خارجية على وصول مباشر للمعلومات.

ويقتصر دور الشركات الخارجية على نقل الخبرة والتقنية وبناء الأنظمة فقط. كما تم تصميم هذه الأنظمة لتكون “خفيفة” وتعمل بكفاءة رغم ضعف البنية التحتية والإنترنت في البلاد.  

ماذا عن النزاعات والبيوع الصورية؟

أحد أبرز مخاوف السوريين يتعلق بالسجلات التي تحمل نزاعات قانونية أو بيوعاً صورية. ويجيب عليوي بوضوح: “النظام الرقمي لا يملك صلاحية حسم هذه القضايا”.

هذه الملفات تبقى من اختصاص القضاء ووزارة العدل، وأي بيانات تُدخل إلى النظام يجب أن تعكس وضعها القانوني الحالي، بما في ذلك إشارات الحجز والدعاوى. الرقمنة هنا لا تنتج حقيقة قانونية جديدة، بل تحفظ الحقيقة القائمة وتسهل الوصول إليها، والبيوع الصورية تُعالج قضائياً ثم تُثبت نتيجتها في السجل، سواء كان ورقياً أو رقمياً.

المشكلة الحقيقية.. خارج النظام

إذا كان الإطار التقني يسير وفق خطط وزارة الإدارة المحلية، فإن ما يكشفه الأستاذ علي الحمد، مدير العلاقات العامة في الوزارة، لموقع “تلفزيون سوريا”، يوضح أن التحدي الأكبر يكمن في حالة السجل العقاري السوري نفسه.

يقول الحمد إن السجلات تعرضت خلال سنوات النظام المخلوع لعمليات تمزيق وتغيير ممنهجة، ويضيف: “هناك صحائف عقارية مزقت، وملكيات تغيرت”، مما يجعل الترميم المادي والقانوني للصحائف خطوة استباقية إلزامية قبل الرقمنة، كما يحدث حالياً في ورشات العمل الميدانية في حلب ومحافظات سوريّة أخرى.  

وفي الحالات التي فُقدت فيها الوثائق كلياً، تعتمد الوزارة على تسلسل صارم للإثبات، تبدأ بالثبوتيات الحكومية المتاحة، ثم الشهادات المحلية من المجالس والأعيان. ويبرز هنا مثال داريا في ريف دمشق، حيث جرى حصر وتحديد نحو 82 بالمئة من الملكيات رغم الدمار الهائل، اعتماداً على معرفة السكان ببعضهم والذاكرة المحلية، مع إخضاع هذه النتائج لتدقيق لجان قانونية متخصصة، وفق ما أكد الحمد. 

الأرشيف العثماني.. دور محدود للاستئناس

يوضح الحمد أن الأرشيف العثماني لا يشكل مرجعاً أساسياً يحل محل السجل السوري. فالسجل العقاري الوطني الذي يتجاوز عمره 100 عام هو المصدر الأول، في حين يستخدم الأرشيف العثماني كأداة مساعدة للتحقق والمطابقة، ورفع المظلوميات أو كشف عقارات وقفية طُمست سابقاً.  

الملكية تعطل الإعمار

يكشف الحمد أن ملف الملكيات هو أحد أبرز أسباب تأخر إعادة الإعمار؛ فوجود مهجرين ومفقودين وغياب وثائق يجعل أي مشروع عرضة للنزاع القانوني، حتى ترحيل الأنقاض يرتبط بحقوق الملكية الخاصة ولا يمكن تنفيذه من دون سند قانوني.  

ويقدم الحمد مثالاً من حي القرابيص في حمص، حيث توقف مشروع إعادة الإعمار (ضمن مخطط بوليفارد النصر) بسبب اعتراض عدد من السكان. يوضح الحمد أن السبب يعود لـ”فقدان الثقة” المتراكم من تجارب “النظام المخلوع”، حيث يخشى السكان فقدان حقوقهم أو الحصول على تعويضات غير عادلة.

ورغم أن شركة “العمران” أعلنت استمرار المشروع في مناطق أخرى مثل المصابغ وسوق الهال، إلا أن العمل في حي القرابيص لن يبدأ إلا بموافقة الأهالي لضمان العدالة المكانية.

مشروع يبدأ من السجل لا من الحاسوب

تكشف هذه المعطيات أن رقمنة السجل العقاري في سوريا ليست مشروعاً تقنياً بحتاً. الوزارة تحاول بناء نظام رقمي حديث، لكنها في الوقت نفسه تعيد بناء السجل القانوني المتهالك، وتعالج نزاعات الملكية، وتحاول استعادة ثقة المواطنين المفقودة.

التحول الرقمي لا ينجح عبر التكنولوجيا وحدها، بل عبر القانون والمؤسسات والمجتمع؛ فهو المسار الذي يبدأ من تثبيت الحق، ويمر بإصلاح السجل، وينتهي بنظام تقني قادر على حمايته للأجيال القادمة.

تلفزيون سوريا

—————————

هل يستلم السوريون حوالاتهم الخارجية بالعملة المحلية ويخسرون 16% من قيمتها؟/ جانبلات شكاي

تركت قرارات لمصرف سوريا المركزي تتعلق بتسليم بعض الحوالات الواردة بالعملة السورية، وإنشاء “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، حالة من القلق والترقب بين عامة المواطنين ممن يعيشون على ما يستلمونه من حوالات خارجية.

واعتبر باحثون القرارات التي ستدخل حيز التنفيذ بداية الأسبوع المقبل، أنها محاولة للتحكم وضبط سوق سعر الصرف وتدفقات العملات الأجنبية، عبر توحيد مرجعية الأسعار من دون تحرير كامل لليرة.

سوق للعملات

ونهاية الأسبوع الماضي، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، عبر حسابه على “فيسبوك”، أنه قرر إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” كخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن هذه السوق الإلكترونية التي ستحدث لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، كما تسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، ويهدف أيضاً إلى القضاء على السوق السوداء وأي أسواق أخرى موازية، وذلك لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً.

وبين أن السوق ستدار من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي.

وفي منشورات لاحقة له عبر صفحته، أكد حصرية أن “التركيز على الاستقرار النقدي يعني أن السياسة النقدية يجب أن تبقى مرتبطة بالأساسيات الاقتصادية طويلة الأمد، وليس بالتقلبات اللحظية أو سلوك المضاربين في السوق الموازية، بهدف الحفاظ على عملة مستقرة تدعم النمو الاقتصادي وتخفف من عدم اليقين، وليس الانجرار وراء تحركات غير مستقرة لا تعكس الواقع الكامل.

وأكد أن رؤية مصرف سوريا المركزي، في ظل الفرص التي أتاحها رفع العقوبات، تقوم على البناء لا على الترقيع، ما يستدعي إعادة هندسة شاملة، وتنظيماً حديثاً للقطاع المالي، والأسواق، والمهن المرتبطة به.

وشدد حصرية على أن المركزي يتحرك وفق رؤية واضحة تضع في صلب كل قراراتها مصالح جميع المعنيين والناس أولاً، والدولة بوصفها في خدمة الناس، تليها الأعمال والمؤسسات المالية، وصولاً إلى المؤسسات المالية الدولية التي تتعامل معنا، والتي قد تتعرض لأي مخاطر في حال وجود خلل في آليات التعامل.

وشدد الحاكم على أن استراتيجية المركزي تقوم على أساس واضح يتمثل في سوق صرف متوازن وشفاف، وسعر صرف عادل، لأن التسعير الإداري يؤدي حتماً إلى اختلالات يستفيد منها القلة على حساب الأغلبية، فيجب أن يكون السعر ناتجاً عن سوق نزيه وشفاف يعكس الواقع الحقيقي. وأكد أن الاستقرار النقدي ليس خياراً، بل مسؤولية، وأي انحراف عنه يمسّ مباشرة حياة المواطنين ومعيشتهم، مؤكداً الالتزام بضبط السوق، بمهنية وبنزاهة وبشفافية، ومحاسبة كل من يحاول استغلال هذا القطاع على حساب الناس.

قلق بين المواطنين

وقبل الإعلان عن قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية، كان “المركزي” قد أصدر قراراً ألزم فيه المصارف وشركات الصرافة وشركات الحوالات الداخلية المتعاقدة مع شبكات التحويل العالمية (موني غرام، ويسترن يونيون، شيفت) وغيرها، بتسليم المستفيدين جميع الحوالات التي ترد من الشبكات المذكورة بالليرة السورية.

وخلق تسريب القرار بشكل غير دقيق باعتباره يطال جميع الحوالات القادمة إلى سوريا، حالة من القلق والتخوف لأنه يعني خسارة المواطن نحو 16% من قيمة حوالته الخارجية نتيجة فروقات سعر الصرف بين وسطي النشرة الرسمية 113 ليرة قديمة للدولار، وسعر صرف السوق الموازية 132 ليرة.

وحاول “المركزي” تدارك التلاعب بأجواء سوق الصرف، وأصدر توضيحاً أكد من خلاله أنه ليس المقصود من القرار تسليم جميع الحوالات بالليرة السورية، وإنما فقط الحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل “ويسترن يونيون” ومثيلاتها، مشيراً إلى أنه، واستجابة لطلبات شركات التحويل، تقرر تأجيل تنفيذ الإجراء المذكور حتى تاريخ 1 أيار/ مايو المقبل لإتاحة الوقت اللازم لاستكمال الجاهزية الفنية المطلوبة، ومشدداً على أنه تبقى جميع الحوالات الأخرى تُسلّم بالعملة الواردة بها أو ما يعادلها بالليرة السورية وفق الأنظمة النافذة وحسب رغبة المستفيد.

زيادة الحوالات الخارجية

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال مدير إحدى شركات الصرافة وتحويل الأموال المرخصة إن جميع شركات ومكاتب الحوالات والصرافة المرخصة، التي كانت تستقبل حوالات خارجية، ما زالت قادرة على تسليم الحوالات بالدولار أو بسعر صرف الليرة في السوق الموازية، باستثناء الشركات التي كانت تستقبل الحوالات عبر شركات عالمية مثل “ويسترن ينون” وهي موجودة لدى شركة الفؤاد، و”موني غرام” وهذه تستفيد من خدماتها بنوك “بركة” و”الوطني الإسلامي” و”بيمو”.

ووفقاً لبيانات “المركزي”، يبلغ العدد الإجمالي لشركات ومكاتب الصرافة المرخصة والمسجلة أصولاً في سوريا 40 شركة ومكتباً، تشمل 14 شركة مرخصة أساساً، و26 شركة حصلت على ترخيص مبدئي.

وبين المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه وقبل سقوط النظام لم تكن خدمة تسليم الحوالات بالدولار متاحة لأحد، وكان التسليم يتم بالليرة السورية ووفق سعر صرف “دولار الحوالات”، وكان عادة أقل من سعر صرف السوق السوداء بعدة آلاف من الليرات، ما دفع إلى ظهور شبكات تحويل أموال مخالفة ينشط من خلالها أشخاص يتعاملون مع مكاتب خارج سوريا، وكان هؤلاء يسلمون الحوالات بأسلوب التهريب وعبر الاتصال مع صاحب الحوالة من أرقام دولية عبر برنامج “واتس آب” لتحديد مكان تسليم الحوالة في أحد الشوارع من دون أي ضمانات.

وتابع المصدر: “بعد سقوط نظام الأسد، تُركت حرية عمليات التحويل للشركات المرخصة، بحسب رغبة المستلم إن كانت بالدولار أو بما يوازيها بالليرة حسب سعر صرف السوق الموازية، وانتهت هكذا ظاهرة التحويل خارج الأطر القانونية، وخصوصاً مع الترخيص لشركات جديدة فتحت عدداً كبيراً من الفروع، حتى بات البعض يتندر بأنها صارت أكثر من محلات الخضر والبقالات.

وكشف المصدر أن كمية الأموال المحولة إلى سوريا خلال السنة الأخيرة، قد تحسنت بالتأكيد عن حجمها قبل سقوط النظام، وكانت التقديرات حينها تتحدث عما بين 7- 8 ملايين دولار يومياً، وتقدر اليوم بنحو 11 مليون دولار، وذلك بسبب ترك حرية التحويل والاستلام بالعملة الصعبة أو بقيمتها في السوق الموازية، إلى جانب تدفق أموال من السوريين المقيمين في الخارج لذويهم العائدين إلى المناطق المحررة بهدف ترميم منازلهم وإعادة إكسائها وتجهيزها تمهيداً لعودتهم، مع زوال حالة الخوف من القصف والتدمير من جيش النظام الساقط.

وتوقع المصدر أن يتأثر سعر صرف الليرة السورية بقرار إنشاء سوق دمشق للأوراق المالية، من دون أن يؤثر عليه قرار حصر تسليم الحوالات لدى بعض الشركات بالليرة السورية، موضحاً أنه لن يكون هناك فارق كبير بقيمة الحوالة المسلمة لوجود هامش للصرف محدد من المركزي بنسبة 15%، ما يتيح رفع سعر الدولار من 113 ليرة قديمة حسب “المركزي”، إلى نحو 127,5 ليرة، مقارنة بـ132 ليرة في السوق الموازية اليوم.

واستبعدأن ينعكس قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية على حجم الواردة منها عبر الشركات الدولية المستهدفة بالقرار، لصالح الشركات السورية المرخصة، وقال إن الأمر لن يكون له تأثير يذكر، لأن شبكات مكاتب تلك الشركات الدولية منتشرة في معظم مدن العالم، وسيظل من كان يحوّل عبرها، إلا في حالات قليلة؛ وذلك لعدم توفر شبكة مشابهة منتشرة على المستوى الدولي للشركات السورية المرخصة.

لا تحرير لسعر الصرف

الأكاديمي والباحث الاقتصادي، زياد أيوب عربش، استبعد أن يؤدي قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية إلى تحرير سعر صرف الليرة وتعويمها.

 وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إن القرار لا يعني بالضرورة ذلك، وعلى الأقل خلال الفترة القريبة، موضحاً أن القرار يهدف إلى تنظيم التداول وتوحيد مرجعية الأسعار عبر سوق إلكترونية متوازنة وشفافة، لكنه لا يعني تحريراً كاملاً لسعر الصرف، حيث يحتفظ المركزي بدور في الإشراف والتدخل المحتمل، وبالتالي سعر الصرف الرسمي سيظل مرجعاً للمعاملات الحكومية مثل التجارة والجمارك، مع الاعتماد على قوى العرض والطلب في السوق الجديدة.

وبين أن قرار إنشاء سوق العملات لا يشير صراحة إلى توفر ملاءة مالية كافية لتدخل يومي بهدف الحفاظ على استقرار قيمة الليرة، وخاصة مع الاحتياطيات المنخفضة تاريخياً في سوريا، معتبراً أن السوق قد تساعد في الحد من الضغط على الاحتياطي عبر تنظيم التداول، لكنه قد يتطلب تدخلات أولية تستهلك العملة الصعبة، ومشيراً إلى أنه بالمقابل ستكون المضاربة والكتلة النقدية تحت المراقبة، للحد من المضاربة في السوق السوداء والأسواق المجاورة من خلال الشفافية والتنظيم، وسيرتبط تعزيز تحكم المركزي بالكتلة النقدية باستبدال العملة الجديدة لضبط السيولة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى نهاية فورية وكاملة للمضاربة.

وأوضح أن قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية يُقرأ كإجراء انتقالي لتوجيه التدفقات إلى السوق الجديدة وضمان استقرار الليرة رغم التحرير التدريجي، متمنياً أن يكون القرار إجراء مؤقتاً حتى إطلاق السوق، لأنه قد يدفع بعض التجار إلى مكاتب غير مرخصة إذا كان السعر الرسمي أقل جاذبية.

وأكد أن إنشاء سوق العملات الأجنبية سيعزز الاستقرار النقدي والشفافية، ويقلل التقلبات، ويحسن الثقة بالليرة، لكنه قد يرفع أسعار الاستيراد مؤقتاً، وإن كان توحيد الأسعار يحمي المواطن من الغش، لكن ارتفاع صرف الدولار سيزيد تكاليف المعيشة إذا لم يتبع بزيادات في رواتب الجميع.

 القدس العربي

—————————–

جدل حول صفقة سيارات وزارة الأوقاف.. أولويات الإنفاق بين الحاجة والرفاهية

29 أبريل 2026

أثار تسريب وثيقة طلب شراء سيارات جديدة تابعة لوزارة الأوقاف بقيمة إجمالية تقارب 1.85 مليون دولار أميركي، جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي والأوساط الشعبية، في وقت يعاني فيه المواطن السوري من أوضاع اقتصادية صعبة وصفتها تقارير أممية بأنها تضع 9 من كل 10 سوريين تحت خط الفقر.

ورغم نفي المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف أحمد الحلاق للخبر، وقوله إن ما تم تداوله هو “صيغة غير معتمدة” لم تقر، إلا أن الجدل ما يزال قائمًا.

تفاصيل الصفقة

كشفت الوثائق المسربة، التي لم تعتمد رسميًا بعد، أن وزارة الأوقاف تقدمت بطلب إلى الهيئة العامة للإمداد والتوريد لشراء 44 سيارة موديل 2026، موزعة كالتالي:

    سيارة “شيفروليه تاهو” سوداء اللون للوزير.

    3 سيارات “هيونداي باليسايد” للمعاونين.

    40 سيارة “كيا سورينتو” للمدراء.

وبلغت القيمة التقديرية للصفقة نحو مليون و850 ألف دولار و500 دولار أميركي.

موجة انتقادات عارمة

قابل النشطاء والمواطنون الخبر بسخط واسع، معتبرين أن مثل هذه الصفقات تمثل “بذخًا لا مبرر وظيفي له” في وقت يعاني فيه غالبية السوريين من تقشّف غير مسبوق. واستنكر البعض تخصيص سيارة “تاهو” للوزير وسيارة “باليسايد” للمعاونين، متسائلين عن الحاجة لهذه الطرازات الفارهة في ظل أزمة القطع الأجنبي.

وأشار منتقدون إلى أن الوزارة تمتلك بالفعل نحو 80 سيارة ضمن ملاكها، معظمها موديلات حديثة وصالحة للاستخدام، ما يجعل طلب إضافة 44 سيارة جديدة يثير التساؤل حول الحاجة الفعلية وليس فقط حول التوقيت.

موقف الوزارة الرسمي

في محاولة لاحتواء الغضب، خرج المتحدث باسم وزارة الأوقاف أحمد الحلاق بتوضيح، أكد فيه أن “ما تم تداوله هو صيغة غير معتمدة، لم يتم إقرارها، وقد أوقفت منذ نحو أسبوعين بقرار من الوزير”. كما شدد على أن الوزارة “لم تقم بشراء أي سيارات حتى تاريخه”، وأن العاملين يعتمدون على سياراتهم الخاصة رغم اتساع العمل لأكثر من 90 مديرية.

مواقف سابقة

ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها وزارة الأوقاف للانتقاد من الرأي العام، فقد سبق أن تعرضت لذلك بعد انتشار فيديو لموكب وزير الأوقاف في حمص قبل أشهر.

وقد أظهرت المقاطع حينها موكبًا كبيرًا من المركبات والمرافقة مع الوزير، ما دفع متابعين إلى انتقاد ما وصفوه بـ“مظاهر الرفاه”، في وقت تعيش فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة.

—————————–

===========================

تحديث 28 نيسان 2026

—————————–

تكلفة غياب التعليم… دورة الفقر العابرة للأجيال/ مرشد النايف

28 ابريل 2026

لا يُنهي إسقاط الديكتاتوريات جرائمها المتراكمة في حياة الأفراد وبنية المجتمع، بل يظهر كلفتها المؤجلة. في سورية، لا تُقاس هذه الكلفة بعدد الضحايا وحده، بل بما خلّفته منظومة القتل تحت التعذيب من انكسار عميق في مسار الأجيال، يتجلى بأوضح صوره في أطفال حُرموا من التعليم، لا في أثر جانبي لسياسات تدمير البلاد، بل نتيجة مباشرة لها.

تبدو أزمة الانقطاع عن التعليم في سورية إحدى نتائج ذلك الخراب المتراكم. فقد أعادت تقارير دولية في الشهر الماضي (مارس/ آذار) تسليط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات الصامتة في البلاد: ملايين الأطفال خارج المدرسة، وملايين آخرون على حافة التسرب. يشتغل هذا التقرير على توضيح العلاقة السلبية بين الانقطاع عن التعليم وبين تدني نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، استناداً إلى مرجعيات دولية موثوقة، كما يستعرض العوائد الاقتصادية للاستثمار في “رأس المال البشري”، وسبل إعادة وصل التعليم بسوق العمل، من خلال نهج منظمة العمل الدولية في “استشراف احتياجات المهارات”، وصولاً إلى إبراز أهمية هذا النهج في إعادة تشكيل بيئة العمل المحلية.

تقويض رأس المال البشري

يشهد قطاع التعليم في سورية انهياراً ممتداً منذ نحو عقد ونصف العقد، وهي الفترة التي تغطّي سنوات التدمير الواسع الذي ارتكبه نظام الابن، حيث يشير تقرير يونيسف: “لكل طفل الحق في تعليم شامل وعالي الجودة”، أن نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، مع وجود 1.6مليون آخرين مهددين بالتسرب. هذه الأرقام تعبّر عن أزمة عميقة تضرب الاقتصاد السوري في صميمه، عبر تقويض رأس المال البشري، وإعادة إنتاج أنماط الفقر أولاً، وتعطيل إمكانات التعافي الاقتصادي ثانياً. إذاً كيف يتحول التسرب المدرسي من ظاهرة اجتماعية إلى عامل كابح للناتج المحلي الإجمالي؟

يعدّ التعليم أحد أهم مكوّنات رأس المال البشري (HCI)، وهو مؤشر صاغه البنك الدولي في 2018 لتسليط الضوء على أهمية الاستثمارات في العقول. ويتكوّن رأس المال البشري من ثلاثة مكوّنات مترابطة: الصحة والتغذية، والتعليم، والتعلّم أثناء العمل. والمؤشر يقيس مقدار رأس المال البشري الذي يُتوقع أن يحققه الطفل المولود اليوم بحلول سن 18 عاماً، مع الأخذ في الاعتبار مخاطر سوء الصحة والتعليم السائدة في البلد الذي يعيش فيه. و”يسلط الضوء على كيفية تأثير التحسينات في نتائج الصحة والتعليم الحالية على إنتاجية الجيل القادم من العاملين، بافتراض أن الأطفال المولودين اليوم سيختبرون على مدى السنوات الـ 18 المقبلة الفرص التعليمية والمخاطر الصحية التي يواجهها الأطفال في هذه الفئة العمرية حالياً”. وفق المرجع نفسه.

خسارة الناتج المحلي

في ضوء الترابط الوثيق بين الإنتاجية والتأهيل التعليمي يمكننا تلمس الآثار الأولية للخسائر الجسيمة التي ستلحق ببنية الاقتصاد السوري. فأزمة التمدرس (إدخال الفرد في النظام المدرسي أو إخضاعه لمسار التعليم النظامي) يتعذّر فهمها بوصفها خللاً تعليمياً معزولاً، لم تُقرأ ضمن إطار أوسع يتمعن في آثارها على الإنتاجية بشكل عام. وبذلك، فإن التراجع في التعليم – وقد تراجعت ميزانية التعليم فعلاً بنسبة 78% في 2025، مقارنة بعام 2011 – يعني تآكلاً مباشراً في أحد أهم مكونات الثروة الوطنية. فالانقطاع والتسرّب المبكر يحرمان الأطفال من التعليم ويحدّان في الوقت نفسه، من فرصهم في التقدم إلى التعليم العالي. يَحُولاَن دون اكتساب المهارات والخبرات خلال الحياة العملية، ما يؤدي إلى مراكمة “التواضع” في إنتاجيتهم.

ضمن هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع التعليم قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أحد محدّداته الأساسية. فكل تراجع في الاستثمار التعليمي اليوم ينعكس في شكل فجوة إنتاجية غداً. وهو ما يؤكده تقرير البنك في مثالٍ مفاده بأن زيادة رأس المال البشري بمقدار ست وحدات ترفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة مماثلة. كما أن فقدانه بالمقدار نفسه يعني خسارة مكافئة، وهو ما يضع الانقطاع والتسرب المدرسي في قلب معادلة النمو الاقتصادي لا على هامشها. فعندما يتحسن متوسط رأس المال البشري في سورية بمقدار ست وحدات (يتحسن التعليم والصحة والمهارات)، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يرتفع بالنسبة نفسها تقريباً.

يربط مؤشر رأس المال البشري بين تحسين قدرات الأفراد والنمو الاقتصادي بشكل شبه مباشر، ما يعني أن أزمة التمدرس تمثل خللاً تعليمياً وخسارة اقتصادية مباشرة لسورية في آن معاً. ويمكن استخدام نموذج مبسط لتقدير الفاقد الاقتصادي: هناك نحو 2.5 مليون طفل سوري خارج المدرسة. لنفترض أن متوسّط سنوات التعليم المفقودة يقارب خمس سنوات.

ويستند النموذج إلى تقديرات العائد على التعليم التي تشير إلى أن كل سنة تعليم إضافية ترتبط بزيادة في الدخل تتراوح في المتوسط حوالي 8% (البنك الدولي- عوائد الاستثمار في التعليم). ووجدت المؤسّسة الدولية، بناء على تقدير أجرته من 1950 إلى 2014، أن معدل العائد الخاص على سنة إضافية من التعليم يبلغ 8.8%.

بناءً على الافتراض المبسط آنف الذكر، فإن فقدان خمس سنوات من التعليم قد يرتبط بخسارة تقارب 40% من الدخل المستقبلي المحتمل (40 = 8 × 5). وإذا افترضنا أن متوسط الدخل السنوي المستقبلي في اقتصاد متعافٍ يبلغ ثلاثة آلاف دولار، فإن الخسارة لكل فرد تقارب 1200 دولار سنوياً وعند تعميم ذلك على 2.5 مليون طفل، تصل الخسارة الاقتصادية التقديرية إلى نحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً. والخسائر تتضاعف إذا ضاعفنا متوسط سنوات التعليم المفقودة إلى عشر سنوات. 

وإذ يلفت تقرير البنك إلى أن الاستثمارات في رأس المال البشري يمكن أن تزيد من إنتاجية الأفراد، وتدفع عجلة النمو وتحدّ من الفقر، وتدعم تماسكاً اجتماعياً أكبر، إلا أنه يشير إلى نقطة جوهرية مفادها: أن فوائد هذه الاستثمارات قد تستغرق وقتاً لتظهر، مما يجعلها أقل وضوحاً لصنّاع السياسات.

ضمن هذا الإطار، يقدّم المؤشر أداة تحليلية تكشف الآثار العميقة للأزمة، ويوضح أن العلاقة بين رأس المال البشري والنمو الاقتصادي هي علاقة كميّة قابلة للقياس. فكل زيادة بوحدة واحدة في رأس المال البشري تؤدي إلى ارتفاع الدخل المحتمل بنسبة مماثلة.

تفكيك جذور الأزمة

انطلاقًا من بنية “المؤشّر”، يتبيّن أن كل سنة تعليم إضافية ترتبط عالمياً بزيادة في الإنتاجية والدخل الفردي. وفي الحالة السورية، حيث دمّرت حرب النظام الساقط على السوريين نحو ثمانية آلاف مدرسة (وفق “يونيسف”)، فإن الانقطاع الجماعي عن التعليم يعني ببساطة “إنتاج” جيل أقل مهارة وأضعف قدرة على المساهمة في الاقتصاد، إذ ينهار هذا الأخير عندما تتراجع مهارات العقول، لا فقط عندما تخرج المصانع من الدورة الإنتاجية. ولا نرغب في الاستطراد هنا عبر استحضار مؤشر التعقيد الاقتصادي، الذي تُظهره الدول القادرة على استثمار أكبر قدر من عقول أبنائها بكفاءة مهارية عالية.

يمثّل الانقطاع عن التعليم أو عدم استكماله نقطة انطلاق لدورة الفقر عبر سلسلة مترابطة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية: تراجع المهارات ينعكس في انخفاض الإنتاجية، وبالتالي تراجع الدخل. والأخير (تراجع الدخل) بدوره يُضعف الطلب الكلي، لينتهي الحال إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. باختصار؛ التسرب المدرسي شكل غير مرئي من الانكماش الاقتصادي المؤجل، الذي سنعيشه مستقبلاً ما لم تجترح الحكومة حلولاً فعالة ومستدامة للتخفيف من آثاره. في الخطاب الهندي المعاصر يتكرر قول يحمل دلالة واضحة: “التعليم الجيد طريق إلى الثراء”. ويترجم ذلك عملياً في استعداد واسع للاستثمار المكثف في تعليم الأبناء، ولا سيما في الجامعات المرموقة، بوصفه بوابة للاندماج في قطاعات الاقتصاد العالمي المتقدم، وحقاً يشغل كثير من الخريجين مواقع قيادية في شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصاً في وادي السيليكون، بدخول سنوية مرتفعة.

في السياق السوري، حيث يحتاج الاقتصاد إلى إعادة بناء شاملة، يصبح غياب التعليم عائقاً مضاعفاً. فبدل أن يشكل الجيل الجديد رافعة لإعادة الإعمار، يتحول إلى قوة عمل محدودة المهارات، ما يبطئ عملية التعافي الاقتصادي ويزيد الاعتماد على المساعدات الخارجية. ومع وجود 7.5 ملايين طفل بحاجة إلى دعم إنساني (يونيسيف)، فإن فجوة التعليم تتحول إلى فجوة تنموية شاملة.

استشراف احتياجات المهارات

وليس من قبيل التكرار القول إن الانقطاع والتسرب المدرسي يعيدان إنتاج الفقر عبر الأجيال، ويكرّسان هشاشة في سوق العمل. لذلك، لا تكفي المعالجة التعليمية وحدها، ما لم تُدمج ضمن مقاربة إسعافية أوسع، تربط عمليات التعليم والتدريب أيضاً بسوق العمل، والمهارات بالإنتاجية، والحاضر بمسارات النمو المستقبلية. وهو ما تدعو إليه أدبيات دولية متخصصة سنأتي على ذكرها.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من الظرف السوري الراهن، مع بدء دخول شركات إعادة الإعمار، ومنها إعلان مجموعة UCC القطرية أخيراً عن وظائف مهنية وتقنية في مشاريعها داخل البلاد، في وقت لا تزال فيه قدرة سوق العمل المحلية على تلبية هذه الاحتياجات موضع شك. في هذا السياق، لا يقتصر دخول شركات إعادة الإعمار على كونه مؤشراً اقتصادياً، بل يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم وسوق العمل.

يبرز الانتقال من تشخيص الأزمة إلى تبنّي سياسات تعيد بناء العلاقة بين التعليم والعمل، وفي مقدمتها نهج منظمة العمل الدولية في “استشراف احتياجات المهارات”، الذي يركّز على تحديد الطلب الحالي والمستقبلي على القوى العاملة، بهدف مواءمة أنظمة التعليم والتدريب مع اتجاهات السوق. ويعتمد هذا النهج على تحليل العرض والطلب على المهارات، والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، وتكييف السياسات التدريبية وفق متطلبات قطاعات محددة، بما يسهم في تقليص فجوات المهارات وتعزيز النمو الاقتصادي.

مسارات كسر دورة الفقر

عند هذا المستوى، يغدو التنبؤ باحتياجات سوق العمل من المهارات تدخّلاً مباشراً يعمل في اتجاهين متلازمين: إيقاف الفاقد، وتعويض جزء مهم منه عبر التأهيل للربط المباشر بحركة التشغيل. فالتحدي السوري الراهن لم يعد يقتصر على إعادة الأطفال إلى الصفوف، إنما يمتد إلى تأهيل الفئات التي تجاوزت مرحلة العودة إلى التعليم النظامي مهنياً. ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى مسارات عملية قادرة على كسر دورة الفقر العابرة للأجيال.

بناء على ذلك، تكتسب أنظمة التعليم والتدريب التقني والمهني أهمية مركزية، بوصفها أداة عملية لإعادة إدماج الأفراد في الدورة الاقتصادية، من خلال بناء مهارات قابلة للتوظيف الفوري، وقابلة للتطوير المستمر. وتشير الأدبيات الدولية إلى أن هذه الأنظمة، حين تُصمَّم بكفاءة وتُربط مباشرة باحتياجات السوق، تسهم في رفع الإنتاجية الفردية، وتحسين فرص العمل، وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي، بما يجعلها مدخلاً حاسماً لكسر حلقة الفقر وتحسين مسارات الدخل على المدى المتوسط والبعيد.

وتؤكد دراسة مشتركة صادرة عن البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية ويونسكو؛ حول “بناء أنظمة التعليم والتدريب التقني والمهني في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل”، أن هذا النوع من التعليم قادر على تزويد الشباب بمهارات تلائم وظائف اليوم بالتوازي مع التحولات التكنولوجية المتسارعة. فالتعليم المهني، وفق هذا التصور، يُنتج مهارات ثابتة، ويخلق أيضاً قدرة مستمرة على التعلم والتكيّف، بما يسمح للأفراد بالانتقال بين وظائف وقطاعات مختلفة مع التغيّر الدائم في بنية الاقتصاد.

وتذهب الدراسة إلى أبعد من ذلك، إذ تربط بين قوة أنظمة التعليم المهني وقدرة الدول على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، من خلال تعزيز التوظيف المُنْتِج، ورفع كفاءة استخدام الموارد البشرية، وتقليص فجوات العرض والطلب في سوق العمل. فحين يعمل هذا النظام بكفاءة، يخرّج قوى عاملة قادرة على مواكبة تحولات المستقبل، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على توطين محركات نمو قائمة على التكنولوجيا، ويحدّ في الوقت نفسه، من الاختلالات البنيوية التي تعيق النمو.

وبهذا المعنى، يشكّل التعليم والتدريب التقني والمهني ركيزة أساسية في إعادة بناء الاقتصاد نفسه، عبر تحويل الفاقد التعليمي إلى طاقة إنتاجية كامنة يمكن استعادتها وتوظيفها، بدل أن تبقى عبئاً متراكمًا يعمّق دائرة الفقر ويحدّ من آفاق النمو.

ويعرض تقرير أعدّته منظّمة العمل الدولية بعنوان: استشراف احتياجات المهارات: الأنظمة والأساليب، تجارب عدة دول في هذا المجال: تمكنت بلغاريا من تطوير نظام رقمي يربط بين القطاعات الاقتصادية والمهارات المطلوبة، عبر منصة تتيح تحديد الوظائف الرئيسية في كل قطاع، والمهارات والكفاءات المرتبطة بها، وربطها بمستويات التأهيل ضمن الإطار الوطني للمؤهلات، بما يدعم قرارات التوظيف والتدريب والتعلم مدى الحياة.

وفي اليونان، جرى اعتماد مقاربة تشاركية في تشخيص احتياجات سوق العمل، من خلال لجنة علمية تضم ممثلين عن أصحاب العمل والنقابات ووزارات العمل والتعليم، بما يعزز التكامل بين الأطراف المؤثرة في رسم سياسات المهارات.

وفي البرازيل، طورت إحدى المؤسسات نموذجاً استشرافياً متقدماً يمكنه تحليل التحولات الصناعية والتكنولوجية والتنظيمية، بهدف توقع الطلب المستقبلي على العمالة، وربطها مباشرة باحتياجات التدريب والتأهيل في القطاعات الإنتاجية.

تكتسب هذه التجارب أهمية خاصة عند إسقاطها على الحالة السورية، حيث يمكننا عبر حزمة إجراءات جادة تخفيف ما أمكن الأضرار الجسيمة التي سببها نظام القتل تحت التعذيب. وفي سياق يشهد إعادة إعمار خجولة، يرافقها دخول استثمارات جديدة، يصبح غياب أدوات تستشرف المهارات اللازمة لسد الفجوة في سوق العمل عامل ضغط إضافي يعمّق الخسائر.

ومن هنا، فإن أي استجابة جديّة لا بد أن تقوم على تلازم مسارين: الأول، الحدّ من الانقطاع عن التعليم عبر سياسات تستعيد الأطفال إلى مسارات التعلم وتمنع تسرب أجيال جديدة؛ والثاني، بناء منظومات فعّالة للتعليم والتدريب التقني والمهني، قادرة على تعويض الفاقد التعليمي، وفي الوقت نفسه يمكنها ربط المهارات باحتياجات الاقتصاد كما سبق ذكره.

إن الجمع بين هذين المسارين يمثل خياراً تنموياً وضرورة اقتصادية معاً، لأنه يدفع نحو الاستثمار في رأس المال البشري، بوصفه المدخل الأكثر كفاءة لإعادة تنشيط الاقتصاد واستعادة قدرته على النمو. فبدون ذلك، سيبقى الاقتصاد السوري محكوماً بقاعدة مهارات هشة، عاجزة عن تلبية متطلبات إعادة الإعمار أو الاندماج في تحولات السوق، وهي تحولات تفرضها مرحلة إعادة بناء سورية بما يوازي إمكاناتها المعطّلة.

الخلاصة

لا يبدأ التعافي من إعادة بناء الإنسان وتأهيله بإعادته إلى المدرسة فقط، بل بتمكينه من امتلاك المهارات التي تجعل منه فاعلاً في اقتصاد الحاضر والمستقبل. بناء الناتج المحلي يبدأ من العقول قبل المصانع.

العربي الجديد

—————————–

الرقابة والفساد/ فوّاز حداد

28 ابريل 2026

يستغل الفساد في المرحلة الانتقالية الفراغ الذي توفره المؤسسات الناشئة حديثاً أو التي تجري إعادتها للعمل، أو تجديدها، ما يعد بيئة صالحة لتمدد الفساد وتوطنه. ولا تعدم الحالة السورية، فرصا مفتوحة لاستسهاله، خاصة أنه طوال العقود الماضية شهد الفساد استقراراً في مفاصل الدولة، وأصبح عملة متداولة للاستيلاء على المشاريع والمناقصات وقضاء الحاجات صغرت أم كبرت. ولا غرابة في عودته اليوم بخطى حثيثة، بالعمل على استعادة مساربه بعد خلخلة، مع أعوان جدد ومصالح جديدة. في حال أطلق العنان له، فالمتوقع، أنه سيتجذر ما دام أنه “مشرش”، ومسالكه ما زالت شغالة، ويصبح قدراً يصعب الخلاص منه.

إذا أردنا ان نكون واقعيين، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكننا الاطمئنان إلى رقابة السلطة للحد منه؟ بالاستعانة بتجارب سابقة، لا يمكن مواجهة الفساد بالاكتفاء بمنظومات الرقابة المعروفة، سواء داخل المؤسسات، أو الخارجية كهيئات مكافحة الفساد ودوائر المحاسبة، وحتى المحاكم. هذه الأجهزة لم تتمكن من مواقعها بعد، بعدما أعيد العمل فيها بسرعة تلافياً للفراغ، بالتالي قد لا تكون فعالة، وغير مزودة بصلاحيات حقيقية، ولا محمية من الضغوط والمحسوبيات. كما يخشى من تحول رقابة السلطة وحدها إلى أدوات تُستخدم لتصفية الخصوم أكثر منها لمكافحة الفساد.

هل تملي الضرورة الاعتراف بدور للمعارضة في ممارسة الرقابة؟ نعم، لكن إلى أي حد تستطيع أن تكون رقيباً موثوقاً به؟ من حيث المبدأ، المعارضة الداخلية حتى بحالتها الجنينية والمرتبكة والعدائية، طرف قد يكون صالحا للقيام بهذا الدور، بحكم موقعها في المجتمع ومعرفتها بالواقع، تمتلك ميزة أساسية: أنها خارج السلطة، وبالتالي أقل تورطاً في شبكات المصالح المباشرة. هذا الموقع يمنحها حرية الكشف عن التجاوزات، وكي تمارس دورها الرقابي، يتطلب منها الاستقلالية، بعدم الارتباط بجداول أعمال خارجية، لئلا تصبح عرضة لتكييف خطابها بما ينسجم مع جهات الخارج، وأن تميز بين الوقائع حسب أهميتها السياسية، بالتركيز على بعضها، أو بتضخيمها، أو حتى إخفائها. ما تتمتع به من ميزة، قد تصبح نقطة ضعف، وتصبح الرقابة امتدادا لصراعها السياسي مع السلطة، ما يهدد بالانزلاق إلى منطق الإدانة المسبقة، حيث يصبح الهدف ليس كشف الفساد، بل إثباته بأي ثمن. عندئذ تفقد الرقابة دورها، وتتحول إلى أداة تعبئة ضد السلطة.

تلعب المعارضة دوراً رقابياً نزيهاً، ليس بحكم تعريفها كمعارضة، ولا بصراعها على السلطة، وإنما بفرض نفسها كمرجع رقابي مستقل، والعمل على بناء مصداقيتها، بالتحقق من المعلومات، والتمييز بين الشهادة والإشاعة، والاعتراف بالخطأ حين يحدث. كذلك بمدى التزامها بالدقة، من دون المراهنة على التأثير السريع عبر إثارة الضجيج في وسائل التواصل. وفي حال اعتبرت نفسها بديلاً مبكراً للسلطة القائمة، فسرعان ما ستنزلق إلى التسييس المفرط، باستثمار الفساد كذريعة لتصفية حسابات داخلية.

فإذا توفرت هذه الشروط، تصبح جزءاً ضرورياً من توازن صحي. أما إذا غابت، فإنها قد تتحول من رقيب على الفساد إلى طرف في فوضى الادعاءات السياسية، إن لم يرضها نصيبها في الدولة من المناصب المؤثرة، إلا سمعة نظيفة خدمة للبلد، ترتد عليها عندما تصبح أحزاباً في المستقبل القريب أو الأبعد.

في الواقع، لا توجد رقابة واحدة كافية بحد ذاتها. الفاعلية تنشأ بالمشاركة: حين تراقب المؤسسة نفسها، ويراقبها جهاز مستقل، وتكشف وسائل الإعلام ما يغيب عنهما، ويُحاسب القضاء المتورطين بالفساد، أما المعارضة بأنواعها كافة، فيحق لها أن تكون بالمرصاد لأي تجاوز أو خلل. ثم، أولاً وبالضرورة، المجتمع، من الأفراد كافة.

عندئذ لا يكون الفساد خياراً سهلاً، واذا كان مغامرة، فلن تكون مضمونة العواقب.

* روائي سوري

العربي الجديد

——————————

أزمات مشفى البيروني تهدد حياة مرضى السرطان في سورية/ نور ملحم

28 ابريل 2026

يواجه مشفى البيروني الجامعي تحديات جسيمة تتمثل بأعطال في أجهزة طبية أساسية ونقص في الأدوية والتمويل رغم دوره الحيوي بوصفه المركز الحكومي المتخصص في علاج الأورام السرطانية لآلاف المرضى.

في بلد أنهكته سنوات الحرب وأضعفت بنيته الصحية، يبرز مشفى البيروني الجامعي في ريف دمشق بوصفه المركز التخصصي الأهم لعلاج الأورام السرطانية في سورية، والوجهة الرئيسية للمئات من مرضى السرطان القادمين من مختلف المحافظات. وبين ضغط الأعداد المتزايدة ونقص الموارد وتحديات التمويل والتجهيزات، يتحول العلاج داخل هذا المشفى إلى رحلة معقدة تتقاطع فيها المعاناة الطبية مع أزمات الدواء والتنقل والانتظار.

تقول عائدة الجاسم، القادمة من محافظة دير الزور شرقي سورية، إنها وصلت إلى مشفى البيروني بعد رحلة طويلة على أمل الحصول على جرعتها العلاجية، لكنها فوجئت بعدم توفر الدواء. وتقول لـ”العربي الجديد”: “جئت من أجل الجرعة، لكن قيل لي إنّ الأدوية غير متوفرة”. تضيف أنها اضطرت في مرات سابقة إلى شراء الدواء من خارج المشفى، حيث تبلغ تكلفة الجرعة الواحدة نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية (نحو 230 دولاراً أميركياً)، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية. وتتابع: “أحتاج إلى جرعة كل 21 يوماً، وعندما لا تتوفر في المشفى لا يكون أمامي خيار سوى شرائها، لكن كثيرين لا يستطيعون تحمّل هذه التكاليف”. وتشير الجاسم إلى أن الكادر الطبي يقدّم الرعاية والمتابعة اللازمة، وأن الأطباء والممرضين لا يقصّرون، لكن المشكلة الأساسية هي في تأمين الدواء”.

في المقابل، يروي سليمان الآغا، القادم من مدينة سلمية في ريف حماة، معاناته مع تأجيل موعد عمليته الجراحية. ويقول لـ”العربي الجديد”: “جئت لإجراء عملية استئصال كتلة سرطانية بعد انتظار طويل، لكن بعد وصولي إلى المشفى تم تأجيل العملية إلى موعد آخر بحجة عدم وجود الطبيب”. ويشير إلى أن هذا التأجيل يضيف أعباء جديدة عليه، سواء من حيث تكاليف الإقامة أو مشقة التنقل، في ظل ظروفه الصحية والمعيشية الصعبة. ويضيف: “رحلة العلاج بحد ذاتها باتت مرهقة، ليس بسبب المرض فقط، بل بسبب الانتظار والتأجيل والظروف المحيطة”.

يقول خالد الشريف، وهو مريض سرطان في الخمسين من عمره، إنه يواجه صعوبة متكررة في تأمين أدويته، رغم متابعته العلاج في مشفى البيروني. يروي لـ”العربي الجديد”: “في كل مرة أذهب لأخذ الجرعة، أبقى قلقاً من أن الدواء قد لا يكون متوفراً”. ويوضح أنه اضطر أكثر من مرة لشراء جزء من العلاج على نفقته الخاصة، ويضيف: “بعض الأدوية غير متوفرة، فيطلبون مني تأمينها من الخارج، وسعرها مرتفع جداً ولا أستطيع تحمّله بشكل مستمر”. ويشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بحالة فردية، بل تطاول عدداً كبيراً من المرضى الذين يواجهون صعوبات مشابهة في كل دورة علاجية، ما ينعكس على استقرار حالتهم الصحية. ويضيف: “المريض لا يخاف من المرض فقط، بل من عدم توفر العلاج في الوقت المناسب”، لافتاً إلى أن بعض المرضى يضطرون إلى تأجيل جرعاتهم أو البحث عن الدواء خارج المشفى، رغم كلفته العالية.

ورغم ذلك، يؤكد أن الكادر الطبي يحاول التعامل مع النقص عبر بدائل علاجية حين تكون متاحة، لكنه يشدد على أن “توفر الدواء يبقى العامل الأهم في رحلة العلاج”، معتبراً أن أي تأخير أو انقطاع قد ينعكس سلباً على استجابة المرضى للعلاج.

هذه الخدمات المجانية الظاهرة للمريض تُخفي خلفها كلفة اقتصادية ضخمة تتحملها الدولة، إذ إن بعض الأدوية التي تُصرف داخل المشفى تصل قيمتها إلى آلاف الدولارات للجرعة الواحدة، وهو ما يجعل استمرارية تأمينها تحدياً دائماً، خصوصاً في ظل تعقيدات الاستيراد وصعوبات الشحن.

يقول مدير مشفى البيروني الجامعي رضوان الأحمد لـ”العربي الجديد” إنّ المشفى يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة مرض السرطان في سورية، في ظل واقع صحي معقّد خلّفته سنوات الحرب، موضحاً أن الضغط على المشفى “غير مسبوق” كونه المرجع الرئيسي لاستقبال مرضى الأورام من مختلف المحافظات. ويبيّن أن عدد المراجعين يصل إلى نحو ألف مريض يومياً، يتوزعون بين تلقي جلسات العلاج الكيميائي والمناعي والهدفي والعلاج الشعاعي، إضافة إلى الفحوص والمتابعات السريرية والمخبرية والشعاعية، ما يجعل المشفى في حالة عمل متواصل على مدار الساعة، ويضع كوادره أمام تحديات يومية كبيرة.

ويشير الأحمد إلى أن نحو نصف المرضى يراجعون لتلقي الجرعات العلاجية، فيما يخضع الباقون للتشخيص والمتابعة، لافتاً إلى أن المشفى سجّل خلال عام واحد فقط نحو 12 ألف إصابة جديدة بالسرطان بين مراجعيه، وهو رقم يعكس حجم الضغط على مؤسسة واحدة في بلد كامل. ويضيف أن هذا العدد يترافق مع إجراء أكثر من 430 ألف تحليل مخبري سنوياً و140 ألف جلسة شعاعية تلقاها المرضى و67 ألف جلسة كيميائية ضمن المشفى و30 ألف وصفة دوائية وُصفت خارجياً لمرضى السرطان، إلى جانب عشرات آلاف جلسات العلاج الكيميائي والشعاعي، وهو ما يصفه بـ”العبء التشغيلي والمالي الهائل”، خصوصاً في ظل التزام المشفى بتقديم كل هذه الخدمات مجاناً.

وفي ما يتعلق بالأدوية، يوضح الأحمد أن تكلفة العلاج مرتفعة جداً، إذ تصل قيمة بعض الأدوية إلى آلاف الدولارات للجرعة الواحدة، وهو ما يجعل تأمينها تحدياً دائماً في ظل الظروف الاقتصادية وصعوبات الاستيراد والنقل. ويشير إلى أن “إدارة المشفى تمكنت من تأمين 66 صنفاً دوائياً، وقد وصلنا حتى الآن 46 صنفاً، بينها علاجات حديثة مناعية وهدفية دخلت للمرة الأولى إلى المشافي الحكومية”، واصفاً ذلك بأنه “نقلة نوعية” في علاج الأورام داخل القطاع العام. لكنه يقرّ في الوقت ذاته بأن النقص لا يزال قائماً، مع بقاء نحو 20 صنفاً قيد التوريد، نتيجة تأخر الشحنات أو عزوف بعض الشركات عن التوريد، ما يفرض أحياناً تعديلات على الخطط العلاجية.

نقص الموارد يعيق علاج الأورام السرطانية في مشفى البيروني، إبريل 2026 (العربي الجديد)

نقص الموارد يعيق علاج السرطان في مشفى البيروني، إبريل 2026 (العربي الجديد)

ورغم هذه التحديات، يؤكد الأحمد أنه “لا توجد حالات متوقفة عن العلاج”، مشيراً إلى اعتماد بروتوكولات علاجية بديلة ومعترف بها عالمياً لضمان استمرارية العلاج، وفق تقييم الطبيب المعالج لكل حالة على حدة. ويشدّد على أن التنوع في الخيارات العلاجية، بين الكيميائي والمناعي والهدفي، يتيح هامشاً للتعامل مع النقص، وإن كان لا يُلغي الحاجة إلى تأمين الأدوية الأصلية بشكل كامل.

ولا تقتصر التحديات، بحسب الأحمد، على تأمين الأدوية، بل تمتد إلى التجهيزات الطبية، إذ يعاني المشفى من أعطال في بعض الأجهزة الأساسية، مثل أجهزة التصوير الطبقي المحوري، ما اضطر الإدارة سابقاً إلى التنسيق مع مشافٍ أخرى لنقل المرضى وإجراء الفحوص اللازمة. ويشير إلى أن هذا الحل كان موقّتاً، لكنه يعكس حجم الفجوة بين الحاجة الفعلية والإمكانات المتاحة، لافتاً إلى وجود بنية تحتية جاهزة لاستقبال أجهزة حديثة مثل جهاز التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) والرنين المغناطيسي، إلا أن إدخالها يبقى مرتبطاً بتأمين التمويل.

وفي هذا السياق، يوضح الأحمد أن المشفى يعمل حالياً ضمن موازنة محدودة، تعتمد على ما يُعرف بالموازنة “الاثني عشرية”، وهي موازنة تتيح تسيير الأعمال الأساسية من دون أن تلبّي متطلبات التوسّع أو التحديث، مشيراً إلى أن إدارة المشفى رفعت احتياجاتها إلى الجهات المعنية، أملاً في الحصول على تمويل إضافي يواكب حجم الضغط المتزايد.

أما على صعيد الكوادر الطبية، فيؤكد الأحمد أن الأطباء يعملون تحت ضغط كبير، إذ يعاين الطبيب الواحد يومياً ما بين 60 إلى 75 مريضاً، وهو رقم يفوق بكثير المعدلات الطبيعية عالمياً، لكنه يعكس في الوقت ذاته التزام الكادر الطبي باستقبال جميع المرضى وعدم رد أي حالة. ويضيف أن المشفى يحافظ رغم ذلك على دوره الأكاديمي، من خلال جلسات علمية أسبوعية وبحوث طبية تُنشر في مجلات ومؤتمرات دولية، مستنداً في ذلك إلى “السجل السرطاني” الذي أُحدث مؤخراً لتوثيق الحالات بدقة.

ويشير إلى أن هذا السجل لا يقتصر على التوثيق، بل يتيح أيضاً تحليل أنماط انتشار السرطان جغرافياً، ما يساعد في فهم أوسع لطبيعة المرض في سورية، ويدعم الجهود البحثية والطبية في هذا المجال. ويؤكد أن هذه البيانات تُستخدم أيضاً في تقدير الاحتياجات المستقبلية من الأدوية والتجهيزات، ما يعزّز القدرة على التخطيط رغم محدودية الموارد.

ويشدّد الأحمد على أن مشفى البيروني، رغم كونه الركيزة الأساسية في علاج الأورام في سورية، لا يمكنه وحده تحمّل هذا العبء المتزايد، مشيراً إلى الحاجة الملحّة لتعزيز المراكز الصحية الأخرى، سواء التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو وزارة الصحة السورية، وتوسيع نطاق الخدمات الطبية، بما يخفف الضغط عن المشفى، ويحقق قدراً أكبر من العدالة في الوصول إلى العلاج. ويؤكد أن التحدي الأكبر يبقى في الحفاظ على استمرارية الخدمة المجانية في ظل تزايد أعداد المرضى وتعقيدات التمويل والتوريد، مشدداً على أن المشفى “مستمر في أداء دوره رغم كل الظروف، لضمان حق المرضى في العلاج”.

العربي الجديد

—————————–

===========================

تحديث 27 نيسان 2026

—————————–

 “حين يخذلك الراتب في آخر الطريق”.. المتقاعد السوري يعجز أمام فاتورة الدواء/  هديل عدره

2026.04.27

تجلس أم محمود، وهي متقاعدة سبعينية، أمام صيدلية في أحد شوارع دمشق، تخرج من حقيبتها بضع أوراق نقدية وتعدها بصمت، ثم تعيدها وهي تقول متسائلة: “هذا ثمن دواء الضغط فقط، وما تبقى من الأدوية كيف سأشتريها؟”.

تعكس قصة أم محمود واقعا يعيشه معظم المتقاعدين في سوريا، في ظل ارتفاع أسعار الأدوية وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.

يقضي معظم السوريين سنوات طويلة في الوظائف الحكومية أملا بالحصول على راتب تقاعدي يؤمن الحد الأدنى من المعيشة، لكن ارتفاع تكاليف الحياة جعل تأمين الدواء هاجسا يوميا.

راتب التقاعد في سوريا لا يغطي ثمن الدواء

يقول محمد الأسعد لموقع تلفزيون سوريا، وهو متقاعد في أواخر الستين ويجلس على كرسي متحرك: “الراتب التقاعدي لا يكفي ثمن أدوية الضغط والقلب لمدة أسبوعين فقط”.

يضيف: “أبيع العلكة والبسكويت على الرصيف نهارا علها تسند الحال”، في إشارة إلى اضطراره للعمل رغم وضعه الصحي.

وتقول أم موسى، وهي متقاعدة: “بعد ثلاثين سنة خدمة وفوق عمر الستين أعمل بتنظيف منازل وأطبخ لبعض العائلات، لأن راتبي لا يكفي ثمن دواء”، وتضيف: “حتى الزيادات لا تشمل المتقاعدين”.

تشير إلى أنها تعاني من أمراض الضغط والكلى، وتحتاج إلى أدوية متعددة ومراجعات طبية دورية، لكنها لا تستطيع شراء كامل الوصفة بسبب ارتفاع الأسعار.

شهدت أسعار الأدوية في سوريا ارتفاعات متتالية، ترافقها أحيانا حالات انقطاع قبل رفع الأسعار.

توضح الصيدلانية فاطمة النقاوة أن ارتفاع أسعار أدوية الأمراض المزمنة، بالتزامن مع غلاء المعيشة، يدفع المرضى إلى تقليل الجرعات أو اللجوء إلى بدائل أرخص، ما قد يؤدي إلى مخاطر صحية.

تقول النقاوة لموقع تلفزيون سوريا، إن وضع الأدوية في سوريا معقد، وزاد تعقيده إغلاق معمل “تاميكو” الحكومي، الذي كان يوفر أدوية بأسعار مقبولة. وتشير إلى أن ضعف الإنتاج المحلي، خاصة لأدوية القلب والضغط، أدى إلى نقص بعض الأصناف وارتفاع أسعار البدائل.

“عمل فوق الستين”

يجد كثير من المتقاعدين أنفسهم مضطرين للعمل بعد سن الستين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وتقول ليلى العلي: “بعد أكثر من نصف عمر في الخدمة، من المفترض أن أرتاح، لكنني أعمل في منزلي بتقطيع الخضار وبيعها”.

وتضيف أن راتبها يبلغ نحو 80 دولارا، أي ما يعادل 800 ألف ليرة سورية، ولا يكفي لتغطية تكاليف الأدوية ومراجعة الأطباء، مشيرة إلى أنها تحتاج إلى عملية جراحية في مفاصل القدم بكلفة تصل إلى 75 مليون ليرة.

تسأل ليلى: “ألا يجب أن يكون لدينا تأمين صحي حقيقي؟ ولماذا لا يستطيع المتقاعد الحصول على قرض لإجراء العمليات الضرورية؟”.

لا تقتصر معاناة المتقاعدين على ضعف الرواتب وارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى آلية استلام الرواتب، إذ يضطر المتقاعدون إلى قطع مسافات طويلة والانتظار لساعات أمام الصرافات للحصول على جزء من رواتبهم، إذ لا يتمكنون غالبا من سحب المبلغ كاملا دفعة واحدة.

يقول أحد المتقاعدين: “نقف لساعات طويلة، وأحيانا نعود في اليوم التالي بسبب الازدحام أو الأعطال”. ويضيف: “التعب ليس فقط من المرض، حتى قبض الراتب يحتاج جهدا”.

رغم الحديث الحكومي عن تنظيم صرف الرواتب وضبط الأسعار، يبقى راتب المتقاعد منخفضا مقارنة بتكاليف المعيشة.

يواجه المتقاعدون في سوريا معادلة صعبة بين دخل محدود وارتفاع مستمر في أسعار الدواء، ما يفرض عليهم تحديات يومية يصعب تحملها على المدى الطويل.

—————————–

===========================

تحديث 26 نيسان 2026

—————————–

حين يُهزم الإنسان: كيف استُنزف رأس المال البشري السوري؟/ مازن الشاهين

رأس المال البشري.. “الغراء” الذي يعيد تماسك سوريا

2026-04-26

عند نهاية الحروب تُحصى الأرقام للدمار المادي من أبنية منهارة وطرقات ومرافق مدمرة، لكن الأخطر يبقى خسارة رأس المال البشري غير المرئي. في سوريا بعد أكثر من 15 عاماً من الحرب والاستبداد، تضرر التعليم لثلاثة أجيال، وتشتت أكثر من نصف الكفاءات الأكاديمية والتقنية في المنافي، ما كشف نزيفاً يفوق كل الإحصاءات. وبينما تُسجَّل صور الركام، يظل السؤال المركزي: كيف يمكن لبلد فقد عقوله وسواعده أن يعيد بناء نفسه، وهل يمكن إعادة توظيف رأس ماله البشري كقاعدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة؟

يقول الباحث الاجتماعي نضال العامري في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التحدي في سوريا لا يكمن في إعادة إعمار الحجر بل في استعادة ما تهدّم داخل الإنسان من تعليم وكفاءات وثقة مجتمعية، فالإسمنت يمكن استيراده لكن لا يمكن استيراد جيل متعلم أو تعويض انقطاع معرفي أو إعادة بناء الثقة الاجتماعية.

ويشير إلى أن النقاشات الدولية حول إعادة الإعمار تركز على العقود والبنية التحتية، بينما تُهمل الخسارة الأعمق المتمثلة في رأس المال البشري الذي تآكل مع تهجير العقول وتفريغ المؤسسات من كوادرها.

ويؤكد العامري أن إعادة الإعمار المادي ضرورية لكنها غير كافية، إذ تنهض الدول عبر الاستثمار في الإنسان كما في نماذج مثل ألمانيا ورواندا، موضحاً أن رأس المال البشري يشمل التعليم والكفاءات والثقة المجتمعية، وبدونه تصبح المشاريع غير مستدامة.

ويدعو إلى “طرح عام لرأس المال البشري السوري” عبر سياسات ذكية تشمل إنشاء هيئة وطنية مستقلة، وإطلاق منصة رقمية تربط كفاءات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا للاستشارات والتدريب ونقل الخبرات، بما يحوّل العقول المهاجرة إلى رصيد استراتيجي بدل خسارة دائمة.

ثقب أسود في التعليم: ثلاثة أجيال خارج الزمن والجرح الأعمق

في خيمة بريف إدلب يعيش عدنان (14 عاماً) الذي لا يعرف من الأبجدية سوى كتابة اسمه، رغم بلوغه سن المرحلة الثانوية، بعد أن أمضى سنواته متنقلاً بين النزوح والقصف، إذ دُمّرت مدرسته الأولى وتحولت الثانية إلى مأوى للنازحين، ما دفعه للعمل في ورشة سيارات بدل التعليم، ليجسّد “الجيل التائه” وخسارة سوريا لطفولة تحولت إلى فاقد تعليمي وإنتاجي مبكر، وفي عام 2025 عاد مئات الآلاف من الأطفال إلى المدارس في عام وُصف بالتاريخي بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، إلا أن هذه العودة، رغم رمزيتها، كشفت واقعاً أعمق من الفاقد التعليمي الذي خلّفته سنوات الحرب.

ووفقاً لأحدث بيانات منظمة اليونيسف، لا يزال 2.45 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة في سوريا، بينما يواجه 1.6 مليون طفل آخر خطر التسرب بسبب البنية التحتية المدمرة والفقر والنزوح، وهذه الأرقام المخيفة لا تروي سوى جزء من الكارثة.

ويؤكد الخبير التربوي عباس الجميل في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن أكثر من 50% من الأطفال واليافعين السوريين حُرموا من التعليم خلال 14 عاماً من الحرب، سواء داخل سوريا أو في دول اللجوء، حيث تحولت المدارس إلى ملاجئ أو دُمّرت، وواجه اللاجئون عوائق اللغة والفقر والعمل المبكر، ما أدى إلى ضياع جيل كامل من التعليم المنتظم.

ويضيف أن الكارثة تتجاوز الحرب، إذ إن جذور التجهيل تعود لعقود سابقة حين استُخدمت المدارس لتكريس الولاء السياسي عبر مناهج وشعارات حزبية، قبل أن تتفاقم بعد 2011 مع تدمير آلاف المدارس وخروج نصف البنية التعليمية عن الخدمة.

ويشير الجميل إلى أن عدد المدارس المدمّرة بلغ نحو 8 آلاف، بينها ألف تحتاج إعادة بناء كاملة، وأكثر من 40% من المتبقي غير صالح للاستخدام، ما أنتج أجيالاً متباينة: أمية قسرية في المخيمات، وشهادات منقوصة، ونقصاً حاداً في الكوادر التعليمية بسبب الهجرة.

ورغم ذلك يلمح إلى بوادر إصلاح مثل برامج التعليم التعويضي في 2025، وحذف رموز النظام السابق من المناهج، والانضمام إلى الشراكات التعليمية الدولية، لكنه يحذر من “فقر تعليمي” طويل الأمد يهدد مستقبل البلاد ما لم تُنفذ خطط استدراكية عاجلة وتُعالج فجوات المهارات والانقطاع المعرفي.

العقول المهاجرة: استنزاف النخبة السورية

تقول د. ميساء (45 عاماً)، رئيسة قسم جراحة الأعصاب سابقاً في أحد أكبر مشافي حلب واستشارية حالياً في ألمانيا، إنها غادرت بعد استهداف مشفاها ثلاث مرات وفقدان زملائها تحت القصف أو التعذيب، مشيرة إلى أن ألمانيا استثمرت فيها “صِفر” يورو لتكسب كفاءة جاهزة كلف تدريبها الدولة السورية ملايين، معتبرة أن هجرة أمثالها هي “تصدير مجاني للثروة” وأن بناء المستشفيات دون عقولها يعني جدراناً بلا حياة.

فيما يوضح الكاتب فادي حنا في تصريحات لـ”963+” أن ما يجري هو نزيف صامت حوّل الطبيب والمهندس والأستاذ إلى طاقات تبني خارج البلاد، نتيجة هجرة كفاءات واسعة منذ 2011 طالت الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، حتى باتت المؤسسات تعاني من نقص الخبرة أكثر من المعدات.

ويضيف حنا أن هذه الهجرة ليست فردية بل “تحول في الوعي والإنتاج” مدفوع بسياسات استقطاب عالمية عبر فرص ورواتب ومختبرات، ما أدى إلى إعادة توزيع الكفاءات من الدول المنهكة إلى المراكز الغنية، مع تفريغ سوريا من طاقاتها في الطب والهندسة والتعليم، حيث يعيش السوريون في المهجر كواحدة من أكثر الجاليات تعليماً في العالم (أكثر من 50 ألفاً في ألمانيا وحدها)، موزعين بين تركيا ومصر وكندا والخليج وأمريكا.

ويحذر من أن العودة لا تتم تلقائياً بعد النزاعات بسبب هشاشة الاقتصاد والبنية التحتية وغياب الاعتراف بالشهادات، رغم وجود مؤشرات عودة للاجئين، داعياً إلى حلول مثل العمل عن بعد، ومنصات ربط الكفاءات بالداخل، وبرامج تبادل معرفي، وإنشاء هيئة للاعتراف بالمؤهلات، مؤكداً أن استمرار النزيف يعني فقدان “ذاكرة المؤسسات” السورية.

المجتمع المدني: ولادة مدهشة وصوت خافت وسط الدمار

عامر (33 عاماً)، ناشط مدني كان يدير منظمة من غازي عنتاب، عاد اليوم ليقود مبادرة لتمكين الشباب في حمص بعد أن كان تواصله مع الداخل يعرّض المتطوعين للخطر، واعتمد خلال سنوات المنفى على إدارة مشاريع تعليمية في الداخل عبر “الواتساب” وتحويلات مالية معقدة، ما جعل غيابه يترك فراغاً كبيراً لأن المجتمع المدني يُعد “خط الدفاع الأول” عن القيم المدنية، بحسب ما يقول لـ”963+”.

وبين 2011 و2024 برز مجتمع مدني سوري واسع داخل البلاد وخارجها شمل الإغاثة والتعليم البديل وتوثيق الانتهاكات والدفاع القانوني وتمكين النساء والصحة النفسية والإعلام البديل، في محاولة لملء فراغ الدولة المنهارة رغم القمع والتقييد.

وتؤكد الناشطة الحقوقية الأكاديمية ناهد زنبقة في تصريحات لـ”963+” أن المجتمع المدني هو “الغراء بين الدولة والمواطن” وعمود العدالة الانتقالية، لكنه تعرّض للتفكيك عبر عقود من القمع وتحويله لواجهات خاضعة للرقابة، ومع ما بعد 2024 ورغم تنامي النشاط وتسجيل منظمات جديدة، لا يزال العمل مقيداً بقانون 93 لعام 1958 الذي يمنح الدولة سلطة حل الجمعيات والتدخل بتمويلها دون رقابة قضائية، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أداة لحرمان السوريين من حرية التنظيم.

وتحذر زنبقة من أن بناء مجتمع مدني حقيقي يتطلب إلغاء هذا القانون، ومعالجة تبعية التمويل الخارجي وغياب الإطار القانوني وتشتت الولاءات، مؤكدة أن الأولوية هي استعادة الثقة، وضمان استقلالية المنظمات، وتوسيع المشاركة المدنية خارج الطابع الإغاثي الضيق.

الطرح العام لرأس المال البشري: رؤية استراتيجية

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي عبدالحميد العبود في تصريحات لـ”963+” إن “الطرح العام” لرأس المال البشري السوري هو استعارة من عالم المال تعني جعل التعليم والكفاءات والمبادرات المدنية مرئية ومفعّلة في مشروع الدولة، عبر الإعلان عن قيمتها، وتوظيفها في إعادة البناء، وإتاحة فرصها بشكل عادل، لا حصرها بنخبة.

ويوضح أن هذا يتطلب هيئة وطنية مستقلة لرسم سياسات التعليم والكفاءات، وخطة لإعادة بناء التعليم تشمل تأهيل المدارس وتوحيد المناهج ورفع أجور المعلمين، ومنصة رقمية “كفاءات للوطن” لربط خبرات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا، إضافة إلى ميثاق للمجتمع المدني يضمن الحرية والاستقلالية، وتمييز إيجابي لمناطق الأطراف لضمان عدالة توزيع الكفاءات والخدمات خارج المركز.

ويضيف العبود أن الحل يبدأ باستراتيجية وطنية لترميم الإنسان عبر تعليم مرن عابر للحدود، ودبلومات سريعة لتعويض الفاقد، ورقمنة التعليم، و”عودة افتراضية” للكفاءات عبر العمل عن بعد في الإدارة والاستشارات، مع صناديق لدعم العودة أو المشاركة، وتحويل الدعم الدولي من الإغاثة إلى بناء القدرات، إضافة إلى قوانين تضمن استقلال مؤسسات الدولة على أساس الجدارة.

ويختم بأن إعادة إعمار الحجر بلا إنسان مؤهل هو هدر، فالمعركة الحقيقية في سوريا هي داخل الإنسان، وأن الدول لا تُبنى بالحجارة بل بالعقول التي تعيد تحويل الركام إلى معنى، وإلا ستواجه سوريا أزمة وجود لا مجرد أزمة إعمار.

—————————–

سوريا وإعادة ترتيب الأولويات.. السياسة والتعليم كمدخل للنهوض/ ميسون محمد

26 أبريل 2026

لا يمكن الحديث عن أي مشروع حقيقي للنهوض في سوريا دون التوقف عند دائرتين مركزيتين تتحكمان بمسار الدولة والمجتمع: السياسة والتعليم. فالتجارب التاريخية، تثبت أن أي خلل بنيوي في هذين المجالين ينعكس مباشرة على بقية القطاعات، ويحوّل الأزمات إلى حالة دائمة بدل أن تكون مرحلة انتقالية قابلة للمعالجة. من هنا، فإن أي محاولة لفهم واقع سوريا اليوم، أو استشراف مستقبلها، يجب أن تنطلق من تحليل العلاقة بين هذين المحورين، وشروط إعادة تفعيلهما بشكل منتج.

كيف تُدار الدولة

السياسة ليست مجرد إدارة للسلطة، بل هي الإطار الذي تُنظَّم ضمنه المصالح، وتُدار من خلاله الاختلافات، وتُبنى عبره قواعد التعاقد الاجتماعي. في الحالة السورية، تراجعت السياسة بوصفها فعلًا عامًا لصالح أنماط مغلقة من الحكم، ما أدى إلى تآكل المجال العام، وغياب آليات التمثيل الحقيقي، وانسداد قنوات التعبير. هذا الانسداد لم يكن مجرد خلل تقني، بل تحوّل إلى عامل إنتاج للأزمات، لأن المجتمع الذي لا يمتلك أدوات للتعبير والنقد والمساءلة، يتحول تدريجيًا إلى بيئة قابلة للاحتقان والانفجار.

حرية التعبير هنا ليست ترفًا فكريًا، بل شرط تأسيسي لأي إصلاح سياسي. فبدونها، لا يمكن إنتاج معرفة نقدية، ولا يمكن تصحيح الأخطاء، ولا يمكن بناء ثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن غياب المساءلة يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة، ويحوّل السلطة إلى غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة الصالح العام. وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي وسّعت هامش الحريات السياسية بالتوازي مع بناء مؤسسات رقابية شهدت تحسنًا ملموسًا في مؤشرات الحوكمة خلال عقد واحد فقط، حيث ارتفعت مستويات الشفافية وتراجعت معدلات الفساد الإداري بشكل تدريجي.

وفي هذا السياق، تُظهر مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي(World Governance Indicators ) عبر أكثر من 200 دولة أن الفجوة بين الدول المغلقة والدول المنفتحة مؤسسيًا تظهر بوضوح في ستة أبعاد رئيسية تشمل: فعالية الحكومة، سيادة القانون، ضبط الفساد، والمساءلة. وتشير البيانات الممتدة من 1996 إلى 2024 إلى أن التحسن في هذه المؤشرات يرتبط بشكل مباشر بمدى انفتاح المجال السياسي، وليس فقط بحجم الموارد الاقتصادية. في المقابل، فإن الدول التي احتفظت بهياكل مغلقة، حتى مع توفر الموارد، بقيت تعاني من ضعف الكفاءة المؤسسية وارتفاع كلفة القرار العام.

من هم الفاعلون؟ وكيف يفكرون؟

هنا السياسة وحدها لا تكفي. فحتى لو توفرت إرادة سياسية للإصلاح، فإن غياب قاعدة معرفية وتعليمية قوية سيحدّ من قدرة المجتمع على الاستفادة من هذه الفرصة. هنا يأتي دور التعليم بوصفه البنية التحتية للعقل الجمعي. التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشكّل طريقة التفكير، ويحدد طبيعة العلاقة مع الآخر، ويؤثر في مستوى الوعي السياسي والاجتماعي.

في سوريا، تعرّض قطاع التعليم لضربات قاسية خلال السنوات الماضية، سواء من حيث البنية التحتية أو الكوادر أو المناهج. وتشير تقديرات منظمات دولية ،مثل اليونيسف، إلى أن نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، مع تضرر أو الحاجة لإعادة تأهيل أكثر من ثمانية آلاف مدرسة، أي ما يقارب 40%  من البنية التحتية التعليمية. كما تعكس تقارير ميدانية وجود نسب اكتظاظ شديدة في بعض المناطق، ما يجعل العملية التعليمية نفسها غير قادرة على إنتاج بيئة تعلم فعّالة. هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة وصول، بل أزمة بنيوية في إنتاج المعرفة نفسها.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في التدمير المادي، بل في طبيعة النموذج التعليمي نفسه، الذي لطالما ركّز على التلقين بدل التفكير النقدي. هذا النموذج ينتج أفرادًا قادرين على الحفظ، لكن غير مهيئين للمساءلة أو المبادرة أو الابتكار، وهو ما يتناقض مع متطلبات أي عملية تحول ديمقراطي أو تنموي.

إصلاح التعليم، بالتالي، يجب أن يتجاوز إعادة بناء المدارس والجامعات، ليشمل إعادة صياغة الفلسفة التعليمية نفسها. المطلوب هو الانتقال من تعليم قائم على الامتثال إلى تعليم قائم على التساؤل. من تعليم يعزز الطاعة إلى تعليم يعزز المسؤولية. من مناهج مغلقة إلى مناهج تفاعلية تربط المعرفة بالواقع.

هذا التحول ليس نظريًا، بل جرى تطبيقه في تجارب ناجحة. ففي فنلندا، أدى الاستثمار في تأهيل المعلمين ومنح المدارس استقلالية أوسع إلى تصنيف النظام التعليمي ضمن الأفضل عالميًا خلال العقود الأخيرة، مع مستويات مرتفعة من الكفاءة القرائية والمهارات التحليلية لدى الطلاب.

وفي كوريا الجنوبية، ترافق الاستثمار المكثف في التعليم مع نمو اقتصادي سريع، حيث تحولت البلاد خلال جيل واحد من اقتصاد منخفض الدخل إلى أحد أكبر الاقتصادات الصناعية، مدفوعًا بقوة رأس المال البشري.

العلاقة بين السياسة والتعليم ليست خطية، بل تبادلية. السياسة تحدد الإطار الذي يعمل ضمنه التعليم، والتعليم بدوره يحدد نوعية الفاعلين في المجال السياسي. إذا كانت السياسة مغلقة، فإن التعليم غالبًا ما يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج هذا الإغلاق. وإذا كان التعليم ضعيفًا، فإن المجال السياسي يمتلئ بفاعلين يفتقرون إلى الكفاءة والرؤية.

لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يتعامل مع هذين المسارين بشكل متزامن، لا كملفين منفصلين. وفي الحالة السورية، فإن أي انفتاح سياسي غير مدعوم بإصلاح تعليمي سيؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الأنماط، ولكن بوجوه مختلفة، وهو ما شهدته دول أخرى دخلت مراحل انتقال دون إعداد مجتمعي كافٍ.

التنظيم يحوّل الفعل إلى أثر

إلى جانب ذلك، يبرز عنصر ثالث لا يقل أهمية، وهو تنظيم الطاقات المجتمعية. سوريا تمتلك رصيدًا بشريًا كبيرًا، سواء داخل البلاد أو في الشتات، لكن هذا الرصيد يعاني من التشتت وضعف التنسيق. في ظل غياب مؤسسات فاعلة، تتحول الطاقات الفردية إلى جهود معزولة، لا تنتج أثرًا تراكميًا. وتشير تجارب دول ما بعد النزاع إلى أن غياب التنسيق المؤسسي يمكن أن يبدد ما يصل إلى نصف الجهود التنموية بسبب التكرار وضعف التخطيط، وهو ما يضاعف كلفة إعادة الإعمار دون نتائج متناسبة.

تنظيم الطاقات لا يعني فقط العمل الحزبي أو السياسي، بل يشمل مختلف المجالات: الاقتصادية، الثقافية، الأكاديمية، والمجتمعية. المطلوب هو الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن المبادرات المؤقتة إلى المشاريع المستدامة. ويمكن هنا الاستفادة من تجارب مجتمعات عاشت ظروفًا مشابهة. ففي رواندا، ساهمت برامج إعادة الدمج المجتمعي والتنظيم المحلي في تسريع التعافي الاقتصادي، حيث سجلت البلاد معدلات نمو مرتفعة نسبيًا خلال العقدين التاليين للإبادة الجماعية. وفي تجارب أخرى، أظهرت الشبكات المهنية ومنظمات المجتمع المدني قدرتها على سد فجوات حيوية في التعليم والصحة عندما تكون الدولة غير قادرة على القيام بدورها بالكامل.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن الأزمة السورية ليست فقط أزمة سلطة، بل أزمة بنية. أي أنها تتعلق بطريقة توزيع القوة والمعرفة والموارد داخل المجتمع. معالجة هذه الأزمة تتطلب تفكيك هذه البنية وإعادة تركيبها على أسس جديدة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والكفاءة. وهذا لا يمكن تحقيقه دون إصلاح متزامن في السياسة والتعليم، مدعوم بجهد واعٍ لتنظيم الطاقات.

من المهم أيضًا الإشارة إلى أن أي مشروع إصلاحي سيواجه مقاومة، سواء من داخل البنى القائمة أو من القوى المستفيدة من الوضع الحالي. لذلك، فإن التغيير لا يمكن أن يكون لحظيًا أو مثاليًا، بل هو عملية تدريجية تتطلب صبرًا واستراتيجية واضحة. وتُظهر تجارب التحول أن الدول التي اعتمدت مسارات تدريجية قائمة على بناء الثقة والمؤسسات استطاعت تقليل كلفة الانتقال، مقارنة بتلك التي شهدت تحولات مفاجئة أدت إلى اضطرابات طويلة الأمد.

في هذا السياق، يصبح من الضروري تحديد أولويات قابلة للتنفيذ، مثل: توسيع هامش حرية التعبير، دعم المبادرات التعليمية البديلة، بناء شبكات مهنية، وتعزيز دور المجتمع المدني. كما أن إدخال أدوات التكنولوجيا الحديثة في التعليم والإدارة يمكن أن يشكّل رافعة إضافية، خاصة في ظل وجود كفاءات سورية واسعة في الخارج. وتُظهر تجارب العمل عن بُعد والتعليم الرقمي أن الربط بين الداخل والشتات يمكن أن يحقق أثرًا سريعًا نسبيًا بتكلفة أقل مقارنة بالنماذج التقليدية.

على المستوى العملي، يمكن التفكير في مجموعة من المسارات المتوازية:

    إطلاق منصات إعلامية مستقلة تعزز ثقافة النقد والمساءلة، مع ضمان الحد الأدنى من المهنية والمعايير التحريرية.

    دعم برامج تدريبية تركز على التفكير النقدي والمهارات المدنية، خاصة لدى الشباب، بما ينعكس على جودة المشاركة السياسية لاحقًا.

    تشجيع المبادرات التعليمية غير التقليدية، مثل التعليم المجتمعي أو التعليم عبر الإنترنت، لسد الفجوات القائمة وتقليل أثر الانقطاع التعليمي.

    بناء شبكات بين الكفاءات السورية في الداخل والخارج، بهدف نقل المعرفة والخبرات بشكل منظم، بما يرفع كفاءة المشاريع المحلية.

    تطوير أطر قانونية تسمح بتأسيس منظمات ومؤسسات مستقلة، بما يضمن استدامة العمل العام وتقليل الاعتماد على المبادرات الفردية.

هذه المسارات لا تشكل حلًا سحريًا، لكنها تمثل خطوات واقعية نحو إعادة بناء المجال العام. الأهم هو أن تكون هذه الجهود مترابطة، وأن تُدار ضمن رؤية استراتيجية، لا كمجرد ردود فعل متفرقة.

في الخلاصة، النهوض في سوريا ليس مسألة شعارات، بل مسألة بنى وآليات. لا يمكن إصلاح الشأن العام دون سياسة مفتوحة، ولا يمكن بناء سياسة فاعلة دون تعليم نقدي، ولا يمكن تفعيل الاثنين دون تنظيم الطاقات. هذه ليست معادلة نظرية، بل إطار عملي يمكن من خلاله التفكير في المستقبل. السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن النهوض؟ بل: كيف نعيد ترتيب الأولويات بطريقة تجعل هذا النهوض ممكنًا وقابلًا للاستدامة.

الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن الإصلاح ضرورة وجودية. وكل تأخير في معالجة جذور الخلل، يعني تعميق كلفته مستقبلًا. لذلك، فإن الاستثمار في السياسة والتعليم، ليس فقط استثمارًا في الحاضر، بل في شكل سوريا التي ستتشكل في السنوات القادمة.

الترا سوريا

———————

 المقامرة الإلكترونية في سوريا.. إدمان يهدد استقرار المقامرين/ آلاء شعبو

لم تكن “ضغطة حظ” عابرة، بل بداية سلسلة خسائر انتهت بديون ثقيلة وانهيار حياة كاملة.

في اللاذقية، أنهى علاء (38 عامًا) وهو أب لطفلتين، حياته بعد تورطه في لعبة “آيشانسي”، بحسب مصادر مقربة منه.

كان علاء يعيش حياة مستقرة نسبيًا قبل أن ينخرط في لعبة مقامرة إلكترونية، تحولت تدريجيًا إلى خسائر مالية كبيرة، قُدرت بنحو 200 مليون ليرة سورية، وضغوط متزايدة انتهت بشكل مأساوي.

ومثل علاء، تكشف شهادات متقاطعة عن آلاف الحالات المشابهة، لشبان وشابات في سوريا، وجدوا أنفسهم عالقين في شبكة مقامرة إلكترونية، تتضخم فيها الخسائر بسرعة، وتخلّف آثارًا نفسية ومالية قاسية تمتد إلى عائلاتهم، ما يبرز الحاجة للتعامل مع هذه الظاهرة.

من تجربة عابرة إلى إدمان مالي

“محمود” (اسم مستعار) تحدث لعنب بلدي عن بدايات تجربته مع تطبيقات المقامرة الإلكترونية، قائلًا إن الأمر بدأ بدافع التجربة وبمبالغ بسيطة، “كانت أول تجربة (آيشانسي) بمبلغ لا يتجاوز ثلاثة آلاف ليرة، ربحت خلالها نحو 15 مليون ليرة، ما شدّني للاستمرار. لاحقًا، واصلت اللعب حتى أنفقت كل ما أملك، وأنا أحاول تعويض خسائري وتحقيق ربح جديد”.

وأضاف “محمود” أن التجربة خرجت عن السيطرة تدريجيًا، إلى أن وصل به الأمر إلى بيع ذهب زوجته من أجل تغطية الرهانات وسد الخسائر المتراكمة، في محاولة أخيرة لتعويض ما خسره.

وكانت هذه الخطوة نقطة تحول حاسمة، إذ “استفاق على حجم الخسارة” بعد ذلك، ما دفعه إلى التوقف الكامل عن اللعب والانفصال عن هذه التطبيقات بشكل نهائي.

من “آيشانسي” إلى تطبيقات أخرى

تشير شهادات جمعتها عنب بلدي إلى أن ظاهرة المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على تطبيق واحد، بل تشمل عدة منصات متداولة بين المستخدمين، من بينها تطبيقات مثل “WayxBet” و”1xBet” و”Texas4win”، إضافة إلى منصات أخرى أقل شهرة تنتشر عبر روابط دعائية أو وسطاء محليين.

تعمل هذه التطبيقات بأساليب متشابهة تقوم على جذب المستخدمين عبر أرباح أولية أو عروض ترويجية، قبل إدخالهم في دورة من الرهانات المتكررة والخسائر المتصاعدة.

كما تستخدم ما يُعرف بـ“الجائزة الكبرى (Jackpot) التي تُعرض بأرقام مرتفعة قد تصل إلى عشرات الملايين والمليارات، ما يعزز لدى المستخدم شعورًا مستمرًا بأن الربح الكبير “قريب”.

هرم “الحرق”.. شبكة أرباح من الخسارة

تكشف الشهادات عن بنية شبه هرمية لإدارة هذه التطبيقات، تبدأ بـ“الكاشير”، مرورًا بـ“الماستر”، وصولًا إلى “السيبر ماستر”.

وتتوزع الأرباح وفق نسب متصاعدة:

    “الكاشير”: نحو 25%.

    “الماستر”: نحو 35%.

    “السيبر ماستر”: بين 45 و60%.

وتشير شهادات إلى أن ما يُعرف بـ“الحرق” يقوم على بيع رصيد اللعب بسعر منخفض (مثل مليون ليرة مقابل 400 ألف)، ثم إعادة تدويره داخل النظام لتحقيق أرباح من خسائر المستخدمين.

مئات الملايين شهريًا.. اقتصاد موازٍ

يقدّر لاعب سابق حجم التداول المالي ضمن هذه الشبكات بأرقام مرتفعة، مشيرًا إلى أن بعض الشبكات قد تدير عمليات مالية شهرية تبدأ من نحو 700 مليون ليرة سورية وقد تتجاوز ذلك بكثير.

في ضوء هذه الأرقام، تبدو خسارة مئات الملايين، كما في حالة الشاب الذي توفي مؤخرًا في اللاذقية، جزءًا من دورة مالية أوسع، تستوعب مبالغ أكبر بكثير على مستوى شبكات غير منظمة تعمل خارج الرقابة.

قنوات الدفع.. مسارات مفتوحة للتحويل

تشير الشهادات إلى تعدد وسائل الدفع المستخدمة، من بينها:

    محافظ إلكترونية.

    وسطاء محليون.

    “بوتات” وتطبيقات عبر “تلجرام”.

وتتم هذه العمليات خارج النظام المصرفي الرسمي، ما يجعل تتبعها أو ضبطها أمرًا بالغ الصعوبة.

البطالة والضغوط الاقتصادية تعزز الانتشار

الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن انتشار تطبيقات المقامرة الإلكترونية يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تجعل فئات واسعة أكثر عرضة للانجذاب إليها، وتتمثل في:

    الضغوط الاقتصادية والبطالة.

    البحث عن حلول سريعة لتحسين الوضع المعيشي.

    ضعف الوعي بمخاطر الإدمان الرقمي.

    سهولة الوصول إلى هذه التطبيقات عبر الهواتف الذكية.

في سوريا، تفوق نسبة البطالة 60%، وذلك بحسب تصريح وزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، نضال الشعار، في آب 2025.

وبحسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في 20 من شباط 2025، فإن معدل الفقر في سوريا ارتفع من 33% قبل الحرب إلى 90%، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع 66%.

وقال التقرير إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل.

ولفت إلى أن 75% من السكان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، تشمل الرعاية الصحية والتعليم والوظائف والأمن الغذائي والمياه والطاقة والمأوى.

أما على مستوى الآثار، فأشارت الاختصاصية الاجتماعية إلى أن المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد إلى:

    اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب.

    تفكك العلاقات الأسرية.

    تراكم الديون بشكل سريع.

    الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.

وحذرت مروة من أن “غياب الرقابة والدعم النفسي المبكر” يجعل بعض الحالات تنتقل من التجربة إلى الإدمان، دون إدراك خطورة المسار الذي تسلكه.

قانون غائب.. ومستخدم بلا حماية

في حديث سابق لعنب بلدي، أوضح المحامي رامي هاني الخيّر، أن المراهنات الإلكترونية تعد شكلًا من أشكال القمار المحظور قانونيًا، وأن الملاحقات غالبًا ما تستهدف الوسطاء المحليين، بينما تبقى الشبكات المشغّلة خارج نطاق الوصول الفعلي.

يعاقب قانون العقوبات السوري العام على جرم المقامرة (ضمن المواد 618-619-620)، حيث يفرّق بين افتتاح دار للمقامرة وبين اللعب بالقمار من قبل الأشخاص، إذ عدّ العملين غير مشروعين إلا أن القانون شدد عقوبة من يفتتح دارًا للمقامرة.

وتنص المادة “619” على أن ألعاب القمار هي كل لعبة يكون فيها الحظ هو العامل الغالب على المهارة أو الفطنة.

وتُعتبر من ألعاب القمار المحظورة ألعاب مثل “الروليت والبكارا والفرعون والبتي شفو والبوكر المكشوف”، إضافة إلى أي ألعاب مشابهة لها أو متفرعة عنها.

كما تنص المادة على معاقبة كل من يدير أو يهيّئ مكانًا للمقامرة، سواء في مكان عام أو مفتوح للجمهور أو في منزل خُصص لهذا الغرض، إضافة إلى الصرافين والعاملين والمساعدين في هذه الأماكن، وذلك بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وبغرامة مالية.

كما يمكن للمحكمة أن تقرر منع المحكوم عليهم من الإقامة في المكان، وفي حال كانوا من غير المواطنين يمكن أن يُحكم عليهم بالطرد من البلاد.

وتشمل العقوبات أيضًا مصادرة الأدوات والأثاث المستخدم في ممارسة القمار أو المجهز له، إضافة إلى إمكانية إغلاق المكان الذي تُمارس فيه هذه الألعاب.

وبحسب المادة “620”، يعاقب كل شخص اشترك باللعب في الأماكن المذكورة أعلاه أو فوجئ فيها خلال اللعب بغرامة من 100 ألف إلى 200 ألف ليرة.

وتشدد العقوبة وفقًا للمادة “33” من قانون الجريمة الإلكترونية السوري رقم “20” لعام 2022، إذا وقعت الجريمة على شبكة الإنترنت.

عنب بلدي

—————————–

تعذيب طفلة يثير الغضب في الحسكة.. عنب بلدي ترصد شهادات الجيران

أثارت حادثة تعذيب طفلة لم تتجاوز العامين من عمرها في مدينة الحسكة صدمة وغضبًا، عقب انتشار تسجيلات مصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي توثّق تعرضها لسوء معاملة داخل منزل والدها في حي غويران.

وظهرت الطفلة في فيديوهات في أزمنة مختلفة وهي تُحمل بطريقة عنيفة عبر شد أذنيها، ما أدى إلى تدلي جسدها وسط صراخ شديد، في مشهد أثار استنكارًا واسعًا بين الأهالي والمتابعين.

وبحسب ما أعلنته قوى الأمن الداخلي (أسايش) التابعة لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، فقد تحرّكت دورياتها فور تداول المقاطع، وتمكنت من إلقاء القبض على والد الطفلة، إلى جانب زوجته الجديدة وشخص ثالث قام بتصوير الواقعة.

وذكرت “أسايش” أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الأب صوّر مشاهد التعذيب وأرسلها إلى طليقته، والدة الطفلة، في سياق خلافات أسرية سابقة، بهدف الضغط عليها.

كما أكدت أن الزوجة الجديدة شاركت في تعذيب الطفلة، فيما أُحيل جميع المتورطين إلى القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

“لم نتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد”

عنب بلدي التقت عددًا من جيران العائلة في حي غويران، حيث بدت الصدمة واضحة في أحاديثهم، إذ قال أحد السكان، فضّل عدم ذكر اسمه، إن والد الطفلة “معروف في الحي بسلوكياته السيئة ومشكلاته المتكررة مع زوجاته”.

وأضاف أن الرجل تزوج أكثر من مرة، وغالبًا ما كانت علاقاته تنتهي بخلافات حادة، مشيرًا إلى أن “العنف لم يكن غريبًا عنه، لكنه لم يكن متوقعًا أن يتطور إلى هذا الشكل بحق طفلته”.

جار آخر أوضح لعنب بلدي أن الفيديوهات المتداولة أظهرت جانبًا “صادمًا وغير إنساني”، مضيفًا: “كنا نسمع عن مشكلات داخل المنزل، لكن لم نكن نعلم أن الأمر وصل إلى تعذيب طفلة صغيرة واستخدامها وسيلةً للانتقام من والدتها”.

وأشار إلى أن الأب، وفق ما هو متداول بين سكان الحي، “كان يرسل المقاطع المصورة إلى طليقته بقصد الضغط عليها وابتزازها”، معتبرًا أن ذلك “يتجاوز الخلافات الأسرية إلى جريمة مكتملة الأركان”.

استنكار واسع ومطالب بالمحاسبة

وعبّر عدد من الأهالي الذين التقتهم عنب بلدي عن استنكارهم للحادثة، مطالبين بإنزال أشد العقوبات بحق المتورطين، وعدم التساهل مع مثل هذه الانتهاكات.

إحدى السيدات في الحي قالت إن “ما شاهدناه لا يمكن وصفه، الطفلة كانت تصرخ بطريقة تقطع القلب”، مضيفة أن “مثل هذه الأفعال تهدد سلامة المجتمع، ويجب عدم السكوت عنها”.

ويرى أحد السكان أن الحادثة تكشف عن ضرورة تعزيز دور المجتمع المحلي في الإبلاغ عن حالات العنف، مؤكدًا أن “الصمت والخوف من التدخل قد يسمحان بتفاقم الانتهاكات داخل المنازل”.

العنف الأسري واستخدام الأطفال كأداة ضغط

في قراءة للحادثة، قال الباحث الاجتماعي علي الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، إن ما جرى “يمثل نموذجًا خطيرًا من العنف الأسري المركّب، حيث يتم استخدام الطفل كوسيلة للضغط في النزاعات بين الأبوين”.

وأوضح أن هذا النوع من السلوك “لا يقتصر ضرره على الأذى الجسدي، بل يمتد ليشمل آثارًا نفسية عميقة قد تلازم الطفل لسنوات طويلة”، مشيرًا إلى أن التعرض لمثل هذه التجارب في سن مبكرة “قد يؤدي إلى اضطرابات سلوكية ونفسية مستقبلًا”.

وأضاف الأحمد أن الحادثة تسلط الضوء على “ثغرات في آليات الحماية المجتمعية”، داعيًا إلى ضرورة تفعيل أنظمة الإبلاغ المبكر عن العنف الأسري، وتوفير قنوات آمنة تتيح للجيران أو الأقارب الإبلاغ دون خوف.

كما شدد على أهمية التوعية بأساليب التربية السليمة، وتعزيز دور المؤسسات الاجتماعية في متابعة الأسر التي تشهد نزاعات حادة، خاصةً في البيئات التي تعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية.

مسؤولية مشتركة لمنع التكرار

تعيد هذه الحادثة فتح ملف العنف ضد الأطفال في مناطق شمال شرقي سوريا، في ظل دعوات متزايدة لتشديد الرقابة القانونية وتعزيز الحماية المجتمعية.

وبينما تستمر التحقيقات في القضية، يرى الأحمد أن منع تكرار مثل هذه الحوادث يتطلب تعاونًا بين الجهات الأمنية والمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المحلي، إلى جانب تطبيق القوانين بشكل صارم، بما يضمن حماية الأطفال من أي شكل من أشكال الإساءة.

وتبقى قضية الطفلة في الحسكة جرس إنذارٍ جديدٍ حول مخاطر العنف الأسري، والحاجة الملحة إلى بناء منظومة حماية أكثر فاعليةً للأطفال، بوصفهم الفئة الأكثر هشاشةً في المجتمع.

عنب بلدي

===========================

تحديث 24 نيسان 2026

فجوات ونقص بالتجهيزات.. تحديات تواجه قطاع التعليم بريف الحسكة

تواصل المدارس التابعة للمجمعات التربوية في ريف محافظة الحسكة عملها خلال العام الدراسي الحالي، في ظل مساعٍ للحفاظ على استقرار العملية التعليمية، رغم التحديات المتراكمة التي يواجهها القطاع التربوي، ولا سيما في المناطق الريفية.

وبحسب ما ذكرته مديرية التربية والتعليم بالحسكة، في 15 من نيسان الحالي، فإن المدارس تتابع تقديم الدروس بشكل منتظم، مع تنفيذ زيارات ميدانية من قبل الكوادر الإدارية لمتابعة واقع المدارس، والعمل على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وأكدت المديرية أن ذلك يأتي في إطار ضمان حق الطلاب في التعليم، والحفاظ على استمرارية العملية التربوية.

سبر تعليمي لتقييم المستوى

أجرى مجمع العريشة التربوي سبرًا تعليميًا لطلاب الصفوف الانتقالية، بهدف تقييم مستواهم الدراسي، وتحديد نقاط القوة والضعف لديهم، تمهيدًا لوضع خطط تعليمية داعمة.

مديرية التربية أوضحت أن هذه الخطوة تندرج ضمن خطة أوسع لتحسين جودة التعليم، عبر الاعتماد على نتائج التقييمات في تطوير الأداء التعليمي، ومعالجة الفجوات المعرفية لدى الطلاب.

في هذا السياق، قال المعلم أحمد الخلف، وهو مدرس لغة عربية في إحدى مدارس العريشة، لعنب بلدي، إن “السبر التعليمي يُعد خطوة ضرورية، خاصة بعد سنوات من التراجع في المستوى الدراسي للطلاب، إذ يساعد في تحديد مكامن الضعف بشكل دقيق”.

لكن المعلم محمود العلي، مدرس الرياضيات، يرى أن “السبر وحده لا يكفي لتحقيق تحسن فعلي”، موضحًا أن “المشكلة لا تكمن فقط في تقييم الطلاب، بل في ضعف الإمكانيات المتاحة لمعالجة النتائج، سواء من حيث الوسائل التعليمية أو الكثافة الصفية”.

من جهتها، قالت المعلمة سلمى الحسين، إن “نتائج السبر أظهرت فجوات كبيرة لدى بعض الطلاب، خصوصًا في المهارات الأساسية كالقراءة والحساب”، مضيفة أن “المعلمين بحاجة إلى أدوات إضافية وبرامج دعم ليتمكنوا من التعامل مع هذه الفجوات”.

وقال الخبير التربوي عبد الله الجاسم، إن “السبر التعليمي يُعد أداة فعالة لتشخيص واقع التعليم، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من جدواه في حال لم يُتبع بخطط علاجية واضحة وقابلة للتنفيذ”، مشددًا على أن “تحسين مخرجات التعليم يتطلب بيئة تعليمية متكاملة، وليس مجرد أدوات تقييم”.

نقص الكتب والتجهيزات

في قرى الريف الجنوبي للحسكة، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في نقص الكتب المدرسية وضعف تجهيزات المدارس، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سير العملية التعليمية.

قال المعلم خالد المحمد، من إحدى مدارس الريف الجنوبي، إن “عددًا من الطلاب لا يمتلكون نسخًا من الكتب، ما يضطرهم إلى مشاركتها مع زملائهم”، لافتًا إلى أن هذا الواقع “يؤثر سلبًا على متابعة الدروس”.

المعلمة نسرين العبد الله قالت إن “المدارس تعاني أيضًا من نقص في الوسائل التعليمية، مثل اللوحات والوسائل الإيضاحية”، مضيفة أن “بعض الصفوف تفتقر إلى المقاعد الكافية، ما يضطر الطلاب للجلوس في ظروف غير مناسبة”.

أما المعلم عبد الرحمن السالم، فأشار إلى أن “بعض المدارس تفتقر إلى وسائل التدفئة خلال البرد الذي امتد طويلًا هذا العام، ما يؤثر على حضور الطلاب وتركيزهم داخل الصف”، مؤكدًا أن “هذه الظروف تزيد من صعوبة العملية التعليمية”.

وفي هذا الإطار، قال الخبير التربوي عبد الله الجاسم إن “نقص الكتب والتجهيزات يُعد من أبرز العوامل التي تعوق جودة التعليم في المناطق الريفية”، موضحًا أن “توفير بيئة تعليمية مناسبة يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق أي تحسن في مستوى الطلاب”.

معالجة أوضاع الكوادر التعليمية

بالتوازي مع ذلك، تواصل مديرية التربية والتعليم في الحسكة استقبال طلبات المعلمين المفصولين، في خطوة تهدف إلى معالجة أوضاعهم الوظيفية، وتعزيز الاستقرار داخل القطاع التربوي.

وقال مدير التنمية الإدارية في المديرية، حافظ العكلة، إن العمل مستمر على تدقيق الطلبات المقدمة من الكوادر التعليمية، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

ويرى الخبير التربوي عبد الله الجاسم أن “إعادة المعلمين المفصولين إلى العمل قد تسهم في سد أي نقص في الكوادر التعليمية”، مشيرًا إلى أن “استقرار الكادر التعليمي يُعد من العوامل الأساسية في تحسين جودة التعليم”.

بين الجهود والتحديات

تعكس هذه المعطيات واقعًا تعليميًا مركبًا في ريف الحسكة، حيث تتقاطع الجهود الرسمية مع تحديات ميدانية متعددة، تفرض نفسها على العملية التربوية.

ففي الوقت الذي تسعى فيه مديرية التربية إلى تنفيذ برامج تقييمية، مثل السبر التعليمي، وتحسين واقع المدارس، يواجه المعلمون صعوبات تتعلق بنقص الموارد والإمكانات، ما يحد من قدرتهم على تحقيق نتائج ملموسة.

ويرى الخبير التربوي عبد الله الجاسم أن “تحسين العملية التعليمية يتطلب مقاربة شاملة، تشمل تطوير المناهج، وتدريب الكوادر، وتوفير التجهيزات الأساسية”، مؤكدًا أن “أي خطوة إصلاحية لن تحقق أهدافها ما لم تُنفذ ضمن خطة متكاملة”.

ومع استمرار العام الدراسي، يراهن المعلمون على زيادة الدعم المقدم للمدارس، سواء من حيث تأمين الكتب والتجهيزات، أو من خلال تعزيز قدرات الكوادر التعليمية، بما يمكنهم من التعامل مع التحديات القائمة.

ويتحدث عبد الله الجاسم عن جوهر المشكلة قائلًا، “مدارس الأرياف كانت تحت سلطة “قسد” قبل التطورات العسكرية الأخيرة في بداية العام الحالي وسيطرة الجيش السوري على هذه الأرياف، فيما لا تزال مديرية تربية الحسكة داخل المدينة وضمن مناطق سيطرة “قسد” الأمر الذي يخلق إشكالات عديدة في التنسيق بين المديرية والمجمعات في الريف”.

وكانت محافظة الحسكة شهدت تطورات ميدانية في منتصف كانون الثاني الماضي، وذلك بعد سيطرة الجيش السوري على أرياف المحافظة الجنوبية والشرقية، فيما انكفأت “قسد” إلى مدن المحافظة الرئيسة، ولاسيما الحسكة والقامشلي.

أعقب هذه التغيرات في السيطرة توقيع الطرفين اتفاقًا في نهاية كانون الثاني يقضي بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ”قسد” في هياكل الوزارات الحكومية، وهو ما بدأ بالفعل بداية شباط الماضي، وفي الملف التعليمي، جرى تعيين مدير لمديرية التربية والتعليم في الحسكة بترشيح من “قسد”.

إلى ذلك، لم تبدأ خطوات فعلية بدمج الكوادر التعليمية للأخيرة في هيكلية وزارة التعليم حتى اللحظة، وهو ما خلق حالة من عدم التنسيق بين المدن الخاضعة لسيطرة “قسد” والمجمعات التربوية المنتشرة في الأرياف الخاضعة للسيطرة الحكومية.

عنب بلدي

—————————–

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى