العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

عن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة إلى الخليج -مقالات مختارة-

براغماتية سورية في زمن التحولات/ علي قاسم

البراغماتية السورية والخليجية قد تفتح نافذة جديدة، لكن نجاحها مرهون بقدرة الطرفين على تجاوز التحديات البنيوية وتحويل الوعود إلى واقع ملموس.

الخميس 2026/04/23

هندسة جديدة للتوازنات

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية، في مستهل جولة خليجية تشمل عدداً من العواصم، ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل تعبير عن إدراك دمشق لمركزية الدور السعودي في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وفي الوقت نفسه محاولة لإعادة دمج سوريا في النظام العربي عبر أدوات جديدة تتجاوز الشعارات الأيديولوجية التي حكمت السياسة السورية لعقود. ومع تسارع الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها دول المنطقة والعالم، تبدو الجولة اختباراً لمدى قدرة البراغماتية السورية والخليجية على إنتاج معادلة جديدة، يكون الاقتصاد فيها مدخلاً أساسياً، والأمن شرطاً لا غنى عنه.

منذ اندلاع القتال، ظلت سوريا معزولة عن محيطها العربي، محكومة بضرورات البقاء أكثر من أي رؤية استراتيجية. لكن مع تغير البيئة الإقليمية وعودة بعض العواصم الخليجية إلى فتح قنوات مع دمشق، برزت فرصة لإعادة التموضع. اختيار الرياض كبداية للجولة ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة واضحة: السعودية هي الفاعل الأبرز في إعادة تشكيل التوازنات، وهي البوابة التي لا يمكن لسوريا أن تدخل عبرها إلى النظام العربي من جديد إلا إذا قدمت نفسها كشريك اقتصادي وسياسي قابل للتعاون.

زيارة الشرع إلى الرياض ليست خطوة بروتوكولية بل اختبار براغماتي يعكس إدراك دمشق لمركزية السعودية في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية وصناعة شراكات جديدة

الاقتصاد هنا ليس مجرد تفصيل، بل هو المدخل الرئيسي. الاتفاقيات الاستثمارية التي وُقعت خلال العامين الماضيين بين دمشق والرياض، والتي تجاوزت قيمتها 6.4 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والزراعة، تعكس تحوّلاً نوعياً في العلاقة الثنائية. لم تعد المسألة مجرد إعادة التواصل السياسي، بل بناء شراكات اقتصادية ملموسة. دمشق تراهن على هذه الاستثمارات كوسيلة للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء بنيتها التحتية، فيما ترى الرياض وشركاؤها في سوريا سوقاً واعدة لإعادة الإعمار وفرصة لتعزيز نفوذهم في مرحلة ما بعد الحرب. هذه المصالح المتبادلة تمنح العلاقة استدامة تتجاوز الطابع الرمزي، وتفتح الباب أمام تحول اقتصادي يمكن أن يعيد صياغة موقع سوريا في المنطقة.

لكن الاقتصاد وحده لا يكفي. الملفات الأمنية المشتركة تفرض نفسها بقوة على جدول المباحثات. من مكافحة التهديدات العابرة للحدود إلى التعامل مع الأزمات المستمرة في المنطقة، تبدو الحاجة إلى تنسيق سياسي وأمني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. الشرع يسعى إلى تحويل العلاقة من تعاون ثنائي إلى شبكة إقليمية أوسع تشمل الأمن والسياسة، وهو ما يتطلب استعداداً خليجياً للانخراط في ترتيبات جديدة، واستعداداً سورياً لتقديم ضمانات بأن دمشق قادرة على أن تكون شريكاً موثوقاً في هذه الملفات. في بيئة إقليمية معقدة، يصبح التنسيق السياسي والأمني شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار، وهو ما تدركه العواصم الخليجية جيداً.

الجولة الخليجية تمثل أيضاً محاولة لإعادة التموضع داخل النظام العربي. دمشق لم تعد تكتفي بإعادة العلاقات الثنائية، بل تسعى إلى بناء شبكة تعاون إقليمي متعددة الأبعاد. هذا التحرك يعكس براغماتية سورية جديدة، تقوم على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي بدل الشعارات الأيديولوجية التي حكمت السياسة الخارجية لعقود. في ظل المتغيرات الدولية، أصبح الاقتصاد عنصراً حاسماً في صياغة التحالفات، وهو ما تسعى دمشق لاستثماره عبر جذب الاستثمارات وتطوير بيئتها القانونية. لكن هذه البراغماتية ليست خياراً فحسب، بل ضرورة فرضتها سنوات الحرب والعزلة، حيث لم يعد أمام سوريا سوى أن تقدم نفسها كدولة تبحث عن الاستقرار عبر التعاون الاقتصادي والسياسي.

بين الاقتصاد والأمن تراهن سوريا والخليج على معادلة جديدة حيث تتحول الاستثمارات إلى مدخل للتعافي ويصبح التنسيق الأمني شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة

رغم الزخم الذي تحمله هذه الجولة، تواجه التفاهمات عقبات جدية. البيئة الاستثمارية في سوريا لا تزال هشة، والأطر القانونية غير مكتملة، والحاجة إلى ضمان الاستقرار الأمني قائمة. المستثمرون الخليجيون، مهما كانت حماستهم، سيظلون مترددين ما لم يروا إصلاحات قانونية وتشريعية واضحة وضمانات أمنية حقيقية. استمرار التنسيق السياسي سيظل عاملاً أساسياً في الحفاظ على زخم التقارب، لكن نجاح الجولة يعتمد على قدرة الأطراف على تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع واقعية تعزز التنمية والاستقرار. هنا تكمن المعضلة: هل تستطيع دمشق أن تقدم بيئة جاذبة بما يكفي، وهل تستطيع العواصم الخليجية أن تتحمل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بلد لا يزال يواجه تحديات أمنية وسياسية؟

زيارة الشرع إلى السعودية ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل خطوة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي. البراغماتية السورية والخليجية قد تفتح نافذة جديدة، لكن نجاحها مرهون بقدرة الطرفين على تجاوز التحديات البنيوية وتحويل الوعود إلى واقع ملموس. السؤال يبقى: هل تستطيع دمشق عبر هذه الجولة أن تتحول من دولة أزمة إلى شريك إقليمي فاعل؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ستتضح مع الوقت، ومع قدرة الأطراف على تحويل الشعارات إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى واقع يلمسه المواطن السوري والخليجي على حد سواء.

في النهاية، ما يميز هذه الجولة ليس فقط أنها تعكس تحولاً في السياسة السورية، بل أنها تكشف عن إدراك خليجي بأن استقرار سوريا عنصر أساسي في استقرار المنطقة. إذا نجحت هذه البراغماتية في إنتاج معادلة جديدة، فإنها قد تمثل بداية مرحلة مختلفة في العلاقات العربية، حيث يصبح الاقتصاد والأمن معاً أساساً لبناء شراكات مستدامة، بعيداً عن الشعارات التي استهلكت المنطقة لعقود. أما إذا فشلت، فإنها ستظل مجرد محطة في سجل طويل من المحاولات غير المكتملة.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب،

———————————–

الشرع في الخليج.. انفتاح اقتصادي واسع وتوازنات إقليمية جديدة/ معاذ الحمد

جولة الشرع الخليجية تعيد رسم تموضع سوريا الإقليمي: الاقتصاد بوابة الانفتاح السياسي

2026-04-23

تعكس الجولة الخليجية للرئيس السوري أحمد الشرع تحوّلاً لافتاً في مقاربة دمشق لعلاقاتها الإقليمية، يقوم على إعادة الانفتاح على العمق العربي، ولا سيما دول الخليج، عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، في ظل واقع سوري مثقل بأزمات داخلية وتحديات بنيوية تتطلب دعماً خارجياً واسعاً.

فاللقاءات التي شملت السعودية وقطر والإمارات ركزت على تعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وإعادة تنشيط التبادل التجاري ومشاريع الربط الإقليمي، بالتوازي مع بحث ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي وإعادة تموضع سوريا في بيئتها العربية.

وتأتي هذه التحركات في سياق إقليمي متغير يشهد إعادة ترتيب للأولويات بين القوى الإقليمية، وتزايداً في أهمية المسارات الاقتصادية كمدخل لإعادة بناء العلاقات السياسية، ما يجعل من هذه الجولة محاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية ـ الخليجية، تقوم على المصالح المشتركة وإعادة دمج سوريا تدريجياً في المنظومة العربية، رغم استمرار تباين القراءات حول حدود هذا الانفتاح وقدرته على إحداث تحول استراتيجي طويل الأمد في موازين الإقليم.

الرياض: تعاون اقتصادي واستثماري واسع

استهل الرئيس السوري جولته بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، حيث التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وناقش معه سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، إضافة إلى بحث تطورات الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على استقرار المنطقة.

وقالت وكالة الأنباء السورية “سانا” إن جلسة مباحثات موسعة عُقدت بين الجانبين بحضور مسؤولين من البلدين، وتركزت على ملفات الاقتصاد والاستثمار ومشاريع الربط الإقليمي.

وفي هذا السياق، يقول مدير مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية الدكتور أحمد هارون، في تصريحات لـ”963+”: زيارة الرئيس السوري إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج تحظى بأهمية كبيرة، مؤكداً أن الوفد السوري يحمل ملفات “غاية في الأهمية” على المستويين الاقتصادي والسياسي.

ويوضح هارون أن في مقدمة هذه الملفات ملف التبادل التجاري بين سوريا ودول الخليج، مشيراً إلى أنه كان في السابق عند مستويات مرتفعة قبل أن يتراجع بشكل حاد نتيجة الظروف السياسية والتغيرات الإقليمية.

ويعرب عن أمله في إعادة تنشيط هذا التبادل ليعود إلى مستوياته السابقة، لافتاً إلى أن المنتجات السورية تحظى بقبول واسع في الأسواق الخليجية.

ويضيف أن سوريا تواجه حاجة ملحة إلى الموارد البترولية والبتروكيماويات والأسمدة مثل الكبريت واليوريا، وهي منتجات تتمتع دول الخليج بقدرة إنتاجية كبيرة فيها، ما يجعل التعاون في هذا المجال ضرورة اقتصادية ملحة.

وفي السياق الاستثماري، يشير هارون إلى أن سوريا تمتلك فرصاً استثمارية واسعة في مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والتجارية، معتبراً أن دول الخليج مؤهلة للعب دور محوري في الاستثمار داخل السوق السورية، شريطة تقديم تسهيلات مثل الأراضي المجهزة والحوافز والإعفاءات الضريبية.

كما يلفت إلى أهمية تنسيق المواقف السياسية بين سوريا ودول الخليج في القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وملف غزة، مؤكداً ضرورة تعزيز التوافق السياسي بين الجانبين.

ويشير إلى أن ملف إعادة إعمار سوريا يُعد من أبرز الملفات المطروحة، موضحاً أن هذه العملية قد تستغرق أكثر من خمس سنوات وتشمل البنية التحتية والجسور والأنفاق والمدن السكنية ومرافق الكهرباء والإعلام وغيرها، مرجحاً إعداد بروتوكولات تعاون في هذا المجال بمشاركة دول الخليج.

ويؤكد هارون أن هناك أيضاً بعداً عربياً أوسع للزيارة يتعلق بإعادة ترتيب البيت العربي وتعزيز التكامل الاقتصادي، بما في ذلك اتفاقيات التجارة الحرة وتبادل العمالة المؤهلة، معتبراً أن الوقت قد يكون مناسباً لإحياء مشاريع الوحدة والتكامل العربي التي طُرحت في مراحل سابقة.

وفي ما يتعلق بمناطق النفوذ، يقول إن سوريا اليوم تمثل “ساحة مفتوحة” لمن يقدم الدعم والمساعدة، مشيراً إلى أن توجهات الشعب السوري تميل نحو العمق العربي والخليجي، وهو ما قد ينعكس على تقليص الدور الإيراني في المنطقة، مقابل حضور تركي يحظى بقدر من التقدير داخل الشارع السوري، على حد تعبيره.

ويختم هارون بالتأكيد على أن الزيارة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، وتحمل ملفات اقتصادية وسياسية جوهرية، مع وجود اتجاه مشترك لدى سوريا ودول الخليج نحو دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز التعاون الثنائي.

الدوحة: توسيع التعاون وتنسيق المواقف

في محطة لاحقة، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع لقاءً مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة، بحضور وزيري خارجية البلدين، حيث تم التركيز على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز التبادل التجاري والربط بين البلدين، إضافة إلى مناقشة التطورات الإقليمية.

وأكدت الرئاسة السورية أن الطرفين شددا على ضرورة تنسيق المواقف بما يسهم في دعم أمن واستقرار المنطقة، فيما أشار الشرع إلى تضامن سوريا مع قطر وعدد من الدول العربية في مواجهة ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية.

أبوظبي: دعم تنموي وتنسيق إقليمي

وفي أبوظبي، بحث الرئيس السوري مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان سبل تطوير العلاقات الثنائية، خصوصاً في المجالات التنموية والاقتصادية، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية وتأثيراتها على الأمن والاستقرار.

كما جدد الشرع إدانته للهجمات الإيرانية التي استهدفت مدنيين وبنى تحتية في الإمارات وعدد من دول المنطقة، مؤكداً أنها تمثل انتهاكاً للسيادة وتهديداً للاستقرار الإقليمي.

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور عزيز رحيم في تصريحات لـ”963+” إن الجولة الخليجية للرئيس السوري تمثل “محاولة استجداء للدعم المالي والسياسي” في ظل ما وصفه بضعف الدولة السورية وتفككها الداخلي، مشيراً إلى أن طبيعة العلاقات السورية ـ السعودية لم تشهد تحولاً جذرياً بقدر ما كانت قد بدأت بالتغير قبل سقوط نظام بشار الأسد.

ويوضح رحيم أن عودة سوريا إلى “الحاضنة العربية” سبقت مرحلة التغيير الأخيرة، لافتاً إلى أن العلاقات مع الدول الخليجية كانت تتسم بقدر من الواقعية السياسية خلال فترة حكم الأسد، قبل أن تؤدي التحولات الإقليمية ودخول الفاعل التركي إلى إعادة تشكيل المشهد السوري بطريقة أكثر تعقيداً، على حد تعبيره.

ويضيف أن التطورات اللاحقة أدت إلى “إعادة إنتاج اصطفافات ذات طابع طائفي” في المنطقة، مشيراً إلى أن ما بعد وصول أحمد الشرع إلى رئاسة سوريا شهد مزيداً من الانقسام الداخلي، في ظل ما وصفه بتغذية بعض القوى الدولية والإقليمية، ومنها الولايات المتحدة وإسرائيل، لمسار التحول القائم في سوريا.

ويبيّن رحيم أن سوريا اليوم لم تعد قوة مركزية قادرة على بناء تحالفات إقليمية فاعلة، بل أصبحت دولة “مجزأة الأطراف” تعاني من تآكل في بنيتها السيادية، الأمر الذي ينعكس على قدرتها في الدفاع عن نفسها أو فرض حضورها الإقليمي.

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع الدول الخليجية، يعتبر أن إعادة انخراط سوريا في هذا الإطار لا تقوم على أسس براغماتية صرفة، بل تحمل أيضاً أبعاداً أيديولوجية، مشيراً إلى أن “إعادة إدماج الشرع في الحاضنة الخليجية” تأتي في ظل انقسامات إقليمية أوسع مرتبطة بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويؤكد رحيم أن الجولة الحالية للرئيس السوري تهدف بشكل أساسي إلى الحصول على دعم مالي واقتصادي يساهم في تثبيت أركان السلطة الجديدة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتفكك داخلي داخل المؤسسات العسكرية، موضحاً أن وزارة الدفاع السورية تضم حالياً تشكيلات متعددة من فصائل مختلفة.

ويختم بالقول إن سوريا تمر بمرحلة غير منسجمة داخلياً، رغم وجود قاعدة شعبية داعمة للسلطة، لكنها تواجه تهديدات داخلية وخارجية في آن واحد، معتبراً أن ما يجري هو محاولة لإعادة ترتيب المشهد السوري بدعم عربي، في وقت لا تزال فيه البلاد بعيدة عن استعادة موقعها السابق، وتتحرك ضمن هامش ضيق في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، في سياق صراع إقليمي أوسع يتصل بالاصطفافات الدولية ومواجهة النفوذ الإيراني.

“تحول استراتيجي”

كما يقول الباحث السياسي في الشأن الإقليمي حسين الأسعد في تصريحات لـ”963+” إن التقارب السعودي مع سوريا الجديدة يمثل “تحولاً استراتيجياً” يهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني المتراجع في المنطقة، مشيراً إلى أن زيارة الرئيس السوري إلى المملكة العربية السعودية تأتي في سياق سياسي بالغ الأهمية يعكس عمق العلاقات بين الجانبين.

ويوضح الأسعد أن الزيارة السعودية لسوريا، وكذلك الزيارة الأولى للرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة، “تشكل مؤشراً واضحاً على متانة العلاقة السياسية والاستراتيجية بين دمشق والرياض في مرحلة ما بعد التغيير”، معتبراً أن هذا الانفتاح يشكل دعماً سياسياً مهماً لسوريا من قبل العمق العربي والسعودي، بما يسهم في إعادة تموضعها الإقليمي.

ويضيف أن هذا التقارب من شأنه أن يعزز قدرة سوريا على مواجهة الحضور الإيراني داخل أراضيها، في ظل ما وصفه بـ”تراجع الدور الإيراني” في المنطقة، لافتاً إلى وجود مناطق ما تزال تحمل ميولاً سياسية داعمة لطهران أو تخضع لتأثيرها بهدف فرض شروط معينة على الواقع السوري.

وفي سياق متصل، يرى الأسعد أن الانفتاح السوري ـ السعودي يعكس تحولاً استراتيجياً طويل الأمد بين دمشق ودول الخليج، وليس مجرد مرحلة مؤقتة، مشيراً إلى أن دول الخليج كانت من أوائل المرحبين بالتغيير في سوريا بعد سنوات من التوتر مع النظام السابق.

وحول التوازنات الإقليمية، يشير الباحث إلى أن إيران تمرّ بمرحلة “تراجع استراتيجي” في المنطقة، متحدثاً عن خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة التطورات الإقليمية، الأمر الذي ينعكس على قدرتها في التأثير داخل الساحة السورية.

أما بالنسبة لتركيا، فيوضح الأسعد أن أبرز أولوياتها تتمثل في مخاوفها من قيام كيان كردي في شمال شرق سوريا، ما يدفعها إلى تعزيز الضغط الأمني والسياسي.

ويختم الأسعد تصريحه بالقول إن تراجع النفوذ الإيراني ومحدودية أوراق تركيا في الملف السوري يدفعان القيادة السورية إلى إعادة قراءة المشهد الإقليمي بدقة، وتوجيه ثقلها السياسي نحو المملكة العربية السعودية ودول الخليج بوصفها ركيزة أساسية في المرحلة المقبلة.

وتعكس الجولة الخليجية للرئيس السوري أحمد الشرع مساراً متسارعاً لإعادة بناء العلاقات الإقليمية، مع تركيز واضح على الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، في مقابل تباين في القراءات حول طبيعة هذا الانفتاح وحدوده السياسية في المرحلة المقبلة.

+963

————————–

 في المملكة ضمن جولة خليجية.. هل يستكشف الشرع التحالفات ما بعد الحرب على إيران؟/ عبد الناصر القادري

2026.04.21

وصل الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الثلاثاء، إلى مدينة جدة السعودية في مستهل جولة خليجية لم يعلن ما هي الدول المشمولة فيها، في الوقت الذي تشهد المنطقة تحولات مهمة إثر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من تداعيات على طرق توريد النفط والطاقة والسلع عالمياً، إلى جانب توقف شبه تام لخطوط الطيران من وإلى المنطقة خلال معظم أيام الحرب.

ومن المقرر أن يعقد الشرع خلال الزيارة لقاءً مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بحسب ما ذكرت “الرئاسة السورية”.

وفي أكتوبر تشرين الأول الماضي، زار الرئيس الشرع الرياض، حيث التقى ولي العهد وشارك في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار”، وشهدت الزيارة بحثاً موسعاً للتعاون الاقتصادي عبر اجتماع طاولة مستديرة بمشاركة وفد رسمي ورجال أعمال من البلدين. كما ناقش مع وزير الخارجية السعودي تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

ملف إقليمي معقد

ورغم أنه لا يوجد أي تفاصيل عن الملفات التي ستناقش بين الرئيس السوري وولي العهد السعودي، إلا أنه من المرجح أن تشمل آخر التداعيات الجارية في المنطقة ولا سيما أن السعودية تعمل على توثيق علاقاتها مع تركيا وباكستان ومصر في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتي استمرت لـ 6 أسابيع وأثرت بشكل مباشر على خطوط نقل النفوط السعودية من مضيق هرمز وما تبعه من حصار أميركي أنهى نموذجاً أمنياً استمر لعقود وأسهم في ازدهار اقتصادات الخليج.

وفي سياق ذلك، قال تقرير لمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، رغم سماح الرياض للقوات الأميركية باستخدام قواعدها، فإنها امتنعت عن الرد المباشر على الهجمات الإيرانية، مكتفية بتحذيرات دبلوماسية مقتضبة.

وعلى خلاف الإمارات، لم تدعُ إلى استمرار الحرب أو الانضمام إلى الحملة الأميركية الإسرائيلية، كما أنها، بخلاف عمان وقطر، حدّت من انخراطها الدبلوماسي مع طهران، مفضلة دعم جهود باكستان للوساطة بشكل غير معلن.

ويعكس موقف الرياض امتداداً لاستراتيجية “الموازنة” التي تتبعها منذ سنوات. فهي تخشى من قوة إيران المفرطة، لكنها في الوقت نفسه باتت قلقة من طموحات “إسرائيل الإقليمية”. ولا ترغب في أن تهيمن أي منهما على الشرق الأوسط.

ورغم أن الحرب عطّلت التقارب السعودي الإيراني الذي تحقق عام 2023 بوساطة صينية، فإن الطرفين لا يرغبان في انهيار العلاقات بالكامل.

حتى الآن، تبنّت السعودية سياسة “الانتظار والترقب”، مع حرصها على الحفاظ على وقف إطلاق النار مع الحوثيين، وهو أحد نتائج التقارب مع إيران. إذ إن دخولها الحرب قد يعرّض صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر لهجمات الحوثيين.

لكن في المقابل، تدرك الرياض أنها لا تستطيع الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لضمان أمن المنطقة. وإذا صعّدت إيران هجماتها واستهدفت البنية التحتية الحيوية، فقد تجد السعودية نفسها مضطرة للتدخل عسكرياً.

ولطالما فضّلت السعودية وجود إيران ضعيفة ومحتواة – بحسب المجلة – وبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ازداد قلقها مع توسع نفوذ طهران في العالم العربي، خاصة عبر دعمها للحوثيين في اليمن، ما دفع الرياض للتدخل العسكري هناك.

وشهدت العلاقات الإقليمية تحولات متسارعة بعد تدهور العلاقات السعودية الإيرانية منذ 2016، وصولاً إلى استهداف منشآت النفط عام 2019، ما كشف محدودية الضمانات الأمنية الأميركية ودفع الرياض إلى تنويع تحالفاتها وتعزيز قدراتها الدفاعية، إلى جانب الانفتاح على الصين والسعي لاتفاقات جديدة.

لكن العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023 غيّر حسابات السعودية، إذ جعلت التطبيع مع “إسرائيل” معقداً سياسياً، في وقت تصاعدت فيه مخاوف الرياض من تنامي الدور الإسرائيلي إقليمياً. وفي موازاة ذلك، اتجهت المملكة إلى بناء تحالفات أوسع، شملت باكستان ومصر وتركيا، في إطار محاولة موازنة النفوذين الإيراني والإسرائيلي.

انقلاب المشهد.. سوريا ضمن حلف استراتيجي

بيضة القبان في كل ما سبق كان سقوط نظام بشار الأسد وانتهاء نفوذ إيران في سوريا كلياً نهاية عام 2024، فرغم أن السعودية عملت على التقارب مع بشار الأسد بعد زلزال شباط 2023، أجرى خلالها عدة زيارات للمملكة، إلا أن التطبيع العربي معه والذي قادته السعوديه كان تطبيعاً مشروطاً بسلسلة من الطلبات السعودية والعربية (مع محاولات تركية شبيهة باءت بالفشل)، لم يستطع بشار الأسد أن ينفذ أي من الشروط العربية، وكان الابتعاد عن الخط الإيراني على رأسها إلى جانب ملفات إيقاف تهريب الأسلحة والكبتاغون وغير ذلك.

بعد سقوط النظام واعتلاء أحمد الشرع لرأس السلطة في دمشق، تحقق كل ذلك بظروف أشهر قليلة، وبرز اهتمام مشترك لتوثيق العلاقات السورية السعودية، فالشرع كان يطمح لتأسيس خطا استراتيجية والعمل على بناء علاقات متينة تستفيد منها السعودية وسوريا على السواء، وهو ما حدث فعلياً بشكل دراماتيكي وسريع، وهو ما يؤهل دمشق لتكون ضمن أي تحالف عربي باكستاني تركي ممكن يمنع تغول “إسرائيل” مقابل إيران.

وعلى مدار عام ونيف شهدت العلاقات السورية السعودية نشاطاً دؤوباً وحراكاً متصاعداً على مختلف الصعد لإعادتها إلى بعدها التاريخي، ولتكريس شراكة استراتيجية دائمة.

ولذلك تبدو زيارة الشرع إلى جدة في إطار تجنب السعودية وسوريا الانخراط في أي صراع مباشر، فالمملكة تسعى لإبقاء اقتصادها في معزل عن أي حرب “إسرائيلية” تصب في صالح “بنيامين نتنياهو” شخصياً، وفي الوقت نفسه دمشق تطمح للحياد الإيجابي الذي يمكنها من الوقوف على قدميها بعد 14 سنة من الحرب التي شنها النظام على شعبه.

وأمام هذه التحديات، تتجه السعودية نحو صياغة توازن إقليمي جديد عبر تحالفات متعددة الأطراف، إلى جانب السعي لاتفاقات أمنية مع إيران (قد تكون غير مباشرة)، بما يضمن حماية مصالحها واستقرار المنطقة، وهو ما تريده سوريا لكن دون الانخراط المباشر بأي علاقات مع طهران حالياً.

العلاقات الاقتصادية لها أولوية

وعلى الرغم من أن الزيارة الجديدة يخيم عليها الملف السياسي الأمني، إلا أن الاقتصاد حاضر بقوة فيها أيضاً، خصوصاً مع الظروف المعيشية السيئة التي تواجه السوريين قبل اشتعال الحرب ضد إيران، ولكنها زادت بعدها إثر ارتفاع أسعار الوقود عالمياً ما انعكس على لقمة عيش المواطن السوري.

وفي استعراض سريع للعلاقات السعودية، فقد أعادت السعودية فتح سفارتها في دمشق عام 2024، وعيّنت أول سفير لها منذ عام 2012 في أيار من العام نفسه، كما ساهمت بشكل أساس في ترتيب أول لقاء بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيار 2024، وكان لها دور بارز (مشترك مع تركيا وقطر) في رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بشكل كامل، كما ساهمت بالشراكة مع قطر، في دعم القطاع العام في سوريا بمنحة مالية بلغت 89 مليون دولار على مدار 3 أشهر.

وفي تموز 2025، أبدت الرياض نيتها تعزيز العلاقات الاقتصادية واستكشاف فرص التعاون الاستثماري عبر “منتدى الاستثمار السوري السعودي” الذي انطلق من دمشق، إلى جانب العديد من الفعاليات التي شهدت حضوراً سورياً لافتاً في المملكة.

وتعمل دمشق في هذا السياق على الاستفادة من العلاقات الاستثنائية مع السعودية وتركيا وقطر، لبناء مساحة أوسع تعزز أهمية موقعها الاستراتيجي على خطوط النقل البري والبحري والجوي، بما يجعلها بديلاً محتملاً لطرق النفط والطاقة والتجارة الدولية. وقد طُرح هذا التوجه مؤخراً في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، من خلال مشروع خط الحجاز الحديدي الذي ينطلق من تركيا مروراً بسوريا وصولاً إلى الأردن ثم مكة المكرمة، مع توقعات باستفادة دول الاتحاد الأوروبي منه أيضاً.

استثمارات سورية في السعودية

وفي ظل الحرب التي خاضها النظام ضد شعبه، خرجت رؤوس أموال ضخمة من سوريا إلى دول الخليج ومصر وتركيا، فقد بلغ صافي الاستثمارات السورية المباشرة في السعودية قرابة 930 مليون دولار بين عامي 2019 و2023، فيما وصل إجمالي رصيدها إلى 2.25 مليار دولار بنهاية 2023، مقابل صعوبة تقدير حجم الاستثمارات السعودية داخل سوريا بسبب توقف المشاريع خلال تلك الفترة.

وتشير التوقعات إلى إمكانية ضخ استثمارات سعودية بنحو 4 مليارات دولار في دمشق، وهو ما يعادل ضعف الاستثمارات السورية في المملكة. وعلى صعيد التبادل التجاري، سجّلت الصادرات السعودية إلى سوريا 558 مليون ريال في عام 2024 بزيادة سنوية بلغت 27%، مقابل 685 مليون ريال للصادرات السورية بانخفاض يقارب 10%، حيث تصدرت اللدائن ومصنوعاتها قائمة الصادرات السعودية بقيمة 359 مليون ريال، إلى جانب سلع أخرى مثل البن والشاي والبهارات ومنتجات الخزف والفواكه والمواد الكيماوية غير العضوية، بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية.

في المقابل، شملت أبرز صادرات سوريا إلى السعودية محضرات الفواكه والخضار بقيمة 172 مليون ريال، إضافة إلى الفواكه والزيوت والشحوم الحيوانية أو النباتية، والبن والشاي والتوابل، ومنتجات الألبان والبيض.

ومن المتوقع أن يشهد التبادل التجاري نمواً إضافياً في المرحلة المقبلة مع زيادة الطلب السوري على السلع، لا سيما مواد البناء، إلى جانب توجه المملكة لتشجيع شركاتها على الاستيراد من دمشق.

كما كان برز حجم الاهتمام السعودي بسوريا من كل النواحي الاقتصادية والتجارية والإعلامية والفنية، حيث لعب الإعلام السعودي دوراً جوهرياً في توجيه الأنظار إلى سوريا، والتركيز على التحولات التي تشهدها البلاد والتي يمكن أن تكون محط إقبال واسع للاستثمارات السعودية والخليجية والعربية أيضاً.

——————————

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى