فصول من سيرة «السبي» في سورية: كأنَّ الخطف والاغتصاب وحدهما لا يكفيان!/ حسام جزماتي

28-04-2026
في مثل هذه الأيام منذ خمسة عشر عاماً وقعت مجزرة ووُلدت حكاية.
كان يوم التاسع والعشرين من نيسان (أبريل) 2011 قد حمل اسم «جمعة الغضب»، على عادة الثورة السورية الوليدة آنذاك في تسمية أيام الجمع التي كانت تخرج فيها التظاهرات. وكانت مدينة درعا، التي بدأت انتفاضتها قبل ذلك بأكثر من أربعين يوماً، تحت حصار أدى إلى نقص الغذاء والدواء وحليب الأطفال؛ عندما قررت بلدات وقرى في ريفها أن تحملَ ما استطاعت من مساعدات وتفزعَ للمدينة المركزية، فتكسر الحصار بقوة حضور الجموع البشرية الكبيرة غير المسلحة.
وصلت هذه المعلومات إلى قسم العمليات الخاصة للمخابرات الجوية، الذي كان على رأسه العقيد سهيل حسن الذي سيُعرَف لاحقاً بلقب «النمر». وعن طريق مدير مكتبه ونسيبه آفاق أحمد، الذي سينشقُّ بنتيجة ذلك اليوم، نعرف تفاصيل الرواية التي بيّنها بنفسه مرات عدة لوسائل الإعلام.
في العاشرة صباحاً، بينما كان العقيد وفريقه يتجهزون لقمع التظاهرات المُتوقَّع خروجها بعد صلاة الجمعة كما جرت العادة؛ رنَّ موبايل المساعد أول فواز قبيع، الذي نزحت عائلته من الجولان إلى مخيم درعا إثر هزيمة عام 1967، واعتقلته السلطة الحالية في شباط (فبراير) من عام 2025. وبعد نغمة «نحن رجالك بشار» الرائجة بين الموالين ردَّ قبيع على أحد «مصادره» (مخبريه)، الذي أبلغه عن مُخطَّط المتظاهرين هذا. ولما طلبَ سهيل حسن اقتراحاً لمعالجة الموقف تطوَّعَ قبيع، الذي كان يعرف المحافظة جيداً، للتذكير بأن طريق المحتجين من شرقي مدينة درعا سيمرُّ قرب «مساكن صيدا العسكرية» حيث تُقيم عائلات ضباط عاملين في المنطقة، واقترحَ أن يتم التصدي للثوار هناك بزعمِ أنهم كانوا متوجهين إلى المساكن لسبي نساء الضباط واغتصابهن. وبهذا نكسب، وفقَ قبيع، استنفارَ ضباط الجيش فيشعرون أن المعركة تستهدفهم وتَطالُ أُسَرَهم وليست معركة النظام السياسي وأجهزة الأمن وحدهم، وكذلك تأليب العلويين، الذين ينتمي إليهم أكثرُ قاطني المساكن، ضدَّ جماعات سلفية طائفية تريد سبي نسائهم.
اتصلَ العقيد باللواء جميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية عندئذ، ونالَ موافقته على الخطة التي أدت إلى مجزرة شهيرة وعدد كبير من المعتقلين، سيُعرَف منهم فتىً من بلدة الجيزة هو حمزة الخطيب، ستُرسِلُ المخابرات جثته بعد قرابة شهر وعليها آثار التعذيب، وبعضو ذكري مقطوع عقاباً من المُنكِّلين على نيته المفترضة في حق نساء الضباط.
من جهة أخرى سيَظهَرُ بعض معتقلي ذلك اليوم على التلفزيون الحكومي، على رأسهم محمد عياش من بلدة كحيل، الذي قال إنه سافر إلى المملكة العربية السعودية قبل ثلاثة أشهر، أي قبل اندلاع الثورة، ليبحث عن عمل في اختصاصه مُدرِّساً للتربية الإسلامية، فتعرَّفَ هناك على «سعود العتيبي» الذي نصحه بنسيان أمر التدريس في الرياض والاهتمام بشأن أكثر جدوى في درعا. قائلاً: «إننا نخطط للقضاء على النظام السوري الطائفي العنصري لأنه يحارب الدين وأهله… يجب علينا أن نقضي على كل من يقف في وجه هذا المخطط بأي ثمن كان وبأي وسيلة ممكنة… علينا أن نحارب رجال هذا النظام ونسبي نساءه ونأخذ أطفاله معتقلين كرهائن».
بعد عودة عياش أخذَ العتيبي المزعوم يُرسِلُ له المال الذي مَكَّنه من تشكيل مجموعة من خمسة أشخاص وشراء الأسلحة الروسية اللازمة. وفي يوم الجمعة المذكور ذهبت المجموعة باتجاه مساكن صيدا، «ولا يدري الناس ما المُخطَّط الذي أردناه نحن الخمسة من الهجوم على مساكن الضباط وقتل عناصر الحراسة وأخذ النساء والأطفال كرهائن وسبايا»، بالتعاون مع أكثر من عشر مجموعات أخرى كانت مسلحة بالرشاشات والقنابل اليدوية. وأضاف عياش: «كنا نخرج بشكل سلمي أمام الناس والأمن حتى لا يشعر الناس والأمن بما نقوم به من عمليات».
عرضَ التلفزيون شخصين آخرين زعمَ أنهما من مجموعة عياش أكدا كلامه. وأضاف كلٌّ منهما اسم شيخ جامع محلي في بلدتيهما؛ أم ولد وبصرى الشام، كان شريكاً في المُخطَّط ومُحرِّضاً على تنفيذه. فحين رفض بعض الشبّان في الأولى المشاركة وزّعَ الشيخُ على كُلٍّ منهم مبلغ ألفي ليرة (42 دولاراً وقتئذ). أما الثاني فأعطى كُلَّ مُشارِك ستة آلاف ليرة وسلاحاً وزودهم بالتغطية الشرعية: «أفتى لنا بأن هذا الأمر حلال وليس حراماً وعناصر الجيش هم يهود».
بالطبع ظهر هذا التسجيل في وقتٍ لم تكن الثورة فيه قد تسلّحت، أو دخلتها التيارات الإسلامية، إلا في إعلام النظام الذي كان قد بثَّ، قبل ذلك بأيام، «اعترافات» أخرى لشبان غير ملتحين، لا يملكون ناصية الكلام السلفي، يتعثرون في لفظ أسماء شيوخهم؛ يقولون إنهم سلفيون وإنهم جزءٌ من جماعة كانت بصدد إعلان إمارة. على حد وصف حازم الأمين في مقال بعنوان مُعبِّر: «فجأة ومن دون مقدمات: إمارة سلفية في درعا؟».
تراجعت بعد ذلك دعاوى السبي، وإن لم تختفِ كلياً. وظلت على شكل هواجس في المخيلة الجمعية تُستخدَم لحثِّ ضباط النظام وعناصره على التطوّع والقتال، الذي صار «دفاعياً» وفق هذا المنظور. حتى عادت، مثل نبوءة ذاتية التحقق، على يد تنظيم داعش.
وعلى الرغم من الشهرة التي نالتها هذه القضية عموماً، إلا أنها لم تصبح مسألة سورية خالصة بسبب أن ضحاياها كُنَّ من الإيزيديات العراقيات، وأن القسم الذي نُقِلَ منهنَّ إلى سورية ظلَّ حبيس بيوت قادة التنظيم الكبار والمتوسطين من غير السوريين في الغالب.
بعد سقوط النظام بدأت انتهاكات متنوعة بحق العلويين، كان منها خطف النساء بدوافع اختلطت فيها استباحةُ المهزومين والانتقامُ والتكفيرُ لأسباب طائفية وطلبُ فدية. لم تَعُد بعض المخطوفات إطلاقاً، ورجعت أخريات بعد دفع مبالغ متفاوتة وبقصص شنيعة عن الاغتصاب والتعذيب والإهانة، فيما ظهر قسم ثالث في فيديوهات عائلية تُخفي أكثر مما تقول.
بطبيعة الحال أثارَ الأمرُ اهتمامَ وسائل إعلام ومنظمات حقوقية غربية، وناشطات وناشطين سوريين. وفي حين انضبطت الأولى غالباً بنقل الشهادات واستنتاج الوصف الأقرب لها، قادَ الغضبُ كثيراً من أفرادِ الشريحة الثانية إلى مواقع حادة تُعنَى بالنضال أكثر من أي شيء. ونتيجةَ عدم القدرة على التمييز، بسبب نقص فادح في المعارف الأساسية عن الموضوع، اعتُبِرَ الخطفُ والسبيُ مترادفين وابتُذِلَت الكلمة الأخيرة بطريقة مقصودة أحياناً. فبعدَ التعاطف العالمي مع الإيزيديات حتى نالت إحداهن، ناديا مراد، جائزة نوبل للسلام؛ رأى هؤلاء أنه ربما يكون مفيداً أن نُلحِق قضايانا بقضاياهنّ ونساءنا بنسائهنّ. ونتيجة موقفهم الجذري من الحكم الحالي في سورية، ظنّوا أن مُماهاة ما يفعله بعضُ من قد يكونون في كنفه أو من بيئته بما سبق أن فَعلتهُ داعش يُجدي في التحريض عليه ودعوة العالم إلى مراجعة التطبيع معه وعدم الوثوق به.
تختلف متطلبات النضال عن متطلبات المعرفة. من بين ما تم توثيقه من شهادات المخطوفات، ليست هناك أدلة كافية على دخولهنَّ في منظومة السبي المُراد نِسبَتُها إلى جهاديين إسلاميين محليين وأجانب في إدلب، والتي تتناقض، مثلاً، مع الاغتصاب الجماعي، وإجبار الزوج الأصلي على الطلاق لإجراء عقد جديد، وإعادة المخطوفة بفدية، بل حتى مع تحجيبها، وهو ما ارتكبه الجُناة الذين يمكن تصنيفهم، ببساطة، في خانة مجرمي الخطف والاغتصاب. وإذا كانت أفعالهم تجري في فضاء من المفردات الرمزية الإسلامية الشعبية، التي يستخدمونها أحياناً للسخرية من هواجس ضحاياهم عن السبي تحديداً؛ فإن ذلك لا يمنحهم رتبة تعلو على «الزعرنة». فالسبي، تعريفاً، جزءٌ من إجراءات «دولة إسلامية» مُفترَضة وليس صيداً شخصياً، ولذلك لم تُمارسه داعش إلّا بناءً على نظرتها إلى نفسها كدولةٍ بعد إعلان «الخلافة».
لكن لماذا التمييز مهم؟ أولاً بهدف بيان الحقيقة المطلوبة لذاتها، وعدم استهلاك المفاهيم من دون تدقيق، ولأن المعرفة السليمة ضرورية حتى عن الخصم. والأهمُّ أن حصرَ الخاطفين في إطار الجريمة المجردة من أي دثار رمزي، حتى لو استخدموه لغوياً وعشوائياً، وسيلةٌ لتطويق أفعالهم وإخمادها، ومحاسبتهم عليها بالطبع، بخلاف التفسير الثقافي الذي يحمله السبي، وتمتد إدانتُهُ من فاعليه إلى بيئاتهم الفكرية والاجتماعية حتى سابعِ جارٍ في حرب أهلية مستعرة لا تخفى!
موقع الجمهورية



