أزمات الداخل السوريتحقيقاتتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

«مشان الله بدنا أدوية» شركات الأدوية تُهدِّد بالانسحاب من توريد المشافي الحكومية/ نورمان العباس

  • 23-04-2026
    • في دول كثيرة قد تُحتجز بطاقة الهوية الشخصية بسبب مخالفة قانونية، أمّا في سوريا فقد تُحجز إذا عجز أبٌ عن دفع ثمن الدواء الذي تحتاجه طفلته. هكذا تتحول بطاقة الهوية إلى «ضمانة» تُترك في الصيدلية ريثما يُسدَّد ثمن أدويةٍ لا تُوفّرها المشافي الحكومية.قدِم حسن عثمان من بلدة الكسرة في محافظة دير الزور، وقطع مسافة طويلة مع ابنته المريضة إلى مشفى الأطفال في دمشق. لم يتخيل بعد رحلة علاج لمدة عشرة أيام بين قسمَي العصبية والقبول في المشفى، أن تنتهي هذه الرحلة بحجزِ بطاقته الشخصية. يقول عثمان: «هويتي رهينة بالصيدلية لأن ما ظل معي مصاري أدفع. تروحين معاي نجيبها؟». ويُضيف أن الأدوية المطلوبة غير متوفّرة في المشفى، حتى السيرومات.وحالة حسن عثمان ليست استثناءً بحسب صيدلاني يعمل قرب مشفى الأطفال، فضّل عدم ذكر اسمه، ويُخبرنا أن لديه بطاقة شخصية لأحد الآباء منذ عام كامل، بعد عجزه عن تسديد ثمن أدوية ابنه. ويُشير إلى أن مرضى مشفى المواساة والأطفال يتوزعون على الصيدليات المحيطة، لأن المشافي خالية من الأدوية تقريباً، ويتحمل الأهالي كلفة العلاج كاملة من أدوية وتجهيزات تُقدَّر بالملايين.وخلال جولتنا على صيدليات قرب المشفيين، بينها الملقي والعودة والحرية والكلاس بدت جميعها مُكتظة بمرضى قادمين من المشافي نفسها.لماذا تخلو المشافي الحكومية من الأدوية؟ تتوزع المشافي الحكومية في سوريا إدارياً ومالياً بين مشافٍ تتبع لوزارة الصحة، مثل مشفى المجتهد وابن النفيس في دمشق، وأخرى تعليمية تتبع لوزارة التعليم العالي، مثل مشفى المواساة والأطفال في المحافظة نفسها. ويؤدي هذا إلى اختلاف في آليات الإدارة والتوريد والتمويل، ومع ذلك فإن هذه المشافي جميعها مسؤولة عن تأمين الدواء للمرضى.في 15 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أعلنت وزارة الصحة عن مناقصة لتوريد الأدوية للمرة الثانية، وتصاعد عزوف الشركات المُورِّدة عن المشاركة، إذ اعتبرتها مغامرة مالية. ويفرض عزوف الشركات – دون تأمين البدائل – نقصاً حاداً في الأدوية داخل المستشفيات الحكومية، مما يعرض حياة المرضى للخطر. وتؤكد شهادات الأطباء والمصادر الطبية أن سلاسل التوريد تواجه إفراغاً جزئياً في المستشفيات، ما يزيد الضغط على النظام الصحي الهش أساساً. لكن لماذا ترفض الشركات الدوائية توريد الأدوية للمشافي الحكومية؟شيكات مؤجلةتخبرنا مسؤولة في شركة ميديكا لايف فارما (شركة أدوية مستوردة)، أن عزوف بعض الموردين يعود إلى سياسة الدفع وتعقيد الإجراءات. وتُضيف: «ننتظر شهراً أو أكثر للحصول على مستحقات طلب شراء بقيمة 10 ملايين ليرة بعد تسليم الأدوية، ما يفقدنا الحماس لتكرار التوريد، خاصة مع تقلب أسعار الأدوية بالدولار». وتُحذر من أن استمرار تأخّر الدفع قد يدفع بعض الشركات إلى الانسحاب من التوريد، وهو ما حصل بحسب تأكيدها.وتُشير إلى أن المستشفيات تعتمد حالياً على طلبات شراء صغيرة بقيمة 30 مليون ليرة سورية، معتبرةً أن هذا النظام يُصعّب توفير جميع المستلزمات، ما قد يُفقد المستشفيات أدويتها.وتوفر شركة ميديكا لايف فارما أدوية نوعية وحسّاسة مثل أدوية العناية المُشددة والتخدير والأورام، وانقطاعها يُسبب خللاً في عمل المستشفى، وهذا ما يدفعها للاستمرار في التوريد. وتُضيف المسؤولة: «نحاول الاستمرار، لكن يجب تغيير هذه السياسة، فالمريض يتحمل العبء في النهاية ويضطر لشراء الدواء، وهذا أمر غير منطقي لمرضى يعتمدون على المشافي الحكومية».تُوضح شركة آسيا، وهي واحدة من أكبر شركات الأدوية المحلية، أنها تتعامل مع جميع المشافي الحكومية ومديريات الصحة، لكنها تواجه صعوبات لأن المشافي لا تمتلك ميزانيات كاملة وتعتمد على سلف مالية.وتُشير الشركة إلى أنها مرتبطة بعقد مع وزارة الصحة بقيمة 37 مليار ليرة سورية، لكنها لم تحصل حتى الآن على مستحقات أدوية تقارب 4 مليارات ليرة منذ بداية عام 2026. وتُضيف: «هناك مواد مطلوبة يومياً مثل السيتامول الوريدي، وقد أظهرت زيارة لمستودع أحد المشافي نقصاً في أصناف دوائية».تؤكد الشركة نيتها الاستمرار في توريد الأدوية إلى المشافي الحكومية، مُشدّدة على ضرورة رفع المخصصات المالية من وزارة المالية لضمان استمرار التوريد.«مشان الله بدنا أدوية»أمام إحدى الصيدليات القريبة من مشفى المواساة يقف مرافق مريض من حماة، يحمل كيساً من السيرومات والأدوية التي اشتراها للتو. يقول إنه يقصد هذه الصيدلية، تحديداً، لأنها الأرخص بين خمس صيدليات مجاورة، مُشيراً إلى أن المرضى ومرافقيهم يتنقّلون بينها بحثاً عن الدواء الأقل سعراً.وتؤكد رئيسة شعبة الصيادلة في مشفى المواساة، هدى العساف، أن انقطاع الشركات عن تزويد المشفى بالأدوية ألحق ضرراً كبيراً، لا سيما في تأمين الأدوية النوعية التي قد يؤدي غيابها إلى وفاة المريض مباشرة. وتُشير إلى أنها تضطر أحياناً إلى مخاطبة الشركات للتأكيد على أن الدواء إسعافي وضروري، مضيفةً أنه في بعض الحالات لم يبقَ أمامها سوى أن تكتب في الطلب: «مشان الله بدنا أدوية».تُشير العساف إلى أن نسبة نقص الأدوية في مشفى المواساة تتجاوز 85 بالمئة، وأن هناك أدوية مفقودة من البلد بالكامل، مثل الهيبارين، وهو مضاد تخثّر يستخدم لعلاج الجلطات. وتوضح أن الدواء موجود في السوق المهرّب، لكنه غير متوفر بشكل نظامي، رغم أنه دواء إسعافي.وتُضيف العساف: «هناك أدوية يُسبب انقطاعها مشكلة كبيرة داخل المشفى، مثل مستحضر (ATG)، وهو مُثبّط مناعة لمرضى زراعة الكلى. جرى تأمين 43 إبرة منه لإنقاذ المرضى، بعد إبرام عقد بقيمة 500 مليون ليرة». وتؤكد أن هذا العقد هو الوحيد الذي أُبرم بالتراضي في الشهر الأول من عام 2025 مع شركة «ميديكا لايف فارما»، مشيرةً إلى أنه لولا صياغته بالتراضي وإرسال نسخة منه إلى وزارة الصحة التي خاطبت الشركة، لما أمكن الحصول على الدواء، فالشركات الخارجية تعمل وفق نظام توزيع محدد.وتُبيّن العساف أن حاجة المشفى السنوية تتجاوز 244 مليار ليرة، وتوضح أنها تحاول تأمين الأدوية الإسعافية عبر طلبات الشراء المباشر، رغم أن قيمة الطلب الواحد لا تتجاوز حالياً 30 مليون ليرة.وتحذّر من أن غياب البدائل لدى شركات الأدوية يدفع المرضى وذويهم إلى شراء الأدوية من الصيدليات، التي قد تكون مهرّبة أو غير فعّالة في بعض الأحيان. وتؤكد أن الصيدليات تتربح عملياً من المشافي، وأن الأقرب إلى المشفى هي الأوفر حظاً، لأن المشافي خالية من الأدوية، ما يضطر المرضى إلى شراء كل شيء من الخارج، فيتحول ذلك إلى شكل من أشكال الاستغلال. تقول العساف أن ردود وزارة التعليم العالي جاءت فضفاضة، إذ يُحمَّل المشفى المسؤولية خلال الرقابة والتفتيش رغم مراسلاته المتكررة التي تشرح احتياجاته. وتُشير إلى أن شركتي مياميد وابن زهر، بعد تحولهما إلى جهات حكومية، أصبحتا خياراً للتوريد لكن بأسعار أعلى من القطاع الخاص، ما دفع مالية المشفى للاعتراض وتفضيل الشراء المباشر رغم محدودية كمياته. ورغم مخاطبة الوزارة لحسم وضع مياميد وإمكانية الشراء منها بكميات أكبر، لم يصدر أي توضيح حاسم، ما يترك المشفى عالقاً بين غلاء الأسعار وغموض القرارات، في وقت يُفترض أن تحظى فيه المشافي الحكومية بالأولوية في التوريد.تواصلنا مع وزارة التعليم العالي للحصول على ردٍّ، وبعد أكثر من شهر أخبرونا: «للأسف ما في جواب من الوزارة».هل يُعقل أن يصل طفلٌ إلى الإسعاف وليس لدي أدوية إسعافية؟تروي سيدة خمسينية ترافق حفيدها في مشفى الأطفال بعد إصابته باختلاج دماغي، أنها قطعت الطريق من تل أبيض إلى دمشق رغم التكاليف الباهظة. وتقول: «السيارة من الرقة للشام كلفتنا مليونين ونصف، ولما وصلنا طلبوا منا أدوية وإبر، الإبرة بـ50 دولار، واضطرينا نشتري كل شيء من برا».حذّرت رئيسة صيدلية مشفى الأطفال الجامعي في دمشق من أزمة دواء تُهدد حياة الأطفال، نتيجة شحّ حاد في السيولة وعيوب هيكلية في نظام التوريد، بالإضافة إلى تعقيد إجراءات صرف مستحقات شركات الأدوية، إذ قد يستغرق الدفع أشهراً، خاصة مع إشكالية تغيّر العملة، ما يجعل الشركات تتردد في دخول المناقصات الحكومية بسبب غياب الوضوح في سياسة الدفع.وبيّنت المسؤولة أنه قبل سقوط النظام كانت آلية الاستجرار المركزي تُجرى عبر شركة «فارمكس»، أمّا الآن فتُجرى طلبات الشراء مباشرة وتُقيّد كل مادة بطلب واحد شهري وبسقف مالي مُحدَّد. وأوضحت أن هذا النظام يعجز عن تلبية الاحتياجات، فثمن علبة دواء نوعي واحدة قد يصل إلى مليون ليرة، في حين لا يغطي طلب المخدّر الاستنشاقي وهو الأكثر استخداماً سوى عشر علب، وهي لا تكفي عمليات المشفى إلا لأيام قليلة، ما أدى إلى تأجيل قوائم عمليات بسبب انقطاع مخدّر «سيفوفلوران».وكشفت أن المشفى خاوٍ – في الوقت الراهن – من الأدوية، بل ومن السيرومات، مضيفة أن طلب الشراء يُغطي حاجة أسبوع واحد فقط. وتقول: «هل يعقل أن يصل طفل إلى الإسعاف وليس لدي أدوية إسعافية؟ إذا انتظرت الأهل ليحضروا الدواء قد يتوفى الطفل. ليس لدينا أجهزة نقل دم، ولا صادات استيرادية، ولا أدوية نوعية. المشفى منقطع من الأساسيات».وأكدت أن نسبة النقص في الأدوية النوعية بلغت 80 بالمئة، وأن سقف الشراء للأدوية المستوردة لا يكفي لعلاج أكثر من عشرة أطفال. وأضافت أن وزارة التعليم العالي، المُشرفة على مشافي التعليم العالي، لم تتخذ أي إجراء جاد، مشددةً على ضرورة وضع آلية واضحة: إما أن تؤمّن الوزارة الأدوية عبر مناقصات مركزية، أو تمنح المشافي الصلاحية والسيولة الكافية للشراء المباشر لإنقاذ الوضع.أموال الشركات مجمدة في المركزي، وتحذيرات من التوقف عن التوريدتؤكد رئيسة شعبة الصيادلة في مشفى المواساة، هدى العساف، أن المشافي محكومة بقانون العقود رقم 51، ما يعني أن شراء أي مادة يجري عبر مناقصة أو استدراج عروض، لكن طول إجراءات المناقصات يدفع المشافي إلى اللجوء لطلبات الشراء. وتُضيف: «خلال عام 2025 رفعنا إعلانات عقود إلى وزارة التعليم العالي، لكن الرد جاء بعدم توفر ميزانية أو اعتماد، حتى للعقود الكبيرة، ما أدى إلى رفضها».وتُشير إلى مشكلة إضافية بعد رفع سقف طلب الشراء من 10 إلى 30 مليون ليرة، إذ كانت الشركات سابقاً تتقاضى مستحقاتها نقداً، بينما أصبح الدفع لاحقاً عبر التحويلات البنكية الخاضعة لقيود السحب، ما أدى إلى عزوف عدد كبير من الشركات عن التوريد.ويُشير مدير مستودع «صول فارما للأدوية»، سعيد الكببي، إلى أن التأخر في دفع العقود الكبيرة قد يُسبب صدمة مالية للشركات، إذ أن تنفيذ عقدٍ بقيمة مليار ليرة مع انتظار أشهر طويلة لتحصيل المستحقات يخلق ضغطاً كبيراً على الموردين. ويوضح أن المشكلة لا تتعلق بالتمويل بقدر ما ترتبط بآلية الدفع، إذ تُحجز قيمة العقد في البنك المركزي.وأضاف أن هناك قراراً من البنك المركزي يمنع صرف أكثر من 20 مليون ليرة للشركة، موضحاً أنه حتى لو بلغت قيمة الشيك 30 مليوناً فلن تتمكن الشركة من قبض المبلغ كاملاً، إذ يُودَع في الحساب دون إمكانية سحبه. وأشار إلى أنه من المفترض التعامل مع قطاع الخدمات الطبية والأدوية بإجراءات مختلفة، نظراً لدوره الحيوي في تأمين احتياجات المشافي.ولفت إلى أن سياسة الدفع والتعقيدات البيروقراطية تؤدي إلى إعادة طرح المناقصات مراراً، لغياب آلية واضحة لسحب الأموال من البنك، خصوصاً في العقود الكبيرة التي تصل قيمتها إلى مليارات الليرات، إذ تتحول هذه المبالغ داخل البنك المركزي إلى أرقام مجمّدة لفترات طويلة.وفي السياق ذاته، يؤكد مستودع «الوفاء للأدوية» أنه سيتوقف عن التوريد في حال تحوّلت طلبات الشراء إلى حوالات بنكية، مشيراً إلى أن القيود المصرفية نفسها دفعت كثيراً من الشركات إلى العزوف عن المناقصات والاتجاه نحو توريد الأدوية للصيدليات بدلاً من المشافي الحكومية، بسبب صعوبة تحصيل المستحقات. ويُحذّر من أن توقف الشركات والمستودعات عن التوريد نتيجة غياب آلية دفع واضحة قد يُفاقم أزمة الأدوية في المشافي. ويُبيّن أن للمستودع مستحقات لدى مشافٍ حكومية تُقدّر بنحو 200 مليون ليرة مُوزَّعة على طلبات شراء عدة، وأنهم تلقّوا وعوداً بتسديدها.وزارة الصحة: لم يُرصد نقص حاد بالمعنى المحدد قالت وزارة الصحة إنها تعمل حالياً على آلية مناقصات لتوريد الأدوية إلى المشافي الحكومية عبر لجنة الإمداد والتوريد التابعة للأمانة العامة للرئاسة. وأوضحت، رداً على الأسئلة المتعلقة بالتحديات المصرفية التي تواجه الشركات المورّدة، أنه جرى التنسيق مع حاكم مصرف سوريا المركزي لمنح ميزة رفع سقف السحب للعقود الموقعة مع الوزارة.وحول تأثير السحوبات اليومية المُحدَّدة وآلية الدفع التي حملت مورّدين سابقاً على الانسحاب من المناقصات، أشارت الوزارة إلى «زيادة الإقبال على المناقصات بعد التصريح المشترك بين حاكم المصرف ووزير الصحة حول تقديم تسهيلات في الدفع».وفي ردّها على التصريحات التي تتحدث عن نقص حاد في الأدوية داخل المشافي الحكومية، قالت الوزارة: «من خلال مراجعة مستودعات مديريات الصحة، لم يتم رصد نقص حاد بالمعنى المحدد». وأضافت أنه «تم تكليف مدراء الصحة بتأمين الأدوية وتوزيعها فوراً على المشافي والمراكز الصحية، لحين تأمينها مركزياً عبر لجنة الإمداد والتوريد بالتنسيق مع الجهات المختصة».وفي مقابل ردود وزارة الصحة، يقول أبٌ يُرافق ولده في مشفى الأطفال: «إذا كل شيء ندفعه من جيبتنا، شو بقي من المشفى الحكومي؟ يسموه خاص. على الأقل بنعرف وين رايحين».
    • موقع الجمهورية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى