الأحداث التي جرت في الساحل السوريالعدالة الانتقاليةالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

ملف كامل عن اعتقال المجرم أمجد يوسف وعن تفاصيل مجزرة التضامن وكيف تم الوصول الى الفيديوهات التي أكدت المجزرة.

تحديث 30 نيسان 2026

بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية/ ياسين الحاج صالح

27-04-2026

        قبل يوم واحد من اعتقال أمجد يوسف، بطل مجزرة التضامن في نيسان (أبريل) 2013، بثَّ الإعلام الرسمي السوري صوراً لرئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في دوما، وهو يقف يداً بيد مع سمير كعكة، شرعي جيش الإسلام، وبطل خطف وتغييب، وربما قتل، سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم الحمادي، ووقائع إجرامية أخرى. واقعةُ الخطف حدثت في العام 2013 نفسه، في الشهر الأخير منه.

        المعلومات عن الجريمة متوفرة ومُتاحة للعموم، نُشِرَت مراراً وتكراراً في هذا المنبر الذي كان، بالمناسبة، أول منبر سوري نشرَ تقريراً مُفصَّلاً بالعربية عن مجزرة التضامن وأبطالها، وبقلم الباحثَين اللذين كشفاها، أنصار شحود وأور أونغر، وهذا يوم نَشرت صحيفة الغارديان تقريراً مُختصَراً عنها. القاتل أمجد يوسف على مسرح المُحاسبة اليوم، والقاتل سمير كعكة على مسرح السلطة.

        ليس ما يَحولُ دون معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة بخصوص تغييب المرأتين والرجلين هو نقصُ المعلومات والقرائن الموثوقة، بل السياقُ السياسي والمؤسسي الراهن. فبينما يلقى طلبُ العدالة لضحايا مجزرة التضامن التعزيزَ من هذا السياق، فإن إغفالَ العدالة لضحايا جريمة جيش الإسلام هو ما يلقى التعزيزَ من السياق السياسي والمؤسسي الحالي. وفي هذا ما يُثير سؤال العلاقة بين العدالة والسياسة في سورية اليوم، ولعله السؤال الأساسي بخصوص الشرعية بالمعنى الجذري والعميق: إلى أي مدى تَستقلُّ اعتباراتُ العدالة عن التفضيلات السياسية الآنية للفريق الحاكم؟ أي كذلك إلى أي مدى تستقلُّ الشرعية عن السلطة، فتُساءَل السلطةُ عن شرعيتها وعن عدالتها من قبل جميع من يتأثرون بتصرفاتها ومسالكها؟

        نعلم الإجابة على السؤال في الحقبة الأسدية. لقد خضعت العدالةُ وكلُّ شيء لأولوية الحكم الأسدي في الاستئثار بالسلطة كلها كل الزمن؛ إلى الأبد. سميرة الخليل التي حُبِسَت أيام حافظ أكثر من أربع سنوات دون تهمة أو محاكمة تَعرفُ ذلك جيداً، وتَعرفُهُ رزان زيتونة، المحامية التي دافعت أيام بشار أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق عن المعتقلين السياسيين، بمن فيهم السلفيون. يَعرفُهُ جميع السوريين في واقع الأمر. كانت سورية صحراء حقوقية مثلما كانت صحراء سياسية، وأُنكِرَ الحقُّ في العدالة كما الحقُّ في السياسة على الجميع، ليس على البعض دون البعض. وإنما لذلك لا يستقيم أن يجري الدفاع عن الحق في العدالة وفي السياسة للبعض دون غيرهم (فالحقُّ لا يكون حقاً إلا إذا كان عاماً)، ثم إنه لذلك أيضاً كان استقلالُ القضاء بنداً ثابتاً في مُطالبات المعارضين الديمقراطيين طوال العقود الأسدية، إلى جانب الحريات السياسية والتعدُّد الحزبي.

        السؤال اليوم مطروحٌ بخصوص حق المعارضين الديمقراطيين في العدالة والسياسة، والكاشفُ الأول هو قضية سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم الحمادي. لماذا؟ ليس بحال لأن حرية وحياة الأربعة أهمُّ أو أرفعُ شأناً من حرية أو حياة أي أربعة آخرين من نحو 200 ألف من المغيبين السوريين، ولكن لأنه تتقاطعُ في قصتهم المأساوية أشياءُ لا تتقاطع في أي قضية أخرى. فَللأربعة تاريخٌ مشهودٌ في معارضة النظام الأسدي سابقٌ للثورةِ وللقوى التي نبتت بعدها، وهناك قرائنُ وافرة ووافية لتوجيه الاتهام إلى تشكيل جيش الإسلام، بما يكفي لإطلاق عملية قضائية بخصوص مصير الأربعة، ثم إننا نعرف المُشتبَه بهم بالاسم، وعلى رأسهم كعكة نفسه؛ وأخيراً وبصورة خاصة لأن مُختطفِي المرأتين والرجلين إسلاميون، يشاركون حاكمي اليوم إيديولوجيتهم، ما يجعل تحقيق العدالة في هذه القضية الاختبارَ الحاسمَ لاستقلال العدالة عن الإيديولوجية والسلطة. لا يَمتَحِنُ اعتقالُ ومحاكمةُ عاطف نجيب استقلالَ العدالة في سورية اليوم، ولا يثبته. إطلاق عملية قضائية في شأن جريمة كعكة وأتباعه هو ما يمتحنُ هذا الاستقلال، وما يثبته. إنها القضية التي تُعرِّفُ مصيرَ العدالة، مِحكُّها ومِعيارها، في سورية اليوم.

        لقد بنى أمثالُ رزان وسميرة ووائل وناظم، وأنصار شحود وأور أونغر، وما لا يحصى من سوريين وشركائهم في العالم، الدعوة الأخلاقية والحقوقية للثورة السورية. ليس غير رزان زيتونة من أعدت أوثقَ تقريرين عن المجزرة الكيماوية في الغوطتين في آب (أغسطس) 2013، بناءً على متابعة شخصية مباشرة ومُخاطِرة بحياتها، وذلك بعد أيام قليلة من المجزرة. وليس غيرها من عمل على بناء جسم مستقل للعدالة في الغوطة الشرقية كي لا تحلَّ القوةُ محلَّ الحق، وليس لغير ذلك خَطَفَها مع شريكتها وشريكيهما كعكة وأعوانه. وليس غير أنصار شحود من كرَّسَت عامين من حياتها الشابة وخاطرت بصحتها من أجل كشف الحقيقة عن الجريمة التي تُستثمَرُ اليومَ لجني مكاسب سياسية، دون أن يَذكُرَ المتكسِّبون اسم أنصار وشريكها في البحث. وجازفَ شبان علويون بحياتهم، وخاصة حازم العبد الله، من أجل تهريب الفيديوهات إلى أوروبا ووضعها بين أيدي الباحثين، وهو ما يُفضِّلُ التكتمَ عليه طائفيون متلهفون على تجريم جماعة سورية بأكملها. وليس غير محامين وناشطين حقوقيين سوريين هم من يلاحقون مجرمي الأسدية وشبّيحتها في أوروبا، ويعملون على تحقيق قدر من العدالة لمواطنيهم ضدهم. ما يجمع هؤلاء هو أنهم معنيون بقضية الديمقراطية والعدالة والمواطنة في سورية. وكلهم مغيبون اليوم سياسياً وإعلامياً مثلما غُيِّبَت من الوجود رزان وسميرة ووائل وناظم، هذا بينما يُحتضَن مفتي القتل كعكة، ويَنفشُ ريشهم، ناسبينَ الفضلَ حصراً لأنفسهم في قضية ضحايا التضامن، من لم تَشغَلْ بالهم قضايا الحقيقة والحرية والحقوق المتساوية في أي وقت.

        في اختلاف التعامل مع القضيتين اللتين يَرمزُ لهما سمير كعكة وأمجد يوسف ما يتجاوز ازدواج معايير مُسيطِري اليوم إلى تقرير من يملكُ الثورة والبلد. القوم جاؤوا متأخرين إلى ثورة لا فضلَ لهم فيها من قريب أو بعيد، وكانوا على عداء عنيف لها طوال سنوات، واليوم يضعون أيديهم على ما ناضلَ وضحى من أجله ملايين السوريين دون أن يشكروا أحداً غير أنفسهم، ودون أن يُشرِكوا أحداً في سلطة أو قرار أو رأي، فكأنَّ سورية ملكيتهم الخاصة مثلما كانت في الحقبة الأسدية.

        قضية سميرة ورزان ووائل وناظم قضية وطنية وسياسية وعامة مثل قضية ضحايا مذبحة التضامن، ومثلما أن هذه القضية الأخيرة لم تنتظر دعاوى شخصية من الأهالي حتى تجري مُتابعتها، وصولاً إلى القبض على الجاني الأول، وهذا بفضل ما وَفَّرهُ باحثون وإعلاميون مستقلون من معلومات عنها، فلا يجب أن يختلف الأمر بخصوص جرائم كعكة وأشباهه. وهذا المنبر الذي وفَّرَ أوسعَ تقرير عن الجريمة الأولى هو نفسه الذي وَفَّرَ أوسعَ معلومات عن الجريمة الثانية. والملف والدعوة الشخصية موجودان على أي حال. ما ليس موجوداً هو العدالة المستقلة.

        قضية سميرة ورزان ووائل وناظم لن تموت، ولن تتقادم. لن نتركها لقوى الكُره والنسيان. إنها قصة معروفة في سورية والعالم، مُفصَّلة ومُثبَتة بالمعلومات والتفاصيل والأسماء. جريمة في العلن، الجناة فيها معلومون. لذلك فإن استثناءَهم من العدالة وإفلاتَهم من العقاب هو تعريفٌ صالحٌ لانعدام العدالة في سورية ما بعد الأسدية، أو هو مِحكُّ العدالة الغائبة ومِعيارُها.

        نخاطب بهذه الكلمات عموم السوريين، التزاماً بواجب قول الحقيقة عن السلطة في كل حال، ولكن كذلك بأمل أن نرى تحريكاً للقضية بعد 12 عاماً وأربعة أشهر و18 يوماً من تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم. القضيةُ بالنسبة لنا قضيةُ حقٍّ وحقيقة: حياةُ وحريةُ أحبابنا، وإلا فمعرفةُ الحقيقة كاملة عن مصيرهم، والحصول على أجسادهم المقتولة إن كان كعكة وعصابته قد قتلوهم. نريد قبوراً معلومة لأحبابنا، وحِداداً لأنفسنا، وذاكرةً لقضيتنا العامة.

        نخاطب السوريين كذلك للقول إن ما يحمي حياتهم وحريتهم وحقوقهم ليس السلطة ولا الطائفة، بل العدالة المُستقلّة والحقُّ المتساوي في العدالة للجميع. درس بشار الأسد ونظامه ليس بعيداً.

موقع الجمهورية

—————————–

أعمق من حفرة حي التضامن/ بكر صدقي

من حق السوريين أن يفرحوا بخبر إلقاء القبض على جزار حي التضامن أمجد يوسف. فأحد مقاطع الفيديو الذي نشر، في العام 2022، وظهر فيه هذا الجزار وهو يلقي برجال ونساء مكبلي الأيدي، معصوبي العيون، في الحفرة ويطلق عليهم النار، ثم يشعل النار في مجموع الضحايا، كان من البشاعة ما يثير الغثيان والغضب والرغبة في الاقتصاص منه ومن كانوا معه من العناصر، وبالطبع من كامل التراتبية الأمنية وصولاً إلى رأس سلطة الإجرام بشار الأسد وأركان حكمه.

كانت تلك المجزرة مثالاً نموذجياً لعدد لا يحصى من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد طوال سنوات الثورة والحرب، وربما هي الأبشع من بين الموثقة منها بهذا الوضوح. لذلك يأمل السوريون أن تتحول، هي ومرتكبوها إلى أمثولة تتكفل بعدم تكرار وقوع مجازر مماثلة في المستقبل. فهل استقبل السوريون بعامة هذا الحدث بهذه الروحية؟ للأسف لا. فقد غلب على ردود أفعالهم على وسائل التواصل الاجتماعي خطاب عدواني يحصر الموضوع في هوية المرتكب وهوية الضحايا. كانت لافتة بصورة مرعبة ردود الفعل على منشور يعلق فيه الإسلامي المعتدل محمد حبش على الحادثة من خلال المقارنة بين مجزرة حي التضامن ومجزرة مدرسة المدفعية في حلب التي وقعت في العام 1979 ورد عليها نظام حافظ الأسد بمجازر في حلب وحماة وجسر الشغور وسجن تدمر وغيرها. تلك المجزرة الطائفية الصريحة التي أطلقت حرب الأسد الأولى على السوريين التي استمرت عامين، لكن مفاعيلها مستمرة إلى اليوم من حيث الشرخ الوطني العميق الذي تسببت به. الهجوم على حبش، إضافة إلى وقائع كثيرة مماثلة، يظهر أن ذلك الشرخ المشار إليه، وقد تعمق أكثر أثناء سنوات الثورة والحرب، وتجددت أسبابه بعد مجازر الساحل والسويداء في سوريا ما بعد الأسد، هو الحفرة الأعمق من حفرة التضامن. وبدلاً من تحويل هذه الأخيرة إلى أمثولة لعدم تكرارها نرى أنها تتحول إلى ضخ مزيد من الكراهية في الجسم الاجتماعي.

وترافق خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف مع خبرين آخرين: الأول هو بدء محاكمة عدد من رموز نظام الأسد، عاطف نجيب وآخرين، بمن في ذلك محاكمة غيابية لبشار الأسد وأخيه ماهر. والثاني هو عودة قائد جيش الإسلام سابقاً عصام بويضاني وشرعيّه سمير كعكة، بمعية رأس سلطة دمشق الانتقالية أحمد الشرع إلى دمشق، بعدما توسط الأخير لدى قادة دولة الإمارات لإطلاق سراحهما.

كلا الحدثين لهما صلة وثيقة بحدث اعتقال أمجد يوسف، وأثارا الجدل بأكثر مما أثار الاعتقال. فمحاكمة أركان النظام الساقط على عجل، قبل بناء قضية مكتملة الأركان، والأهم قبل إصدار قانون للعدالة الانتقالية من قبل مجلس تشريعي، لا يمكن أن تؤدي إلى الغاية المرجوة من فكرة العدالة الانتقالية، أي مداواة جراح الماضي واستعادة اللحمة الوطنية من خلال محاكمة بنية نظام أتاح حدوث ما حدث من إجرام طوال عقود، وإن تم تمثيله بعدد محدود من الأشخاص يتم القصاص منهم. كأن سلطة دمشق تريد فقط حصر الموضوع في مجموعة صغيرة من الأشرار خارج سياق نظام متكامل الأركان حكم سوريا لخمسة عقود ونيف بالحديد والنار.

أما إطلاق سراح بويضاني وكعكة واصطحابهما إلى دمشق ليتم ضمهما إلى بنية السلطة القائمة، مع معرفة السوريين للجرائم التي يعتبران مسؤولين عنها حين كان جيش الإسلام مسيطراً على منطقة الغوطة الشرقية، كما بعد نقل عناصره إلى الشمال، فهو مما يدفع للتساؤل المشروع عن معنى العدالة إذا كانت ستقوم بدلالة هوية المرتكبين وهويات الضحايا، لا بدلالة نوع الجريمة. بهذا المعنى يمكن القول إن فرحة كثير من السوريين بإلقاء القبض على سفاح حي التضامن لم تكتمل حين رأوا مشهد بويضاني وكعكة برفقة رأس السلطة الانتقالية، مع العلم أن بينه وبينهما ما صنع الحداد أثناء الحروب البينية التي جرت في الغوطة في العام 2015.

لا يمكن عزل هذه التطورات عن السياق المحيط بها، سياق ارتفاع أصوات الاحتجاجات الشعبية على تردي الأوضاع المعيشية بسبب خيارات السلطة في الشأن الاقتصادي – الاجتماعي، بما يشير إلى تآكل شعبيتها في الأوساط الأقرب إلى القبول بها. بكلمات أخرى ثمة شكوك مشروعة بشأن اختيار السلطة لهذا التوقيت للإعلان عن بدء محاكمة رموز النظام السابق، واعتقال أمجد يوسف، لامتصاص آثار الاحتجاجات المذكورة. وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى ردة الفعل المبالغ بها من «جمهور السلطة» على اعتصام 17 نيسان في دمشق. فقد كان كم التحريض على المعتصمين والاعتداء عليهم واتهامهم بأنهم «فلول» مهولاً بالقياس إلى الحدود المتواضعة التي وضعها المعتصمون لمطالبهم كما بالقياس إلى عدد المشاركين في الاعتصام. وبافتراض أنه فعلاً جمهور موال للسلطة مدفوع بمخاوفه عليها وليس بإيعاز منها، فهذا مما يثير القلق أكثر. لأنه وجه من وجوه الحفرة العميقة التي تمضي فيها سوريا «الجديدة».

٭ كاتب سوري

القدس العربي

—————————–

 أمجد يوسف.. “الفقير”/ حسام جزماتي

2026.04.27

يصلُح اعتقال الشخص الأشهر في مجزرة التضامن لأن يكون فرصة لاختبار تقسيم المجرمين إلى كبار وصغار وفق تسلسل السلطة، وحتى بحسب موقعهم الاجتماعي والمادي.

كانت محكمة نورمبرغ، التي قُدّم إليها القادة النازيون إثر الحرب العالمية الثانية، رسخت مشهد محاكمة نظام عبر أبرز رموزه، وهو الأمر المعتمد في إجراءات العدالة الانتقالية التي توصّل إليها البشر نتيجة استحالة تطبيق عدالة كاملة دقيقة في حالات الحروب الطويلة متعددة الأطراف التي يعسُر في نهايتها جمع الروايات عن كل واقعة بالتفاصيل الكافية واستحضار شهودها وتحديد المسؤوليات عنها بالتالي.

وقد قنِعت العدالة الانتقالية السورية، يوم أن كانت مادة تُدرَّس في الدورات وموضوعاً لأبحاث لا تُعلم إمكانية تنفيذها قبل سقوط نظام بشار الأسد؛ بأنّ المسؤولية القضائية يمكن أن تقتصر على الأخير وعلى طغمة ممن حوله، يتراوح عددهم بين العشرات وبين المئات، من كبار ضباط الجيش والأمن.

لكن السقوط لم يحصل بطريقة “مثالية”، وهذه عادة التاريخ على كل حال، مما أتاح لأكثر هؤلاء الضباط فرصة الفرار إلى ملاذات آمنة في الخارج، في حين بقي بعضهم في البلاد نتيجة سوء حظهم أو خطل تقديرهم، أمّا صغار المنتهكين، الذين لم يحوزوا من المكانة ما يحملهم إلى روسيا ولا من المال ما يفتح لهم أبواب سواها، فقد تسربوا إلى لبنان والعراق، أو ظلوا في الداخل غير الآمن على أمل ألا تُكشف أدوارهم السابقة أو مخابئهم المرتجلة.

والحال أن التقسيم إلى كبار وصغار ليس دقيقاً تماماً في الحالة السورية، وربما في أي حالة، فمن بين الاثنين وعشرين شخصاً الذين عُرضوا على أولى جلسات محكمة نورمبرغ قُضي بإعدام نصفهم فقط، وسُجن آخرون، وحاز ثلاثة على البراءة، ويرجع ذلك إلى درجة ثبوت مسؤولياتهم عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وما إلى ذلك.

في سوريا خلال الثورة تراوح سلوك النظام بين أن يتصرف كدولة وبين أن يتفاعل كميليشيا، ففي الواجهة كانت العناوين المنضبطة، كالجيش والأجهزة الأمنية والقضاء، وفي العمق كان كل ذلك منخوراً بالتوحش والاستباحة والطائفية والفساد.

وقد أتاح هذا المزيج الفوضوي، المتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص، لبعض ذوي الرتب الصغيرة فرصاً ملكوا فيها قرار حياة وموت من أوقعتهم الأقدار في نطاق صلاحياتهم، وربما كان المثال الأشهر على ذلك هو قيام بعض السجانين في مسلخ صيدنايا، ومنهم من كان مجنداً يؤدي الخدمة الإلزامية فقط، بقتل العشرات وربما المئات، لأسباب تنبع من التلذذ بالطغيان على معتقلين فاقدي الحيلة، أو لأن عنصراً أراد الاشتهار بطريقة فريدة في القتل، أو ثأراً لقريب قضى على إحدى الجبهات ضد الثوار.

وبهذا قد يفوق عدد ضحايا بعض عناصر السجن وصف ضباطه، وحتى أطبائه، العدد الذي قتله بعض ضباطه في حالات محددة.

النقطة الثانية التي تشوّش الرؤية أحياناً هي فكرة واسعة الانتشار عن تلازم الإجرام الدموي مع الفساد المادي، فبالنسبة لكثيرين تتناسب درجة قمعية المسؤول  وإدانته،  طرداً،  مع حجم ثرائه، غير المشروع بالطبع.

وفي ظل غياب الشهود وعدم القدرة على الوصول إلى الوثائق، سابقاً، رأى عدد ملحوظ من السوريين أن هذا المعيار مقبول ومنطقي! فالأَولى بالمحاسبة هو الضابط فاحش الغنى، صاحب المزارع وربما القصور، والوزير بموكب فاخر من السيارات وأبناء مترفين، ورجل الأعمال الشريك في تنفيذ المشاريع الكبرى للقطاع العام وفق حصص متسلسلة، أما عنصر الرتبة الدنيا، الذي يعيش على دخل شهري محدود، وربما بعض “الاستفادات” الصغيرة، فهو “فقير” يستحق التعاطف لا المساءلة.

وتمتد كلمة الفقير هنا إلى ما هو أبعد من الوضع المالي لتصل إلى دلالات تتعلق بالطيبة، والبساطة، ومحدودية الصلاحيات، وسمات أخرى تدور في فلك الإيجابية، فإن أطلّت أحياناً على معنى السذاجة كانت أدعى، من وجهة نظر مطلقيها، للتحبب ولتبييض صفحة الموصوف.

والحق أن هذا يصلُح في سياق العلاقات الاجتماعية، أو في حملات “من أين لك هذا؟” التي تكافح الفساد المالي الذي يتاح عادة لكبار المسؤولين دوناً عن صغار الموظفين الحكوميين المدنيين أو العسكريين، لكن الذي ينكّل ويهين، وربما يغتصب ويقتل، هو السجّان لا وزير الزراعة ولا مدير قلعة حلب.

وهو، أي المجند أو صف الضابط أو الضابط حديث التخرج، “فقير” غالباً، قد يعيش في بيت بائس في إحدى العشوائيات اشترى أثاثه المتواضع بالتقسيط من المؤسسة الاجتماعية العسكرية، وربما يأتي إلى “عمله” بسرفيس خانق مكتظ إن فاته “باص المبيت”.

وكانت هذه حال أمجد يوسف. فهو من سكان حيّ التضامن الفقير على طرف العاصمة، ولذلك فُرز إلى هناك، كما كانت حال معظم ضحاياه من السكان الفقراء بدورهم! فلا يصلُح هذا المعيار، بداهة، لأن يكون منطلقاً للتجريم أو للتبرئة، خاصة في ارتكابات جسيمة كالتي قام بها، مثله مثل آلاف غيره على الحواجز وفي الفروع الأمنية وفي أثناء الاشتباك المباشر بوحشية منفلتة من دون رقابة من أي نوع.

نعم، ارتكب بعض كبار المسؤولين ما هو أفدح، فقد حكم قاضي المحكمة الميدانية الأشهر خلال الثورة، محمد كنجو حسن، على الآلاف بالإعدام، وتقاضى من مئات آخرين رشاوى باهظة مقابل إخلاء سبيلهم، فجمع بذلك ثنائية القمع والفساد بصورة تامة، لكن الأمور لا تسير دوماً على هذا النحو المنظم المريح.

لا بد للعدالة من مقتضياتها الطبيعية؛ أي المسؤولية المثبتة بالتوقيع على الوثائق، والشهود، والاعترافات، وكل سبل القضاء المعروفة. ولا مناص من فصل ملفات الفساد عن جرائم القمع التي تطول الدماء.

تلفزيون سوريا

—————————–

اعتقال أمجد يوسف… مأساة الضحايا وملهاة الواقع/ حسان الأسود

30 ابريل 2026

للقارئ العربي الذي لا يعرف. كان أمجد يوسف ضابط صفّ (مساعد) في الفرع 227 التابع للمخابرات العسكرية السورية المعروف بفرع المنطقة، مسؤولاً عن عمليات المداهمة والاعتقال في حيّ التضامن بدمشق خلال ذروة أحداث الثورة السورية ضدّ نظام الأسد. اعتقلته قوات الأمن العام السورية في 24 إبريل/ نيسان الجاري في إحدى قرى سهل الغاب التابع لمحافظة حماة، للتحقيق في تهم ارتكابه، ومجموعته، جرائم في حقّ المواطنين المدنيين السوريين، كانت أشهرها مجزرة 16 إبريل 2013، حين أعدم ورفاقه مدنيين عديدين عزّلاً من الرجال والنساء ميدانياً، وظهر ذلك في فيديو مسرّب، وهو يقتاد الرجال معصوبي الأعين، مقيَّدي الأيدي، نحو حفرة كبيرة أُعدّت مسبقاً في أحد شوارع حيّ التضامن. ثم أطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر ليسقطوا في الحفرة. بعد ملء الحفرة بـ41 ضحية، سكب يوسف ورفاقه البنزين على الجثث، وأضرم النار فيها بعد إلقاء إطارات السيارات فوقها لإخفاء معالم الجريمة، أو للتشفي والانتقام، لا غير.

ساهمت الباحثة السورية أنصار شحّود والبروفيسور الهولندي أوغور أومت أنغور في كشف هذه الجريمة وإظهارها للعالم. انتحلت أنصار شخصية وهمية مؤيّدة للأسد باسم “آنا”، وتواصلت مع يوسف عبر منصّة فيسبوك عامين، واستدرجته إلى الاعتراف بجرائمه التي ظهر طرف خيطها لأنصار وأوغور جرّاء حصولهما على فيديو مسرّب من جهة مجهولة (ظهرت منشورات لاحقاً تشير إلى الشخص الذي حصل على التسجيلات المأخوذة من حاسوب أمجد يوسف نفسه من دون التأكّد من صحّتها). لم يعتقل نظام الأسد المجرم أمجد رغم افتضاح جرائمه عالميّاً، وظلّ يمارس عمله، كما أوضحت ذلك الشبكة السورية لحقوق الإنسان وصحيفة الغارديان، وكما اعترف هو شخصياً في أثناء التحقيق الأولي معه، الذي بثّت القنوات السورية جزءاً منه.

حسب الروايات المتداولة، كان المجرم مختبئاً في منزل والديه، وصار الاعتقال حدثاً عظيماً تفاعل معه السوريون والسوريات في بقاع الأرض كلّها، وليس في سورية فقط. تنوّعت ردّات الفعل ما بين الفرح والحزن والغضب والشماتة والتشكيك بالتوقيت والنقد للأسلوب… إلخ، وهو ما اعتاده السوريون في هذه الحالات. نشرت بعض الصفحات أيضاً تسجيلاً مصوّراً لمقابلة مع سيّدتَين، إحداهما شقيقة أمجد يوسف التي أظهرت استغرابها من اعتقاله، في مفارقة عجيبة لهذا التبسيط المخلّ الذي لا يُحتمل للمأساة والفاجعة التي حلّت بعشرات، إن لم تكن بمئات الأُسر، على يد شقيقهما. وأظهر الحدث راهنية الجرح السوري الذي لا يمكن أن يندمل أو أن يُشفى بمرور الزمن؛ جرح الضحايا الذين سقطوا في درب الآلام التي ساروا فيها للخلاص من الاستبداد. هل هي مجرّد مصادفة أن تكون محطّات الدرب الذي سار فيه المسيح عليه السلام من قلعة أنطونيا، حيث حُكم عليه بالصلب، إلى صخرة الجمجمة (جولجوتا بالآرامية السريانية)، وحيث أقيمت لاحقاً كنيسة القيامة، وحيث نُفّذ فيه الحكم؟ 14 محطّة يقابلها في سورية 14 محافظة جابها الخراب والدمار والقتل والتشريد على مدار 14 سنة عجافاً؟

كرّس النظام البائد سرديةً واضحةً منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة في وجهه، تختصر نظرته إلى الأمور بين شطرَين لا ثالث لهما: إمّا معي أو ضدّي. معي باعتباري الدولة والشعب والحقّ والحقيقة والمطلق، وضدّي باعتبار المختلف عنّي غير مرئي في ساحة البشر، بل مكانه في ساحة الجراثيم والحيوانات، وفي أحسن الأحوال في ساحة الخونة أعداء الوطن، أو الوحوش الإرهابيين أعداء الإنسانية. هذا ما ترسّخ في ذهن شقيقة أمجد يوسف، وفي أذهان فئات واسعة من السوريين والسوريات الذين غيّبهم جحيم الصراع عن لحظة التفكير أو لحظة التعاطف الإنساني أو الشعور الأخلاقي بالآخرين من أبناء جلدتهم. ولا ينطبق هذا على فئة واحدة فقط، مع الأسف الشديد، بل ينطبق بدرجة أو بأخرى على بقية الفئات السورية التي كانت محسوبة على هذا الطرف أو ذاك في دوّامة الصراع المرير. تبدو تمثّلات ذلك الآن في خطاب الكراهية المنتشر بشكل لا يُوصف، وفي خطاب التحريض الذي لم يوفّر أحداً كالنار تلتهم الأخضر واليابس، ولا يقف في طريقها شيء، لا بشر ولا حجر.

على الرغم من رمزية اعتقال الوجه الأبرز لسفّاحي مجزرة التضامن، وما يعنيه هذا من سلسلة طويلة قد تصل بنا إلى اعتقال شخصيات إجرامية من مستويات أعلى في التسلسل القيادي، إلا أنّ الغصّة بقيت في حلوق كثيرين من السوريين والسوريات؛ غصّة أهالي حي التضامن أنفسهم، حيث لا تزال جثث ذويهم مدفونة تحت الركام. ففي يوم إعلان اعتقال أمجد يوسف، ظهرت تسجيلات مصوّرة لجثث كشفتها عمليات حفر لإعادة بناء أحد العقارات المهدّمة. ستستمرّ هذه الغصّة طويلاً، لأنّ الأهالي لم يشاهدوا جهوداً حقيقية للتعامل مع هذا الملفّ الخطير. هل ستترك أرواح أحبابهم هائمةً تبحث عن السكينة بعد أكثر من سنة ونصف السنة مرّت على سقوط النظام؟ هل ستُسحق عظامهم ثانيةً تحت جنازير وعجلات آليات رفع الأنقاض العشوائية للمستثمرين الباحثين عن فرصة للربح، كما سُحقت تحت أنقاض الدمار الذي طمرهم فيه أمجد ونظام الأسد؟ ناهيك أيضاً عن الغصّة في قلوب سوريين وسوريات كثيرين فقدوا أقارب لهم في ظلّ الفوضى التي أعقبت محاولات الفلول في الساحل إثارة الفتن، أو التي أعقبت الصراع الدموي في السويداء، الذي نتج منه، بإقرار لجنة التحقيق الرسمية السورية وبحسب تقرير اللجنة الدولية الخاصّة، حرق نحو 35 قرية في المحافظة وتدميرها، ومقتل مئات من أهلها المدنيين، وتشريد عشرات الآلاف منهم، وتغيير ديمغرافي واضح طاول السكّان البدو.

في هذه الظروف الحزينة كلّها، يبدو التعامل مع الأحداث وكأنّه في وادٍ آخر. نحن في حالة من الاستعراض ستودي بسردية الألم الوطني السوري إن استمرّت بهذه الطريقة. منذ سقوط النظام ونحن نعيش في دوّامة من “الترندات” التشويقية: احتفالية هنا بهُويّة بصرية، واحتفاء هناك بمعرض كتاب، وتهليل لنجاح في القبض على خلية تخريبية في يوم آخر… إلخ، بينما حال عموم الناس اقتصادياً لم يتقدّم إلى الأمام خطوة واحدة، بل تراجع عشرات الخطوات إلى الوراء. حال الاستثمار ليس أفضل من حال العدالة المؤجّلة ولا أفضل من حال غيرها من الملفّات العالقة. فرحة النصر والخلاص من الأسد وأعوانه استنفدت اقصى حدودها، ولم يعد ثمّة ما يتّكئ عليه الناس في حياتهم سوى أمل بات يخبو مع كلّ فاتورة كهرباء، أو قرار إداري ارتجالي يتدخّل في حياتهم وطريقة معاشهم ولبسهم وتفكيرهم.

ما الذي تخبّئه الأيام لنا؟ وهل سيكون التغيير الحكومي المرتقب قادراً على انتشال البلاد من حفرة الضياع الراهنة؟ وهل يمكن لمجلس الشعب العتيد أن يغيّر شيئاً نحو الأفضل؟ هل ثمّة أمل في الأفق؟ هذا ما سنعرفه قريباً. وإلى ذلك الحين سنبقى نستمع إلى سيمفونية الصراع بين مأساتنا، بوصفنا جميعاً ضحايا، وملهاة الواقع.

العربي الجديد

———————————-

حفرة التضامن.. لماذا لا يتعظ المجرمون؟/ فراس علاوي

 أبريل 30, 2026

بدأت الجريمة منذ خلق الإنسان واستمرت جزءاً من الطبيعة البشرية. وعلى الرغم من سقوط آلاف المجرمين ومحاسبتهم إلا أن هناك من يرتكب لاحقاً جرائم أخرى وكأنه لم يتعظ من مصير من سبقه.

ولعل المثال الأبرز على هؤلاء، هم الطغاة، الحكام الاستبداديين، فعلى الرغم من سقوط الكثير منهم عبر التاريخ إلا أن آخرين يظهرون ويمارسون ذات الجرائم وذات الأدوات، فلماذا لا يتعظ المجرمون بمصير من سبقهم؟

في 25 كانون الأول 1989، صدر الحكم بإعدام الديكتاتور الروماني تشاوشيسكو وزوجته بالرصاص بعد محاكمة عسكرية ميدانية لم تستمر سوى ساعات، ونُفذ في نفس اليوم داخل ثكنة تارغو فيشته أمام كاميرات التلفزيون من قبل معارضين له.

بعد وفاته وبعد تفكك المنظومة الاشتراكية، وسقوط الاتحاد السوفياتي، تم تكسير وسحل تماثيل جوزيف ستالين، أحد أبرز الرؤساء السوفييت وأكثرهم دكتاتورية، في إشارة إلى انتهاء حقبة الاستبداد التي كان أبرز رموزها.

كما شهدت ثورات الربيع العربي إسقاط العديد من الأنظمة وهروب أو مقتل قادتها، حيث توفي الرئيس التونسي بن علي في ملجئه في المملكة العربية السعودية، فيما قتل القذافي وعلي عبدالله صالح وحوكم الرئيس المصري حسني مبارك.

كل هؤلاء أمام أعين قادة النظام السوري ورأسه بشار الأسد، لكن كما يبدو فإن الطغاة لا يتعلمون من التجارب ولا يقرؤون التاريخ، لاهم ولا أتباعهم الذين يبجلونهم حتى يتحول الطاغية إلى نصف إله، ويظن أنه بعيد عن المحاسبة، وأن يد العدالة لن تصيبه، لأنه يظن نفسه ميزان العدالة نفسه.

فعندما يطول وجود الأشخاص في السلطة، خاصة تلك التي تمارس القمع والقوة المفرطة ضد شعبها، يشعر من يقوم عليها أنه تحول إلى نصف إله، فيبداً بمعاملة مؤيديه وتابعيه على أنهم عبيد، ومع مرور الوقت يجعلهم يتقمصون هذا الدور، ويصبح من الصعوبة بمكان الخروج من تحت عباءته. لذلك، فالثورات تتحول إلى صراع بين من يريد أن يتحرر، وبين من يعيش هذا الدور بكامل تفاصيله.

وكما لا يقرأ الطغاة التاريخ ولا يتعظون منه، كذلك يفعل رجالهم وأدواتهم الذين يستمدون منهم الدعم والحماية. فإن صمت القائد أو سكوته عن جرائم مرؤوسيه رغم معرفته بها، يُفهِم هؤلاء أنهم محميون، فيزيدون في الاعتداء والتجاوزات، وتُستخدم سلطة المنصب لحماية الجناة بدل محاكمتهم.

من هنا، نستطيع أن نفهم كيف كان عناصر مليشيا الأسد يرتكبون جرائمهم دون خوف ودون رادع، فقد تجردوا من الأخلاق وحظوا بحماية قادتهم، ولعل مجزرة التضامن مثال حي على هذا الإجرام.

فمرتكبو المجازر تحركوا داخل نظام يوفّر الحماية أو الصمت، فيشعرون أن الثمن لن يدفع خاصة عندما يوهمهم بنصر كاذب، ولأن التكرار يولّد لديهم تطبيعاً مع القتل فيصبح القتل أمراً اعتيادياً وسلوكاً يومياً، ويتحول العنف إلى مهمة بدل أن يبقى جريمة.

الخوف من العقاب يضعف حين لا تكون هناك محاسبة سريعة وشفافة وعلنية، ولأن بعض الجناة يراهنون على النسيان، أو على تبدّل الظروف السياسية، أو على ضياع الأدلة مع الزمن.

فهل سيدرك ما تبقى من مجرمي نظام الأسد أن العدالة ستطالهم يوماً ما ويتخلون عن أوهام الأمان والقوة التي كانوا يستشعرونها؟ وكيف تخلى عنهم بشار الأسد دون أن يخبرهم حتى بفراره، وأنهم ربما سيكونون جزءاً من صفقات أمنية وسياسية تتخلى عنهم فيها الدول التي يقيمون بها مقابل مكاسب واتفاقيات مع الحكومة السورية؟

الثورة السورية

———————————–

أمجد هوز.. أبجدية العدالة تعيد ترتيب الحروف/ عبد القادر المنلا

 أبريل 30, 2026

البشارة هذه المرة تأتي من الأبجدية، فقد تم إلقاء القبض على الحرف (أ) أمجد، وبالتسلسل المنطقي فإن القبض على الحرف (بـ) بشار بات قاب حرفين أو أدنى، وهو أمر -حين يتم- سيكون عيداً جديداً يضاف إلى سلسلة أعياد السوريين الكثيرة التي بدأت بالتحرير ولا زالت تفتح كل يوم صفحة جديدة في قاموس العدالة، والقبض على الأسد، سيكون فرحة كبيرة ليس للسوريين وحدهم بل للعالم الحر برمته.

القبض على أمجد يوسف ليس حدثاً استثنائياً وحسب، بل هو واقع ما فوق استثنائي بالمقاييس الأمنية والسياسية وحتى الاجتماعية والنفسية، حيث كان وقع ذلك الحدث على السوريين متشابهاً مع لحظات الانتصار الكبيرة. ليس المقصود هنا الانتصار على الأشخاص، بل الانتصار على الظلم المتراكم منذ سنوات طويلة، والانتصار على فكرة الإفلات من العقاب وهواجسها الثقيلة.

حيث راهن الكثير من المجرمين وعلى رأسهم أمجد اليوسف على قدرتهم على ذلك، ولهذا بقي المجرم المرتبط اسمه بحفرة التضامن داخل سوريا متخفياً ومبتعداً عن الأنظار لفترة طويلة، ثم ما لبث أن استعاد الثقة بقدرته على الإفلات من العقاب، فراح يخفف القيود التي فرضها على نفسه تدريجياً إلى أن وصل إلى الثقة بأنه قادر على التنقل بشكل طبيعي. وكأن كل إرثه الإجرامي بات خلف ظهره.

إلى أن فوجئ منذ أيام بأن ما اعتقده واقعاً ما هو إلاّ محض خيال وأوهام وأن الواقع الحقيقي هو ما يواجهه اليوم، وبالتالي فإن ما حدث هو انتصار موصوف لمبدأ العدالة.

هناك على البعد في أحد أحياء موسكو من يعيش ذات حالة الرهان على الزمن وعلى فكرة الإفلات من العقاب، وهو المجرم الأساسي، بل رأس الإجرام في سوريا بشار الأسد، والذي كان يتعيش على أمل النجاة بجرائمه مدعوماً بالأموال التي سرقها والثروات التي نهبها من الشعب السوري، وكذلك بقوة الدولة الروسية التي توفر له الحماية.

غير أن القبض على أمجد يوسف يمكن أن يوقظ بشار الأسد من ذلك الحلم السعيد، ولا سيما أن فلاديمير بوتين الذي دافع عن الأسد لسنوات ثم تخلى عنه دفعة واحدة، هو ذاته الذي يوفر له تلك الحماية اليوم، ولا بد أن الأسد يعيش كابوسه اليومي وهو يرى يد العدالة تقترب من مخبئه بعد أن ظن أنه سينجو وسيكون قادراً على الإفلات من الحساب.

وحسب الترتيب الأبجدي، فقد تم القبض على الحرف الأول في أبجدية الإجرام، مما يعطي السوريين الأمل بالقبض على الحرف الثاني، وبأن الدور اليوم على بشار حسب التسلسل اللغوي المنطقي، فأبجدية الإجرام في سوريا تبدأ بالحرف بـ، ولكن لا بأس ببعض الخلخلة في الترتيب إلى أن تعيد أبجدية العدالة ترتيب أولوياتها، وما يحدث اليوم في سوريا من الإيقاع بالمجرمين خير دليل ذلك.

ما فوق الاستثنائي أيضاً، هو أن المجرم أمجد اليوسف القابع في الزنزانة حالياً، ليس مجرد متهم، ولن يبقى متهماً حين تثبت إدانته كما هي الحال مع الكثير من المتورطين. فهذا القاتل سبقه ملفه الإجرامي الضخم، سبقته إدانته إلى قفص الاتهام مدعومة بكل الأدلة القانونية، ومدعومة أيضاً بإدانة دولية من كل دول العالم، حيث كانت جرائمه الموثقة بفيديوهات وصور واعترافات صريحة أثناء الكشف عنها على المستوى الإعلامي في العام 2022، حديث الرأي العام العالمي، وأصبحت حفرة التضامن معلماً شهيراً في تاريخ الجريمة عالمياً.

ولهذا يترقب السوريون اليوم، بل ويستعجلون، تنفيذ الحكم فيه دون الحاجة إلى محاكمته، فما الذي سيفعله القضاة والمحامون في قضية تحمل كامل أدلتها معها، ولا تحتاج إلى تحقيقات، حيث انتهى التحقيق منذ سنوات حينما اعترف المجرم بكل ما فعل.

وما يكلل جرائم أمجد واعترافاته بالعار إلى الأبد هي حالة الفخر والتباهي التي كان يصدّرها وهو يحكي عن جرائمه، لأنه كان حينها لا زال يعيش في بيئة ترعى الإجرام والمجرمين وتحميهم، وهي بيئة الأسد وعصابته، بيئة تشترط أن يكون كل من ينتمي إليها على قدر ما من الإجرام، إما ممارسة الجريمة أو تشجيعها أو الموافقة عليها أو السكوت عنها في الحد الأدنى، وكانت  تلك البيئة تطرد كل ما عداها، ولهذا كان أمجد يعيش حالة بهجة وافتخار بجرائمه التي اقترفها والتي كانت ترفعه إلى رتبة البطل في تلك البيئة الملوثة أخلاقياً وإنسانياً.

ولهذا كله، فإن المباشرة بتنفيذ الحكم دون تأخير ضد أمجد يوسف، سيكون يوم ابتهاج جديد للسوريين، وسيوطد مفهوم العدالة والقصاص، ويكون -في نفس الوقت- عبرة للآخرين من زملاء الجريمة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن تأخير تنفيذ الأحكام ضد المرتكبين الآخرين الذين هم الآن في قبضة العدالة، والذين تتشابه جرائمهم مع جرائم أمجد بشكل أو بآخر، من شأنه أن يكون مصدر أذى للضحايا والمظلومين الذين ينتظرون بفارغ الصبر البدء بتطبيق تلك الأحكام لكي يتحول مفهوم العدالة إلى تطبيق عملي يدعم الانتصار على الأسد وأتباعه، ويخفف من جراح الضحايا.

ولكن ما هو نوع الحكم؟ وهل سيصدر من القضاء وحده أم يحق للضحايا أيضاً اقتراح نوع العقوبة؟ ربما لو سألت الناجين من ذوي الضحايا عن نوع العقاب الذي يحلمون بإيقاعه بهذا المجرم الاستثنائي المفتخِر، لما اختلف اثنان على أن يلقى اليوسف مصيره في ذات الحفرة وبذات الطريقة التي نفذ فيها جرائمه.

وربما طلب أهالي الضحايا أن يشتركوا في تنفيذ هذا الحكم شريطة ألا يكون المجرم معصوب العينين، فلا بد أن يرى مصيره بنفسه، وبذات العينين اللتين كانت تقدحان شرراً وفرحاً وشماتة بموت الأبرياء، ليكون القصاص كامل الأركان، مكتمل المعنى. من حفر حفرة للسوريين وقع فيها، فهيا إذن لنهيئ الحفرة!

الثورة السورية

——————————

سقوط أمجد يوسف… وبداية محاكمة الذاكرة السورية../ رامي الخليفة العلي

30 أبريل ,2026

ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة أو كوقائع أمنية عابرة، بل هو أقرب إلى لحظة كثيفة تختصر مساراً كاملاً من الألم والانتظار والشكوك، لحظة تعيد طرح السؤال الأعمق في الوعي السوري: هل بدأ قطار العدالة أخيراً بالتحرك، أم أننا أمام ومضة عابرة سرعان ما تخبو؟ إن إلقاء القبض على أمجد يوسف، المرتبط رمزياً وفعلياً بجريمة حفرة التضامن التي تحوّلت إلى واحدة من أكثر الصور قسوة في الذاكرة السورية المعاصرة، لا يمثل مجرد إنجاز أمني، بل يشكّل لحظة نفسية فارقة، لحظة يتنفس فيها المجتمع شيئاً من الشعور بأن الدم الذي سُفك لم يُطوَ إلى الأبد، وأن الذاكرة التي حاول البعض دفنها لا تزال قادرة على استدعاء أصحابها إلى قفص المساءلة. هذا الحدث، بكل ثقله، جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تراكمت لدى قطاعات واسعة من السوريين مشاعر القلق من أن مسار العدالة الانتقالية قد دخل في حالة جمود، أو ربما تم تأجيله إلى أجل غير مسمى، وأن السنة والنصف الماضية لم تحمل سوى وعود بلا أثر فعلي، ما جعل لحظة الاعتقال تبدو وكأنها كسر لحالة السكون، أو حتى صدمة إيجابية تعيد إحياء فكرة أن العدالة، وإن تأخرت، لم تمت. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها المباشر، بل في رمزيتها العميقة، فأمجد يوسف ليس مجرد شخص ارتكب جريمة، بل هو تجسيد لمرحلة كاملة، لآلية عمل، لمنظومة سمحت بأن تتحوّل حياة الناس إلى مادة قابلة للإبادة بلا حساب، ولذلك فإن اعتقاله يتجاوز شخصه ليصبح بمثابة تضييق للخناق على إرث النظام السابق، ومحاصرة متأخرة لثقافة الإفلات من العقاب التي حكمت تلك المرحلة. هذه الرمزية تتعزز أكثر حين نضعها في سياق محاكمة عاطف نجيب، الاسم الذي يحمل بدوره دلالات سياسية وعائلية معقدة، باعتباره قريباً من بشار الأسد، ما يجعل من محاكمته إشارة واضحة إلى أن الدائرة تضرب النواة الصلبة للسلطة السابقة، وأن المساءلة لم تعد محصورة في المنفذين الصغار أو الأدوات الثانوية، بل بدأت تلامس البنية التي أنتجت هذه الجرائم وأدارتها. في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سؤال التوقيت والدلالة السياسية، إذ تبدو هذه الخطوات وكأنها محاولة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، أو على الأقل مع فكرة الدولة، عبر تقديم إشارات ملموسة بأن العدالة ليست مجرد شعار، وأن هناك إرادة – حتى وإن جاءت متأخرة – لفتح الملفات الثقيلة التي ظلت مغلقة. لكنها في الوقت ذاته تضع هذا المسار أمام اختبار صعب، لأن العدالة الانتقالية لا تُقاس باعتقال فرد أو محاكمة اسم، بل بقدرتها على التحوّل إلى مسار متكامل ومستمر، يشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين على مختلف مستوياتهم، وتعويض الضحايا، والأهم من ذلك إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس جديد لا يسمح بتكرار ما حدث. إن ما يحدث اليوم يحمل مزيجاً معقداً من الأمل والحذر، من الارتياح المشوب بالريبة، فالسوري الذي رأى تلك المشاهد القاسية قبل سنوات، وعاش طويلاً مع شعور العجز، لا يستطيع بسهولة أن يسلّم بأن العدالة قد بدأت فعلاً، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع إنكار أن شيئاً ما قد تغيّر، وأن هناك إشارات – مهما كانت محدودة – على أن الزمن قد بدأ يدور في اتجاه مختلف. وبين هذين الشعورين، يتشكّل المعنى الحقيقي لهذه اللحظة: ليست نهاية الطريق، ولا حتى بدايته الواضحة، بل ربما هي أول اهتزاز جدي في جدار طويل من الصمت، وأول اختبار حقيقي لإرادة تحويل الألم إلى مسار قانوني، والذاكرة إلى قوة تدفع نحو مستقبل لا تُدفن فيه الجرائم، بل تُحاكم، ولا يُنسى فيه الضحايا، بل يُنصفون، ولو بعد حين.

نقلاً عن عكاظ

—————————

البلاد التي تلد وتنجب/ يعرب العيسى

28 ابريل 2026

كانت أمي، وعماتي (رحمهنّ الله) يتباريْن في الوصول إلى بيت العزاء، وكنَّ يفضلن اللحاق به قبل الدفن، حين يكون الميت ممدّدأ، ما يستدعي بكاءً أكثر، وينقل عدواه من جفنٍ إلى جفنٍ كريح تعبر أوراق شجرة.

لم تكن تعنيهنّ درجة القرابة بالميت، ولا بعمره، ولا بعافيته، ولا بطول مرضه قبل ساعته، كنّ يذهبن ليبكين. ويقلن بوضوح: “ما رحت إبكي عليه، رحت إبكي على حالي”.

في داخل كلِّ قلب حزنٌ يحتاج أن تغسله الدموع، ويتشارك الناس الأحزان عادةً، لأن التشارك يضاعفها، وقد فعل السوريون هذا مطلع هذا الأسبوع. استحضر كل واحد منّا حزنه، وعبر عنه، حتى بدوْنا وكأننا جميعاً فقدنا ابناً في حفرة حي التضامن.

مع نشر خبر القبض على المجرم أمجد يوسف، أخرج كل سوريّ ما في قلبه، ووضعه في قفّة الحزن الوطني.

هرع أهالي الضحايا إلى موقع الجريمة، إلى الحفرة التي صارت رمزاً لكل جرائم الأسد، أهالي الضحايا البعيدين عن الحي، أخرجوا صور أحبائهم المغيبين وحملوها على صدروهم، ووقفوا في الشارع أو على الشرفات. نشروها على “فيسبوك”، ذكّروا بجرائم أخرى، وبمجرمين آخرين. الخائفون على المستقبل ذكّروا بجرائم أكثر طزاجة، وبمجرمين ما زالوا طلقاء، استحضروا إلقاء الشبان الثلاثة من شرفة منزلٍ في السويداء الصيف الماضي، بمجازر بانياس العام الماضي، وبمجازر بانياس الأخرى في عام 2011.

حضر سجن صيدنايا وكأن بابه السميك فُتح للتوّ، وبكت حتى أمهات جنود من جيش الأسد قضوا مخدوعين أو مضلّلين. وكأن القبض على أمجد يوسف أوحى للسوريين بأن العدالة ممكنة، فقفزوا يريدون العدالة كلها، يريدونها عن كل ظلم، عن كل خوف. محقّاً كان أم لا، مبرّراً أم لا.

بين كل هذه المشاعر التي فاضت فجأة، حضر اسم شبه مجهول، لسيدةٍ سوريةٍ كانت البطلة في هذه القصّة كلها، أنصار شحّود، الأكاديمية التي درست في هولندا، وتخصّصت في مركز الهولوكست والإبادة الجماعية، وعملت عامين في ملاحقة مجرمي نظام الأسد، حتى نجحت في تحديد المجرم الرئيسي، وتوثيق اعترافاته، وعملت مع فريق يضمّ سوريين آخرين، مثل دمر سليمان وحازم عبد الله، ومع البروفيسور أور أوميت أونغر، وحوّلت مجزرة التضامن إلى قضية عالمية بعد نشرها في صحيفة الغارديان.

افتخر الجميع بها، وعبرّوا عن امتنانهم لها، ولمهنيّتها ووطنيتها وإنسانيتها، افتخر بعضٌ بأنها ابنة بلدهم، وافتخر آخرون بأنها ابنة محافظتهم، وهناك من اعتزوا بأنها ابنة طائفتهم، حتى إن طائفتيْن تنازعتا شرف انتمائها بالولادة. ولا يهم أن شخصاً يفعل ما فعلته لا يمكن أن يكون ابن طائفة، أو جماعة، او حتى دولة، فهذه الدرجة من الشجاعة والنبل لا يصل إليها من ينتمي إلى غير الإنسانية.

حين كانت سميرة مخملباف في السابعة عشرة أخرجت فيلمها المبكّر “تفاحة” عن فتاتين من طهران سجنهما أبواهما 11 عاماً ليحمياهما من شرور العالم. حظي الفيلم باحتفاء عالمي، وعرض في مهرجان كان دورة 1997 ضمن تظاهرة “نظرة خاصة”، في المؤتمر الصحافي الذي تلا عرض الفيلم نهض صحافي أميركي، وقال: يكشف هذا الفيلم عن حقيقة إيران. أي بلدٍ هذا الذي تسجن فيه فتيات في الخامسة والعشرين؟ فرد عليه صحافي آخر: هو البلد الذي تُخرِج فيها فتياتٌ في السابعة عشرة أفلاماً سينمائية. ولذلك سورية هي البلاد التي ولدت مجرماً وجريمة بهذا الحجم، ولكنها أيضاً من ولدت كل هذا الحزن، وأنجبت أنصار شحود أيضاً.

العربي الجديد

————————

االقصاص المنتظر والمأمول/ معن البياري

28 ابريل 2026

كثيرٌ من “صبرا وشاتيلا” و”كفر قاسم” و”دير ياسين” ومذابح أخرياتٍ مثيلة تقع عليه في المقتلة المروّعة التي اقترفها أمجد يوسف ومعاونان له (أو أكثر) في حي التضامن في دمشق في إبريل/نيسان 2013، والتي يُشيع أي حديثٍ عن تفاصيلها في النفوس أرطالاً من الفزع والجزع، سيّما وأن الذي صار معروفاً إنها لم تكن الوحيدة من نوعها في الحيّ نفسه قارفها هذا العنصر البارز في الأمن السوري في نظام الأسد الساقط، وأمثالٌ له، وسيّما وأن أعداد الضحايا ليست محسومة، فإذا أفيد بأن الفيديوهات التي ذاعت وشوهدت، وقد صوّرها المجرمون أنفسهم، دلّت على 41 إنساناً رماهم أولئك، معصوبي العيون مكتّفين، في حفرة، ثم أحرقوهم فيها، فإن من فاضت أرواحهم إلى العلا بفعل أولئك القتلة يتجاوزون المائتين، على ما ذكرت تقارير موثوقة. وإذ دوّى في الديار السورية نبأ القبض على أمجد يوسف منذ صباح يوم الجمعة الماضي، وإذ بلغت ارتداداتُ هذا الحدث، المُفرح، دياراً واسعةً في الأرض، فإن من بين أمورٍ ليست قليلة يستدعيها هذا المستجدّ أن تتوفّر للرأي العام كل التفاصيل المتعلّقة بارتكابات هذا الرجل (هل نسمّيه متّهماً للاحتراس القانوني أم مجرما وقد وثّق جرائمه؟)، كما يعترف بها بنفسه. وهو الذي يعدّ حِرزاً ثميناً لقوى الأمن، إذ قد يوفّر معلوماتٍ مهمّة عن أمثالٍ له، وعمّن كانوا يأمرون ويوجّهون إبّان محدلة التمويت في عهد الأسد الابن.

ولمّا ارتُكبت المذبحة التي دلّت على توحشٍ توطّن في نظام الأسد قبل تسع سنوات من معرفتها، ولمّا جرى القبضُ على أبرز مقترفيها بعد عامٍ وشهورٍ من فرار بشّار الأسد وإسقاط الشعب السوري سلطته، فذلك يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن الحقائق، مهما طال زمن التعمية عليها، والتشويش ضدّها، والافتراء عليها، لا بدّ أن ينجلي الليلُ الذي يخفيها، ولا بدّ للقيود التي تطوّق إشهارها أن تنكسر. وهنا يتجدّد التداول في ملفّات الإنصاف والمحاسبة والعدالة الانتقالية، والتي يتبرّم السوريون من التباطؤ الحادث فيها، ومن “تسوياتٍ” مع هذا وذاك، متّهمين بمباذل ومشتبهٍ بهم في غير شأن، ما يلزَم أن ينشط النقاش، الجدّي، مجدّداً، بشأن الآليات العملية والإجرائية المهنية، والمؤكّد أنها طويلة وعلى بعض التعقيد، إلى ما يعجّل فيها، وينزلها في الواقع. بعد أن تُنجز التشريعات والقوانين اللازمة والناظمة لهذه العملية. ومن بديهي البديهيات أن أنفاس الفرح التي غشيت أهالي ضحايا أمجد يوسف وشركاه، لمّا وصل إليهم أنه جرى الإمساك به (ما تفاصيل مخابئه؟)، ستكون ظرفيةً وعابرة، إذا لم تستعجل مساطر العدالة مجراها القانوني، وتقتصّ من القتلة، وتكشف المستور في الجريمة ومثيلات لها في حي التضامن وغيره.

لا يليق أن يُغفل أي حديثٍ، في غضون البهجة بسقوط واحدٍ من رؤوس الإرهاب في الزمن الأسدي، عن تزجية التقدير الواجب للفريق الذي كشف عن المذبحة في الحي الدمشقي الفقير، وفي مقدّمته أنصار شحّود التي بذلت جهداً استثنائيّاً، كان منه التحايل على أمجد يوسف، لتتمكّن من أن يُرسل إليها بنفسه فيديوهاتٍ يتباهى بتصويرها، وتتضمّن مشاهد من إجرامه ومن معه. أمكن للنبيلة، العالية في سموّ إنسانيتها وسوريّتها، في نحو عامين، أن تهيئ، مع زملائها، حازم عبدالله ودمر سليمان وأور أوميت أونغر (وآخرين ربما)، الملفّ الموثق بالصور الحيّة للمقتلة التي ما كان لنا أن نضمّها إلى الأرشيف الأسود إيّاه للأسد، لولا عملهم الحرفي، ولم يتوخّ غير الحقيقة والعدالة والإنصاف، وحماية الضحايا من النسيان، فكان التقرير المتميّز في صحيفة الغارديان في إبريل/ نيسان 2022، وطالعناه في حينه، ونحن نتابع أنباءً كانت تتوالى عن تأهيل النظام القاتل في المنظومة العربية الرسمية والتطبيع الكامل معه.

نطمع بالكثير من السلطة القائمة، المرجوّ أن تتوفق في مسار العدالة والقصاص من كل القتلة والمجرمين، في زمن الأسد وما بعده. وإذ تُهنّأ على نجاحها في القبض على أمجد يوسف (وأفرادٍ من اسرته تستّروا عليه)، فإن المنتظر المأمول منها كثيرٌ في مسألة حي التضامن… وفي مسائل أخرى لا شك.

العربي الجديد

—————————–

العدالة في سورية… يُمهل ولا يهمل/ عبد الباسط سيدا

28 ابريل 2026

… وأخيراً قُبض على جزّار حيّ التضامن (في دمشق) أمجد يوسف الذي ارتكب، بالتشارك مع زبانيةٍ في سلطة بشّار الأسد الهارب، مجزرةً مروّعةً عام 2013 في الحي؛ استهدفت مدنيين لا لذنب اقترفوه، وإنّما من أجل بثّ الرعب في أوساط السوريين، ودفع الوضع السوري نحو حرب أهلية طائفية مقيتة بغيضة. كانت تلك المجزرة في سياق أسلوب استخدام المجازر التي استهدفت المدنيين في مناطق سورية عديدة (البيضا، معرزاف، القبير، تلبيسة، الحولة…)، بغرض تفجير النسيج المجتمعي الوطني السوري من الداخل. وقد استخدمت أجهزة سلطة آل الأسد هذا الأسلوب بناءً على خبرتها، وبالتنسيق مع الراعي الإيراني في العراق، إذ ارتكبت المجازر العشوائية ضدّ المدنيين العراقيين من الشيعة والسنّة، لإحداث شروخ عميقة عصيّة على الاندمال في النسيج المجتمعي العراقي.

صُدم العالم بصور الضحايا وهم يُعتقلون من أمام الأفران، ومن الشوارع، ومن بيوتهم، ويقتادون إلى حفرة في “التضامن” جهّزت لتكون قبراً جماعياً للضحايا الأبرياء الذين اختيروا مادّةً لحقد سلطة آل الأسد الدفين على الشعب السوري، وهي السلطة نفسها التي ظلّت سنوات تقصف المدنيين السوريين ببراميل الحقد والبارود والغازات السامة. ما زالت مشاهد حيرة وارتباك وفزع وتساؤلات وردّات فعل الضحايا الأبرياء، الذين كانوا يُساقون معصوبي الأعين إلى المجزرة التي كانت تنفّذها وحوش في هيئة بشر حاضرةً في أذهان السوريين، وغير السوريين من أصحاب الضمائر الحيّة، وما زالت تعصر القلوب. وكانت مشاهد سادية أمجد يوسف ووقاحته هي ما أثارت الذعر والقهر والغضب لدى كلّ من تمكّنوا من الاطلاع على ملفّات المجزرة، بفضل جهود الناشطين الحقوقيين السوريين الشجعان في الداخل والخارج، وبالتعاون مع أصحاب الاختصاص والضمير في المراكز والهيئات الحقوقية الدولية والصحافة العالمية، بعد نحو تسع سنوات على ارتكاب تلك المجزرة الرهيبة. فقد كان أمجد يتقصّد الاستهزاء بالضحايا المغلوبين على أمرهم، ويُمعن في إذلالهم، وعبّر بكل صفاقة عن حقده الأسود عليهم وهم في طريقهم نحو المقصلة.

أعوام طوال مرّت، ولم تتوقّف مجازر سلطة آل الأسد وقوات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية المذهبية، والطيران الروسي، ضدّ السوريين المدنيين. كان السوريون يُقتلون في الأسواق الشعبية والمدارس والمشافي والمراكز الصحّية والأحياء السكنية. وكانت ردّات فعل المجتمع الدولي باهتةً لا تتجاوز دائرة الإدانة الخجولة. واعتمد أسلوب إدارة الأزمة نحو 14 عاماً في التعامل مع الملفّ السوري. وكانت هناك محاولات للانفتاح على سلطة بشّار الأسد عربياً وأوروبياً، وجهود مستمرّة لإقناع السوريين بأنّهم قد فشلوا في ثورتهم على سلطة الاستبداد والفساد والإفساد؛ حتى وصل الأمر بكتّابٍ عرب، ممّن كنا نتوسّم فيهم الخير، إلى حدّ الاستهزاء بـ”الربيع العربي”، وعدم إعطاء أي اهتمام يُذكر لمعاناة السوريين وتطلّعهم المشروع العادل نحو حياة حرّة كريمة.

ومن الصعب جداً في هذا المجال أن ينسى السوريون زيارة وفد البرلمانيين العرب برئاسة محمّد الحلبوسي (رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق)، في فبراير/ شباط 2023، دمشق، بحجّة التعبير عن تضامنهم مع الشعب السوري في محنة الزلزال عبر اللقاء مع بشّار الأسد، مع علمهم المسبق أنّ معظم ضحايا الزلزال كانوا ممَّن شرّدهم الأخير، الذي كان يتباهى في ذلك الحين بالسير مع زوجته على أشلاء السوريين بين حطام بلدات غوطة دمشق. كم كنّا نشعر بالإحباط والقهر، ولكنّنا، والحمد لله، لم ننحنِ ولم نستسلم ولم نيأس في أي يوم. وكنّا على قناعة تامّة بأنّ ملايين الشباب السوري من سائر الانتماءات والتوجّهات والجهات السورية الذين ثاروا على سلطة الطاغية سيتابعون نضالهم من أجل الخلاص، رغم التضحيات والآلام والمعاناة.

لقد تحمّل أكثر من نصف سكّان سورية عذابات التشرّد والنزوح واللجوء، وضحّوا بنحو مليون ونصف مليون شهيد. وحُرم جيل كامل من التعليم، ومع ذلك لم يدر الاستسلام في خَلد أيّ من السوريين الثائرين، رغم الضغوط كلّها، بل كان الإصرار على الانتصار على سلطة آل الأسد التي انهارت مع الإعلان عن هروب بشّار. واليوم هناك تراكمات ثقيلة خلّفتها تلك السلطة تحتاج إلى الوقت وتضافر جهود السوريين لمعالجتها وتجاوزها، والتركيز على ضمان مقومات العيش الحرّ الكريم الآمن لسائر السوريين من دون أيّ استثناء. العدالة الانتقالية مطلب جميع السوريين من ضحايا سلطة آل الأسد، فهي ستخفّف بعض الشيء من أحزان الثكالى والأرامل واليتامى، ولكنّها لن تكون مكتملة من دون جهود صادقةٍ في ميدان السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وإلا قد تتحوّل العملية إلى صيغة من صيغ الانتقام الارتجالي بهدف التهدئة المرحلية. ولتلافي هذا، لا بدّ من التعامل مع هذا الملفّ بكل جدّية ومسؤولية من متخصّصين مهنيين يُشهد لهم بالاستقامة والنزاهة والرؤية الوطنية الجامعة التي لا تميّز بين السوريين بناءً على انتماءاتهم المجتمعية أو توجّهاتهم السياسية أو الفكرية. وحتى تكون المحاسبات المطلوبة في سياق ملفّ العدالة الانتقالية منتجة، لا بدّ أن تشمل جميع من ساهم في قتل السوريين وتغييبهم وتشريدهم، سواء بإعطاء الأوامر أو التنفيذ أو حتى بالتمويل، على أن تكون محاسبات شفّافة علنية أمام محاكم متخصّصة عادلة، وبحضور المراقبين من المنظّمات الحقوقية المحلّية والعربية والدولية ووسائل الإعلام. فنحن في حاجةٍ إلى مواجهة جريئة، حكيمة، متأنّية، عادلة، مع تركة عقود من الحكم الاستبدادي الإجرامي، حتى نعالج الجذور، ولا تتكرّر المآسي. وذلك كلّه يستوجب اعتماد خطاب وطني جامع، والقطع مع حملات التجييش التمييزية بأشكالها كافّة، بل تجريم من يدعم أو ينفّذ أو يشجّع تلك الحملات في مختلف المنصّات وعبر وسائل الإعلام، وحتى في المؤسّسات التعليمية والثقافية.

لقد طالب السوريون قبل 15 عاماً بإسقاط النظام بكامل رموزه وأركانه بعد جرائم عاطف نجيب، ابن خالة الهارب بشّار، بحق أطفال درعا، وفي مقدّمتهم حمزة الخطيب، أحد أيقونات الثورة السورية الكثيرة. فقبل تلك الجرائم، كان المثقّفون والسياسيون والشباب السوريون على اختلاف انتماءاتهم يطالبون بالإصلاح، ويقبلون حتى بأن يكون بشّار الأسد هو قائد عملية الإصلاح، شرط أن يبدي الرغبة والقدرة على ذلك. لكنّه عجز عن إنجاز ذلك رغم الوعود الإصلاحية التبشيرية التسويفية التي أطلقها في بدايات عملية توريث الجمهورية، وهي العملية التي فرضها رؤساء أجهزة حكم والده بقوة التهديد والوعيد، وتخاذل من ادّعوا لاحقاً بأنّهم كانوا من معارضي التوريث.

أن يقف عاطف نجيب متّهماً أمام محكمة سورية في قلب دمشق كان مطلباً صعب المنال قبل سنوات، ولكن ها هو يتحقّق بفضل دماء الشهداء وعذابات ذوي الضحايا، وتحمّل ملايين السوريين المهجّرين وصبرهم، وإصرار الشباب السوري على النصر. والسوريون اليوم في انتظار محاكمة الذين أجرموا بحقّهم، سيّما الذين كانوا يصدرون الأوامر ويصادقون على الأحكام، وفي مقدّمتهم بشّار الأسد وبطانته الفاسدة المفسدة.

بقي القول إنّ ملفّ العدالة الانتقالية، رغم أهميته القصوى، ليس وحده الذي يشغل بال السوريين، فهناك الملفّ المعيشي الحيوي الذي يثقل كاهل الغالبية الساحقة من السوريين. فمنذ عام ونصف العام تقريباً، وهم ينتظرون تحسّن الأوضاع المعيشية بعد الخلاص من سلطة آل الأسد. وما ينتظرونه لا يشمل مظاهر الرفاهية والبحبوحة، وإنّما يقتصر على الحدّ الأدنى الضروري لتأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم. ورغم الوعود والأحاديث الكثيرة الخاصّة بالمشاريع الاستثمارية التي كان من المفروض أن تؤدّي إلى تحرّك العجلة الاقتصادية وتضمن فرص العمل لمئات آلاف من الشباب من أصحاب الكفاءات الذين يبحثون عن العمل، لا تبدو في الأفق مؤشّرات واعدة، بكلّ أسف. وهنا لا يمكن أن نتجاهل تأثير الظروف الدولية والإقليمية على الوضع السوري، خصوصاً الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية على دول الخليج؛ ولكنّ سورية تمتلك من الإمكانات الزراعية والحرفية الصناعية والنفطية، والقدرات الشبابية الخبيرة، ما يمكّنها من تأمين الضروري لمواطنيها، شرط التزام مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة والمحاسبة. ما نحتاج إليه هو التفاهم الداخلي، والتماسك المجتمعي، والتوجّه نحو العمل الإنتاجي بتصميم يعادل تصميمنا على الخلاص من حكم السلطة البائدة.

العربي الجديد

—————————–

 سوريا التي تخرج من حفرة التضامن/ فارس الذهبي

2026.04.28

كانت حفرة التضامن صورة مكثفة عن سوريا التي أرادها نظام الأسد، حفرة كبيرة يُساق إليها الناس أحياء، ثم يُقتلون على حافتها، وتُردم أجسادهم تحت سمع العالم وبصره.

في ذلك المشهد المرعب، ظهر أمجد اليوسف كابن مباشر لماكينة القتل الأسدية. “مساعد” صاغته السلطة، دربته، منحته السلاح، أطلقت يده، وعلّمته أن الإنسان والمواطن السوري هدف مباح. لذلك تبدو جريمته أكبر من شخصه. في الحقيقة، أمجد اليوسف هو بشار الأسد وقد اختُصر في فرد، وبشار الأسد هو أمجد اليوسف وقد تمدد في هيئة دولة.

في تلك الحفرة الملعونة، قُتل مدنيون أبرياء، ودُمرت عائلات، وارتقى شهداء صاروا جزءاً من ذاكرة سوريا المفتوحة. كل شهيد من شهداء التضامن يشبه الشعب السوري كله، في خوفه، في عزلته، في لحظة اقتياده إلى الموت، وفي براءته الكاملة أمام آلة القتل.

على حافة الحفرة الملعونة، وقف الشعب السوري برمته، من سقط فيها قُتل مرة واحدة. ومن نجا من السوريين حمل معه جزءاً من روحه إلى هناك. بقيت الحفرة في داخله، في ذاكرته، في خوفه، في صور أحبته، وفي شعوره بأن البلاد كلها مرت من ذلك المكان.

حفرة التضامن تختصر جوهر النظام الأسدي. سلطة أرادت تحويل الوطن إلى مقبرة، والناس إلى أرقام، والجريمة إلى خطاب يومي. أمجد اليوسف ضغط الزناد، وبشار الأسد صنع اليد التي ضغطت، وصنع المؤسسة التي حمت القاتل، وصنع اللغة التي بررت القتل، وصنع الصمت الذي أحاط بالمجزرة.

بشار الأسد يتحمل وزر الحفرة كاملاً، ومعه كل بنية القتل التي أطلقت المجرمين على السوريين. الجريمة في التضامن جريمة دولة، وجريمة نظام، وجريمة سلطة دربت القاتل على تدمير الجسد السوري والروح السورية معاً.

هؤلاء الشهداء الذين قفزوا لم يسقطوا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم وثقوا، ولو للحظة أخيرة، بوعد نجاة زائف. وفي هذه الثقة المقتولة ما يوازي مأساة السوريين جميعاً. كم مرة سيق شعب كامل إلى الحفرة عبر الوعد بالحماية؟ كم مرة أُخيف الناس من قناص متخيل ليدفعوا بأنفسهم نحو الهاوية؟

لهذا مرّ الشعب السوري كله من حفرة التضامن. من سقط فيها فعلاً، ومن عبر حافتها ونجا، ومن بقي يحمل رعبها في داخله. بعض السوريين قفزوا وابتلعتهم الحفرة. بعضهم أفلتوا من حافتها في اللحظة الأخيرة. وبعضهم ما زالوا حتى اليوم يحاولون الخروج منها، من معناها الثقيل، من ردمها النفسي والأخلاقي.

تكمن فظاعة الجريمة التي تمثلت في أمجد يوسف، بوصفه صورة مصغرة عن بشار الأسد، في القتل نفسه، وفي ما سبق القتل من خديعة. الرصاص كان خاتمة الجريمة، أما بدايتها فكانت الكذب. أمجد لم يدفع ضحاياه إلى الحفرة بالقوة وحدها، بل دفعهم بالخداع، حين أوهمهم بوجود قناص يتربص بهم،

وحين وعدهم بأن القفز سبيل النجاة، في حين كان هو الشر الكامن في الجهة التي زعم أنه يحذرهم منها. هنا يبلغ الإجرام ذروته، حين يتنكر القاتل في هيئة منقذ. وذلك بالضبط ما فعله بشار الأسد مع سوريين ممن صدقوه؛ خوّفهم من أخطار قال إنها تحدق بهم، من الفوضى، ومن العدو، ومن الخراب، وقدم نفسه حارساً وحامياً، في حين كان الخراب يخرج من سلطته، وكان الشر يتمثل فيه هو ذاته. مأساة الضحايا أن بعضهم قفز فوق الحفرة ونجا بمحض المصادفة أو القدر، وبعضهم لم تسعفه النجاة، فارتقى غدراً على يد الأسد وجنده. في هذه اللحظة يصبح مشهد الحفرة أكثر من مجزرة؛ يصبح استعارة لمصير شعب خُدع قبل أن يُقتل.

لقد حوّل الأسد سوريا إلى حفرة كبيرة، وكانت نيته أن يدفن الجميع فيها: خصومه قبل أنصاره، وأنصاره ومنهم المجرم أمجد قبل ضحاياه، وكل من صدّق روايته أو خاف منها أو عجز عن النجاة من قبضتها. جريمة التضامن، في جوهرها، جريمة قتل جماعي ذات بنية طائفية واضحة، لكنها أيضاً جريمة سلطة ضد المجتمع كله؛ سلطة صنعت القاتل، وسلحته، وحرّضته، ثم تركته يقتل باسمها. ومن هنا يصير سؤال الحفرة سؤال سوريا كلها: هل تستطيع البلاد أن تخرج من حفرة التضامن؟ تلك الحفرة الرمز، الحفرة التي أصبحت سؤالاً.

الخروج يبدأ بعدالة ننتظرها، عدالة تسمّي القاتل باسمه، وتضع أمجد يوسف في موضعه الحقيقي، تماماً كما حصل، في قفص الاتهام، أداة في يد نظام، وشاهداً على رأس الجريمة الأكبر، بشار الأسد. عندها فقط يمكن لسوريا أن تبدأ بالخروج من الحفرة، دون نسيان. يبدأ الخروج عبر الاعتراف، والمحاسبة، ورد الأسماء إلى أصحابها، ورد الشهداء إلى ذاكرة وطنهم.

أراد القاتل أن يردم الحفرة وأن يفر من معناها وذكراها. التراب الذي غطى الضحايا صار وثيقة اتهام. الدم الذي اختلط بالغبار صار شاهداً. الصمت الذي أحاط بالمكان صار عاراً عالمياً.

حفرة التضامن دخلت ذاكرة الجرائم الكبرى في العالم. اسمها صار قريناً للرعب، وللإبادة، ولقدرة السلطة حين تتحول إلى وحش قتل عارٍ. في تلك الحفرة رأى العالم سوريا وهي تُقتل أمامه، ورأى أيضاً وجه القاتل بلا قناع.

سوريا كلها كانت هناك. الشهداء كانوا هناك، والناجون كانوا هناك، والمعتقلون، والمفقودون، والمنفيون، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا في غياب آبائهم. كل السوريين مرّوا من حافة تلك الحفرة، وكل واحد منهم ترك فيها شيئاً من روحه.

اليوم اعتُقل القاتل أمجد، وغداً ستبدأ العدالة ولو متأخرة، وسيخال لنا أن كل شيء سينتهي، ستُعبد شوارع التضامن، وستمتلئ الشرفات بأصص الزهور والأحاديث الصغيرة الدافئة، لكن حفرة التضامن المخفية تحت الأرض ستبقى شاهداً على جريمة أمجد اليوسف، وعلى الجريمة الأكبر التي صنعها بشار الأسد. ستبقى شاهداً على بلد حاول الطاغية دفنه، فخرج من تحت التراب شاهداً عليه.

تلفزيون سوريا

——————————–

الفيديو الكامل لـ مجزرة التضامن جنوبي دمشق

2022.04.28طنبول ـ تلفزيون سوريا

تداول ناشطون مقطعاً جديداً يُظهر تفاصيل كاملة عن مجزرة التضامن المروّعة التي ارتكبها عنصر في مخابرات النظام السوري جنوبي العاصمة دمشق.

والمقطع الذي نشرت صحيفة “غارديان” مقاطع متفرّقة منه، أمس الأربعاء، يُظهر تنفيذ عنصر من مخابرات النظام يدعى أمجد يوسف، عمليات إعدام جماعية بطريقة شنيعة لـ41 مدنياً في حي التضامن جنوبي دمشق.

ويبدو في المقطع المصوّر (مدته 6 دقائق و43 ثانية) أنّ عشرات المدنيين سيقوا وهم معصوبو العينين ومكبّلو اليدين إلى مذبحةٍ في حي التضامن، ارتكبها “يوسف” وهو ضابط مخابرات في فرع المنطقة (227) بدمشق، منتصف نيسان 2013.

تحذير: الفيديو مروّع وعنيف

وبشكل فظيع، كان “يوسف” يطلب من الضحايا المدنيين – واحداً تلو الآخر – الركض هرباً من قنّاص “غير موجود”، ليُطلق عليهم الرصاص وهم يركضون نحو حفرةٍ تكدّست فيها جثثهم، التي أُحرقت لاحقاً على وقع ضحكات “يوسف” ورفاقه.

وواصل الناشطون السوريون نشر العديد من صور أمجد اليوسف (مُرتكب المجزرة) ومَن ظهروا معه في مقطع الفيديو، الذي جاء دليلاً على كيفية تعاطي النظام السوري مع المتظاهرين السلميين، منذ بداية الثورة السورية، منتصف آذار 2011.

مجزرة التضامن

وكانت صحيفة “غارديان” البريطانية قد نشرت، أمس، تحقيقاً يتحدّث عن مجموعة من قوات النظام السوري أعدمت 41 مدنياً بينهم نساء وأطفال، في 16 نيسان 2013، ورمتهم في حفرة، قبل إضرام النيران في جثثهم.

وذكرت التحقيق، أنّ مقطع الفيديو عثر عليه عنصر في قوات النظام بعد إعطائه جهاز كمبيوتر محمول لإصلاحه، فسرّب العنصر الفيديو إلى الناشطة السورية أنصار شحود والبرفيسور أوغور أوميت أوغور من مركز الهولوكوست والإبادة في جامعة أمستردام الهولندية، واستمرا بالعمل لمدة 3 سنوات في متابعة القصة والعثور على الشخص (أمجد يوسف) الذي يظهر وهو يقتل المدنيين ويحرق جثثهم.

وبحسب تحقيق “غارديان”، فإن ما جرى في حي التضامن جريمة حرب، نفّذها أحد أشهر فروع الاستخبارات التابعة للنظام السوري (الفرع 227 أو فرع المنطقة)، وهو فرع تابع للمخابرات العسكرية.

المجرم أمجد يوسف وهو يغتال الضحايا في مجزرة التضامن – المصدر: غارديان

فيديو مجزرة التضامن المروعة.. كيف لاحق باحثان أحد مجرمي الحرب في سوريا؟

الفيديو الكامل لـ مجزرة التضامن جنوبي دمشق

ووفق ناشطين من حي التضامن، فإنّ أمجد يوسف (مُرتكب المجزرة) كان مسؤولاً عن الحي، وارتكب العديد من الانتهاكات فيه خلال تلك الفترة، 2013، وكان اسمه دائماً يتردّد مع بعض العناصر التابعين لـ ميليشيا “الدفاع الوطني”، لكون شارع نسرين هو جزء من حي التضامن الذي ينحدر منه بعض عناصر تلك الميليشيا، التي كان يقودها (فادي صقر) المُشارك في المجزرة.

يشار إلى أنّ نظام الأسد وحلفاءه ارتكبوا، منذ 2011، آلاف المجازر التي أودت بحياة مئات آلاف السوريين بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن أنّ معتقلات النظام وسجونه ومباني أجهزته وفروعه الأمنية تغصّ بمئات آلاف المعتقلين، قضى عشرات الآلاف منهم “تحت التعذيب” بينهم قرابة 11 ألف معتقل حتى 2014 (أي خلال 3 سنوات) موثّقين بالصور التي سرّبها “قيصر”.

أنطر معلومات كاملة على الرابط التالي

——————————

قرابين التضامن: المخابرات السورية وحملة الإبادة في جنوب دمشق/ أور أوميت أونغر، أنصار شحود

نقله إلى العربية: مهند أبو الحسن ودُمّر سليمان

27-04-2022

        في شهر نيسان (إبريل) من العام 2013، قام فرع المنطقة التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، والمعروف أيضاً بالفرع 227، بقتل أكثر من 280 مدنياً اقتيدوا إلى أحد أحياء دمشق المعزولة، وتم إعدامهم واحداً تلو الأخر في مقبرة جماعية كانت قد أُعدت مسبقاً. وأثناء توثيقهم للمجازر بتصويرها، لم يتوانَ الجناة عن أخذ لقطات تذكارية مروّعة. لم يكن من المفترض أن يتم تداول هذه المقاطع، ولكنّ مصدراً مقرباً منهم قام بتسريب هذه الفيديوهات لنا. وعلى مدار عامين، قُمنا بالتحقّق من حملة القتل تلك، حيث أجرينا تحليلاً لهذه المقاطع المصورة وعملنا على تحديد الموقع الجغرافي الذي وقعت فيه هذه المجازر، كما أننا استطعنا العثور على مُطلِق النار الرئيسي على منصة فيسبوك ونجحنا في إجراء سلسلة من المقابلات معه.

            «لقد انتقمت، أنا لا أكذب عليكِ، لقد انتقمت، لقد قتلت. لقد قتلت كثيراً، قتلت كثيراً ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم».

            أمجد يوسف

        الفيديو الصادم

        في شهر حزيران (يونيو) من العام 2019، كان أور أونغر يَحضرُ مؤتمراً أكاديمياً في باريس، حول الاستخدامات العلمية للمواد البصرية وشهادات الناجين وشهود العيان في حالات المجازر الجماعية. خلال هذا المؤتمر كان أور يستعد لتقديم عرض حول آلية معالجة المواد الفيلمية المتعلقة بجرائم الحرب، وأثناء انتظاره لتقديم مداخلته، تلقّى اتصالاً هاتفياً من صديق سوري أراد لقاءه بشكل عاجل. وفعلاً التقيا في ركن بعيد في أحد المقاهي الهادئة، أخرج الصديق السوري هاتفه وطلب من أور مشاهدة مقطع فيديو. كان مقطع الفيديو هذا، والمقاطع اللاحقة التي شاهدها مع مجموعة من الباحثين المخضرمين في أبحاث أعمال العنف والابادة الجماعية، صادماً بشدّة حتى بالنسبة لهم، إذ تتضمن هذه الفيديوهات عرضاً لتنفيذ عناصر من المخابرات العسكرية وقوات الدفاع الوطني عملية إبادة ممنهجة بحق مدنيين في حي التضامن الدمشقي في العام 2013 وبدايات 2014.

        حي التضامن: سورية المصغرة

        يقع حي التضامن خارج البوابة الجنوبية لمدينة دمشق القديمة، على أطراف حي الميدان الدمشقي، وإلى الجنوب الغربي من حي باب شرقي الذي يعتبر قلب الحياة الليلية الصاخبة لمدينة دمشق. ويقابل مفردة «التضامن» في اللغة الإنجليزية كلمة «solidarity»، في إشارة إلى هؤلاء الذين تشردوا نتيجة غزو إسرائيل لمرتفعات الجولان عام 1967. فقد بدأ هؤلاء النازحون بالاستقرار في الأراضي الزراعية جنوب العاصمة دمشق، في المنطقة الواقعة ما بين حي الميدان الدمشقي ومنطقة السيدة زينب، حيث قاموا ببناء منازلهم بشكل عشوائي وبإمكانياتهم الخاصة بالإضافة إلى دعم حكومي محدود بشدّة. وفي وقت لاحق، تم الاعتراف بالحي بأثر رجعي باعتباره جزءاً من حي الميدان وبلدة يلدا، ويأخذ اسم حي «التضامن».

        في تسعينيات القرن الماضي، تدفقت موجات اليد العاملة الريفية المهاجرة من كافة أرجاء سوريا باتجاه العاصمة دمشق، ثم تدفّقت موجات أخرى نتيجة الجفاف التي أثَّرَ بشكل حاد على القطاع الزراعي في البلاد في العام 2003، وأجبرَ العديد من المزارعين اليائسين على ترك أراضيهم في محاولة إيجاد سبل النجاة في دمشق. استوعبَ حي التضامن جزءاً كبيراً من الهجرات الداخلية المتعاقبة، التي أسست ديناميات عائلية سهلت استقرار القادمين الجدد، وأثّرت بشكل كبير على تشكيل التركيبة الاجتماعية والديمغرافية للحي، الذي أصبح منطقة عشوائية كبيرة ذات أعلى نسبة كثافة سكانية في دمشق.

        ومع أن الحي بغالبيته العظمى من العرب السنة، إلا أنه استوعبَ أيضاً العديد من الطوائف الدينية والعرقية الأخرى كـ: العلويين والدروز والإسماعيليين والتركمان والأكراد… إلخ. لكن التمايزات بين هذه التجمّعات تشكلت على أسس مناطقية أكثر من كونها انتماءات طائفية، أو بشكل أكثر تحديداً، على التراكب ما بين هذين العاملين. فعلى سبيل المثال: يُنسَب علويو شارع نسرين إلى قريتهم الأصلية عين فيت التي نزحوا منها في مرتفعات الجولان المحتلّ، كما ينتسب دروز شارع الجلاء إلى قراهم التي نزحوا منها في الجولان أيضاً. هكذا يصبح تحليل التمايزات السوسيو-مجالية (socio-spatial)، التي شكلتها هذه التجمعات المتجانسة والمتنافسة معاً، عاملاً مهماً لفهم آليات العنف الجماعي في حي التضامن.

        لطالما أشارت كبرى وسائل الإعلام الرسمية السورية إلى حي التضامن بوصفه «سوريا المصغرة»، لكن هذه الإشارة لم تكن متعلّقة بنشأة الحي أو تكوينه الاجتماعي، بل بوصفه الواجهة «العلمانية» المفترضة للنظام السوري، بالإضافة إلى كونها مادة خطابية عن التعايش السلمي في البلاد، إلا إن الحي شكّل في الواقع مساحةً متناقضة. فعلى الرغم من تواجد سوريين من خلفيات طائفية وعرقية وسياسية ومناطقية متنوعة يعيشون معاً بألفة فيه، إلا إنه كان في الوقت نفسه بيئةً متوترةً شديدة الاستقطاب. فحي التضامن من الأماكن القليلة التي يكون فيها الجناة والضحايا جيراناً، إذ إنه موطن العقيد سيء السمعة علي خزام،Uğur Ümit Üngör, The Specter of Sectarian Violence in Syria, in: Newlines, 9 February 2022. الذي ارتكب أعمالاً شنيعة على طول البلاد وعرضها، وفي الوقت ذاته هو موطن شخص مثل آصف الذي أمضي في زنازين المخابرات الجوية 12 عاماً.

        كيف صاغت هذه التعقيدات الصراع في الحي؟

        ساهمت الانقسامات الاجتماعية بلا شك في زعزعة الثقة بين المجموعات المختلفة، فليس هناك ما يميز حالة التعايش المرتبك هذه، نظراً لوجود حالات مماثلة في جميع أنحاء العالم، ولكن النظام السوري لم يستطع أن يستثير العداء والتوترات ما بين التجمعات إلا في ظل تنامي الاستقطاب بعد العام 2011، حيث حدّد هذا الاستقطاب الحاد المتصاعد بين الجيران أنماط التعبئة المتمايزة لسكان الحي. 

        ومع انطلاق التظاهرات في مختلف أحياء دمشق في ربيع العام 2011، شهد حي التضامن احتجاجاتٍ سلمية قصيرة ومتفرقة افتقرت إلى التنظيم في كثير من الأحيان، إذ انقسمت حركة الاحتجاج فعلياً وفقاً للبعد المناطقي للجماعات المنظِّمة. في لحظة معينة، كانت هناك ثلاث تنسيقيات مختلفة في الحي. والحال كان شبيهاً بين التجمعات الموالية للأسد، حيث انقسمت بدورها إلى ميليشيات متنافسة. بالمحصلة، قُسّمت المنطقة في النهاية إلى ما لا يقل عن ثلاث عشرة منطقة عسكرية منفصلة (قطاع)، يسيطر عليها أمراء حرب مختلفون. نستطيع القول بأن حي التضامن قد شهد دورة العنف المألوفة في النزاع السوري، أي انطلاق مظاهرات واجهها النظام بالقمع، فعسكرةٌ من طرف المعارضة أعقبها تصعيدٌ من قبل النظام.

        ردَّ النظام على مظاهرات عام 2011 عبر إنشاء مجموعات الشبيحة، وهي ميليشيات موالية للنظام، قامت بقمع الاحتجاجات بطريقة شديدة العنف. يرتدي عناصر هذه الميليشيات عادةً ملابس مدنية، ويتم اختيارهم عشوائياً من بين فئة الشباب ذوي الخلفيات الأقلوية. إن أفعال هذه المجموعات موثّقة بشكل جيد جداً، من خلال مقاطع الفيديو والتسريبات والاعترافات والانشقاقات، بالإضافة إلى شهادات الضحايا. وتُظهر هذه التوثيقات ممارسات الشبيحة أثناء اقتحام الأحياء وتفريق المظاهرات ومصادرة الممتلكات وتعذيب الموقوفين، وصولاً إلى أعمال الخطف والاغتيال والمجازر الجماعية.Uğur Ümit Üngör, Shabbiha: Paramilitary groups, mass violence and social polarization in Homs, in: Violence, vol.1, no.1 (2020), 59-79. قد يبدو أن مجموعات الشبيحة ظهرت بشكل مفاجئ، إلا إن النظام السوري هو الذي تغاضى عن أفعالها وحرّضها ووجّهها ونظّمها، وقام بهيكلتها تدريجياً عبر نظام الزبائنية والمحسوبية الذي طوره. وكان من الواضح أن النظام أوكلَ لهذه الميليشيات مهمة القيام بالأعمال القذرة، لكي يتسنى له في وقت لاحق إنكارها.

        قام النظام بإضفاء الطابع الرسمي على مجموعات الشبيحة من خلال إدراجها تحت ما سمي «قوات الدفاع الوطني» في شتاء العام 2012، حين مُنحت هذه المجموعة صلاحية إقامة نقاط التفتيش لتقوم باعتقال واحتجاز الأشخاص دون حسيب أو رقيب مع الإمكانية التامة للإفلات من العقاب، بالإضافة إلى صلاحياتهم السابقة باستخدام السلاح وقتل المتظاهرين. ولا بد من الإشارة إلى أن أحد أبرز قادة الشبيحة في الحي كان من بين مرتكبي المجازر الجماعية التي وقعت في المنطقة.

        وعلى الرغم من الكفاءة العالية التي أبداها النظام في قمع المدنيين، إلا إنه لم يكن يبدي الكفاءة ذاتها على المستوى العسكري، الأمر الذي ظهر جلياً في العام 2012 من خلال خسارته بشكل مطرد لسيطرته على مساحاتٍ واسعةٍ في كافة أرجاء سوريا. ومع حلول بدايات العام 2013، كانت تقريباً نصف مساحة البلاد تحت سيطرة مجموعات مختلفة من مسلّحي المعارضة. اقترب خط المواجهة في منطقة دمشق وريفها من المدينة، نظراً لأن معظم الغوطة الشرقية والضواحي الجنوبية كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة.

        في شهر شباط (فبراير) من العام نفسه، شنت فصائل المعارضة هجوماً مُنسّقاً واسع النطاق على كفر سوسة من جهة الجنوب ومن جوبر في جهة الشرق، ولو قُدِّرَ لهذا الهجوم النجاح لأصبحت القوات المُهاجِمة في مواجهة مباشرة مع أفرع المخابرات الرئيسة للنظام في كفرسوسة. وعلى الرغم من فشل الهجوم، إلا إن شبح الهزيمة المحتملة كان قد بدأ يلوح في الأفق بشكلٍ جدي، والأهم من ذلك أن خطوط المواجهة قد وصلت إلى حي التضامن.

        دليل لا يقبل الشك: المجزرة

        قام كل من أمجد يوسف ونجيب الحلبي، في 16 نيسان (أبريل) من العام 2013، بإعدام 41 شخصاً عبر الإلقاء بهم في حفرة تم إعدادها مسبقاً لهذا الهدف في وسط أحد الشوارع «غير المأهولة» في حي التضامن، وبعد الانتهاء من إطلاق النار على الضحايا واحداً تلو الآخر، أضرمَ الجناة النار في جثث ضحاياهم عبر إحراق إطارات سيارات وُضعت مُسبقاً في قعر الحفرة. أُنجزت المجزرة في يوم واحد، وقام الجناة بتصوير تفاصيل المذبحة كاملة.

        كان أمجد يوسف يرتدي زياً عسكرياً أخضر اللون وقبعة صيد، مبدياً درجةً عاليةً من التركيز والهدوء والدقّة الخالية من المشاعر. وكان يُنفّذُ «عمله» هذا «بكفاءة» عالية مُنجِزاً المهمة في غضون 25 دقيقة، فيما كان زميله نجيب الحلبي يرتدي زياً عسكرياً رمادي اللون وتبدو على ملامحه علامات الارتياح. كان يدخن، بل ويتحدث أحياناً بشكلٍ مباشرٍ إلى عدسة الكاميرا.

        كانت عملية إعدام الضحايا تتم بشكل روتيني تماماً، حيث يقوم أحد الجناة بإخراج الضحية معصوبة العينين من سيارة بيضاء صغيرة مخصصة للنقل الجماعي «سرفيس»، ثم يقتاده إلى الحفرة الكبيرة المفروشة بالكامل بإطارات السيارات، ويلقي به في هذه الحفرة، ليقوم الآخر بإطلاق النار عليه من خلال بندقية حربية من طراز AK-47 وفي بعض الحالات بواسطة مسدس.

        نفَّذَ الجناة عمليات الإعدام هذه بأسلوب إجرائي اعتيادي دون أن يتبادلوا الحديث إلا فيما ندر. كانت صرخاتهم وأوامرهم تتوجه للضحايا: «قوم» «طلاع» «مشي» «اركض». ولم يُبدِ القتلة أي درجةٍ من درجات التعاطف مع الضحايا، بل نستطيع القول إننا نَلمَحُ درجةً من الاستمتاع وهم يقومون بذلك. خلال مجريات تصوير المجزرة، يتوجه نجيب إلى عدسة الكاميرا مخاطباً «رئيسه»: «لعيونك يا معلم ولعيون البدلة الزيتية اللي م تلبسها».

        من الواضح أن الجناة قد أعدّوا موقع الإعدام هذا بشروط مثالية من أجل استخدامه المتكرر، ليس فقط لتنفيذ عمليات الإعدام، بل وأيضاً من أجل إحراق الجثث وعدم ترك أي أثرٍ لها. كما يبدو أن مرتكبي المجزرة مرتاحون تماماً أثناء تنفيذ عملهم في وضح النهار، مما يشير إلى أن موقع المجزرة يقع تحت سيطرتهم الكاملة، حيث لا تبدو عليهم العجلة، وليسوا مُعرَّضين لأي تهديد.

        في سياق هذه المجزرة، يقوم الجناة بإيهام بعض الضحايا بأنهم يمرون عبر منطقة معرضة لنيران القنّاصة، فيصرخ نجيب مخاطباً ضحيته: «قنّاص يا عرص» دافعاً إياه نحو الحفرة ومُطلِقاً النار عليه بينما لا يزال في الهواء أثناء سقوطه. فيما يبدي أمجد درجةً من نفاد الصبر لأن أحد الضحايا لم يَمت لا من الطلقة الأولى ولا من الثانية، وبعد الطلقة الثالثة يصرخ مخاطباً الضحية «موت يا عرصة، ما شبعت؟». تُشير نهاية الفيديو إلى انتهاء هذه المجزرة حيث يسأل أحد الجناة: «في غيرو؟»، ليَسودَ صمتٌ لا يقطعه سوى أنينٌ خافتٌ صادرٌ عن كتلة الجثث تحت أحذية الجناة.

        في فيديو آخر، يظهر أمجد يوسف وهو يقود الجرافة التي تحفر المقبرة الجماعية بعمق ثلاثة أمتار. تم قصف الشارع الذي وقعت فيه المجزرة في وقتٍ لاحق، ليبدو المشهد وكأنه دمارٌ شاملٌ جراء القصف والتفجير والاشتباكات. تظهر ثقوب الرصاص على الجدران، فيما تبدو الأجواءُ خلال الفيديو هادئة بدون أصوات للحرب أو القصف أو الاشتباكات؛ هدوءٌ لا تقطعه سوى أصوات طلقات النار التي تستهدف الضحايا، بالإضافة إلى الدخان المتصاعد من فوهات بنادق القتَلَة.

        أمجد يقود جرافة الجريمة

        يأخذ المصوّر وقته في التقاط مَشَاهِده، حيث يركّز في أغلب الأحيان على المقبرة الجماعية، وعلى عملية إحضار الضحايا وإطلاق النار عليهم واحداً تلو الأخر.

        يُملَأُ القبر بسرعة ويتحوّل إلى فوضى متشابكة من الجثث والملابس والدم وإطارات السيارات، وبعد بضعة دقائق تَصعُب مشاهدة اللقطات ويَصعُب وصفها بالقدر ذاته.

        كانت أعينُ الضحايا معصوبة إمّا بشريط لاصق أو بغلاف بلاستيكي، كما أن أيديهم كانت مُقيَّدةً برباطٍ بلاستيكي يُستخدم عادة من أجل جمع وتثبيت الكابلات الكهربائية. تُستخدم هذه الأربطة في جميع أرجاء العالم كأصفادٍ بلاستيكية. يرتدي معظم الضحايا ملابس غير رسمية: جينز وقمصان وبدلات رياضة ودشاديش، فيما يرتدي عددٌ آخرٌ منهم ملابس منزلية مما يدل على توقيفهم إما من منازلهم أو من نقاط التفتيش القريبة إليها. كما أن الفقر المدقع يبدو على بعضهم، فيما البعض الآخر يبدو حسنَ الهندام. كما تُظهر الفيديوهات بأن هؤلاء الضحايا لم يتعرضوا لتعذيبٍ شديد، ولا وجود لعلامات هزال كالتي تظهر على المعتقلين الذين يحتفظ بهم النظام في معسكرات اعتقاله، مما يشير إلى حداثة توقيفهم. لا يُبدي الضحايا أية مقاومة تذكر، فهم يطيعون الأوامر بكل استسلام، يخرجون، يمشون ويقفون دون ينطقوا ببنت شفة. قُتلَ الضحايا جميعاً بإطلاق النار عليهم، باستثناء رجل كبير في السنّ قتله أمجد يوسف ذبحاً. 

        يُقتَلُ الضحايا بصمت، مع قليل من التوسل والبكاء والصياح. يحاول بعضهم المساومة أو التسوية، ولكن أياً منهم لم ينطق الشهادتين قبل موته. كان الجناة يقومون بدفع البعض دفعاً، بينما يتم ركل الآخرين في الحفرة ليتم إطلاق النار عليهم بعد أن تستقر أجسادهم فوق جثث من سبقوهم، وفي بعض الحالات كان يتم إطلاق النار على الضحايا وهم في الهواء أثناء سقطتهم الأخيرة. أحد الضحايا توسّلَ لأمجد قائلاً: «بحياة الإمام علي»، لكن أمجد لم يرحمه وقذف به في الحفرة  قائلاً «لعنك الله يا إبن الشرموطة». عجوزٌ يسير مترنحاً ليرتطم بالجدار، وتنزلق قدمه في الحفرة مطلقاً صرخة ألم مستنجداً بوالده: «يا باي»، شابٌ يستطيع تحرير يديهِ من القيد أثناء سقوطه؛ امتدّت يده محاولاً رفع العصابة عن عينيه قبل أن يرديه أمجد برصاصة في الرأس. تتحرك بعض الأجساد في الحفرة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولكن زملاء أمجد يوسف يمسكون بنادقهم «الكلاشنكوف» بيدٍ واحدةٍ، ويمطرون برصاصهم الجثث في الحفرة.

        ست من الضحايا النساء السبع اللواتي يظهرنَ في التسجيل كُنَّ يرتدين الحجاب والمعطف، اللذين يميزان النساء المسلمات التقليديات. هؤلاء النسوة كُنّ يقتلن بوحشية وعدائية لا يبديها القتلة تجاه ضحاياهم من الرجال. بشكلٍ مفاجئ تصرخ إحدى النساء صرخة استغاثة، ولكن نداءها لم يصل إلى أذني قاتلها، بل أجابها قائلاً: «قومي ولك شرموطة»؛ يسحبها من شعرها ويلقي بها في الحفرة مُطلِقاً عليها النار. تصرخ امرأتان صرخة خوف وهلع، ليقوم أمجد بركلهما نحو الحفرة وقتلهما، فيما الأخريات واجهنَ مصيرهنّ بكل صمت.

        في فيديو آخر، تتحرك عدسة الكاميرا فوق أجساد مجموعة من الأطفال وسط غرفة مظلمة، يتحدث أمجد يوسف قائلاً بإيجاز: «أطفال كبار الممولين في ركن الدين، تضحية لروح الشهيد نعيم يوسف».

        بلغ عدد الضحايا الإجمالي 288 ضحية في مقاطع الفيديو الـ27 التي بحوزتنا، معظمهم من الشباب أو ممّن هم في منتصف العمر، بالإضافة إلى بعض الأطفال والنساء وكبار السن. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من السنّة (بما فيهم التركمان)بحسب مقابلات مع شهود عيان وضحايا، بالإضافة الى التحديد المبدئي لبعض الضحايا في الفيديوهات.، إلا أن هناك مؤشرات تدل على أن هناك بعض الإسماعيليين بينهم استهدفوا نتيجة نشاطهم السياسي المعارض.

        وفق فهم الجناة وولائهم، فقد كان الذكور متوسطي العمر السنّة موضع شك ما لم يؤكدوا ولاءهم وطاعتهم لـ «الأسد». بخلاف ذلك، كان يُنظَر إلى الجميع على أنهم متعاطفون أو عملاء متخفّون أو مؤيدون محتملون للمعارضة، وقد كان الجميع يُعامل على هذا الأساس. ووفقاً للعديد من الشهادات التي حصلنا عليها، يبرر الجناة ذلك باحتفال السكّان التركمان بدخول الجيش الحر إلى الحي. عدا أن هذا التبرير ليس إلّا خيالاً مبالغاً فيه، فإن جميع الضحايا الذين تم التعرف عليهم كانوا متنوعين ينتمون إما إلى الطبقة العاملة أو الطبقة الوسطى.

        تؤدي الشهادات التي حصلنا عليها إلى استنتاج أن الضحايا هم ممن اعتقلوا في حي التضامن أو على الحواجز المحيطة به، ليتم نقلهم إلى موقع المجزرة وتصفيتهم على تلك الشاكلة. ومن المرجّح أن أياً منهم لم يتخيل حدوث ذلك، بل وربما اعتقدوا أنهم آمنون، أو أنهم حتى لم يفهموا بتاتاً سبب حدوث ذلك.

        دراسة المجزرة

        تركتنا مقاطع فيديو المجزرة في حالة من الصدمة والحيرة: متى وأين حدث هذا؟ من كان القتلة ومن هم الضحايا؟ لماذا حدث كل هذا؟ واجهتنا مجموعة من التحديات الأخلاقية والعملية، نظراً لصعوبة دراسة عنف الأنظمة الاستبدادية كنظام الأسد. إذ كيف يمكن المناورة مع الطبيعة القمعية المتكتّمة للنظام؟ وكيف سنتعامل مع المخاطر الأمنية المحتملة علينا كباحثين، وعلى الذين سنجري معهم المقابلات؟ وهكذا بدأت مقاربة محددة بالتشكل، تعتمد منهجية متعددة الطرق، تدمج التاريخ الشفوي ومقابلات إثنوغرافية سرّية مع عملية تحليل مرهقة لمقاطع الفيديو وبيانات المصادر المفتوحة. كما قمنا بإجراء مقابلات شخصية في كل من برلين وغازي عنتاب وإسطنبول، إضافةً إلى المقابلات الافتراضية عبر وسائط التواصل الاجتماعي (فيسبوك، واتساب، سيجنال، وزووم)، وأخيراً استعنّا بوسيط يقيم في دمشق ليقوم بالبحث الميداني.

        بدأنا بالمقطع الرئيس لعمليات الإعدام، وكان هناك دليلٌ واحدٌ جيد على الوقت الدقيق للمجزرة، فأحد ملفات الفيديو حمل ختماً زمنياً يُشير إلى 16-4-2013. إلا أن التحديد الدقيق لموقع القتل كان أكثر صعوبةً، فقد حُفِرَت المقبرة الجماعية في شارع ضيّق نسبياً، يشير طابعه الحضري وهندسته المعمارية إلى أنه مكانٌ ما من ضواحي دمشق، ولكن من غير الواضح إن كان في غوطة دمشق الشرقية أو في ضواحيها الجنوبية. ثم استطعنا رؤية المزيد، فقد كان للبناء المقابل لحفرة الإعدام سقفٌ أحمر وشرفة زرقاء، مع رسم شجرة نخيل على أحد الجدران. لكن المنطقة كانت مدمرة كلياً، مما لا يدع مجالاً للتعرّف على أي شيء آخر، فلا يمكن مشاهدة دكان او إشارة أو معلم بارز. ومن خلال مُشاهدة مقطع الفيديو مرة تلو الأخرى، لاحظنا عبارة «فتح بلد يلدا 14/3/2012» منقوشة على أحد الجدران خلف الجاني. تثير هذه العبارة، التي رسمتها على الأغلب إحدى فصائل المعارضة بدهان بخاخ، احتمال أن الموقع المنشود يقع في جنوب بلدة يلدا التي سقطت بيد الثوار في وقت سابق من العام 2012. (اتضح لاحقاً أن الموقع هو منطقة الطبقة العاملة في حي التضامن المجاور، لكن تلك كانت مجرد بداية). دَفعَنا هذا الدليل إلى التواصل مع نشطاء المعارضة والفصائل المسلحة التي نشطت هناك.

        وبما أننا لا نستطيع السفر إلى سورية، قمنا بالاستعانة بباحث مساعد يمتلك الخبرة وشبكة علاقات ضمن مجتمعات الضحايا. استطاع باحثنا المساعد أن يستكشف المنطقة ويصوّرها بالفيديو سراً، كما أنه بحث عن الضحايا ورتَّبَ مقابلاتٍ سرية مع الناجين منهم. أُجريت المقابلات وسُجِّلَت بواسطة برمجيات آمنة نسبياً، ودُوِّنت أسماء من أُجريت معهم المقابلات ومعلوماتهم التعريفية بشكل منفصل، ثم مُسحت من التسجيلات. اتّبعنا أكثر تدابير الأمن السيبراني المتوفرة لدينا صرامة. كما شملت المقابلات الرقمية شهود عيان ومدافعين عن حقوق الإنسان ومقاتلين سابقين في الجيش السوري الحر. عرضنا صوراً أخذناها من مقاطع الفيديو على من أجرينا معهم المقابلات، مما سرَّعَ نسبياً عملية تضييق نطاق البحث وحصرها بشارع دعبول في التضامن. وتقاربت الروايات لتحديد المكان بالقرب من مسجد عثمان في «حارة البرادي»، وهي منطقة كانت تحت سيطرة النظام طيلة فترة النزاع الذي قسم الحي إلى منطقتين بواسطة خط جبهة ثابت نسبياً، تَحدَّدَ في تاريخ المجزرة بالقرب من جامع عثمان وصولاً إلى سينما النجوم. هنا، كنا قد استوفينا حدود قدراتنا لتحديد الشارع بدقة، فطلبنا مساعدة تقنية من مُحللي بيانات المصادر المفتوحة وخبراء تحديد المواقع الجغرافيّة، الذين بدورهم قدموا أدلةً قاطعةً، أكدت افتراضاتنا، على أن المجازر وقعت بالقرب من مسجد عثمان في التضامن استناداً إلى أعمدة البناء التسعة المجاورة لحفرة المقبرة.

        ولكن من هم هؤلاء الجناة؟ ولماذا ارتدى القاتلان الرئيسان بزّتين عسكريتين مختلفتين؟ قد يدلّل هذا على عمل مشترك بين جهازين أمنيين أو عسكريين مختلفين، ولكنهما لم يحملا أي إشارات تعريفية أو رُتَب على أكتافهما. وفي أحيان قليلة، كان من الممكن التعرف على لهجة مناطقية معينة، لكنهما بالمجمل كانا يتحدثان العربية باللهجة الدمشقية «المحايدة»، ولم يقدم أي شيء قالاه دليلاً على هويتهما الشخصية أو المهنية، إذ لم يخاطب أحدٌ منهم الآخر. كانت المهمة الملقاة أمامنا شاقة، إذ علينا التعرف على الأجهزة التي كانت مسؤولةً عن المنطقة، ومحاولة تحديد مواقعهم بواسطة الإنترنت من خلال وسائل الإعلام الموالية للنظام، أو عبر مجموعات الفيسبوك الغامضة الناطقة باسم الأجهزة الأمنية.

        أصبحَ فيسبوك منصةً شعبيةً بين السوريين الموالين للنظام منذ 2011، ومن بين هؤلاء كان الجناة ومنتهكو حقوق الإنسان الذي غالباً ما يشاركون عبره قصصهم وصور رفاقهم المتوفين. وكان السؤال المُلحّ: كيف يمكننا استخلاص معلومات منهم دون المساس بأمن أي أحد؟ وقد حالَفنا الحظ إذ إننا كنا قد أنشأنا مسبقا في العام 2018 ملفاً شخصياً على فيسبوك لفتاة شابة موالية للنظام، من عائلة علوية تنتمي إلى الطبقة الوسطى من حمص أسميناها «آنّا». وكان الغرض من هذه الهوية الافتراضية هو مراقبة منتهكي حقوق الإنسان السوريين عن كثب في بيئاتهم على الإنترنت، والتمكّن من التواصل المباشر معهم بغية إجراء مقابلات. صُمّمت شخصية آنّا ومنشوراتها على فيسبوك بعناية لتتناسب مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي للجناة (ecosystem) أياً كانت هويتهم، فمن الصعب التشكيك في دوافع فتاة علوية من الطبقة الوسطى من حمص، تدرس النزاع السوري في الخارج. حققت آنّا نجاحاً باهراً، إذ مكّنتنا من إجراء مقابلات مع العشرات من الأسديين مرتكبي جرائم، بمن فيهم بعض الرتب الرفيعة نسبياً.

        عندما حصلنا على فيديو مجزرة التضامن كانت آنّا بالفعل جزءاً لا يتجزأ من الدوائر الفيسبوكية الموالية للنظام، وقد شملت قائمة أصدقائها عدداً من الجنود ورجال الميليشيات والضباط ورجال الأعمال والإعلاميين، بل وحتى بعض عناصر أجهزة المخابرات.

        إذا أخذنا بعين الاعتبار الاحترافية الروتينية لعمليات القتل المُصوَّرة، والمكانة البارزة التي تحتلها الأجهزة المخابراتية في منظومة عمل نظام الأسد، وبالإضافة إلى أن عمليات قتل جماعي كهذه، تستوجب قدراً من الحساسية والحذر، كانت تنفذ في وضح النهار، يصبح من المحتمل جداً أن واحداً على الأقل من مطلقي النار ينتمي إلى أحد الفروع الأمنية. وبما أننا ألقينا نظرةً فاحصةً على وجوه القتلة (وهو أمرٌ فاق قدراتنا النفسية)، بدأنا استعراض صفحات الفيسبوك الخاصة بالجيش والمخابرات والميليشيات التي كانت عاملةً في منطقة يلدا، وجنوب دمشق على نحو أوسع، لربما نصادف وجهاً مألوفاً، لكن هذا كان كالبحث عن إبرة في كومة من القش. كان لدينا عدد قليل جداً من الأدلة، ليس من بينها اسم أو رقم الفرع الأمني الذي ينتمي له أيّ من القتلة. وقد استطاع عددٌ ممن أجرينا معهم المقابلات التعرف إلى مطلق النار الرئيسي، ولكنهم أشاروا إليه باسمه الحركي المخابراتي «أبو علي»، بينما لم يستطيعوا استذكار اسمه الكامل أو أية تفاصيل أخرى. سعينا لأشهر دون جدوى، وبدأ صبرنا يتحول تدريجيا إلى يأس.

        ثم، في أحد الأيام، تعرّفنا على مطلق النار الرئيسي في صور لعناصر من فرع المنطقة التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، وهو ما يعرف أيضاً باسم الفرع 227.

        مقابلة مع الجاني

        القاتل هو شاب، صف ضابط في المخابرات العسكرية اسمه أمجد يوسف، يمكن التعرف عليه بسهولة بسبب ندبةٍ أفقية على حاجبه الأيسر. نظر إلى الكاميرا مباشرةً في فيديو المجزرة، وكانت صورته واضحةً جداً. وبعد تصفح ملفه الشخصي على فيسبوك، الذي ضُبطت منشوراته بحيث تكون متاحة للعموم، أرسلنا له طلب صداقة. كان بالتأكيد هو. لقد تغير مظهره الجسدي قليلاً، إذ اكتسب جسدُ مطلق النار النحيل ذي الزي العسكري بنيةً عضلية. كان ملفّه الشخصي على فيسبوك يطابق تماماً نمط منتهكي حقوق الإنسان السوريين، منشوراته كانت صوراً للأسد الأب والابن، لقطاتٍ لأصدقائه، مناظر خلّابة لقريته، صور شخصية أثناء ممارسته الرياضة في النادي، والأهم من ذلك كله، منشورٌ حزينٌ نعى فيه صديقه وزميله «نجيب الحلبي»، والذي كان من السهل التعرف عليه على أنه مطلق النار الثاني. لقد غمرتنا البهجة إذ وجدنا «الشريكين» اللذَين بحثنا عنهما لأشهر.

        قَبِلَ أمجد طلب صداقة «آنّا»، وكان حذراً، إلا إن فضوله لمعرفة لماذا وكيف تواصلنا معه كان أيضاً واضحاً. وافق على التحدث إلينامقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 22 آذار (مارس) 2021. بعد أن شرحنا له بعباراتٍ عامة أننا نُجري أبحاثاً أكاديمية عن سياق النزاع السوري، وأننا تواصلنا معه لأنه يبدو «في الجيش». وبهذا بدأنا سلسلة من المحادثات استمرت ستة أشهر، تبادلنا أثناءها الحديث مع أمجد، وخلالها أيضاً أجرينا مقابلتي فيديو مطوّلتين معه.

        أثناء المقابلة الأولى، كان أمجد في الفرع يجلس مرتديا لباساً مدنياً إلى مكتبٍ تعلوه صورةٌ لبشار الأسد معلقةً على الحائط الخلفي. كانت هذه المحادثة الأولى لنتعرف على بعضنا بعضاً، وقد حرصنا على عدم استخدام مصطلح «مقابلة»، بل أسميناها «تعارف». كان متوتراً بعض الشيء، وبعد تبادل المجاملات الاعتيادية قام باستجوابنا أكثر مما أتاح لنا أن نطرح عليه أسئلتنا. لم يُدرك أمجد أن سلوكه بحد ذاته كان أحد مواضيع بحثنا. ولكن بغض النظر عن هذا كله، كنا قادرين على النظر من خلال شاشتنا في عيون منتهكٍ حقيقي لحقوق الإنسان يجلس إلى مكتبه، ينظر إلينا من خلال شاشته ويعبث بكمبيوتر موضوعٍ على مكتبه، ويرفع سماعة الهاتف ليطلب فنجان من القهوة كلما رغب بذلك. في نهاية اللقاء بدا أنه قد اقتنع بروايتنا ووافق على محادثة ثانية.مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 26 آذار (مارس) 2021.

        كانت المقابلة الثانية أكثر إفادةً وإثارةً للاهتمام. تحادثنا في وقتٍ متأخرٍ من الليل. كان أمجد على أريكةٍ في منزله، يرتدي قميصاً داخلياً (شيّال أبيض)، يدخن بشراهة، ويحتسي مشروباً ما بينما يتناول وجبةً خفيفةً من الخيار. أخبرنا أنه ولد عام 1986 في قرية نبع الطيب العلوية في منطقة الغاب وسط غرب سوريا، على بعد 70 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة حماة. وهو الابن الأكبر لعائلة مكونة من عشرة أخوة وأخوات تربوا جميعاً بشكلٍ صارمٍ على تكريم التراث الديني العائلي لجدهم الأكبر، الذي كان من الشيوخ العلويين البارزين. وقد مارس أمجد مع أخوته وأخواته مراراً الطقوس الدينية في مقامات بني هاشم المحاذية لقريتهم. أثّرت هذه التنشئة الدينية على تصوره لذاته وللآخر، لكنها لم تكن الدافع الرئيسي خلف أفعاله.

        حَدَّثنا أمجد أنه التحق بمدرسة المخابرات العسكرية الواقعة في منطقة ميسلون في ضاحية الديماس في دمشق عام 2004، وأمضى فيها تسعة أشهر من التدريب المكثّف. كان العمل لصالح المخابرات العسكرية بالنسبة لأمجد ذي الثمانية عشر ربيعاً حينها الفرصة الأفضل لتحصيل حياةٍ مختلفةٍ عن أسلافه، الذين عانوا مشقة العمل في حقول التبغ لكسب لقمة معيشتهم. لم تتخطَ أحلام أمجد أكثر من رغبةٍ في الحياة كشخصٍ من الطبقة الوسطى، يمتلك منزلاً وعائلةً وسيارة. كان لدى أمجد رغبة خفية أن يتحرر من والده، ذاك الشيخ العلوي الذي اختار العزلة بعد تقاعده من عمله كعنصرٍ في الجيش والمخابرات. وبدلاً من أن يحرره العمل في المخابرات من واقعه، أدى ذلك إلى ترسيخه أكثر في المجتمع الموالي للنظام، وحوّله إلى «ابن المؤسسة». وخلافاً لطموحه أصبح «الولد سرّ أبيه». لم يستطع أمجد خلال مقابلاتنا معه -وهو الآن في سن السادسة والثلاثين- ألّا يعبر عن خوفٍ دفينٍ من والده، وأخبرنا أحد نُدمائه أن أمجد لم يجرؤ يوماً على التدخين في حضور والده.

        حقَّقَ أمجد نجاحاً مهنياً لافتاً مع مطلع الألفية الجديدة، واستطاع دائماً أن يضمن لنفسه الترقية، ليكون في العام 2011 صف ضابط «مُحقِّق» يعمل بساعات دوام مكتبية ثابتة في فرع المنطقة أو الفرع 227. يعتبر هذا الفرع الكئيب الواقع في منطقة كفرسوسة مسؤولاً عن اعتقال وتعذيب وقتل الكثير من معارضي النظام السياسيين.

        غير أن اندلاع انتفاضة عام 2011 غير حياة أمجد يوسف، إذ تم تعيينه في قسم العمليات ليكون مسؤولاً عن قيادة العمليات العسكرية على خطوط الجبهات في ضواحي دمشق الجنوبية، وتحديداً بين العامين 2011 و2021 كان المسؤول عن أمن خطوط الجبهة في منطقتي التضامن واليرموك. وخلال بحثنا تمكنّا من العثور على بعض المواد المصورة الدعائية المنشورة لهذه العمليات، حيث يظهر أمجد في أحد مقاطع الفيديو بعيون عابسة متجهمة، وسيجارة بين أصابعه أثناء حديثه مع مجموعة من المقاتلين المتحمسين لاقتحام حي التضامن.

        وبخنَا أمجد خلال المقابلات لأننا نستخدم كلمة «مخابرات»، وطلب منا استخدام مصطلح «الجيش» أو «القوات المسلحة» عوضاً عنها:

            «لم يكن هناك أثناء الأزمة أي شيء اسمه مخابرات، كان كلّه جيش. أنا كنت عنصر مخابرات، ولكن عملي كان كما يفعل الجيش، كانت مهمتي كما مهمات الجيش. مهنتي ليست قتال الشوارع والاقتحام والقصف …إلخ. هذه كانت مهنتي أثناء الأزمة. لم يكن هناك أي شيء خلال هذه الأزمة اسمه مخابرات، كنا كلنا جيش، مهماتنا كانت نفسها»مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 10 حزيران (يونيو) 2021.

        تُخبرنا حساسية أمجد المفرطة لاستخدام كلمة «مخابرات» تحديداً ما يمكن أن يكتب عنه مجلداتٌ عدة، فهذه الحساسية لا تدل على إنكار وجود المخابرات فحسب، ولكنها تعبّر أيضاً عن الطبيعة الحساسة والمحرمة لأجهزة المخابرات في سورية، فالحديث العلني عنها بالتأكيد ليس مسموحاً، لكنه تحدَّثَ عنها كما تحدَّثَ في أمور أخرى ذات طبيعة مُحرّمة كالطائفية. ربما كان هذا عائداً إلى تصور أمجد عن ذاته، فهو قبل كل شيء أوضحَ بشدة أنه لا يرى نفسه إلا «ابن المؤسسة». وهذا من ناحية يعني أنه منخرطٌ تماماً في ثقافة وتقاليد المخابرات العسكرية، وأن ولاءه لذلك الجهاز يأتي أولاً وقبل كل شيء ويعلو على أي ولاءٍ آخر طائفي أو مناطقي. ومن ناحية أخرى، فقد كان حرفياً ابناً للمؤسسة حيث خدم والده كصف ضابط لعقود.

        ألقت المجزرة بظلّها على المقابلات كموضوع آخر تجنّبنا الحديث عنه، وبدورنا لم نلمّح في أي وقت أننا رأينا مقاطع الفيديو وأننا على درايةٍ بجرائمه. ومن خلال شرحه كيف يرى أسباب وسياقات النزاع في سورية، بدأ يتضح أنه ازداد تشدّداً بعد مقتل شقيقه الأصغر الذي قضى أثناء أدائه خدمته العسكرية في الجيش بتاريخ 1 كانون الثاني (يناير) 2013، الأمر الذي كان شديد التأثير على أمجد.

        أصبح أمجد عاطفياً عندما ذكر هذه النقطة في المقابلة، وبدأ يعبث بولاعة سجائره بتشنج، وتمتم:

            « لقد انتقمت، أنا لا أكذب عليكِ. لقد انتقمت، لقد قتلت. لقد قتلت كثيراً، قتلت كثيراً ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم»مقابلة مع أمجد عبر فيسبوك بتاريخ 10 حزيران (يونيو) 2021.

        وعندما واجهناه بجزءٍ من الفيديو بعد بضعة شهو،ر وعلم أننا على اطلاعٍ عليه، أنكر بدايةً أن يكون هو الشخص نفسه الذي يظهر في مقطع الفيديو، ثم قال إنه كان يقوم باعتقال شخصٍ ما فقط. ولكن في نهاية المطاف استقرّ على تبرير أنها مقتضيات وظيفته، وعبر عن مكنوناته: «أنا فخور باللي عملتو».

        لماذا وافق أمجد على التحدث إلينا مطولاً؟ ربما كانت الأسباب مزيجاً من الفضول والعزلة والغضب. فمع انتهاء الحرب بانتصارٍ باهت واقتصادٍ وطني متهالك، مضى مجرمو نظام الأسد في حياتهم بصمتٍ مع ذكرياتهم، يشربون العرق ويدخنون السجائر. أما بالنسبة لأمجد، فكان قد اختبر أيضاً تغييراتٍ في عمله أثارت امتعاضه، حيث أُنهيَ تكليفه بقيادة العمليات في التضامن واليرموك، ونُقل لممارسة وظيفةٍ مكتبية مملّة في الفرع. قد تكون الأسباب السابقة مجتمعةً هي ما دفعت أمجد للاعتراف بارتكابه مجزرة التضامن؛ ربما لا تعرف زوجته وأولاده عن هذا الماضي الأسود أي شيء، أو ربما لم يسأله عنه أحدٌ غيرنا قط.

        المخابرات والشبيحة: شبكة القتل المتداخلة

        تشير كلمة «مخابرات» في العالم العربي عموماً إلى وكالات الاستخبارات أو الشرطة السرية. يكمن تحت مظلة هذه الكلمة الاصطلاحية مجموعةٌ من الممارسات التي تعبّر عن سلطات ومناطق سيطرة متداخلة جزئياً ومتنافسة غالباً، تقوم أحياناً بالتجسس على بعضها والعمل ضد بعضها بينما تحافظ على الاستقرار الراهن للنظام. أسّس حافظ الأسد امبراطوريته المخابراتية منذ السبعينات اعتماداً على أربع وكالاتٍ استخباراتية: المخابرات العامة أو أمن الدولة والأمن السياسي والأمن العسكري والمخابرات الجوية، يتبع لهذه الأجهزة فروعٌ ازدادت قوتها بشكل ملحوظ بحيث بدأت تشكل في حد ذاتها فاعلاً مهماً مستقلاً نسبياً.

        ما يميز الاستخبارات السورية عن مثيلاتها حول العالم بشكل أساسي هو صلاحياتها الواسعة لاستخدام العنف ضد المواطنين السوريين. فالأجهزة السورية تستطيع التنصت والتجسس على المواطنين، كما بمقدورها تهديدهم وابتزازهم، وأيضا اعتقالهم وسجنهم غالباً دون مذكرة أو أي اعتبار لسلطة القانون. تتسم سجون المخابرات السورية بالتعذيب الوحشي الممنهج واسع النطاق الذي ينفّذُه جلادون محترفون، ويمكن للمرء الادعاء أن السجن والتعذيب يُعرِّفان النظام السوري.Uğur Ümit Üngör and Jaber Baker, De Syrische Goelag: De Gevangenissen van Assad, 1970-2020 (Amsterdam: Boom, 2022).

        لا تقل قدرة المخابرات السورية على المراوغة عن سلطتها، فهي الفاعل الأكثر قوةً في النزاع السوري. مع هذا فهي متعذرةٌ على البحث والدراسة، وسيكون السير في دمشق وطرح أسئلة عن هيكلية المخابرات وأفعالها وتأثيرها مهمةً انتحارية (إلا إذا كان النظام يثق بالباحث). يعمل موظفو المخابرات مستخدمين أسماء حركية أو ألقاب عامة مثل «أبو حيدر» أو «أبو علي» أو «أبو جعفر»، ويمنع منعاً باتاً التدلال عليهم. تهدف هذه الممارسة المتعمّدة للمخابرات السورية إلى الحفاظ على السرية وإثارة الخوف في المجتمع، وهذا كفيلٌ بخلق أساطير مبالغ فيها عن رجال المخابرات وعن شخصياتهم وقُدراتهم. المختلف في الفيديو الذي لدينا أن الجناة يظهرون بشكلٍ صارخٍ بينما يبقى الضحايا مجهولين. يختلف ذلك جذرياً عن معظم فيديوهات الإعدام التي كانت تنشرها داعش، حيث يخفي القتلة فيها وجوههم خلف أقنعة، بينما يحرصون على إظهار وجوه ضحاياهم بوضوح.

        يُعتبر فرع المنطقة من أقوى أفرع الاستخبارات العسكرية في سورية، وهو الفرع المسؤول عن محافظة دمشق وريفها. ترأسه في الثمانينات نزار الحلو (1942-2016)، ولكنه أُقيل بعد هروب مجموعةٍ من المعتقلين الإسلاميين، ليستلم رئاسة الفرع نائبه هشام الاختيار (1941-2012) الذي بقي في منصبه حتى العام 2001. أدار الفرع بين العامين 2005 و2012 رئيس قسم التجسس المخضرم رستم غزالة (1953-2015)، من بعده تسلّم عماد عيسى، ثم شفيق مصّة الذي كان رئيس الفرع المسؤول وقت ارتكاب المجزرة عام 2013.

        يرأس العميد كمال الحسن الفرع 227 أثناء كتابة هذه الكلمات، ومقرّه الرئيسي عبارة عن مبنى شاحب على شكل حرف W في مجمع المخابرات الواقع بين جامعة دمشق وساحة الأمويين مقابل وزارة التعليم العالي.

        كانت قائمة أصدقاء أمجد يوسف على فيسبوك أشبه بمعرض للقتلة، ومن بين أصدقائه وجدنا أحد زملاء أمجد في المخابرات «جمال خ.»، وهو من الطائفة السنية من حي القدم، يخفي بعناية شخصيةً لا ترحم خلف قناع أبوي صاخب ومرح وابتسامة مريضة، ويعلو وجهه شعرٌ رمادي. لهذه الشخصية قدرة كبيرة على خداع أي شخص. فعلى سبيل المثال، ظهر في تقرير لشبكة سي إن إن بتاريخ 3 كانون الأول (ديسمبر) 2013 على أنه القائد العسكري «أبو أكثم» الذي يُري المراسل فريدريك بليتغن حي السبينة الواقع جنوب حي التضامن مباشرةً بوصفه القائد الميداني المسؤول عن المنطقة. قَبِلَ «جمال خ.» طلب الصداقة الذي أرسلناه، وفي واحدةٍ من المقابلتين اللتين أجريناهما معه بعد أن وثِق بـ«آنّا» قال: «سأخبرك شيئاً لا يجدر بي أخبارك إياه: أنا رئيس أمجد يوسف»، وقد أصرّ جمال على معرفة من وصل آنّا بـ أمجد يوسف، واصفاً الأخير بأنه: «بطل، أخ الشهيد، وبالتأكيد ليس رأساً صغيراً». وأخذت المحادثة انعطافة حادة عندما سألته آنّا عن الانتهاكات المزعومة:

            آنّا: «حدثتني منذ فترة عن إصلاح المعتقلين في السجون، ولكنّ وسائل الاعلام تقول إن النظام السوري قتل المعتقلين في سجونه وارتكب مجازر بحقهم؟»

            جمال خ: «جوابي بسيطٌ جداً. لماذا آخذهُ إلى السجن وأقتله ثم أُتّهم بقتله؟ أنا أفضّل قتله على خط الجبهة وينتهي الأمر، فقد مات في معركة. إذا لم تكوني في مرمى نيراني ولكنك عدوتي وتدمرين بلدي، لماذا آخذك إلى السجن وأقتلك فيه ثم أتهم بقتلك؟ يطرح هذا السؤال كثيراً، ولكنه سؤال غبي. إن كان بمقدوري قتل شخصٍ ما في الشارع دون أن يراني أحد فلماذا أجلبه إلى سجني وأعطيه رقماً وغذاءً وماءً وهو عبءٌ على الدولة؟ هل تعلمين أنهم يأكلون ما نأكل؟ إنهم يأكلون من أكلنا. لماذا أجلبه ليأكل ويشرب من أكلي وشربي ويكلّف الدولة؟ وبعدها يتهموني به. هل هناك أغبى من هذا؟… عندما أقوم باعتقال عشرة أو خمس عشرة رجلاً مسلحاً فسيحتاجون إلى ثلاثين أو أربعين جندياً لمرافقتهم. لماذا المشاكل في حين إني قادرٌ على قتلهم في الشارع والراحة؟ لماذا أقتلهم في السجن؟ أنا أفضّل قتلهم في أماكنهم والانتهاء من الأمر»مقابلة مع جمال خ. عبر فيسبوك بتاريخ 23 آذار (مارس) 2021.

        والآن وبعد أن كشفنا دائرة المخابرات، ماذا عن القاتل الثاني الذي كان يرتدي بزّةً عسكريةً رمادية؟ كانت ذراع أمجد اليمنى في فيديو المجزرة هو نجيب الحلبي، والمعروف أيضاً بلقب «أبو وليم». عرفناه إذ وجدناه وقد تمت الإشارة إليه في منشورٍ على فيسبوك في صفحة «شهداء التضامن». نجيب ابنُ عائلةٍ درزية نازحة من الجولان، ولكنه ولد وترعرع في حي التضامن. وعلى عكس باقي سكان الحي الفقراء، كانت حالة نجيب المادية معقولةً وكان يدير ملهىً في منطقة باب شرقي قبل اندلاع النزاع. أنشأ في عام 2011 أول مجموعةٍ من الشبيحة في التضامن، متخذاً لها مركزاً على خط الجبهة بجوار جامع عثمان، الأمر الذي جعل منه بطلاً في نظر الموالين لنظام الأسد. خِبرتُه في حفر الأنفاق والخنادق كانت سبباً لاستدعائه للإشراف وتقديم المشورة أثناء القيام بهذه الأعمال على الجبهة أو عند ارتكاب المجازر.

        كان نجيب في فيديوهات المجزرة يقف على حافّة القبر الجماعي، يدخن سيجارةً ويبتسم للكاميرا صانعاً علامة النصر بيده. لم يكن يُظهِر أي ضيقٍ على الإطلاق بينما يتم إعدام جيرانه الذين أمضى حياته بينهم، ويرمون في الحفرة. ما عرفناه عن نجيب أنه كان متواضعاً وذكياً، مستمعاً جيداً ومحبوباً من الجميع. وكأنه لم يُظهِر أبداً كراهيته وجانبه المظلم لأحد.

        «لا يمكنك توقّع أنه سيفعل ذلك. لقد صُدِمتُ عندما رأيت الفيديو» يقول أحد الأشخاص الذي كان يعرفه. مع هذا فقد كان لنجيب أعداء. مات نجيب أثناء حفر نفق على الجبهة في العام 2015. ولا يزال سبب موته مثارَ جدلٍ حتى هذه اللحظة، فهناك من يعتقد أنه كان اغتيالاً دبّره له خصومه، وهناك من يلقي اللوم في موته على المعارضة.

        صُمّمتْ مجموعات الشبيحة منذ إطلاقها لتكون قوةً ميليشياويةً فضفاضة، وبِنيّةٍ مُسبقة أن يستحيل تقفّي أثرها بحيث يتم ربطها مع قوات النظام الرسمية، وبهذه الطريقة يستطيع النظام (وقد قام بذلك في مناسباتٍ عدة) المحاججة أن مرتكبي العنف كانوا مجموعةً من المتطوعين المدنيين الذين يعملون خارج سيطرته. أدار فادي صقر (اسمه الحقيقي: فادي أحمد) المقرب من القصر الجمهوري هذه الميليشيات في دمشق. فادي كان بلا ذقن، يدخن بشراهة، أنهى دراسته الثانوية فقط، تفضح الهالات السوداء تحت عيونه قلة نومٍ مزمنة. ومع أنه ينحدر من أسرة تملك بعض الحظوة لدى النظام (كان والده ضابط مخابراتٍ سابق) إلا أنه سُجن بتهم فساد قبل اندلاع الاحتجاجات، وعلاقات الوالد مع النظام لم تفلح في إنقاذ ابنه. ويقال إن فادي قتلَ أحد زملائه في السجن قبل أن يحصل على عفوٍ رئاسي خاص بسبب الحاجة لخبراته القمعية مع تزايد زخم انتفاضة 2011. لم يكتفِ فادي بتأسيس مجموعات الشبيحة، بل شوهد بذاته يهاجم المتظاهرين بواسطة سكين. وسرعان ما أصبح وسيطاً مرموقاً للنظام ظهر علناً في أكثر من مرة برفقة بشار الأسد شخصياً. استفرد فادي صقر بالسلطة وأثرى نفسه لدرجة بات يحتقره موالو الأسد أنفسهم. فأمجد على سبيل المثال لم يعبّر إلا عن ازدراءٍ عميقٍ تجاهه.

        يأتي بين نجيب الحلبي والعقل المدبر فادي صقر في الترتيب الهرمي للمجموعة قائد الشبيحة في التضامن، وهو رجل خمسيني، متهم بالكثير من جرائم الاغتصاب،بناءً على مقابلات مع ضحايا مباشرين لـ«أبو منتجب» وشهادة زملاء له. ذو شاربين رفيعين، نحيف ومفزع يعرف بلقب أبو منتجب واسمه «صالح ر.». قاد أبو منتجب مرحلةً من الرعب في التضامن، أطلق عليه زملاؤه أثناءه لقب «هتلر سورية».

        قد يستخدم نجيب كلمة «معلم» لمخاطبة رئيسه المباشر أبو منتجب، ولكن يُحتمل أيضاً أن يستخدم الكلمة نفسها عندما يخاطب -أثناء اجتماعٍ ما- رئيس أركان قوات الدفاع الوطني في القصر اللواء بسام مرهج الحسن. يصعب تمييز بسام الحسن فائق السلطة، والملقب بـ«الخال»، عن أي شخص عادي، لكن لا يجب السماح للمظاهر أن تخدعنا، إذ إن «الخال» قادرٌ على تجاوز أي قرار بناءً على علاقة مقربة جداً تجمعه مع بشار الأسد.

        يشرح بحثنا ومقاطع فيديو المجزرة بشكلٍ مكثف وقاطع علاقة التعاون والتواطؤ بين الشبيحة وأعلى مستويات الأجهزة المخابراتية.

        تطهير الريف الجنوبي

        تركّزَ النقاش العام خلال سنوات الحرب حول الاشتباكات والقصف النظام الجوي العنيف على مناطق سيطرة المعارضة. لكن بالمقابل بقيت مناطق سيطرة النظام على الجهة الأخرى من خط الاشتباك منسية. في حين أظهر فيديو التضامن، ومقابلاتنا مع جناة الحرب، وشهادات الناجين، أن ما حدث في التضامن قد ارتقى لعملية تطهير وحشية. فعندما تعمّقنا في البحث، أدركنا أن المجزرة كانت جزءاً من عملية موسعة ارتكبها النظام للتدمير والتطهير في أحياء دمشق الجنوبية. ولم تقتصر عملية الإبادة على المستوى المحلي في هذه المنطقة على نمط المجازر هذا، بل توسعت لتشمل على الأقل أربعة أنماط من العنف: القتل الجماعي الممنهج، والسجون، والاعتداءات الجنسية، والاستغلال الاقتصادي.

        الفيديوهات التي بين أيدينا هي نموذج مصغّر عن عمليات القتل المُمنهجة والصامتة في المنطقة الواقعة تحت سيطرة النظام. عندما تسلّحت المعارضة وسيطرت على جزءٍ من التضامن في الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، بدأ النظام عمليةً متكاملةً من العزل والسيطرة. وأعطى الفرع 227 لمن سَمحَ لهم بالبقاء في الحي أذوناتٍ أمنية عن طريق قادة الدفاع الوطني المسيطرين على الأحياء. وكانت هذه الأذونات مطلوبةً لأجل أي نوع من النشاط، سواء كان عناية طبية مستعجلة أو زيارة صديق. كما نشر الفرع 277 بطاقاتٍ خاصة للمقيمين في الحي، وكانت على نوعين: الصفراء للمقيمين في حي دفّ الشوك، وأما الزرقاء للمقيمين في حي التضامن. واحتوت هذه البطاقات على معلومات عن حاملها: اسمه وعنوانه وأعضاء عائلته ومكان الولادة، وغيرها. وبذلك يكون الفرع قد أسس لنظام مراقبة وسيطرة موسع، وجمعَ معلوماتٍ مفصلة ودقيقة حول المقيمين في الحي.

        لقد تم أخذ الضحايا الأوائل في المجزرة من منازلهم أو الشوارع في التضامن سيراً على الأقدام، إلى أماكن قريبة من مقار إقامتهم، حيث قتلوا وبقيت جثثهم في مكان تنفيذ المجزرة بحيث يمكن التعرف عليهم. وقد أظهرت فيديوهات ما بعد القتل أنه قد تم إطلاق النار على الضحايا عن قرب. هؤلاء الضحايا لجرائم النظام قد تم تجاهلهم، واستُخدمت هذه الفيديوهات في حرب السرديات بين المعارضة والنظام.

        بعد تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، كان الضحايا يُؤخذون إلى مواقع محددة للإعدام، إما مشياً على الأقدام أو بالحافلات (السرفيس). ثم يُطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر من الخلف، وتُحرق جثثهم حتى تصبح رماداً. وقد ظهرت هذه الطرق في القتل نتيجة حاجة جناة الحرب إلى طمس جرائمهم، والتخلّص من جثث الضحايا المكدسة في الشوارع. وعلى إثر ذلك، أسس كل أمير حرب موقعه الخاص للقتل. أدار أمجد واحداً، ولكن تفيد العديد من الشهادات التي أُخذت من الحي بأنّ شخصاً مثل «إبراهيم ح.» المعروف باسم «أبو علي حكمت»، وهو قائد في الدفاع الوطني وعضو سابق في سرايا الدفاع، كان يمتلك  مقبرته البدائية لحرق جثث الضحايا الذين اعتقلهم من على الحواجز أو من مستشفى المجتهد. حتى إن جنوده يتفاخرون حول قدراته المضبوطة في قتل الناس وتدمير الدلائل، مدعين أن مجموعته قتلت أكثر من ثلاثين ألف مدني بين العامين 2012  و2015. هناك مبالغة على الأغلب في هذا الادعاء، ولكنه يعكس حجم العنف الممنهج في التضامن كما تصفه شهادة أحد المقيمين في الحي: «كنا نشم رائحة حديد واخزة نتيجة حرق الجثث كل يوم».

        أما النمط الثاني للعنف في التضامن فهو السجون. تحوّلَ التضامن مع نهاية العام 2012 إلى سجن كبير بحجم الحي، مع تواجد ما يزيد على ستين حاجز وموقع أمني. حيث ازدادت حواجز الأمن العسكري – الفرع 227 والدفاع الوطني، وتمركزت حول مداخل الحارات في الجزء من الحي الممتد بين شارع الجلاء وخط المواجهات، والذي لا تزيد مساحته عن كيلومترٍ مربع واحد. وبنى قادة الدفاع الوطني جدران قسّمت الحي إلى خمس عشرة منطقة أمنية، ووثّقوا وسجلوا المدنيين المقيمين هناك. ما جعل من هذه المناطق غيتوهات خاصة تخضع لسيطرة وقواعد إدارة كل منهم. بما في ذلك السيطرة على أملاك المدنيين من منازل ومحال وتحويلها إلى سجون سرّية، تُستخدم لاحتجاز المدنيين وتعذيبهم. حتى إن نائب مدير مكتب المعلومات للدفاع الوطني، وصف التضامن بـ«مثلث برمودا» لأن كل من يدخل إليه يختفي. وقد أضاءت الفيديوهات والمقابلات التي أجريناها على حملة اعتقال واسعة في التضامن: أظهرت ثلاث من الفيديوهات تعذيباً شديداً لضحايا مدنيين في منازل خاصة، من ضرب وجلد وحرق وصعق كهربائي وتعذيب نفسي. كما مارس جناة الحرب، بمن فيهم أمجد يوسف ونجيب الحلبي، تعذيباً قاسياً وتجريبياً بغرض الاستمتاع بمعاناة الضحايا. وتشير جميع المعطيات بأن اللواء بسام الحسن كان على علم بهذه السجون، كما أشرف عليها وشجّعَ الجناة.

        النمط الثالث للعنف في التضامن هو العنف الجنسي الذي كان سياسةً ممنهجة. حيث أخبرتنا إحدى الناجيات التي أجرينا معها مقابلةً شخصيةً أنها ذهبت إلى مقر الفرع 227 في شارع دعبول لتسأل عن مصير أحد أقربائها، وكان أمجد يوسف يجلس على كرسيه خلف المكتب في ضوء الغرفة الخافت ويدخن السجائر بينما كانت تسمع أصوات التعذيب من الغرفة المجاورة. أصغى أمجد يوسف لها بتمعّن، ووعدها بأن يطلق سراح قريبها بشرط: «إما أن تمارسي معي الجنس أو عليك نسيانه». ومنذ ذلك اليوم اغتصب أمجد هذه المرأة. ولم تكن هي الضحية الوحيدة، كان هناك أيضاً ضحايا كثيرات من أقربائها وجيرانها، وحتى أزواجهنّ كانوا عرضةً للاغتصاب والعنف الجنسي من قبل المخابرات والشبيحة. كما تسبّب خطف الشبيحة الممنهج للرجال في الحي بانتشار جوٍّ من الخوف، وعزّزَ من ذلك الوضعُ الهشُ الذي تخضع له هؤلاء النسوة، مما أجبرهنَّ على مفاوضة الجناة لأجل النجاة، والموافقة بدون رغبة على علاقات جنسية معهم، أو بمعنىً آخر على عبودية جنسية. أما الرجال في الحي فقد اختبروا نوعاً مماثلاً من العنف الجنسي خلال فترات السجن والتعذيب. كان الرجال يُعتَقلون بسبب الاشتباه في علاقتهم بالمعارضة، ولكن ذلك كان في أحيان كثيرة بغرض ابتزاز نساء العائلة.

        النمط الرابع والأخير هو السخرة والاستغلال الاقتصادي. مع تصاعد الاشتباكات على خط النار في عام 2013، اعتقل المخابرات والشبيحة الرجالَ من الطائفة السنية من التضامن ودف الشوك ومناطق أخرى، واستخدموهم للسخرة في حفر الأنفاق وبناء الحواجز والجدران على خط الجبهة، مُعرَّضين لنيران فصائل المعارضة. وأما الذين نجوا من المعاناة والمناوشات، فقد أُطلقت عليهم النار وأُحرقت جثثهم. وكان للسخرة هدف عسكري واقتصادي أيضاً، فقد شكلت استثماراً مثمراً لتجار الحرب وقادة المخابرات. إذ كان على المدنيين دفع مبلغ مليوني ليرة سورية للحواجز العسكرية للهرب من السخرة.

        من الأشكال الأخرى للعنف والقمع الاقتصادي في التضامن هو المصادرة غير المشروعة لأملاك المدنيين. ازدهر سوق العقارات بعد أن نزح المدنيون من مناطق سيطرة فصائل المعارضة إلى التضامن، فصادر قادة الشبيحة والمخابرات ملكيات القتلى والمُرحلين قسراً من الضحايا، وتم تأجير ملكياتهم في سوقٍ العقارات، تحت حجج كمساعدة أسر الشهداء من الجيش والنازحين أو للضرورات العسكرية. على سبيل المثال: صادر أمجد ورئيسه أكثر من ثلاثين عقاراً في التضامن، وما زالوا يستثمرونها حتى يومنا هذا.

        الخاتمة: لماذا؟

        شكَّلَ الضحايا عبئاً أخلاقياً وعاطفياً كبيراً علينا، لأننا كنا نعلم بمصيرهم في وقت كانت عائلاتهم تجهله.  لقد كنا في مأزقٍ صعبٍ ومضاعف: أن نعرف، ولكن علينا الصمت وألا نخبر أي أحد. أردنا تحديد هوية الضحايا، لكن كان علينا أن نشارك الناس صورهم. كلما شاهدنا الفيديو أكثر، كنا نتساءل: هل نريد أن نرى لحظات أحبّائنا الأخيرة؟ كان معظم هؤلاء الضحايا منسيين ومُهمشين. ركَّزَ الإعلام العالمي على المعاناة في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، بينما كان الأسد يعمل على التغطية على جرائمه وتعميم الصمت المميت على المجتمع السوري. أحدث ذلك خللاً حتى بالنسبة للضحايا، نتيجة قلة المعرفة عن آلامهم ومعاناتهم بسبب الخشية من «العار» والخوف والعجز والقمع المستمر. حتى أن إحدى الضحايا تساءلت بتعجّب: «هل كان ذلك اغتصاباً؟». وفي هذا السياق، أعطت مقابلات التاريخ الشفوي التي أجريناها الفرصة للناجين، ليس فقط لزيارة ذاكرتهم حول العنف، وإنما أيضاً للتأكيد على هوية الضحايا.

        في النهاية نستطيع القول إن هذه الفيديوهات مميزةٌ بالمقارنة مع الفائض من فيديوهات العنف التي انتشرت من سوريا خلال النزاع، فقادة المخابرات الذي يكتبون التقارير لبشار الأسد ظهروا بوجوههم الواضحة يتعاونون مع الشبيحة في توثيق جرائمهم ضد مدنيين عزل. لكن لماذا فعلوا ذلك؟ من جهة، لا يمكن تحليل هذه الفيديوهات والنظر إلى مطلقي النار بمعزل عن السياق الموسَّع لحصانة أجهزة المخابرات السورية والميليشيات الخاضعة لسلطة بشار الأسد المباشرة. وإذا ما أخذنا مجرمي الحرب على محمل الجد، فقد اعتبروا هذه المجازر جزءاً من التضحية المنبثقة من الانتقام لرفاق السلاح، مثل هشام عيسى وعمار عباس، زميلَيّ أمجد اللذين قتلا في وقت سابق. قال أمجد في أحد الفيديوهات، وفي المقابلة، إنه انتقم لأخيه الأصغر نعيم، الذي مات في داريا. وفي تصوير الجناة لهذه الفيديوهات نوعٌ من التذكار، وأيضاً دليلٌ على أنهم قد أتمّوا عملهم، وكان لأفعالهم هذه تأثيرٌ عميقٌ ومدمّرٌ على التضامن.

        أنصار شحود: حائزة على درجة الماجستير في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية من جامعة أمستردام ومعهد NIOD (المعهد الهولندي لدراسات الحرب والهولوكوست والابادة الجماعية). دراستها ركزت على دراسة عنف الدولة في سورية.

        أور أوميت أونغر: بروفيسور في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام ومعهد NIOD (المعهد الهولندي لدراسات الحرب والهولوكوست والابادة الجماعية). مؤلفاته ركزت على الإبادة الجماعية والعنف الجماعي في الشرق الأوسط.

        دمّر سليمان: كاتب متخصص في الدراسات السياسية، عضو الشبكة الدولية للباحثين في شؤون العنف والحرب والإبادة الجماعية RICEVE

موقع الجمهورية

———————————-

القاتل بحاجة للتحدث إلى امرأة: عن “آنا” التي خدعت عناصر النظام السوري/ كارمن كريم

بطلة السوريين هذه المرة هي امرأة، اختارت التمرد على القبيلة والديكتاتور وأوقعته في الفخ مستخدمة أساليبه، فأمال المجرم رأسه المثقل بالمجازر على كتفها، وأنزل دموع التودد لتفهم معنى المجزرة التي ارتكبها، لكنه لم يعلم أنه يُسلّم مفاتيحه إلى عدوته وهكذا سقط أمجد يوسف في قبضة العدالة التي جاءت على شاكلة امرأة هذه المرة.

وهكذا وثق تحقيق “الغارديان” الذي أعده الباحثان أنصار شحود (آنا) وأوغور أوميت أونجور، مجزرة التضامن عام 2013 بالفيديو وباسم مرتكبها وصورته.

قد يكون طول الظلم الذي تعرض له السوريون سبباً في دفعهم إلى اليأس، فمن لم يحصل على العدالة خلال 11 عاماً يشك بحصوله عليها الآن، فالحروب تنمو في أماكن أخرى، والأزمات تُضيّق الذاكرة على جراحهم، فتُنسَى” كأنها لم تكن” بتصرف عن محمود درويش، قد يكون سؤال السوريين الأكبر هل نُسِينا واندثرت أوجاعنا في خضم المآزق الكبرى؟! يخشى المتألمون أن ينسى الآخرون أوجاعهم، الآخرون الذين وقفوا إلى جانبهم مرة وصدحوا بالعدالة…

لكن هذه المرة كان لبطلتنا اسماً وهو انصار شحود وكأن اسمها الأول يشي بالعدل والحقيقة، كأنها وجِدت في ذلك المكان من العالم لتجرَّ القاتل إلى الحقيقة. انصار فتاة من طائفة احتفظت بعلاقات جيدة مع نظام بشار الأسد، كلفتها معارضة النظام كثيراً، من بينها القطيعة مع عائلتها، لكنها اختارت طريق العدالة على القبيلة، ولأن أفضل طريقة لكشف القاتل هي التقرب منه، خلقت أنصار والباحث أور أوميت أونغر شخصية آنا ش. وهي فتاة علوية من الطبقة الوسطى، داعمة للأسد، وبدأ العمل. يبدو أن وجود فتاة كان مؤثراً إلى حد كبير بعناصر النظام، إذ وصلت دائرة آنا في بداية عام 2021 إلى حوالى 500 عنصر من النظام السوري، تمكنت من صنع هذه الدائرة استناداً إلى نقطتين أساسيتين، الأولى أنها علوية مؤيدة للنظام والثانية هي إعجابها بإنجازاتهم، حركت النقطة الثانية الذكورية الأسدية التي تقوم على أفعال القتل والاغتصاب والإهانة، وبات الإعجاب بوابة لفتح أحاديث مطولة، لكن الإعجاب سيكون مشكوكاً به لو لم تكن علوية، عناصر النظام من الطائفة العلوية يمتلكون حكماً مسبقاً وقطعياً وهو أن الانتماء للطائفة يعني الانتماء الحتمي للأسد وهو ما لعبت عليه أنصار بذكاء.

تعلق بعض العناصر بآنا، وصار بعضهم يتصل بها في منتصف الليل، وهكذا تحولت آنا من مجرد رفيقة للعناصر في حبها للنظام وجيشه إلى ملجأ يهربون إليه، وغدت امرأة تشاركهم تفاصيل حياتهم، همومهم، جانبهم الإنساني القابع تحت جرائمهم، قبلت آنا بهذا الدور، وهو ما أنهكتها نفسياً، لكنها استمرت لأن هدفها كان الوصول إلى القاتل الرئيسي الذي يظهر في مجزرة التضامن في الفيديو، مع العلم أن كثيرين ممن تحدثت معهم هم قتلة.

أمضت آنا الكثير من الوقت وهي تبحث وتتعرف إلى أشخاص جدد عساها تصل إلى قاتل مجزرة التضامن، وفي يوم وبينما كانت تقلب بعض الصور في إحدى الصفحات، لمحت وجهاً مألوفاً وندبة واضحة فوق الحاجب الأيسر، نعم لقد وجدته في النهاية، تمكنت لاحقاً من التأكد من اسمه وعمله بمساعدة مصدر داخل حي التضامن، لكن أمجد حتى وإن قبل صداقتها فلن يكون صيداً سهلاً فالقاتل سيكون حريصاً وستثير آنا ريبته، إلا أن جهود آنا، ابتسامتها الرقيقة وتعاطفها مع صعوبة حياة أمجد ستجعله يلين، وكأن أحداً جاء ليؤكد له أنه المظلوم في هذه الحكاية… ربما احتاج أمجد إلى امرأة تقول له، أنت الضحية ولست القاتل، حتى يسترسل في الحديث. وهكذا تحولت آنا إلى صديقة ومعالجة نفسية، وما عزز ثقته بها أنها لم تطلق أي أحكام بحقه، يبدو أن القتلة أيضاً بحاجة لامرأة يتكلمون معها.

بكل الأحوال ستصل الشخصية المختلقة إلى حد معين، فتثير الشكوك حولها وستنتهي طاقة آنا، فمن هي تلك الفتاة التي تواصلت مع مئات العناصر، بعضهم شارك بطريقة مباشرة في عمليات القتل، ولذلك بدأ أولئك العناصر يتساءلون عن قصة الفتاة الموجودة في مراسلاتهم جميعاً.

لا شك في أن مساعدة المجند في تسريب التسجيلات كان لها دور كبير، لكن وجود آنا كان الحد الفاصل في القصة فما كان قبلها ليس كما جاء بعدها، انصار انتصرت للنساء السوريات بذهابها أبعد مما قد يتخيله عناصر النظام فأوقعتهم في المصيدة، فأن تشارك امرأة سورية في كشف مجرم كبير كأمجد يوسف هو شكل من تصحيح كل الانتهاكات والذكورية التي تتعرض لها النساء في سوريا على يد هذا النظام وقوانينه المجحفة.

درج

————————–

 أنصار شحود.. كيف كشفت صحفية سورية هوية مرتكب مجزرة التضامن؟

2026.04.25

لم يبدأ كشف واحدة من أبشع جرائم نظام الأسد الموثقة في سوريا من غرفة تحقيق أو جهة قضائية، بل من فيديو سربه مجند شاب في جيش النظام، قرر أن ما شاهده لا يمكن أن يبقى مخفياً، ليفتح ذلك مساراً طويلاً من العمل قادته الصحفية والباحثة السورية أنصار شحود، وانتهى بكشف هوية أمجد يوسف، أحد أبرز مرتكبي مجزرة حي التضامن في دمشق.

أظهر الفيديو، الذي وُصف لاحقاً بأنه أحد أكثر الأدلة صدمة في سياق الحرب السورية، قيام عناصر أمنية بإعدام ما لا يقل عن 41 مدنياً ميدانياً، عبر إطلاق النار عليهم واحداً تلو الآخر، قبل رميهم في حفرة جماعية وإحراق جثثهم.

تعود بداية القصة إلى العام 2019، حين اطلع مجند شاب ضمن إحدى الوحدات العسكرية في جيش الأسد، على مقطع فيديو يوثق عملية إعدام جماعي في حي التضامن جنوبي دمشق، تعود إلى يوم 16 نيسان 2013.

قرار تسريب هذا الفيديو إلى خارج سوريا شكّل نقطة التحول الأولى، إذ وصل لاحقاً إلى باحثين في أوروبا، بينهم أنصار شحود والبروفيسور أوغور أوميت أونغور، اللذان عملا على تحويل المادة الخام إلى تحقيق موثق يمكن البناء عليه قانونياً وإعلامياً.

ورغم دوره الحاسم في كشف الجريمة، لا تزال هوية المجند الذي سرب الفيديو مجهولة حتى اليوم، حيث فضل البقاء مجهولاً لأسباب أمنية بعد خروجه من سوريا عبر مسار معقد، كما بقيت هوية الناشط الذي تلقى التسجيل أولاً وأسهم في نقله إلى خارج البلاد طي الكتمان أيضاً، في ظل حساسية الملف وخطورته.

أنصار شحود: الوصول من الداخل

أنصار شحود، صحفية وباحثة سورية تنحدر من مدينة سلمية بريف حماة، غادرت البلاد عام 2013 إلى بيروت، قبل أن تستقر لاحقاً في أمستردام، وانخرطت هناك في العمل البحثي المتعلق بتوثيق الجرائم والانتهاكات في سوريا.

في العام 2016، التقت شحود بالبروفيسور التركي أوغور أونغور، وبدأ الاثنان العمل على مشروع يوثق ما اعتبراه نمطاً ممنهجاً من العنف، بهدف فهم بنية أجهزة نظام الأسد الأمنية، ليس فقط عبر الضحايا، بل أيضاً عبر الاقتراب من الجناة أنفسهم.

لم يكن هذا العمل تقليدياً، حيث سعت شحود للوصول إلى داخل بنية النظام نفسه عبر التواصل مع عناصره وضباطه، فاعتمدت على بناء علاقات تدريجية معهم عبر وسائل التواصل، والاستماع إليهم وكسب ثقتهم، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً وأساليب مختلفة لفهمهم وانتزاع المعلومات منهم.

وفي محاولة للوصول إلى الفاعلين داخل الأجهزة الأمنية، أنشأت أنصار شحود حساباً وهمياً على موقع “فيسبوك” تحت اسم “Anna Sh”، وقدمت نفسها على أنها شابة موالية لنظام الأسد، وتسعى للتقرب من عناصره.

على مدى عامين، عملت أنصار بشكل مكثف على بناء شبكة علاقات رقمية مع عناصر وضباط، مستفيدة من طبيعة استخدامهم المفتوح نسبياً لمنصات التواصل الاجتماعي، ومع مرور الوقت، تحول الحساب على “فيسبوك” إلى نقطة تواصل موثوقة، أتاحت لها الدخول إلى دوائر مغلقة نادراً ما تكون متاحة للباحثين.

هذا العمل لم يكن تقنياً فقط، بل تطلب قدرة عالية على بناء الثقة والاستماع وفهم اللغة والسلوكيات داخل تلك البيئة، وهو ما مكّن أنصار من التقدم خطوة إضافية نحو الهدف الأساسي: تحديد هوية منفذ المجزرة الذي ظهر في الفيديو.

لحظة الكشف

في العام 2021، وبعد سنوات من المتابعة، لفت انتباه أنصار حساب على “فيسبوك” يحمل اسم “Amgd Youssuf”، ظهرت فيه ملامح تشبه بشكل كبير الشخص الذي نفذ عمليات الإعدام في الفيديو.

تأكدت شبهات أنصار عبر أكثر من مسار، حيث لم تعتمد على التشابه البصري وحده، بل قارنت ملامح الشخص في الفيديو مع الصور المتاحة على حساباته، قبل أن تتلقى تأكيداً من مصادر ميدانية من داخل حي التضامن بأن الشخص الظاهر هو نفسه الذي كان مسؤولاً في المنطقة خلال تلك الفترة.

كما ساعدت متابعة نشاط أمجد يوسف على وسائل التواصل، وعلاقاته مع عناصر آخرين، في تثبيت هويته بشكل أكبر، قبل أن تبدأ مرحلة أكثر حساسية: التواصل المباشر معه.

خلال سلسلة من المحادثات والمكالمات، نجحت أنصار، عبر الشخصية الوهمية، في كسب ثقة يوسف تدريجياً، مستفيدة من أسلوب قائم على الإيحاء بالفهم والتعاطف، ما دفعه إلى الحديث بشكل أكثر انفتاحاً، عبر عمل استمر لسنوات، تخلله جمع آلاف الساعات من المحادثات والبيانات، التي جرى لاحقاً تسليمها لجهات قضائية في أوروبا.

في إحدى هذه المحادثات، أقر أمجد يوسف بشكل غير مباشر بدوره في عمليات القتل، قائلاً: “قتلت كثيراً”، في اعتراف اعتُبر أحد المفاصل الأساسية في التحقيق. ومع الوقت، بدأ يتحدث عن دوره، خصوصاً بعد أن تطرق إلى مقتل شقيقه وتأثير ذلك عليه، مضيفاً أن ما قام به كان بدافع “الانتقام”.

في شباط 2022، نُشرت نتائج هذا العمل في تحقيق موسع لصحيفة “الغارديان”، مرفقاً بمقاطع من الفيديو، ما أحدث صدمة واسعة، وأعاد تسليط الضوء على ملف الجرائم المرتكبة في سوريا.

لاحقاً، تم تسليم المواد التي جُمعت، بما في ذلك الفيديوهات والمقابلات، إلى مدعين عامين في دول أوروبية، ضمن جهود أوسع لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، في مسار أسهم في كسر جزء من حالة الإفلات من العقاب، وفتح الباب أمام استخدام الأدلة الرقمية والشهادات في ملاحقات قانونية عابرة للحدود.

كلفة شخصية تتجاوز مجرماً واحداً

بالنسبة لأنصار شحود، لم يكن هذا العمل مجرد تحقيق مهني، بل تجربة شخصية معقدة، استمرت لسنوات، وفرضت عليها العيش بهوية مزدوجة، والتعامل اليومي مع روايات مرتكبي الجرائم، ما ترك أثراً عميقاً في نفسها دفعها في النهاية إلى إنهاء الشخصية الوهمية التي استخدمتها، في خطوة رمزية لإنهاء مرحلة طويلة من العمل السري.

وعلى الرغم من ذلك، تؤكد شحود أن ما جرى كان ضرورياً، ليس فقط لكشف هوية فرد مرتكب للانتهاكات، بل لإثبات نمط كامل من الجرائم، وتقديم مادة يمكن أن تُستخدم في مسارات العدالة مستقبلاً.

اليوم، وبعد نحو أربع سنوات من نشر التحقيق، ومع الإعلان عن إلقاء القبض على أمجد يوسف، يعود اسم أنصار شحود إلى الواجهة، بوصفها إحدى الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في كشف هذه الجريمة، إلى جانب آخرين بقوا خارج الضوء، وفي مقدمتهم المجنّد الذي سرّب الفيديو والناشطون الذين أسهموا في نقله، والذين لا تزال هوياتهم مجهولة حتى اليوم.

ورغم أن الطريق نحو العدالة لا يزال طويلاً، فإن ما بدأ بفيديو مسرّب وتحول إلى تحقيق صحفي ثم إلى ملف قضائي، فتح مسار محاسبة بعد سنوات من بقاء الجريمة في الظل.

ومع ذلك، لا تزال تفاصيل كثيرة طي الكتمان، في ظل وجود تسجيلات أخرى لم تُنشر توثق وقائع إضافية في المنطقة نفسها، ما يدفع ذوي الضحايا إلى المطالبة بالكشف الكامل عنها، باعتبارها خطوة أساسية لمعرفة مصير المفقودين وتحديد المسؤوليات، مؤكدين أن ما ظهر حتى الآن لا يمثل سوى جزء من الحقيقة.

تلفزيون سوريا

——————————————

سفاح التضامن.. أول تعليق من السيدة التي أوقعت أمجد يوسف

الرياض- العربية.نت

25 أبريل ,2026

فيما عمت الاحتفالات حي التضامن جنوب دمشق منذ أمس الجمعة، إثر اعتقال أمجد يوسف، المشتبه به الرئيسي في مذبحة حي التضامن التي وقعت عام 2013، مسجلة واحدة من أسوأ أعمال العنف خلال حكم نظام بشار الأسد، والتي قتل فيها 288 مدنياً، علقت السيدة السورية أنصار شحود، التي كانت أول من وثق جرائم “سفاح التضامن” بتسجيلات صوتية وفيديوهات.

“حاسة بنوع الأمان”

وقالت شحود الباحثة في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، والتي أمضت أربع سنوات في توثيق المجزرة إنها تشعر الآن بالأمان بعد اعتقال يوسف.

كما أردفت:” “حاسة بنوع الأمان رغم بعد المسافة، لأن كنت دايما حس أنه هاد الشخص ورايي ورح يقتلني”.

لكنها أضافت أن “الطريق إلى العدالة في سوريا غير واضح ولا يشمل جميع الجناة”، وفق ما نقلت وكالة رويترز.

توثيق المذبحة

وكانت شحود، تظاهرت عام 2022 بأنها معجبة بيوسف عبر الإنترنت، وكسبت ثقته وحصلت في النهاية على اعترافاته في تسجيلات صوتية ومرئية.

ليصبح يوسف (40 عاما)، وهو عضو سابق في المخابرات العسكرية في عهد الأسد، في دائرة الضوء خلال شهر أبريل 2022 بعدما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقاطع فيديو قدمها اثنان من الأكاديميين قالا إنها تظهره وهو يجبر مدنيين معصوبي الأعين على الركض نحو حفرة في حي التضامن بجنوب دمشق قبل إطلاق النار عليهم.

يذكر أن وزارة الداخلية السورية كانت أعلنت أمس الجمعة أنها اعتقلت الرجل الملقب ب “سفاح التضامن”. ونشرت الوزارة لقطات لاعتقال أمجد في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة غرب سوريا، بالقرب من مسقط رأسه.

فيما أوضح مصدر أمني أنه كان مختبئا هناك منذ الإطاحة بالأسد في نهاية 2024.

أمجد يوسف يبكي أمام الوزير أنس خطاب بعد أول سؤال.. والوزير: شيلوه!

https://twitter.com/alokdehahmad/status/2047725559388500384/video/1

هذا ولا يزال السكان المحليون يشيرون إلى موقع المذبحة باسم “حفرة أمجد يوسف”. بل حتى جرى تعريفه على خرائط غوغل باسم “موقع مجزرة التضامن”.

—————————–

أمجد يوسف… المحاسبة لا تنتهي بالاحتجاز/ فضل عبد الغني

26 ابريل 2026

اعتُقل أمجد يوسف في 24 إبريل/ نيسان الجاري في ريف حماة، في عملية نفذتها قوى الأمن الداخلي السوري. وهو المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة حي التضامن جنوبي دمشق عام 2013، وكان مسؤولاً عن العمليات الأمنية في جنوب العاصمة خلال سنوات النزاع. ويعدّ هذا الاعتقال من أبرز الحالات في سورية ما بعد الأسد التي يصبح فيها متهمٌ بارتكاب جريمة جماعية موثقة بأدلة مادية مباشرة في عهدة الدولة. غير أن الاحتجاز، على أهميته، يفتح مساراً نحو المحاسبة ولا يشكّل محاسبة مكتملة بذاته؛ فهو بداية الطريق القضائي، لا نهايته.

وقعت المجزرة في 16 إبريل/ نيسان 2013، ونُسب تنفيذها إلى عناصر من الفرع 227، المعروف بفرع المنطقة، التابع لشعبة المخابرات العسكرية. وأظهرت اللقطات المسرّبة التي نشرتها صحيفة الغارديان عام 2022، ضمن تحقيق استقصائي أُعدّ بالتعاون مع باحثين من مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة أمستردام، عمليات إعدامٍ لمدنيين معصوبي الأعين، أُجبروا على الركض قبل أن يُطلق عليهم الرصاص وتُلقى جثثهم في حفرةٍ أُحرقت لاحقاً. ووثّق ذلك التسجيل إعدام 41 شخصاً، لكنه كان واحداً من 27 تسجيلاً مصوراً لعمليات قتل مماثلة في الموقع نفسه. وتفيد تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن حصيلة الضحايا والمفقودين في مجزرة التضامن قد تتجاوز 450 شخصاً. وقد ظهر أمجد يوسف في بعض تلك اللقطات، كما اعترَف في تسجيلات بارتكاب جرائم في حي التضامن.

ويمثل توثيق الجناة جرائمهم بأنفسهم أحد أكثر أشكال الأدلة مباشرة في القضايا الناشئة عن النزاع السوري. غير أن هذا النوع من الأدلة لا يُغني عن تحقيق قضائي كامل، لكنه يخفّف من عبء الإثبات الذي يحتاج المدّعون العامون في قضايا الجرائم الدولية غالباً إلى سنوات لبنائه من مصادر متفرّقة، تشمل شهادات الناجين، وصور الأقمار الصناعية، والوثائق الأمنية، وسجلات الاحتجاز، والمقاطع المصوّرة غير المكتملة.

وتنبع أهمية هذا الاعتقال أيضاً من الموقع العملياتي الذي شغله يوسف داخل بنية الفرع الأمني، فالعناصر من الرتب المتوسطة قد يمتلكون معرفة تفصيلية لا تتوافر بالقدر نفسه لدى القادة الكبار أو المنفذين الأدنى رتبة. وقد تشمل هذه المعرفة هويات ضحايا لم يُوثقوا بعد، ومواقع الحرق والدفن في شارع نسرين والمناطق المحيطة به، وبنية شبكات الابتزاز والاختطاف عند الحواجز، وسلسلة القيادة داخل الفرع 227 ومديرية المخابرات العسكرية على نطاق أوسع.

ويحمل السلوك المصوّر دلالات قانونية تتجاوز واقعة القتل نفسها، فالتسجيل المتعمد، ودفع الضحايا إلى حفرة معدّة مسبقاً، وإطلاق النار عليهم تباعاً، ثم إحراق الجثث، كلها مؤشرات على التنظيم والقصد والشعور بالإفلات من العقاب. أما التوصيف القانوني الدقيق فيقتضي ربط هذه الأفعال بالسياق الأوسع، فإثبات أنها ارتُكبت بوصفها جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، مع علم الجناة بذلك الهجوم، يستوفي عناصر الجرائم ضد الإنسانية. كما أن القتل العمد والمعاملة اللاإنسانية لأشخاصٍ محميين يندرجان ضمن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويشكّلان جرائم حرب. والأدلة المتوفرة في هذه القضية، ولا سيما التسجيلات المصوّرة واعترافات المتهم وشهادات الناجين، تسمح بالنظر في التوصيفين معاً، لا في أحدهما دون الآخر.

وتقود هذه القضية إلى مسألة تتجاوز المسؤولية الفردية، فكما يشرح جيمس والر في كتابه Becoming Evil، لا تنتج الأنظمة العنيفة الفظائع عبر الأوامر المباشرة وحدها، بل من خلال بيئاتٍ مؤسّسية واجتماعية تُطبّع القسوة، وتكافئ الطاعة المطلقة، وتُهمّش من يتردّد أو يعترض. ومن هذه الزاوية، لا يبدو أمجد يوسف حالة شاذّة داخل النظام الأسدي، بل أحد نتاجاته. وهذا لا يخفّف من مسؤوليته الجنائية الفردية، بل يؤكد ضرورة محاكمة الفاعل المباشر، والبحث في الهيكل المؤسّسي الذي مكّنه وحماه. كما أن تكرار هذه الأفعال وتنظيمها وارتباطها ببنيةٍ أمنيةٍ واضحة يشكّل قرينة على علم مستويات أعلى في سلسلة القيادة، أو على الأقل على ما كان ينبغي لها أن تعلمه، بما يفتح الباب للنظر في مسؤولية القيادة.

وعائلات ضحايا التضامن أصحاب حقوق. فما تطلبه هذه العائلات لا يقتصر على احتجاز المتّهم أو معاقبته، بل يشمل معرفة مصائر الضحايا، وتحديد مواقع الرفات، والحصول على شهادات وفاة، وانتزاع اعترافٍ رسميٍّ بهويات أحبائها ومصائرهم. وتقتضي هذه الحقوق عملية تحقيق موازية تجري في أثناء احتجاز أمجد، وفي إطار ضمانات قانونية، لاستخراج المعلومات المتعلقة بالمقابر الجماعية ومواقع الحرق والدفن، فالمعلومات التي قد يملكها المتهم قد تكون آخر فرصةٍ لكشف مصير ضحايا لم تُعرف مصائرهم بعد. وتزداد أهمية هذا المسار في ما يتعلق بالنساء والفتيات اللواتي اختُطفن عند الحواجز، ولا يزال مصيرهن مجهولاً. فقد لا تظهر كثيرات منهن في قوائم القتلى أو المفقودين، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو فناء أسر كاملة، أو انهيار السجلات المدنية، أو امتناع العائلات عن الإبلاغ. وهذه فجوة توثيقية في ملفّ حي التضامن، ولا يمكن معالجتها بالوسائل التقليدية وحدها. فهي تتطلب تحقيقات تراعي حساسية النوع الاجتماعي، ومقابلات آمنة وشبه سرية، ومطابقة شهادات الناجين والناجيات الذين أُطلق سراحهم مقابل مبالغ مالية أو عبر وساطات محلية.

ولهذا السبب، أمجد يوسف أكثر قيمة حيّاً أمام محكمةٍ مستقلةٍ مما لو أُعدم بإجراءاتٍ موجزة، فوجوده في عهدة الدولة ينبغي أن يتحوّل إلى فرصة لكشف الشبكة الأوسع، وتحديد مواقع الجثث، وربط الجرائم بسلسلة القيادة، وتوسيع دائرة المساءلة من المنفذين المباشرين إلى من أمروا وغطّوا ومكّنوا وتستّروا.

ويُظهر اعتقال أمجد أن السلطات السورية قادرة على ممارسة نفوذ ميداني في ملاحقة بعض الجناة، لكن قيمته ستُقاس بما يليه: توجيه تهم رسمية، وحفظ الأدلة وفق معايير جنائية دولية، وضمان محاكمة عادلة وعلنية أمام قضاء مستقل، وإشراك الضحايا وعائلاتهم، وحماية الشهود والباحثين، ومنع أي تسوياتٍ سياسيةٍ تؤدّي عملياً إلى إفلات كبار المتورطين من العقاب.

خرج أهالي حي التضامن محتفلين بالقبض على المتهم الرئيسي في واحدةٍ من أكثر الجرائم توثيقاً في تاريخ النزاع السوري، وشاركهم سوريون كثيرون، بمن فيهم فلسطينيو سورية، شعوراً بأن المحاسبة باتت ممكنة. غير أن المعنى الفعلي لهذا اليوم لن يكتمل بمجرّد الاعتقال، بل بتحويله إلى مسار قضائي يكشف الحقيقة، ويحفظ حقوق الضحايا، ويفتح الطريق لمحاسبة البنية التي أنتجت الجريمة، لا بالاكتفاء بمعاقبة أحد وجوهها.

العربي الجديد

————————————

أمجد يوسف وأسئلة العدالة الانتقالية/ عبسي سميسم

26 ابريل 2026

أعاد اعتقال منفذ مجازر شارع نسرين في حي التضامن أمجد يوسف موضوع العدالة الانتقالية إلى واجهة الحدث السوري، فعلى الرغم من الارتياح الكبير الذي عمّ الشارع السوري نتيجة هذا الاعتقال كونه ارتكب أكثر الجرائم فظاعةً طوال سنوات الحرب في سورية، فإنه فتح الباب مجدداً حول أسئلة كثيرة مطلوب من الحكومة الإجابة عنها ضمن مسار العدالة الانتقالية.

ولعل أبرز هذه الأسئلة هو ما يتعلق بأسباب تأخر هذا المسار وعدم وضع آليات واضحة حتى الآن لإنصاف الضحايا، بعد مرور أكثر من عام على تشكيل هيئة وطنية خاصة بالعدالة الانتقالية، والتأخر الكبير في محاكمة المجرمين الذين مضى على اعتقال بعضهم أكثر من عام أيضاً، الأمر الذي يتسبب بزيادة خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع نتيجة الإحساس بالظلم. كما يتسبب بوصم مكونات من المجتمع وتحميلها مسؤولية الجرائم التي حصلت، بدلاً من محاسبة الذي يثبت تورطه في الجرائم ضمن محاكمات عادلة بالتوازي مع إجراء مصالحة مجتمعية، من خلال وسائل مدروسة.

كما أن أمجد يوسف لم يكن الوحيد الذي ارتكب مجازر التضامن، فهناك من كان شريكاً له في تلك الجرائم وهناك من أعطاه الأوامر لارتكاب تلك الجرائم وهناك من خطّط، وهؤلاء جميعاً يجب على الحكومة القبض عليهم ومحاسبتهم. كما أن يوسف هو واحد من عشرات المجرمين الذين ارتكبوا جرائم مماثلة في كل الجغرافيا السورية، ولكنهم لم يُوثّقوا جرائمهم، كما فعل يوسف، وبالتالي تقع على الحكومة مسؤولية معرفتهم والقبض عليهم، مع ضرورة الانتباه للاعتقال بالشبهات أو التقارير الكيدية، وعدم تحول تهمة ارتكاب جرائم في عهد النظام ذريعة لمحاسبة من يعارض توجهات الحكومة. هذا بالإضافة إلى أن أعتى مجرمي النظام البائد قد أُفسح لهم المجال في الأشهر الأولى التي تلت التحرير للهرب خارج البلاد، وبالتالي يقع على عاتق الحكومة استعادتهم من الدول التي هربوا إليها وجعل هذا الأمر أولوية لاستكمال مسار العدالة الانتقالية.

كما أن إجراء الحكومة مصالحات مع مجرمين ارتكبوا انتهاكات بحق السوريين، سواء من خلال تسويات مالية أو تسويات سياسية أو حتى من خلال رضوخ لضغوط دولية خارجية، من شأنه أن يطيح مسار العدالة الانتقالية، فالمجرم يجب ألّا يخضع لأية تسويات قبل خضوعه لمحاكمة عادلة، كما أن هناك حقوقاً شخصية تتعلق بذوي الضحايا لا يحق للحكومة التنازل عنها تحت أية ذريعة. وهذا ما جعل اسم فادي صقر؛ المسؤول المباشر عن أمجد يوسف، يتردد مرة أخرى كونه مجرم حرب أجرت الحكومة السورية تسوية معه من دون محاكمة ومن دون وجه حق، هذه التساؤلات وأسئلة كثيرة غيرها بعضها بانتظار تفسيرات وأخرى بانتظار الكثير من العمل بهدف إحقاق الحق وإنصاف الضحايا وتجنيب المجتمع المزيد من التفكك.

العربي الجديد

———————————–

حُفرة التضامن… حيث سقطت النخب/ عالية منصور

25 أبريل 2026

ليست لحظة عابرة، ولن تكون… لحظةُ إلقاء القبض على أمجد يوسف هي لحظةٌ شعر بها ملايين السوريين، ومعهم العالم، بشيءٍ من العدالة؛ لحظةٌ وصفها البعض بأنها كلحظة الإعلان عن سقوط نظام بشار الأسد.

أمجد يوسف، الضابط في مخابرات الأسد، الذي ألقى عشرات السوريين والفلسطينيين في “الحفرة”، قتلهم وأحرقهم وهو يسخر ويضحك، ويوثّق، فخورا بإجرامه، ويُهدي هذا الإجرام لـ”المعلم”، صار اليوم في قبضة قوى الأمن السورية.

أمجد ليس السفّاح الوحيد الذي قتل السوريين وعذّبهم من أجل بشار الأسد؛ فهناك المئات من أمثال أمجد. لكن أمجد كان يُصوّر، بالصوت والصورة، وحشيته ووحشية نظامه في أبريل/نيسان 2013. لتقوم الباحثة السورية أنصار شحود، والبروفيسور أور أوميت أونغر في جامعة أمستردام، بالتزامن مع تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية، بنشر مقتطفات من فيديو المجزرة عام 2022، أي بعد 9 سنوات على المجزرة، ليسقط المجرم، بعد جريمته المصوّرة، بـ13 عاما في قبضة الأمن.

ليست كل جرائم أمجد مصوّرة، ولا كل زملائه في الإجرام وثّقوا جرائمهم؛ لكن إلقاء القبض على أمجد يوسف ليس حدثا عابرا. هي لحظة تذكّر- من نسي- ما حلّ بالسوريين على مدى 14 عاما؛ تذكّرهم بيوميات القهر والظلم، وتذكّرهم كيف أن الإنسان السوري لم يكن إلا مشروع قتيل أو معتقل على يد نظام الأسد، “معلّم” أمجد يوسف.

هي لحظة يظن المرء أنها ستجمع كل من عارض وثار على “المعلم”، المجرم الأول بشار الأسد، لكنها لم تفعل. لحظة تنفّس فيها ملايين السوريين، واستنشقوا شيئا من العدالة؛ إلا أن البعض أبى إلا أن يكون- كما اعتاد طيلة 14 عاما- بعيدا كل البعد عن السوريين، بآمالهم وآلامهم، بوجعهم وفرحهم.

لن أتحدث عن بيئة المجرم، ولا عمّن أيّد قتل السوريين وتعذيبهم وتجويعهم وتهجيرهم، ولكن سأتحدث عن بعض من رأى نفسه يوما ممثّلا لثورة السوريين وتطلعاتهم.

14 عاما من الثورة، فشلت المعارضة أفرادا ومجموعات في أن تفهم، ليس الشارع السوري فحسب، بل حتى التقاطعات السياسية إقليميا ودوليا؛ إلى أن جاءت “هيئة تحرير الشام” يومها من إدلب، وشنّت معركة “ردع العدوان”، وأطاحت بحكم الأسد، وأسقطت نظاما قمع السوريين واختطف سوريا لعقود من الزمن.

أن تعارض الحكومة السورية اليوم، فهذا ليس فقط حقا، بل هو واجب في كثير من الأحيان؛ فدون معارضة حقيقية لا تصلح الحياة السياسية، ولا تستقيم أمور الحكم. أن تعارض وتعترض على وصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم لأنه من خلفية إسلامية وجهادية، أمرٌ مفهوم ومنطقي؛ لكن غير المفهوم هو أن تتعاطى مع إلقاء القبض على أمجد يوسف بهذه البرودة، وتسخّف من مشاعر ملايين السوريين، لتتبنّى نظريات مؤامرة، وتحول لحظة كهذه إلى أمر ثانوي، أو لحظة عابرة، أو فرصة للانقضاض على الشرع وحكومته.

ما لم تقم به النخب السورية، وتحديدا العلمانية منها، هو مراجعة أين أخطأت. لم تُعد قراءة تجربة الثورة السورية وما تلاها بعقلٍ بارد، بل أصرّ بعضهم على الانفصال التام عن واقع الأرض، وكأنهم في برجٍ عاجي، كل ما عليهم فعله هو إلقاء المحاضرات بلغة لا يفهمها معظم السوريين.

المثقف الذي لا يعرف كيف ينخرط مع الإنسان العادي بالعمل، والذي يريد لتلك الفتاة الصغيرة- التي بكت وأبكت العالم معها وهي تحتفل في حي التضامن بإلقاء القبض على أمجد يوسف- أن تقرأ شريعة حمورابي قبل أن تبكي وتفرح. هذا النخبوي الذي يريد من السيدة التي عانقت حبل المشنقة في سجن صيدنايا لأنه يحمل رائحة عنق ولدها، أن تناقش أرسطو ومحاكمة سقراط قبل أن تعود إلى منزلها مع حبل المشنقة، لأنها لم تجد شيئا من ولدها لتأخذه.

لا شيء يشبه السوريين اليوم إلا ضحكات عناصر الأمن فرحا لحظة أمسكوا بالمجرم، وزغاريد النساء في كل أنحاء سوريا تضامنا مع نساء حي التضامن، وبكاء الرجال على عجوز صرخ وهو يسقط في الحفرة: “آخ… ضهري”.

لم يتآمر العالم على المعارضة السورية “المدنية”، فما كان بحاجة ليفعل؛ لكن استمرار بعضهم بهذا النهج هو تآمر على أي فرصة لقيام تلك الدولة. عودوا إلى الشارع، لعلّ بعضه يعود إليكم؛ ففي سوريا مكانٌ يتّسع للجميع، بشرط أن تكون من ضمن هذا الجميع.

المجلة

———————————-

الخميس والجمعة.. مشهدان لمرحلة واحدة/ أحمد عسيلي

شهد المجتمع السوري، يومي الخميس والجمعة الماضيين (23 و24 من نيسان الحالي)، حدثين جللين، لكل منهما ثقله الخاص وصعوبة امتصاصه نفسيًا. حدثان كبيران، لا يجمع بينهما شيء ظاهر، لكن تزامنهما بدا لافتًا، وكأن الثاني جاء ليُكمِل الأول، أو ليُعيد ترتيب أثره، قد تكون مصادفة، وقد تكون لحظة تلاقت فيها الأقدار، أو ربما الضرورات، لكن النتيجة كانت واحدة، انتقال سريع من حالة انقسام حاد إلى لحظة إجماع نادرة.

تمثّل الحدث الأول في احتفال السلطة السورية بنجاح مساعي الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، في إخراج القيادي السابق في “جيش الإسلام” عصام بويضاني من السجن في الإمارات، وما رافق ذلك من انتشار صورة تجمع سمير كعكة مع الشرع في مدينة دوما، صورة بدت لكثيرين صادمة أكثر من كونها سياسية، إذ أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر مراحل الثورة السورية قتامة، مرحلة الاقتتال الداخلي في الغوطة الشرقية بين “جيش الإسلام” من جهة، و”فيلق الرحمن” مدعومًا من “جبهة النصرة” من جهة أخرى. لم تُستقبل الصورة كخطوة سياسية قابلة للنقاش، بل كاستفزاز لذاكرة لم تُصفَّ بعد، فاندفع الجدل سريعًا إلى مستويات عالية من التوتر، وظهر انقسام حاد داخل الشارع المعارض، بين من قرأها كبراغماتية ضرورية، ومن رآها استهانة بدماء ما يقارب 700 شاب سقطوا في تلك المواجهات.

ثم، و بعد أقل من 24 ساعة، جاء الحدث الثاني: إعلان اعتقال أمجد يوسف، أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بذاكرة العنف في سنوات النظام السابق، والمعروف بما بات يُشار إليه بـ”جزار التضامن”، هذا الاعتقال لم يُستقبل كخبر عادي، بل كحدث جامع، أعاد، ولو مؤقتًا، نوعًا من الوحدة بين شريحة واسعة من السوريين المعارضين لبشار الأسد، إذ نقلهم من حالة انقسام حاد إلى شعور مشترك بالرضا، أو بما يشبه استعادة لحظة أخلاقية متفق عليها، وكأن هذا الحدث جاء ليعيد ترتيب المشهد، لا على مستوى الوقائع فحسب، بل على مستوى الشعور الجماعي ذاته.

إذا نُظر إلى هذين الحدثين من زاوية التحليل النفسي، فإن ما جرى لا يبدو مجرد تتابع إخباري، بل حركة نفسية جماعية ذات منطق خاص، فالحدث الأول، بما حمله من استعادة لذاكرة الاقتتال الداخلي، أعاد فتح جرح لم يُغلق أصلًا، ورفع مستوى التوتر داخل الجماعة إلى حد يهدد تماسكها الظاهري، في مثل هذه اللحظات، تدخل الجماعات في حالة توتر نفسي عالٍ، يخلق طاقة انفعالية ذات شحنة سلبية شديدة، حيث يصبح الخلاف الداخلي غير قابل للاحتمال طويلًا، ويهدد بالتحول إلى تفكك فعلي في الروابط والمعاني المشتركة.

إذا استعرنا صورة “القبو النفسي”، يمكن القول إن ما حدث مع صورة دوما لم يكن سوى فتح مفاجئ لباب ظل مغلقًا لسنوات، فذاكرة الاقتتال الداخلي لم تُمحَ، بل أُزيحت إلى الأسفل، إلى منطقة معتمة من الوعي الجماعي، حيث تبقى الأحداث بلا معالجة، لكنها تحتفظ بشحنتها الانفعالية كاملة، وعندما عادت هذه الصور إلى السطح، لم تظهر كذكرى باردة، بل كتوتر حي، كأن الزمن لم يمضِ أصلًا، هنا لا نتعامل مع ماضٍ، بل مع حاضر مكثف، مع مادة نفسية غير مهضومة، تستعيد قوتها كلما فُتح بابها.

في مثل هذه الحالات، فتح باب القبو يحمل خطورة عالية، وتصبح الحاجة ملحّة لإغلاقه مجددًا، أو على الأقل لتخفيف ما اندفع منه، وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “تفريغًا انفعاليًا جماعيًا”، يعيد توزيع هذا التوتر ويمنع تحوّله إلى انقسام فعلي، ولا يتم هذا التفريغ عشوائيًا، بل غالبًا عبر الالتفاف حول موضوع واضح وبسيط وغير خلافي، يُعاد من خلاله توحيد الشعور الجماعي، وهل هناك من موضوع أكثر وضوح وبساطة من إجرام أمجد يوسف!

بهذا المعنى، لم يكن هذا الاعتقال مجرد حدث قضائي، بل أدى وظيفة نفسية أعمق، نقل الجماعة من صراع داخلي إلى توجيه انفعالاتها نحو هدف خارجي متفق عليه، وكأن التوتر الذي كاد ينفجر داخل الجماعة، وجد مخرجًا في لحظة إجماع، أعادت، ولو مؤقتًا، ترميم صورتها عن نفسها.

لكن هذا النوع من التفريغ، على ضرورته، لا يحلّ الصراع بقدر ما يؤجله، فالقبو الذي فُتح لم يُغلق بشكل كامل، بل أُعيد إغلاقه على عجل، دون معالجة ما بداخله، واعتقال أمجد يوسف، رغم ثقله الرمزي، لن يطوي الصفحة، بل على العكس، سيعيد إلى الذاكرة سلسلة طويلة من الجرائم التي لم تُحاسَب، وسيوسّع مساحة ما هو مخزَّن في ذلك القبو.

ومع ذلك، قد يكون هذا الردم المؤقت جزءًا من آلية بقاء، فالمجتمعات، حين تعجز عن مواجهة كل تناقضاتها دفعة واحدة، تلجأ إلى دفن بعضها، إلى تأجيلها، إلى ترك الزمن يقوم بوظيفته في التخفيف والمحو، ليس لأن النسيان حلّ، بل لأنه في لحظات معينة، يصبح ضرورة.

هل تريدون قراءة تجربة مشابهة كان مصيرها الدفن في الأقبية النفسية، اقرؤوا جيدًا ما حدث في إقليم كردستان العراق بين 1996 و1998، وكيف حُلّت الأزمة لاحقًا رغم المجازر المرتكبة بين الحزبين الرئيسين، لكن الردم كان الحل لأن به راحة للجميع، وهذا ما تم، أو على الأقل إلى الآن.

عنب بلدي

——————————–

«حفرة الموت» التي رُميت فيها المنطقة!

عقب صلاة الجمعة من ظهر أمس خرج كثيرون من أهالي حي التضامن جنوبي دمشق في حركة عفوية أخذتهم من الجامع نحو الموقع الذي ارتكبت فيه مجزرة ما تزال ماثلة في أذهان السوريين والعالم.

كانت المناسبة هي إعلان القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ ما سمي “مجزرة التضامن”، الذي يتذكره الناس بعد أن نجح الباحثان الأكاديميان، السورية أنصار شحود، وزميلها التركي أوغور أوميت، في الحصول على 26 مقطعا للمقتلة، ونشرا منها مقطعا واحدا.

بدأت حكاية المجزرة تُعرف بعدما قام عسكريّ سوريّ منشق بحمل مقطع مصوّر وخاض رحلة مليئة بالمخاطر ليتمكن من الهروب خارج سوريا، إلى أن تمكن بعد 3 سنوات من تسليم الوثائق إلى فريق من الباحثين المتخصصين في قضايا الإبادة الجماعية، الذين عملوا على امتداد عامين قاموا خلالها بالوصول إلى الجناة عبر “فيسبوك” ومصادقتهم والحديث معهم على مدى أشهر، فتمكنوا من الحصول على ثقتهم والحصول على أسمائهم وخلفياتهم.

في التقرير الذي نشرته حينها صحف بينها “الغارديان” البريطانية تظهر اللقطات المسرّبة التي صوّرها عناصر الأمن لأنفسهم، حفرة كبيرة يقذف فيها الضحايا الذين احتجزوا من دون أسباب موجبة سوى حاجة القتلة للتسلية، ووجود هؤلاء الضحايا تحت سلطتهم، اعتمادا على الأغلب على أسمائهم وملابسهم، ومعالم الفقر التي تميزهم، وكونهم سوريين وفلسطينيين من طائفة محددة.  قام هؤلاء القتلة بإعدام 271 مدنيا سوريا وفلسطينيا حيث تم قذف الواحد تلو الآخر في حفرة أعدوها لتكون مقبرة جماعية للضحايا ثم سكبوا الوقود على الجثث، وبعض الضحايا الذين ربما كانوا ما يزالون أحياء، وأشعلوا النار فيهم.

تثير طريقة التصرف الوحشية والعدائية ليوسف وعناصره مع النساء الحيرة في فهم هذا الشرّ العجيب. تصرخ إحدى النساء صرخة استغاثة، فيرد عليها القاتل بشتيمة بذيئة ويسحبها من شعرها ويلقي بها في الحفرة وهو يطلق عليها الرصاص. تصرخ امرأتان برعب فيقوم أمجد بركلهما نحو الحفرة وقتلهما، فيما تواجه الأخريات مصيرهن بصمت. يثير إشعال النار في الجثث أيضا بدل دفنهم وحسب التساؤل حول السبب، وهل كان ذلك بقصد التسلية أيضا.

إحدى العائلات التي نُكبت في تلك المجزرة هي عائلة صيام الفلسطينية، التي هربت إلى ألمانيا. عند بث مقطع الفيديو، عرفت الأم سهام ابنها، الذي احتجز خلال نقله الطحين إلى فرن “الضياء”، من البنطال الذي كان يرتديه، واستعادت اليوم الذي شاهدت فيه نجلها للمرة الأخيرة قبل أن يرمى في حفرة القتل.

وجد الباحثان اللذان كشفا مجزرة التضامن، وقتذاك، تشابهات مع مذابح عالمية مثل مذبحة سربرينيتسا التي قتل فيها 8 آلاف بوسنيّ، كما أشارا طبعا إلى تشابهات مع مذابح جرت برصاص وحدات القتل النازية المتنقلة في ألمانيا، ولكن اسم العائلة الفلسطينية يفترض أن يذكر طبعا بما جرى للعائلة التي تحمل الاسم نفسه في غزة، والتي كان آخر شهدائها هو حمزة صيام الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي الشهر الماضي، كما تذكر بما سمي “مجزرة عائلة صيام” التي استشهد منها أكثر من 10 بعد قصف إسرائيل منزلهم في حي الزيتون شرقي مدينة غزة.

تصوّر المجزرة خروج الإجرام السياسي من نمطه الاعتيادي الأمنيّ الذي يسعى للحفاظ على نظام ما إلى الهمجية “التسلوية” التي تحتقر البشر كبشر، وتقوم باستهدافهم على أسس دينية أو قومية أو حتى على طريقة لبسهم وعيشهم، وهو أمر أخذ، في المرحلة الإسرائيلية الأخيرة يتحوّل إلى نمط سائد يشهده “السكان المحليون” حيثما وصل الإسرائيليون، في غزة والضفة، كما في لبنان، حيث أخذوا بنهب البيوت، والتصوير فيها وهم يطبخون، وحيث قام جندي بكسر تمثال المسيح، وفي سوريا نفسها، التي يقومون فيها بأشكال الترويع وقتل واعتقال المدنيين.

بهذا المعنى، تتظهر صورة “مجزرة التضامن” وتتعمم، ويتشابك فيها تغوّل عناصر أمن النظام السوريّ السابق، مع إرهاب الوحدات المتنقلة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.

القدس العربي

——————————-

أكبر من عملية اعتقال/ فايز سارة

25 أبريل 2026 م

أخيراً، وقع أمجد يوسف في قبضة رجال وزارة الداخلية السورية، وهو أحد أبرز المطلوبين من رموز نظام بشار الأسد، وبين الأكثر شهرة في قائمة أصحاب الجرائم التي ارتكبت ضد السوريين في حرب النظام عليهم ما بين 2011 و2024، التي انتهت بسقوط النظام، وهروب الأسد وانهيار مؤسساته الأمنية والعسكرية، وتشتّت رموزه الفارين في أنحاء البلاد، حيث توفرت لهم فرص الوصول والاختباء في بلدان أخرى.

شهرة أمجد يوسف الإجرامية مستمدة من كونه المنفذ الرئيس في مجزرة التضامن، أحد أحياء جنوب دمشق، والتي جرى فيها قتل 41 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، في أبريل (نيسان) 2013، تم اعتقالهم كيفياً، وإعدامهم بأساليب وطرق تنم عن عقلية إجرامية فظيعة، وتم جمع الضحايا في حفرة وسط الحي السكني، وأشعلت النار بالجثث قبل أن تُردم الحفرة على بقايا المقتولين.

وكان يمكن نسيان تلك المجزرة، التي تماثل عشرات من مجازر ما زال يكشف عنها في «التضامن» بعد عام ونصف عام من سقوط الأسد، لولا صدفة انتقال شريط مصور للمجزرة إلى ناشطين، بينهم الناشطة السورية أنصار شحّود والبروفسور أوغور أوميت أنغور، العاملَين في «مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية» بجامعة أمستردام، الذين عملوا عليها ثلاث سنوات، وكشفوا عن جوانب وتفاصيل، ومنها دور أمجد يوسف، قبل أن ينشروا تسجيل المجزرة المصور في صحيفة «ذا غارديان» البريطانية عام 2022.

اعتقال أمجد يوسف أمر مهم، يقارب أهمية اعتقال آخرين ممن ارتكبوا جرائم ضد السوريين، وسوقهم للمحاسبة على ما ارتكبته أيديهم، ويشكل مدخلاً لإرضاء ذوي الضحايا الذين فقدوا أحبابهم، وتأكيداً أن القانون يطال المجرمين، وأن الحقوق لا تنسى، ولا تسقط بالتقادم.

غير أنَّ ما سبق كله لا يجسد معالجة كاملة لما تسببت به وكرّسته الجرائم التي لحقت السوريين في سنوات الحرب؛ نظراً لأمرَين اثنين؛ الأول حجم ونوع تلك الجرائم، واللذان يعكسان اختلالات في واقع السوريين، خاصة لجهة التشاركية الوطنية، وإحساس الجميع بالانتماء إلى بلد واحد، ومثل هذه الاختلالات كانت حاضرة ومكرسة مشوهة عند الشبيحة، كما في سلوك وقول رأس النظام الذي كرر مرات مقولته عن «المجتمع المتجانس»، والتي تعني أنَّ السوريين، من وجهة نظره، هم مؤيدو النظام، بينما المعارضون والذين لا يؤيدون سياسته أعداء وعملاء، يستحقون ما يصيبهم من قتل وتشريد وتهجير.

والأمر الثاني يتَّصل بالتداعيات التي تجرها جرائم النظام وشبيحته، ليس على الضحايا فقط، وإنما على أسرهم وأهلهم، وتصل أحياناً إلى الأقارب والأصدقاء، وقد عانى السوريون من التداعيات ليس فقط في الجرائم التي ارتكبها نظام بشار، وإنما من تداعيات الجرائم التي ارتكبها نظام حافظ الأسد في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، والتي تركت في كل الحالات مآسي إنسانية وأخلاقية واجتماعية ومالية، ودمَّرت حياة أفراد وأسر وعائلات على مدار عقود.

وسط تلك الحالة لبيئة إجرام النظام المخلوع، لاحظ السوريون والمعنيون في المجتمع الدولي وقراراته أن طريق العدالة الانتقالية هو السبيل الكفيل بعلاج حقيقي للوضع السوري، وهو سبيل يشمل محاسبة المجرمين، وإيقاع العقوبات بهم، ويتجاوز ذلك إلى خلق بيئة من السلم الأهلي تعيد ترتيب العلاقات، في إطار الجماعات الوطنية على قواعد التسامح والمساواة والعدالة وإعادة الحقوق وجبر الضرر، وكلها خطوات ضرورية لمعالجة ما حدث ومنع تكراره لاحقاً، وهي خطوات يتشارك فيها جميع السوريين والقوى والتنظيمات الاجتماعية والمدنية والأهلية، تشارك في عملية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية، تجعل من البلاد والمواطنين ورشة واحدة متعددة المهمات.

اعتقال أمجد يوسف وأمثاله ممن جرى اعتقالهم مؤخراً، إذا كانت له أهمية خاصة، فإنها تُستمد من بيئة تسير نحو انخراط أوسع في مرحلة العدالة الانتقالية، ولهذا تعبيرات كثيرة تتوالى، بينها فورة مطالبات شعبية وحقوقية بالذهاب إلى العدالة الانتقالية، وتحرك حكومي لاعتقال مجرمين استطاعوا البقاء متوارين لعام ونصف عام، وإحالة موقوفين إلى المحكمة، وسط وعود بأنَّ محاكمة بعضهم ستكون علنية، إضافة إلى تحرك هيئة العدالة الانتقالية، وصدور تصريحات تتحدَّث عن تطورات عملية في مسار العدالة الانتقالية. وكل ذلك يدعو السوريين والمهتمين بالموضوع السوري إلى انتظار تطورات مهمة، تبدأ من بوابة العدالة الانتقالية.

الشرق الأوسط

——————————-

 سوريون عالقون في المجزرة/ عمر قدور

السبت 2026/04/25

صباح يوم الجمعة أعلنت وزارة الداخلية القبض على المجرم أمجد يوسف، وهو متهم رئيسي بارتكاب مجزرة التضامن بدمشق، والتي يُقدَّر عدد ضحاياها بقرابة 300 قتيل. وقد يزداد العدد مع إضافة مفقودين لا يُعرف مصيرهم حتى الآن، ويُظنّ أنهم من بين الضحايا. الخبر قوبل عموماً بالفرح، إذ ليس هناك مَن يتبرّع بالانحياز إلى مجرم من هذا القبيل. ذلك بخلاف ما حدث قبل ساعات، عندما نقلت وسائل الإعلام صور استقبال عصام بويضاني، قائد “جيش الإسلام” سابقاً، وتلك الصور التي تجمعه مع الرئيس الشرع ووزير دفاعه وقيادي آخر من جيش الإسلام.

لجيش الإسلام انتهاكات معروفة، بدءاً من الغوطة وصولاً إلى عفرين، ومن أشهرها اختطاف النشطاء الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وقد كانوا حينها قد غادروا دمشق التي يسيطر عليها الأسد إلى ريفها في دوما حيث يسيطر جيش الإسلام. بين جيش الإسلام وجبهة النصرة آنذاك جولات من القتال الدموي بغرض السيطرة ومكاسبها، بينما كانت قوات الأسد وحلفاؤه يتربصون بالطرفين ويحاصرون الغوطة بهدف التجويع والاستسلام.

تتالي الحدثين، الاحتفاء بعودة بويضاني الذي كان مسجوناً في دولة الإمارات ثم القبض على جزار التضامن، جعل المقارنة حاضرة. فثمة مَن هو في موضع اتهام بحكم موقعه السابق، إن لم يكن بشخصه، وهو طليق معزَّز مكرَّم، وثمة مجرم يذهب إلى مكانه الطبيعي ليُحاكَم. هذه المفارقة تجعل فرحة المتضررين من جيش الإسلام ناقصة بالقبض على أمجد يوسف، بما أن اعتقاله (الواجب والضروري) لا يأتي في سياق من العدالة، أو أنه يأتي ضمن عدالة انتقائية تطعن مفهوم العدالة نفسه.

ومن المعلوم أن الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا يقتصر رسمياً على جرائم نظام الأسد، أي أن انتهاكات الفصائل التي كانت قبل إسقاطه تسيطر على العديد من المناطق هي خارج المساءلة القانونية، بما فيها انتهاكات منسوبة إلى هيئة تحرير الشام الحاكمة. انتقاء جهة واحدة لمحاكمتها، ولو أن انتهاكاتها هي الأكبر على نحو فاحش، لا يفي بمبادئ العدالة بكل أنواعها. ولا يجب أن يكون مضمراً في ذلك عفوٌ عامٌ عن فئات معينة بالمعنى العصبوي. فالأصل في العفو العام (الجماعي) أن يكون عن فئة من الجرائم، سواء من حيث نوعيتها أو من حيث زمن وقوعها، والأصل في العفو الفردي أن يُمنح بشفافية، وبقرار واضح.

ولكي لا يبدو الحديث عن منسوب مقبول من العدالة مثالياً، يمكن الاستئناس بالعديد من التجارب المماثلة لحروب أهلية، والاستئناس بنماذج المصالحة فيها، والمقترنة بعفو عام عن نوعيات من الجرائم، لتعذّر المحاسبة للجميع. وفي الكثير من التجارب وصل إلى السلطة ما يُسمّى بأمراء الحرب المتورّطين في انتهاكات، لكن ذلك أتى مصحوباً بمصالحة وبالاعتراف والاعتذار. أما الصمت على فئات، وعدم الاعتراف والاعتذار فهذه جميعاً لا تؤسس لعدالة انتقالية حقيقية، وتُبقي على السوريين عالقين في المجزرة.

اليوم يمكن القول إن الغالبية الساحقة من السوريين لها مجازرها أو مجزرتها، إذ صار للعديد من الجماعات الأهلية مجازرها ومظلومياتها، بصرف النظر عن عدد المجازر وعدد الضحايا، لأن العبرة ليست في العدد بل في التأثير؛ في اتساعه ومدى استدامته، خصوصاً إذا لم تُتخذ خطوات في اتجاه المعالجة. الواقع السوري يقول إن المعالجة لا تحدث، والمجازر تُستخدم للاستثمار لا لأخذ العبرة منها وتجاوزها.

على سبيل المثال، ما أن تحتج فئة من السوريين ضد السلطة حتى يستل أنصارها ذاكرة المجازر التي ارتكبها الأسد، للتلويح بها أمام المحتجين كأنهم هم الذين ارتكبوها. وما أن يُحكى عن مجزرة قريبة العهد حتى تُسترجع المجازر الماضية للمقارنة، ولتسفيه معاناة الضحايا الجدد، وهذا ما يُبقي الأخيرين أيضاً عالقين في ذكرى مجزرتهم، بما أن الواقع لا يتجاوزها، ولا يتوقف عن تذكيرهم بها.

في المحصلة، يبدو السوريون بمعظمهم واقعين تحت ضغط الذاكرة، الحاضرة الساخنة، بلا أفق يتجاوز ضغط المجزرة. وعلى نحو شديد التأثير، يمكن القول إن المجازر باتت ترسم الحدود، أو تقيم الجدران الشاهقة، بين الجماعات السورية. فاليوم لا حاجة للنباهة لملاحظة انكفاء جماعات سورية عن الفضاء العام بسبب المجازر التي تعرّضت لها بعد إسقاط الأسد، الانكفاء المشابه لتهميش سابق بحسب ادّعاءات المتضررين من نظام الأسد، وهو بالتأكيد صاحب النصيب الأكبر من ارتكاب المجازر ومختلف أنواع الانتهاكات حتى الآن.

نعود إلى التذكير بأن المجازر تُقاس بتأثيرها، وفي كل الأحوال المفاضلة بينها يشوبها الكثير من انعدام الحساسية الأخلاقية والإنسانية. مثلاً، ليس من مفاضلة كمّية بين من قتلهم أمجد يوسف ورماهم في حفرة التضامن، وأولئك الشبان الذين أطلق عليهم الرصاص في السويداء، وهم يُجبرون على السقوط من الشرفة في تسجيل ذاع صيته حينها. وثمة قناعة تنتشر، مفادها أن المجازر الجديدة، والمقارنات المستجدة معها، متعمدة من أجل جعل مطلب العدالة الانتقالية متعذّراً، بما أن المحاكمة ستنال من الجميع.

السلطة من ناحيتها لم تُبدِ حماسة للعدالة الانتقالية، ويمكن تفهّم حساسيتها إزاء الموضوع. وفي السياق نفسه لا تبدو مكترثة بالجدران التي ترتفع بين السوريين بسبب غياب مشروع حقيقي للمصالحة والمحاسبة والعفو، فهذه الانقسامات لا تضيرها بشيء، ولا حافز لديها لتعمل على التقليل منها أو تجاوزها.

هكذا تبقى المشكلة في عهدة السوريين، خارج عصب السلطة، فمطلب العدالة يبدو ممراً إجبارياً من أجل اجتماعهم مجدداً. إلا أن المطلب نفسه لن يتحقق طالما بقيت ذاكرة المجازر تعزز الانقسام بينهم، وإن أرادوا حقاً الوصول إلى العدالة فمن المرجّح أنهم يحتاجون إلى إعادة ترتيب أولوياتهم. وإذا كان مطلب العدالة، وفق التصور الشائع، سابقٌ على الاجتماع السياسي، فالضرورة والواقعية تقتضيان العمل من أجل الاجتماع السياسي، ومن أجل بناء جبهة واسعة تتجاوز الحدود التي ترسمها المجازر؛ أي أن النجاح في السياسة هو المدخل إلى العدالة لا العكس.

وأيضاً، باستلهام تجارب معروفة لصراعات أهلية، لا يصعب الانتباه إلى أن الاستعصاء السياسي في البعض منها جعل العدالة غائبة، لا في محاكمة الماضي وحده، بل في مجمل ما يتعلق بالحاضر. لئلا تذهب سوريا في المسارات الأسوأ، ربما لا تزال الفرصة متاحة أمام السوريين لمنع تأبيد أثر المجازر.. ربما!

المدني،

—————————-

توقيف أمجد يوسف.. العدالة تأخذ مجراها في إنصاف ذوي الضحايا

مرتكب مجزرة التضامن بقبضة العدالة.. من هو المجرم أمجد يوسف؟

نيسان 24, 2026

أعلنت وزارة الداخلية توقيف المجرم أمجد يوسف، المسؤول الرئيسي عن ارتكاب مجزرة حيّ التضامن في دمشق عام 2013، في عملية أمنية جاءت بعد عمليات رصد وتتبع استمرت عدة أيام في سهل الغاب بريف حماة.

وتعدّ مجزرة التضامن من أبرز الجرائم الموثقة خلال سنوات الثورة، بعدما أظهرت تسجيلات مصوّرة إعدام عشرات المدنيين بإطلاق النار عليهم من مسافة قريبة وإلقائهم في حفرة قبل حرق جثثهم، في مشاهد شكّلت دليلاً مباشراً على وقوع عمليات إعدام جماعي في الحي.

ولا يقتصر أثر هذا التوقيف في كونه إجراءً أمنياً، بل يتجاوز ذلك ليشكّل نقطة تحوّل محتملة في مسار العدالة الانتقالية، إذ يفتح الباب أمام اختبار حقيقي لمدى جدية تحويل الجرائم الموثقة من وقائع محفوظة في الذاكرة والتقارير إلى ملفات قضائية قابلة للفصل أمام القضاء.

اختبار حقيقي لمسار العدالة الانتقالية

وفي هذا السياق، يقول المحامي أحمد محاميد في حديثه لموقع الإخبارية، إن القبض على أمجد يوسف يشكّل اختباراً حقيقياً لجدية مسار العدالة الانتقالية في سوريا، مؤكداً أن هذا الإجراء يضع مؤسسات الدولة أمام مسؤولية استكمال المسار القانوني عبر تحقيق مستقل ومحاكمة عادلة تفضي إلى حكم قابل للصمود قانونياً، في ظل تساؤلات مستمرة حول محاسبة المتورطين في الجرائم الموثقة خلال السنوات الماضية.

واعتبر المحاميد أن القبض على أمجد يوسف يحمل بعداً رمزياً وإجرائياً في آن معاً، إذ يمثّل رمزياً بداية كسر معادلة إفلات الجناة من العقاب، وإجرائياً يفتح الباب أمام سابقة قانونية يمكن البناء عليها في ملفات أخرى، على أن تتحدّد قيمة هذه السابقة بمدى صمود الإجراءات القانونية اللاحقة أمام أي طعون أو مراجعات.

وأشار إلى أن أهالي ضحايا مجزرة التضامن عاشوا سنوات طويلة في ظل غياب الحقيقة حول مصير ذويهم، موضحاً أن هذا الاعتقال لن يعيد الضحايا لكنه يحوّل الجريمة من مشاهد صادمة في الذاكرة الجمعية إلى ملف قضائي مفتوح يطالب بالحقيقة الكاملة، مع التأكيد على حق أسر الضحايا في أن يكونوا أطرافاً قانونيين في القضية لا مجرد متابعين لها.

وبيّن محاميد أن طبيعة مجزرة التضامن تشير إلى أنها لم تكن فعلاً عفوياً، بل عملية ممنهجة تضمنت مراحل تنفيذ وإخفاء ونقل للجثامين، ما يعني أن المتهم يمتلك معلومات ميدانية قد لا تتوافر في الوثائق، مثل أماكن الدفن ومسارات نقل الجثث والجهات التي أشرفت على إخفائها.

ولفت إلى أن أي اعترافات يتم الحصول عليها وفق الأصول القانونية ومن دون إكراه يمكن أن تسهم في تحديد مواقع دفن محتملة، وهو ما يمنح أسر الضحايا فرصة لمعرفة مصير ذويهم.

استعادة الثقة بمؤسسات الدولة

وأكد أن استعادة الثقة بمؤسسات الدولة تتطلب إجراءات عملية متراكمة، موضحاً أن هذا الاعتقال يمثّل خطوة أولى، لكن تعزيز الثقة يرتبط بما سيتبعها من خطوات مثل عرض المتهم أمام قضاء مستقل ونشر تفاصيل التحقيق وإشراك أسر الضحايا في المسار القانوني، بما يضمن تطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء.

وأوضح أن إجراء محاكمة وفق معايير قانونية دولية سيعزّز صورة قدرة الدولة على تحقيق العدالة وطنياً، في حين أن أي خلل إجرائي قد يثير الشكوك حول جدية الانتقال نحو دولة القانون.

ضرورة حفظ الأدلة والاعترافات

وطالب محاميد بإحالة القضية إلى النيابة العامة بشكل فوري، وضمان الإشراف القضائي المستقل على جميع مراحل التحقيق، وتمكين المتهم من حق التمثيل القانوني منذ لحظة التوقيف، إضافةً إلى حماية الأدلة المادية والرقمية وتوثيقها وفق معايير الإثبات الجنائي، وإشراك أسر الضحايا كأطراف قانونيين في القضية، إلى جانب نشر معلومات دورية حول سير التحقيق بما يعزز الشفافية ويمنع توظيف القضية سياسياً.

وأكّد في ختام حديثه مع موقع الإخبارية أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على الملاحقة الجزائية، بل تشمل كشف الحقيقة وتوثيقها، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء ضمانات قانونية تحول دون تكرار الجرائم، مشدّداً على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تعاوناً بين مؤسسات الدولة والجهات القانونية والمجتمع المدني، بما يرسّخ أسس العدالة والمساءلة في المرحلة الانتقالية.

من هو أمجد اليوسف؟

ويعد أمجد اليوسف الذي يحمل رتبة مساعد أول في الفرع 227 (فرع المنطقة) التابع لشعبة المخابرات العسكرية، أحد أبرز المنفّذين المباشرين لمجزرة حيّ التضامن في دمشق بتاريخ 16 نيسان 2013، وهي المجزرة التي راح ضحيتها عشرات المدنيين، بعد تنفيذ عمليات إعدام ميدانية موثقة بحقهم داخل الحي.

وبرز اسم أمجد اليوسف على نطاق دولي بعد تحقيق استقصائي نشرته صحيفة الغارديان في نيسان 2022، والذي كشف هويته بشكل موثّق وعلني بوصفه أحد المشاركين الرئيسيين في تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي.

واستند التحقيق إلى مقاطع فيديو مسرّبة تعود إلى 16 نيسان 2013، ظهر فيها اليوسف برفقة عناصر من النظام البائد بلباس عسكري وهم يأمرون مدنيين معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي بالركض قبل إطلاق النار عليهم وإسقاطهم في حفرة احتوت على جثث لضحايا سابقين.

ووثّقت المقاطع المصوّرة إعدام 41 رجلاً قبل إحراق الجثث داخل الحفرة، في مشاهد شكّلت دليلاً مباشراً على عمليات الإعدام الجماعي التي نُفّذت داخل الحي، فيما تشير إفادات الأهالي إلى أن اليوسف كان مسؤولاً ميدانياً عن الحي وارتبط اسمه بارتكاب انتهاكات متعدّدة بحق المدنيين.

كما وثّق أهالي حيّ التضامن أسماء 288 شهيداً في واحدة من أبرز المجازر المرتبطة بسلسلة مقابر جماعية كُشف عنها لاحقاً في المنطقة، بينما شكّلت هذه التسجيلات المصوّرة والتحقيقات الدولية أدلة إضافية على الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام البائد بحق المدنيين خلال سنوات الثورة.

وأعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض عليه خلال عملية أمنية محكمة نُفّذت في سهل الغاب بريف حماة عقب عمليات رصد وتتبع استمرت عدة أيام، وذلك في سياق ملاحقة المتورطين في الجرائم المرتكبة خلال سنوات الثورة.

وكان الأمن الداخلي ألقى القبض خلال العام الماضي على عدد من المتورطين في المجزرة، حيث أقرّوا بارتكاب مجازر متعددة داخل حيّ التضامن أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 رجل وامرأة، إضافةً إلى ارتكاب جرائم سلب ونهب طالت منازل المدنيين وممتلكاتهم، ما عزّز الشهادات الميدانية التي أكدت اتساع نطاق الانتهاكات داخل الحي خلال تلك الفترة.

المصدر: الإخبارية

—————————————

Tadamon massacre: hidden war crimes in Syria

————————

ماذا يقول الحقوقيون عن إعدام أمجد يوسف؟

بعد اللحظات الأولى على اعتقال أمجد يوسف، منفذ ما عُرف بـ”مجزرة التضامن”، طالب السوريون بتنفيذ حكم الإعدام بحقه، عقابًا على طريقة قتل الضحايا في المجزرة.

لكن حقوقيين كان لهم رأي آخر، حيث يمكن أن يقوض حكم الإعدام مسار العدالة الانتقالية، أو أن يؤثر على سير التحقيقات قبل استكمالها، أو امتناع دول عن تسليم مطلوبين بسبب قوانين داخلية تمنعهم.

الحفرة

اشتهر يوسف بعد تحقيق لصحيفة “الجارديان” عام 2022، التي كشفت عن معلومات حول مجزرة ارتكبتها قوات النظام السوري المخلوع، في 16 من نيسان 2013، بحي التضامن في دمشق، أسفرت عن مقتل 41 شخصًا ودفنهم في مقبرة جماعية.

وشهدت المجزرة تطميش أعين الضحايا واقتيادهم إلى حفرة في حين التضامن، ثم رميهم بالرصاص، أمام عدسة كاميرا لهاتف أحد الجنود الذين كانوا مع يوسف، إذ بدا متفاخرًا بفعلته.

فجر اليوم، الجمعة 24 من نيسان، استيقظ السوريون على نبأ ضجت به وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، بداية مع اللقطات الأولى، التي أظهرت يوسف في سيارة تتبع للأمن الداخلي السوري، محاطًا بالعناصر، إلا أنه بدا ثابتًا، لا يوحي بأي ندم.

مشاهد “المجزرة” التي انتشرت على نطاق واسع، في عام 2022، وأنكرها النظام السابق حينها، لم تزل في ذاكرة السوريين، الذين استعادوها في وقفة قبل نحو أسبوع، في ذكراها السنوية، بالمكان التي نفذ فيها يوسف ورفاقه فعلتهم.

وقبل يوسف، سبق أن ألقت القوات الحكومية على اثنين من المتهمين بالمجزرة، كما أعلن مدير الأمن في دمشق، المقدم عبد الرحمن الدباغ، للوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا)، في 17 من شباط 2025.

المطالب بحكم الإعدام

تتضمن القوانين السورية الحكم بالإعدام، لا سيما بجرائم القتل، سواء الفردية أو الجماعية.

وأكد الباحث المتخصص في العدالة الانتقالية، منصور العمري، أن أحكام الإعدام ليست محظورة في القانون الدولي.

وأشار، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن هناك آراء حقوقية دولية ضد الإعدام، وتقود هذه الجهود منظمة “العفو الدولية”.

وتعتبر منظمة “العفو الدولية” عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وترى المنظمة الحقوقية، أن الإعدام عقوبة نهائية ولا يمكن تداركها، فلا يمكن أبدًا استبعاد خطر إعدام شخص بريء.

الحقوقي المعتصم الكيلاني، يرى أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة أمر مشروع وضروري، خاصة عندما تكون هناك أدلة موثقة على إعدامات ميدانية وانتهاكات خطيرة.

بالمقابل، فإن اختزال العدالة بعقوبة الإعدام وحدها، يطرح إشكاليات كبيرة، خصوصًا في سياق العدالة الانتقالية، بحسب ما أشار إليه الكيلاني، في حديث إلى عنب بلدي.

وقال الكيلاني إن العدالة الانتقالية لا تقتصر على معاقبة الأفراد، بل تهدف إلى كشف الحقيقة كاملة، وتفكيك منظومات الانتهاكات، وضمان عدم التكرار.

في هذا الإطار، قد يؤدي تنفيذ حكم الإعدام إلى إغلاق مسارات مهمة، مثل الحصول على معلومات إضافية حول سلاسل القيادة، أو تحديد مسؤوليات أعلى، أو كشف مصير ضحايا آخرين.

وعلى مستوى الآثار، فإن اعتماد عقوبة الإعدام ضمن قانون العدالة الانتقالية قد يثير جدلًا واسعًا، سواء داخليًا أو دوليًا، بحسب ما يراه الكيلاني.

وأشار إلى أن الكثير من التجارب المقارنة، تُظهر أن الاقتصار على العقوبات القصوى دون بناء مسار شامل للحقيقة والمساءلة والمصالحة، قد يحدّ من فعالية العملية برمتها.

تسليم المطلوبين في الخارج

نوه الحقوقي، الكيلاني، إلى ضرورة كسب الدعم الدولي، وتعزيز التنسيق القانوني، وتأمين التمويل والدعم لمسارات العدالة الانتقالية، وكذلك تسهيل التعاون في تسليم المتهمين.

ومن أجل ذلك، يقترح إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد، دون أي إفراج مشروط، وهو ما يراه خيارًا أكثر انسجامًا مع المعايير الدولية، ويزيد من فرص الانخراط الدولي الفعّال في هذه المسارات.

وسبق أن كشف رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، خلال جلسة في حلب، في 13 من نيسان الحالي، وحضرتها عنب بلدي، أن الهيئة تعمل على قانون العدالة الانتقالية، والذي يتضمن إقرار عقوبة الإعدام.

ماكشفه عبد اللطيف حينها، جاء ردًا على سؤال يتعلق بالضغوطات التي تمارسها الدول على الهيئة.

أشار حينها إلى أن بعض الدول عرضت على الهيئة إلغاء عقوبة الإعدام، بغرض المساعدة ولإمكانية تسليم المطلوبين إلى سوريا، من رموز النظام الفارين.

وأكد عبد اللطيف أن القانون ينتظر العرض على مجلس الشعب، (يتوقع أن تنعقد الجلسة الأولى في بداية أيار المقبل) لإقراره لاحقًا.

الباحث في العدالة الانتقالية، منصور العمري، قال إن تضمين عقوبة الإعدام في قانون العدالة الانتقالية، سيدفع دولًا كثيرة، منها أوروبية، لرفض تسليم المتهمين في أوروبا مثلًا، إن كان هناك احتمال تعرضهم لعقوبة الإعدام.

ولكن، يمكن التفاهم على التسليم إذا تعهدت الحكومة السورية، بعدم الحكم بالإعدام، أو تنفيذه، وفق ما أوضحه العمري.

دول تمتنع عن التسليم

بحسب مقال للمتخصص بالعدالة الانتقالية، العمري، على موقع “مبادرة الإصلاح العربي” فإن ألمانيا لا تسلم المطلوبين إذا كانت الجريمة يعاقب عليها بعقوبة الإعدام بموجب قانون الدولة الطالبة.

ولا يجوز، في القانون الألماني، التسليم، إلا إذا قدمت الدولة الطالبة ضمانة بعدم فرض عقوبة الإعدام أو عدم إنفاذها.

وفي السويد، يحدد قانون تسليم المجرمين عددًا من الحالات التي لا يجوز فيها التسليم، منها: “عدم جواز الحكم على الشخص الذي يتم تسليمه بعقوبة الإعدام بسبب الجريمة”.

ما البديل؟

لا يعتقد الباحث، العمري، أنه سيتم محاكمة أمجد يوسف، قبل صدور قانون العدالة الانتقالية.

وأوضح أنه متورط بـ”جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، مشيرًا إلى أن القانون السوري لا ينص على هذه الجرائم.

ويرى أن من واجب القضاء السوري انتظار قانون العدالة الانتقالية.

وبحسب ما ذكره رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقاليى، عبد اللطيف، خلال الجلسة الحوارية في حلب، في 13 من نيسان الحالي، فإن وزارة العدل تتمهل في الحكم على العديد من رموز النظام السابق، ريثما يصدر القانون، عقب إقراره من مجلس الشعب.

وسبق أن طالب الحقوقي، العمري، في تقرير سابق لعنب بلدي بإيقاف أي محاكمات بحق المتهمين، من رموز النظام السابق، ريثما يناقش القانون الحالي.

ودعا حينها إلى تعديل القانون أو تشكيل محكمة هجينة تعتمد القانون الدولي والوطني، ويتضمن نظامها الداخلي “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية”، لحماية الحقوق والعدالة الانتقالية بتعريفها الواسع.

من جانبه، قال الحقوقي، المعتصم الكيلاني، إن العدالة الأوسع، تتطلب مزيجًا من المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وليس فقط العقوبة القصوى.

لذلك، يرى أنه من الأجدى النظر إلى هذه القضية كمدخل لكشف شبكة أوسع من المسؤوليات، بدل الاكتفاء بمعاقبة منفذ مباشر، مهما كانت خطورة الجرم المرتكب.

إشاعة الإعدام ومحاكمة عاطف نجيب

رئيس الهيئة الوطنية عبد الباسط عبد اللطيف، كشف أيضًا خلال الجلسة الحوارية، عن جلسة محاكمة علنية مرتقبة، لابن خالة الرئيس السوري المخلوع، عاطف نجيب، الذي تسلم إدارة الأمن العسكري خلال فترة انطلاق الثورة السورية، والمتهم بالتسبب بإشعال شرارتها عبر اعتقال عدد من الأطفال وتعذيبهم.

وعرضت وزارة العدل تسجيلات مصورة تظهر جانبًا من التحقيق مع نجيب، إلى جانب شخصيات بارزة، منها وسيم الأسد، أحد أبناء عمومة الرئيس المخلوع، والمفتي السابق أحمد حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد الشعار، والرئيس الأسبق لإدارة المخابرات الجوية إبراهيم حويجة.

وانتشرت إشاعة عقب عرض هذه المقاطع بصدور حكم الإعدام بحق هؤلاء المتهمين، وهو ما نفته وزارة العدل، في 2 من تشرين الأول 2025.

وقال المكتب الإعلامي في وزارة العدل حينها إن الأسماء المذكورة لا تزال قيد التحقيق والمحاكمة، ولم يصدر بحقها أي حكم قضائي حتى تاريخه.

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو

عنب بلدي

————————————

إلقاء القبض على أمجد يوسف: لن نغلق الحفرة/ نوار جبور

24.04.2026

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً. لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.

أمجد يوسف، ذلك الذي صنع الحفرة الأكثر وضوحاً واعترافاً في مجزرة حي التضامن. لكن الفظاعة هناك لا تكمن في وضوح الصورة التي شاهدناها فقط، بل في بطئها، وفي تنوعها الدرامي، في ضحايا يمشون فوق أحجار بيوت مهدمة قد تكون بيوتهم، معصوبي الأعين، ثم يرمون واحداً تلو الآخر في حفرة، بأمر شاب لم يبلغ الأربعين.

مجزرة التضامن لا تُرى كجريمة واحدة. إنها لقطة ناقصة من آلاف اللقطات التي نتخيلها ولم نرها، من سرد طويل لنظام الأسد، من عادة القتل وسهولته. لكنها، في الوقت نفسه، مكثفة إلى حد لا يطاق. ضحايا من أعمار متعددة، كأنهم ثلاثة أو أربعة أجيال سورية تساق إلى المكان نفسه. لذلك لا تبدو الحفرة مكاناً للموت، بل شكلاً مصغراً لتاريخ كامل من أجيال سورية عاشت في ظل النظام، وانتهت في فجوة ترابية، مغمضة العيون، بلا أسماء، وبلا حق في السؤال الأخير.

في مجزرة التضامن، لم تكن الحفرة محفورة في الأرض وحدها، بل في ضمير كل إنسان شاهدها أو تخيل تفاصيلها الغائبة. كان الرجال يسيرون مغمضي العيون، لكن العمى الحقيقي لم يكن في عيونهم بل في عين القاتل، في تلك القدرة المرعبة على أن يرى جسداً يرتجف أمامه، يتعرج، يقع، يحاول الثبات في خطواته قبل السقوط، ولا يسمع في داخله شيئاً يقول له توقف، تمهل، لا تفعل.

السؤال الأهم الذي نحجبه يصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه. كيف بإمكان شاب لم يبلغ الأربعين أن يحمل داخله هذا العمر الطويل من القسوة؟ من أين جاء بكل هذا الموت؟  نظام الأسد قاتل وقتل ببشرٍ استخدمهم، صُنعوا من روح فارغة، مملوءة بالأوامر، قادرة على أن تنفذ الجريمة كما لو أنها وظيفة يومية باردة، ويحق للموظف فيها قدر من الاستمتاع والتلذذ. والضحايا، وهم يسقطون في الحفرة، لم يسقطوا كأفراد أو  كأعداد نُجبر على قولها كأرقام لتراكم المقتولين، ولاعتياد لغة العالم الحديث على الإحصاء رياضياً. بل يسقط معهم الأب، والابن، والجد، والذاكرة، والحي، والمدينة، وكل سوريا التي تعلمت أن تمشي مغمضة العينين أمام سلطة تريدها أن تصل إلى موتها من دون أن تعرف لماذا، ومن دون أن تفهم استحقاق هذا التفرد في الموت بوصفه خلاصاً من خوف طويل.

حفرة التضامن هي حفرة لكل السوريين. لم يسقط فيها الذين قُتلوا وحدهم، بل سقطنا جميعاً. لكنهم هم وصلوا إلى نهاية الألم، إلى كامله، إلى تلك النقطة التي لا يعود بعدها شيء قابلاً للإضافة بالتالي تحرروا. ماتوا أكثر منا بكثير، حتى صار موتهم شكلاً قاسياً من الحرية التي يجسدها كل سوري وهو يقول: “الموت أهون ألنا”، أو يلي مات ارتاح”. أما نحن فبقينا في الامتداد، في الألم المفتوح، في العجز الذي لا ينتهي، في موت معذب يتكرر، ولم يكن آخره في الساحل والسويداء. لقد تجاوز فرحنا بسقوط الأسد أحلامنا، إننا في مكان ما زال الموت الدرامي فيه ممكناً، درامياً لأن التراجيديا التي فيه مختلف عليها، ما زلنا نرى أبطالاً دراميين يستسهلون القتل والتعذيب والعروض المكثفة للرمي من الشرفات أو القتل المتعرج لرجال يحاولون الهرب.

ماذا فعل أمجد يوسف أكثر من أنه كشف لنا هذه الحقيقة العارية؟ لم يقل لنا فقط كيف مات ضحاياه، بل قال لنا كيف نموت نحن أيضاً في أيدي غيره. قال لنا أيضاً إن جزءاً كبيراً من الحرية يكون في الموت، خلاصهم المرعب وعجزنا الطويل نحن الذين لم نمت ونشهد جرائم أخرى. قال لنا إن الموت الذي أسسه الأسد لا ينتهي عند الجثة، بل يمتد في الأحياء وفي الرحم الذي أسسه في حفرة التضامن، في الذاكرة، في الخوف، وفي الذين سينتقمون، وفي الذين لن ينتبهوا أن سوريا امتلأت بمن تشوهوا، ومن تساهلوا مع الموت والقتل وإنتاجه. امتدت الحفرة إلى كل من شاهدها وعرف أنه كان يمكن أن يكون واحداً من الواقفين على حافتها، أو واحداً ممن سيفتحون حفرة جديدة.

في حفرة التضامن لا نرى مجزرة أبداً، بل نرى تاريخاً يؤسس لمستقبل ممكن أيضاً،  نرى أجيالاً سورية مغمضة العيون، لا لأنها لا ترى، بل لأن السلطة أرادت لها أن تصل إلى موتها بلا سؤال، وحينما تحررت من السلطة ظلت تحافظ على الخوف بعد مجزرتين كبيرتين وتعذيب في السجون ما زال سارياً.  سقط النظام، وما زلنا نتخيل أن حفرة التضامن قد اتسعت، وأن القتلة ينتشرون بيننا، كما عاش بيننا أمجد يوسف، هو وعائلته ومشجعوه ورفاقه. إنه تمرين طويل على ما يمكن أن يصير عادياً.

الأجيال الأربعة التي دُفنت

العجوز ذو اللباس الرمادي، المبيض الشعر، في حفرة التضامن، سقط معه أبي، وعمي، وجيل كامل قاتل في 67 و73، أو عاش على ذاكرة تلك الحروب، ضد عدو كنا نظن أن أحداً لا يقتل مثله. جيل ما زال يتذكر سوريا بوصفها خيراً ممكناً، قبل أن تبتلعها قسوة البعث، وعائلة الأسد، والحكم العسكري.جسد مسن يُرمى إلى الرعب والعتمة، لكي تسقط معه ذاكرة قديمة عن البلد. ذاكرة كانت تظن أن سوريا يمكن أن تكون شيئاً آخر غير هذا المصير. في بكاء الرجل العجوز وحيرته نسمع انكسار جيل كامل ظل يراهن، بالصبر أو الصمت أو الاحتمال، على أن النجاة ممكنة.

أما ابن العمر الوسط، فهو السوري الذي عاش بين واجب البيت وذل الدولة. ليس شيخاً تحرر من الرجاء أو الدعاء، ولا شاباً يملك وهم البداية. هو العمر الذي يحمل العائلة، والعمل، والخبز، والأبناء، والخوف من الغد، وقد يحمل الثورة على نظام إبادة. في الحفرة قتل مركز البيت. قتلت اليد التي تعمل. قتل الجسد الذي كان يحاول أن يؤجل الانهيار يوماً آخر. مات في الحفرة البيت الذي كان ينتظر عودته، والباب الذي لم يفتح له، والخبز الذي كان عليه أن يحضره، والأولاد الذين كان عليهم أن يصدقوا أن الأب سيعود.

أما الثالث، الأصغر سناًً، فهو الألم الأشد، لأنه لا يمثل ما مضى فقط، بل ما كان يمكن أن يأتي. هو المستقبل الذي لم يأخذ وقته. حين يرمى الشاب في الحفرة، لا تموت حياته وحدها، بل يموت الاحتمال، الدراسة التي ربما لم تكتمل، الحب الذي لم يعش يوماً، البيت الذي تنتظر فيه الأم عودته، الغد الذي لم يسمح له أن يصير غداً.

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً.

لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.بل إنها أقرب إلى رحم معكوس منها إلى حفرة. نحن لا نقع في الحفر فقط، ونحن لا نحفر لنخفي فقط. أحياناً نحفر لنصنع. أمجد يوسف حفر لا ليخفي الضحايا، بل ليصنعنا نحن. حفر ليهندس ذاكرة الخوف، والانتقام، والمقتلة.

في الجريمة العادية يقتل القاتل ضحيته. في التضامن قتل القاتل الضحية، وقتل الشاهد، وتركنا نحن في سجن المعرفة: نعرف، ولا نستطيع أن نعيد أحداً من الحفرة.

كيف نغلق الرحم لا الحفرة؟

نتبادل اليوم صور أمجد يوسف. السوشل ميديا تغرق في وجه القاتل. في عينيه. في ملامحه. في سيرته في الدماء النازلة منه جراء ضربه. في احتمال أن يكون وحشاً صافياً، أو مأموراً أعمى أو وحشاً طائفياً أو وحشاً عسكرياً، أو ابناً طبيعياً لبنية أمنية صنعت القتل ثم رمته بيننا.لكن حفرة التضامن لا تغلق بصورة القاتل ولا بالقبض عليه. ولا تغلق بالشماتة به. ولا تغلق بأن نراه ذليلاً أو مكسوراً. هذه كلها مشاعر مفهومة، وربما ضرورية في لحظة أولى، لكنها لا تكفي. لأن السؤال الأخطر ليس ماذا نفعل بأمجد فقط، بل كيف صار أمجد ممكناً؟ كيف صار شاب لم يبلغ الأربعين قادراً على أن يقف فوق حفرة، وأن يرى رجلاً معصوب العينين يسير نحو موته، ثم يطلق النار كما لو أنه ينجز عملاً يومياًً في مؤسسة عادية؟ ثم يتبادل الصور عبر صفحاته الاجتماعية.

العنف في سوريا كان نظاماً عاماً. تلوث به الجميع بدرجات مختلفة، خوفاً أو صمتاً أو نجاة أو تواطؤاً أو أمراً أو تنفيذاً أو مشاهدة أو حتى بالتبرير له. لم يكن القاتل وحده داخل الحفرة. كانت معه لغة كاملة بررت القتل، ومؤسسات نفذته، وصمت حماه، وجمهور تعلم أن ينجو بالتجاهل.لذلك لا تكفي محاسبة القاتل. يجب أن يسقط النظام الداخلي للعنف.  العدالة الانتقالية تبدأ من هنا. لا من خطاب مصالحة سريع، ولا من دعوة أخلاقية إلى النسيان، ولا من انتقام أهلي يعيد إنتاج الجريمة باسم الضحية، وهذا أسهل ما يفعله السوريون اليوم لغة وكلاماً وسلوكاً. تبدأ من إعادة ترتيب البلاد أخلاقياً. أن نقول إن الضحية ليست رقماً لأننا بعد عام ونصف العام لم نبحث جيداً لإنصاف الضحايا، وإن العائلة التي تبحث عن ابنها ليست عبئاً على الدولة أو تلجأ الى منظمات أوروبية لكي تنقذ سيرة الموت، بل هي أصل الدولة وأساس عملها. الدولة التي لا تسمع أم المفقود لا تستحق أن تطلب من الناس احترام القانون.

لا نغلق الحفرة بأن نبكي فقط. البكاء بداية، لكنه ليس معرفة بل عائق معرفي. يجب أن نتوقف عند البكاء لا أن نقيم فيه وننتقم من خلاله. أن نسأل ماذا كشف لنا أمجد يوسف؟ لم يكشف لنا وحشيته وحدها، بل كشف البنية التي صنعت الوحش. كشف كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة قتل وهو يظن نفسه جزءاً من عمل عادي. كشف كيف تتحول الطاعة إلى جريمة والطائفية إلى إجرام مؤجل.

يجب أن تكون الذاكرة مؤسسة، أرشيفاً للشهادات، أسماء للمفقودين، خرائط للمقابر، ملفات للمعتقلين، محاكمات علنية بقدر الإمكان تليها دراسة تجعل العنف منبوذاً، تعويضات للضحايا، إصلاحاً للأجهزة. تربية عامة تقول للأجيال الجديدة إن العنف ليس بطولة، وإن إذلال الإنسان ليس سياسة ولا عملاً مُنتجاً لدولة، وإن الدولة لا تقاس بقدرتها على التخويف والانتقام اللامقونن، بل بقدرتها على حماية الضعيف من القوي. أمجد يوسف لا يجب أن يتحول إلى ترند تُتاجر به سلطة تدعي أنها حررت السوريين، بل يجب أن يتحول إلى ملف، إلى سؤال، إلى محكمة، إلى درس عام عن قابلية الإنسان للتشوه حين تنكسر الدولة، وحين يتحول الأمن إلى دين وطائفة.

لذلك لا نغلق الحفرة بإخفاء صورتها، ولا بإغراقها بالشتائم، ولا بتحويل أمجد إلى شيطان يريحنا من سؤالنا الأصعب. نغلقها حين نفهم أن القاتل ليس خارج التاريخ، بل نتيجة تاريخ عرفناه وعرفنا شخصياته وسياقاته التي ولدت لنا أمجد يوسف.  ونغلق الحفرة حين يصبح السؤال السوري واضحاً كيف نمنع أمجد آخر من أن يولد؟ ونظرة الى أقل من سنة من الآن جعلتنا نشاهد مئات أمجد يوسف يقتلون ويتجولون في الساحل والسويداء. كيف نمنع المؤسسة التي صنعته من العودة باسم جديد؟

درج

—————————————-

مجزرة التضامن.. يوم قتل نظام الأسد فلسطينيين وسوريين وردمهم في حفرة/ تسنيم حسناوي

مجزرة وقعت في شارع نسرين بحي التضامن في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بالعاصمة السورية دمشق في الأول من أبريل/نيسان 2013، ولم يتم اكتشافها إلا بعد نحو 9 سنوات من وقوعها حينما نشرت صحيفة “غارديان” البريطانية في 27 أبريل/نيسان 2022 مقطعا مصورا قالت إن مجندا في مليشيا موالية للنظام سرّبه.

أظهر المقطع المصور قيام مسلحين يتبعون لجيش النظام السوري باقتياد أفراد من المدنيين معصوبي الأعين إلى حفرة كبيرة في حفروها في حي التضامن، قبل أن يقوموا بإعدامهم وإلقائهم فيها أو قذفهم فيها ثم اقتناصهم وهم داخل الحفرة، في أجواء من السخرية والاستهزاء.

بعد سقوط نظام الأسد، ألقت السلطات السورية الجديدة على عدد من المتهمين بالمشاركة في ارتكاب المجزرة، قبل أن تعلن صباح الجمعة 24 أبريل/نيسان 2026 إلقاء القبض على ضابط المخابرات السابق أمجد يوسف المتهم بالمسؤولية الأولى عنها، وذلك خلال عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي في ريف حماة.

ووثق فيديو المجزرة الذي نشرته الغارديان (من أصل 27 تسجيلا مصورا) مقتل ما لا يقل عن 41 مدنيا بينهم 7 النساء وعدد من الأطفال، في حين وثق أهالي الحي اسم 288 ضحية قتلت في الحي نفسه، كما اعترف عدد من المتورطين في المجزرة بارتكاب عدد من المجازر في الحي راح ضحيتها 500 رجل وامرأة.

المجزرة

أظهر مقطع الفيديو عناصر جيش النظام السوري وهم يطلبون من مدنيين الركض موهمين إياهم بوجود قناص يرصد الشارع، وأن عليهم الركض هربا منه، وكانت أيديهم مكبلة خلف ظهورهم وعيونهم معصوبة، فأطلق عليهم العناصر النار بسلاح من طراز “إيه كيه 47″، باستثناء رجل كبير في السن فقد ذبحوه.

كما أظهرت الصور اقتياد عناصر النظام مدنيين اعتقلوا على الحواجز الأمنية بالمنطقة وإلقاءهم في حفرة أعدت مسبقا لذلك الغرض، ويبلغ عمقها نحو 10 أقدام، ثم أطلقوا عليهم النار وبعدها كدسوا جثثهم فوق بعضها وألقوا فوقها إطارات سيارات وأخشابا وسكبوا عليها البنزين ثم أحرقوها في نحو 25 دقيقة.

إعلان

ووفقا لتحقيق الصحيفة، فإن معظم الضحايا شباب أو في منتصف العمر ونساء وأطفال وكبار في السن، وقد وقع الفيديو بيد عنصر في قوات النظام السوري بعد إعطائه جهاز حاسوب محمول لإصلاحه، وعثر على مقطع الفيديو في مجلد على الجهاز.

ووفقا للتحقيق الصحفي، فقد سرّب العنصر (المصدر) الفيديو إلى الناشطة السورية أنصار شحّود والبروفيسور أوغور أوميت أنغور العاملين في “مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية” بجامعة أمستردام، وتابعا تلك القضية 3 سنوات حتى عثرا على الشخص الظاهر في الفيديو.

وأوضح تحقيق “الغارديان” هوية مرتكب المجزرة، وقالت إن اسمه أمجد يوسف، وإن أنصار شحّود عثرت عليه عبر البحث في موقع فيسبوك، وبعد حوارات عدة انتحلت فيها شخصية امرأة مؤيدة لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد اعترف الضابط بارتكابه عمليات قتل عدة بحجة الانتقام لمقتل شقيقه الأصغر الذي قتل عام 2013.

والتسجيل الذي نشرته “الغارديان” ليس إلا واحدا من بين 27 تسجيلا مصورا لمجازر مماثلة في هذا المكان قتل فيها أكثر من 280 سوريا على يد عناصر من مخابرات النظام السوري، وفق التحقيق الذي أعده الباحثان أونغور وشحّود.

وقد حصل الأكاديميان على مقاطع الفيديو المسربة من جهاز حاسوب محمول تابع للفرع 227 في المخابرات السورية، والذي كان أمجد يوسف يشغل منصب نائب رئيسه.

ويقول مطر إسماعيل الصحفي السوري المساهم في إعداد التحقيق إن الباحثة السورية أنشأت حسابا وهميا على فيسبوك، وبدأت التواصل مع موالي النظام السوري من ضباط ومدنيين مقدمة نفسها على أنها باحثة موالية للنظام وتعمل على تقرير عن الحرب في سوريا.

وأضاف إسماعيل في حديث للجزيرة نت أن الباحثة شحود نجحت في تكوين شبكة واسعة من العلاقات مع موالي النظام، وتمكنت بعد بحث مطول من الوصول إلى الحساب الشخصي الخاص بمنفذَيْ مجزرة التضامن اللذين ظهرا في تسجيل الغارديان، وهما الضابط أمجد يوسف وزميله نجيب الحلبي.

سياق المجزرة

ووفقا لتاريخ الفيديو، فقد وقعت المجزرة في الفترة التي سادت فيها أجواء استعدادات الثوار للدخول إلى العاصمة دمشق وبدء معركة إسقاط النظام، إذ كانت قوات النظام تسيطر على ثلثي حي التضامن وتسيطر المعارضة على الثلث الباقي.

ووقعت المجزرة في الجزء الجنوبي الشرقي من الحي، في منطقة كانت قريبة من خط التماس مع المعارضة في شارع دعبول مقابل مسجد عثمان خلف صالة الحسناء.

وكانت أحياء عدة تخضع لحصار حواجز النظام السوري، من أبرزها القدم والتضامن والحجر الأسود ومخيم اليرموك، وكان المدنيون أمام خيارين: إما الموت جوعا أو الاعتقال والقتل على أيدي عناصر الجيش في الحواجز العسكرية.

ويقول الناشط الإعلامي من جنوب دمشق والمعتقل السابق رامي السيد إن ما شاهده في تسجيل الغارديان كان يحدث بشكل دائم على يد عناصر النظام الذين عُرفوا من الأهالي باسم “شبيحة شارع نسرين”.

ويصف السيد في حديث للجزيرة نت حواجز “شبيحة شارع نسرين” في حي التضامن بالثقب الأسود الذي كان يبتلع أبناء أحياء جنوب دمشق، مشيرا إلى أن من يعتقل لديهم كان يعد في عداد الأموات ويتعرض للتعذيب والتنكيل.

إعلان

ويروي السيد -الذي اعتقل في تلك المنطقة- كيف كان عناصر النظام ينهالون بالضرب والسب والشتم على المدنيين، مؤكدا أن أغلبية من ظهروا في التسجيل تم اعتقالهم قبل ساعات من عمليات الإعدام الجماعية والإلقاء في الحفرة.

الضحايا

وحسب مجلة “نيو لاين” وتحليلها فيديو المجزرة، فإن الأغلبية العظمى من الضحايا كانوا سنّة من العرقية التركمانية، كما توقعت أن يكون فيهم إسماعيليون، إضافة إلى أطفال رضع ظهروا في نهاية الفيديو وقد تعرضوا إما للطعن أو إطلاق النار.

وبعد أيام من تسريب التسجيل تعرّف عدد من ذوي الضحايا على أبنائهم، من بينهم والد الشاب الفلسطيني وسيم الصيام الذي عرف ابنه عبر طريقة مشيه بعد أن شاهد التسجيل المصور للمجزرة لأكثر من مرة، ولاحظ أن هناك شخصا يجري بطريقة مألوفة بالنسبة إليه.

عمر صيام (والد وسيم) فلسطيني من مواليد 1954، من مخيم اليرموك، وهو خريج جامعة دمشق في تخصص اللغة العربية، وقال للجزيرة نت “شاهدت والدته الفيديو المسرب كما شاهده الملايين، فعرفت وسيم، كانت صدمة كبيرة لا شك في ذلك، كان هناك يقين لدي أن ابني قد تمت تصفيته على يد النظام، ولكن لم يخطر ببالي قط أن تكون بتلك الطريقة”.

وأضاف “وسيم خرج للعمل ودخل منطقة التضامن في 14 أبريل/نيسان 2013 لإيصال الطحين ولم يعد، وهو كما يعرفه الجميع خلوق ومهذب وليس له أعداء، وقته مكرس للعمل وأسرته، فهو خريج معهد متوسط فندقي وعمل بفنادق عالمية، متزوج وعنده طفلتان سيدرة ورونق، كانتا تبلغان من العمر وقت اختفائه 6 و4 سنوات”.

ويتابع “بحثنا عنه ولم نتوصل إلى نتيجة، وابتزنا بعض ضباط النظام، ودفعنا وقتها لأحد السماسرة ما يعادل 6 آلاف دولار أخذها من والدي -رحمه الله- الذي توفي 5 سبتمبر/أيلول 2013 مقابل الكشف عن مصير وسيم، وبعد سنة من اختفائه سافرت لجبلة إلى أحد أقارب الضابط في الجيش السوري سهيل الحسن، وكان الاتفاق أن أعطيه نحو 10 آلاف دولار مقابل الإفراج عن ابني -حيث كنا نظن أنه معتقل- فأخبرني ألا أبحث عنه لأنه لم يكن مسجلا في سجلات الاعتقال، ورجّح تصفيته على أحد حواجز اللجان الشعبية”.

مرتكبو المجزرة

في أكتوبر/تشرين الأول 2022 نشرت صحيفة “الغارديان” تفاصيل أخرى عن مجزرة التضامن، وقالت إن ضابط المخابرات السورية المسؤول عنها هو أمجد يوسف، وهو ضابط في فرع المنطقة بالمخابرات العسكرية السورية، وكان لا يزال يعمل في قاعدة كفر سوسة بدمشق.

كما نقلت عن زميل سابق لأمجد يوسف أنه اعترف في مكالمة هاتفية بارتكابه المجزرة، وأكد أن أمجد كان يخطف النساء من شوارع حي التضامن، وكثير منهن اختفين، وأوضح أنه شاهده وهو يخطف نساء وهن في طوابير الانتظار لشراء الخبز صباحا، مضيفا “كن نساء بريئات، لم يفعلن شيئا، لقد تعرضن إما للاغتصاب أو القتل”.

وأكدت الغارديان أنها اطلعت على مقطع فيديو غير منشور يظهر فيه أمجد يوسف وهو يطلق النار على 6 نساء داخل حفرة “أمام مرأى فرق الموت” التي تعمل تحت إمرته، وبعد انتهاء عملية القتل أشعل النيران في جثث القتيلات داخل الحفرة التي تم ردمها بجرافة، في محاولة لمحو أي أدلة على جريمة الحرب تلك.

وأضاف الزميل السابق لأمجد يوسف أن ما يزيد على 12 مجزرة جماعية نفذت في حي التضامن، وأن السكان المحليين على دراية بمواقع ارتكاب تلك الجرائم.

وأكد أن كل الضحايا كانوا من السنّة، وعلق على ذلك قائلا “كان ذلك تطهيرا طائفيا”، في حين أشار رفاق آخرون لأمجد إلى أن الهدف من المجازر كان أيضا بث الرعب في نفوس المواطنين وتحذيرهم من الاقتراب من المعارضة.

وأمجد يوسف هو ضابط استخبارات سوري شغل منصب نائب رئيس الفرع 227 في المخابرات السورية، وكان مسؤولا عن عمليات أمنية في جنوب دمشق أثناء الثورة السورية.

ولد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نباع الطيب بمنطقة الغاب شمال غرب حماة، ونشأ في أسرة كبيرة تضم 10 أشقاء، تنتمي إلى عائلة علوية، التحق بأكاديمية الاستخبارات العسكرية في ميسلون عام 2004 وخضع لتدريب مكثف لمدة 9 أشهر.

تدرج في الرتب العسكرية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأصبح محققا في الفرع 227 بحلول عام 2011.

كان مسؤولا عن اعتقال وتعذيب وقتل المعارضين السياسيين، ثم أرسل إلى قسم العمليات لقيادة المعارك في جنوب دمشق، خاصة في منطقتي التضامن واليرموك، حيث قاد العمليات العسكرية حتى عام 2021.

وتم التعرف أيضا على بلال يوسف عبر البحث الذي أجراه الأكاديميان أونغور وشحّود، ويظهر في الفيديو أيضا نجيب الحلبي (صديق أمجد)، وهو من مواليد عام 1984، ولم يكن يحمل أي رتبة رسمية لأنه كان يخدم في المليشيا المسلحة المعروفة باسم قوات الدفاع الوطني، وقتل فيما بعد.

تحقيقات

وفي الأول من مايو/أيار 2022 حصلت شبكة الجزيرة الإعلامية على صور تظهر طمس قوات النظام السوري معالم مكان مجزرة حي التضامن بدمشق.

وفي أغسطس/آب 2022 قالت متحدثة فرنسية إن وزارة أوروبا والشؤون الخارجية (وزارة الخارجية الفرنسية) تلقت وثائق مهمة تتعلق بجرائم محتملة لقوات النظام السوري في حي التضامن بدمشق عام 2013، وأحالتها إلى مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب.

وردا على تصريح الحكومة الفرنسية صرح النظام السوري على لسان “مصدر رسمي مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين السورية” بأن التسجيل المسرب للمجزرة “مفبرك ومجهول المصدر ويفتقر إلى أدنى درجات الصدقية”.

ووفق “المصدر السوري المسؤول”، فإن “الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية أساسية في سفك الدم السوري والجرائم التي ارتكبت بحق السوريين، والتي تصل إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتستوجب المساءلة السياسية والقانونية”.

القبض على مرتكبي المجزرة

وفي أغسطس/آب 2023 قبضت الشرطة الألمانية على المدعو أحمد الحمروني بعد 3 أعوام من البحث والتدقيق شارك فيه المركز السوري للعدالة والمساءلة عبر تقديم معلومات مهمة ووثائق مختلفة.

ووفق ما أفاد به المدير التنفيذي للمركز السوري محمد العبد الله، فإن الشرطة الجنائية في ألمانيا لديها فيديوهات تظهر هذا الشخص مع عناصر الفرع 227 التي ارتكبت انتهاكات بحق السوريين.

وحسب وسائل إعلام سورية، فإن المدعو أحمد الحمروني شارك في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية عندما عمل قياديا لدى النظام السوري في حي التضامن جنوبي دمشق في الفترة ما بين عامي 2012 و2015، وهو صديق مقرب لضابط المخابرات أمجد يوسف.

وعقب إسقاط نظام الأسد يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وسيطرة فصائل المعارضة على مقاليد الحكم وتشكيل حكومة انتقالية بدأت الحكومة الجديدة بحملة أمنية لملاحقة عناصر النظام السابق، كما أطلق مواطنون تبرعات شعبية ضمن جائزة مالية خصصت لمن يتمكن من الوصول إلى مرتكبي مجزرة التضامن، وعلى رأسهم أمجد يوسف.

وفي 17 ديسمبر/كانون الأول تداول السوريون صورا للعثور على عظام بشرية قرب الحفرة التي شهدت المجزرة، وكانت تتوسط شارعا ضيقا بين مبنيين سكنيين، وذلك أثناء نبش الأطفال ركام المنازل بحثا عن بقايا حديد المباني المدمرة كي يبيعوه.

وفي أوائل فبراير/شباط 2025 ظهر فادي صقر -أحد المتهمين المجزرة- يتجول في حي التضامن، مما دفع أهالي الحي إلى الخروج في مظاهرات غاضبة احتجاجا على عودته من دون محاسبة، وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي مطالبة بالقبض عليه.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية بعدها بأيام القبض على 3 متورطين في مجزرة حي التضامن، وكانت قوات الأمن السورية قد نفذت عملية اعتقال في العاصمة دمشق شملت منذر الجزائري الذي يعد أحد المسؤولين عن المجزرة.

وبعد التحقيق اعترف الجزائري بمشاركة شقيقين آخرين هما سومر وعماد محمد المحمود في تنفيذ المجازر التي راح ضحيتها المئات من المدنيين.

سوريا – دمشق- صف الضابط بقوات النظام أمجد اليوسف مرتكب مجزرة حي التضامن بدمشق عام 2013 (مواقع التواصل الاجتماعي)

أمجد اليوسف يقتاد أحد ضحايا مجزرة حي التضامن بدمشق قبل أن يقتله ويلقي به في الحفرة (مواقع التواصل-2013)

القبض على المسؤول الأول

وفي صباح الجمعة 24 أبريل/نيسان 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على أمجد يوسف المتهم بالمسؤولية الأولى عن مجزرة حي التضامن، نائب رئيس الفرع 227 في المخابرات السورية، وذلك خلال عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي في ريف حماة.

وما لبث أن انتشرت صور ومقاطع فيديو ليوسف وهو في مقبوض عليه في سيارات الأمن، والدماء تسيل من أنفه، قبل أن تنتشر صور له وهو يلبس زي السجن.

المصدر: الجزيرة + غارديان

———————————

من حفرة التضامن إلى قاعة العدالة: ماذا بعد اعتقال أمجد يوسف؟/ رائد وحش، وائل قيس

24 أبريل 2026

اسم أمجد يوسف ليس جديدًا على السوريين، ولا على الملفات الحقوقية الدولية. ومنذ أن نشرت صحيفة “الغارديان” عام 2013 مقاطع فيديو تُظهره وهو يقود معتقلين مكبّلي الأيدي نحو حفرة ثم يُطلق النار عليهم، أصبح وجهه وصوته جزءًا من أقسى وثائق الحرب السورية.

التعرف عليه لم يكن صعبًا: الندبة فوق حاجبه الأيمن، وصوته وهو يُعطي الأوامر، وشهادات ناجين رأوه بأعينهم. واليوم حين تعلن وزارة الداخلية السورية القبض عليه، بعدما جرى اعتقاله في سهل الغاب بمحافظة حماة، حيث كان مختبئًا منذ سقوط نظام الأسد، يعود ملف العدالة الانتقالية إلى الواجهة بعد أن ناله الكثير من التراجع.

من مدرسة المخابرات العسكرية إلى فرع 227

بحسب “الغارديان، تخرج يوسف من مدرسة المخابرات العسكرية الواقعة في منطقة ميسلون في ضاحية الديماس بدمشق عام 2004، وانتقل إلى فرع 227 في دمشق عام 2011، حين كانت الثورة السورية أخذة في التحول من احتجاجات إلى مواجهة مسلحة. كان “الفرع 227” التابع لمديرية المخابرات العسكرية يقع في العاصمة دمشق، ويضطلع بعمليات الاعتقال والتحقيق في المناطق التي اعتبرها النظام خارج سيطرته.

وكان حي التضامن، في جنوب دمشق، واحدًا من هذه المناطق. حي شعبي كثيف السكان، أغلبهم من النازحين الذين جاؤوا من ريف سوريا وأطرافها، ومن الفلسطينيين المقيمين منذ عقود. بدأت عمليات الملاحقة فيه مبكرًا، وسرعان ما تحولت إلى شيء آخر.

قبل مجزرة نيسان/أبريل 2013، وثّقت تسجيلات مصورة ظهور يوسف في اعتقالات تعسفية داخل الحي، بينها مشاهد لاحتجاز نساء في طوابير بالقوة. ما بدا في البداية نمطًا من الترهيب، كشف لاحقًا عن منطق مختلف.

المجزرة المروعة

في السادس عشر من نيسان/أبريل 2013، قاد أمجد يوسف مجموعة من عناصر المخابرات في عملية نُفذت خارج أي إطار قانوني، حتى ذلك الإطار الصوري الذي أبقى عليه النظام في أحيان أخرى. جُمع مدنيون، كُبِّلت أيديهم، ثم أُفرغ فيهم الرصاص على حافة حفرة في أرض الحي.

المقطع المصور الذي وثّق جزءًا من الحادثة أظهر إعدام 41 شخصًا. لكن التحقيقات اللاحقة أشارت إلى أن ما جرى في ذلك النهار وفي أيام متقاربة كان أوسع بكثير. قدّرت منظمات حقوقية، من بينها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”منظمة هيومن رايتس ووتش” أن عدد الضحايا في تلك السلسلة من الإعدامات بلغ نحو 288 شخصًا.

في تصريح أدلى به يوسف لاحقًا خلال محادثات غير رسمية مع باحثين، أقرّ بأنه نفّذ عمليات القتل انتقامًا لمقتل شقيقه الأصغر في المعارك. هذه الجملة لم تُفسّر الجريمة، لكنها كشفت شيئًا عن الطريقة التي تحوّل فيها الجنود إلى قتلة، من خلال بنية مؤسسية تُتيح الانتقام، وتمنحه صفة العملية الأمنية.

ما كشفته الحفر

في عام 2024، بعد انهيار النظام وفتح مناطق كانت محظورة، أجرت “هيومن رايتس ووتش” عمليات مسح ميدانية في التضامن. ما وجدته لم يكن مفاجئًا لمن تابع الملف، لكنه كان صادمًا في حجمه المادي.

في الموقع الأصلي للمجزرة كُشف عن حفرة جماعية بعمق مترين وأبعاد ثلاثة في سبعة أمتار، تضم رفات أحد عشر شخصًا من الضحايا الذين ظهروا في التسجيل المصور، فضلًا عن ثلاثة عشر آخرين. لكن المسح لم يتوقف عند هذه النقطة. إذ اكتُشفت مواقع دفن إضافية عند شارع دعبول وشمال كتيبة الإشارة، إضافة إلى مقابر أخرى في محيط الحي.

وثّق التقرير الطبي الشرعي وجود أكثر من خمس مقابر جماعية في المنطقة، ما يعني أن ما جرى في نيسان/أبريل 2013 لم يكن حادثة منفردة، بل نقطة في سلسلة ممتدة.

الشركاء في الجريمة

لم يكن أمجد يوسف وحده. فقد رصدت التحقيقات الصحفية والحقوقية شبكة من الأسماء التي تربطها بما جرى في التضامن.

ومن هؤلاء:

    نجيب الحلبي، من مليشيا الدفاع الوطني، ظهر في التسجيلات إلى جانب يوسف، وقُتل لاحقًا خلال الحرب.

    منذر الجزائري، ضابط سابق في الأمن العسكري، اعتُقل في شباط/فبراير 2025، وصرّح خلال التحقيق بأن الضحايا في التضامن بلغوا نحو خمسمائة شخص.

    الشقيقان سومر وعماد محمود اعتُقلا في الشهر ذاته على خلفية أدوارهما في الاحتجاز والتعذيب. كمال عباس الملقب بـ”ماريو”، الذي وُصف بأنه الشريك الميداني المباشر ليوسف، اعتُقل في نيسان/أبريل 2025 بحمص.

    محمد شريف المعروف بـ”أبو حيدر”، ضابط في الأمن السياسي ساهم في تنسيق عمليات القتل، اعتُقل في الفترة ذاتها.

العقوبات الدولية

في أيار/مايو 2022، وبحسب ما رصدته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، اعتقل النظام السابق يوسف نفسه واحتجزه سرًا دون توجيه تهم. لم يكن معروفًا إذا كان ذلك الاعتقال يعكس محاولة لإخفائه عن الملاحقة الدولية، أو صراعًا داخليًا بين أجهزة الأمن، لم يتضح بشكل كامل.

في آذار/مارس 2023، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على أمجد يوسف، بعد أن صنّفته تحقيقات دولية مسؤولًا مباشرًا عن القتل المنهجي. وكانت تلك أول خطوة قانونية علنية في مسار لم يُكتمل بعد.

اختزال العدالة بالأفراد

مع ذلك، لا تبدو قضية يوسف نهاية القصة، بقدر ما تفتح بابًا أوسع للنقاش حول معنى العدالة في سوريا اليوم. فوجود أدلة واضحة لا يعني أن المساءلة يجب أن تتوقف عند شخص واحد، ولا أن الملف يمكن إغلاقه بسهولة. المسألة تتعلق بكيفية التعامل مع إرث كامل من الانتهاكات، وبما إذا كانت المرحلة الجديدة ستتجه نحو محاسبة شاملة، أم ستكتفي بحالات محددة تبدو أكثر وضوحًا.

في هذا الإطار، تجدر العودة إلى قضية فادي صقر، المعروف بلقب “صقر الدفاع الوطني”، إذ ارتبط اسمه بميليشيا “الدفاع الوطني” التي أسسها نظام الأسد، وتُتهم قواته بارتكاب مجازر بحق المدنيين، وتدمير المنازل، ونهب الممتلكات، لا سيما خلال حصار قوات النظام لأحياء المعارضة جنوب العاصمة. كما تُنسب إليها المشاركة في مجازر حي التضامن، فضلًا عن اعتقال مئات الشبان والشابات الذين قضى كثير منهم تحت التعذيب في سجون النظام.

لاحقًا، أثار دور صقر بصفته عضوًا في لجنة السلم الأهلي غضب عائلات الضحايا والمخفيين قسرًا في سجون الأسد. لكن حسن صوفان، عضو اللجنة، برر ذلك في تصريح لصحيفة “نيويورك تايمز”، قائلًا إن هذا الخيار يأتي في سياق المصالحة الوطنية، حيث تُتخذ أحيانًا قرارات تهدف إلى منع التصعيد والعنف، وتسهم في تحقيق قدر من الاستقرار خلال المرحلة المقبلة.

وسط هذا التعقيد، تبرز بشكل واضح ملامح النقاش الدولي حول العدالة؛ وهو ما يتقاطع مع تحذير آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش”، من اختزال جهود العدالة في مسارات انتقائية أو أحادية، مؤكدًا أن أي انتقال حقيقي في سوريا يتطلب مساءلة شاملة عن انتهاكات جميع الأطراف، مع التركيز على المسؤولية المؤسسية لا الفردية فقط. ودعا السلطات الجديدة إلى ترسيخ الحقوق في القوانين، والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز التعاون الدولي، إلى جانب إصلاح الأجهزة الأمنية وإقصاء المتورطين في الانتهاكات.

إعلان نوايا أم سياسة عامة

في حوار سابق مع موقع “الترا سوريا”، لفت المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، إلى عدم سن السلطات السورية “قانون شامل للعدالة الانتقالية يحدد بوضوح: الآليات، الصلاحيات، العلاقة مع القضاء، ومعايير المساءلة وجبر الضرر”، واصفًا الحديث عن العدالة الانتقالية بأنه “أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى سياسة عامة”، ومشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه “لا توجد آلية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة”.

ورأى الكيلاني أن “هذا التأخير لا يُقرأ فقط كعجز إداري، بل كتردد سياسي في فتح ملفات الماضي لما تحمله من كلفة اجتماعية وأمنية”، مبينًا أنه “نمط موثق في تجارب انتقالية عديدة”. كما توقّف عند قضية مهمة مرتبطة بتعدد المرجعيات، وما يسببه ذلك من إعاقة لاتخاذ قرارات حاسمة وسريعة، ملخصًا ذلك بـ”ضعف التنسيق وتشتت المرجعيات”، موضحًا أن “الملف موزّع بين جهات متعددة، دون مرجعية واحدة واضحة أو استراتيجية وطنية معلنة. هذا التشتت يؤدي إلى بطء القرار، وتضارب المقاربات، ويُفرغ مفهوم العدالة الانتقالية من مضمونه العملي”.

في جانب آخر، يسلط خبر اعتقال يوسف الضوء على بطء مسار العدالة الانتقالية، رغم تكرار إعلانات الجهات الأمنية عن توقيف ضباط وعناصر متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال عهد الأسد. غير أن هذا المسار ما يزال يكتنفه قدر كبير من الغموض، سواء من حيث الإجراءات المتبعة أو مصير القضايا المفتوحة، ما يثير تساؤلات حول جدية المقاربة المعتمدة وقدرتها على تحقيق عدالة واضحة وشفافة.

ضمن هذا المشهد، تتقاطع هذه القراءة مع تقديرات أخرى. فقد ذكرت رنا الشيخ علي، وهي ناشطة ومؤسسة مشروع “دارة سلام”، في تصريح سابق لـ”الترا سوريا” أن تشكيل الهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين كان خطوة إيجابية من الناحية المؤسساتية، لكنها لم تؤتِ ثمارها بشكل ملموس حتى الآن. في المقابل، يسير المسار القضائي الدولي بخطوات أوضح، خاصة فيما يتعلق بالمحاكم الدولية التي تحاكم الأشخاص المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

عود على بدء.. ما بعد اعتقال يوسف

لم تكشف السلطات الحالية حتى الآن عن تفاصيل المسار القانوني الذي ستسلكه في قضية يوسف. المشهد القانوني الدولي المحيط بالملف ليس بسيطًا، فسوريا ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، ما يحول دون إحالة القضية مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية. غير أن هذا لا يعني أن يوسف بمنأى عن الملاحقة.

تجربة المحاكم الأوروبية مع ملف الجرائم السورية سابقًا قابلة للاستناد إليها. فقد صدر في ألمانيا حكم بالسجن مدى الحياة ضد الضابط أنور رسلان على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفي فرنسا أصدر قضاة مذكرات توقيف دولية بحق مسؤولين كبار في أجهزة الأمن السورية. ويبقى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي أتاح هذه الملاحقات، مسارًا مفتوحًا.

ما تملكه التحقيقات الدولية حتى الآن غير مسبوق في قضايا مشابهة: تسجيلات مصورة تُعرّف المتهم بشكل مباشر، وأدلة جنائية من مواقع الدفن، وشهادات ناجين وناجيات، واعترافات أُدلي بها في سياقات غير رسمية.

لم يُغلق الملف. العنصر الذي كان مختبئًا في سهل الغاب بات في يد الدولة التي خرج من أجهزتها يومًا ليُعدم مواطنيها. ربما سيبدو ملف أمجد يوسف اختصارًا سهلًا لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، وما يُخشى أن يجري اختصار تحقيق العدالة الانتقالية بشكلها الواسع في هذا الملف كونه يتسم بالوضوح في الأدلة والتوثيق، وبسبب الإجماع الكبير على وحشية هذا الضابط، ما يجعل القضية مغرية للاستثمار السياسي من قبل السلطة الحالية.

————————————-

 “لن أذكر اسمه أبدا”.. هذه سيرة إجرام مرتكب مجزرة التضامن/ عبد الناصر القادري

2026.04.24=أخيراً إذاً ألقي القبض على مرتكب مجزرة التضامن ومقترف الكثير من الجرائم المخفية الأخرى التي لا تقل بشاعة عنها، لن أذكر لكم اسمه هنا، هو مرتكب مجزرة التضامن، تعرفونه جميعاً وتعرفون اسمه وشكله وتفرقونه عن ملايين الأشخاص، أعلم ذلك، ولكن دعونا نتذكر أسماء الضحايا بدلاً من اسم منفذها، والذين عرف منهم كل من:

1-وسيم صيام – فلسطيني سوري من مخيم اليرموك تعرف عليه والده من طريقة مشيته (كان عمره 33 عاماً متزوج ولديه ابنتان).

2-شامان الظاهر وابناه 3-عمر الظاهر و4-مطلق الظاهر وهم من تركمان سوريا.

5-لؤي الكبرة فلسطيني سوري من مخيم اليرموك كان يعمل في مجال الإغاثة

6-سعيد أحمد خطاب فلسطيني سوري من مخيم اليرموك (27 عاماً) وكان يعمل حلاقاً.

7- غازي عبدو قدورة سوري متزوج ولديه أطفال من مدينة قطنا بريف دمشق.

و34 شخصاً آخرين كانوا في حفرة “مجزرة التضامن” لهم عائلات وذكريات وأسماء كاملة لم نعثر على أسمائهم بين الضحايا المفقودين بعد..

“لن أذكر اسمه أبدا”

وفي 19 آذار 2019، تزامناً مع وصول مقطع مجزرة التضامن إلى يد أحد المجندين الجدد في ميليشيات النظام المخلوع، (يعني الخطوة الأولى في كشف واحدة من أبشع المجازر بتاريخ الثورة السورية)، تعهدت رئيسة وزراء نيوزيلندا حينها، جاسيندا أردرن بعدم ذكر اسم المسلح الذي هاجم مسجدين في مدينة كرايستتشيرتش، وتسبب بمقتل 51 شخصاً والعشرات من المصابين.

وقالت رئيسة الوزراء في خطاب مؤثر في البرلمان النيوزيلندي “لقد سعى منفذ الهجوم لتحقيق أمور كثيرة من عمله الإرهابي، منها الشهرة، ولهذا لن تسمعوني أبداً أذكر اسمه”.

وقالت أردرن ” أناشدكم أن تتذكروا أسماء ضحايا الهجوم بدلاً من اسم منفذه. إنه إرهابي. إنه مجرم. إنه متطرف. لكني لن أُسميه أبداً عندما أتحدث عن الهجوم”.

من هو مرتكب المجزرة؟

مع اندلاع الثورة السورية، شغل منصب ضابط مخابرات في النظام المخلوع، وكان مسؤولاً عن العمليات الأمنية التي أشرفت على اعتقال وتعذيب واغتصاب وقتل معارضيين سياسيين إلى جانب عشرات المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ.

اتهم بارتكاب العديد من الجرائم بحق المدنيين، وهو المتهم بالمسؤولية الأولى عن ارتكاب مجزرة حي التضامن عام 2013 في مخيم اليرموك الذي يسكنه لاجئون فلسطينيون وسوريون.

ولد مرتكب المجزرة عام 1986 في قرية نباع الطيب بمنطقة الغاب شمال غرب حماة، ونشأ في أسرة كبيرة تضم 10 أشقاء.

التحق بأكاديمية الاستخبارات العسكرية في ميسلون بريف دمشق الغربي عام 2004، وخضع لتدريب مكثف لمدة 9 أشهر.

تدرج في الرتب العسكرية حتى أصبح محققاً في الفرع 227 (فرع المنطقة) التابع لشعبة المخابرات العسكرية بحلول عام 2011، ثم رفعت رتبته إلى منصب نائب رئيس الفرع.

مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، أرسل إلى قسم العمليات لقيادة المعارك في مناطق جنوبي دمشق، وأشرف على عمليات أمنية، خصوصاً في حيي التضامن واليرموك، حيث قاد العمليات العسكرية والأمنية حتى عام 2021.

يُعد أحد أبرز مرتكبي مجزرة حي التضامن التي وقعت عام 2013، والتي أسفرت عن مقتل 41 شخصاً جرى إعدامهم ميدانياً ودفنهم في مقبرة جماعية، وفق ما وثقه تحقيق الناشطة السورية أنصار شحّود والبروفيسور أوغور أوميت أنغور العاملين في “مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية” بجامعة أمستردام، وتابعا تلك القضية 3 سنوات حتى عثرا على الشخص الظاهر في فيديو مجزرة التضامن ونشر بالتعاون مع صحيفة الغارديان.

ارتكبت المجزرة في حي التضامن وتحديداً في “شارع نسرين”، وقد ظلت طي الكتمان لسنوات، قبل أن يُكشف عنها عام 2022 عبر مقطع فيديو مسرب أظهر تنفيذ عمليات إعدام جماعي بدم بارد، تلاها إلقاء الضحايا في حفرة وإحراق جثثهم، ما أثار صدمة واسعة على المستوى الدولي.

وبحسب المعطيات، لا تقتصر الاتهامات الموجهة لمنفذ الجريمة الرئيسي على مجزرة التضامن، إذ يُشتبه في مشاركته في تنفيذ نحو 12 عملية قتل جماعي أخرى خلال فترة الحرب التي قادها النظام ضد الثورة السورية، ما يجعله أحد أبرز الأسماء المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سوريا.

وفي 24 نيسان 2026، أعلنت وزارة الدخلية السورية في بيان على معرفاتها الرسمية، “إلقاء القبض على المجرم، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، من قبل قوى الأمن الداخلي، وذلك خلال عملية أمنية نُفِّذت في ريف حماة”.

مجزرة التضامن نقلاً عن التحقيق الأصلي

في أيار عام 2022 وثقت صحيفة الغارديان واحدة من أبشع جرائم الحرب التي ارتُكبت خلال النزاع السوري، وهي مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، والتي كُشفت تفاصيلها لاحقاً عبر فيديو مسرّب. تبدأ القصة عندما عُهد إلى مجند جديد إصلاح حاسوب يعود لأحد عناصر الأجهزة الأمنية، ليكتشف داخله مقطع فيديو صادماً يُظهر عملية إعدام جماعي. بدافع الفضول والخطورة في آنٍ معاً، شاهد المجند الفيديو الذي كشف عن قيام ضابط مخابرات بإعدام مدنيين معصوبي الأعين، حيث يُقاد الضحايا واحداً تلو الآخر نحو حفرة كبيرة قبل إطلاق النار عليهم، لتتكدس جثثهم فوق بعضها. بعد ذلك، أُضرمت النار في الجثث في محاولة لإخفاء معالم الجريمة، التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 41 شخصاً.

هزّ المشهد المجند، فقرر الاحتفاظ بنسخة من الفيديو، وهو قرار غيّر مسار حياته، إذ اضطر لاحقاً إلى الهرب من سوريا بعد سنوات من الخوف والمخاطر، لينقل هذا الدليل إلى خارج البلاد. وصل الفيديو إلى باحثين متخصصين في دراسة الإبادة الجماعية، هما أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور، اللذان عملا على تحليل الفيديو ومحاولة كشف هوية الجناة، وتحديد المسؤول المباشر عن المجزرة.

ونظراً لصعوبة الوصول إلى ضباط نظام الأسد بشكل مباشر، ابتكرت أنصار خطة ذكية تمثلت في إنشاء شخصية وهمية على فيسبوك باسم “Anna Sh”، وهي شابة تدّعي دعمها للنظام وتعاطفها مع عناصره. على مدى سنوات، نجحت هذه الشخصية في التسلل إلى دوائر مغلقة من ضباط وعناصر أمنيين، حيث بنت علاقات معهم واكتسبت ثقتهم عبر التفاعل المستمر وإظهار التعاطف، دون أن تكشف نواياها الحقيقية.

ومع مرور الوقت، تمكنت أنصار من تحديد هوية أحد المشتبه بهم، والذي بدا مطابقاً للشخص الظاهر في الفيديو. بدأت بالتقرب منه تدريجياً عبر المحادثات، حتى وافق على التواصل معها عبر مكالمات فيديو. استخدمت أنصار أسلوباً نفسياً دقيقاً، حيث أظهرت تفهماً لمعاناته ومشاعره، ما جعله يشعر بالارتياح ويدفعه للحديث بصراحة أكبر. في إحدى المحادثات، انهار مرتكب المجزرة عاطفياً أثناء حديثه عن شقيقه، واعترف بشكل غير مباشر بأنه قتل الكثيرين “انتقاماً”، في إشارة إلى دوره في عمليات القتل.

لم يكن هذا العمل سهلاً، إذ استمر لسنوات من التقمص النفسي والضغط، حيث اضطرت أنصار للعيش بشخصية مزدوجة، ما أثر على حياتها النفسية والاجتماعية. في نهاية المطاف، قررت “إنهاء” شخصية Anna Sh رمزياً، في محاولة للعودة إلى حياتها الحقيقية، بعد أن حققت الهدف الأساسي وهو جمع الأدلة والاعترافات.

لاحقاً، واجهت أنصار الضابط بهويتها الحقيقية وقدمت له الدليل المصوّر، فاعترف بوجوده في الفيديو، لكنه حاول التقليل من خطورة ما فعله، بل وأبدى في مرحلة لاحقة نوعاً من التفاخر، قبل أن يهددها. بعد ذلك، تم قطع التواصل معه.

في المقابل، استمرت الجهود القانونية، حيث جُمعت الأدلة وسُلّمت إلى جهات قضائية في أوروبا، ضمن مساعٍ لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب في سوريا. كما لعب الشخص الذي سرّب الفيديو دوراً محورياً، رغم الثمن الكبير الذي دفعه، إذ اضطر لترك بلده وعائلته والعيش في المنفى.

وقال موقع “الجمهورية” في تحقيق له عام 2022 إن فيديو مجزرة التضامن الذي نشر هو واحد من 27 فيديو تم تسريبها، ويظهر فيها مقتل 288 مدنياً بينهم 7 نساء ومجموعة غير معروفة العدد من الأطفال، على يد اثنين من مرتكبي المجزرة، اللذين يعملان في فرع المنطقة (227).

تلفزيون سوريا

—————————-

 من حفرة المجزرة بعد اعتقال أمجد يوسف.. أهالي التضامن: هذا يوم العدالة/ طارق صبح

2026.04.24

في مشهد أعاد فتح جرح قديم، خرج عشرات من أهالي حي التضامن جنوبي دمشق، عقب صلاة الجمعة اليوم 24 نيسان، في مسير شعبي انطلق من جامع عثمان بن عفان باتجاه الموقع الذي ارتُكبت فيه واحدة من أبشع المجازر الموثقة في سوريا، وذلك بعد ساعات من الإعلان عن إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة التضامن.

المسير لم يكن مجرد تجمع أو فعل رمزي عابر، بل بدا أقرب إلى استعادة جماعية للذاكرة، وفتح علني لملف العدالة الذي ظل معلقاً لسنوات، في لحظة وصفها أحد المشاركين بأنها “أهم يوم في سوريا بعد يوم التحرير”.

التضامن: من الحداد إلى المطالبة بالحساب

خلال المسير، تصدر مطلب العدالة الهتافات التي رددها المشاركون، وهتافات أخرى مثل: “الشعب يريد إعدام القاتل”، “دم الشهيد.. مو نسيانينو”، “أم الشهيد.. كلنا ولادك”، “يا شهيد نام وارتاح.. دمك أبداً ما راح”، في مشهد جمع بين الحداد والفرح، وبين استعادة أسماء الضحايا والدعوة إلى محاسبة الجناة.

لم تقتصر المطالب على محاسبة أمجد يوسف، بل امتدت لتشمل شخصيات أخرى يُشتبه بتورطها في المجزرة، وفي مقدمتها فادي صقر، الذي ورد اسمه في تحقيقات سابقة، ما أعاد إلى الواجهة مطلب “محاسبة كل المتورطين دون استثناء”، وفق تأكيد المشاركين في المسير.

عدد من المشاركين طالبوا بأن تكون محاكمة أمجد يوسف علنية، وأن يُنفذ الحكم في الموقع ذاته الذي شهد الجريمة، في إشارة واضحة إلى رغبة شعبية بربط العدالة بالمكان، لا بالاكتفاء بالإجراءات القانونية المجردة.

ورغم توثيق مجزرة التضامن بالصوت والصورة، منذ كشفها لأول مرة في تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، لا تزال هوية عدد كبير من الضحايا غير مكتملة، إذ تم التعرف على بعضهم، في حين بقي عشرات آخرون من دون أسماء واضحة أو مصير معروف حتى اليوم.

وتعد مجزرة التضامن من أكثر الجرائم توثيقاً في سوريا، إذ أظهر تسجيل مصور إعدام عشرات المدنيين ميدانياً ودفنهم في حفرة جماعية.

المكان شاهداً

المسار الذي سلكه المشاركون لم يكن بلا دلالة أيضاً، فالمنطقة الممتدة من جامع عثمان بن عفان إلى موقع الحفرة لا تزال تحمل آثار الدمار الذي خلفه القصف العنيف خلال سنوات سيطرة نظام الأسد المخلوع، حيث تعرض الحي لقصف مدفعي مكثف أدى إلى تدمير واسع في الأبنية والبنية التحتية.

وحتى اليوم، تقف الأبنية المهدمة والأسقف المنهارة كشاهد حي على ما جرى، في حين بدت الأزقة التي عبرها المشاركون تربط بين زمنين: زمن المجزرة، وزمن تحقيق العدالة.

يوم قد يتحول إلى تاريخ

بعد الوصول إلى الحفرة التي ارتكب فيها أمجد يوسف المجزرة، تحولت الوقفة إلى مساحة مفتوحة للتعبير، حيث دعا بعض المشاركين إلى أن تكون محاكمة أمجد يوسف علنية وفي المكان ذاته الذي ارتكبت فيه المجزرة، في محاولة لربط العدالة بالموقع الذي شهد الجريمة، وتحويله من شاهد على القتل إلى شاهد على الحساب.

ودعا آخرون إلى اعتماد يوم إلقاء القبض على أمجد يوسف كيوم وطني لذكرى ضحايا مجزرة التضامن، أو حتى اعتباره عطلة رسمية، في محاولة لترسيخ الحدث في الذاكرة العامة.

تلفزيون سوريا

——————

دموع بموقع الجريمة.. الطفلة السورية رغد تختصر وجع “مجزرة التضامن”/ بشار أبو زكري

في مشهد جمع بين فرحة إعلان اعتقال المتهم الرئيسي في “مجزرة التضامن” أمجد يوسف وبين استحضار ذاكرة الألم، برزت صورة طفلة سورية تبكي وسط احتفالات في حي التضامن بالعاصمة دمشق، لتتحول إلى رمز إنساني لافت أعاد تسليط الضوء على آثار الحادثة وما خلّفته من جراح لا تزال حاضرة في وجدان الأهالي.

وبحسب منصة “سوريا الآن”، ظهرت الطفلة في موقع المجزرة داخل الحي، حيث تزامنت أجواء الفرح الشعبي بالخبر مع مشهد بكائها، في صورة لافتة جمعت بين الاحتفال واستذكار التفاصيل الأليمة.

وفي 16 أبريل/نيسان 2013، قتلت قوات النظام المخلوع بمجزرة حي التضامن في دمشق 41 مدنيا، وألقتهم في حفرة كبيرة، وعُثر لاحقا على عظام بشرية بالمنطقة.

وفي 27 أبريل/نيسان 2022، نشرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية مقطعا مصورا، قالت إن مجندا في مليشيا موالية للنظام سرّبه، يُظهر قتل قوات “الفرع 227” التابع لمخابرات النظام العسكرية 41 شخصا على الأقل وإحراق جثثهم.

وشوهد أمجد يوسف -ضابط مخابرات نظام الأسد- الذي يظهر وجهه بوضوح في الصور، وهو يطلق النار على المدنيين الذين اعتُقلوا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي.

ويروي والد الطفلة، ياسين بكار، تفاصيل الموقف قائلا: “سألتني: لماذا تبكي يا بابا؟ حين كنت أقف في المكان الذي وقعت فيه المجزرة. فأخبرتها أنني سعيد لأنهم ألقوا القبض على أمجد يوسف في الموقع نفسه. وعندما استمعت إليّ، قالت: الله يرحمهم ويتقبلهم، ثم بدأت تبكي معي”.

ويبدو أن حديث الأب عن الفرح بتحقق العدالة، في المكان ذاته الذي شهد المأساة، كان كافيا لاستحضار ذاكرة الألم لدى الطفلة، لترد بعفوية حزينة تعكس ثقل ما عاشته العائلة، وتشارك والدها البكاء في لحظة امتزج فيها الإحساس بالعدالة بوجع الفقد.

وقالت الطفلة رغد ياسين بكار إن مشاعرها كانت متناقضة بين الفرح والحزن، موضحة: “فرحت كثيرا باعتقاله لأنه قتل أهلنا… جدي وعمي وخالي من الشهداء الذين قضوا على يده، لا أنسى كيف انفطر قلبي عندما رأيت العظام في الحفر، ثم سالت دموعي دون توقف”.

وختمت حديثها بالتعبير عن أملها في ألا يضيع دم الشهداء، وأن ينال المسؤولون عن المجزرة جزاءهم العادل.

إعلان

وقد لاقت صورة الطفلة تفاعلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي بين السوريين، حيث أعاد المشهد المتداول تسليط الضوء على حجم الألم الإنساني المرتبط بذكريات “مجزرة التضامن”، وما خلّفته من آثار لا تزال حاضرة في وجدان الأهالي.

وتفاعل ناشطون مع الصورة باعتبارها تعبيرا صادقا عن تداخل مشاعر الفرح بالعدالة مع الألم العميق لفقدان الأحبة، مشيرين إلى أن اللحظة جسّدت جانبا إنسانيا معقدا يعكس استمرار أثر الجريمة رغم مرور الوقت.

كما رأى آخرون أن المشهد يعيد التذكير بضرورة إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدين أن مثل هذه اللحظات تبقى شاهدا حيا على ما عاشته العائلات في المنطقة، ولا تزال تعيشه من تبعات نفسية وإنسانية.

وفي السياق نفسه، اعتبر متابعون أن تفاعل الطفلة يعكس انتقال الذاكرة المؤلمة بين الأجيال، حيث لا تزال تفاصيل الحادثة حاضرة في الوعي الجمعي للسكان، رغم تغير الظروف والسنوات.

وأشاروا إلى أن هذا التفاعل الإنساني يسلّط الضوء على عمق الجراح التي خلفتها المجزرة، والتي لم تُغلق صفحاتها بعد، سواء على المستوى الاجتماعي أو النفسي لدى ذوي الضحايا.

وأمس الجمعة، أعلن وزير الداخلية السوري أنس الخطاب إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، قائلا –في تدوينة على حسابه في منصة إكس– إن “المجرم أمجد يوسف -المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن- بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محْكمة”.

وعقب الإعلان، خرج أهالي العديد من المدن والقرى السورية فرحا وابتهاجا بما وصفوه بـ”يوم التحرير الجديد”، مطالبين في الوقت نفسه بمحاكمة عادلة وقصاص من المسؤولين عن المجزرة.

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

——————————

ترحيب أميركي – تركي باعتقال أمجد يوسف

باراك: اعتقال أمجد يوسف يجسد نموذجاً جديداً للعدالة في سوريا ما بعد النظام

2026-04-24

رحبت كل من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا اليوم الجمعة، باعتقال المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن أمجد يوسف خلال عملية أمنية بريف محافظة حماة.

وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك إنه يرحب بالإعلان الصادر عن وزارة الداخلية السورية بشأن اعتقال أمجد يوسف، المعروف بلقب “سفاح التضامن”.

واعتبر باراك في منشور على منصة “إكس”، أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً بعيداً عن الإفلات من العقاب باتجاه تحقيق المساءلة، مشيراً إلى أنها تجسد نموذجاً جديداً للعدالة في سوريا ما بعد النظام.

وأكد المبعوث الأميركي أن هذا المسار يقوم على أسس سيادة القانون، وتعزيز المصالحة الوطنية، وتطبيق العدالة بشكل متساوٍ على جميع الأطراف دون النظر إلى انتماءاتهم السابقة.

كما شدد على وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الشعب السوري في دعم تحقيق عدالة حقيقية وترسيخ حكم القانون، بما يسهم في مداواة جراح البلاد التي أنهكتها سنوات الصراع.

من جانبه رحب السفير التركي في سوريا نوح يلماز باعتقال أمجد يوسف، مشيراً إلى أن المنطقة التي شهدت المجزرة تضم أيضاً كثافة من التركمان.

وأوضح يلماز في منشور على منصة “إكس”، أن مجزرة التضامن تُعد من أكثر المجازر رعباً خلال الحرب في سوريا، حيث جرى إعدام العشرات، قبل إلقائهم في حفرة ومن ثم حرقهم، لافتاً إلى أن هذه الجرائم تم توثيقها وتصويرها.

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا قد كشف في وقت سابق اليوم الجمعة، عن تفاصيل عملية القبض على أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق، موضحاً أن العملية جاءت بعد أشهر من الرصد والمتابعة الأمنية الدقيقة.

وأوضح البابا، في تصريح لقناة “الإخبارية”، أن أمجد يوسف كان مدرجاً منذ سقوط النظام على قائمة أبرز المطلوبين لدى إدارة العمليات العسكرية، ولاحقاً لدى وزارة الداخلية، نظراً للأثر العالمي الكبير الذي خلفته مجزرة التضامن بسبب وحشيتها.

وبيّن أن الأجهزة المختصة نفذت خلال الأشهر الماضية عدة محاولات لرصد يوسف واعتقاله، من بينها محاولة جرت في أيلول/ سبتمبر 2025 لكنها لم تنجح، مؤكداً استمرار عمليات المتابعة إلى أن تم تحديد موقعه بشكل تقريبي قبل نحو شهر في قرية نبع الطيب بريف حماة، التابعة لمنطقة السقيلبية.

وأوضح البابا أن العملية الأمنية نُفذت وفق خطة محكمة اعتمدت على ثلاثة أطواق أمنية لتضييق الخناق على الهدف ومنع فراره، وذلك بالتنسيق بين قيادة الأمن الداخلي في محافظة حماة وإدارات العمليات والمعلومات والمهام الخاصة، ضمن غرفة عمليات رفيعة المستوى بإشراف وزارة الداخلية.

وأشار إلى أن القوات الأمنية تمكنت من رصد يوسف داخل الموقع المستهدف وإلقاء القبض عليه رغم محاولته المقاومة، مؤكداً أنه سيحال إلى القضاء السوري لاستكمال التحقيقات والإجراءات القانونية بحقه.

وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية أن تفاصيل التحقيقات الأولية لا تزال سرية نظراً لحساسية القضية، مشيراً إلى أنه سيتم الكشف عنها لاحقاً للرأي العام بالتنسيق مع وزارة العدل التي ستتولى التحقيق والإشراف على المحاكمة.

كما أشار إلى وجود شبكات إجرامية عابرة للحدود أنشأها نظام الأسد لتأمين ملاذات آمنة للمطلوبين وتهريب السلاح والمخدرات وتوفير وثائق وإقامات لبعض الفارين، مؤكداً استمرار التعاون مع عدد من الدول لملاحقة المطلوبين وتسليمهم إلى سوريا.

وفي وقت سابق اليوم الجمعة، أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض على أمجد يوسف خلال عملية أمنية محكمة في ريف حماة، بعد سنوات من الملاحقة.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في 17 شباط/ فبراير 2025 القبض على عدد من المسؤولين عن مجزرة التضامن، حيث قال مدير الأمن في دمشق حينها إن التحقيقات الأولية قادت إلى عدة أشخاص شاركوا في المجزرة وتم اعتقال اثنين منهم.

وتعود مجزرة التضامن إلى 16 نيسان 2013، عندما ارتكبت قوات النظام المخلوع مجزرة في حي التضامن بدمشق أسفرت عن مقتل 41 شخصاً ودفنهم في مقبرة جماعية، وفق ما كشفه تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” في 27 نيسان 2022، استناداً إلى تسجيل مصور يوثق إعدام عشرات الأشخاص ودفنهم ثم حرق جثثهم.

واستند التحقيق إلى وثائق وشهادات قدمها الباحثان أنصار شحود والبروفيسور أوغور أوميت أنجور من مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، نقلاً عن عسكري سابق في قوات النظام تمكن من الحصول على التسجيل.

ويُعد أمجد يوسف أحد أبرز منفذي المجزرة، حيث ظهر في التسجيل المصور وهو ينفذ عمليات قتل ميداني بحق 41 شخصاً ويدفنهم في مقبرة جماعية، كما يُتهم بتنفيذ نحو 12 عملية قتل جماعي أخرى، وكان عنصراً في الفرع 227 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، مستغلاً موقعه للمشاركة في عمليات اعتقال وتصفية جماعية بحق المدنيين.

—————————–

الفقر ليس عذرًا للمجزرة/ رامي العاشق

26 أبريل 2026

اعتقال أمجد يوسف في سوريا حدث استثنائي، فهو مجرم حرب ارتكب الكثير من الجرائم أشهرها مجزرة التضامن التي قتل فيها 288 ضحيّةً من الفلسطينيين والسوريين. أهالي الضحايا اجتمعوا حول الحفرة- القبر الجماعي واحتفلوا، ربّما لأول مرّة، وطالب بعضهم بمحاكمة المجرم في موقع الجريمة بحثًا عن عدالة متأخرة. هؤلاء الأهالي، اضطرّوا إلى مشاهدة فيديو المجزرة المسرّب، ورؤية أبنائهم يساقون إلى الإعدام مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين، ليعرفوا مصيرهم، ثم معرفة أن جثثهم أحرقت جميعها.

على الضفّة الأخرى، تم اعتقال أمجد يوسف من منزل أهله وأمام أنظار والده ووالدته، وفي أول تصريح لشقيقتيه اللتين كانتا معه في البيت، وصفتاه بأنه “فقير”، وأن بشار الأسد هو المسؤول الأول، وأنه لم يتصرّف ولم يقتل بدافع شخصي، وإلا لكان النظام عاقبه. نعم هو الذي أمسك بالسلاح وأطلق النار، ولكنه ليس المدبّر وليس المسؤول.

اللافت في الأمر، أنّ وصف “فقير” يُستعمل منذ فترة طويلةٍ جدًا، وتحديدًا في قضايا تتعلق بمجرمي الجيش والأمن. ولكن الفقر، يمكن أن يكون تفسيرًا لا تبريرًا، بمعنى أنّه يشرح كيف قد تدفع الظروف القاسية بعض الناس إلى السقوط الأخلاقي، لكنّه لا يعفي من المسؤولية. صحيح أننا لم نر مليارديرًا يرتكب مجزرة، أو يرمي البراميل المتفجرة من الطائرة، ثم يعود بطائرته الخاصة إلى قصره على الشاطئ، لكن لو كان الفقر عذرًا للقتل، لكان كل الفقراء قتلة، لكنّ كثيرًا منهم كانوا ضحايا.

استعمال الفقر هنا يوحي بأن الشخص مسكين وغير صاحب قرار، هذا التبسيط والتبرير، يحيلنا إلى تفاهة الشر عند الفيلسوفة الألمانية حنا آرنت، ويحيلنا إلى أيخمان الذي كان يبرر فعلته بأنه كان ينفذ الأوامر فقط. ويذكّرنا أيضًا بتجربة ميلغرام حول الطاعة، حيث يمكن للناس العاديين، وهم يؤدون وظائفهم فقط، أن يتحولوا إلى أدوات في عملية تدمير مروعة.

بالعودة إلى حالة أمجد يوسف، فإن وصف “فقير” أو “مسكين” أكثر خطورة من “كان يطيع الأوامر فقط” لأنّه بالضرورة يسعى للإفلات من العقاب، بوضع الجاني في موضع الضحيّة، ويضع الضحايا أمام “واجب” التعاطف مع الفقير المسكين الذي قتل عائلاتهم. إذن، فهو يحوّل مركز التعاطف ويضعه في غير مكانه؛ فكل تعاطف يُمنح للجلاد بوصفه “مسكينًا”، يُنتزع جزئيًا من الضحية التي لم يُسمح لها حتى بالكلام.

قد يشعر الإنسان بالشفقة على ظروف شخص ما، لكن هذا لا يلغي وجوب محاسبته. استخدام الفقر كتبرير قد يسيء أيضًا إلى الفقراء أنفسهم، لأنّه يقول ضمنيًا: الفقير أقرب إلى الجريمة، وهذا احتقار طبقي مقنّع بالتعاطف.

إخراج الفقر من سياقه وإخراج جريمة الحرب من سياقها أيضًا فيه الكثير من التلاعب. حين يُستدعى الفقر لتفسير المجزرة، يجري خلط بين مستويين مختلفين: مشكلة اجتماعية تتطلب سياسات عامة، وجريمة فردية/مؤسسية تتطلب محاسبة وعدالة. ويحق للمرء أن يتساءل: ما المطلوب إذن؟ هل يجب أن أقضي على الفقر كي لا تحدث لي مجزرة؟

من جهة أخرى، إن إعفاء المجرمين من جريمتهم، وإلصاقها برأس النظام، بشار الأسد هنا، ينفي الجريمة عن نظام كامل يشمل موظفين بيروقراطيين وعسكريين وإداريين وجمهورًا يشجع على الجريمة وفنانين يستعملون الفن لحماية الديكتاتور وتزوير التاريخ ومواطنين يتحولون إلى مخبرين.. إذن، ثمّة سوء فهم لطبيعة الاستبداد وجرائم الحرب والعدالة، وثمة تواطؤ ضمني مع القتل وتطبيع مع الإبادة.

الاستبداد لا يعيش في القصر الرئاسي فقط، إنما في المخبر، في العائلة، في المدرسة، في الإعلام، في السجن، في الفن، وفي اللغة اليوميّة والسلوك. ولا يُرتكب بيد الطاغية وحده، بل بأيدي موظفين صغار يوقّعون، وعسكر يطلقون النار، وفنانين يزيّنون الدم، ومواطنين يشيحون النظر. ما أريد قوله هنا باختصار: إن حصر الجريمة برأس النظام (الديكتاتور) هو أحد أشكال حماية النظام.

نحن بحاجة، بالتأكيد، لفهم كيف حدثت الجريمة، ولكننا أيضًا بحاجة إلى العمل على كيف تروى الحكاية، وكيف تسمّى الأشياء بمسمياتها. يقول ألبير كامو إن تسمية الأشياء على نحو خاطئ تعني أن نضيف بؤسًا إلى العالم. إن فهم كيف حدثت الجريمة شرطٌ ضروري، لكنه غير كافٍ. فلا بد أيضًا من معاقبة مرتكبيها، وكشف البنية التي أنتجتها، وتبنّي السردية التي تنصف الضحايا وتمنع تبرئة الجلادين.

الترا سوريا،

————————————

وما كان ربك نسيًا”.. والد أحد ضحايا مجزرة التضامن يوجه رسالة إلى أمجد يوسف/ أحمد زكريّا

24 أبريل 2026

أكد عمر صيام، والد وسيم صيام أحد ضحايا مجزرة التضامن جنوبي دمشق، أن العدالة ستأخذ مجراها مهما طال الزمن، موجهًا رسالة مباشرة إلى المتهم بارتكاب الجريمة أمجد يوسف بقوله: “وما كان ربك نسيّا”، مضيفًا في حديث لموقع “ألترا سوريا”: “أقول له أيضًا: أنت اليوم في أيدي رجال عاهدوا الله على نصرة المظلوم”.

تفاصيل التعرف على الضحية

في شهادة مؤثرة، استعاد والد الضحية وسيم تفاصيل التعرف على نجله ضمن مقاطع الفيديو التي وثّقت المجزرة، موضحًا أن صديقًا للعائلة أرسل لهم تسجيلًا مصورًا، وأبلغهم أن الشخص الذي يظهر في منتصفه هو وسيم. وتابع: “لم نتمكن من التعرف عليه بشكل واضح في البداية، لكن والدته تعرفت عليه جيدًا من خلال ملامح وجهه وملابسه”.

قصة الاعتقال

بيّن الأب أن وسيم اعتُقل بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2013، ومنذ ذلك الحين لم يعد إلى المنزل، وكان هاتفه مغلقًا، وسط ترجيحات بأنه اعتُقل إما في بداية مخيم اليرموك أو في منطقة التضامن.

وأشار إلى أن نجله كان مقيمًا في مخيم اليرموك، وجرى توقيفه أثناء عمله في نقل الطحين إلى “مخبز الضياء” في حي التضامن. وأوضح أن وسيم كان يبلغ من العمر 34 عامًا عند اعتقاله، وكان متزوجًا وله ابنتان تقيمان حاليًا في ألمانيا، لافتًا إلى أن العائلة عاشت لسنوات على أمل عودته أو معرفة مصيره.

مشاعر الأب

في حديثه عن مشاعره، قال والد وسيم إن صباح اليوم الذي تبيّنت فيه الحقيقة كان ثقيلًا ومشحونًا بالمشاعر، مضيفًا: “الحمد لله رب العالمين، منذ الصباح الباكر نزلت الدموع، لكن الفرحة بردت قلوبنا وقلوب المجتمع السوري وقلوب كل الأحرار”.

ووصف العملية التي كشفت خيوط الجريمة بأنها “مباركة”، مشيداً بالجهود التي بذلت، ومضيفًا أنها أعادت شيئًا من الحق لأصحابه، وأحيت ذكرى الضحايا الذين قضوا في المجزرة.

وتابع قائلًا: “نستذكر وسيم، رحمه الله، وكل الشباب الذين قضوا معه، وكل شهيد في سوريا، كانوا أصحاب ابتسامة دائمة وروح طيبة”، مضيفًا: “نقول لهم: ناموا قريري العين، فالله لا ينسى، وربنا يمهل ولا يهمل”.

سنوات الألم

أشار الأب إلى أن سنوات الغياب حملت الكثير من الألم والمرارة، خاصة مع فقدان ابن عزيز على والديه وأهله، مضيفًا: “كنا نأمل أن يظهر يومًا في أحد السجون، لكن مشيئة الله كانت مختلفة، والحمد لله على كل حال”.

وأعرب عن شكره لكل من ساهم في كشف الحقيقة، مؤكدًا أن هذه الخطوة يجب أن تتبعها محاسبة شاملة لكل المتورطين في الجرائم المرتكبة بحق السوريين، قائلًا: “ننتظر محاسبة باقي المجرمين بحق أبناء الشعب السوري، فهؤلاء الأبرياء لهم حق لا بد أن يُستعاد”.

وختم بالتأكيد على أهمية تحقيق العدالة ومنع تكرار مثل هذه الجرائم، معربًا عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة محاكمات عادلة، وأن لا تتكرر هذه المآسي في أي بقعة من الوطن.

تفاصيل اعتقال أمجد يوسف

صباح اليوم الجمعة، أعلن وزير الداخلية، أنس خطاب، عن اعتقال المدعو أمجد يوسف بعملية نوعية، قائلًا: “المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة”.

وقالت وزارة الداخلية في بيان: “عملية أمنية محكمة نفذتها وزارة الداخلية، أُلقي القبض خلالها على المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن بمدينة دمشق، التي راح ضحيتها عشرات الشهداء الأبرياء، وقد استمرت عمليات الرصد والتتبع لعدة أيام قبل التنفيذ في سهل الغاب بريف حماة، ضمن متابعة دقيقة ومستمرة”، وأكدت الوزارة على استمرار ملاحقة باقي مرتكبي المجزرة، لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة.

من جهته، قال الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في تصريحات لقناة “الإخبارية” السورية: “المجرم أمجد يوسف كان على قائمة أبرز المطلوبين لإدارة العمليات العسكرية بعد التحرير مباشرة”، مضيفًا: “كانت هناك محاولة لإلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف أواخر أيلول العام الماضي لكنها لم تكلل بالنجاح”.

وختم بالقول: “كانت هناك غرفة عمليات رفيعة المستوى وكان رأس الحربة في عملية إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف قيادة الأمن الداخلي في حماة”.

خلفية المجزرة

يُذكر أنه في أواخر نيسان/أبريل 2022، نشرت صحيفة “الغارديان” مقطع فيديو وصفته بأنه “الأفظع” منذ بدء الأحداث الدائرة في سوريا عام 2011، وثق مقطع الفيديو عمليات إعدام جماعية في حي “التضامن” جنوبي العاصمة دمشق على يد أحد عناصر النظام السابق، إضافة إلى توثيق قيام عناصر بالنظام بتكويم الجثث فوق بعضها وحرقها.

ونهاية أيار/مايو 2022، كشفت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” عن احتجاز النظام السوري لأحد المتورطين بمجزرة حي “التضامن” أو ما يعرف باسم “حفرة التضامن”، المدعو أمجد يوسف، مرجحة أن النظام يحاول إما حمايته أو تصفيته للتخلص منه.

وأطلق ناشطون سوريون على موقع منظمة “آفاز” مؤخرًا حملة عالمية للتوقيع على عريضة موجهة لكل دول العالم بعنوان “مطالبة لإحداث محكمة خاصة بجرائم الحرب بسوريا والتحقيق بمجزرة التضامن التي ارتكبت عام 2013”.

يُشار إلى أن أمجد يوسف هو ضابط سابق في مخابرات النظام السابق، عُرف بكونه المتهم الأول والرئيسي في ارتكاب مجزرة حي التضامن بحق أهالي جنوب دمشق عام 2013، وكان يشغل رتبة ضابط في “الفرع 227” التابع للمخابرات العسكرية.

———————————–

الداخلية تلقي القبض على أمجد يوسف أبرز المتهمين بارتكاب مجزرة التضامن

أبريل 24, 2026

أفادت معلومات خاصة لـ”الثورة السورية” بأن وزارة الداخلية ألقت القبض على أمجد يوسف، المتهم الأبرز بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق، اليوم الجمعة، بعملية أمنية محكمة نفذت في ريف حماة، في تطور يضع واحدا من أكثر ملفات الجرائم المرتكبة في عهد النظام المخلوع على سكة الملاحقة القضائية المباشرة. ويكتسب هذا التطور ثقله من كون اسم يوسف ارتبط، منذ كشف القضية إلى العلن، بالمشاهد المصورة التي وثقت إعدام مدنيين مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين، قبل إلقائهم في حفرة وإحراق جثثهم في واحدة من أبشع الجرائم الموثقة بالصوت والصورة خلال سنوات الثورة السورية. وتأتي هذه الخطوة في وقت كانت فيه وزارة الداخلية قد أكدت قبل أيام أن “لا أحد فوق المساءلة”، وأن الدولة ماضية في ملاحقة الفارين من العدالة وتقديم المتورطين إلى القضاء المختص ضمن مسار العدالة الانتقالية الجاري العمل عليه. 

وتعود الجريمة التي عُرفت لاحقا باسم “مجزرة التضامن” إلى 16 نيسان 2013، حين أظهرت لقطات مصورة، كُشف عنها في نيسان 2022، تنفيذ عملية إعدام جماعي في حي التضامن جنوبي دمشق. وبحسب التحقيقات المنشورة، فقد أظهر الفيديو الأشهر مقتل ما لا يقل عن 41 مدنيا، جرى اقتيادهم واحدا تلو الآخر إلى حفرة أُعدت مسبقا، قبل إطلاق النار عليهم ثم إحراق الجثث فوق إطارات داخل الموقع نفسه. وأكد تحقيق موسع نشرته “نيو لاينز” بالتعاون مع “الجمهورية” وكشفته “الغارديان” أن الجريمة كانت نمطا لقوى النظام المخلوع من القتل الممنهج، إذ خلص الباحثان أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور، بعد فحص 27 تسجيلا مصورا، إلى أن المقاطع توثق قتل 288 مدنيا، بينهم نساء وأطفال، على أيدي عناصر مرتبطة بأجهزة النظام الأمنية في المنطقة نفسها. 

ومنذ لحظة نشر تلك التحقيقات، برز اسم أمجد يوسف بوصفه الشخصية المركزية في الملف. فقد حدد الباحثون هويته باعتباره ضابطا في الفرع 227 التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية، وهو الفرع الذي ارتبط اسمه خلال سنوات الحرب بعمليات الاعتقال والتعذيب والتصفية. ووفقا للتحقيقات نفسها، تمكنت الباحثة أنصار شحود، عبر عمل استقصائي طويل ومعقد، من الوصول إلى يوسف وبناء تواصل معه بهوية مستعارة، قبل أن يقر، عند مواجهته بجزء من الفيديو، بأنه الشخص الظاهر فيه. ونقلت “الغارديان” عنه لاحقا تبنيه لما فعله، في مؤشر صادم على مستوى الإفلات من العقاب الذي أحاط بالجريمة لسنوات. كما أشارت تقارير لاحقة إلى أن يوسف واصل عمله فترة بعد كشف الجريمة، وبقي متواريا عن الملاحقة القضائية المباشرة، رغم تحوله إلى أحد أبرز الوجوه المطلوبة في ملف التضامن. 

ولم يقف أثر الملف عند حدود الفضيحة الإعلامية والحقوقية، بل امتد إلى إجراءات دولية. ففي آذار 2023 أعلنت وزارة الخارجية الأميركية فرض قيود تمنع أمجد يوسف وأفرادا من أسرته من دخول الولايات المتحدة، استنادا إلى مسؤوليته عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها القتل خارج نطاق القضاء في حي التضامن. كما أدرج الاتحاد الأوروبي اسمه على قوائم العقوبات في العام نفسه، بما عكس تحول القضية من ملف كشف صحافي وحقوقي إلى قضية مساءلة دولية موثقة. وبذلك، أصبح يوسف أحد أكثر الأسماء التصاقا بمطلب المحاسبة في الجرائم المرتكبة في دمشق خلال سنوات الثورة. 

ومع سقوط النظام المخلوع في كانون الأول 2024، عاد ملف التضامن إلى الواجهة بقوة داخل سوريا. ففي شباط 2025 أعلنت السلطات السورية إلقاء القبض على ثلاثة رجال يشتبه بتورطهم في المجزرة، هم منذر الجزائري وسومر محمد المحمود وعماد محمد المحمود، في خطوة عُدّت حينها بداية عملية تفكيك الشبكة المحلية التي شاركت في القتل أو سهّلت وقوعه. غير أن اسم أمجد يوسف بقي الغائب الأبرز عن قائمة الموقوفين، ما جعل أي تطور يتعلق به يتجاوز البعد الأمني إلى بعد رمزي وقضائي شديد الحساسية، باعتباره الشخص الأكثر ارتباطا بالمشهد المصور الذي صدم السوريين والرأي العام الدولي عند نشره. وفي أيار 2025 أعلنت الرئاسة السورية تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، في مسعى مؤسسي لوضع ملفات الجرائم الكبرى، ومنها التضامن، ضمن مسار قانوني منظم. 

وفي آب 2025، استقبل وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني فريق البحث الذي كشف المجزرة، مؤكدا حرص الحكومة السورية على محاسبة المسؤولين عن جرائم النظام البائد وإنصاف الضحايا والوقوف إلى جانب عائلاتهم. ثم تواصلت المؤشرات الميدانية على أن الملف لم يعد مؤجلا، مع العثور على رفات بشرية قرب الموقع المرتبط بالمجزرة في محيط حي التضامن، في وقائع عززت الاعتقاد بأن ما ظهر في الفيديو لم يكن سوى جزء محدود من مشهد قتل أوسع امتد في الحي لسنوات. كما ربطت تقارير صحافية لاحقة بين المنطقة ومقابر أو مواقع دفن وحرق متعددة، وهو ما جعل التضامن واحدا من أكثر ملفات الاختفاء القسري والقتل الجماعي تعقيدا في دمشق. 

وبحسب المعلومات الخاصة التي حصلت عليها “الثورة السورية”، فإن توقيف أمجد يوسف يفتح الآن الباب أمام مرحلة جديدة من التعامل مع القضية، عنوانها نقل الملف من طور التعقب والكشف إلى طور التحقيق القضائي المباشر. بل ويمتد إلى اختبار قدرة مؤسسات الدولة على مقاربة واحدة من أعقد الجرائم الموثقة، بما يتطلبه ذلك من جمع الأدلة، وحماية الشهود، وربط المسؤوليات الفردية بسياقها القيادي والتنظيمي، وعدم الاكتفاء بالحلقة المنفذة وحدها. كما أن هذه الخطوة، إن استكملت على نحو قانوني متين، تحمل وزنا خاصا لعائلات الضحايا والمفقودين، ولأهالي التضامن الذين بقوا لسنوات طويلة أسرى الخوف والصمت وذاكرة المكان. 

وعليه، فإن القبض على أمجد يوسف، إذا استُكملت إجراءاته القضائية كما ينبغي، سيكون من أبرز محطات المساءلة في سوريا ما بعد سقوط النظام المخلوع، لأن القضية تتعلق بواحدة من الجرائم التي اختصرت طبيعة القمع الذي مورس في الأحياء السورية الخارجة عن السيطرة آنذاك. ومجزرة التضامن، بما راكمته من فيديوهات، واعترافات، وتحقيقات منشورة، وعقوبات دولية، ورفات مكتشفة، صارت اختبارا مباشرا لفكرة العدالة نفسها.

———————————–

مجزرة حي التضامن: اعتقال أمجد يوسف يعيد ملف العدالة إلى الواجهة

24 ابريل 2026

أعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب، صباح اليوم الجمعة، عبر منصة “إكس”، أن قوات الأمن الداخلي ألقت القبض على أمجد يوسف في سهل الغاب بريف حماة، وكتب يقول: “المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة نُفذت في ريف حماة”.

رافق الإعلانَ مقطعٌ مصور يظهر فيه يوسف داخل سيارة تابعة للأمن.

فيديو لا يُنسى

في أيار/مايو 2022، نشرت صحيفة “الغارديان” تحقيقًا استقصائيًا مصحوبًا بمقاطع مصورة مسربة من حاسوب تابع للأمن العسكري السوري. في إحدى هذه المقاطع، يظهر رجل يرتدي الزي العسكري وقبعة صياد خضراء، وعلى حاجبه ندبة واضحة، وهو يقتاد معتقلين مكبلي الأيدي معصوبي الأعين نحو حفرة كبيرة في شارع مهدم جنوب مسجد عثمان بن عفان في حي التضامن بدمشق.

عند حافة الحفرة، كان يصرخ في كل ضحية محذرًا إياها من وجود “قناص” ويأمرها بالركض. يركض المعتقل المكبل بغريزة البقاء، يصل إلى الحافة، يهوي، وفي اللحظة ذاتها تُطلق عليه رصاصة من فوق. ثم تأتي الدفعة التالية. وثّق هذا المقطع وحده مقتل 41 شخصًا.

بعد اكتمال كل دفعة، كانت إطارات السيارات القديمة تُلقى فوق الجثث وتُضرم فيها النار بالوقود، لإتلاف الأدلة وإعاقة التعرف على الضحايا.

ذلك الرجل هو أمجد يوسف. ضابط في الفرع 227 للمخابرات العسكرية في دمشق.

اعتراف بارتكاب المجزرة

يشار إلى أن صحيفة “الغارديان” كشفت، بعد ستة أشهر من انتشار التحقيق الاستقصائي الذي يوثّق وقائع مجزرة حي التضامن، أن أمجد يوسف، ظل يشغل منصبًا في الخدمة العسكرية.

وبحسب الصحيفة، فإن أمجد يوسف، الذي ظهر في تسجيل مصوّر وهو ينفذ عمليات إعدام جماعية في حي التضامن جنوب دمشق، قبل أن يُقدم على حرق جثث الضحايا، يُشتبه أيضًا بتورطه في ما يصل إلى 12 عملية قتل جماعي أخرى.

وأشارت “الغارديان” إلى أن يوسف ظل على رأس عمله في قاعدة عسكرية تابعة لجيش النظام السوري في منطقة كفر سوسة بضواحي دمشق، داخل وحدة تُعد من أكثر وحدات الاستخبارات السورية سمعةً من حيث القسوة والرعب.

وأضافت الصحيفة أن زميلًا سابقًا ليوسف أكد أنه اعترف بعمليات القتل خلال مكالمة هاتفية مع صديق مشترك، قائلًا: “نعم فعلت ذلك، وهذا ما كان يجب عليّ فعله في ذلك الوقت، لم يشعر أحد بالصدمة، وهذا هو النظام”.

ماذا نعرف عن أمجد يوسف؟

وُلد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نبع الطيب بريف حماة. التحق بالمسار العسكري عبر الكليات التابعة للجيش السوري، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل في جهاز الاستخبارات العسكرية. ومع مرور السنوات، جرى تكليفه ضمن الفرع 227 في دمشق، وهو أحد أسوأ الأفرع الأمنية في دمشق.

مع اندلاع الاحتجاجات في عام 2011، انتقل عمله مع وحدته إلى حي التضامن في جنوب دمشق، حيث جرى التعامل مع الحي بوصفه منطقة عمليات أمنية خاضعة لسيطرة مشددة.

خلال تلك الفترة، شهد الحي سلسلة من عمليات الاعتقال والإخفاء القسري، ضمن سياق أوسع من المداهمات التي طالت أحياء مختلفة في العاصمة وريفها.

لاحقًا، كشفت مواد مصورة جرى تسريبها من أجهزة عائدة إلى عناصر في تلك الوحدة عن عمليات إعدام ميدانية جرت في حي التضامن.

وتُظهر المقاطع، التي يبلغ عددها 27 تسجيلًا، تنفيذ عمليات قتل لمدنيين عُزّل قبل إلقائهم في حفرة تقع في منطقة حارة البرادي.

وتشير التحقيقات إلى أن الموقع استُخدم بشكل متكرر خلال تلك الفترة، وأن عدد الضحايا الذين أُعدموا هناك يُقدّر بأكثر من 288 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، في واحدة من أكثر الوقائع التي أثارت صدمة واسعة بعد انكشافها.

ما الذي جرى في حي التضامن؟

كان حي التضامن، جنوب دمشق، قبل 2011 من أكثر أحياء العاصمة كثافة. يقطنه عمال ونازحون من الأرياف وعائلات فلسطينية مقيمة منذ عقود.

مع اندلاع الثورة، طوّقه النظام بالحواجز وحوّله إلى ساحة عمليات: اعتقالات جماعية عند نقاط التفتيش، واستهداف ممنهج لكل من يُشتبه في انتمائه أو في مجرد أنه من المنطقة.

بعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، زار فريق من منظمة “هيومن رايتس ووتش” الموقعَ. ما وجدوه فاق ما في الفيديوهات: رفات بشرية متناثرة فوق الأرض وبين أنقاض الأبنية المحيطة بموقع المجزرة، ومقابر جماعية في أكثر من موقع، بعضها كان مخفيًا تحت مشاريع بناء وطرق أُنجزت بعد سيطرة النظام التامة على الحي عام 2018. لم تكن إعادة الإعمار بناء، بل كانت طمسًا للجريمة.

أين تذهب القضية الآن؟

في سوريا، صدر الإعلان الدستوري في مارس 2025 نصًا على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، تلاه مرسوم في أيار/مايو 2025 يُشكّل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بصلاحيات التحقيق في الانتهاكات. وللمرة الأولى منذ سنوات، بدأت سوريا تتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تتولى حفظ الأدلة لاستخدامها في ملاحقات مستقبلية.

لكن المنظمات الحقوقية تنبّه إلى ثغرات. فصل ملف المفقودين عن هيئة العدالة الانتقالية يُعتبر خللًا هيكليًا، إذ إن قضايا الاختفاء القسري لا تنفصل عن شبكات الاعتقال والإعدام الميداني. كما أن غياب الشفافية في مسار المحاكمات يغذي الاحتقان الشعبي ويفتح الباب أمام مخاطر الانتقام خارج القضاء.

بات أمجد يوسف في عهدة السلطات السورية، وهويته موثقة بالصوت والصورة. ما يجري خلف أبواب التحقيق لن يختبر إدانته، بل سيختبر ما إذا كانت المؤسسة القضائية قادرة على محاكمة الجهاز لا الفرد وحده.

لم تكن مجزرة التضامن جريمة فردية ارتكبها منفذ خرج عن سياقه التنظيمي، بل وثقتها المواد المصورة كإجراء منفذ ضمن سلسلة قيادية. فالمقاطع المسربة من أجهزة تابعة للأمن العسكري السوري أظهرت عمليات إعدام ميداني نفذها أمجد يوسف؛ كما أظهرت ذات المقاطع حفظها وتقديمها كأدلة عمل داخل المؤسسة الأمنية.

ووفقًا للقانون الدولي الجنائي، فإن مسؤولية الجريمة لا تقتصر على المنفذ المباشر، بل تمتد إلى من أمر بها، ومن خطّط لها، ومن علم بها ولم يمنعها مع قدرته على ذلك.

لذلك فإن أي إطار للعدالة الانتقالية في سوريا لا يُقيّم فقط من خلال القبض على المنفذين، بل من خلال مدى توسيع دائرة الملاحقة لتشمل مستويات القيادة العليا التي صنعت السياسات الأمنية التي أنتجت جرائم من نمط مجزرة التضامن.

هذا هو المعيار الذي تقيس به المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية مدى جدية آليات العدالة الانتقالية، بعيدًا عن الرمزية العقابية أو الإجراءات الجزئية.

الترا سوريا

—————————-

وزير الإعلام: القبض على أمجد يوسف خطوة أساسية على طريق العدالة الانتقالية

أبريل 24, 2026

أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى أن إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف المسؤول الأول عن مجزرة التضامن عام 2013، يشكل خطوة أساسية على طريق العدالة الانتقالية.

وقال المصطفى إن “أمجد يوسف، مرتكب مجزرة التضامن، بات اليوم في قبضة العدالة، بجهود مباركة ومخلصة من رجال الأمن العام، وبمتابعة حثيثة من معالي وزير الداخلية أنس خطاب، الذي وعد فأوفى”.

وأضاف: “القبض على هذا المجرم يشكل انتصارا أول لأرواح الشهداء، وتكريما معنويا مستحقا لعائلاتهم ولكل من اكتوى بنار الجور من النظام البائد. وهو خطوة أساسية على طريق العدالة الانتقالية، لمحاسبة كل من تجرأ على استباحة دماء الشعب السوري وكرامته”.

وتقدم المصطفى بالشكر لوزارة الداخلية، و”لكل من ساهم في هذا الجهد الشاق، على خبر أثلج قلوب السوريين فرحا، وبدد شيئا من الغصة التي رافقت درب الآلام الطويل نحو الكرامة والحرية، فطريق الإنصاف يبدأ من هنا، نحو وطن يُصان فيه الإنسان، وتُحفظ فيه الدماء، وتُحيي فيه العدالة معنى الشهادة ومعنى الانتماء”.

وزير العدل: القبض على المجرم أمجد يوسف يؤكد مضيّ الدولة في مسار المحاسبة

صحيفة الثورة السورية | 12:10 مساءً | 24/04/2026

أكد وزير العدل مظهر الويس أن القبض على المجرم أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن، يؤكد مضيّ الدولة بثبات في مسار المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب.

وقال الويس في تغريدة على منصة “إكس” إن العدالة ستأخذ مجراها، بما يضمن إنصاف الضحايا وصون كرامتهم.

وأضاف: “نتوجه بالتحية والتقدير لرجال الأمن على جهودهم الحثيثة في ملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى القضاء”.

وأعلنت وزارة الداخلية، صباح اليوم الجمعة، إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن بمدينة دمشق، التي راح ضحيتها عشرات الضحايا بعملية أمنية.

وأوضحت الوزارة أن عمليات الرصد والتتبع استمرت لعدة أيام قبل التنفيذ في سهل الغاب بريف حماة، ضمن متابعة دقيقة ومستمرة.

وشددت وزارة الداخلية على استمرارها في ملاحقة باقي مرتكبي المجزرة، لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة.

الثورة السورية

—————————-

احتفالات شعبية في التضامن وحلب عقب توقيف أمجد يوسف

نيسان 24, 2026

شهد حيّ التضامن في دمشق إلى جانب عدد من المحافظات، الجمعة 24 نيسان، تجمّعات واحتفالات شعبية عقب إعلان قوى الأمن الداخلي إلقاء القبض على أمجد يوسف، المسؤول الأبرز عن ارتكاب مجزرة حيّ التضامن عام 2013، في عملية أمنية بريف حماة.

وأفاد مراسل الإخبارية بأن أهالي حي التضامن خرجوا في تجمعات عبّروا خلالها عن ارتياحهم للخطوة الأمنية.

واحتشد عدد من الأهالي في موقع مجزرة التضامن وسط تفاعل واسع مع إعلان التوقيف، فيما عبّرت عائلات من ذوي الضحايا عن مشاعرها خلال لحظة الإعلان، معتبرة أن الخطوة تمثل تقدماً في مسار الإنصاف وكشف الحقيقة.

وخرج أهالي حي أقيول في حلب بوقفة تضامنية مع ذوي الضحايا، عبروا خلالها عن دعمهم للدولة السورية في تطبيق مسار العدالة الانتقالية واحتفالاً بإلقاء قوى الأمن الداخلي القبض على المجرم أمجد يوسف.

وفي السياق ذاته، أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن فرحة ذوي الضحايا تُعد شكلاً من أشكال جبر الضرر، مشدّداً على أن مسار العدالة الانتقالية يشكّل أساساً في بناء مرحلة جديدة قائمة على الإنصاف والمحاسبة.

ويعدّ أمجد اليوسف الذي يحمل رتبة مساعد أول في الفرع 227 (فرع المنطقة) التابع لشعبة المخابرات العسكرية، أحد أبرز المنفّذين المباشرين لمجزرة حيّ التضامن في دمشق بتاريخ 16 نيسان 2013، وهي المجزرة التي راح ضحيتها عشرات المدنيين، بعد تنفيذ عمليات إعدام ميدانية موثّقة بحقهم داخل الحي.

وبرز اسم أمجد اليوسف على نطاق دولي بعد تحقيق استقصائي نشرته صحيفة الغارديان في نيسان 2022، والذي كشف هويته بشكل موثّق وعلني بوصفه أحد المشاركين الرئيسيين في تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي.

واستند التحقيق إلى مقاطع فيديو مسرّبة تعود إلى 16 نيسان 2013، ظهر فيها اليوسف برفقة عناصر من النظام البائد بلباس عسكري وهم يأمرون مدنيين معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي بالركض قبل إطلاق النار عليهم وإسقاطهم في حفرة احتوت على جثث لضحايا سابقين.

ووثّقت المقاطع المصوّرة إعدام 41 رجلاً قبل إحراق الجثث داخل الحفرة، في مشاهد شكّلت دليلاً مباشراً على عمليات الإعدام الجماعي التي نُفّذت داخل الحي، فيما تشير إفادات الأهالي إلى أن اليوسف كان مسؤولاً ميدانياً عن الحي وارتبط اسمه بارتكاب انتهاكات متعدّدة بحق المدنيين.

كما وثّق أهالي حيّ التضامن أسماء 288 شهيداً في واحدة من أبرز المجازر المرتبطة بسلسلة مقابر جماعية كُشف عنها لاحقاً في المنطقة، بينما شكّلت هذه التسجيلات المصوّرة والتحقيقات الدولية أدلة إضافية على الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام البائد بحق المدنيين خلال سنوات الثورة.

وأعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض عليه خلال عملية أمنية محكمة نُفّذت في سهل الغاب بريف حماة عقب عمليات رصد وتتبع استمرت عدة أيام، وذلك في سياق ملاحقة المتورطين في الجرائم المرتكبة خلال سنوات الثورة.

وكان الأمن الداخلي ألقى القبض خلال العام الماضي على عدد من المتورطين في المجزرة، حيث أقرّوا بارتكاب مجازر متعددة داخل حيّ التضامن أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 رجل وامرأة، إضافةً إلى ارتكاب جرائم سلب ونهب طالت منازل المدنيين وممتلكاتهم، ما عزّز الشهادات الميدانية التي أكدت اتساع نطاق الانتهاكات داخل الحي خلال تلك الفترة.

المصدر: الإخبارية

———————————–

وزارة الداخلية توجه رسالة لبشار الأسد: “لبس المخطط يليق بك

24 أبريل 2026

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، إن عملية إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف استغرقت شهورًا متواصلة، ولم تكن الأولى من نوعها، مشيرًا إلى أن المجرم كان على قائمة أبرز المطلوبين لإدارة العمليات العسكرية بعد سقوط النظام مباشرة.

وأوضح البابا، في تصريح لـ”الإخبارية”، أن الجهات الأمنية تمكنت من تحديد مكان تواجد المجرم أمجد يوسف بريف منطقة الغاب، حيث جرى التنسيق عبر غرفة عمليات رفيعة المستوى، وكانت قيادة الأمن الداخلي في حماة رأس الحربة في العملية.

وأضاف المتحدث أن المجرم حاول مقاومة عناصر الأمن أثناء محاولة إلقاء القبض عليه، إلا أن القوات تمكنت من السيطرة عليه واعتقاله، معربًا عن تعازيه لأهالي حي التضامن بهذه المناسبة.

ولفت البابا إلى أن هناك محاولة سابقة لإلقاء القبض على المجرم أواخر أيلول/سبتمبر العام الماضي لكنها لم تكلل بالنجاح، مشددًا على أن الوزارة تتحفظ عن نشر أي معلومات أولية، إدراكًا لحساسية مجزرة التضامن ومراعاة لشعور أهالي الضحايا.

وأكد أن التحقيق مع المجرم أمجد يوسف والمرتبطين معه سيتواصل لتقديمهم إلى العدالة، مشيرًا إلى أنه ستكون هناك مكاشفة تامة بالتعاون مع وزارة العدل، لينال جزاءه العادل.

وفي سياق متصل، وجه المتحدث باسم وزارة الداخلية رسالة إلى المجرم الفار بشار الأسد قال فيها: “لبس المخطط يليق بك”، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد محاكمات لمجرمي النظام السابق، وهناك ترتيبات يتم العمل عليها في هذا الشأن.

———————————

المبعوث الأميركي إلى سوريا: اعتقال “جزار التضامن” خطوة نحو نموذج جديد للعدالة

25 أبريل 2026

أعرب مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، عن ترحيب واشنطن باعتقال السلطات السورية أمجد يوسف، مجددًا تأكيد التزام الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب سوريا في دعم العدالة وسيادة القانون.

وقال باراك، في منشور لسفارة الولايات المتحدة بدمشق عبر منصة “فيسبوك”، إن واشنطن ترحب بإعلان وزارة الداخلية السورية اعتقال أمجد يوسف، الملقب بـ”جزار التضامن” سيء السمعة، والمسؤول عن فظائع مروعة بحق المدنيين السوريين.

وأضاف باراك أن اعتقال يوسف يشكّل “خطوة قوية بعيدًا عن الإفلات من العقاب نحو المساءلة، ويُجسّد النموذج الجديد للعدالة، الذي يتشكل في سوريا ما بعد الأسد”، مشيرًا إلى أن هذا النموذج يرتكز على سيادة القانون والمصالحة الوطنية وتطبيق العدالة بشكل متساوٍ بغض النظر عن الانتماءات السابقة.

وأعاد التأكيد مجددًا، في ختام المنشور، على التزام الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب الشعب السوري في دعم العدالة الحقيقية وسيادة القانون الجديدة، و”مساعدة هذه الأمة الجريحة على الشفاء”.

وأعلنت وزارة الداخلية، أمس الجمعة، إلقاء القبض على المساعد أول في الفرع 227 (فرع المنطقة)، أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن بدمشق في نيسان/أبريل عام 2013، مشيرةً إلى أن قوى الأمن الداخلي تمكنت من اعتقال يوسف خلال كمين أمني دقيق، في سهل الغاب بريف حماة.

وأفاد مصدر أمني خاص لموقع “الترا سوريا” بأن عملية القبض على يوسف سبقتها عملية رصد استمرت أسبوعين حيث تمت مراقبة تحركاته واتصالاته مع عائلته، مضيفًا أن تم القبض أيضًا على عدد من مرتكبي المجازر، ويقدر عددهم بسبعة أشخاص، بينهم ضباط، وذلك أثناء اجتماعهم في أحد المنازل في بلدة نبع الطيب في سهل الغاب.

ولفت المصدر إلى أن أمجد كان حريصًا على عدم الظهور في القرية، ولا يعرفه سوى أشخاص قلائل يضمن ولاءهم، حيث كان ينتقل إلى منزله عبر سرداب ومن ثم يعود للتخفي، مشيرًا إلى أنه تمت مداهمة مكان تواجد يوسف برفقة آخرين من قبل الأمن الداخلي.

ونقلت وكالة “سانا”، اليوم السبت، عن مصدر أمني أن الأمن الداخلي أوقف عددًا من أقارب يوسف، بينهم والده، إضافة إلى أشخاص آخرين، مشيرًا إلى أن توقيف هؤلاء الأشخاص جاء بسبب الاشتباه بتورطهم في التستر على اختفاء المجرم يوسف خلال الفترة الماضية.

ويُعد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب “مجزرة التضامن”، وفقًا لمقطع فيديو نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية في أيار/مايو 2022، ضمن تحقيق استقصائي، وصفته بأنه “الأفظع” منذ بدء الحرب في سوريا، يوثق عمليات إعدام جماعية في حي التضامن على يد أحد عناصر النظام السابق، إضافة إلى توثيق قيام عناصر بالنظام بتكويم الجثث فوق بعضها وحرقها.

—————————-

 “أول واحد نزلوه بالحفرة كان ابني”.. أهالي ضحايا مجزرة التضامن يروون شهاداتهم

2026.04.25

بين دموع الفقد وفرحةٍ مشوبة بالوجع، استقبل أهالي ضحايا مجزرة التضامن خبر إلقاء القبض على أحد أبرز المتورطين فيها أمجد يوسف، بمشاعر متناقضة تختلط في أصواتهم ارتياحٌ لأن خيط العدالة بدأ يتحرك، وغضب لأن الطريق لا يزال طويلاً نحو إنصاف كامل، مؤكدين تمسكهم بمطلب العدالة ومحاسبة جميع المسؤولين عن الجريمة.

وفي شهادات لتلفزيون سوريا، استعاد الأهالي تفاصيل سنوات طويلة من الألم والبحث عن مصير أبنائهم، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل بداية طريق نحو عدالة انتقالية.

سهام محمد أبو صيام، والدة أحد ضحايا مجزرة التضامن، وصفت لحظة سماع خبر الاعتقال بأنها استثنائية، وقالت: “يوم من أيام العمر بالفرحة بإلقاء القبض على هالمجرم.. سكبنا دموع في بداية اليوم، ولكن الحمد لله رب العالمين، فرحتي وفرحة كل السوريين، كل أحرار العالم”.

وأضافت: “إن شاء الله الحق يبان..  وما ضاع حقنا”، معتبرة أن ما جرى هو بداية لتحقيق العدالة، ومشددة على أنها لن تسامح: “أنا ما رح أسامحه.. بدي أشوف محاكمته، لأسأله كيف قتل ابني وخلاه صورة على الشاشات”.

سهام أكدت أن مطلبها لا يقتصر على محاكمة أمجد يوسف وحده، إنما يشمل جميع المتورطين في مجزرة التضامن التي راح ضحيتها 288 مدنيا، قائلة: “أكثر من 50 واحد نفذوا الجريمة.. كلهم بدنا نشوفهم، بدنا نحضر محاكمتهم ونشوف شو رح يصير فيهم”، مضيفة: “حقنا ما بنسامح عليه إطلاقاً، والعدالة لازم تاخذ مجراها”.

وأشارت سهام إلى أن ما جرى طال الجميع دون تمييز: “نحن كلنا شعب واحد.. سوري وفلسطيني، كله انظلم ونزل بهي الجورة”. في إشارة إلى حفرة التضامن التي ألقى فيها أمجد يوسف الضحايا.

من جهته، شدد عمر الصيام، والد أحد الضحايا، على ضرورة استمرار العمل لتحقيق العدالة، مؤكداً أن العدالة الانتقالية هي مطلب جميع السوريين، وداعياً إلى عدم التوقف عند اعتقال شخص واحد.

وتوجه عمر صيام بالشكر لكل من أسهم في إلقاء القبض على أمجد يوسف، معبراً عن أمله في إلقاء القبض على جميع منفذي المجرزة.

“أول إنسان نزل بالحفرة.. هو ابني”

وفي شهادة أخرى، روى محمد حسين العرجة، والد أحد الضحايا، لتفلزيون سوريا،  تفاصيل اختفاء ابنه، قبل أن يكتشف إعدامه في مجزرة التضامن، مؤكداً أنه تم اعتقاله في منطقة الزاهرة قبل أن يُنقل إلى الجهة التي نفذت الإعدامات في التضامن.

وقال: “مسكوه في منطقة الزاهرة وأحضروه إلى كامل شريف عباس، وهو الذي سلم ابني لأمجد يوسف”، مضيفاً.. “أول إنسان نزلوه بالجورة هو ابني”.

وأوضح أنه أمضى سنوات طويلة في البحث عن ابنه، قائلاً: “سنين وأنا أدور عليه.. حطيت مصاري، يمكن 200 ألف دولار، وكلهم كانوا يكذبوا علي”.

وأضاف أن بعض الجهات أوهمته بأن ابنه لا يزال حياً أو موجود في سجون مختلفة، قبل أن تتكشف الحقيقة لاحقاً ويعترف كامل شريف عباس بأنه سلم ابنه لأمجد يوسف الذي أعدمه في حفرة التضامن، مشيراً إلى أنه تقدم بشكاوى رسمية ضد عدد من المتورطين الذين أوهوموه أن ابنه معتقل في سجون نظام الرئيس السوري المخلوع وهم (خالد حمد، زياد حمد، كامل عباس، أبو المنتجب، أمجد يوسف).

وقال: “جبت لهم أحكام إعدام من قبل قاضي الجنايات في محكمة الأمن العسكري.. لكن إجى قرار بعدم محاكمتهم من الرئيس المخلوع بشار الأسد”، مضيفاً أن تلك القرارات حالت دون تحقيق العدالة، وأجبرته على الاختفاء لفترة طويلة خوفاً من الملاحقة.

وتابع: “طاردوني لأني رافع دعوى ضدهم.. واختفيت عن الوجود سنين”، مشيراً إلى أن القضية لم تُغلق بالنسبة له، رغم كل الضغوط.

وعن اعتقال أمجد يوسف، قال: “الحمد لله مسكتوا لنا إياه.. بدنا نشوفه هون بالتضامن، مشان يبرد قلبنا”، مؤكداً أن العدالة الحقيقية تقتضي محاسبة جميع المسؤولين.

كما شدد على ضرورة كشف مصير بقية الضحايا، ومحاسبة كل من شارك في الجريمة، دون استثناء.

مجزة التضامن واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ سوريا

وتعيد هذه الشهادات تسليط الضوء على مجزرة التضامن، التي تُعد من أبرز الجرائم التي هزت الرأي العام السوري، خاصة بعد انتشار مقاطع مصورة توثق عمليات إعدام جماعي بحق مدنيين.

ويرى أهالي الضحايا أن اعتقال أحد المتورطين يمثل خطوة مهمة، لكنها غير كافية، مؤكدين أن مطلبهم الأساسي هو تحقيق العدالة الشاملة، وكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الجريمة.

وبينما تتواصل المطالبات بمحاسبة الجناة، تبقى أصوات الأهالي شاهدة على واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ السوريين، وعلى إصرارهم بأن “دم أبنائهم ما يضيع”.

تلفزيون سوريا

——————————-

بعد القبض على أمجد يوسف.. أين أبو منتجب اليوم؟

24 أبريل 2026

إلى جانب دور الأجهزة الاستخباراتية الرسمية، اعتمد النظام السوري في قمع معارضيه وتدمير الحواضن الشعبية على تسليح ميليشيات طائفية ومناطقية رُبطت لاحقًا بكيان شبه رسمي عُرف بـ”قوات الدفاع الوطني”. في حي التضامن، برزت ميليشيات “شارع نسرين” كأداة ضاربة للأمن العسكري، وتحديدًا للفرع 227.

ضمن هذه الهيكلية الميليشياوية، يبرز اسم صالح إبراهيم الراس، المعروف بلقب أبي منتجب، والذي أُطلق عليه لقب “هتلر سوريا” كناية عن فظاعة جرائمه التي قارنها مراقبون بفظائع حروب التطهير العرقي في البوسنة ورواندا.

وُلد صالح الراس في قرية “طليسية” التابعة لمحافظة حماة لعائلة فقيرة، وتنقل في دراسته بين المحافظات، مستفيدًا من تنقلات شقيقه الأكبر الذي كان يعمل كمساعد أول في وزارة الداخلية. انتسب الراس إلى حزب البعث عام 1981، ثم التحق بالكلية الحربية في حمص وتخرج منها عام 1986 برتبة ملازم باختصاص شؤون إدارية. استمرت خدمته العسكرية في إدارة الدفاع الجوي (اللواء 22) حتى أحيل إلى التقاعد برتبة مقدم مطلع عام 2002، لينخرط بعدها في الأعمال الحرة.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، استُدعي الراس من تقاعده، أو تطوع، ليوظف خبرته العسكرية في تشكيل وقيادة ما عُرف بـ”اللجان الشعبية” في منطقة التضامن والزاهرة، والتي عملت في بداياتها تحت التوجيه المباشر والإشراف العملياتي لضباط من الحرس الجمهوري. ومع مأسسة هذه اللجان ضمن إطار “قوات الدفاع الوطني” في أواخر عام 2013، تبوأ أبو منتجب منصب قائد القطاع الشرقي للدفاع الوطني، وأصبح بموجب ذلك المسؤول العسكري والأمني المطلق عن منطقة التضامن.

لم تقتصر مشاركته العسكرية على العاصمة دمشق؛ فقد تفاخر في سيرة ذاتية قدمها للأمانة العامة للدفاع الوطني بمشاركته في قيادة معارك ومهام أمنية في محافظات السويداء، درعا، اللاذقية، حمص، دير الزور، والغوطة الغربية، فضلًا عن تواجده في مطارات عسكرية استراتيجية كـ”السين” و”التيفور”. الأهم من ذلك، كان ارتباطه الوثيق بالقوات الروسية العاملة في سوريا؛ حيث أكد تلقيه ثناءً وتكريمًا من وفود روسية رفيعة المستوى زارت قواطع دمشق، وأبدت إعجابها بـ”التنظيم والتفاني والقوة” التي أدار بها ميليشياته في التضامن.

لم يكن أبو منتجب مجرد قائد عسكري ميداني، بل كان العقل المدبر لشبكة واسعة من الجريمة المنظمة، والابتزاز المالي، والتطهير المكاني. تُجمع شهادات الناجين وسكان الحي على أن أبو منتجب كان “المفتاح والقفل” لكل ما يجري في حي التضامن.

استخدم الراس منصبه لفرض نظام إقطاعي مرعب؛ حيث أشرف على شبكات منهجية للاستيلاء على منازل المدنيين وممتلكاتهم بعد تهجيرهم القسري.

ولم يتوقف الأمر عند المصادرة، بل تعداه إلى تدمير مئات المنازل عمدًا وتفجيرها وتسويتها بالأرض (كما حدث في منطقة السليخة والطبب)، وذلك لغايتين أساسيتين: الأولى طمس المعالم الجغرافية وإخفاء السجلات العقارية لملكيات المدنيين، والثانية والأخطر هي إخفاء الجثث والمقابر الجماعية التي كانت تملأ تلك الأقبية والأقبية المجاورة لها.

علاوة على ذلك، حوّل أبو منتجب النزوح والأمل بالعودة إلى تجارة مربحة. فقد فرضت ميليشياته إتاوات ورشاوى باهظة على المدنيين، وبخاصة النساء، اللواتي مُنعن من العودة إلى منازلهن أو تفقدها إلا بعد دفع مبالغ مالية كبيرة لرجاله. هذا الابتزاز الاقتصادي توازى مع حملات اختطاف ممنهجة بهدف الحصول على فدى مالية ضخمة.

إن ما يميز وضع أبو منتجب في الهيكلية الأمنية السورية هو تمتعه بحصانة شبه مطلقة جعلته “فوق المساءلة” القانونية أو الأمنية، حتى ضمن معايير النظام السوري نفسه. تشير الوثائق المسربة إلى أن نفوذه كان يحميه من أي تقارير أمنية داخلية يرفعها ضباط آخرون ضده. في إحدى الحوادث الموثقة، أرسل شقيق أحد المختطفين رسالة استغاثة وشكوى مباشرة إلى مكتب اللواء ماهر الأسد، يشكو فيها قيام أبو منتجب باختطاف شقيقه لطلب فدية، إلا أن هذه الشكوى أُهملت تمامًا ولم يُتخذ أي إجراء بحق الجاني.

هذه الحصانة امتدت لتشمل أروقة القضاء السوري. فقد كشفت تسريبات قانونية عن وجود سلسلة من الدعاوى الجنائية التي رُفعت ضد صالح الراس بتهمة الخطف والترويع، منها قضية اختطاف “روعة السبيسي” (القرار رقم 409 لعام 2017)، ودعاوى أخرى مرفوعة لصالح “دلال محمد” و”نسرين باكير” في محاكم الجنايات بدمشق خلال عامي 2017 و2018. ورغم خطورة التهم وتوفر الأدلة، تدخل النظام السوري عبر أجهزته الأمنية لطيّ هذه الملفات القضائية وإسقاط التهم عنه، مؤكدًا بذلك أن ميليشيات الدفاع الوطني كانت تتمتع بتفويض مفتوح لارتكاب أي جريمة طالما أنها تخدم استراتيجية النظام في قمع الحواضن المجتمعية المعارضة.

أدار أبو منتجب شبكات من المخبرين والشبيحة، وقامت هذه الشبكات بتقديم القوائم والوشايات التي أدت إلى اعتقال وتغييب العشرات من أبناء التضامن ومخيم اليرموك، بل وشاركت بشكل مباشر في تسليم المدنيين العزل ليتم تصفيتهم لاحقًا في مسالخ الفرع 227.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى أبو منتجب كحالة منفصلة، فهو جزء من منظومة سمحت له ولغيره بمارسة الانتهاكات. ما جرى في التضامن لم يكن صدفة، كان نتيجة أسلوب عمل واضح استمر لسنوات. ومع انكشاف هذه التفاصيل، تتضح الحاجة إلى مسار جدي للمحاسبة يشمل كل المتورطين، دون الوقوع في اختزال العدالة بأسماء محددة فقط.

عنب بلدي

——————————

التستر على المجرم.. مشاركة في الفعل الجنائي، وعدالة حبيسة التواطؤ/ زهور رمضان

أبريل 26, 2026

في اللحظة التي أعلنت فيها وزارة الداخلية، الجمعة الفائتة، القبض على أمجد يوسف، المعروف بـ “جزار التضامن“، عمّت الفرحة الشارع السوري كاحتفاء بلحظة اعتقاله، وكانتصار رمزي على سنوات إفلاته من العقاب.

فهذا المجرم، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن عام 2013، والتي وثّقتها صحيفة “الغارديان” بمقاطع فيديو حصلت عليها حصرياً، ظل متخفياً منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، بفضل أيدٍ آوته وستّرت عليه، لا بفضل ذكائه أو حظه.

وفي هذا السياق، لا بد من معرفة أن جريمة التستر على المجرمين، أو المشاركة في إخفائهم ومساعدتهم على الهروب، تمثل العائق الأكبر أمام مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ولا تسقط بالتقادم وتتحول إلى جريمة مزدوجة بحق الضحايا، وبحق المجتمع الذي يُحرم من حقه في الأمن والمحاسبة.

من هذا المنطلق، لا بد من قراءة متأنية لهذه الجريمة في القانون والمجتمع السوري، فطالما وجدت أيدٍ تأوي المجرمين، تبقى العدالة حبيسة التواطؤ.

التستر على المجرم قانونياً

يُعدُّ التستر على المجرم أو مساعدته على الهروب والتخفي، من الأفعال التي تجرمها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، لما له من أثر في ضياع الحقوق وإفلات الجناة من العقاب وتفشي الفوضى في المجتمع.

ومن الناحية القانونية، يوضح المحامي أسامة المبارك، في حديثه لـ “الثورة السورية”، إن التستر على مرتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومساعدته على الهروب، هو من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، بتوفر ركنيها المادي والمعنوي.

ويوضح المبارك، بأن الركن المادي لهذه الجريمة يتكون كقاعدة عامة، من عناصر ثلاثة وهي السلوك الإجرامي، والنتيجة الجرمية، وعلاقة السببية بينهما.

فالسلوك الإجرامي هو فعل مادي يُراد من خلاله كحركة عضوية إرادية إحداث تغيير ملموس في المحيط الخارجي، ولا بد من أن يكون مصدر هذه الحركة أو سببها هو الإرادة التي دفعته للقيام بفعل التستر أو إخفاء المجرم أو مساعدته. أما النتيجة الجرمية فهي الأثر الناجم عن هذا السلوك الجرمي، المتمثل بإخفاء المجرم والتستر عنه فعلاً، بشرط قيام علاقة سببية تربط بين الفعل والنتيجة.

بالانتقال إلى الركن المعنوي، فيتوفر بحسب المبارك عندما يرتكب الفاعل جريمته قصداً أو خطأً. ففي حالة القصد يكون العلم والإرادة متجهين إلى الفعل والنتيجة.

وبعد استعراض أركان الجريمة، يوضح المبارك عقوباتها في القانون السوري، موضحاً أن المادة 221 من قانون العقوبات رقم 148 لعام 1948 وتعديلاته تنص على أن: “كل من أقدم، باستثناء الحالات المذكورة في الفقرتين 5 و6 من المادة 218، على إخفاء شخص يعلم أنه ارتكب جناية، أو ساعده على التخفي عن وجه العدالة، يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين”.

كما شدد المشرع بحسب المبارك في المادة 222 من قانون العقوبات على أنه لا يجوز لأحد الاحتجاج بجهله في القانون أو بتأويله تأويلاً خاطئاً، وضرب مثالاً يخص جريمة التستر على مرتكبي مجزرة التضامن، وهي جريمة حرب موثقة بالفيديو ومعروفة عالمياً، فهي لا تسقط بالتقادم، وهذا يعني أن لا فترة زمنية محددة للمحاكمة، وأن المجرمين وغيرهم من مرتكبي الجرائم يمكن محاكمتهم حتى لو مضت عقود على ارتكاب جريمتهم.

وتطرق المبارك في هذا السياق إلى أركان جريمة الحرب، موضحاً أنها تشمل انتهاك قوانين وأعراف الحرب، كالقتل، وسوء معاملة الأسرى، وقتل الرهائن، وسلب الممتلكات العامة والخاصة.

ويوضح، أن المشرع فصل في عقوبة الاعتداء على حياة الإنسان وسلامته، وأطلق عليها “القتل قصداً” بموجب المادة 535 من قانون العقوبات، التي تنص على عقوبة الإعدام لمن يرتكب القتل العمدي، أي القتل الذي يتوفر فيه القصد الخاص المتمثل في إزهاق روح إنسان عن إرادة وعلم وتدبير وتخطيط.

ويرى المبارك أن التوعية القانونية بجريمة التستر على المجرمين تشكّل حجر الزاوية للحد من انتشارها، لأنها تهدد أمن المجتمع وتعطل العدالة. ويدعو إلى نشر الوعي بمخاطر هذه الجريمة وآثارها السلبية التي تنشر الفوضى وتعيق الأمن. كما يؤكد على ضرورة تحويل الثقافة المجتمعية من التعاطف مع الجاني إلى الإبلاغ عن الجرائم والامتناع عن التستر والتخفي.

الواجب اجتماعياً

تصف الباحثة الاجتماعية الدكتورة سلوى شعبان، في حديثها لـ”الثورة السورية” جريمة التستر على المجرم بأنها “جريمة كبرى وخيانة للوطن ولأمنه وأمن أفراده”، معتبرةً إياها مشاركة جنائية في الفعل الإجرامي نفسه، وهدراً لدماء الآخرين، وعبثاً بكراماتهم وكرامة أسرهم وعائلاتهم.

وتوضح أن المجتمع ينظر إلى هذه الجريمة من ناحيتين: قانونية وأخلاقية. فمن الناحية القانونية، تُصنف كفعل جنائي بحت يعاقب عليه القانون بالسجن، لأنها تعني إيواء المجرم وإخفاءه ومساعدته على التخفي عن الأنظار وحمايته، رغم معرفة فعله الشنيع.

أما من الناحية الاجتماعية والأخلاقية، فهي فعل بغيض مرفوض تماماً، وخيانة للوطن تتمثل في المساعدة على العبث بأمنه واستقراره، ما يؤدي إلى تفكك المجتمع، وضياع الألفة والمحبة والأمان والطمأنينة، ويساهم في انتشار الجريمة وعدم الالتزام بالقوانين والمحاسبة.

وتصف شعبان آثار هذه الجريمة بأنها متنوعة ومتشعبة، فهي تساعد المجرم على الإفلات من العدالة والعقاب، وتؤدي إلى إضاعة حقوق الضحايا، إضافة إلى انتشار الجريمة بشكل واسع والتعدي على حقوق الآخرين دون وجود أي رادع يحمي المجتمع.

وترى أن الاستهتار بكرامات البشر وأوجاعهم وآلامهم، وقتل النفس بسهولة دون الشعور بالذنب، هو مؤشر خطير على انعدام الأخلاق والضمير.

وبالنظر إلى خطورة التستر على المجرم، تؤكد شعبان أن الحلول الاجتماعية ليست اختيارية بل واجبة وضرورية، وأن وضعها قيد التنفيذ يساهم في التخفيف من بشاعة النتائج.

وتدعو إلى فرض قوانين وعقوبات أكثر ردعاً لكل من يتستر على مجرم، مهما كانت دوافعه، لأن ذلك بمثابة مشاركة غير أخلاقية في الجريمة نفسها، ويضر بالمجتمع ويزعزع كيانه، ويشكل تأييداً للفعل الإجرامي البغيض، وضرراً بالحقوق العامة والخاصة.

وتشدد على ضرورة تعزيز الجانب التربوي لمنع حدوث التستر، معتبرةً ذلك من مسؤوليات الأسرة والمؤسسات التعليمية والتربوية. كما تدعو إلى إقامة المحاضرات والندوات القانونية والتشريعية والتربوية عبر الهيئات والمؤسسات والجامعات، وعبر وسائل الإعلام المختلفة، مع التأكيد على تبيان الضرر المترتب على التستر، وتوضيح أنه جريمة أكبر من العديد من الجرائم الأخرى التي قد تلحق بالمجتمع.

وتشير شعبان أيضاً إلى أهمية دعم وتعزيز دور الجهات الأمنية، وترسيخ الثقة بدورها الكبير في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك عن طريق ترسيخ ثقافة المسؤولية الوطنية والانتماء الوطني، والتشجيع على الجرأة في الإبلاغ عن حالات التستر، مع توفير الحماية والمكافأة لمن يخبر ويبلغ عن ذلك.

يعتبر التستر على مجرم وإخفاؤه ذنباً أخلاقياً، وجريمة في نفس الوقت. لذلك، لا بد من سن قوانين جديدة صارمة للحد منها، وتعزيز دور الجهات الأمنية وترسيخ الثقة بها بوصفها حامية لأمن المجتمع. كما يتطلب الأمر نشر التوعية بمخاطر التستر على المجرمين، لضمان محاسبة الفارين وتعزيز استقرار المجتمع.

——————————

 سوريا: القبض على والد وأقارب لأمجد يوسف بتهمة التستر عليه

السبت 2026/04/25

 أفادت وكالة “سانا” باعتقال الأمن السوري لعدد من أقارب أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، وذلك بعد يوم واحد من القبض عليه في ريف حماة شمال غرب البلاد.

اشتباه بالتستر على يوسف

ونقلت وكالة “سانا” عن مصدر أمني، قوله إنه جرى “توقيف عدد من أقارب المجرم أمجد يوسف، بينهم والده، إضافة إلى أشخاص آخرين، للاشتباه بتورطهم في التستر على اختفائه خلال الفترة الماضية”.

وأعلنت وزارة الداخلية السورية، أمس الجمعة، القبض على يوسف، المتّهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن التي وقعت في 16نيسان/إبريل 2013، والتي تُعتبر من أبشع المجازر الموثّقة التي ارتكبتها قوات النظام المخلوع.

عمليتان سابقتان

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نورالدين البابا، إن القبض على يوسف جاء بعد محاولتين سابقتين لإلقاء القبض عليه لم تكللا بالنجاح، موضحاً أن الأولى كانت في ريف القرداحة مع بداية “التحرير”، بينما الثانية في سهل الغاب أواخر شهر أيلول/سبتمبر 2025.

وأوضح البابا، في تصريحات صحافية، أن العملية الثالثة والأخيرة نُفذت في محافظة حماة عبر غرفة عمليات أشرف عليها وزير الداخلية أنس خطاب بشكل مباشر، حيث شاركت فيها إدارات مكافحة الإرهاب والعمليات والمعلومات، في حين تولّت قيادة الأمن الداخلي في حماة تنفيذ المهمة.

ولفت إلى أن العملية استغرقت أكثر من شهر من المراقبة والرصد، حيث قُسّمت منطقة التنفيذ إلى ثلاث دوائر أمنية: حمراء يُرجّح وجود الهدف ضمنها، وبرتقالية لاحتمال انتقاله إليها، وصفراء كملاذ أخير في حال تمكن من كسر الطوقين الأولين.

واستقبل السوريون خبر القبض على يوسف، لاسيما في حي التضامن جنوب دمشق، بمزيج من الفرح والألم، حيث تجمع العشرات في مكان وقوع المجزرة في شارع نشرين بالحي، ووضعوا صوراً للضحايا الذين قضوا خلال المجزرة على أيدي يوسف ومن معه.

“رجل الظل”

وتعليقاً على خبر القبض على يوسف، قالت صحيفة “الغارديان” البريطانية، إن مجزرة التضامن التي راح ضحيتها نحو 288 مدنياً بينهم أطفال، كُشفت للمرة الأولى عبر سلسلة من مقاطع الفيديو صورها الجناة أنفسهم قبل أن تصل إلى باحثين في أوروبا وتتحول إلى مادة استقصائية نشرت عنها “الغارديان” في العام 2022.

ولفتت الصحيفة إلى أن نشرها التحقيق المتعلق بمجزرة التضامن في العام 2022، دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على يوسف، فيما أعلنت فرنسا فتح تحقيق في جرائم حرب مرتبطة بالقضية.

ولفتت “الغارديان” إلى أن التحقيقات التي قادها الباحثان أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور من جامعة أمستردام ومعهد لدراسات الحرب والإبادة الجماعية، أطلقا على يوسف لقب “رجل الظل” لصعوبة تحديد مكانه، قبل أن تتوصل تحقيقاتهما بعد عامين كاملين إلى تحديد موقع عمليات القتل والجناة.

ويمثل القبض على يوسف، خطوة باتجاه إنصاف الضحايا بعد القبض على عدد من المشاركين فيها في أوقات سابقة، ذلك أن مجزرة التضامن تُعد جزءاً من نمط ممنهج من الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد، موثقةً حالات إعدام ميداني واختفاء قسري بحق آلاف المدنيين خلال تلك الفترة، بحسب تقارير حقوقية.

وقال عضو هيئة العدالة الانتقالية في سوريا رديف مصطفى، إن القبض على يوسف، يأتي في سياق تعزيز مسار العدالة الانتقالية في سوريا، مؤكداً أن العدالة ستطول كل المتورطين في الجرائم الجسيمة.

وأضاف مصطفى أن أمجد يوسف “مجرم خطير ارتكب انتهاكات جسيمة وجرائم بحق السوريين تصنف على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، وأن هناك سلسلة قيادة مسؤولة عن هذه الجرائم بشكل مباشر، وأن أمجد يوسف ليس المرتكب الرئيسي وحده.

وشدد على أن المسؤولية الكاملة لقيادة النظام المخلوع وعلى رأسها بشار الأسد، مؤكداً أن “المتهم الأول في مجزرة حي التضامن هو بشار الأسد وليس من نفذها فقط”.

كما أكد الحرص على إبقاء المجرمين أحياء لتقديمهم للمحاكمة وكشف جرائمهم أمام الشعب والضحايا، مع أهمية منح أهالي الضحايا فرصة رؤية المتهمين في قفص الاتهام والإدلاء بشهاداتهم ضدهم، داعياً أهالي الضحايا لتقديم الشكاوى.

وفيما شدد مصطفى على مبدأ محاسبة جميع المتورطين في الجرائم بحق الشعب السوري، تعهد بأن كل من شارك أو أمر أو حرض أو سهل ارتكاب الجرائم ستتم محاسبته.

——————————–

 وزير الداخلية السوري يواجه أمجد يوسف: ألديك قلب؟

السبت 2026/04/25

جلس وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، أمام أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن في سوريا العام 2013، وما قاله الأول بوجه الأخير في مقطع فيديو لاقى رواجاً واسعاً.

وفي مقطع الفيديو الذي نشرته قناة “الإخبارية السورية الرسمية” قال خطاب مخاطباً يوسف: “انت ما عندك أطفال؟”، ليرد يوسف بصوت متأثر: “عندي بنت”، ليتابع الوزير قائلاً: “ما عندك قلب لتقتل الناس بهذه الطريقة؟ واحد عم يتسلى، يلا أركض أركض في قناص يلا كذا كذا قدامك فاضي أمشي، انت الفعل الي فعلته مو فعل واحد بده ينتقم، فعل واحد ما عنده إنسانية بصراحة” قبل أن ينهي خطاب حواره ويطلب من مساعديه إخراج يوسف.

وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت، الجمعة، إلقاء القبض على يوسف، في عملية وصفها خطاب بـ”المحكمة”، لكن الفيديو أثار ردود أفعال متفاوتة بين من رآه استعراضاً غير ضروري وبين من رآه ضرورياً لتوضيح سياق “العدالة الانتقالية”.

ونقلت شبكة “الجزيرة” عن تقارير محلية أن يوسف كان في قرية نبع الطيب بريف حماة وسط سوريا، فيما انتشرت مقاطع فيديو من داخل منزل يوسف هناك، حيث ظهرت النوافذ مغطاة كي لا يكتشفه أحد من أبناء المنطقة، وقال أبناء المنطقة أن يوسف لم يظهر في الشوارع أبداً، مرجحين أن يكون قد لجأ إلى الجبال القريبة من المنزل (كتلة جبال اللاذقية مع حماة)، وكان ينزل إلى منزله في ساعات الليل بعيداً من عيون الناس.

وفي العام 2013 وقعت مجزرة مروعة في شارع نسرين بحي التضامن المتاخم لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، ولم تُكشف تفاصيلها إلا بعد نحو 9 سنوات، حين نشرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية العام 2022 مقطعاً مصوراً، قالت أن مجنداً في مليشيا موالية للنظام السوري سرّبه.

وأظهر الفيديو قيام عناصر تابعين للنظام السوري بإعدام 41 مدنياً، وظهر في المقطع عناصر يرتدون الزي العسكري وهم يطلبون من مدنيين الركض في الشارع بعدما أوهموهم بوجود قناص يراقب المكان، طالبين منهم الإسراع هرباً من نيرانه، بينما كانت أيديهم مكبلة خلف ظهورهم وعيونهم معصوبة. وبمجرد شروع الضحايا في الركض، أطلق العناصر عليهم النار من بنادق من طراز “إيه كيه 47″، باستثناء رجل مسن جرى ذبحه بآلة حادة.

 المدن

 ————————————-

 بين جبال حماة ومنزل منعزل.. هكذا عاش “جزار التضامن” أمجد يوسف

في قرية نبع الطيب بريف حماة وسط سوريا، ومن داخل منزل أمجد يوسف المتهم الأول بارتكاب “مجزرة التضامن”؛ تجولت عدسة منصة “سوريا الآن”، كاشفة تفاصيل جديدة عن حياة من وصف السوريون عملية القبض عليه بـ”التحرير الجديد”.

وأظهرت لقطات المنزل تعمّد يوسف تغطية نوافذ الغرفة التي كان يوجد فيها حتى لا يكتشفه أحد من أبناء المنطقة، فيما أكد مراسل “سوريا الآن” -نقلا عن أبناء المنطقة- أن “جزار التضامن” لم يظهر في الشوارع من قبلُ.

ورجح أبناء المنطقة أن يكون أمجد يوسف قد لجأ إلى الجبال القريبة من المنزل (كتلة جبال اللاذقية مع حماة)، وكان ينزل إلى منزله في ساعات الليل بعيدا عن أعين الناس.

وبيّن مراسل منصة “سوريا الآن” أن يوسف اختار منزلا منعزلا ومحاطا بالأشجار، مما أتاح له إمكانية التسلل سرا من الجبل إلى المنزل والعكس.

كما أشار إلى العثور في غرفة أمجد يوسف على 4 أكياس من التبغ وزن كل منها 5 كيلوغرامات، لافتا إلى أن الغرفة خالية تماما من رائحة الدخان، مما يدل على أن أمجد كان يصعد بالتبغ إلى الجبل، بحسب عائلته.

لحظة الاعتقال

وأمس الجمعة، أعلن وزير الداخلية السوري أنس الخطاب إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، قائلا –في تدوينة على حسابه في منصة إكس– إن “المجرم أمجد يوسف -المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن- بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محْكمة”.

كما قال الخطاب إن أمجد يوسف “لم يكن المجرم الأول الذي وقع في قبضتنا، ولن يكون الأخير بإذن الله، سنواصل العمل على متابعة المجرمين وملاحقتهم فردا فردا، لتقديمهم إلى العدالة لينالوا جزاء ما اقترفت أيديهم”. وأضاف “نجدد العهد لأهلنا ذوي الضحايا والمكلومين أنّنا لن ندّخر جهدا في ذلك حتى آخر مجرم فيهم”.

وأظهر مقطع مصور نشرته وزارة الداخلية السورية لحظة القبض على “جزار التضامن”. وكشفت الوزارة أن عملية الاعتقال جاءت بعد أشهر من الرصد والمتابعة الأمنية الدقيقة، التي تكثّفت في مرحلتها الأخيرة قبل نحو شهر من تنفيذ العملية، حين تم تحديد موقعه بشكل تقريبي في قرية نبع الطيب بريف حماة.

إعلان

وأكد المتحدث باسم الداخلية السورية نور الدين البابا -في مقابلة مع الجزيرة- أن عملية إلقاء القبض على المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن أمجد يوسف تمت بناء على معلومات ميدانية، ولم تسفر عن خسائر في الأرواح، كاشفا أن محاكمته ستكون علنية.

ووفق المتحدث السوري، فقد كان أمجد يوسف يتخفى -منذ سقوط النظام المخلوع في أواخر عام 2024- معتمدا على شبكات بعضها محلي، وبعضها له ارتباط خارجي على علاقة بالنظام السابق، كما كان يغير مكان إقامته بشكل دائم ويعتمد على من كانوا معه من أركان النظام المخلوع، بالإضافة إلى تغيير في ملامحه الشخصية.

وأشار إلى أن التحقيق مع أمجد يوسف يتم بخطى حثيثة، باعتبار أنه عبارة عن “بئر عميق جدا” من المعلومات بخصوص مجزرة حي التضامن، قائلا إن ملفه سيحال -بعد استكمال التحقيقات الأمنية- إلى وزارة العدل والهيئة العامة للعدالة الانتقالية حتى يأخذ القضاء مجراه.

وجها لوجه أمام وزير الداخلية

وفي السياق، أظهرت لقطات مصورة مواجهة وزير الداخلية السوري أنس خطاب للمتهم أمجد يوسف، وهو يقول له “ما عندك أطفال؟.. ما عندك قلب؟”. ليجيب يوسف: “بلى لديّ بنت وصبي”.

وخاطب وزيرُ الداخلية السوري المتهمَ أمجد يوسف قائلا: “أليس لديك قلب لتقتل أناسا بهذه الطريقة؟!” في إشارة إلى المقطع المتعلق بارتكاب يوسف للمجزرة.

وأضاف “ما قمتَ به ليس فعل شخص ينتقم، وإنما شخص ليس لديه إنسانية”.

فرحة عارمة وذكريات موجعة

وعقب الإعلان عن نبأ اعتقال أمجد يوسف، خرج أهالي العديد من المدن والقرى السورية فرحا وابتهاجا بما وصفوه بـ”يوم التحرير الجديد”، مطالبين في الوقت نفسه بمحاكمة عادلة وقصاص من “المجرم” الذي ذبح أبناءهم أمام أعينهم.

لكن من بين مشاهد التكبير وتوزيع الحلوى وإطلاق الألعاب النارية، برز صوت آخر في المشهد، حيث كان أهالي ضحايا “مجزرة التضامن” على موعد جديد مع الذاكرة.

واستعاد العديد من أهالي الضحايا -في مقابلات مع منصة “سوريا الآن”- ذكريات المجزرة، مستذكرين أبناءهم وذويهم الذين راحوا ضحيتها.

من هو أمجد يوسف وماذا حدث في مجزرة التضامن؟

في عام 2013 وقعت مجزرة مروعة في شارع نسرين بحي التضامن المتاخم لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في العاصمة دمشق، ولم تُكشف تفاصيلها إلا بعد نحو 9 سنوات، حين نشرت صحيفة “غارديان” (The Guardian) البريطانية -في 27 أبريل/نيسان 2022- مقطعا مصورا، قالت إن مجندا في مليشيا موالية للنظام السوري سرّبه.

وأظهر الفيديو إعدام عناصر تابعين للنظام السوري 41 مدنيا، بينهم 7 نساء وعدد من الأطفال.

ويظهر في المقطع عناصر يرتدون الزي العسكري وهم يطلبون من مدنيين الركض في الشارع بعدما أوهموهم بوجود قناص يراقب المكان، طالبين منهم الإسراع هربا من نيرانه، بينما كانت أيديهم مكبلة خلف ظهورهم وعيونهم معصوبة.

وبمجرد شروع الضحايا في الركض، أطلق العناصر عليهم النار من بنادق من طراز “إيه كيه 47″، باستثناء رجل مسن جرى ذبحه بآلة حادة.

كما أظهر الفيديو اقتياد معتقلين أُوقفوا على الحواجز الأمنية في المنطقة إلى حفرة عميقة أُعدت مسبقا بعمق يناهز 10 أقدام، حيث أُعدموا رميا بالرصاص، ثم كُدست جثثهم بعضها فوق بعض، قبل أن تُرمى فوقها إطارات سيارات وأخشاب، ويُسكب عليها البنزين وتُحرق خلال نحو 25 دقيقة.

ووفق تحقيق “غارديان”، فإن معظم الضحايا كانوا من فئة الشباب ومتوسطي العمر، إضافة إلى نساء وأطفال وكبار في السن.

وقد وصل الفيديو إلى أحد عناصر قوات النظام بعد أن طُلب منه إصلاح حاسوب محمول، ليعثر على المقطع داخل مجلد مخفي على الجهاز.

وبحسب التحقيق ذاته، سرب العنصر الفيديو إلى الناشطة السورية أنصار شحّود، وإلى البروفيسور أوغور أوميت أنغور العامل في “مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية” بجامعة أمستردام، حيث عملا على تتبع القضية لنحو 3 سنوات إلى أن تمكنا من تحديد هوية الشخص الذي ظهر وهو يشرف على تنفيذ عمليات الإعدام، وقال التحقيق إن اسمه أمجد يوسف.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، أصبح أمجد يوسف من أبرز متهمي مجزرة التضامن المطلوبين للعدالة على خلفية الجرائم المنسوبة إليه.

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

——————————-

السوريون يحتفلون بسقوط “سفاح الحفرة” في مكان المجزرة/ مصطفى رستم

فرحتهم بالقبض على ضابط “استخبارات الأسد” أمجد اليوسف تعادل سعادة التحرير ومطالب حقوقية بمحاكمته على الهواء مباشرة 

السبت 25 أبريل 2026

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد اعتقال اليوسف بعد طول انتظار، وصاحب ذلك وصول سوريين إلى الحفرة ذاتها وهم يحتفلون ويرفعون الأعلام السورية ويهتفون معبرين عن فرحهم بتحقيق العدالة، في حين قال أحد المحتفلين لـ”اندبندنت عربية”، “كنا قبل أيام في هذه البقعة نحيي ذكرى المجزرة”.

في صباح ربيعي قبل أعوام عدة من سقوط نظام بشار الأسد، سُلّم مجند جديد في ميليشيا سورية موالية جهاز كمبيوتر محمولاً تابعاً لأحد الأجنحة الأمنية، فتح الشاشة ونقر بفضول على ملف فيديو، وهي خطوة شجاعة بالنظر إلى العواقب، إذا كان أي شخص قد ضبطه وهو يتطفل.

كانت اللقطات غير ثابتة في البداية، قبل أن تقترب من حفرة محفورة حديثاً في الأرض بين مبنيين مثقوبين بالرصاص. بينما كان ضابط استخبارات يعرفه يركع قرب حافة الحفرة، مرتدياً بزّة عسكرية وقبعة صيد، ويلوح ببندقية هجومية ويصدر الأوامر.

جمّد الرعب رجل الميليشيا المبتدئ مع تتابع المشهد، إذ اقتيد رجل معصوب العينين من مرفقه، وطلب منه الركض نحو الحفرة العملاقة التي لم يكُن يعلم أنها تقع أمامه. كما لم يتوقع الرصاص الذي استقر في جسده، بينما كان يسقط على كومة من القتلى تحته، ثم تبعه مزيد من المعتقلين المطمئنين، قيل لبعضهم إنهم كانوا يركضون من قناص قريب، بينما تعرّض البعض الآخر للسخرية والإيذاء في اللحظات الأخيرة من حياتهم. بدا أن كثيراً منهم يعتقدون أن القتلة كانوا يقودونهم بطريقة ما إلى بر الأمان.

إلى جانب أكوام التراب المكدسة التي ستُستخدم قريباً لإنهاء المهمة، سكب القتلة الوقود على الجثث وأشعلوها، وقد تم ختم الفيديو بتاريخ الـ16 من أبريل (نيسان) 2013.

ساد شعور بالغثيان لدى المجند، الذي قرر على الفور أن اللقطات بحاجة إلى المشاهدة في مكان آخر، قاده هذا القرار، بعد ثلاثة أعوام، إلى رحلة محفوفة بالأخطار، في واحدة من أحلك اللحظات في تاريخ سوريا الحديث، انتهت بالأمان النسبي في أوروبا. وهي الرحلة التي خاضها معه اثنان من الأكاديميين أمضيا أعواماً في محاولة نقل المصدر الرئيس في تحقيق استثنائي إلى بر الأمان، مع تحديد الرجل الذي قاد المذبحة وإقناعه بالاعتراف بدوره.

أول المجزرة وآخرتها

كانت هذه بداية قصة أشهر جريمة حرب ارتكبها أحد أشهر منفذي جرائم النظام السوري السابق، الفرع 227 من جهاز الاستخبارات العسكرية في البلاد، إذ تُظهر اللقطات التي تم تسريبها على نطاق واسع، مذبحة ارتُكبت في الضاحية الجنوبية لدمشق، حيث تم القبض على مجموعات من المدنيين، معصوبي الأعين، مقيدي الأيدي، وساروا نحو حفرة الإعدام غير مدركين أنهم على وشك أن يُقتلوا بالرصاص.

لقي ما لا يقل عن 41 رجلاً مصرعهم في هذه المقبرة الجماعية بضاحية التضامن، وهي جبهة قتال في الصراع الدائر بين الزعيم السوري السابق والمتمردين الذين اصطفوا ضده، وسكب القتلة الوقود على جثثهم وأشعلوا فيها النيران، ضاحكين من الجريمة التي جرت على بعد أميال من مقر  بشار الأسد.

هذا المشهد المرعب ظلّ محفوراً بذاكرة السوريين، لا سيما أن مرتكبيها وثقوا بأنفسهم وعبر هواتفهم المحمولة تفاصيل ساعة الرعب والدم والنار. ومنذ ذلك الوقت ظل طي الكتمان مع زحام أخبار الموت والقصف والصراع المسلح الدامي الذي عاشه السوريون حتى سقوط بشار الأسد، ومع غياب سطوة الأجهزة الأمنية التي ينتمي إليها المجرمون اختفى أحد المتورطين الرئيسين وأشهرهم، ويدعى أمجد اليوسف، في جبال وعرة بين حماة واللاذقية إلى أن ألقي القبض عليه أخيراً.

نبأ الإمساك بصاحب حفرة الموت في حي التضامن أثلج قلوب الشارع السوري المتعطش لمحاسبة مرتكبي مجازر مروعة في حق المدنيين طوال عقد الصراع المسلح (2011 – 2024). وقال وزير الداخلية أنس الخطاب في خبر إعلان القبض عليه “المجرم أمجد اليوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، بات في قبضتنا بعد عملية أمنية محكمة”.

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد اعتقال اليوسف بعد طول انتظار، وصاحب ذلك وصول سوريين إلى الحفرة ذاتها وهم يحتفلون ويرفعون الأعلام السورية ويهتفون معبرين عن فرحهم بتحقيق العدالة، في حين قال أحد المحتفلين لـ”اندبندنت عربية”، “كنا قبل أيام في هذه البقعة نحيي ذكرى المجزرة”.

ويعتبر اليوسف أحد المتهمين الرئيسين في هذه الجريمة، إذ ظهر في الفيديو المسرب مرتدياً لباساً عسكرياً، ويضع على رأسه قبعة صيد، ويطلق الرصاص على الضحايا بدم بارد، متهكماً وساخراً بطريقة مفرطة أمام مشاهد إزهاق أرواح 41 ضحية من المدنيين بينهم سبع نساء وعدد من الأطفال، ضمن حملة تطهير وتصفية مارستها مجموعات مسلحة تتبع أجهزة الأمن والجيش التابعة لبشار الأسد.

في غضون ذلك، أبدى الشارع السوري سعادته بسقوط المجرم، بعدما كان يتنقل بين جبال وعرة تقع بين حماة واللاذقية وبيته في قرية نبع الطيب بريف حماة وسط سوريا متخفياً عن الأنظار.

أوان الفرح والقصاص

يرى الناشط الحقوقي يحيى السيد عمر، أن “هذه العملية نوعية بامتياز، فاليوسف شخصية عسكرية وأمنية عمل بصفة ‘متطوع’ ومحقق في الفرع 227 وهو جهاز استخباراتي سيئ السمعة، وسيفيد اعتقاله في عملية القبض على من أعطى الأوامر بالقتل والتصفية، وسيقود حتماً إلى معلومات في غاية الأهمية عن ضباط كبار في السلك الأمني وأسرارهم، لا سيما أنه كان يعمل في المربع الأمني في دمشق”.

وجزم عمر لـ”اندبندنت عربية” بأن “وقوع هذا المجرم في قبضة الحكومة لا يكفي، فلا بد من محاسبته بشكل علني، وأن تنقل هذه المحاكمة على الهواء مباشرة، لتكون بداية الطريق لمحاسبة المجرمين، وتطبيق العدالة الانتقالية، وسط أخبار عن محاكمة العميد في الأمن السوري وقريب بشار الأسد، عاطف نجيب المتسبب الأول بثورة أبناء محافظة درعا جنوب سوريا”.

ويفسّر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني، شهرة أمجد اليوسف بكونها جاءت نتيجة توثيقه لجرائمه بنفسه وهو يقتل ويحرق ويركل الضحايا بسادية نادرة وبهذا الشكل الصارخ، وهي بالنتيجة طبيعة المنظومة الأمنية المتوحشة التي كثيراً ما حذرت المنظمات الحقوقية منها.

ردود فعل القبض على اعتقال اليوسف تجاوزت المستوى المحلي إلى ترحيب دولي، إذ أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك بهذه العملية وعدّها “خطوة جادة نحو المحاسبة، بعيداً من الإفلات من العقاب، وتجسيداً لنموذج جديد للعدالة يتبلور في سوريا ما بعد الأسد”، وكتب في حسابه على منصة “إكس”، “النموذج الجديد للعدالة في سوريا قائم على سيادة القانون، والمصالحة الوطنية، وتطبيق العدالة على قدم المساواة، بصرف النظر عن الانتماءات السابقة”.

وكان النظام السوري السابق نفى عام 2022 بعد إماطة اللثام عن المجزرة على لسان مصدر رسمي مسؤول في وزارة الخارجية، هذه المشاهد وقال إنها مفبركة ومجهولة المصدر.

————————–

 “لم أتلقَّ أوامر من أحد”.. اعترافات أمجد يوسف تكشف تفاصيل مجزرة التضامن| فيديو

2026.04.26

كشف أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن بالعاصمة دمشق، في اعترافاتٍ مصوّرة نُشرت عبر وزارة الداخلية السورية، تفاصيل صادمة حول تنفيذ عمليات إعدام جماعي طالت عشرات الأشخاص، مدعياً أنه لم يتلقَّ أوامر من أي جهة لتنفيذ تلك الجرائم.

وخلال اعترافاته، أقرّ يوسف، وهو مساعد أول سابق في شعبة المخابرات (الفرع 227)، بمشاركته في تنفيذ عمليات إعدام جماعي بحق نحو 40 شخصاً، قال إنهم أُحضروا إلى الموقع بتهم تتعلق بدعم “الإرهاب”.

وأوضح أنه نفّذ عمليات القتل بمشاركة شخص يُدعى نجيب الحلبي، والذي كان ضمن صفوف “ميليشيا الدفاع الوطني”، حيث كانا يتناوبان على إطلاق النار على الضحايا قرب حفرة أُعدّت مسبقاً بواسطة آلية حفر؛ إذ كان يتم إطلاق النار على بعضهم قبل إلقائهم فيها، في حين كان يُطلق النار على آخرين داخل الحفرة بعد سقوطهم.

إحراق الجثث

وأضاف أن الجثث أُحرقت باستخدام إطارات مطاطية وُضعت فوقها بهدف إخفاء معالمها ومنع انبعاث الروائح، قبل أن يقوم نجيب الحلبي بدفنها بعد يومين من تنفيذ العملية.

وأشار يوسف إلى أن عملية التوثيق جرت عبر تصوير الفيديو من قبل أحد العناصر الموجودين في الموقع، قائلاً إنه لا يعرف اسمه.

وادعى في إفادته أنه لم يتلقَّ أوامر مباشرة من ضباط لتنفيذ تلك العمليات، معتبراً أن ما قام به جاء “بقرار شخصي”.

ولفت إلى أن اختيار الضحايا لم يكن يتم من قبله بشكل مباشر، بل بناءً على معلومات وتقارير كانت ترد عن أشخاص يُشتبه بدعمهم لمسلحين أو ارتباطهم بأنشطة معارضة، موضحاً أن بعضهم أُحضر نتيجة وشايات أو تقارير أمنية.

أمن حماة يتحدث عن تفاصيل القبض على يوسف

وفي سياق متصل، قال قائد الأمن الداخلي في محافظة حماة، العميد ملهم الشنتوت، إن عملية القبض على يوسف جاءت بعد تخطيط مسبق، حيث جرى تنفيذها عبر ترتيبات أمنية محكمة شملت مسحاً جوياً وتطويق المكان بعدة حواجز لضمان تنفيذ العملية من دون حدوث أي إشكالات.

وأضاف أن القوة الأمنية تمكنت من مداهمة منزل يوسف وإلقاء القبض عليه داخل غرفة نومه من دون مقاومة، قبل اقتياده إلى الجهات المختصة لبدء التحقيقات، مشيراً إلى أن الجهود مستمرة لملاحقة جميع المتورطين في الجرائم.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت، ظهر الجمعة، إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ مجزرة حي التضامن، التي وقعت في 16 نيسان/أبريل 2013.

وأمجد يوسف — المرتكب الرئيسي للمجزرة — من مواليد قرية نبع الطيب عام 1986 في سهل الغاب بمحافظة حماة.

————————–

ما دلالات تزامن اعتقال “سفاح التضامن” مع محاكمة رموز النظام السوري المخلوع؟

شهدت الساحة السورية خلال اليومين الماضيين حدثين متزامنين على الصعيدين الأمني والقضائي، إذ أُعلن الجمعة عن اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ “مجزرة حي التضامن”، بالتوازي مع إعلان وزارة العدل بدء محاكمة عدد من رموز النظام المخلوع يوم الأحد، يتقدمهم المسؤول الأمني الأسبق في درعا عاطف نجيب.

ويُتهم يوسف بالمسؤولية عن إعدام عشرات المدنيين في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013 وإحراق جثثهم في حفرة جماعية، وهي مجزرة كُشف عنها عبر تسجيلات مصورة عام 2022. في المقابل، ارتبط اسم عاطف نجيب بالشرارة الأولى للثورة السورية، إثر حادثة اعتقال أطفال درعا لكتابتهم شعارات مناهضة للنظام.

ويحمل التزامن بين الإيقاع بالمنفذين الميدانيين ومحاكمة القيادات الأمنية دلالات تتجاوز البعد الإجرائي، لتوجه رسائل جوهرية للشارع السوري، ولفلول النظام، والمجتمع الدولي.

أولا: نهاية انتظار طال أمده

تتجلى الرسالة الأولى في محاولة تقليص الفجوة الزمنية بين ارتكاب الانتهاكات ولحظة المحاسبة، فبين أحداث درعا عام 2011، ومجزرة التضامن عام 2013، وما تلاها من كشف لصحيفة غارديان عام 2022، ثمة سنوات من الترقب.

هذا ما عبر عنه وزير العدل السوري مظهر الويس بقوله إن المحكمة “تتهيأ للحظة التي طال انتظارها من قبل الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية لأزلام النظام البائد”.

وتعد هذه المحاكمات، بالنسبة لأهالي الضحايا وعائلات المفقودين، خطوة عملية أولى نحو كشف مصير أبنائهم ومواقع المقابر الجماعية.

كومبو تجمع المتهمين الأربعة خلال جلسة التحقيق محمد ابراهيم الشعار – وأحمد حسون عاطف نجيب – ابراهيم حويجة المصدر حساب وزارة العدل السورية على إكس

قيادات من النظام السوري ظهروا في فيديو سابق (وزارة العدل السورية)

ثانيا: رسالة لفلول النظام.. المحاكمة ستصلكم

الرسالة الثانية أمنية بامتياز، ومفادها أن التخفي لا يضمن الإفلات من العقاب، فاعتقال أمجد يوسف في ريف حماة، بعد تواريه عن الأنظار منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، يعكس استمرارية عمليات الرصد والتتبع.

إعلان

هذه الرسالة لخصها السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي بتصريحه: “يمكنكم الهرب، لكنكم لن تفلتوا من العدالة أبدا”، متعهدا باستمرار الملاحقات “حتى نصل إلى كبار المسؤولين في سلسلة القيادة”.

ثالثا: مطالبات بتسليم الأسد

لا تقتصر المطالبات في الشارع السوري على محاكمة القيادات الوسطى والمنفذين، بل تمتد لتشمل رأس النظام. فمع بدء محاكمة الضباط، تتصاعد الدعوات للعمل على جلب الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي فر إلى موسكو.

وتعد محاكمة نجيب والتحقيق مع يوسف خطوة قانونية أساسية لإثبات تسلسل القيادة.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن ملاحقة الأسد تتطلب تجهيز ملفات تدينه شخصيا، تمهيدا لعرضها على القضاء واستصدار مذكرات توقيف تتيح التواصل مع “الإنتربول” لملاحقته دوليا.

رابعا: حماية السلم الأهلي وقطع الطريق على الثأر

تتعلق الرسالة الرابعة بالبنية المجتمعية، إذ تطرح المحاكمات المؤسسية بديلا لمنع الانزلاق نحو مسارات الثأر.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبود أن مسار العدالة الانتقالية “لا يمكن فصله عن السلم الأهلي باعتبار أن المجتمع السوري مزقته الطائفية”، محذرا من أن غياب المحاسبة قد يدفع إلى اقتتال داخلي.

وهو ما يتفق معه الكاتب والمحلل السياسي عمر كوش، معتبرا أن الشروع الفعلي في تطبيق مسار العدالة من شأنه أن “ينفي عمليات الانتقام والثأر التي تحدث بين الفينة والأخرى”.

خامسا: تبديد مخاوف الانتقائية والقصور القانوني

تأتي الرسالة الخامسة استجابة غير مباشرة للانتقادات الحقوقية التي طالت مسار العدالة الانتقالية. فرغم الخطوات الراهنة، فإن حقوقيين يشيرون إلى غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، محذرين من بطء الإجراءات أو اتسامها بالانتقائية.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات المتزامنة قد تسهم في تبديد بعض تلك المخاوف، رغم تأكيد رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني استمرار “التقصير في ملف ملاحقة مرتكبي الانتهاكات”، ومطالبته بتوسيع حملات الاعتقال لتشمل آلاف المتورطين وتتجاوز الانتقائية في فتح الملفات.

الخلاصة

بين إنهاء انتظار طويل للضحايا، وتوجيه رسائل تحذير لفلول النظام السابق، وتصعيد المطالبات بتسليم الأسد، وصولا إلى حماية السلم الأهلي ومعالجة المخاوف الحقوقية، تضع هذه التطورات مسار العدالة الانتقالية في سوريا أمام اختبار حقيقي، سيحدد قدرة المؤسسات الراهنة على تقليص مساحات الإفلات من العقاب، والاقتراب من إنهائه نهائيا.

المصدر: الجزيرة

————————————–

 اعتقال يوسف: العدالة الانتقالية إلى أولويات مجلس الشعب/ مصطفى محمد

الاثنين 2026/04/27

من المتوقع أن يهيمن ملف العدالة الانتقالية على جدول أولى جلسات مجلس الشعب السوري، مدفوعاً بالزخم الشعبي الذي خلفه اعتقال المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن أمجد يوسف، وإعلان وزارة العدل عن بدء محاكمات شخصيات بارزة في نظام الأسد البائد.

وبحسب معلومات حصلت عليها “المدن” من مصادر من مجلس الشعب، فإن ملف العدالة الانتقالية يعد أحد الملفات الأساسية التي سيتم مناقشتها بين أعضاء المجلس في الجلسة الأولى.

أولوية قصوى

ويؤكد عضو مجلس الشعب عبد الناصر حوشان على “أولوية وأساسية” ملف العدالة الانتقالية، ويقول لـِ “المدن”: “هناك إجماع بين أعضاء المجلس على أنه لا يمكن إحقاق السلم الأهلي في سوريا دون وجود قانون للعدالة الانتقالية”.

ويضيف أن “اعتقال المجرم أمجد يوسف، وبقية أزلام النظام المعتقلين، يجعل من ملف العدالة الانتقالية أولوية قصوى، وحتى يتم تفعيل هذا المسار لا بد من إقرار قانون للعدالة الانتقالية، ومن ثم بدء المحاكمات”.

وكان اعتقال يوسف قد أثار مطالب واسعة في الشارع السوري ببدء تطبيق العدالة الانتقالية، وخاصة في دمشق وريفها حيث مسرح مجزرة التضامن التي ارتكبت في العام 2013.

وتعليقاً، يقول المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب نوار نجمة، إن اعتقال المجرم أمجد يوسف يعد إنجازاً كبيراً له رمزية على مسار العدالة الانتقالية، ورغم عدم ارتباط الحادثة بجلسات مجلس الشعب بشكل مباشر، إلا أن المجلس سيقوم بدور كبير في سن قانون العدالة الانتقالية.

ويضيف أن اعتقال يوسف يبرز الدور الكبير للحكومة السورية، خصوصاً وزارة الداخلية في متابعة ملف العدالة الانتقالية، ويوضح: “يوسف حالة من حالات كثيرة لإجرام النظام البائد تجاه الشعب السوري، وقضيته أخذت أبعاداً كبيرة نظراً لبشاعة جريمته وتفاعل المجتمع المحلي والدولي معها”.

وبحسب نجمة، فإن العدالة لا بد أن تطال كل المجرمين بحق الشعب السوري، من يوسف إلى غيره من المتورطين في المجازر وجرائم الحرب.

توقيت أول جلسة

ويشكل ملف العدالة الانتقالية أحد أبرز التحديات التي تواجهها الحكومة السورية، نظراً لتشعب هذا الملف، وكثرة الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت، لكن المضي فيه من شأنه تعزيز شرعية الحكومة السورية، باعتباره مطلباً مجتمعياً.

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي تشكلت في أيار/ مايو 2025، قد انتهت من صياغة مسودة قانون العدالة الانتقالية، بالتعاون مع خبراء من كليات الحقوق وخبراء قانونيين مستقلين، بانتظار التصديق عليه من مجلس الشعب.

وحتى الآن، لم يتم البت في توقيت أول جلسة لمجلس الشعب، والأرجح بحسب مصادر “المدن” أن تنعقد في مطلع أيار/ مايو المقبل، وذلك بسبب التأخير في ترتيبات اختيار أعضاء المجلس عن محافظة الحسكة، على خلفية عدم التوافق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على أسماء الأعضاء.

وعلى حد تأكيد عضو المجلس عبد الناصر حوشان، فإن الترتيبات لانعقاد أول جلسة وصلت إلى مرحلة “اللمسات الأخيرة”، مبيناً أنه “بمجرد انتهاء عملية الانتخابات في الحسكة ستبدأ أول جلسة”.

وتابع: “قد يكون الموعد هو آخر شهر نيسان/ أبريل الحالي، أو في مطلع أيار/ مايو المقبل، وخاصة أن ترتيبات صيانة مبنى المجلس قد انتهت”.

——————————————

 أنس خطاب مع جزار «التضامن»… متى يرتدي الأسد «المخطط»؟/ بسام البدارين

26 – أبريل – 20260

«وزير الداخلية السوري أنس خطاب وجها لوجه مع جزار التضامن أمجد يوسف». تلك العبارة تشكل عنوانا إعلاميا مثيرا تصدر شاشات الفضائيات، بعدما بثت اللقطة الأولى عبر الفضائية السورية لتعيد التعاطي معها عدة شاشات، بينها «التلفزيون العربي»، ولاحقا «الحقيقة الدولية» في عمان.

عمليا، لا يمكن معرفة ما الذي دار في ذهن وزير الداخلية السوري الحالي أنس خطاب، عندما قرر اجراء مقابلة على الهواء المباشر مع المشرف على مجزرة التضامن، إحدى أبشع الوصلات الدموية في عهد المخلوع بشار الأسد.

لعلها محاولة لتذكير الأنظمة التعسفية بـ«بعض العدالة الإلهية» أو محاولة للإيحاء بأن سوريا الجديدة قوية وصلبة، وستطارد المجرمين وتسعى لطي صفحات الماضي، وإن كانت شاشة «الجزيرة» قد نقلت عن الناطق باسم الوزارة نور الدين البابا تصريحه، الذي توعد به الرئيس بشار نفسه «يليق بك الظهور بالزي المخطط مع مسطرة وزارة الداخلية».

العدالة والإنصاف

المشهد على نحو أو آخر يعيد تذكيرنا بآخر مماثل بثته «سي أن أن» في الماضي الغابر، حيث هناك مسؤولين عراقيين عملوا مع الحاكم الأمريكي بريمر قرروا التسلية بمناقشة وسط حضور الكاميرات مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

هنا حصرا ما يخطر في الذهن حرصا على مستقبل سوريا، بعد التصفيق طبعا، ودوما للعدالة وملاحقة المجرمين في أي وكل مكان التذكير أيضا بأن بناء المستقبل يتطلب أولا «قضاء عادلا ونزيها ومستقلا وتحقيقا جديا» يعتبر به الحكام الجدد قبل الجميع.

وثانيا، الحرص الشديد على نظام ديمقراطي يضمن أن لا يتكرر إطلاقا مستقبلا ما حصل مع أهالي «حي التضامن».

عمليا، خطف جزار التضامن أضواء الشاشات، ومشاهدته بالمخطط وفي قبضة العدالة مشهد يوحي بالسعادة على كل حال، وإن كان الحرص على العدالة العميقة هدفا نبيلا لا يحققه مشهد وزير يبدو محتارا، وهو يناقش على الهواء الجزار المقبوض عليه.

عموما شاهدنا عشرات المرات مع ضحايا الشعب السوري نجم المجزرة المدعو أمجد يوسف، وهو يلقي المواطنين مقيدي الأيدي في حفرة، ثم يطلق عليهم الرصاص.

المشهد الأكثر إيلاما هو ذلك الذي يظهر فيه المجرم «الحليق» ذاته وهو يشعل في حي التضامن النار في شعر شاب كثيف ثم يسقط الفتى – وقد قيل إنه «فنان رقيق» – أرضا وهو يتلوى من شدة الألم قبل إنهاء حياته برصاصة.

العدالة مستحقة في سوريا

لكن النكاية والثأرية والانتقام والاستعراضات لا تصنع وطنا، مع ثقتنا بأن شعبنا السوري المسكين دفع ثمن الحرية بالدم، أما الرسالة فهي تطال كل الزبانية القتلة، الذين تستخدمهم الأنظمة للفتك بالأبرياء، وتحديدا في إسرائيل.

هل تذكرون برنامج «العدالة والإنصاف» في المغرب، الذي تأسست من أجله قناة تلفزيونية خاصة؟

إذا أتيحت لنا النصحية، عليكم به، نقصد البرنامج المغربي، حيث محاكمات علنية متلفزة وعقوبات رادعة وتعويضات مالية ضخمة للضحايا على حساب مصادرة أموال المجرمين.

 مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

 ————————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى