“الشقة تباع مرتين” بدمشق.. كيف تحولت أحلام الحصول على سكن إلى كوابيس قانونية؟/ نور ملحم

2025.06.20
في العاصمة دمشق، لا يكفي أن تدفع ثمن منزلك لتصبح مالكه، هناك آلاف المواطنين وقعوا ضحايا لما يُعرف بـ “العقود البرانية”، وهي عقود تُبرم خارج السجلات الرسمية في ظل تعقيدات مزمنة بما يخص عمليات نقل الملكية، وغياب الرقابة، وتفشي التزوير وشبكات من السماسرة.
قصص بيعٍ مكرر، وسنداتٍ غائبة، ومواطنون يطرقون أبواب القضاء يومياً لاستعادة حقوقهم، وسط مساعٍ حكومية لإصلاح منظومة عقارية مهترئة تفاقمت خلال سنوات الحرب.
بين عقود برانية وسندات مزورة وملكية منقولة قسراً، يبدو أن ملف العقارات في سوريا لم يعد مجرد نزاع قانوني، بل مفتاح للعدالة المؤجلة.
رغم الحديث المتكرر عن الإصلاح، لا يزال آلاف السوريين ينتظرون اعترافاً بأن ما اشتروه أو سكنوه أو ورثوه يوماً كان حقاً لا سراباً.
يستعرض موقع “تلفزيون سوريا” حالات تعرض فيها مواطنون لعمليات نصب في شراء شقق ومنازل بالعاصمة دمشق، ويناقش مع دائرة المصالح العقارية الإجراءات الجديدة لحل هذه المشكلة، وما هي التسهيلات المطروحة لضبط سوق العقارات، ومساعدة المتضررين وفتح المجال أمامهم للتقاضي من جديد.
“العقود البرانية”.. ملكيات وهمية وضحايا بلا حقوق
في بداية عام 2025، كان عبد الله المحمود، شاب في مطلع الأربعينيات، يظن أنه اقترب أخيراً من حلم امتلاك شقة وأن يكون لديه سكن خاص، عرض عليه أحد السماسرة شقة بسعر مغرٍ، وأخبره أن تأخر نقل الملكية أمر إجرائي عابر. واكتفى مبدئياً بتوقيع عقد براني، ودفع المبلغ كاملاً وتسلم المفاتيح.
لكن بعد شهرين، تلقى عبد الله تبليغاً قضائياً من شخص يحمل سند ملكية قانونياً، يطالبه بإخلاء العقار على الفور، وتبين أن البائع باع الشقة مرتين، مستغلاً توقف عمليات التوثيق في الشهر العقاري.
دخل عبد الله دوامة المحاكم، التي لم تعترف بعقده (البراني) ولا بنيته الحسنة. ويقول الشاب، في حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”: “أنا المشتري حسن النية، لكن كل شي ضدي: العقد، المحاكم، والشقة اللي حلمت فيها، صارت عبئاً قانونياً”.
المدير العام للمصالح العقارية: دمشق تعاني من إشكالية كبيرة تتعلق بتعدد المرجعيات العقارية، إذ تعتمد العديد من المناطق على سجلات مؤقتة صادرة عن جهات كالإسكان العسكري أو المحافظة، ما يُعقّد توحيد الملكية القانونية، ويزيد من هامش التلاعب.
بيع لشقة مرتين.. أزمة متفجرة
كذلك، مجد زريقة الذي يختصر قصة تعرضه للنصب من قبل سماسرة بيع البيوت مطلع العام الجري بالقول “كل شي صار قانونياً.. إلا حقي”. بعد سنوات من الادخار، وجد مجد شقة تناسبه في حي ركن الدين الشهير بدمشق. البائع بدا موثوقاً، والعقار بلا إشارات حجز، لكن الإجراءات العقارية كانت ما تزال عالقة بسبب بعض التعليمات الجديدة، فاقترح الوسيط إتمام الصفقة بعقد براني، بحسب ما رواه مجد.
دفع مجد كامل المبلغ وكتب العقد بخط اليد ووقع الشهود واستلم المفتاح، كل شيء تم بسلاسة. وانتقل للسكن بالشقة، وبدأ بترميمها، وزودها بالأثاث تدريجياً.
بعد شهر، فوجئ بشخص يطرق الباب، يحمل سند ملكية باسمه، ويطلب منه إخلاء المنزل فوراً. ليتضح أن البائع قد باع الشقة مرتين، لجأ الشاب الثلاثيني إلى القضاء، لكن عقده البراني لا يثبت ملكية، في حين أن الخصم يحمل سنداً رسمياً.
صورة خاصة. .. معقب معاملات للعقود البرانية من أمام مديرية المصالح العقارية
“دفعت ثمن الشقة، ولكن وضعي اليوم أعامل كمستأجر لا مالك بلا عقد ولا مفاتيح”، قال مجد بمرارة، وهو اليوم يواجه دعوى إخلاء، ويبحث عن محام يدافع عن حسن نواياه.
في حي مساكن برزة المجاور لحي ركن الدين، واجه راشد عبد النعيم، مهندس معلوماتية خمسيني، مصيراً مشابهاً. بحث طويلاً عن استقرار دفعه لشراء شقة عبر عقد براني، وحضر توقيعه شاهدان، وأكد الوسيط أن التوثيق قيد التنفيذ وأنها مسألة وقت.
بعد بضعة أشهر، تبلغ راشد بوجوب إخلاء العقار، إذ قُدمت وكالة مزورة تُظهر بيع الشقة لطرف ثالث. لم يكن يملك سوى وثيقة يدوية، بينما عائلته تتساءل يومياً: “إلى أين نذهب؟”.
عقود بلا سند قانوني
تروي ريما الأسعد، إحدى ورثة منزل في حي المهاجرين، أنها وشقيقاتها الثلاث ورثن العقار بعد وفاة والدهن، لكن الملكية لم تسجل رسمياً لكونه مقيداً بسجل الإسكان العسكري المؤقت. استغل أحد الإخوة تلك الثغرة وباع المنزل من دون تفويض، مستخدماً عقداً داخلياً يدعي تمثيل الورثة.
تم بيع المنزل لاحقاً لطرف ثالث باستخدام وكالة غير مصدقة، وعندما حاول الورثة الاعتراض، اصطدموا بإجراءات لا تعترف بأي منهم كملاك قانونيين.
قالت ريما لموقع “تلفزيون سوريا”: “أوراقنا ضاعت بين السجلات، والمنزل صار بيد شخص لا نعرفه، ونحن لا نملك سوى اسم الوالد لنقوله في المحكمة”.
قيراطة: الملكية العقارية لا تُكتسب إلا بتسجيلها رسمياً في الصحيفة العقارية”، مؤكداً أن أي تصرف من دون ذلك يُعد باطلاً قانونياً ولا ينتج عنه حقوق.
إصلاحات حكومية: إلغاء الموافقة الأمنية
تعمل الحكومة السورية الجديدة على إصلاح عميق لمنظومة التوثيق ونقل الملكية، بالتعاون مع وزارتي المالية والداخلية.
وأكد عبد الباسط قيراطة، المدير العام للمصالح العقارية، أنه تم الاتفاق على تشكيل لجان مشتركة لإعادة تقييم منظومة الضرائب العقارية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إلغاء العديد من الرسوم السابقة، وتفويض المصالح العقارية باستيفاء الضرائب الجديدة بعد تنظيمها.
وقال قيراطة، في تصريح خاص لموقع “تلفزيون سوريا”، إن وزارة الداخلية ستقوم بتزويد المديرية العامة بقاعدة بيانات خاصة بأسماء الأشخاص الممنوعين من التصرّف بممتلكاتهم، والمطلوب منهم مراجعة الجهات المختصة.
وأوضح أن الموافقة الأمنية وبراءة الذمة، وهما من أبرز المعوّقات التي عرقلت عمليات البيع والشراء لسنوات، سيتم إلغاؤهما نهائياً، ليُتاح للمواطنين إجراء عملية النقل العقاري من خلال جهة واحدة فقط هي المصالح العقارية، وبطريقة مبسطة تعتمد على توصيف العقار، من دون الحاجة للتنقّل بين الدوائر.
وأعرب قيراطة عن قلقه من تفشي عمليات النصب والتزوير، لا سيما التي طالت ممتلكات تعود لأشخاص يعيشون في الشمال السوري أو خارج البلاد، كاشفاً عن رصد حالات بيع لوحدات سكنية صودرت عبر قرارات من “محكمة الإرهاب” التابعة للنظام البائد، ثم بيعت بالمزاد العلني وسُجلت باسم الجمهورية العربية السورية، وقد بلغ عددها نحو 50 عقاراً.
تسهيلات لاسترجاع الحقوق
وأشار المدير العام للمصالح العقارية إلى أن التعامل مع أشخاص متورطين في مخالفات قانونية أو جنائية قد يؤدي إلى إلغاء العقود أو فسخها لاحقاً، مبيناً أن الوزارة تتعاون حالياً مع القضاء من أجل دعم المتضررين ممن نُزعت ملكياتهم بطرق قضائية أو مشبوهة.
وأضاف أن المديرية العامة توفّر لهؤلاء المتضررين وثائق رسمية، من بينها بيانات الملكية والسندات العقارية، تتيح لهم رفع دعاوى قضائية للطعن بالتسجيلات غير القانونية.
وأشار إلى أن أي عقار تم بيعه لطرف ثالث نتيجة لتزوير سابق، يتطلب من المتضرر تقديم شكوى قانونية جديدة ضد المالك الحالي لإثبات حقه واسترداد ملكيته.
قيراطة: إن عمليات توثيق العقود العقارية مجمدة حالياً بشكل مؤقت، إلى حين التأكد من عدم تمرير أي معاملات مشبوهة في ظل المرحلة الانتقالية، بينما تم استئناف جميع الخدمات العقارية الأخرى.
مشكلات عديدة
كشف قيراطة أن المديرية تعمل حالياً على حصر حالات التزوير، وقد بلغ عددها التقديري نحو 150 حالة حتى اللحظة، وهي بصدد تشكيل لجنة مختصة لمعالجة هذه الملفات بشكل مؤسسي.
ولفت إلى أن دمشق تعاني من إشكالية كبيرة تتعلق بتعدد المرجعيات العقارية، إذ تعتمد العديد من المناطق على سجلات مؤقتة صادرة عن جهات كالإسكان العسكري أو المحافظة، ما يُعقّد توحيد الملكية القانونية، ويزيد من هامش التلاعب.
كما حذّر من استغلال الهويات القديمة في عمليات انتحال شخصية أفضت إلى نقل ملكيات بطرق احتيالية، فضلًا عن الاستخدام الواسع للعقود غير المسجلة (البرانية) التي لا تحفظ الحقوق قانونياً، بحسب تعبيره.
وشدّد على أن “الملكية العقارية لا تُكتسب إلا بتسجيلها رسمياً في الصحيفة العقارية”، مؤكداً أن أي تصرف من دون ذلك يُعد باطلاً قانونياً ولا يُنتج عنه حقوق.
وأوضح أن مديريات المصالح العقارية، ومنذ سقوط بعض المناطق، ركزت على تأمين السجلات العقارية والمساحية في الفروع، وتم توجيهها بختم السجلات اليومية وإغلاقها منعاً لأي تلاعب. وقد جرى تصوير السجلات وحفظها، مع تزويد الإدارة العامة بنسخ عن العقود الأخيرة الموثقة.
وأضاف قيراطة أن عمليات توثيق العقود العقارية مجمدة حالياً بشكل مؤقت، إلى حين التأكد من عدم تمرير أي معاملات مشبوهة في ظل المرحلة الانتقالية، بينما تم استئناف جميع الخدمات العقارية الأخرى.
وأشار إلى أن هذه الخطوات تأتي ضمن جهود وزارة الإدارة المحلية والبيئة لتطوير البنية القانونية للعقارات السورية، ومكافحة الفساد، وتفكيك آثار النظام السابق في إدارة الملكيات، بما يحفظ حقوق المواطنين ويضمن استقرار التملك.
أرقام مرعبة: دعاوى بالجملة وتزوير متصاعد
تشير بيانات القصر العدلي في دمشق لعام 2024 إلى تسجيل أكثر من 3500 دعوى قضائية رفعها مواطنون لاسترداد سندات ملكية تم التلاعب بها.
وبحسب التقديرات يوجد أكثر من 40 ألف حالة تزوير في دمشق وريفها خلال ثلاث سنوات، تليها حلب بـ 10 آلاف، ثم حمص بـ8 آلاف، و5 آلاف في بقية المحافظات.
وفي عام 2024 فقط، سُجل ما يزيد على 7300 واقعة تزوير موثقة في دمشق، بمعدل يفوق 20 حالة يومياً، ما يعكس أزمة ممنهجة في إثبات الملكية لا مجرد خروقات فردية.
شبكات السمسرة والتزوير
يرى المحامي حسام الدين ناصيف، المتخصص بشؤون الملكية العقارية، أن ما يحدث منذ سنوات في سوريا لا يمكن اعتباره خروقات قانونية فردية، بل هو نتيجة منهجية قانونية استُغلّت لتنفيذ غايات سياسية.
وفي حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”، يوضح ناصيف: “نحن أمام سياسة عقارية عقابية، جُيّر فيها القانون لشرعنة المصادرات، خصوصاً من خلال محاكم استثنائية كالميدان العسكرية والإرهاب. آلاف السوريين جُرّدوا من ممتلكاتهم الخاصة، بمخالفة واضحة للدستور الذي يُفترض أنه يضمن حمايتها”.
ويضيف أن واحدة من أكثر الأدوات استخداماً في هذه الانتهاكات هي الوكالات العقارية المزوّرة، حيث تلجأ شبكات محمية إلى إصدار وكالات منسوبة إلى أصحاب العقارات الغائبين، مدعّمة بأختام وأوراق رسمية مقلّدة، وفي بعض الحالات، تُستعان بمخبرين للحصول على معلومات عن ممتلكات المغيّبين قسراً.
تسهيل عمليات التزوير
وبحسب المختص بشؤون الملكية العقارية، فإن هذه الوكالات تُستخدم أمام الكاتب بالعدل لإتمام عمليات بيعٍ رسمية، فيُسجل العقار في السجل العقاري من دون علم أو حضور لصاحبه الحقيقي. ويؤكد أن غياب التدقيق، إضافة إلى تواطؤ بعض الموظفين، سهّل تمرير هذه المعاملات على نطاق واسع، لا سيما في المناطق التي سيطر عليها النظام عقب موجات التهجير.
ويشير إلى مدينة القصير كمثال صارخ، حيث تم تغيير الطابع الديموغرافي بالكامل، بعدما مُنعت عودة السكان الأصليين، وفُرضت تسويات تتضمن التنازل عن الملكية مقابل معلومات عن ذويهم المعتقلين أو المفقودين.
ويخلص المحامي إلى أن ملف الملكية العقارية في سوريا بالغ التعقيد، لا سيما في ظل وجود نسبة كبيرة من الممتلكات غير المثبتة في السجلات الرسمية، إضافة إلى تدمير الوثائق، واختفاء أصحاب الحقوق نتيجة الحرب والاعتقال والتهجير.
وأكد حسام الدين أن استعادة الملكيات تحتاج إلى مرحلة سياسية جديدة، ومراجعة لكلّ عمليات التوثيق التي جرت خلال سنوات الحرب. ودعا المتضررين إلى الاحتفاظ بأي وثيقة، فـ “الملكية لا تسقط بالتقادم، والحق لا يموت إن طال الغياب”.
تلفزيون سوريا



