سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

كيف تفرّقنا الصدمة… التشرذم النفسي والاجتماعي؟/ سالي علي

22 يوليو 2025 

 تتعرض سورية اليوم لتجربة صعبة ومعقدة على أكثر من مستوى، وأحد أبرز مظاهر هذه التجربة التشرذم الاجتماعي الذي أصبح ظاهرة مألوفة تُعبّر عن عمق الانقسامات التي لا تتوقف عند الخلافات السياسية، بل تمتد إلى مستويات نفسية واجتماعية عميقة تكاد تفرّق بين الناس على مستوى الجغرافيا والعلاقات الإنسانية وحتى في ذواتهم. لفهم هذا التشرذم الاجتماعي، لا بد من الغوص في الجذور النفسية والاجتماعية التي ساهمت في بلورته، ومحاولة قراءة ما وراء هذه الانقسامات.

الواقع السوري اليوم مشحون بصدمات متراكمة لا تُمحى بسهولة؛ فقد عاش السوريون سنوات من النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، والحصار الاقتصادي، والتغيرات السياسية التي أضعفت مؤسسات الدولة ومفاهيم المواطنة. هذه التجارب، التي لم تكن مادية أو سياسية فحسب، بل نفسية أيضاً، تركت أثرها على الفرد السوري بعمق، حيث لم يعد السوري مجرّد مشارك سلبي في حدث ما، بل أصبحَ معرّضاً لانكسارات نفسية معقدة، تنعكس على طريقة تفكيره، وتصرّفاته، وعلاقاته مع المحيطين به.

تقود هذه الانكسارات النفسية إلى حالة من فقدان الثقة الداخلية، حيث يصبح الأفراد في حالة دفاع مستمرّة عن ذاتهم، يشعرون بالخوف من الآخر، أو حتى من أنفسهم. ونتيجة لذلك، ينعكس هذا الخوف على العلاقة الاجتماعية، ليولد نوعاً من الانكفاء أو الانفصال العاطفي، حيث يفضل الإنسان أن ينأى بنفسهِ عن نقاشات أو لقاءات قد تفتح له أبواب الألم أو النزاع. لذا لا يكون التشرذم الاجتماعي نتيجة للاختلافات السياسية فقط، بل يتجذر في أعماق النفوس التي تبحث عن السلام والأمان بأي ثمن.

بالإضافة إلى الأبعاد النفسية، هناك البعد الاجتماعي الذي يعزّز هذا التشرذم. المجتمع السوري الذي كان يُعرف بتنوعه وغناه الثقافي بات اليوم يعيش حالة من التقطيع الجغرافي والاجتماعي، التي ساهمت في تقسيم الناس إلى مجموعات متباعدة ومتصارعة، بناءً على الانتماءات السياسية، الطائفية، العشائرية، أو حتى الاقتصادية. لم يعد الحديث عن خلافات فقط، بل عن حدود فاصلة تفصل بين الناس على المستوى الإنساني، حيث تُعامل بعض الفئات كأنها “الآخر” الغريب، وليس بوصفه جزءاً من نسيج المجتمع الواحد.

غالباً ما تفرض هذه الحدود الاجتماعية سرديات متشدّدة، تسقط الآخرين في خانة الخصم أو العدو، ما يعزّز دوامة الكراهية والعداء، ويغذّي الشعور بالاغتراب والرفض الذاتي لدى كثيرين. في هذا الإطار، تتشكّل لدى الأفراد هويات جزئية تقوم على الدفاع عن “المجموعة” على حساب الاعتراف بالآخر المختلف، مما يجعل من الحوار المجتمعي أمراً شاقاً أو حتى مستحيلاً في أحيان كثيرة. ومثالُ ذلك، ما جرى أخيراً حين تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً لوزير الثقافة في الحكومة الحالية يُدلي بتصريحات شخصية عن رؤيته الخاصة للطائفة العلوية، والتي وصف الشرفاء غير المستفيدين من النظام السابق بأنهم فقراء حتى اضطروا إلى العمل خدماً في منزل والديه. هذا الخطاب الصادر من شخصية يفترض أنّها تمثل وزارة الثقافة، لا يعكس تهافت الخطاب العام فقط، بل يُجسد كيف أنّ السرديات المتشددة أصبحت مقبولة، بل مُبرّرة لدى شريحة من الناس. فردات الفعل بين السوريين قد انقسمت بين من اعتبره “صادقًا وشجاعًا” ومن رآه “محرضًا على الكراهية”، ما يؤكّد أن الانقسام لم يعد حول السياسات، بل حولَ الكرامة الإنسانية نفسها.

المشكلة الكبرى في هذا التشرذم أنه ينفذ إلى الحياة اليومية والعلاقات الشخصية، ليصبح المجتمع السوري رهينة توتّراتٍ غير معلنة بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة، وبينَ الأصدقاء والجيران، فالحياة الاجتماعية، التي يُفترض أن تكون ملجأً للسكينة، تتحوّل إلى ساحة للتوتر والحذر، حيث يحاول الناس التوازن بين رغبتهم في التواصل وخوفهم من تبعاتِ التعبير عن آرائهم ومواقفهم.

الضغط النفسي الناتج عن هذه الحالة يستنزف الطاقة العاطفية للأفراد ويؤثر سلباً على صحتهم النفسية، ويولد شعوراً بالعزلة رغم كثرة الناس من حولهم. هناك من يلجأ إلى الصمت، وأحياناً إلى الإنكار، بينما يحاول آخرون بناء حواجز دفاعية عنيفة تحميهم من الألم، لكنها في الوقت نفسه تبعدهم عن فرص الفهم والتقارب.

في هذا المشهد المعقد، تصبح المصالحة الاجتماعية أكثر من مجرّد اتفاق سياسي أو تبادل للوعود؛ إنّها عملية عميقة تتطلب تهيئة نفسية واجتماعية تسمح للناس بالتخلي عن الأحقاد، وتقبل الاختلاف، وإعادة بناء الثقة تدريجياً. هذه العملية تحتاج إلى بيئات آمنة، حيث يمكن للناس أن يعبروا عن قصصهم، وآلامهم، ومخاوفهم، بدونِ خوف من الرفض أو الإقصاء. من دون هذا الفهم العميق للجروح النفسية والاجتماعية، تبقى محاولات المصالحة مجرد حبر على ورق، تفتقر إلى الروح التي تحرّكها.

يلعب التعليم والإعلام والثقافة دوراً مركزياً في هذه المرحلة الحساسة عندما تبنى المبادرات على قيم الحوار المفتوح، والتنوع، واحترام الرأي الآخر، تخلق أرضاً خصبة للنمو الاجتماعي الذي يحترم الاختلاف بدلاً من أن يخاف منه. من خلال برامج تثقيفية وورش عمل تشجع على التعاطف وتفكيك الصور النمطية، يمكن للسوريين أن يبدؤوا رحلة شفائهم الجماعي، التي تنطلق من فهم الذات والآخر معاً.

في النهاية، نصل إلى نتيجة أنّ التشرذم الاجتماعي في سورية هو انعكاس لأزمة أعمق في كيفية التعامل مع الماضي والحاضر، وهو اختبار لقدرة المجتمع على تجاوز الصدمات وبناء واقع جديد. وليس هناك حلٌّ سريع أو بسيط، لكنّ الوعي العميق بهذه الأبعاد النفسية والاجتماعية هو الخطوة الأولى نحو مجتمعٍ أكثر تماسكاً وقابلية للحياة والازدهار.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى