إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

العلاقات السورية-الروسية تحديث 08 آب

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العلاقات السورية الروسية

الصراع الدولي على سورية… تعقيدات العلاقة بين دمشق وموسكو/ عمار ديوب

08 اغسطس 2025

حمت روسيا نظام بشّار الأسد، دولياً عبر مجلس الأمن، وداخلياً بعد تدخّلها العسكري الواسع في سبتمبر/ أيلول 2015، فمنعت انهيار نظامه. لم تكن العلاقات بين روسيا وبشّار الأسد على وفاقٍ كما في زمن أبيه، ولكن إخفاق إيران في ذلك العام في إنقاذ النظام أدّى إلى استدعاء روسيا. قلب تدخّل موسكو كلّ الموازين العسكرية، وكان الثمن تدمير مناطق كثيرة خارجة عن سيطرة النظام، وقتل عشرات آلاف السوريين بالسلاح الروسي. تمكّنت روسيا من ذلك بسبب رفض الدول الغربية السماح بإسقاط النظام، وتبنّيها استراتيجية تغيير شكل السلطة، أمّا الروس فتبنّوا إبقاء النظام على حاله، نظاماً ديكتاتورياً. حصيلة التدخّل الغربي والعربي والروسي والإيراني والتركي كانت تعفّن الوضع السوري، وتسييس الانقسامات الأهلية، وتحكّم الدول السابقة بالوضع السوري. كانت الجغرافية السورية حينذاك أقرب إلى التقسيم، ولكن من دون الدفع نحوه، واستمرّت كذلك تقريباً منذ 2018 إلى لحظة سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.

كان مجيء روسيا مُكلفاً لسورية، فعدا الدمار والقتل، أنشأت قاعدة حميميم، ووسِّعت قاعدة طرطوس البحرية، وأبرمت اتفاقات اقتصادية لعشرات السنين، ونسجت شبكة صلات واسعة مع الداخل السوري، وأصحبت لاعباً أساسياً، إلى جانب كلّ من أميركا والدولة الصهيونية وإيران وتركيا، وتقول تقارير اقتصادية إنَّ ديونها على سورية تفوق 32 مليار دولار، والأسوأ أنها احتضنت في أراضيها الرئيس السابق ومعه ثروات سورية المنهوبة، وكبار ضبّاط نظامه الذين كانوا السبب في دمار سورية ومقتل مئات الآلاف من السوريين.

كيف يمكن لسلطة دمشق إقامة علاقات مع دولة كان تدخّلها أقرب إلى الاحتلال المباشر، وتتحمّل مسؤوليةً كبيرةً تجاه المأساة السورية؟ والمنطقي والواقعي أن تعتذر هذه الدولة عما فعلته، وتعوّض السوريين، وكان ينبغي تحييد أيّ دور لها في المرحلة الانتقالية، هي وإيران بصفة خاصّة.

… فوجئ السوريون بزيارة أكثر من عشرين شخصية من السلطة السورية الجديدة، وفي مقدمتها وزيرا الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات، العاصمة الروسية، وجرت نقاشات دقيقة بشأن شكل العلاقات المستقبلية بين دمشق وموسكو. هل هذا معقول؟… كلّ سلطة جديدة، ومهما كانت تعقيدات علاقاتها مع دول تحتلّ بلادها، مضطرّة للقاءات ونقاشات ومفاوضات واتفاقات جديدة. هذا سياق طبيعي في علاقات الدول ببعضها، ولكن، تجب مناقشة أوجه العلاقات السابقة كافّة، ودور روسيا وإيران في دعم النظام ضدّ الثورة الشعبية، وتحديد مسؤولياتهما عمّا حدث. لا تخلو تلك الزيارة من خطأ كبير، إذ كان يجب أن يكون اللقاء في تركيا مثلاً، أو في دولة خليجية. أمّا أن يزور كبار رجالات السلطة روسيا، فهذا يحدُّ من قوّة مطالب الوفد السوري وشروطه في إعادة العلاقات مع روسيا. الأسوأ، وهو ما يعانيه السوريون من السلطة الجديدة، وغياب الشفافية عن هذه اللقاءات وسواها، فإعلام السلطة على نهج النظام السابق، “استقبل وودّع”، ولا توجد أيّ معلومات دقيقة، وهو ما يترك السوريين عرضةً لتصديق أيّ معلومات أو تحليلات من الصحافة العالمية، والتشكيك في روايات السلطة شديدة العمومية.

كان إعلام السلطة في الأشهر الأولى يؤكّد أن سورية انتقلت من محور روسيا (الشرّ) إلى محور الغرب (الخير)، وأنهت صلةً تاريخيةً ربطت آل الأسد و”الاشتراكية” بمحور الشرّ. فعلاً، اعتُرف بالرئيس أحمد الشرع دولياً وإقليمياً، باستثناء إيران والدولة الصهيونية، وتلقّت هذه السلطة دعماً هائلاً بموافقة الرئيس الأميركي ترامب على رفع العقوبات، وتوالت عمليات الرفع أوروبياً، ومن اليابان وخليجياً، وبغض النظر عن إعادة تمديد بعض العقوبات الخاصّة بقانون قيصر، ما الذي تغيّر لتعود سلطة دمشق إلى محور الشرّ. هناك تقارير صحافية تؤكّد تغييراً في الموقف الدولي لعدم استجابة دمشق للشروط، وأخرى تفيد بأن الشرع مطالب بالتنازل عن كل أراضي الجولان السوري المحتل في 1967.

الآن، عادت دمشق إلى موسكو، ولم تقطع أيّ صلة بالغرب، ولا تعني عودتها إغلاق علاقات وفتح أخرى. يؤكّد إعلاميو السلطة أن الدولة السورية لا بدّ أن توازن علاقتها بين الشرق والغرب، لكن العودة إلى موسكو لا بد أن تُناقش بعمق أكبر.

تزامنت العودة مع ضغط صهيوني كبير في ملفّ المفاوضات مع دمشق، وتدخّل إسرائيلي عسكري شمل قصف مواقع سيادية في العاصمة، وقصفت طائرات إسرائيلية قوات الجيش وفصائل العشائر في السويداء، وفرضت عليها الانسحاب من المحافظة وسحب السلاح الثقيل من الجنوب السوري بكامله. اضطرّت سلطة دمشق للموافقة على اتفاق دولي وإقليمي يُحدّد لقوى الجيش والأمن العام مواقعَ خارج الحدود الإدارية للسويداء. تعي سلطة دمشق أن هدف الدولة الصهيونية فرض منطقة أمنية لصالحها في القنيطرة ودرعا والسويداء، وهذا يتضمّن إذلالاً كبيراً، والاتفاق كان برعاية أميركية، وفُرض على دمشق. هناك انحياز كامل للإدارة الأميركية إلى الدولة الصهيونية، وليست هناك قدرة خليجية على مواجهة هذه التطوّرات، وحتى تركيا غير قادرة على مواجهة أطماع الدولة الصهيونية في سورية، وكذلك غير قادرة على مواجهة السياسة الأميركية في سورية، وربّما لهذا قيل إن زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني، ومرافقيه، كانت بدفعٍ من تركيا، وإن روسيا وحدها تستطيع إيجاد شيءٍ من التوازن الدولي في سورية، والحدّ من الشروط الصهيونية والأميركية على سلطة دمشق الهشّة، التي استلمت بلداً مدمّراً.

عوامل ضاغطة

ترافقت زيارة موسكو مع تشدّدٍ أميركي عبر مبعوث ترامب، توماس برّاك، إذ أكّد ضرورة التشاركية، وهناك تقرير للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، يؤكّد أيضاً التشاركية، ويُحمل السلطة مسؤولية ما حدث في الساحل والسويداء من مآسٍ. وعدا ذلك كلّه، هناك ضرورة لأن تتخذ الدول الممثلة بمجلس الأمن كافّة قراراً جماعياً لرفع اسم هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب (وفق قـرار مجلس الأمن 2254 تعد هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية. اعتمد المجلس القرار بالإجماع عام 2015، ودعا فيه جميع الدول إلى منع الأعمال الإرهابية وقمعها، وخصوصاً المرتكبة من عدة جماعات، منها سلف هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة). إذاً، هناك أسباب عديدة للزيارة، وليس سبباً واحداً، وربّما هذا ما يعطي مبرّرات موضوعية للزيارة، لا هروباً من ضغطٍ أميركي صهيوني فقط.

تعلم روسيا جيّداً ورطة السلطة والضغوط عليها، وستفرض بدورها ضغوطاً إضافية مقابل الحدّ من الضغوط الغربية، وهذا سيضعف موقع السلطة داخلياً، باعتبارها فاوضت من دمّر سورية وقتل الآلاف وساهم في تهجير الملايين، وسيُضعف موقفها في التفاوض مع الأميركان. الإدارة الأميركية لم تعد راغبةً في ترك سورية، كما كان الحال قبل هروب بشّار الأسد، بل هي تنطلق منها في فرض أشكال من الهيمنة على المنطقة، وتعطي للدولة الصهيونية دوراً مركزياً في ذلك، وبغض النظر عن الاختلافات الهامشية بين إدارتي الدولتَين حول أشكال تلك الهيمنة.

الانطلاق من أسس وطنية لإقامة العلاقات مع روسيا وسواها مع الدول، كما يجري بين أيّ دولتَين، وحفاظاً على مصالح هذه الدولة أو تلك، يقتضي وجود دولة قوية، اقتصادياً وسياسياً، وسلطة مسنودة شعبياً، ولو لم تكن ديمقراطية، وبشرعية دستورية وبرضىً اجتماعي عام. إن سورية تمرّ في مرحلة انتقالية، ولم تُحدّد سلطتها بعد استراتيجيتها الدقيقة للعلاقة مع العالم، ولا يزال العالم يحاول اكتشاف تلك الاستراتيجية، كي يُحدّد الموقف منها. إن وجود دول طامحة للهيمنة في حدود سورية، تركيا والدولة الصهيونية، يُقيّد كثيراً استقلالية الموقف السياسي، ويُضعف من وضع استراتيجية وطنية، عدا عن جدّية السلطة في إدارة الدولة، وهو أمر معقّد للغاية. يبدو أن السلطة تستشعر تغيّراً في الموقف الأميركي، وربّما تصعيداً في الموقف الصهيوني، وربّما تململاً من السعودية، وبالتالي، اختارت الذهاب نحو روسيا.

تخطئ سلطة دمشق باللعب على المحاور الدولية، أو أن تبتعد قليلاً من الدعم الخليجي بصفة خاصّة، وتحديداً السعودية، التي ضمنت انتقالاً سلساً في سورية، بينما ما حدث في الساحل والسويداء بدأ يُكبّل أيدي السعوديين. إنها تذهب نحو دولة منبوذة عالمياً (روسيا) وتعاني حصاراً دولياً، وضحّت ببشّار الأسد، فهل ستدافع عن أحمد الشرع وسلطته؟ هذا تفكير غير صائب، وأيّ اتفاق مع روسيا سيُجبر سلطة دمشق على تقديم تنازلات كبيرة، وستُجبَر على توقيع اتفاقيات معدّلة أو الاتفاقيات ذاتها مع بشّار الأسد، وهذا سينتج عنه سخط اجتماعي واسع من معظم السوريين الذين طاردهم القصف الروسي في كلّ المدن السورية.

الضغط الأميركي يتحدّد بمطالب محقّة في ظاهرها (التشاركية والتعددية وحماية حقوق الأقليات وسواها كثير)، بينما هي تريد فرض هيمنة كاملة على سورية، وليس من الواضح أنها ستتراجع عن ذلك. إن قوة السلطة من الشعب (مصدر الشرعية الأساس)، ومن إشراكه في القرارات السيادية، ومن إنهاء عقلية الولاء والتطويع بالقوة إلى التشاركية والتعدّدية مع المدن السورية كافّة، وفي مقدّمتها الحسكة والسويداء ومحافظات الساحل، وهذا وحده ما سيقوّي السلطة في دمشق. لكن السلطة لا تضع خيار التشاركية ضمن مشروعها للهيمنة على سورية، لكن مشروعها هذا بدأ يواجه تحدّيات. وهناك عدا التحدّي الصهيوني والأميركي (لن تتخلى واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية)، هناك التحدّي التركي ذاته، الذي يمدّ نفوذه إلى حلب وإدلب، وهناك تقارير تتحدّث عن إمكانية التوافق مع روسيا على نفوذ قوي في الساحل، وهذا سيكون تحصيل حاصل في حال وافقت سلطة دمشق على التمديد لقاعدَتي حميميم وطرطوس، أو أعطت روسيا امتيازات إضافية كذلك، ويبدو هذ ما سيكون.

تعي أميركا خطورة انفلات الوضع الأمني الهشّ. وفي كلّ الأحول، لن تسمح به سلطة دمشق نفسها، فهي معنية بالاستمرار في السلطة. ليست خطوتها تجاه روسيا، وبدعم تركي، في الاتجاه السليم، ولنفترض أنها مناورة من أجل تقييد الضغط الصهيوني، ولكي تضبط أميركا هذا الضغط، ولكي لا تفقد سلطة دمشق (مشروعتيها) الداخلية بسبب فرض اتفاق أمني وعسكري لصالح الدولة الصهيونية وأميركا في الجنوب السوري بكامله، فسيكون انعكاس تلك الزيارة سلبياً لجهة التشدّد في الموقف الأميركي لاحقاً، ولن تخفّف من محاولة الدولة الصهيونية فرض هيمنتها لا في الجنوب فقط، بل في سورية كلّها.

العلاقات المتوازنة

إقامة علاقات متوازنة مع أميركا وروسيا والدولة الصهيونية، واستعادة الأراضي السورية المحتلّة، تقتضيان، في الوقت نفسه، الانخراط الدقيق في المحور الغربي، ورفض أيّ اشتراطات دولية لا تتناسب مع مصلحة السوريين، وكذلك عدم تفريط الدول التي تدخّلت في سورية منذ 2011 بحقوق السوريين. سلطة دمشق مُقيّدة بسياساتها، فهي غير منفتحة على الشعب، وهمّشت قواه السياسية ونخبه في المجالات كافّة، وهيمنت على سلطات الدولة بكاملها، ومركزتها بيد شخصيات آتية من هيئة تحرير الشام. هذه السياسات مرفوضة من معظم السوريين ونخبهم، وليس من الأقليات فقط. مشروعها الاستئثاري السياسي هو استبعاد الشعب من المشاركة، ولهذا سعت (منذ اليوم الأول) لنيل الشرعية من الخارج، بل غازلت الدولة الصهيونية، وأرسلت لها رسائل بأنها لا تملك نيّةً سيئةً تجاهها. هنا كان الإخفاق الأول في رؤيتها للعلاقة مع العالم ومع الشعب. ضعف السلطة بسبب طبيعة المرحلة الانتقالية، وتدمير بشّار الأسد لقدرات سورية منذ 2011، كانا يقتضيان الانفتاح على الشعب، وإشراكه.

يشكّل التنقّل بين المحاور ضرراً بالغاً، ولا يغيّر من الأمر وجود علاقات متينة بين روسيا ودولة الاحتلال، وربّما (بعكس أمنيات سلطة دمشق) سيتيح تشكيل تحالف دولي لإزاحة السلطة ذاتها، ويمكن قراءة ذلك من تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حول أن تضمن سلطة دمشق حقوق الأقليات والأكراد، وهذا يتّفق مع تصريحات وزير خارجية الدولة الصهيونية، وأغلبية التصريحات الغربية، ويُخفي هكذا تصريح نيّات سلبية (المحاصصة الطائفية والحكم الذاتي)، ويتضمّن رسالة إلى السلطة بأنها طائفية، ورافضة لإشراك الشعب، وهذا بمثابة شروط إضافية لأيّ مفاوضات بين السلطة وروسيا.

هناك تذمّر واسع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها السلطة، وبوجود فصائل مسلّحة خارج سيطرة السلطة، وبوجود أطماع صهيونية في ضمّ جنوبي سورية، وبوجود رغبة أميركية في التفرّد بالملفّ السوري. ويقتضي بناء استراتيجية دقيقة ووطنية لإقامة علاقات ندّية مع العالم، الاستفادة من الخبرات السورية الدبلوماسية والقانونية، في هذه المجالات. هناك عدم قدرة خليجية على مواجهة ما ذكرنا، وهناك الدعم التركي للسلطة والمقيّد بالرفض الصهيوني في الأرض السورية. أيضاً، كانت روسيا تدافع عن سلطة بشّار الأسد قبل أشهرٍ، ومن الصعب أن تتحالف مع سلطة دمشق الجديدة من دون امتيازات كبيرة، ومع ذلك هي متورّطة في أوكرانيا، ومنبوذة دولياً، وبالتالي، لم تكن هذه الزيارة في الاتجاه السليم، وربّما سيكون تأثيرها سلبياً على السلطة، ويخفّف من شرعيتها الخارجية (الغربية خاصّة)، وهناك تقارير حقوقية وثّقت الانتهاكات الواسعة في الساحل والسويداء، وتُذكِّر العالم بمواقف هيئة تحرير الشام تجاه الأقلّيات، ورفض حقوقها قبل تاريخ 8 ديسمبر (2024)، وبالتالي، وفي حال استمرّت السلطة برفض إشراك الشعب، ستتراجع شرعيتها الخارجية والداخلية أكثر فأكثر.

السؤال السوري المطروح بشدة منذ ثمانية أشهر: هل ستعيد السلطة تأسيس ذاتها على أسس وطنية، وبما يعزّز حقوق المواطنة، ويعيطها قوّةً حقيقية في مواجهة تحدّيات الخارج، ولا سيّما الخطر الصهيوني، والكفّ عن اللعب بورقة الأقلّيات، وسدّ الذرائع (إقرار التشاركية والتعدّدية وإجراء تعديلات في الإعلان الدستوري وسواه) أمام الإدارة الأميركية للاستمرار في الاشتراطات، والإضعاف المستمر لسلطة دمشق. إن الشرط الحقيقي لاستمرار أيّ سلطة في المرحلة الانتقالية هو مقدار الحقوق التي ينالها الشعب، وهو الشرط ذاته الذي سيُقوّي مواقف السلطة تجاه الخارج، بدءاً بالدولة الصهيونية، وأن يكون التفاوض مع روسيا انطلاقاً من تحديد مسؤولياتها في دمار المدن السورية والتهجير ومقتل آلاف السوريين، وتسليم بشّار الأسد وكبار ضبّاطه المجرمين للقضاء السوري.

العربي الجديد

————————–

الشيباني في موسكو: مَن يخشى نظام لافروف «السنّي»؟/ صبحي حديدي

08 آب 2025

لم يكن بعيداَ، إذ انقضت عليه 13 سنة فقط، ذلك الزمن الذي شهد تصريحاً مدوياً لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، تقصد منه دغدغة شرائح سياسية واجتماعية وإيديولوجية داخل روسيا أوّلاَ (لأنّ لافروف اختار إذاعة «كوميرسانت إف إم» الروسية المحلية لإطلاق آرائه)؛ كما خاطب أربعاً من المكوّنات الوطنية السورية، كي يثير مخاوف الداخل السوري من جهة، ويصطنع مبرراً آخر جديداً لتدخل عسكري روسي مباشر سوف يتمّ لصالح النظام السوري بعد ثلاث سنوات فقط، خريف 2015؛ ولم يوفّر المحيط الإقليمي، لأنه ألمح أيضاً إلى جوار سوريا.

وكما هو معروف، أو كما يُستحسن ألا ينسى سوريون كثر، قال لافروف التالي: «فى حال انهيار النظام القائم في سوريا، فسيغري هذا بعض بلدان المنطقة لإقامة نظام سنّي في البلد»؛ وهذا ما أقلق الرجل، لأنه سوف «يؤثر على مصير المسيحيين والأكراد والعلويين والدروز، وهو الأمر الذي قد يمتد إلى لبنان والعراق». وربما يصعب على امرئ أن يرجح افتقار وزير خارجية دولة عظمى نووية مثل الاتحاد الروسي، وريثة الاتحاد السوفييتي ذي الصلات الوثيقة السياسية والعسكرية والاستخباراتية والثقافية مع العالم العربي، إلى مستشار واحد على الأقلّ، متواضع وليس بالضرورة عبقرياً؛ يهمس في أذن الوزير بضع كلمات حول الفارق في ألا تكون أقلية إثنية (مثل كرد سوريا) دينية بالضرورة، فضلاً عن كونها سنّية في أغلبية ساحقة؛ فكيف إذا جُرّت، قسراً وافتعالاً، إلى اصطفاف ديني أو مذهبي أو طائفي، مسيحي أو درزي أو علوي!

وفي الأصل، كيف يعقل من وزير خارجية الاتحاد الروسي/ الاتحاد السوفييتي سابقاً، أن يستخدم تعبير «نظام سنّي»، بأيّ معنى ملموس يمكن أن يخفف من ركاكة الصياغة أو حتى غبائها؛ إذا لم يذهب امرؤ إلى مساجلة لافروف على هذا النحو، الأقرب إلى منطق صوري لا مفرّ من اللجوء إليه: إذا كان قيام «نظام سني» في سوريا هو ما تتخوف منه روسيا، فما طبيعة النظام الذي كانت موسكو تسانده وتوشك على التدخل العسكري لإنقاذه من السقوط؟ وهل كان الكرملين يجهل أنه نظام استبداد وفساد وتوريث، وجيش براميل متفجرة وأسلحة كيميائية، وميليشيات طائفية التركيب تمتهن التسلط والأتاوات وتصنيع الكبتاغون…؟

هذه أسئلة، وسواها كثير، وُضعت على رفوف الكرملين، أو جُبّت إلى حين طويل، أو طُوي بعضها مرّة وإلى الأبد؛ حين قرأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تفاصيل المشاهد التي باتت تحدّد نهايات نظام «الحركة التصحيحية»، الأسد الأب وابنه الوريث، على أصعدة داخلية أوّلاً؛ ثمّ إقليمية (إيران وأذرعها الثقيلة والخفيفة والمتوسطة، تركيا، دولة الاحتلال الإسرائيلي، فشل التطبيع العربي والخليجي مع بشار الأسد…)؛ وكذلك دولية (بما في ذلك مستوى تورّط موسكو في أوكرانيا، وحجم ومهامّ وضرورات قاعدتَيْ حميميم وطرطوس الروسيتين على شواطئ الساحل السوري، أو حتى مكاسب موسكو في قطاع الفوسفات السوري، والرهانات البائسة على ضباط من أمثال «النمر» من ورق سهيل الحسن…).

هذه السلّة المركبة من الاعتبارات كانت في الخلفية تتقاطع مع سلسلة مصالح جيوسياسية لا تقلّ تركيباً، وتضافرت مع سواها من موجبات أخرى، حكمت قرار بوتين بالانخراط في (أو السكوت عن، أو التواطؤ على) نظرة إقليمية وعربية ودولية واقعية، من طراز الـRealpolitik كما قد يصحّ القول، إلى أوان نهايات النظام السوري، أو مصيره الختامي. كان منتظَراً أن تغتنم «هيئة تحرير الشام»، والفصائل المتحالفة تحت قيادتها، هذه الفرصة الذهبية الفريدة، وأن تسارع إلى الزحف نحو حلب ومحيطها أوّلاً؛ قبل أن يتضح لأبي محمد الجولاني، سريعاً في الواقع وعلى نقيض معظم الحسابات، أنّ ما تبقى من نظام «الحركة التصحيحية» بات قاب قوسين من الانهيار في حماة وحمص والعاصمة دمشق، ومعها اللاذقية ودرعا والسويداء، وحتى مناطق سيطرة «قسد» في دير الزور والحسكة والرقة وشرق الفرات عموماً.

هل كان قرار بوتين بمثابة إقرار مبدئي بأنّ «النظام السنّي»، الذي تخوّف منه وخوّف جوار سوريا وزيرُ خارجيته لافروف، آخذ في التشكل لتوّه، منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أياً كانت عناصره التكوينية الأولى؛ وبصرف النظر عن أنساق التمويه و/ أو التجميل التي اكتنفت وتكتنف استكماله أسبوعاً بعد آخر، وحكومة بعد مؤتمر حوار وطني بعد إعلان دستوري؟ كلا، أغلب الظنّ، لأنّ الكرملين يمكن أن يترك لوزير الخارجية مدّ حبال الاستشراق الروسي هنا وهناك، وأمّا الرئاسة وهذا الرئيس تحديداً (خرّيج أجهزة الـKGB دون سواها، وأحد مهندسي الإدارة الاستخبارية للغزو السوفييتي في أفغانستان)؛ فالحسابات عنده لا تُدرج التخرّصات حول إثنيات الشرق الأوسط والأديان والمذاهب والطوائف.

والمرء، ذاته المتسائل على امتداد هذه السطور، كان مخوّلاً باستكناه زيارة وزير خارجية الحكومة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، إلى موسكو مؤخراً؛ وكان مشروعاً له، من زاوية نظرية على الأقلّ، أن يتساءل خلال مؤتمر لافروف الصحافي مع نظيره السوري: مّن يخشى، اليوم، تشكّل «نظام سنّي» في سوريا الراهنة؟ أو، بالأحرى، أهذا الذي يستقبله وزير الخارجية الروسي هو وزير خارجية السنّة السوريين، أم سائر مكوّنات سوريا الجديدة وأديانها وإثنياتها ومذاهبها وطوائفها؟ الأرجح أنّ الشطر الثاني هو الذي توجّب أن يُلزم لافروف، وأن يلتزم به من باب الكياسة والأعراف الدبلوماسية، إذا لم يكن الخيار محكوماً أصلاً بتلك النظرة الـRealpolitik إياها؛ التي كانت، كذلك، وراء خروج الرئيس الروسي نفسه عن أعراف الكرملين واستقبال الشيباني، وإعلان عزم موسكو على دعوة الرئيس الانتقالي للجمهورية العربية السورية أحمد الشرع (وليس الجولاني، زعيم «نظام سنّي»، نظرياً هنا أيضاً) لزيارة روسيا.

وقد يقول قائل، محقاً تماماً بالطبع: ولكن ألم يفعلها، قبل بوتين، أناس أمثال أمير قطر وولي العهد السعودي ورئيس الإمارات وملك الأردن والرئيس المصري والرئيس الفرنسي والرئيس الأمريكي؟ فعلوا هذا، بل يجوز التشديد على أنهم سبقوا بوتين إلى خطوة سياسية واقعية لا تحلّق في هيولى استشراقيات من طراز «نظام سنّي» يُخشى منه على مكوّنات إثنية ودينية ومذهبية وطائفية؛ وهذا، على وجه التحديد، هو الذي حكم ويحكم نظرة قطاعات واسعة من السوريين إلى بلدهم: أنه كان، وهكذا يظلّ، فسيفساء عالية التنوّع والخصوبة والاغتناء، لم يسبق لأية أغلبية سنّية أن استأثرت به أو سعت إلى إدارته منفردة؛ أو حتى أشاعت قسراً هوية له مستمدّة من ملابسات إثنية أو دينية أو مذهبية انفرادية، على شاكلة استيهامات «الإحياء الأموي» بصرف النظر عن حسن النوايا أو سوء الطوية خلف إشاعتها.

ليس النظام الانتقالي الراهن لكلّ السوريين على نحو كافٍ، أو يقارب الـ80% مثلاً، أو ليس بعدُ، لأنّ الطريق ما يزال غير قصير، والدروب وعرة محفوفة بالمخاطر والعثرات والمكائد والمصائد، وسلطات الشرع (في وزارات مثل الخارجية والداخلية والدفاع والأوقاف خصوصاً) مسؤولة في المقام الأوّل عن سوء، أو حسن، المسير في تلك الوعورة. هذا عدا عن أنّ الشرع مسؤول شخصياً عن ضبط الفصائل التي زحفت معه من إدلب إلى دمشق، ولكن ارتباطاتها بشخصه وبسياساته ليست على مسافة متساوية من ولاءاتها الأعظم لعقيدة جهادية متشددة هنا، أو لاستخبارات جهة إقليمية فاعلة هناك.

وإذا كانت مجازر الساحل واجتياح السويداء و»فزعة» العشائر بمثابة أنماط لاختبارات النار أمام السلطات الانتقالية، فإنها في الآن ذاته مختبرات للاجتماع السوري بأسره؛ سواء بقيت وازدادت، أم تناقصت وانقرضت، الخشيةُ من خزعبلات لافروف… ابنة الـ13 سنة!

 كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 القدس العربي

 —————————-

ما الذي يعيد جمع دمشق وموسكو على الطاولة؟/ فراس فحام

7/8/2025

ركَّز الحراك الدبلوماسي للحكومة السورية الجديدة -منذ توليها إدارة شؤون البلاد أواخر 2024- على إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، في ظل الحاجة إلى رفع العقوبات الغربية عن سوريا، وتحقيق تقدم في مسار توحيد البلاد.

وقد قابل هذا الحراك فتور في العلاقات مع روسيا على خلفية أحاديث عن مطالب أوروبية للإدارة السورية الجديدة، وذلك بإخراج القواعد الروسية من الأراضي السورية.

وفي 31 يوليو/تموز الماضي، توجه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو برفقة وفد رفيع، وتبعه أيضا وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في زيارة حملت مؤشرات على رغبة متبادلة بإعادة ترتيب العلاقات السورية الروسية.

ومن هذه المؤشرات الحفاوة التي تعامل بها الجانب الروسي مع الوفد السوري، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين مع الشيباني في لقاء وصفته الخارجية السورية بـ”التاريخي” كما بحث أبو قصرة مع نظيره الروسي مسألة التعاون العسكري بين البلدين.

كما شهد لقاء الشيباني مع نظيره الروسي سيرجي لافروف اتفاقا على إعادة النظر في الاتفاقيات الثنائية التي تم توقيعها في عهد بشار الأسد، والعمل على تطوير علاقات صحية بين الجانبين.

فما دلالة هذا الحراك في هذا التوقيت؟ وهل يمهد هذا التحرك المشترك لتأسيس شراكة إستراتيجية جديدة بين البلدين تعيد تعريف العلاقة بعيدا عن إرث المرحلة السابقة؟

وساطة روسية محتملة

جاءت زيارة الوفد السوري إلى موسكو في أعقاب أزمة السويداء التي شكلت منعطفا حرجا بعد أن قوبلت محاولة الحكومة بسط السيطرة على المحافظة الجنوبية بتصعيد إسرائيلي واسع تحت ذريعة “الدفاع عن الدروز”.

وقبيل توجه الوفد السوري إلى روسيا، عقد الوزير الشيباني جولة مفاوضات مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العاصمة الفرنسية -برعاية أميركية- من أجل مناقشة التصعيد الإسرائيلي ومصير الجنوب السوري.

ووفق المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية بعد اللقاء، فإن إسرائيل تمسكت بمطلب إبقاء الجنوب السوري منزوع السلاح، مع رفضها دخول قوات الجيش، على أن تتولى عناصر درزية محلية مهمة ضبط الأمن، مما يعني فعلياً تأسيس نموذج حكم محلي خارج عن سيطرة الإدارة السورية.

ومنذ 2018 حتى سقوط نظام الأسد أواخر 2024، لعبت روسيا دور الوسيط والضامن في الجنوب السوري، ونشرت بالتنسيق مع إسرائيل نقاطاً للشرطة العسكرية من أجل منع التصعيد جنوب سوريا بين مجموعات مرتبطة بإيران -كانت منتشرة جنوب سوريا- وبين إسرائيل.

ولهذا، من غير المستبعد أن تطلب دمشق مجدداً من موسكو القيام بدور الوساطة مع إسرائيل، خاصة وأن تقارير إسرائيلية تحدثت في أبريل/نيسان الماضي عن جهود تبذلها إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بإبقاء القواعد الروسية في سوريا من أجل موازنة النفوذ التركي، وهذا يشير إلى استمرار انفتاح إسرائيل على قيام روسيا بدور في سوريا.

وبالفعل، فقد أجرى بوتين اتصالاً هاتفياً في 4 أغسطس/آب الجاري مع نتنياهو، وأوضح بيان صادر عن الكرملين أن الرئيس أكد في المكالمة على وحدة الأراضي السورية، وبالتالي قد تستفيد الحكومة السورية من دور الوساطة والضمانة الروسية لإقناع إسرائيل بالتخلي عن فكرة إنشاء حيز أمني داخل الأراضي السورية.

استثمار النفوذ الروسي

يمر ملف شمال شرق سوريا بحالة مراوحة في المكان، فرغم توقيع اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، تشير التصريحات المتكررة الصادرة عن قيادات “قسد” إلى أن الاتفاق كان عبارة عن خطوط عامة، وتريد فتح المفاوضات حول آليات تطبيقه.

وقد تصاعدت هذه التصريحات بعد أحداث السويداء، وبات المتحدثون باسم “قسد” يؤكدون على التمسك بالسلاح لحين التوافق على “حكومة سورية تشاركية”.

ولا تزال روسيا تحتفظ بقاعدة جوية لها في مدينة القامشلي ضمن محافظة الحسكة، ولديها اتصالات مع “قسد”. وبالتالي فإن استمرار تجاهل حكومة دمشق للمصالح الروسية في سوريا قد يدفع موسكو لتعزيز التواصل معها، على غرار ما حصل مطلع عام 2016 عندما دعم الطيران الروسي “قسد” في عمليات عسكرية ضد المعارضة السورية آنذاك شمال حلب قرب الحدود التركية، على إثر التوتر بين موسكو وأنقرة بعد إسقاط تركيا طائرة حربية روسية في سوريا.

وبالمجمل، لم تكن علاقة روسيا مع “قسد” إستراتيجية، بل استخدمتها لتوفير نفوذ في مناطق إستراتيجية للجانب التركي، وهي لم تمانع الانسحاب لصالح تركيا قبيل تنفيذ الأخيرة عملية غصن الزيتون في منطقة عفرين عام 2018، كما أن موسكو تتلاقى مع دمشق -سواء في زمن نظام الأسد أو بعد مغادرته- على رؤية وحدة الأراضي السورية.

وبعد أيام من زيارة الوفد السوري إلى موسكو، سيرت روسيا دورية عسكرية في محافظة الحسكة للمرة الأولى بعد سقوط نظام الأسد.

ومن غير المستبعد أن تتعاون موسكو لاحقاً مع القوات الحكومية السورية لتطبيق “تفاهم سوتشي” الذي وقعته موسكو مع أنقرة عام 2019، وينص على التزام الجانب الروسي مع القوات السورية بإبعاد العناصر “الإرهابية” عن الشريط الحدودي، في إشارة إلى قوات “قسد”. وبالتالي تمتلك الحكومة السورية ورقة ضغط إضافية على “قسد” قد تشكل في نهاية المطاف أرضية لوساطة روسية بين الطرفين.

الاستقرار في الساحل السوري

تحتفظ روسيا إلى يومنا هذا بتأثير على القيادات السابقة في نظام الأسد، فهي تستضيف بشار وشقيقه ماهر، إلى جانب اللواء سهيل الحسن قائد الفرقة 25، ورئيس المخابرات العامة السابق اللواء حسام لوقا.

وبعد التحرك الذي نفذته فلول نظام الأسد في الساحل خلال مارس/آذار الماضي، وتصدي الحكومة السورية له، لجأ العديد من ضباط النظام السابق مع عائلاتهم وعائلات أخرى من محافظتي اللاذقية وطرطوس إلى قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية، لكن موسكو طلبت لاحقاً من العوائل المغادرة.

ومع حلول أغسطس/آب الجاري، تقلص أعداد الموجودين في القاعدة من 10 آلاف إلى مئات فقط، بموجب البيانات الصادرة عن مديرية منطقة جبلة بريف اللاذقية، حيث تتم عملية إخراج العوائل بالتنسيق بين الجانبين الروسي والسوري.

بالنظر للتعاون الروسي مع الحكومة السورية على تسهيل عودة العوائل التي لجأت إلى حميميم وعدم اتجاه موسكو للتصعيد سياسياً في هذا الملف، يفتح الباب أمام تعاون مستمر لضمان الاستقرار لاحقاً بالساحل السوري بعد المباحثات الإيجابية بين دمشق وموسكو.

ثقل روسيا بمجلس الأمن والتسليح

تمتلك روسيا حق النقض (فيتو) لأنها من ضمن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهذا يمنحها ثقلا سياسيا على الساحة الدولية.

ومنذ مطلع أغسطس/آب الجاري، يبحث مجلس الأمن مشروع بيان رئاسي -أعدته الدانمارك بخصوص سوريا- يدعو السلطات السورية إلى إجراء تحقيقات “شاملة وشفافة” حول أحداث السويداء، ومحاسبة مرتكبيها، مع إدانة استهداف المدنيين وحصول أعمال قتل جماعي في سوريا.

وتعطي إعادة هيكلة العلاقات السورية الروسية -على قاعدة المصالح المتبادلة- دمشقَ إمكانية الاعتماد على أكثر من طرف داخل مجلس الأمن لمنع صدور قرارات تضر بعملية الانتقال السياسي، خاصة وأن الولايات المتحدة والدول الغربية عادة ما تكون أقرب لمصالح إسرائيل في مواجهة دول المنطقة.

وقد سبق أن استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن ضد قرار غربي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وكان هذا التدخل لصالح الجيش السوداني لأن القرار يساوي بينه وبين قوات التمرد (الدعم السريع).

واللافت أن موقف روسيا أتى بعد أن قام الجيش السوداني أيضاً بإصلاح العلاقات مع موسكو التي كانت أقرب إلى المتمردين، ووفرت لهم الدعم عن طريق مرتزقة فاغنر، قبل أن يتم تطبيع العلاقات بين موسكو والخرطوم.

وقد تضمنت الاجتماعات السورية الروسية لقاء على مستوى وزيري دفاع البلدين، مع الإشارة إلى تطوير التعاون العسكري.

ولسنوات طويلة سابقة، اعتمدت سوريا على السلاح الروسي، وبعد سقوط نظام الأسد استحوذ الجيش السوري الحالي على المئات من المدرعات وقطع المدفعية الروسية، بالإضافة إلى بعض الطائرات، وغالب هذا العتاد يحتاج إلى قطع تبديل وصيانة.

وقد توفر العلاقة على المستوى العسكري لسوريا خيارات من أجل تحسين سلاح الجيش في ظل عدم وجود بوادر لموافقة دول غربية على إجراء صفقات سلاح مع دمشق، خاصة وأن موسكو لا تلتفت كثيراً إلى العقوبات وقرارات حظر الأسلحة، فهي مستمرة في توفير الدعم لقوات شرق ليبيا التي يقودها خليفة حفتر رغم قرار حظر التسليح للأطراف الليبية.

المكاسب الروسية من التطبيع مع دمشق

بالتوازي مع ذلك، فإن تطبيع العلاقات بين دمشق وموسكو سيحقق مكاسب للجانب الروسي، أولها إمكانية الاحتفاظ بنقاط ارتكاز عسكرية، على الأقل قاعدة طرطوس البحرية، وهي القاعدة الروسية الوحيدة بالبحر المتوسط، مما يتيح للأسطول الروسي عمليات الصيانة.

ومن جهة أخرى، تعتبر سوريا ممراً محتملاً للطاقة باتجاه أوروبا. وكما كافحت روسيا للحفاظ على نفوذها في ليبيا التي تعتبر هي الأخرى بوابة عبور الطاقة لأوروبا، فمن المتوقع أيضاً أن تسعى للحفاظ على تأثيرها بالساحة السورية في سياق السعي للضغط على أوروبا في ظل تصاعد التوتر بين الجانبين بعد الحرب الأوكرانية.

ويسود اعتقاد بأن منطقة شرق حوض المتوسط تحتوي على احتياطيات كبيرة من الغاز لم يتم استكشافها، ومن المتوقع أن يزداد التنافس الدولي على الاستثمار في التنقيب عن الغاز قبالة السواحل السورية مستقبلاً.

كما أن عودة روسيا إلى دور الوساطة مع إسرائيل -في الملف السوري الحساس بالنسبة لإسرائيل- ستوفر لموسكو قناة اتصال مهمة مؤثرة في الأوساط الغربية، ويمكن استخدامها مجدداً لمحادثات حول خفض التوتر بين الطرفين، والتفاوض حول مستقبل الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا.

إذن، ثمة فرص ومصالح متبادلة دفعت كلاً من موسكو ودمشق إلى إعطاء فرصة جديدة للعلاقات بين الجانبين، في محاولة لتجاوز الحقبة الماضية التي دعمت فيها روسيا بشار ضد المعارضة السورية الشعبية والمسلحة، وإن نجاح هذه المحاولة مرتبط بعوامل كثيرة أولها مدى قدرة دمشق على الموازنة في العلاقة بين موسكو والغرب.

المصدر: الجزيرة

———————-

هل تكبح زيارة الشيباني مداخلات موسكو في سورية؟/ سميرة المسالمة

04 اغسطس 2025

تحمل زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، موسكو، برفقة وفد يضمّ شخصيات من القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية، دلالات متعدّدة، تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو قراءة أوسع لدور سورية المتجدّد في المنطقة، فبعضهم يرى فيها خطوة لتعزيز موقع دمشق طرفاً فاعلاً يسعى إلى استعادة التوازن في علاقاته الدولية، خصوصاً بعد الانفتاح النسبي على المحيط العربي. لكن المبالغة في اعتبار هذا التقارب مع روسيا تحالفاً بديلاً عن الغرب، أو بداية معادلة جديدة بين الشرق والغرب، تغافل عن واقع معقّد؛ فالسوريون لا يملكون رفاهية المفاضلة بين المعسكرَين، في ظلّ معطيات إقليمية ودولية ما زالت تميل إلى كفّة الغرب. هذا بالإضافة إلى أن صورة روسيا، رغم أنها تاريخياً حليف سياسي وعسكري، لم تعد محصّنة في الوعي الشعبي السوري، لا سيما مع اهتزاز مكانتها الدولية وتراجع قدرتها التقنية، ما يجعل العلاقة معها تحمل صفة براغماتية، أكثر منها تحالفاً استراتيجياً شاملاً.

وبالنسبة إلى القيادة الانتقالية في سورية، تعزّز بهذه الزيارة شرعيتها على الصعيد الدولي مع أصدقاء وأعداء للثورة السورية، وضمن ذلك تأمين الأجواء التي تساهم بحذف اسم سورية من قائمة الإرهاب، بعَدّ روسيا عضواً دائماً في مجلس الأمن، وموقفها مهم على هذا الصعيد.

الأكثر أهمية اليوم الرسالة الداخلية التي تحملها هذه الزيارة الخارجية، بأشكالها، الدبلوماسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، فثّمة ما هو “وراء الأكمة” يمكن أن يقال عن هذا الانفتاح على روسيا، كطلب إيجاد كوابح لتدخّلاتها في الوضع السوري، بالنظر إلى وجودها العسكري في منطقة الساحل، وفي شمال شرقي سورية، إن بحكم العلاقات التي تربطها بشبكات تعمل في الساحل (كما تبيَّن في أحداث مارس/ آذار الماضي)، وكما هو الحال، بالنسبة إلى العلاقات التي تربطها بقوات سوريا الديمقراطية (قسد). في هذين الإطارين، يمكن فهم هذه الخطوة السورية، بالنظر إلى أن روسيا وإيران الطرفان الدوليان الوحيدان اللذان كانا شريكَي النظام (فعلياً) في حربه ضدّ معظم الشعب السوري، لذا يمكن أن تحيّد الزيارة (وما هو مأمول بعدها) روسيا، وتعزّز عزلة إيران، وتضعف أي مداخلاتٍ لها في سورية.

طبعاً، ثمّة ملفّات عديدة يُفترض أن القيادة السورية فتحتها مع القيادة الروسية، فثّمة العلاقات التجارية والاقتصادية، واتفاقات التعاون الموقّعة بين الطرفَين في مجالات التجارة والبنى التحتية والتعليم، في مرحلة ارتهان النظام السوري السابق لروسيا، لأنها القوة التي تعلو عليها في سورية خلال حرب نظام الأسد على شعبه، وهذا ما تريد الحكومة السورية الحالية مراجعته من منظور “الدولة الندّية”، وتجلّى ذلك في اتفاق الطرفَين على إعادة تفعيل اللجنة السورية الروسية المشتركة، التي ستكون مهمتها التنسيق بين سورية وروسيا على مستوى ملفّات السياسة والأمن والاقتصاد.

ورغم التعقيدات المحيطة بالزيارة، فقد لا تغفل القيادة السورية طرح ملفّ تعويض السوريين عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بهم خلال سنوات الحرب، وهي لا تقتصر على الخسائر البشرية، بل تشمل الدمار الواسع في البنى التحتية والعمران. من هذا المنطلق، يمكن أن تكون الزيارة إلى موسكو محاولة لإعادة ضبط ميزان العلاقة مع الحليف الروسي، وربط الدعم السياسي والعسكري بالتزامات مادية وإنمائية حقيقية. ولعلّ ذلك يخفّف من استغراب السوريين من جدول الزيارة، خصوصاً في ظلّ تصاعد الأحداث الداخلية، وبعضها ربّما بتحريض من أطراف لا تزال تستند إلى مظلّة روسية. الأمر الذي على ما يبدو ظهر من خلال التحقيقات في أحداث الساحل، وما يمكن فهمه من إشارة الوزير الشيباني إلى المساعدة في ملفّ العدالة الانتقالية.

ففي ظلّ التوترات الداخلية والتعقيدات الدولية حولها، يبدو الانفتاح على موسكو خطوة ضرورية، لكنّها ليست كافية ما لم تُستكمَل برؤية متكاملة تعلي المصلحة الداخلية على ما دونها، فالدبلوماسية الناجحة التي انتهجتها القيادة الانتقالية لسورية، وحققت علاقات ندّية مع دول كثيرة، تحتاج أيضاً إلى تعريف جديد للعلاقات الخارجية، وإلى وضعها وسيلة لتعزيز الاستقرار الوطني لا تعويضاً عنه، فالداخل السوري هو الذي يعطيها تلك القوة المؤثّرة على طاولة المباحثات الخارجية، أياً كانت صفة الدولة التي تتفاوض (أو تتنازع معها) على أدوارها داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، ما يوجب على القيادة السورية الجديدة اعتماد نهج شفّاف وواضح في علاقتها، وإدارة الأولويات الداخلية والخارجية بمنطق المكاشفة والمصالحة والتسامح.

العربي الجديد

—————————

ملف بشار ثانوي والقواعد العسكرية أهمّ… أيّ مستقبل للعلاقات السورية الروسية؟/ جعفر مشهدية

سياسة نحن والتنوّع سوريا – دول الجوار – العالم

الاثنين 4 أغسطس 2025

يوم الخميس 31 تموز/ يوليو الماضي، وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، على رأس وفد رفيع، إلى العاصمة الروسية موسكو، في زيارة هي الأولى منذ “تحرير سوريا” إلى الدولة التي لطالما عُدّت الحليف الأبرز لنظام بشار الأسد، والتي لا تزال تستضيفه وأسرته منذ فراره من البلاد فجر الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.

التقى الشيباني بادئ الأمر بنظيره الروسي سيرغي لافروف، وعقدا مؤتمراً صحافياً صرّح الوزير السوري خلاله بأنّ بلاده تمرّ “بمرحلة مليئة بالتحديات”، وبأنّ هناك فرصاً كبيرةً لسوريا، معلناً: “نطمح إلى أن تكون روسيا بجانبنا”، و”تتطلّع سوريا إلى إقامة علاقات صحيحة وسليمة مع روسيا، قائمة على التعاون والاحترام” المتبادلَين.

وتابع الشيباني: “هناك بعض الحكومات التي تُفسد العلاقة بين سوريا الجديدة وروسيا، ونحن هنا لنمثّل سوريا الجديدة، ونرغب في فتح علاقة سليمة وصحيحة بين بلدَينا، ونطمح إلى أن تكون روسيا إلى جانبنا في مسارنا، وعملنا منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي على ملء الفراغ السياسي، واستطعنا الحفاظ على مؤسّسات الدولة”.

بدوره، أعرب لافروف عن أمل موسكو في حضور الرئيس السوري أحمد الشرع، القمة الروسية العربية الأولى المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، متمنّياً أن يتجاوز الشعب السوري التحديات، وأن يعود الوضع في سوريا إلى طبيعته بالكامل، معلناً الاتفاق على إجراء مراجعة شاملة للاتفاقيات كلها بين البلدين.

بعد ذلك، التقى الشيباني برفقة وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات العامة حسين سلامة، بوزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، في العاصمة الروسية موسكو، وجرى خلال اللقاء بحث عدد من القضايا العسكرية المشتركة بما يخدم العلاقات السورية الروسية.

وقبيل انتهاء الزيارة، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والوزير الشيباني، وأكدت الخارجية السورية، في بيان لها نشرته وكالة “سانا”، أنّ اللقاء شكّل انطلاقةً لمرحلة جديدة من التفاهم بين البلدين تقوم على احترام سيادة سوريا ودعم وحدة أراضيها، وأكد أنّ سوريا ملتزمة بتصحيح العلاقات مع روسيا على أسس جديدة تراعي مصالح الشعب السوري، وتفتح آفاق شراكة متوازنة، وأنّ الرئيس الروسي عبّر عن رفض بلاده أي تدخّلات إسرائيلية أو محاولات لـ”تقسيم سوريا”، وأعرب عن التزام موسكو بدعمها في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

وبعيداً عن التطمينات الدبلوماسية والإشادات المتبادلة، يبدو مستقبل العلاقات السورية الروسية ما بعد الأسد غير واضح المعالم، ولا سيّما أنّ موسكو لا تزال توفر الحماية لهذا الأخير الذي يأمل سوريون كثر في أن يخضع لمحاكمة عن جرائم نظامه. وربما هذا ما أخّر التواصل الرسمي بين البلدين، وهو ما يثير تساؤلات حول التحديات التي تواجه هذه العلاقات وحول أهمية روسيا للسلطة الجديدة في دمشق.

زيارة صادمة

أثارت زيارة الوفد السوري لموسكو صدمةً في الأوساط السياسية السورية، فقد جمعت موسكو ونظام الأسد علاقات إستراتيجية وعضوية على مدار عقود، وعقب سقوط النظام واجهت هذه العلاقات تحديات كبيرةً لأسباب لعلّ أهمها تدخّل روسيا ودعمها للنظام السابق وعملها الدؤوب على تثبيته في الحكم، ثم استقبال رأس النظام وكبار رموزه بعد هروبهم من دمشق، ما جعل المتابعين للشأن السوري يتساءلون عن الطريقة التي قد يتم من خلالها بناء علاقات جديدة مع حليفة الأسد الكبرى، في ظلّ وجود ملفات شائكة عالقة بين البلدين، بما في ذلك مصير القاعدة العسكرية الروسية في حميميم السورية، ومصير الاتفاقيات التي وقّعتها موسكو مع بشار قبيل إسقاطه، وذلك بالنظر إلى المستجدات في الملف السوري وكثرة الدول الفاعلة فيه، ومن بينها روسيا برغم خسارتها السياسية بسقوط الأسد.

“تطلّع إلى المستقبل دون نسيان الماضي”

يوضح المحلل السياسي بسام السليمان، لرصيف22، أنّ “الانفتاح على روسيا يأتي ضمن سياقين مهمّين، أولهما إسقاط النظام الذي عقد جملةً من المعاهدات المجحفة بحق سوريا، وعليه يجب تحويل هذه الاتفاقيات إلى فرصة للشعب السوري، وثانيهما ترسيخ نهج سوريا الجديدة المتمثّل في ‘الدبلوماسية المتوازنة مع الجميع’. فبعد الانطلاقة الجيدة مع الغرب، لزم فتح علاقات متوازنة مع الشرق لتحقيق التوازن في العلاقات مع المجتمع الدولي التي ترغب سوريا في أن تكون ضمنه بعيداً عن التكتّلات”.

يضيف السليمان، أنه “عندما تحدّث الوزير الشيباني عن موضوع العدالة الانتقالية من قلب موسكو، فقد قصد بذلك أنّ سوريا لم تنسَ الماضي، خصوصاً ملف بشار الأسد. لكنها، برغم الجرح الكبير، تنظر نحو المستقبل مع وجود تحديات كبيرة لا يمكن إدارتها بعقلية ثابتة، خاصةً أنّ روسيا دولة ذات وزن عسكري، وحضور في سوريا، والعلاقة بين البلدين -بعيداً عن حقبة بشار- هي علاقة ممتدة لسنوات، وتوجد بين الشعبين علاقات واسعة بدليل وجود ماهر الشرع، شقيق الرئيس أحمد الشرع، الذي درس في روسيا، ضمن الوفد الزائر، بالإضافة إلى أنّ لروسيا دوراً كبيراً في مشاريع سابقة، مثل سدّ الفرات. لذا، يجب عدم قطع العلاقات مع عدم نسيان الماضي، والتطلّع نحو المستقبل، ما يجعلنا نضع ذلك كعنوان رئيسي للزيارة”.

موسكو تختبر جدّية دمشق

بدورها، تعتمد خرّيجة العلوم السياسية من روسيا، كيناز الأحمد، في تحليلها لزيارة الوفد الرسمي السوري إلى روسيا على معطيات عدة تستند إلى قوة موسكو أمام دمشق. وتقول لرصيف22، إنّ “استقبال موسكو للوفد السوري ولقاء بوتين به لهما دلالات عدة، أولاها رسالة للإدارة الجديدة وللدول الفاعلة في الملف السوري بأنّ روسيا لم تخرج من سوريا وليست لديها نية لذلك، ولا تزال مؤثِّرةً في هذا الملف، وتريد القول إنها منفتحة على بناء علاقات جديدة ولو لم تكن بقوة التحالف العضوي مع نظام الأسد نفسها، بل علاقات قائمة على مبدأ تبادل المصالح”.

وعليه، والحديث لا يزال للأحمد، فإنّ هذه الزيارة تأتي وفق العقل الروسي لجسّ نبض الإدارة السورية الجديدة واختبار مدى استقلاليتها في اتخاذ القرار ونضجها السياسي. “ففي حال كانت هناك جدّية وقدرة من طرف الإدارة الجديدة، فإنّ موسكو ستتحرّك نحو بناء علاقات مع دمشق، وفي حال لم تملك دمشق الجدّية والقدرة فإنّ لموسكو وسائل ضغط تحفظ لها مصالحها، كالعلاقات الجيدة مع الأكراد، والوجود العسكري في حميميم، وحتى العلاقات النسبية مع إسرائيل”، تشرح.

بداية الطريق…

أما المحلل السياسي والمحامي باسل حوكان، فيرى في حديثه إلى رصيف22، أنّ “علاقات الدول تعتمد على ما يتحقّق لكل أطراف المعادلة من مصالح مرحلية وإستراتيجية، خاصةً في الحالة السورية وفي علاقات سوريا التقليدية مع الروس، برغم اختلاف معطيات المرحلة وانقلابها. والزيارة التي قام بها الشيباني بدعوة روسية، على أهميتها، لا تشكّل أكثر من مسألة إعادة نظر في العلاقة السورية الروسية بشكل تفاوضي يحقّق إلى حد كبير السمات الرئيسية لمستقبل هذه العلاقة، بمعنى أننا ما زلنا في بداية الطريق”.

ويعتمد مستقبل العلاقة بين دمشق وموسكو، وفق حوكان، على محدّدات عدة منها: “القواعد العسكرية الروسية في سوريا، والتي تحتاج إلى إعادة رسم الآليات التوافقية لمستقبلها، فلا يمكن (عمليّاً) الانقلاب على هذه الأوضاع بكبسة زر من الحكومة السورية. كذلك الحال بالنسبة إلى جملة المعاهدات الاقتصادية الموقّعة بين البلدين في قطاعات عدة بشكل ملزم قانونياً لكليهما، ما يعني استمرارها مع ضرورة إعادة النظر فيها لترميمها. كما أنّ لروسيا نقاط ارتكاز من شخصيات سورية اقتصادية وسياسية وأمنية، وهي تسعى إلى إعادة تدوير بعض هذه الشخصيات، والزجّ بها في التشاركية المفترضة للحكومة السورية القادمة، التشاركية التي تطالب بها الدول المعنية بالملف السوري”.

روسيا… لاعب دولي تحتاجه دمشق

إلى ذلك، يصف حوكان روسيا بأنها “لاعب عالمي ممتاز، وترتبط بعلاقات تصل إلى حد التحالف مع دول مؤثِّرة في الملف السوري، مثل تركيا وإسرائيل وحتى إيران، ولا يمكن التغاضي عن دورها السياسي المهم لإعادة رسم الخريطة السورية ليس جغرافياً، وإنما في مسارات شكل وطبيعة الحكم والعلاقات. يتبع ذلك أنّ الحكومة السورية تميل وبتوجيه شرطي إلى بناء جديد مؤسَّس على ‘صفر مشكلات’، ما يعني أخذ الجانب الروسي بعين الاعتبار، خصوصاً أنه لا يمكن نكران ما له من تأثير قوي مستمر، ولو بشكل أقلّ، في الداخل السوري، خاصةً مع بقاء أعداد كبيرة من عناصر المنظومة الأمنية العسكرية والحكومية التابعة للنظام السابق، ما يجعل من المفيد تحييد روسيا عن المشاركة في أيّ توجّهات تصعيدية في الداخل من خلال دعمها المحتمل لأيّ حركات تمرّد تستهدف الحكم الجديد”.

ومن زاوية أخرى، ينبّه حوكان إلى أنّ “الغرب، وبرغم مظاهر التصعيد، يحاول غلق ملف الصراع الروسي الأوكراني، ولا تزال سوريا ومطامع روسيا فيها إحدى أوراق الإغراء السياسي التي من الممكن التلويح بها للروسي مقابل وقف الحرب الأوكرانية. فأمريكا (برئاسة دونالد) ترامب، تأمل في غلق كل ملفات الصراع في الشرق الأوسط وتحقيق ‘السلام الإبراهيمي’، وليس مبالغةً القول إنّ ترامب اللاهث خلف نيل جائزة نوبل للسلام، لا يرغب في تحييد روسيا كقوة مؤثِّرة في هذه الملفات، خاصةً مع علاقة حميمية تحالفية تجمعها بإسرائيل، فضلاً عن أنّ تركيا، اللاعب الأكثر تأثيراً في الملف السوري راهناً والتي تعاني تاريخياً من علاقات متوترة بأوروبا بسعيها لمحاولة تحييدها كلاعب عالمي قدر المستطاع، هي أيضاً تحتاج إلى قوة داعمة لها، ولو بالحدّ الأدنى، في جملة التفاهمات القادمة لإنهاء الصراعات الشرق أوسطية”.

كما أنّ العلاقة مع روسيا وضمان تفاهمات واسعة شاملة، والحديث لحوكان أيضاً، يعنيان بالنتيجة تحييد إيران، وضمان تفاهمات قادمة محتملة جداً معها، و”ربما نرى في قادمٍ ليس بعيداً، لقاءات مشابهةً بين السوري والإيراني لوضع حجر الأساس لعلاقة تحفظ مصالح الطرفين بشكل توافقي. وعلى الجانب الآخر، برغم الخصوصية المطلقة للسياسة الصينية الهادئة في العالم والمنطقة، فإنّ التوافق مع روسيا يُعدّ بشكل أو بآخر وثيقةً مبدئيةً لتوافق روسي أمريكي في ما يتعلّق بالمصالح الصينية في المنطقة، خاصةً ما يتعلق منها بمبادرة الحزام والطريق، وتعارضه الجيواقتصادي مع ممر داود”.

هل روسيا مهمة لدمشق؟

في غضون ذلك، يرى الناشط السياسي حسين شبلي، أنّ “أهم محدّدات السياسة الخارجية لأيّ دولة، نسج سلوك دولي يضمن لها أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية كأولوية موازنة بين ما تقدِّمه وما تحصل عليه في علاقاتها مع الدول، والدفاع عما تتبناه من قيم وأفكار لتكون السياسة الخارجية الوجه الذي يتعرّف من خلاله العالم عليها، ويتخذ قراراته بخصوص علاقاته معها في المقابل. لذا، لنا أن نتساءل: هل لدى روسيا ما تقدّمه للإدارة السورية من ناحية الأمن والمصالح العليا كما تقدّرها الإدارة الحالية في دمشق؟ نعم، نسمع عن دور قد تلعبه روسيا للتقريب بين دمشق وتل أبيب، وضمان تفاهمات كالتي رعتها سابقاً لأجل الأسد. لكن هذه المقاربة، في اعتقادي، غير سليمة، وذلك لأنّ الدور الروسي كان مهماً لإسرائيل في أثناء الوجود الإيراني لضبطه، بل إن قبول الدور الروسي المتزايد شرقي المتوسط كان أصلاً لكبح النفوذ الإيراني في سوريا عبر ميليشياتها المسلحة”.

ويسأل شبلي، في حديثه إلى رصيف22: ماذا تبقّى من هذا كله في واقعنا الحالي؟ ثم يجيب: “إيران خرجت وغدت الحرب مباشرةً بينها وبين إسرائيل، وما كان إسلاماً غير مقبول ويتم التعاون بين الغرب وروسيا لقتاله، تمت مباركة وصوله إلى الحكم في سوريا بدعم أمريكي للشرع لم يعُد خافياً، عسى أن تغني روسيا عن واشنطن في كبح تل أبيب عن بناء منطقتها العازلة في الجنوب السوري”.

ويشدّد شبلي على أنّ “بوتين مقبول أكثر من (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان كوسيط بين الشرع و(رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بنيامين) نتنياهو. لكن هذا المنطق قبلناه في بداية حكم الإدارة الحالية، عندما كانت أمريكا تنأى بنفسها عن حسم موقفها تجاه الحكم الجديد، ولكن تحوّل واشنطن من متفرج إلى فاعل يعني أنّ العلاقة بين دمشق وتل أبيب ليست بحاجة إلا إلى واشنطن، فلا صوت يعلو فوق صوت أمريكا”.

“أما عن التسليح، فلن يحتلّ موضوع تسليح سوريا أهميةً اقتصاديةً لأيّ دولة طالما أنه لا نية في سوريا لخوض صراعات إقليمية، باستثناء دور محتمل يروَّج له إعلامياً تجاه حزب الله، كما لا توجد نية إسرائيلية لقبول سوريا وازنة عسكرياً، فلا إغراءات مالية بتأمين البندقيات والرشاشات وبعض عربات النقل العسكرية، ويمكن لأيّ دولة حليفة لإسرائيل أن تتولّى هذه المهمة دون حاجة إلى الروس، فالقرار الأمريكي ركّز الأنظار في سوريا على الاستثمارات والأبراج بعيداً عن ذكر السيادة أو الديمقراطية”، يستطرد شبلي.

ويستخلص الناشط السياسي مما سبق، أن “تشكّل شرعنة الوجود الروسي في الساحل من جديد أهميةً قصوى لروسيا لا تقابلها إغراءات بالقدر نفسه للسوريين، خصوصاً أنّ الحديث عن تسليم الأسد إلى دمشق لمحاكمته مستبعد، بل أظنّه مستحيلاً، لأنّ روسيا ستدفع ثمنه مضاعفاً من هيبتها التي لم يبقَ الكثير منها. في المقابل، لن يكون هذا الثمن كافياً للشرع لكي يشرعن الوجود الروسي، خصوصاً أنّ محاكمة الأسد لن تُقدّم إلا فاصلاً دعائياً يشتري به بعض الوقت ولن تحلّ أيّاً من المشكلات الحقيقية التي تعترض دمشق اليوم لترسيخ حكمها داخلياً”.

ملف بشار الأسد ثانوي

يتفق حوكان مع شبلي، في أنّ ملف منح روسيا اللجوء الإنساني لبشار الأسد، مسألة ثانوية برغم أهميتها القصوى “شعبياً”. ويتوقّع أن يخضع هذا الملف لجملة من الاستنزافات والمقايضات التي تحدّد مستقبلاً غير واضح المعالم إلى اليوم، وربما يذهب إلى حسم أقل من المتوقع بكثير في المدى المنظور. وتبقى مسألتان مرتبطتان ببعضهما عضوياً، التحدّي الأكبر والمطلب الأهم أمام الحكم الجديد، في رأي حوكان: إنهاء الفصائل الراديكالية لبناء منظومة حكم تعدّدية، والتطبيع مع إسرائيل، وهذا لا يمكن بناؤه إلا بتحييد الأطراف صاحبة المصلحة بعدم استقرار نظام الحكم السوري.

ليونة روسية واجبة

ويقرأ حوكان، العقل الروسي في التعامل مع سوريا على أنه “يدرك تماماً أنّ عهد المحاور والأحلاف انتهى بشكل كبير، خاصةً بشكله العسكري، فاليوم تتجه الأنظار أكثر من ذي قبل نحو التوافقات التي تعزّز المصالح الاقتصادية كبوابة للسيطرة على العالم سياسياً. وفي هذا، تدرك روسيا أنّ مصالحها في سوريا القادمة تحتاج إلى ليونة كبيرة للحفاظ على مكتسباتها في البلاد، وحجز موقع في عملية إعادة الإعمار وجملة الاستثمارات العملاقة التي يخطط لها الجميع في سوريا، وهذا يحتاج إلى المال لإثبات الوجود، وبهذا نعتقد أنّ الغربي، الأوروبي والأمريكي، واثق من قدرته على تحييد المال الروسي المتواضع (بالتقابل) في عملية إعادة الإعمار، خاصةً أنّ مال شريكه الخليجي، تحديداً السعودي، صاحب الحظوة الأكبر في المعادلة السورية القادمة”.

الإدارة الجديدة تقرأ روسيا بعين أخرى

وتُدرك الدولة السورية الجديدة، بحسب شبلي، أنّ روسيا لم تأتِ لحماية الأسد بشخصه، فلا مقارنة بين دور الاتحاد السوفياتي مع الأسد الأب، ودور روسيا مع الأسد الابن، إذ لم تعد روسيا القطب الذي يدافع عن أي حليف له بمعزل عن الفائدة كما كان الحال أيام الحقبة الأيديولوجية للشيوعية.

ويشرح: “روسيا تبحث الموضوع وظيفياً، ولهذا تدخّلت في سوريا لمنع التغيير الذي كانت تنظر إليه بعين الريبة. فروسيا، عبر التاريخ، باستثناء الحقبة الشيوعية، لم تكن مصدراً للثورات والأفكار، بل كانت بشكل دائم تنظر إلى أيّ تغييرٍ في أي ساحة دولية بريبة على اعتباره جزءاً من المخططات الغربية. لذلك، كانت في كل حلف يقمع الثورات والتغيرات العالمية، من ائتلاف الروس مع أعداء الثورة الفرنسية، إلى دعمهم الملكيات ضد ثورات ربيع الشعوب عام 1848، إلى قمعهم ربيع براغ، ومعاداة ما عُرِفَ لاحقاً بالثورات الملوّنة”.

ويلفت شبلي إلى أنه “لذلك، كان دعم الأسد من جنس الدور التاريخي لروسيا وهو لن يكون عائقاً بذاته ولا سيّما أنّ روسيا -التي كانت جزءاً من التنافس الدولي لفرض مصالحها فدعمت الأسد وأبقته في الحكم- لم تعُد كما كانت. فالنظام الدولي عزلها وأضعفها بعد الحرب الأوكرانية، حتى لم يعد لموسكو بوتين مكان يرضيها في النظام الحالي. لذا، لا يهمّ إن تناست دمشق إمبراطوريةً دعمت طاغيتها بالأمس وباتت تحتضر اليوم”.

إلامَ تحتاج دمشق من روسيا؟

وعما تحتاج إليه دمشق اليوم من الانفتاح على موسكو، يقترح شبلي: “شراء الوقت وعدم استعداء الروس حالياً، كي لا تلعب موسكو بورقة الساحل السوري مستغلّةً صلاتها ببقايا الجيش السوري السابق في وقت تتعقّد فيه ساحات كانت تبدو أقلّ تمرّداً وأسهل مراساً، ولن تضطر الإدارة السورية إلى عملٍ عسكري كي تدمجها في المركز. أما الساحل، فمنذ البداية كان محط أنظار الجميع كبؤرةٍ متوقّعة للتمرّد على الحكم الجديد، والسلاح الذي قد تستخدمه موسكو وطهران للتفاوض مع دمشق تحت النار، وإذ بشرق الفرات والسويداء يسرقان الأضواء برغم اعتقاد حكّام دمشق الجدد بأنّ نيل رضا أمريكا كافٍ لبسط حكمها على كامل أراضي سوريا”.

ويردف الناشط السياسي: “لكل ما سبق، يطمح الشرع اليوم إلى تفادي الصدام مع الروس قبل تبريد بقية الملفات. فالساحل أخصب البقع للتمرّد والخروج عن المركز مستهدياً بالإدارات الذاتية كنموذج للخروج على دمشق، ثم التفاوض على شكل الاندماج. لا أظنّ الشرع ينظر إلى العلاقة مع موسكو بأبعد من ذلك، خصوصاً أنّ العالم الذي فشلت فيه موسكو في حماية الأسد والإبقاء على حكمه لم يتغيّر بعد، بل إن روسيا تعرّضت بعد زعزعة نفوذها في سوريا لأكثر من ضربة في أوكرانيا”.

البراغماتية شعار المرحلة

ويضيف أنّ الإدارة السورية، منذ البداية، تقدّم أيّ عملية تفاوض مع الخارج على أنها طريق لا غنى عنه لجعل حياة السوريين أفضل. وعليه، كل خطاب راديكالي تبنّته هيئة تحرير الشام سابقاً، يتم التنازل عنه اليوم من قبل إدارة الشرع تحت مسمّى الصالح العام، لتبدو الدولة في موقع “المضحِّي”، كما أنّ “الشعب الذي لم يأبه كثيراً لأنباء تفاوض حكومته مع تل أبيب وعدم شفافيتها معه بخصوص مصير الجولان السوري المحتل، لا أظنهُ سيكون أكثر امتعاضاً تجاه المفاوضات مع موسكو”.

ويختم شبلي بأنّ “منطق الطرفين من الزيارة قائم على أنّ الحديث أفضل من الصمت، والسير نحو إصلاح العلاقات أفضل من الوقوف والانتظار. فدمشق تراهن على سياسة خارجية مرنة تُكسِبها في الداخل بعضاً من الثمن الذي تنفقه في الخارج، وروسيا تراهن على إبقاء العالم في حالةٍ من الصراع المضبوط طالما أنها في حالة استنزاف في أوكرانيا، فكل ما يهمّ الطرفين هو البقاء بغض النظر عن الكيفية… المهم أن يقدّم أقلَّ قدرٍ من التنازل في صراعه المركزي، وصراع روسيا المركزي هو أوكرانيا، بينما يبدو صراع دمشق المركزي مع بقية القوى السورية الطامحة إلى دور أكبر في مرحلة ما بعد الأسد”.

في النهاية، يبدو أنّ غالبية الشعب السوري وصلت إلى مرحلة التدجين القصوى في قبولها السياسات الحكومية الخارجية، مقابل الحصول على “الأمان”، والعيش ربما بالحد الأدنى من الكرامة، وهناك ملفات يسعى السوريون لإغلاقها، وأهمها الوضع المعيشي والوضع الأمني، ما يعني ضرورة أن يتحرك حكّام سوريا الجدد لتنفيذ المطلوب منهم دولياً، وبناء نظام حكم مدني تشاركي، وإنهاء دور الفصائل الراديكالية الأكثر تطرفاً على الأرض، وإلا فإنّ كل اللقاءات والتوافقات ستنتهي إلى اللاأثر بفعل ما قد يعدّه الغرب مماطلةً في تحقيق المطلوب على غرار مماطلة بشار الأسد التي انتهت بإسقاطه.

رصيف 22

————————-

زيارة سورية إلى موسكو: جسّ نبض متبادل وتعقيدات الماضي تفرض حضورها/ أغيد حجازي

1 أغسطس 2025

في خطوة لافتة تعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقات الثنائية، أجرى وفد رسمي من الحكومة السورية زيارة إلى العاصمة الروسية موسكو، ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. الزيارة التي جاءت في توقيت سياسي حساس داخليًا وإقليميًا، فتحت الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التحولات في العلاقة السورية الروسية بعد سقوط النظام السابق، ومدى استعداد موسكو للتعامل مع السلطة الانتقالية في دمشق.

وفي هذا السياق، قال الصحفي المتخصص بالشأن الروسي، فراس المارديني، لموقع “الترا سوريا” إن زيارة الوزيرين السوريين إلى روسيا كانت متوقعة بطبيعة الحال، موضحًا أن روسيا تبقى دولة عضوًا في مجلس الأمن الدولي وفاعلة في المنطقة، ما يجعل مثل هذه اللقاءات ضرورية، وذلك رغم التحفظات السابقة لدى السلطة السورية تجاه موسكو بسبب دعمها للنظام السابق.

وأوضح المارديني أن الوجود الروسي في سوريا لا يزال فاعلًا من خلال القواعد العسكرية، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الملفات التي يمكن بحثها بين الجانبين، منها ما يرتبط بقرار مجلس الأمن 2254، لافتًا إلى أنه في حال عُقدت جلسة أممية لمراجعته أو تعديله، فإن الموافقة الروسية تظل ضرورية، وهو ما يعزز استمرار الدور الروسي في الشأن السوري.

ومن جانبه اعتبر المستشار السياسي، الدكتور باسل الحاج جاسم، أن الزيارة التي قام بها الوفد السوري إلى موسكو تمثّل “خطوة حاسمة لإعادة تأسيس العلاقات السورية الروسية على أسس جديدة”، مشيرًا إلى أن هذا المسار يجري بعيدًا عن مرحلة حكم بشار الأسد، مع مراجعة الاتفاقيات السابقة والتعهد بمستقبل مشترك بين الطرفين.

وأوضح جاسم لـ”الترا سوريا” أن روسيا، رغم كونها “الداعم الأكبر لنظام الأسد سياسيًا وعسكريًا لعقد من الزمن”، فإنها لم تتدخل بكل ثقلها لمنع سقوطه في نهاية عام 2024، بل منحت له اللجوء السياسي على أراضيها بعد الإطاحة به، وهو ما عدّه “مؤشرًا على براغماتية موسكو وتحوّل في أولوياتها”.

وأضاف أن زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، تعكس “تحولًا عمليًا في نهج القيادة السورية الجديدة”، إذ تسعى دمشق للحفاظ على التواصل مع موسكو من أجل “ضمان استمرار الدعم والمصالح الاستراتيجية”، وفي مقدمتها استمرار عمل القواعد العسكرية والمساهمة في إعادة الإعمار.

ملف الدفاع والتعاون العسكري

وفي الجانب العسكري شدد جاسم على أن زيارة الوزير أبو قصرة تعكس “الأهمية المتزايدة للقضايا الأمنية والعسكرية في هذه المرحلة”، مبينًا أن حضور وزير الدفاع “مؤشر على تركيز القيادة السورية الجديدة على ترتيب العلاقة مع روسيا في الملفات الأمنية، وعلى رأسها مصير القواعد العسكرية والتنسيق ضد التهديدات الإقليمية”.

وأشار إلى أن المباحثات تناولت “الوضع العسكري والاقتصادي”، لا سيما مستقبل القواعد الروسية في سوريا، مثل قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية، حيث طُرحت شروط تشغيلها مع الحكومة الجديدة على طاولة النقاش.

كما لفت إلى أن التنسيق بين الطرفين شمل أيضًا “مواجهة التحديات الإقليمية”، وعلى رأسها الضربات الإسرائيلية والتهديدات التي تمثلها الجماعات المتطرفة، موضحًا أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جدّد دعم بلاده لـ”جهود دمشق في حماية الأقليات والحفاظ على استقرار البلاد”.

كما كشف المارديني أن هناك جوانب متعلقة بعملية التسليح، في ظل اعتماد الجيش السوري الحالي على السلاح السوفيتي والروسي، مما يجعل الانتقال إلى نماذج غربية عملية صعبة في الوقت الراهن. وأشار إلى احتمال تقديم سوريا طلبات للحصول على أنواع معينة من الأسلحة، ما يفسر البعد العسكري للزيارة.

موسكو بين المصالح والتحفّظات

وأكد الجاسم أن الطرفين اتفقا على “مراجعة جميع الاتفاقيات السابقة الموقعة مع النظام السابق”، مشيرًا إلى أنه تم تشكيل لجنتين حكوميتين مشتركتين بين موسكو ودمشق لـ”إعادة تقييم العقود بالشكل الذي يخدم المصلحة الوطنية السورية”.

وفي ملف الإعمار، أشار إلى أن موسكو أكدت استعدادها لـ”المساهمة في جهود إعادة البناء وتوفير الدعم الدولي”، لا سيما في ظل العقبات التي تواجه الحكومة السورية الانتقالية.

ورأى المارديني أن روسيا، شأنها شأن أي دولة، تنطلق من مصالحها، وهي اليوم تتعامل مع الواقع الجديد في سوريا، حيث هناك حكومة مؤقتة تُمهد لمرحلة انتقال سياسي. وأضاف أن موسكو تنظر إلى المشهد من زاوية المصالح، وتسعى إلى بناء علاقات واقعية مع السلطة الجديدة.

وشدد المارديني على أن روسيا لديها مصالح بالبقاء كلاعب فاعل في سوريا، وفي منطقة الشرق الأوسط عمومًا، حيث تعمل على تعزيز انفتاحها على مختلف الدول العربية، وتلعب دورًا مهمًا في ملفات مثل القضية الفلسطينية وسواها من الأزمات الإقليمية.

لغة دبلوماسية مغلّفة في مؤتمر موسكو

وفي مؤتمر صحفي مشترك أشار الشيباني مع نظيره الروسي إلى أن بلاده تريد “فتح علاقة صحيحة وسليمة بين البلدين قائمة على التعاون والاحترام المتبادل”. كما أضاف الشيباني “نمر بمرحلة مليئة بالتحديات وهناك فرص كبيرة لسوريا ونطمح لأن تكون روسيا بجانبنا”. من جهته، قال لافروف “بالطبع، نأمل أن يتمكن الرئيس الشرع من المشاركة في القمة الروسية العربية الأولى، المقرر عقدها في 15 تشرين الأول/أكتوبر المُقبل”.

ولفت المارديني إلى أن الشيباني ألمح بوضوح إلى ماضي العلاقة بين روسيا والنظام السابق، وهو ما اعتُبر تصريحًا لافتًا في سياق المؤتمر، في حين قابل لافروف هذا التلميح بإشارات مقابلة إلى تاريخ الحكومة السورية الحالية، متحدثًا عن مجازر الساحل وأحداث السويداء، مما أضفى على المؤتمر طابعًا حذرًا لا يخلو من التوتر الدبلوماسي.

وأكد المارديني أن المؤتمر لم يكن سلسًا على مستوى الانفتاح، بل سادته رسائل مباشرة وغير مباشرة من الطرفين. وأشار إلى أن لافروف استخدم مصطلحات دقيقة عند توصيفه للواقع السوري، ملتزمًا بتوصيف “الحكومة المؤقتة”، وتجنبًا لاستخدام ألقاب رسمية مثل “فخامة الرئيس” عند الإشارة إلى أحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقالية، أو لوزير الخارجية الشيباني.

واعتبر المارديني أن ما جرى خلال المؤتمر يعكس مرحلة “جس نبض” حذرة بين الطرفين، مؤكدًا ضرورة التذكير بأن فصائل كـ”جبهة النصرة” أو “هيئة تحرير الشام” – بمختلف مسمياتها – لا تزال مصنفة على قوائم الإرهاب في روسيا، ولم يُرفع هذا التصنيف حتى اللحظة.

حسابات موسكو وتطلعات دمشق الجديدة

كما تطرق لافروف خلال المؤتمر الصحفي إلى ملف الأقليات قائلًا: “ندعم توفير فرص للمشاركة في الحكومة، بما في ذلك تمثيل الكرد”، معربًا عن دعم روسيا لـ اتفاقيات حفظ السلام على الحدود السورية الإسرائيلية.”

في هذا الإطار، أوضح المارديني أن موسكو تسعى للمشاركة في معظم الملفات السورية، بما يضمن لها الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. أما فيما يخص الكرد، فقد أشار المارديني إلى أن الدور الروسي سيظل محدودًا مقارنةً بالدور الأميركي، بسبب العلاقات التاريخية بين “قسد” والولايات المتحدة، وتوتر العلاقات الروسية – الأميركية.

وأكد المارديني أن الحديث عن تقسيم سوريا أو طرح فيدراليات لا يلقى دعمًا روسيًا، لافتًا إلى أن روسيا ترفض أي تحركات انفصالية، وتفضّل حلولًا جذرية تحافظ على وحدة الدول.

وعلى الجانب الاقتصادي، أشار المارديني إلى أن العملة السورية التي أُرسلت من روسيا إلى دمشق بعد سقوط النظام السابق لم تكن نتيجة لعقود جديدة، بل جاءت في إطار مخلفات عقد قديم سبق أن وُقّع بين الجانبين. ووفقًا للمعلومات المتوفرة، فإن الدفعة التي وصلت بعد السقوط كانت ضمن التزامات سابقة، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أُبرمت أي اتفاقيات مالية جديدة خلال المرحلة الانتقالية.

ونوه مارديني إلى أن القمح الذي كان يصل إلى سوريا خلال السنوات الماضية لم يكن يُورّد عبر اتفاقيات رسمية، وإنما في إطار مساعدات إنسانية، في حين جرى توريد النفط عبر شركات خاصة، نتيجة للعقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السابق. وأوضح أن هذا الواقع دفع السلطات إلى الاعتماد على وسطاء لتأمين الاحتياجات الأساسية.

وبحسب وكالة “رويترز”، فإن موسكو أوقفت إمدادات القمح الروسي إلى سوريا بعد أيام قليلة من سقوط نظام الأسد، وذلك بسبب ما وصفته بـ”حالة عدم اليقين المتعلقة بالحكومة الجديدة”، إلى جانب مشكلات تأخر السداد، ما أدى إلى تعليق عمليات التوريد بشكل مؤقت.

وفي ختام حديثه، أشار الجاسم إلى أن “دمشق الجديدة تبدو حريصة على تحقيق التمايز وبناء توازن دبلوماسي”، موضحًا أن السياسة السورية تسعى إلى “بناء تحالفات مرنة متعددة الأقطاب”، مشيرًا إلى وجود “رغبة واضحة في إشراك السعودية وأوروبا لإحياء علاقات خارجية أكثر تنوعًا”، رغم استمرار الحاجة إلى روسيا خلال المرحلة الانتقالية.

بين خطوط الدبلوماسية الحذرة ومراعاة الحسابات الجيوسياسية، تسير العلاقة السورية الروسية على حافة الترقب. فموسكو تتقدم بخطوات محسوبة نحو السلطة الانتقالية، مدفوعةً بمصالحها وموقعها الإقليمي. أما دمشق الجديدة، فهي تحاول أن تعيد صياغة تحالفاتها دون تكرار التجارب السابقة. وفي ظل مشهد دولي متشابك، يبدو أن زيارة موسكو لم تكن نهاية المسار، بل بدايته، في طريق طويل يتطلب تفاهمات حذرة، وقراءة دقيقة لمعادلات القوة والمصالح المتغيرة في الإقليم.

الترا سوريا

—————–

مناورات إقليمية ورسائل دولية/ لمى قنوت ورهام قنوت رفاعي

03 آب 2025

على الرغم من التهدئة النسبية في السويداء، فإن الكارثة الوطنية والإنسانية ما زالت مستمرة عبر الحصار، الذي وإن لم يكن ظاهرًا بحلة عسكرية كلاسيكية، إلا أنه واقع اقتصادي واجتماعي معاش لسكان المحافظة، يحمل في طياته مآلات سياسية وعواقب جديدة من تراكم المظالم وتعمق الصدع المجتمعي. وفي ظل إخضاع السكان بالعنف، والغياب التام للشفافية والتشاركية وآليات كشف الحقيقة والمساءلة، وسعي السلطة الحالية لإيجاد حلول لأزماتها السياسية الداخلية عبر الحوار والتعاون والتفاوض على الشأن السوري الداخلي مع جهات خارجية إقليمية ودولية، يتجلى مجددًا حجم تدويل الشأن السوري الذي ورثته السلطة الجديدة عن النظام البائد، والذي لا تزال عالقة في دوامة ديناميكياته، وتعيد إنتاجه عبر تعنتها في طرائقها وانغلاقها على ذاتها، بدلًا من الانفتاح ودعم الحوار السوري- السوري الحقيقي.

ومن خلال النظر في نبرة الخطابات العامة وأدوات الضغط العلنية قبل أحداث السويداء، وخلال ذروة الاشتباكات والانتهاكات، وبعدها، التي استخدمتها وتستخدمها جهات خارجية تؤثر اليوم على وفي الشأن السوري نجد ثباتًا في موقف أنقرة، وبراغماتية من قبل موسكو، ورسائل مزدوجة من واشنطن، وتذبذبات في الخطاب الرسمي لتل أبيب بالرغم من استمرار سلوكها العدواني وتوسيع احتلالها، واستمرار منابرها الإعلامية الرسمية وغير الرسمية بالتحريض الطائفي في سوريا.

صرح أردوغان، في 17 من تموز الماضي، ما يلي: “لم نوافق على تفتيت سوريا بالأمس، ولن نوافق على ذلك اليوم أو غدًا”. مركز الأبحاث “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” في واشنطن، وهو مركز يحظى بتمويل كبير من مانحين جمهوريين ومؤسسات مرتبطة بـ”اللوبي الإسرائيلي” بناء على تحقيق أصدرته جامعة “باث” في المملكة المتحدة، اعتبر تصريح أردوغان تصعيدًا في خطاب أنقرة تجاه تل أبيب وتهديدًا لـ”شريك الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب (قوات سوريا الديمقراطية)”، وخصوصًا بعد إعلان وزارة الدفاع التركية، في 23 من تموز، عزمها على توفير التدريب والاستشارات والدعم الفني لزيادة القدرة الدفاعية السورية، عقب طلب السلطة رسميًا من تركيا مساعدتها في “تعزيز الدفاع ومكافحة الإرهاب”، وشدد المركز في توصياته للإدارة الأمريكية على أهمية الضغط على أنقرة لعدم التدخل عسكريًا، ووقف جميع محاولاتها لإشعال الصراع مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأن على واشنطن أن توضح لأنقرة أنه لا يمكنها نشر قواتها أو السيطرة على قواعد عسكرية في وسط وجنوبي سوريا، لأنه سيؤدي إلى “مزيد من الدمار وعدم الاستقرار في سوريا”.

على الرغم من الاتفاق الأمريكي- الإسرائيلي على الأهداف طويلة الأمد في ضمان أمن واستقرار إسرائيل، وثبات دعم الإبادة في غزة، فإنه ومنذ إسقاط النظام السابق، ظهر تباين في التعاطي مع الملف السوري بين واشنطن وتل أبيب، ليس فقط على مستوى الممارسة بل حتى في لهجة الخطاب العام، كتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، في آذار الماضي، الحادة اللهجة ضد السلطة الجديدة، في مقابل تصريحات التريث ومراقبة الوضع السوري من قبل الإدارة الأمريكية، إلى جانب انفتاح ترامب على الشرع في إطار القمة الخليجية- الأمريكية في 14 من أيار الماضي، وإعلان نيته رفع العقوبات عن سوريا، وإعجابه بشخصه.

وقد يكون مناخ الانفتاح وتعويم السلطة الجديدة، والمحادثات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في أواخر أيار الماضي، أثمرا في إعلان مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل لا تدعم أي فصيل داخل سوريا (أي أنها كانت تعتبر السلطة فصيلًا من فصائل الأمر الواقع في سوريا)، لكنها بدأت تعتبر الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع السلطة السيادية في البلاد، وأضاف المسؤول أن إسرائيل أبلغت “الطائفة الدرزية” في سوريا أنها لن تقبل أي أذى يلحق بها، وشجعتها على التعامل مباشرة مع الإدارة الجديدة.

غير أن هذا التباين وهذه التذبذبات هي جزء من عملية مد وجذر لم تفهمها السلطة الجديدة في سوريا بشكل كافٍ، إذ إن اختيار واشنطن لعب الدور الدبلوماسي وبدء المحادثات بين دمشق وتل أبيب، لا يتعارض بالضرورة أو يحد من تنفيذ الاحتلال لـ”خطة درع إبراهيم” عسكريًا في الجنوب السوري، كمنطقة منزوعة من سلاح الدولة وأي سلاح لجهة أو فصيل عسكري لا تعتبره حليفًا، تمهيدًا لإدارة الجنوب ومناطق أخرى من المنطقة عبر نموذج هيمنة معزز بتكنولوجيا رقابة رقمية متقدمة، تحتفظ من خلاله إسرائيل بحرية مطلقة في التصرف العسكري لضرب أي تحرك تعتبره عدائي تجاهها سواء كان حقيقيًا أم لديها شكوك حوله.

ومع إدراك السلطة الجديدة بأن المناخ السياسي الغربي ما بعد مجازر السويداء لن يكون كما قبلها، اتجهت إلى موسكو كمحاولة لتخفيف الصراع الجيوسياسي حول سوريا، وإيجاد منافذ لها في مجلس الأمن، الأمر الذي تلقفته روسيا بانفتاح وترحيب كبيرين، فهي تعتبر سوريا ساحة نفوذ حيوية في منطقة صراعات دولية، ورغم إدراك الطرفين التكلفة الدموية الباهظة التي سببها الدعم الروسي للنظام البائد، وصعوبة تسويق دور روسي جديد عند شريحة واسعة من الشعب السوري، فإنهما قررا بدء مرحلة جديدة  قائمة على مصالح مشتركة، وخاصة مع تصاعد التوترات بين موسكو وواشنطن، واقتراب موعد المهلة الذي حددها ترامب لبوتين حول موقفه من السلام مع أوكرانيا، وتبادل التهديدات بين ترامب وميدفيديف، والتي نجم عنها نشر غواصتين نوويتين أمريكيتين.

عنب بلدي

——————————

سورية الجديدة على مفترق سيادة/ أمين ناصر

04 اغسطس 2025

تواجه حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع ضغوطاً متزايدة، داخلياً وخارجياً، منذ سقوط النظام السابق عسكرياً في ديسمبر/كانون الأول الماضي. فعلى الرغم من الانتصار السياسي والعسكري والمعنوي الذي حققته الثورة، لا تزال التحديات تعصف بسورية الجديدة، وعلى رأسها التدخلات الإسرائيلية السافرة التي لم تتوقف عن استهداف العمق السوري عسكرياً، بالتوازي مع تصريحات رسمية تسعى إلى تقسيم البلاد على أسس طائفية وعرقية، تحت ذريعة “حماية الأقليات”.

ورغم محاولات دمشق فتح قنوات تواصل مع الغرب والانخراط في معسكر “العالم الحر”، اصطدمت هذه الجهود بعقبة إسرائيلية واضحة: تل أبيب هي من ترسم سقف العلاقة مع الغرب، وهي من تعرقل وصول أي دعم عسكري أو سياسي حقيقي إلى سورية، بل وتفرض على الدولة الوليدة أن تبقى بلا سيادة جوية، بلا منظومات دفاع، وبلا حق في الرد.

آخر الاعتداءات – قصف مبنى رئاسة الأركان في ساحة الأمويين – لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل رسالة سياسية وأمنية مدوّية. وربما كان لهذا الحدث أثر مباشر في دفع حكومة الشرع إلى إعادة النظر في تموضعها الخارجي، والتوجّه مجدداً نحو موسكو، رغم ما تحمله هذه العلاقة من ماضٍ ثقيل.

روسيا: شريك محتمل أم جرح مفتوح؟

في منطق العلاقات الدولية، تتفوق المصالح غالباً على الذاكرة، حتى وإن كانت هذه الذاكرة مضرّجة بالدم. فبالنسبة لموسكو، تشكل سورية آخر منفذ استراتيجي على البحر المتوسط، وأحد آخر موطئ قدم لسياساتها في المنطقة. أما بالنسبة لدمشق، فثمة أمل بالحصول على السلاح والدعم السياسي في مجلس الأمن، في ظل عراقيل غربية متزايدة ودعم غير مشروط لإسرائيل.

لكن، هل يمكن للدولة السورية أن تمضي قدماً في علاقة استراتيجية مع موسكو دون أن تحاسبها على ما ارتكبته؟ هل يمكن للشعب السوري أن ينسى آلاف الضحايا الذين سقطوا تحت القصف الروسي؟ ماذا عن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول “منع قيام دولة سنية”؟ أو توصيف الرئيس فلاديمير بوتين لسورية بأنها “ساحة اختبار منخفضة الكلفة” للأسلحة الروسية؟

البراغماتية المؤلمة

الواقع يقول إن سورية الجديدة، برغم مشروعيتها الثورية، لا تملك بعد الأدوات الكافية لفرض شروطها الكاملة على المسرح الدولي، ولا قدرة حقيقية على محاسبة قوى كبرى. وهنا تظهر براغماتية مؤلمة: لا بد من علاقة مع روسيا، لكن بشروط واضحة ومحددة.

إن إعادة العلاقات مع موسكو لا يجب أن تتم تحت عنوان “الصفح المجاني”، بل في إطار من المصالح المتبادلة، المعلنة والمؤقتة. روسيا تستطيع أن تقدّم ما قد يتردد الغرب في تقديمه، من سلاح، دعم سياسي، أو تغطية دبلوماسية، لكن هذا لا يعني تفويضها مجدداً بالتحكم بمصير البلاد أو صياغة مستقبلها.

قواعد العلاقة الممكنة

على دمشق أن تبني علاقتها مع موسكو وفق أسس جديدة، أبرزها:

    علاقة مصالح مؤقتة، لا تحالفات أبدية.

    لا تدخل سياسياً أو عسكرياً في القرار السيادي السوري.

    انفتاح موازٍ نحو الصين، الهند، ودول الجنوب العالمي.

    حصر أي تعاون عسكري بضمانات لاحترام السيادة السورية الكاملة.

    إدارة العلاقة بعقلية الندّ، لا بعقلية التابع.

الكرامة لا تُنسى

الشعب السوري لا يطالب اليوم باعتذار رسمي من موسكو، لكنه يرفض النسيان. ومن واجب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني أن تعمل على:

    توثيق الجرائم الروسية في أرشيف وطني دائم.

    تأسيس ذاكرة جمعية تُحافظ على سردية العدالة.

    تسجيل المواقف الرمزية في المحافل الدولية، حتى لو كانت مؤجلة.

    إرسال رسالة صامتة لموسكو: لا تطبيع بلا شروط، ولا علاقة بلا كرامة.

رسالة للداخل والخارج

على سورية الجديدة أن تقول للعالم: “نحن لا ننسى، لكننا نعرف متى نتكلم”. نحن بحاجة إلى علاقات دولية، لا إلى خضوع. السيادة لا تعني الصراخ، بل القدرة على اختيار اللحظة المناسبة للكلام، والقدرة على التفاوض دون الانحناء.

روسيا ليست حليفاً طبيعياً لسورية الجديدة، لكنها جزء من عالم لا يمكن تجاهله. وبين موسكو وتل أبيب، يجب أن تبقى بوصلة القيادة السورية متجهة نحو هدف واحد: بناء دولة حرة، ديمقراطية، ذات سيادة، تحفظ دماء الشهداء، وتعيد الاعتبار لكرامة السوريين، دون أن تقع فريسة لابتزاز الكبار أو وعودهم.

العربي الجديد

————————–

محطة جديدة في علاقة دمشق- موسكو/ عمر علاء الدين

03 آب 2025

تداول سوريون على صفحات التواصل الاجتماعي صور استقبال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووصفوا ذلك الاستقبال بأنه “فخم” وهو ما يليق بوزير سوري مقارنة بما كانت عليه معاملة الروس لرموز النظام السابق، على رأسهم بشار الأسد، ووزير خارجيته السابق فيصل المقداد.

ويرى خبراء ومحللون التقتهم عنب بلدي، أن هذه الزيارة تمثل نهجًا جديدًا من دمشق يتحدى الذاكرة الثقيلة للتحالف غير المتكافئ مع “الكرملين”.

تحاول عنب بلدي في هذا التقرير البحث في دلالات هذه الزيارة، وتوقعات الخبراء بما سيرشح عنها من اتفاقيات، في الجانبين السياسي والعسكري، وآفاق العلاقات بين دمشق وموسكو.

دلالات الخطوة “الاستراتيجية”

الوزير الشيباني التقى في موسكو خلال زيارته، في 31 من تموز الماضي، نظيره الروسي، سيرغي لافروف، ومن ثم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في لقاء وصفته إدارة الإعلام بوزارة الخارجية السورية بـ”التاريخي”.

وفي مؤتمر صحفي، أعقب الاجتماع، أعلن الجانبان إعادة النظر بالاتفاقيات الاقتصادية السابقة الموقعة بين الطرفين.

وأعرب لافروف عن تطلع بلاده لتكثيف الحوار مع دمشق، قائلًا، “اتفقنا على التعاون لتجاوز التحديات كما أكدنا حرصنا على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا واحترام سيادتها واستقلالها”.

وأكد لافروف أن روسيا تعارض محاولة بعض الأطراف زعزعة استقرار سوريا واستخدامها ساحة لتصفية الحسابات، مشيرًا إلى أن الخطوات التي اتخذتها سوريا وأعلن عنها الرئيس أحمد الشرع ستساعدها على تجاوز الأزمة التي تمر بها.

الوزير الشيباني اعتبر أن الحوار مع روسيا “خطوة استراتيجية” تدعم مستقبل سوريا، مضيفًا، “نحن في مرحلة إعادة الإعمار بحاجة لجميع الشركاء ونعمل على الاستفادة من دروس الماضي لبناء المستقبل”.

ويعتقد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية- الأوراسية، والباحث الروسي، ديمتري بريجع، أن روسيا، التي لعبت الدور الأبرز في تثبيت النظام السابق لعقد من الزمن، باتت الآن في لحظة “مراجعة جادة” لموقعها في سوريا.

وفي حديث إلى عنب بلدي، اعتبر بريجع أن موسكو لم تعد قادرة على تقديم نفسها كراعية لاستقرار مزعوم يرتبط ببقاء رجل واحد في الحكم، بل هي تُدفع “ببطء ولكن بثبات” نحو إعادة تعريف وجودها العسكري والسياسي بما يتماشى مع التحولات في دمشق والإقليم، وفق ما يرى الباحث الروسي.

ويعتقد أن زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى موسكو، وتصريحاته الواضحة حول ضرورة مراجعة الاتفاقات القديمة وبناء شراكة متوازنة، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل بداية خطاب جديد من دمشق يتحدى الذاكرة الثقيلة للتحالف غير المتكافئ مع “الكرملين”، إنها رسالة تقول: “نحن نمد اليد، لكننا لم نعد خاضعين”.

وأضاف، “إذا أرادت روسيا الاحتفاظ في موقعها بسوريا، فيجب أن تسهم في إعادة الإعمار، لا في إدارة الخراب، وأن تتعامل مع القيادة الجديدة بنديّة، لا بوصفها امتدادًا لحقبة الأسد”.

لكن دلالة هذه الزيارة، بحسب ما قاله المحلل السياسي السوري حسام طالب، لعنب بلدي، هي أن سوريا منفتحة على الجميع لا تريد أن تكون في محور ضد آخر، وعلاقاتها متوازنة، قائمة على المصالح المشتركة، مشيرًا إلى أن أي علاقة لسوريا مع دول العالم قائمة بشكل أساسي على مصالح الشعب السوري.

وزير الخارجية السوري، وخلال لقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكد التزام سوريا بتصحيح العلاقات مع روسيا على أسس جديدة تراعي مصالح الشعب السوري وتفتح آفاق شراكة متوازنة.

وفي بيان حول اللقاء، اعتبرت إدارة الإعلام في وزارة الخارجية السورية، أن اللقاء يمثل مؤشرًا سياسيًا قويًا على بدء مسار إعادة العلاقات السورية- الروسية، بما يعزز التوازن الإقليمي ويخدم تمكين الدولة السورية.

بينما أكد الرئيس الروسي التزام موسكو بدعم سوريا في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

إسرائيل وتدخلاتها.. هل تكون موسكو وسيطًا

تزايد الحديث عن احتمالية أن تلعب روسيا دور الوساطة بين سوريا وإسرائيل، في وقت تسعى فيه الحكومة الحالية للوصول لاتفاق أمني، يمهد للاستقرار في الجنوب السوري، خصوصًا أن روسيا كانت قد اعتمدت آلية تنسيق مع إسرائيل في سوريا في عهد النظام السابق، لتجنب الصدام العسكري.

في 30 من تموز الماضي، نقلت وكالة “فرانس برس” عن مصدر دبلوماسي لم تسمِّه، أن الوزير الشيباني سيلتقي بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في العاصمة الأذربيجانية باكو، في 31 من الشهر نفسه، عقب زيارته إلى موسكو، وسيناقش اللقاء، بحسب “فرانس برس”، “الوضع الأمني خصوصًا في جنوبي سوريا”.

وربطت بعض الآراء التي رصدتها عنب بلدي زيارة الشيباني إلى موسكو بلقائه بوزير الشؤون الاستراتيجية في باكو، إلا أن عنب بلدي، لم تجد تصريحا رسميًا يدعم ذلك.

وتطرق الشيباني، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع لافروف، إلى الممارسات الإسرائيلية على الأراضي السورية، منذ سقوط الأسد وحتى اليوم.

وقال الشيباني، “إن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضينا تغذي العنف وتزعزع الاستقرار ويجب وقفها”، معتبرا أن تدخلات إسرائيل تعقد المشهد على الساحة السورية.

بينما اعتبر لافروف أن “الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية تنتهك القانون الدولي ومن الضروري وقفها”.

واعتبر الباحث السياسي الروسي ديمتري بريجع، أن الحديث المتزايد عن وساطة روسية بين سوريا وإسرائيل لا يمكن فصله عن هذه التحولات، فموسكو التي لطالما قدمت نفسها كجسر بين القوى المتناقضة في المنطقة من طهران إلى تل أبيب، تجد الآن فرصة لتعزيز هذا الدور من خلال دمشق الجديدة.

بينما يعتقد المحلل السياسي السوري حسام طالب، أن لروسيا دورًا مساعدًا وضاغطًا على الإسرائيلي، خصوصًا إدانتها للاعتداءات الإسرائيلية على سوريا في مجلس الأمن باعتبارها دولة كبيرة ووازنة في العالم، أما على صعيد المشاورات المباشرة مع إسرائيل، فالأتراك أو الأمريكيون هم الأقرب للعب هذا الدور من الروسي.

وعمدت إسرائيل إلى قصف مواقع ومراكز ذخيرة الجيش السوري، بعد سقوط النظام، فيما تقول إنه حماية لأمنها، كما احتلت مساحات على الشريط الحدودي المحاذي.

وتدخلت مؤخرًا بذريعة “حماية الدروز”، خلال أحداث السويداء الأخيرة، فعمدت إلى قصف مواقع وثكنات للجيش السوري المتمركزة على أطراف السويداء، كما قصفت مبنى رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي بدمشق.

بوتين وخلال لقائه الشيباني أيضًا، شدد على رفض روسيا القاطع لأي تدخلات إسرائيلية، أو محاولات لتقسيم سوريا، بحسب إدارة الإعلام في الخارجية السورية.

القواعد والتعاون العسكري

تملك روسيا قاعدتين رئيستين في سوريا، الأولى جوية، وهي قاعدة “حميميم” الواقعة بمحافظة اللاذقية الساحلية، والثانية بحرية تقع في محافظة طرطوس على البحر الأبيض المتوسط، وقاعدة ثالثة، جوية، في الحسكة شمال شرقي سوريا.

نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، قال قبيل اجتماع الشيباني ولافروف، “تجرى اتصالات بشأن القواعد الروسية في سوريا بما يضمن أمن قواتنا، ويراعي أهمية وجود قواعدنا في سوريا للأمن الإقليمي”.

ولم يتطرق سيرغي لافروف خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع الشيباني، بشكل مباشر، إلى القواعد الروسية في سوريا.

لكنه قال، “اتفقنا على مراجعة جميع الاتفاقيات القائمة. السوريون مهتمون باستكشاف فرص التعاون في مجال الأمن وتدريب الأفراد، المدنيين والعسكريين”.

المحلل السياسي السوري حسام طالب، يرى هذه القواعد تخضع لاتفاقيات ستتم إعادة تقييمها ودراستها وصياغتها من جديد، وسوريا إن رأت أن هذه القواعد تحقق مصلحة للشعب وتحقق التوازن، ستبقيها ضمن شروط ومعطيات جديدة، ويجب على روسيا أن تقدم شيئًا مقابل وجود هذه القواعد.

بينما يرى الباحث السياسي الروسي ديمتري بريجع، أنه إذا أرادت روسيا أن تحافظ على موقعها في سوريا، فعليها أن تثبت “أنها تقف مع الشعب لا فوقه”، معتبرًا أن القواعد الروسية في طرطوس وحميميم يجب أن تكون مراكز دعم لوجستي وإنساني، لا رموز هيمنة.

في 24 من نيسان الماضي، أبدى الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في حوار مع صحفية “نيويورك تايمز”، انفتاحًا على شراء أسلحة من روسيا ودول أخرى، مضيفًا أنه لم يتلقَّ وقتها أي عروض من دول لاستبدال أسلحة الجيش السوري، ومعظمها تصنيع روسي.

إزعاج الحلفاء الحاليين

يرى الباحث في مركز “حرمون للدراسات”، والمتخصص في الشؤون العسكرية، نوار شعبان، أن الحديث الحالي، بالنسبة للقواعد، يدور عن تأطير وإعادة تعريف الوجود العسكري الروسي في سوريا، ومن الناحية الاستراتيجية لن تستفيد سوريا من التعاون العسكري مع روسيا، حيث سيزعج هذا العديد من حلفاء سوريا الحاليين.

وقال شعبان، في حديث إلى عنب بلدي، إن تعزيز التعاون الدفاعي مع روسيا بوجود تركيا ودول الخليج ومحاولاتها دعم المنظومة العسكرية، “سينسف فكرة التعاون العسكري مع سوريا “، بحسب ما يرى شعبان.

واعتبر الباحث أن الدور العسكري الروسي في سوريا كان ضروريًا في السابق، لأن المنظومة العسكرية السورية سواء سلاح جو أو منظومات دفاعية جميعها كانت روسية، لكنها دمرت اليوم، ولا ضرورة لتعزيز هذا النوع من التعاون.

ولا يعتقد شعبان أنه سيتم عقد صفقات سلاح مع الجانب الروسي في المستقبل، فالسلاح الروسي المتبقي حاليًا أغلبه مدرعات وأسلحة ومتوسطة وخفيفة لا تحتاج إلى عقود صيانة.

أما بالنسبة للقواعد العسكرية الروسية فهنا الإشكالية، وفق ما يرى الباحث شعبان، فتلك القواعد موجودة وفق عقود مبرمة الدولة السورية وليس مع النظام، وبالتالي فإن روسيا تحاول أن تحافظ على المكاسب، أي أنها تفاوض السوريين على بقائها وبمعنى آخر تقول لهم: ما الشروط التي تريدونها لنبقى نحن في هذه القواعد.

عنب بلدي،

———————–

سورية بين الرهان على الداخل والرهانات الإقليمية والدولية/ مالك ونوس

04 اغسطس 2025

تأمّل كثيرون في زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، روسيا قبل أيام، ولقائه مسؤوليها، وفي مقدّمتهم رئيسها فلاديمير بوتين، مصنّفين هذه الزيادة في خانة التصالح مع دول العالم الذي تنتهجه السلطة السورية بعد سقوط نظام الأسد الذي أدخل البلاد في عزلة دولية. وتندرج هذه الزيارة في خانة نهج تتبعه السلطة في الرهان على الدول العربية وبقيّة الدول، من أجل الأخذ بيدها للخروج من أزمات موروثة وأخرى بعد السقوط، نشأت نتيجة عدم حسم الخيارات تجاه المضي في معالجة تركة الأسد، وعدم اتباع خيّارات مغايرة لخياراته في التصالح مع الشعب والتركيز في حلّ مشكلاته الحياتية والمعيشية والخروج من حالة الانغلاق والمراوحة في المكان، ما أدّى إلى بقاء أسباب التأزم من دون معالجة.

لا يحتاج المراقب كثير تبصّر لكي يرى توجُّه الحكم في سورية نحو الاعتماد على الدعم الخارجي، عبر الرهان على الخارج من أجل إعادة بناء الاقتصاد السوري، وبالتالي، تغيير أوضاع البلاد بعد سنواتٍ من الخراب الذي أورثه الأسد الهارب للسوريين. وكان من جديد تمظهرات هذا النهج المؤتمر الاستثماري السوري السعودي، الذي اختُتم قبل أيام في دمشق، وصدرت منه توصيات، وخطط لاستثمار ما يزيد عن ستة مليارات دولار في سورية، التي ما تزال تواجه تحدّيات كثيرة. وعلى الرغم من أهمية هذا المنتدى، فإن فيه (في ظلّ البنية التحتية المدمّرة واستمرار بؤر التوتّر) يختلط الفرح مع المخاوف من ألا تجد الاتفاقات المُوقّّعة طريقها إلى التنفيذ في أرض الواقع، نتيجة المعوقات ذاتها من توتّر أمني في عدّة مناطق، وبقاء كثير من العقوبات الغربية، والتهديد بإعادة عقوبات أزيلت في حال استمرّ النظام في المعالجة الأمنية للمشكلات المناطقية والطائفية. ويأتي هذا في الوقت الذي يُعوِّل فيه السوريون على إصلاح ما يمكن إصلاحه من قطاعات اقتصادية وانتاجية في البلاد، وعقد مؤتمرات للمصالحة الوطنية، وتنفيذ توصيات مؤتمر الحوار السوري، خصوصاً منها المتعلّق بمسألة العدالة الانتقالية، من أجل الإسهام في تعافي البلاد، وتحضير بيئة مناسبة لاستقبال استثمارات كهذه.

ومع توقيع هذه الاتفاقات الجديدة، ينظر السوريون إلى التي سبقتها، ووُقِّعت مع دول كثيرة، ويتساءلون عن سبب عدم سلوكها الطريق سريعاً للتنفيذ، لأهميتها في تحريك عجلة الاقتصاد، والمضي بإعادة الإعمار، خصوصاً ما يتعلّق منها بقطاع الطاقة من نفط وغاز، الضروريَّين من أجل تحسين وضع الكهرباء. ربّما يكون سبب التأخير هو القصور بالتشريعات وبالنصوص القانونية، وبعدم اكتمال بناء مؤسّسات البلاد التشريعية، المخوّلة بإقرار اتفاقات كهذه لتأخذ صفة الشرعية. فانتخابات مجلس الشعب، وبعدما استبعدتها السلطة بسبب بقاء ملايين السوريين في دول ومخيّمات اللجوء والنزوح، عادت وقرّرت إجراءها عبر آلية جديدة، يعيّن الرئيس بمقتضاها ثلث أعضاء المجلس، ويجري انتخاب الباقين، وهو قرار ربّما يكون قد أتى بعدما أدركت السلطة أهمية المجلس وضرورته من أجل تشريع الاتفاقات. ولكن هل هذه الخطوة (وغيرها ممّا نفّذته الحكومة) كافية من أجل الاستفادة من جو الانفتاح الدولي على سورية، وبروز محاولات لمساعدة سورية على التغلّب على مشكلاتها والنهوض؟

حين مات الرئيس الأسبق حافظ الأسد ( 2000)، وحصل التوافق الدولي على تنصيب ابنه بشّار رئيساً، سارع أصحاب رؤوس أموال من دول الخليج، وشركات تجارية وبنوك وغيرها من القطاعات الاقتصادية، إلى سورية لدعمه، أملاً بسورية مختلفة عن سورية الأسد الأب. لذلك عقدوا مؤتمرات مماثلة لمؤتمر الاستثمار السعودي السوري، وأعلنوا عبر مؤتمرات صحافية خططاً استثمارية كبيرة، ولكن ما الذي حصل؟… تعثّرت تلك الخطط، ولم يسجّل أيُّ استثمار عربي في الاقتصاد السوري على مدى السنوات الخمس التي تلت تنصيب بشّار، وسبقت اغتيال رفيق الحريري. أمّا الأسباب فهي أن بشّار لم يقطع مع سياسة والده في التعاطي الأمني مع جميع المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية. كما بقيت القبضة الأمنية عبر قانون الطوارئ والأحكام العرفية قائمةً، ولم يُجرِ مصالحةً وطنيةً كانت ضرورية للقطع مع جرائم والده، فهو لم يرث السلطة فحسب، بل ورث معها المعتقلين السياسيين، من يساريين وإسلاميين كان والده قد وضعهم في المعتقلات، خوفاً ممّا يشكّلونه من رمزية بالنسبة إلى المعارضة. إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من بعض التشريعات التي أصدرها بشّار، وتعديلات في قانون الاستثمار رقم 10، بقيت بيئة الاستثمار متخلّفةً مع غياب العمل المصرفي العصري، إضافة إلى القبضة الأمنية والمالية، والتوجّه إلى سيطرة العائلة على الاقتصاد، علاوة على العقوبات الدولية التي لم يُقدِم بشّار على أيّ خطوة تساعد في إزالتها.

هنالك حالات كثيرة، تكون فيها الرهانات على الخارج مغلقة، من أسبابها عدم ترتيب البيت الداخلي للتخلّص من الفوضى الداخلية التي تعاني منها الدولة التي تراهن على الخارج، وتصطدم بفشل تغيب عن بالها أسبابه، على الرغم من وضوح تلك الأسباب لمراقبين ومحلّلين وجمهور عريض لا يتوقّف عن الإشارة إليها على مدار الساعة. لكن، يبقى أمر معالجة مشكلات البلاد متعلّقاً بالسوريين أنفسهم، لأنهم الأكثر قدرة من غيرهم على تشخيص أزمات بلادهم وطرائق الحلّ. لذلك صُدم كثيرون بالأخبار التي ظهرت حول استيراد الغاز من أذربيجان لتغذية محطّات توليد الطاقة. كذلك الإعلان عن مباحثات لتوريد الأردن 40 ألف أسطوانة غاز منزلي يومياً، في الوقت التي أعلنت فيه الحكومة قبل أشهر اتفاقات مع جهات خارجية لاستثمار قطاع الطاقة، من أجل إدخال آبار النفط والغاز السورية في الخدمة.

هل سيتحسّن واقع الشعب السوري في حال استمرّ نهج الحكم في الرهان على الخارج؟… تفيد الوقائع بأن الوضع الأمني يزداد تفاقماً، وهو قابل في أيّ لحظة للتفجّر كما حدث أخيراً في السويداء. وإذا ما وضعنا النهج المتّبع بالتعامل مع الأقلّيات وفق منطق القوة، وتغليب فئة من الشعب على فئة أخرى، فإن كلّ يوم يَحلّ يحمل معه قصّةً من قصص الانتهاكات بحقّ مدنيين وحوادث خطف النساء في الساحل والموت تحت التعذيب. وليس خافياً على أحد أن أعين الساسة في الغرب مفتوحة على سورية طوال الوقت، يراقبون سلوك حكومتها، ومدى التزامها بتنفيذ الشروط التي وضعتها تلك الدول للمضي برفع العقوبات. فهل ستفعل ذلك الحكومة؟ إن كان من الصعب عليها محاربة الإرهاب من دون مساعدة الآخرين، فليس دمج الفصائل، وضبط تفلّت السلاح الذي ظهر في فزعة العشائر إلى السويداء، بالصعب، وهو شرط يحتاجه الداخل ليزداد عنده عامل الثقة. وإن استهان رجال الدول بعامل الثقة، تضاءلت فرص تحقيق الاستقرار والازدهار، وظهرت الفجوات بين الحكم والشعب.

العربي الجديد

———————-

موسكو والبوابة السورية: قراءة في إعادة التموضع الاستراتيجي/ صلاح قيراطة

سوريا وموسكو: العودة إلى السند الأخير في لحظة الانهيار الإقليمي

2025-08-04

في مشهد لافت، توالت خلال ساعات قليلة زيارات ثلاثة من أبرز المسؤولين السوريين إلى موسكو: وزير الخارجية، وزير الدفاع، ومدير المخابرات العامة. كلٌّ التقى نظيره الروسي، فيما حظي وزير الخارجية بلقاء مع الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً. لا يمكن النظر إلى هذا التسارع الديبلوماسي والعسكري والأمني إلا باعتباره إشارة سياسية مركّبة، تعكس إدراك دمشق أن توازنات الميدان والاصطفافات الإقليمية دخلت طوراً جديداً.

بين من يدرك الأفق ومن يعيد إنتاج العمى:

كما هو معتاد، تباينت القراءات: ثمة من قرأ المشهد بعمق، ورأى فيه استشرافاً لمعادلات مقبلة ستعيد رسم خرائط النفوذ. وفي المقابل، بقي البعض أسيراً للنظرة القاصرة، يكرر أدواراً استهلكها الزمن، غير قادر على تجاوز حدود اللحظة، تماماً كما يفعل “بغل المعصرة” الذي يدور حول نفسه دون أن يرفع رأسه إلى الأمام.

شهادة من قلب اللحظة:

تزامنت مشاركتي عبر قناة RT الروسية مع اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره السوري أسعد الشيباني. هناك قلت ما يجب أن يُقال، واستمع القوم لما يجب أن يُسمع، وكعادتي لم أضع في حساباتي ما يرضي الجماهير أو يُغري نزعاتها، بل ما يفرضه التشخيص السياسي الصريح للواقع السوري وموقعه ضمن الصراع الدولي. 

*روسيا أم إيران؟ اختلاف في المشروع والغاية:

لطالما أكدت في مقالات ومحاورات سابقة أن الفرق بين الدور الروسي والدور الإيراني في سوريا جوهري:

– موسكو تمسكت بالدولة السورية وبمؤسساتها، وحاولت منع انهيارها، لأنها ترى في بقاء الدولة السورية قاعدة استراتيجية في شرق المتوسط.

– طهران تمسكت بشخص الرئيس السابق بشار الأسد، لا باعتباره رأس الدولة بل لأنه، وفق حساباتها، “على قدّ يدها”، يمكن التحكم به كأداة، فضلاً عن أن انتماءه الطائفي يوفر لإيران قاعدة نفوذ ثابتة.

من هنا يظهر التناقض:

مشروع روسي يسعى إلى الحفاظ على “الدولة”، مقابل مشروع إيراني يُحكم قبضته عبر “الفرد والطائفة”.

الضربة الإسرائيلية ومشروع باكو:

إلا أن المعادلة انقلبت مع الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت وزارة الدفاع السورية ورئاسة هيئة الأركان في قلب دمشق، في وضح النهار، وبوقاحة غير مسبوقة، ولأول مرة بعد حرب تشرين عام ١٩٧٣ بحيث استطلاعات احدى الطائرات الوصول إلى سماء دمشق واستهدفت رئاسة أركان الجيش السوري وقتئذ.

الاستهداف الاخير لدمشق ليس ضربة عسكرية وحسب، بل رسالة استراتيجية بأن “المقدسات السيادية” السورية لم تعد بمنأى عن الانتهاك.

الأخطر، أن إسرائيل رتّبت اجتماعاً في باكو يضم مسؤولين إسرائيليين ومديرين سوريين، لبحث اتفاقية إذعان تسلخ الجنوب السوري – محافظات القنيطرة والسويداء ودرعا – عملياً عن الجسد الوطني، لتبقى لدمشق سيادة نظرية فقط. هنا أدركت دمشق أن التهديد وجودي لا تكتيكي، وأن لا خيار سوى العودة إلى “الصديق القديم”: روسيا.

سوريا عقدة الصراع الإقليمي والدولي:

اليوم تقف سوريا في قلب شبكة معقدة من تقاطع النفوذ:

– روسيا: تسعى لتثبيت الدولة السورية كركيزة لنفوذها في المتوسط وضمان موقعها في معادلة الطاقة والممرات.

– إيران: تركّز على ترسيخ نفوذ طائفي طويل الأمد عبر الولاء الشخصي والمذهبي.

– إسرائيل: تعمل على تحييد سورية كفاعل، واقتطاع الجنوب لصالح أمنها القومي.

– تركيا: تمسك بالشمال السوري وتعيد صياغته بما يخدم مشروعها التوسعي العثماني الجديد.

– الولايات المتحدة:

تكتفي بإدارة الصراع عبر قواعدها في الشرق والجزيرة، ضامنة استمرار الاستنزاف دون حسم.

بهذا المعنى، فإن زيارة دمشق الثلاثية إلى موسكو ليست مجرد نشاط بروتوكولي، بل إعادة تموضع استراتيجي ورسالة إلى كل الأطراف بأن سورية ما زالت قادرة على إعادة ضبط اتجاه بوصلتها.

الخاتمة:

إزاء الضربات الإسرائيلية الوقحة، والمشاريع الإقليمية التي تستهدف اقتطاع الجغرافيا السورية أو إعادة صياغتها على أسس طائفية وعرقية، لم يعد أمام دمشق إلا العودة إلى موسكو، قد لا تكون روسيا ملاكاً منزهّاً عن الحسابات البراغماتية، لكنها تبقى القوة الوحيدة القادرة على حفظ ما تبقى من الدولة السورية ومنع انهيارها النهائي.

إنها لحظة مفصلية، تؤكد أن بقاء سورية مرهون بالتحالفات الدولية لا بالشعارات المحلية. ومن هنا، فإن الزيارة الثلاثية إلى موسكو ليست خياراً ديبلوماسياً فحسب، بل إعلان وجودي بأن الدولة السورية تبحث عن سند صلب يمنع اقتلاعها من التاريخ والجغرافيا.

+963

——————————

 هل تكون طهران بعد موسكو على الرادار السوري؟/ محمد فواز

2025.08.06

أجرى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، زيارة مفاجئة إلى موسكو يوم الخميس 31 تموز، في خطوة اعتبرها كثيرون غير متوقعة.

لم تكن الزيارة عادية، إذ استُقبل الشيباني في الكرملين بضيافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لقاء هو الأول من نوعه منذ سقوط الأسد. لم تتناول وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” تفاصيل اللقاء، إلا أن مشاركة الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وحديث بعض الأوساط عن مباحثات على مستويات متعددة، أوحى بخلفيات عميقة للقاء، خاصة أن التوقيت جاء عقب تصعيد إسرائيلي خطير وصل إلى مقر هيئة الأركان السورية في قلب العاصمة دمشق، بعد أن تجاوز الاعتداء الجنوبَ السوري، الذي تحاول إسرائيل التوسع فيه باستمرار.

هذه الزيارة، التي تجاوزت السقف المرتفع الذي وضعته الإدارة السورية مسبقًا – وهو سقف ارتبط أساسًا بالمطالبة بتسليم الأسد المختبئ في روسيا – فتحت الباب أمام تساؤلات عدة، كان أحد عناوينها إيران. فهل فتح صفحة جديدة مع روسيا يعني إمكانية فتح صفحة مماثلة مع إيران؟ خاصة أن كثيرين يرون أن إيران لا تختلف كثيرًا عن روسيا في تموضعها اللصيق بالأسد في فترته، وفي مسؤوليتها عن الجرائم التي طالت الشعب السوري.

ما الفرق بين روسيا وإيران في المنظور السوري؟

بالنسبة لقطاعات واسعة من الشعب السوري، تُرى إيران كقوة ذات مشروع مذهبي، تسعى إلى التغلغل في البنية الاجتماعية والديموغرافية عبر دعم ميليشيات محلية، ونشر الحسينيات، وتجنيس سكان في بعض المناطق. يُنظر في سوريا إلى هذا التغلغل كتهديد لهوية المجتمع. إضافة إلى ذلك، فإن الاحتكاك المباشر للشعب السوري مع مظالم الحرب كان مع إيران وأذرعها بدرجة أكبر مما هو عليه مع روسيا، التي شكّلت مظلة سياسية وعسكرية للنظام، من خلال الدعم الجوي والسياسي في المحافل الدولية، لكن من دون حضور اجتماعي ميليشياوي مباشر مشابه. أما الحضور الإيراني، فكان أكثر ميدانية وميليشياويًا، ما أكسبه طابعًا طائفيًا واضحًا، ومظالم مباشرة فردية وجماعية، وأثار حساسيات حادّة تجاهه، على الرغم من أن المثبّت الحقيقي لنظام الأسد لسنوات كانت روسيا أكثر مما كانت إيران.

وهذا الفارق في طبيعة الاحتكاك الشعبي مع كل من الطرفين، انعكس أيضًا على نظرة الإدارة السورية، وإن كانت العوامل السياسية والدولية هي الأكثر تأثيرًا في صياغة الموقف الرسمي.

فالإدارة السورية تقرأ التحولات الإقليمية والدولية على ضوء تَكَوُّن واقع جديد في المنطقة، تُثبّت فيه واشنطن نفوذها عبر ملفات متشابكة، بينما يبقى “السيف الإسرائيلي” المُصْلَتُ على الرقبة السورية حاضرًا، إلى جانب السيف الاقتصادي والمعيشي، في ظل غياب القدرة على الردّ العسكري التقليدي أو إمكانية الإعمار الذاتي، لكون سوريا ما تزال في طور إعادة التشكّل، وكون الغرب يتحكم بالاقتصاد العالمي.

من هنا، يبدو أن الخيار الاستراتيجي الذي تتبناه دمشق حاليًا هو السير تحت المظلة الأميركية وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم تركيا والسعودية، اللتان تدعمان الإدارة السورية في إعادة بناء الهيكل السوري من نقطة الصفر تقريبًا، وتوفير الدعم الاقتصادي والسياسي اللازم. بالنسبة لهذا المحور، فقد وُضعت في الفترة الحالية خطوط حمراء في المنطقة، على رأسها إنهاء النفوذ الإيراني فيها بشكل نهائي. ولأجل الحصول على الرعاية السياسية والاقتصادية التي قد تتيح إعادة إنعاش البلاد، ولأجل دفع إسرائيل نحو كبح عدوانها بالطرق الدبلوماسية – في ظل غياب الظروف والقدرات والرغبة في خوض حرب – تُفضّل سوريا الالتزام بخط السياسة الأميركية – العربية – التركية، وبالتالي السير في تقليص النفوذ الإيراني، بل وقطعه كليًا من سوريا.

بالمقابل، ورغم التوتر بين موسكو وواشنطن، فإن الولايات المتحدة لا تنظر إلى روسيا كما تنظر إلى إيران. فروسيا تُعدّ دولة كبرى “غربية” بالمعايير الدولية، ولا علاقة عدائية مفتوحة أو قطيعة شاملة بينها وبين واشنطن. وبالتالي، قد لا تمانع واشنطن قيام روسيا بدور محدود في سوريا، يسهم في تقليل الأعباء الأميركية في بعض الزوايا، من دون السماح لها بتوسيع نفوذها الجيوسياسي.

من هذا المنطلق، فإن التواصل السوري مع روسيا، إذا لم يحمل ضريبة دولية، قد يُعتبر إيجابيًا بالنسبة لها، خاصة فيما يتعلق بتخفيف التوترات مع الأطراف السورية وغير السورية الساعية إلى قدر من الاستقلالية في الجنوب والشرق والساحل، بعد أن تبيّن لدمشق محدودية الخيار العسكري إذا كان وحيدًا. فروسيا، التي ما تزال تحتفظ بعلاقات مع تلك الأطراف، قد تلعب دورًا دبلوماسيًا مهمًا في هذا السياق.

أما إيران، فقد بدت مواقفها متناقضة. فمن جهة، سعت إلى إعادة وصل العلاقة بالقيادة السورية الجديدة عبر قنوات متعددة، ومن جهة أخرى استمرت في دعم فلول النظام السابق والتهريب باتجاه حزب الله. بل إن زيارة وفد من حزب الله إلى وئام وهاب، عقب مواقفه المتطرفة في وجه سوريا والمنحازة كليًا لإسرائيل في أحداث السويداء – رغم تموضعه السابق في الخندق الإسرائيلي السياسي ضد حزب الله – أوحت بأن حزب الله، الذراع الإيرانية الأولى في المنطقة، يعطي أولوية لبناء علاقات مع خصوم القيادة السورية الجديدة، مهما كانت مواقفهم في الأمور الأخرى، على قاعدة “عدو عدوي صديقي”. هذا المشهد بكليته أيضًا عزز عمق الفجوة بين القلوب السورية والإيرانية.

إضافة إلى ذلك، فالمؤشرات الإقليمية والدولية، من العراق إلى لبنان واليمن، تؤكد أن إيران لا تزال تراهن على أدواتها الميليشياوية، وهو ما يعزز الاتجاه العربي – الأميركي لمواجهتها، ويزيد من حذر دمشق تجاه أي فتح لباب العلاقة مع طهران، التي باتت مرفوضة شعبيًا وسياسيًا داخل البلاد.

في المحصلة، فإن هذا المشهد يتصل بالخيار السياسي الراهن لسوريا، التي ما تزال تراهن على المسارات الدبلوماسية، والعلاقات العربية – الأميركية، لإعادة بناء الدولة، واحتواء التهديدات الإسرائيلية، إضافةً إلى مجموع المؤشرات التي لا تطمئن بشأن النوايا الإيرانية المعادية للقيادة السورية.

لكن تبقى هناك حالتان قد تدفعان سوريا إلى فتح أبوابها من جديد أمام إيران: الأولى، في حال غيّرت إيران وجهتها وأُعيد دمجها في النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، مما قد يفتح الباب أمام إعادة تطبيع العلاقة معها. أما الحالة الثانية، فهي أن تقرر إسرائيل إسقاط النظام السوري بدعم مباشر من واشنطن؛ عندها، وربما عندها فقط، قد تجد القيادة السورية نفسها مضطرة إلى التمركز في مواجهة إسرائيل بكل الوسائل المتاحة، في ما سيكون صراعًا وجوديًا.

لكن حتى في تلك اللحظة، تبرز إشكاليتان: الأولى، أن الوقت قد يكون قد فات لاتخاذ خطوة حاسمة إذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة، والثانية، أن اندفاع دمشق نحو إعادة العلاقة مع إيران قد يدفع واشنطن إلى تشديد موقفها أكثر، ما يجعل هذا الخيار – حتى في لحظة اللاعودة – غير مضمون التوفر، أو غير مفضّل بالنسبة لسوريا.

—————————–

بوتين ولافروف يلتقيان الشيباني في موسكو

·01/08/2025

استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والوفد المرافق له يوم الخميس، في قصر الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو، وفق ما نقلته وكالة “سانا“.

وفي وقت سابق أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لقاء مع نظيره السوري أسعد الشيباني حيث أكد التزام موسكو بسيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، مشددا على أهمية حل المشكلات الداخلية للجمهورية من قبل السوريين أنفسهم عبر الحوار.

كما شدد وزير خارجية روسيا على معارضة أن تتحول سوريا إلى ساحة للمنافسات الجيوسياسية للدول الكبرى، وأردف قائلا: “ندعو بشكل دائم للتنسيق وتناغم الجهود الدولية في سوريا”.

ووصف المحادثات مع الشيباني والوفد المرافق له بأنها “مفيدة جدا”، مبينا أن “الوفد السوري سيكون لديه الفرصة لمحادثات مع مختلف السلطات في موسكو”.

أبرز تصريحات لافروف والشيباني في موسكو

لافروف:

    عشرات الآلاف من الطلبة السوريين تلقوا تعليمهم في روسيا والآن يدرس 4 آلاف سوري في معاهدنا ومؤسساتنا التعليمية.

    مهتمون بالتعاون مع سوريا وتحدثنا اليوم عن عمل السفارتين، ونحن ممتنون للزملاء السوريين على ضمان أمن الموظفين والمقار الروسية على الأراضي السورية.

    نأمل في هدوء الأوضاع ونقدر التحديات وآخرها ما جرى في السويداء.

    تسوية الأوضاع في سوريا ستتم عبر حماية حقوق المجتمع السوري متعدد الطوائف والقوميات.

    سمعنا بالإجراءات التي أعلن عنها الرئيس الشرع حول تسوية الأوضاع، وجدول أعمال التسوية والعملية الانتقالية ونأمل أن يتم تنفيذ كل ذلك.

    ندعم وحدة أراضي وسيادة الجمهورية العربية السورية واتفقنا على أن يستمر الحوار في هذا المجال.

    نعارض أن تتحول سوريا إلى ساحة للمنافسات الجيوسياسية للدول الكبرى، وندعو بشكل دائم للتنسيق واتساق الجهود الدولية في سوريا.

    المحادثات كانت مفيدة جدا، والوفد السوري سيكون لديه الفرصة لمحادثات مع ممثلي مختلف السلطات في موسكو.

    تناولنا آفاق تطوير التعاون في الظروف الجديدة بقطاعات التجارة والاقتصاد والأمن ولدينا خبرة كبيرة في ذلك.

    كل القضايا المتعلقة بالتعاون الأمني والمجالات العسكرية تثير اهتمام نظرائنا السوريين.

    فيما يتعلق العقود الاقتصادية فقد اتفقنا على تعيين الرئيس الروسي للجنة الروسية السورية المشتركة التي ستنظر في المسارات متبادلة المنفعة، ومشاركة روسيا في تعافي الاقتصاد السوري.

    نعتقد أن رفع العقوبات الأمريكية عن الشعب السوري أمر سليم، حيث كانت تطال الشعب لا المسؤولين.

    ناقشنا مع زملائنا وتقاسمنا رؤيتنا للأوضاع، ورأينا كيف يتم النظر إلى الفضاء الإعلامي.

    نأمل أن تكون الانتخابات شاملة لكل الطوائف.

    مهتمون بأن يبقى الأكراد ضمن الدولة السورية ويحصلوا على كامل حقوقهم. وكان هناك تنسيق معنا بشأن نشر قوات تابعة للأمم المتحدة في هضبة الجولان. وهو قرار يتم انتهاكه من قبل إسرائيل ولا بد من تمديد مهمة هذه القوات.

    تحدثنا عن كيفية جعل تحركاتنا أكثر فعالية بالتعاون مع الدول التي ترغب في المساعدة.

الشيباني:

ما يحدث في السويداء هو استغلال من قبل إسرائيل كما أن هناك مجموعات مسلحة تريد أن تثبت أن الحكومة لا تستطيع ضمان الأمن.

    ما يحدث في السويداء هو استغلال من قبل إسرائيل كما أن هناك مجموعات مسلحة تريد أن تثبت أن الحكومة لا تستطيع ضمان الأمن.

     نتطلع إلى تعاون كامل وصادق في دعم العدالة الانتقالية في سوريا.

     لا يزال جزء كبير من الشعب السوري يحمل جرحا من الفترة السابقة، ويجب الاعتراف بمسؤولية.

    نقاشا فائق الأهمية ينطلق من دروس الماضي لصياغة التعاون في المستقبل.

    لا يمكن لسوريا أن تمضي بثقة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، التي تعطل مسار إعادة الإعمار.

     لقينا من روسيا التزاما برفض هذه الاعتداءات ووقوفا إلى جانب سوريا في شجب هذه الانتهاكات.

     قدم اجتماعنا اليوم فرصة جديدة يمكن أن تساهم بها روسيا في مسار التعافي بسوريا والاستقرار الإقليمي ومصالح الشعب السوري.

     نؤكد لنظرائنا الروس أننا نعد هذا الحوار استراتيجيا، وسوريا تمد يدها للعالم.

     كانت العلاقات الخارجية تستخدم ضد الشعب السوري، وسوف يتغير الوضع.

     سنأخذ من الماضي العبر والدروس وننطلق إلى المستقبل بخطى ثابتة.

     اتفقنا على تشكيل لجنة وزارية سورية روسية مشتركة للنظر في الاتفاقيات السابقة.

     لقينا انفتاحا كبيرا من روسيا، نعتقد أن العلاقة بين البلدين ستكون في سياق استراتيجي متميز في أقرب فرصة.

    مشهد الانسحاب تلاه حرب بين البدو والقوات المسلحة في السويداء. الحل أن تضطلع الدولة بحماية المدنيين وأي تدخل خارجي ستكون نتيجته الفوضى.

    الدولة السورية مسؤولة عن الجميع وأي لعب بهذه الورقة سيؤدي إلى الفوضى مجددا.

    الوضع في سوريا يراهن على وضع الشعب السوري وحكمة الدولة السورية.

    التزمنا بالحوار والحكومة السورية تضمن حقوق جميع الأقليات، وسيمثل جميع أبناء الشعب السوري في البرلمان.

    هناك مشاكل في وجود السلاح خارج سيطرة الدولة. الدولة لديها توجيهات واضحة بعدم الإساءة لأي مدني وحماية جميع طوائف الشعب السوري. التدخل الإسرائيلي هو ما يعيق ذلك.

    تعبنا من الحرب خلال 14 سنة، نريد لم شمل الشعب السوري في الداخل والخارج، وهو ما يحتاج إلى بيئة مواتية ومساعدة ودعم من الأصدقاء.

بلا رتوش

————————-

دوريات روسية في القامشلي تتجاهل «قسد» وتعكس تفاهمات موسكو ودمشق

إعادة التموضع الروسي في سوريا… احترام وحدة البلاد وضمان مصالح الطرفين

موسكو: رائد جبر

7 أغسطس 2025 م

عكست خطوة تسيير دورية عسكرية روسية قبل يومين في مدينة القامشلي السورية بروز تبدل ملموس في التحالفات الجديدة في منطقة شمال شرقي سوريا، خصوصاً على خلفية أن التحرك الميداني الروسي جاء بعد تفاهمات جرت خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو، أخيراً، واستبعاد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) التي كانت في السابق جزءاً من التنسيق الثلاثي للتحركات في المنطقة.

تحركت الدورية الروسية في مناطق شرق مدينة القامشلي في ريف محافظة الحسكة، رفقة مروحيتين، في استعراض لافت كون هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تحركات ميدانية روسية علنية منذ سقوط النظام المخلوع، نهاية العام الماضي، مما أوحى بوجود تنسيق مباشر مع الحكومة السورية الجديدة، وفق وسائل إعلام محلية.

ومع تكتم موسكو التقليدي على كل ما يرتبط بالتحركات العسكرية وغياب أية معطيات رسمية حولها، رأت وسائل إعلام أن الخطوة تعد «مؤشراً واضحاً على تغير قواعد الاشتباك والتنسيق الأمني بعد التحولات السياسية في دمشق»، خصوصاً في ظل استبعاد قوات «قسد» التي «منعتها القوات الروسية من الوجود أو المرافقة»، في دلالة واضحة على تغيّر قواعد التنسيق على الأرض، بعد المرحلة السياسية الجديدة في دمشق.

زيارة الشيباني وأبو قصرة

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط على زيارة ناجحة قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الروسية، على رأس وفد رفيع، التحق به بعد وصوله بساعات وزير الدفاع مرهف أبو قصرة الذي عقد اجتماعاً مطولاً مع نظيره الروسي أندريه بيلوسوف لم يتم تركيز الأنظار الإعلامية عليه كثيراً، بسبب الانشغال باستقبال الوفد السوري الرفيع في الكرملين.

وشهدت المباحثات الروسية السورية نقاشات موسعة حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وتنسيق المواقف ومناقشة الأوضاع الأمنية والعسكرية في الجنوب السوري، وكذلك في مناطق شمال شرقي سوريا.

وقال مصدر روسي اطلع على مضمون المحادثات في الشق العسكري منها، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطرفين توصلا إلى تفاهم حول تنسيق خطوات مشتركة وتوجيه الجهد نحو ضمان الالتزام بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية، وهو المبدأ الذي تتطابق فيه وجهات نظر موسكو ودمشق تماماً.

بهذا المعنى، فإن التحرك الميداني على محدوديته حالياً، يظهر أن الطرفين انتقلا إلى تطبيق التفاهمات الأولية التي جرى التوصل إليها.

أولويات موسكو

وهنا من المهم التذكير بأن موسكو خلال الأسابيع الماضية، دأبت على التأكيد وعلى مختلف المستويات، أنها تتعامل مع الواقع الجديد في سوريا انطلاقاً من مبدأ ضمان مصالحها التي وصفت بأنها «مشروعة».

في هذا الإطار، تعمل موسكو بقوة على عدم الظهور بمظهر «الخاسر استراتيجياً» بسبب سقوط نظام الأسد. وتسعى لذلك لإقامة نوع من التوازنات الجديدة في العلاقة تحافظ فيها على الحدود الدنيا لمكاسبها السابقة، بما في ذلك الوجود العسكري على ضفاف البحر المتوسط. وبالتأكيد تعي موسكو جيداً أنه سوف يتوجب على الطرفين مراجعة الاتفاقات السابقة، بما في ذلك طبيعة هذا الوجود ومدته الزمنية ورقعته الجغرافية.

بهذا المعنى، يرى خبراء روس أن أحد الخيارات المطروحة الاكتفاء بوجود عسكري روسي في قاعدة طرطوس البحرية، استناداً إلى اتفاق قديم مبرم في عام 1972، يمنح موسكو هذه الإطلالة على البحر المتوسط من خلال «نقطة لوجيستية» لخدمة السفن الروسية. مع إعادة النظر بوضع قاعدة «حميميم» الجوية التي نقلت موسكو منها بالفعل كل العتاد الثقيل وأنظمة الدفاع الجوي ومنظومات الرادار وغيرها من المعدات، إلى مناطق في شمال شرقي سوريا.

تنسيق مع تركيا

في المقابل، تبدي موسكو استعداداً واسعاً لدعم السلطات السورية في ملفات إعادة الإعمار جزئياً، وفي ملفات سياسية مهمة للغاية.

في هذا السياق، كان لافتاً أن نقل العتاد الثقيل بما في ذلك المروحيات والطائرات إلى مطار القامشلي، دخل في إطار إعادة تموضع روسيا العسكري في سوريا بشكل يهيئ الظروف لتفاهمات مستقبلية مع دمشق حول دور ووجود هذه القوات في المنطقة.

وكانت تقارير تحدثت سابقاً عن نقل العتاد الثقيل من حميميم، وتجهيز مطار القامشلي ليغدو قاعدة جوية متكاملة.

لكن المهم في هذا الموضوع، أنه وخلافاً لتقديرات بعض الخبراء السوريين بأن موسكو ذهبت إلى تلك المنطقة لدعم «قسد» والتلويح بعمل انفصالي محتمل، فإن التحركات الروسية جرت بتنسيق كامل مع تركيا، وبغض نظر من جانب الولايات المتحدة. لذلك، فهي لا يمكن أن تحمل أبعاداً تهدد وحدة وسيادة سوريا، كون هذا الملف فيه تطابق بوجهات النظر بين موسكو وأنقرة في معارضة النزعات الانفصالية في المنطقة. وأكثر من ذلك، ترى موسكو في هذا الوجود الذي قد يحظى بموافقة سورية مستقبلية كونه ضامناً استراتيجياً لعدم تهديد وحدة سوريا، أنه بديل محتمل عن الوجود في «حميميم» لاحقاً في إطار ترتيبات قد يتم الاتفاق عليها مستقبلاً.

يذكر أن الجيش الأميركي، سحب قواته بالكامل في منتصف تموز (يوليو) الماضي، وبشكل مفاجئ، من قاعدة «تل بيدر» العسكرية شمال محافظة الحسكة السورية.

وذكرت المصادر أنه علاوةً على الانسحاب الميداني من القاعدة المذكورة، أقدم الجيش الأميركي على تفكيك برج المراقبة التابع له في مرصد «جبل عبد العزيز» جنوب الحسكة.

على الصعيد السياسي، تنطلق موسكو من حاجة دمشق الملحة، إلى إقامة نوع من التوازن في العلاقات الخارجية يساعدها على مواجهة التوغل الإسرائيلي والتدخلات الخارجية الواسعة، وكذلك في مواجهة النزعات الانفصالية في مناطق شمال شرقي سوريا.

ويمنح هذا المدخل الوجود الروسي في سوريا هوية وأهدافاً مختلفة في ظل التفاهم على الالتزام بوحدة وسلامة الأراضي السورية، وبما يضمن مصالح الطرفين الروسي والسوري.

وقال محمود الحمزة، الخبير السوري المطلع على الشأن الروسي لـ«الشرق الأوسط»، إن إعادة التموضع الروسي يلبي مصالح وأهداف الطرفين، ورأى أن الخبر المتعلق بتسيير الدورية الروسية في القامشلي «مثير للغاية لكنه منطقي»، ويعد امتداداً طبيعياً للتطورات السابقة.

في هذا الإطار أشار الحمزة، إلى أن خطوة نقل العتاد إلى مطار القامشلي وتحضيرها ليغدو قاعدة جوية متكاملة، شكلت استجابة للتطورات التي شهدتها سوريا، و«كان لموسكو حضور سابق منذ عام 2015 في مطار القامشلي بالاتفاق مع الجانبين التركي والأميركي، وأيضاً مع قوات «قسد».

وبعد سقوط النظام السابق ونقل الجزء الأكبر من القوات والعتاد إلى هذه القاعدة، برزت أسئلة لدى قوات «قسد» حول أهداف إعادة التموضع الروسي». وقال الخبير إن الجديد بعد زيارة الشيباني وأبو قصرة، أنه «يبدو أن الحكومة السورية نجحت في إحداث اختراق في الموقف الروسي من خلال الاتفاق على إبقاء القواعد العسكرية، مع احتمال أن تلعب روسيا دوراً في الجنوب السوري من خلال إنشاء نقاط مراقبة في القنيطرة، مثلاً، مما يحد من التوغلات الإسرائيلية».

وزاد أن التفاهمات قد تكون شملت احتمالاً لتحرك روسي في السويداء من خلال جهود وساطة، وأيضاً «في القامشلي وشرق الفرات هذه يمكن أن تكون الساحة الرئيسية للدور الروسي الجديد من خلال التنسيق الروسي مع الحكومة ومع العشائر لفرض حل ما على (قسد)».

وقال إن الدوريات من دون مشاركة «قسد» مؤشر واضح، لبروز «أجندة مستقلة بعيدة عن (قسد) مع الحكومة السورية في المنطقة، تقوم على مبدأ وحدة الأراضي السورية». في الوقت ذاته رأى أن هذا الدور الروسي يمكن أن يكون عاملاً مطمئناً للمكون الكردي، أن موسكو في إطار إعادة تموضعها وتحركاتها الجديدة، سوف تكون ضامن لمصالح الأكراد وتسهيل الحوارات مع دمشق.

دعم روسي بمجلس الأمن

تنطلق موسكو من حاجة سوريا الجديدة إلى «نظام دولي جديد يحدِث توازناً بعد الفراغات التي تركها الموقف الغربي».

ويكتسب هذا الملف أبعاداً مهمة في إطار مساعي التنسيق الجديدة بين موسكو ودمشق، خصوصاً أن روسيا تكرر فكرة استعدادها لتقديم الدعم السياسي المطلوب بقوة حالياً لدمشق. وهنا من المهم الالتفات، كمثال، إلى أن روسيا سوف تتولى رئاسة مجلس الأمن في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مما يمنح فرصة لطرح ملفات للمناقشة في المجلس، بينها مبدأ وحدة وسلامة سوريا وضرورة وقف الاعتداءات والتدخلات الخارجية فيها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التزام موسكو بهذا المبدأ ليس ورقة تفاوضية مع دمشق وحسب، بل إنه يعكس بشكل مباشر المصالح الروسية في سوريا.

وخلافاً للفكرة الشائعة بأن موسكو قد تدعم توجهاً انفصالياً في مناطق الساحل، لتأمين حضورها العسكري هناك في حال وصلت المفاوضات مع دمشق إلى طريق مسدود، فإن المنطق الروسي يقوم على رفض فكرة وجود قاعدة عسكرية روسية في منطقة أو كيان لا يحظى باعتراف دولي ومعزول وغير آمن. تفضل موسكو أن يكون وجودها في إطار اتفاقات محدثة مع سوريا الجديدة الموحدة، وهي بذلك ترى أن مصالحها تنطلق من إقامة علاقات جيدة مع دمشق تستحضر تاريخ العلاقات التقليدية بين الشعبين والبلدين وتسقط من الذاكرة حقبة بشار الأسد.

————–

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى