إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 08 آب 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————
تحديث 08 آب 2025
——————————–
لجنة «السويداء القانونية»: دمشق تحيل قضاتها للتحقيق
أحالت دمشق للتحقيق، أمس الخميس، قضاة ضمتهم لجنة قانونية شكلتها الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء لتسيير الشؤون الخدمية، وذلك بعد يوم على إعلان اللجنة عن مكتب تنفيذي وتعيين مسؤولين سابقين في نظام الأسد لتولي مهام قيادة الأمن الداخلي.
وأفاد مصدر مسؤول في وزارة العدل بإحالة القضاة المذكورة أسماؤهم ضمن ما سمّيت بـ «اللجنة القانونية العليا» في السويداء، إلى إدارة التفتيش للتحقيق، لمخالفتهم الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية.
ونقلت وكالة «سانا» عن المصدر قوله: تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي نبأ تشكيل لجان محلية في محافظة السويداء، يأتي على رأسها ما سمّيت بـ (اللجنة القانونية العليا)، التي أصدرت عدداً من القرارات بتشكيل لجان أخرى ذات طابع إداري وأمني وخدمي، وتضمنت في تشكيلتها القضاة التالية أسماؤهم: مهند أبو فاعور، أيمن الحرفوش، مفيد عماشة، عصام العراوي، شادي مرشد، معتز الصايغ .
وأضاف المصدر: «إن القضاة المذكورين ضمن اللجنة المذكورة باشروا أعمالهم، وهي أعمال تخالف الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، وخاصة المواد 78 وما يليها من قانون السلطة القضائية، التي لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية وبين مهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر يؤديه بالذات أو بالواسطة، كما حظرت على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية وحظرت عليهم الاشتغال بالسياسة»ة.
وأردف: «بما أن العمل الذي باشره القضاة المذكورون سالفاً عمل سياسي محض يتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم، وباشره القضاة بذاتهم بتكليف من جهة غير مجلس القضاء الأعلى، وبما أن الأخبار تتناقل احتمال مشاركة قضاة آخرين في هذه الأعمال مثل: القاضي إخلاص درويش، والقاضية خزامة مسعود؛ فقد تمت إحالة القضاة المذكورين إلى إدارة التفتيش للتحقيق فيما ينسب إليهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق من تثبت مشاركته في هذه الأعمال»، وفق ما نقلت «سانا»
والأربعاء، أعلنت اللجنة عن تشكيل المكتب التنفيذي الذي سيتولى تسيير الشؤون الخدمية في المحافظة، بالإضافة إلى تعيين مسؤولين سابقين في نظام الأسد لتولي مهام قيادة الأمن الداخلي.
وأعادت اللجنة في بيان عبر صفحتها على منصة «فيسبوك» تشكيل المكتب التنفيذي إلى «الظروف الطارئة التي تمر بها السويداء، ولتأمين الخدمات للمواطنين بالسرعة القصوى»، فضلًا عن «مقتضيات المصلحة العامة» .
وكلفت اللجنة في بيانها، ماهر غالب العنداري، بمهام أمين عام المحافظة، بالإضافة إلى تحديدها أسماء ستتولى الإشراف على القطاعات المرتبطة بالمكتب التنفيذي. ففي قطاع مجالس المدن والبلدان والبلديات، كلف وليد فضل الله القضماني، ولقطاع الشؤون الاجتماعية والعمل والهلال الأحمر والكوارث والتعليم العالي كلف فاتن إبراهيم جودية، وفي قطاع النقل والمواصلات والكهرباء والاتصالات كلف ماجد سعيد البيروتي، وفي قطاع الصحة والثقافة والشباب والرياضة كلف مازن فارس الطويل، وفي قطاع الاقتصاد والتجارة والصناعة كلف خلدون فوزي أبو سعدة، وفي قطاع التخطيط والموازنات وشركات القطاع العام كلف نضال محمد عزيز، وفي قطاع الزراعة والمياه والموارد المائية والمصالح العقارية كلف عصام عريج، وفي قطاع التربية والسياحة والآثار والبيئة والثروات المعدنية كلف نوال يونس نعيم.
كذلك أصدرت اللجنة بيانًا منفصلًا نص على تكليف العميد شكيب أجود نصر قائدًا لقوى الأمن الداخلي في المحافظة، بالإضافة إلى تكليف أنور عادل رضوان معاونًا لقائد قوى الأمن الداخلي.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن نصر شغل مناصب عدّة في قوات النظام البائد، من بينها رئيس الفرع السياسي في محافظة طرطوس، بالإضافة إلى المنصب نفسه في الحسكة، قبل أن يكون رئيسًا لقسم الاقتصاد في فرع الأمن السياسي في دمشق. أما رضوان فتشير التقارير إلى أنه شغل سابقًا منصب مدير أمن منطقة بانياس.
وتشكلت اللجنة بناء على قرار صادر عن الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في المحافظة، على أن تتألف من القضاة المستشارين: مهند أبو فاعور، بالإضافة إلى أيمن الحرفوش، مفيد عماشه، عصام العراوي.
كما ضمت اللجنة أيضًا القضاة شادي مرشد ومعتز الصايغ، إلى جانب المحامين كيان الصباغ، أنس حاطوم، ومعتز رضوان.
وحصرت الرئاسة الروحية مهام اللجنة بـ «إدارة شؤون السويداء بكافة القطاعات، الإدارية، الأمنية، والخدمية بكافة مجالات الحياة»، بالإضافة إلى «الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة، ورفع الظلم والضرر عن كاهل المواطنين بكافة مكوناتهم ومحاربة الفساد».
وأوضحت أن آلية عمل اللجنة تتلخص في «تشكيل مكتب تنفيذي بالسويداء لإدارة الشؤون الخدمية»، بالإضافة إلى «تشكيل لجان فرعية تخصصية بالإغاثة وتقصي الحقائق والانتهاكات، ومتابعة شؤون المفقودين والمخفيين قسرًا، ومتابعة شؤون الشهداء والجرحى، وقبول التبرعات وتوزيعها على المنكوبين» .
وأكدت الرئاسة على ضرورة «الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة والمصارف والمنشآت الاقتصادية»، مطالبة اللجنة القانونية بـ «متابعة القضايا الصحية والإنسانية وعمل المستشفيات العامة والخاصة، والمهام الإنسانية والاجتماعية» .
القدس العربي»
———————–
=====================
تحديث 07 آب 2025
————————–
الوطنية السورية وحكم الإسلاميين الراهن/ ياسين الحاج صالح
أثار الهجوم الحكومي على السويداء والكارثة الإنسانية والوطنية التي ترتبت عليه استياءً واسعاً بين السوريين في الداخل والخارج. كانت تلك معركة اختيارية، لم تكن السلطة مضطرة لها، ورغم أنها خرجت منها «ملومة مدحورة»، لم تعلن تحمل المسؤولية عن الكارثة، أو تعترف بوقوع كارثة. بالعكس، بعد المجزرة الطائفية ضد الدروز والانكفاء الاضطراري عن السويداء بفعل القصف الإسرائيلي وضغوط أمريكية وتركية، جرت الدعوة إلى «مسيرات جماهيرية» لدعم القيادة يوم الجمعة، 1 آب الجاري. بقدر ما كانت الدعوة للمسيرات تعبيراً عن اضطراب السلطة وتراجع ثقتها بنفسها، كانت الاستجابة الهزيلة لها تعبيراً عن تراجع الثقة بها ضمن جمهور متنوع. سوريا بفعل هذه المسالك الطائشة في أزمة وطنية كبيرة، تهدد كيانها ومجتمعها.
لم يكن أكثر الجمهور السوري على ولاء خاص للسلطة الجديدة ورجالها، رغم الحماس الواسع لإسقاط الحكم الأسدي. لكن المزاج العام كان إيجابياً تجاه التغيير الحاصل، راغباً في المشاركة، ومترقباً لما يأتي. وطوال أشهر، بدا أن هناك عالمين متوازيين في سوريا، بينهما جسور وممرات، وفضول، لكن الجسور والممرات تعرضت لضغط شديد ومتكرر من قبل السلطة الجديدة وأنصارها فتقطع أكثرها، والفضول تراجع وانقلب إلى نفور، واتجه العالمان إلى التباعد. وفي جذر هذا التباعد شيئان أو ثلاثة. الأول هو التركز المطرد للسلطة الفعلية بأيدي فريق واحد، ليس سنياً فقط، وإنما هو من مقربي هيئة تحرير الشام، فكرياً وجهوياً. والثاني هو المجازر والإذلالات البشعة التي ارتكبت في الساحل ثم في السويداء. والثالث هو تدخلات واستفزازات دينية يقوم بها طائفيون سنيون أو سلفيون ملتزمون، مستقوون بالسلطة، في الجامعات والجوامع والأحياء. وهي كلها تشكك في أي كلام على بناء الدولة. الدولة لا تبنى بتدمير المجتمع.
تستفز هذه المسالك جهوراً سورياً واسعاً ومتنوعاً، بمن في ذلك سنيون محافظون، وتطعن فكرة الوطنية السورية في القلب. القضية التي نسوقها هنا هي أن الوطنية السورية هي الأرضية الأوسع والأصلب للاعتراض على الحكم الحالي. لا السياسات طائفية أو إثنية التمركز، ولا دعوات التقسيم، ولا القومية العربية، ولا الإسلامية الحالية أصلح. الوطنية السورية هي الرابطة الجامعة العابرة للطوائف، والتي لها سلفاً تاريخ يتجاوز القرن. صحيح أنه لم يوجد قط تعبير سياسي عن الوطنية السورية، وأنها ليست قوية بقدر ما هي الوطنية المصرية مثلاً، إلا أن قاعدتها الاجتماعية أوسع من أي دعوة منافسة. وهي تشمل سنيين ليسوا إسلاميين (وتتيح لهم الابتعاد عن الحكم الحالي)، واللاطائفيين من الجماعات الأهلية الأخرى (وإن تراجعت نسبتهم بعد المجازر بحق العلويين والدروز)، ويمكن أن تنال ولاء جمهرة كردية أوسع إن ضُمنت الحقوق السياسية والثقافية للكرد، معززة بمشاركة فعلية في السلطة (وهذه أقرب إلى نقاط إجماع سورية اليوم).
وما يجعل الوطنية السورية أرضية الاعتراض الأصلح على السلطة الحالية، وعلى دعوات التقسيم، هو قدرتها المبدئية على استيعاب التعدد السوري، السياسي والأهلي. ثم هو علمانيتها الضمنية بفعل قيامها المبدئي، ومنذ المؤتمر السوري العام عام 1919، على المواطنة ومبدأ الوطن للجميع. وهو بعد ذلك اعتدالها ومنزعها الاستيعابي المضاد للتطرف. الميول التطرفية في سوريا، سواء باتجاه عروبي أو إسلامي أو طوائفي، هي نتاج التخلي عن الوطنية السورية وليست نتاج التمسك بها والصدور عنها، ولذلك فهي الأرضية الأمتن لمقاومة التطرف بكل صوره.
وعموماً، يبدو أن الوطنيات المعاصرة هي الترياق ضد الحكم الديني الذي لا يمكن إلا أن يكون فئوياً وتمييزياً، وإن تعين إصلاح تلك الوطنيات في اتجاهات ديمقراطية. أثار الحكم الديني في مصر احتجاجات وطنية الدوافع ضد حكم الإخوان، لا يطعن في أحقيتها أن الجيش صعد على أكتافها إلى الحكم. كان ذلك خيانة للاحتجاجات الشعبية على «أخونة الدولة» وليس وفاء لها. افتقرت مصر إلى قوة اجتماعية سياسية ثالثة، تتمثل فيها الوطنية المصرية، بالتمايز عن حكم العسكر والإخوان، أو تقترح صفقة يتنازل الإسلاميون فيها عن طلب السيادة، مقابل الحق في السياسة في دولة ديمقراطية، أي أن يكونوا حزباً مثل غيرهم، ينافس مثل غيره على السلطة.
في سوريا، ليس الجيش من يقف ضد أسلمة الدولة الجارية، فقد تحلل وانحل، وكان فاقداً للوطنية أصلاً بفعل ولوغه في دم السوريين (والفلسطينيين واللبنانيين في وقت سبق) وانقياده لقوى أجنبية. ما يقف ضد أسلمة الدولة هو جماعات أهلية مسلحة، يمتنع أن يتشكل حول أي منها أو حول مجموعها أكثرية سورية. ومن شأن التعويل عليها أن يفتح فصلاً جديداً من الحرب الأهلية الشاملة، فإنه ممتنع دون راع دولي لهذا الائتلاف، يسلحه ويموله ويغطيه سياسياً. وهذا غير متاح في أوضاع اليوم. المرشح الأبرز هو إسرائيل، لكن يبدو أنه يتعذر على إسرائيل ذاتها أن تخوض مغامرة كبيرة كهذه، وإن كان مناسباً لها إضعاف السلطة الحالية، واستخدام جماعات أهلية مسلحة لهذا الغرض.
ولما كانت سوريا تفتقر أكثر حتى من مصر إلى قوة ثالثة، غير الإسلاميين والجماعات الأهلية المسلحة، أي غير نوعين من الجماعات الأهلية المسلحة، فلا يبقى لتجنب حرب أهلية شاملة غير العمل على قيام هذه القوى الثالثة. وفي التداول سلفاً أفكار متنوعة، نشط تداولها مؤخراً، ومنها فكرة مؤتمر وطني جامع، يعمل على بلورة تصور نظام سياسي استيعابي في سوريا. وهناك بالفعل حاجة ملحة إلى نشوء قوة وطنية ديمقراطية، تشكل من جهة استئنافاً للتطلعات الباكرة للثورة السورية، وتستجيب من جهة أخرى لواقع التعدد السوري الذي خذلته السلطة الحالية مراراً. هذه الأخيرة تظهر كنظام أزمة متجددة في واقع الأمر بفعل تكوينها الأحادي والضيق.
وبنظرة عريضة، فإن جذر المشكلة الدينية السياسية في سوريا، وقبلها في مصر وبلدان عربية أخرى، يتمثل في لا ديمقراطية الدولة من جهة، وفي سيادية القوى الدينية أو إرادتها السيطرة على الدولة من جهة ثانية. لا يريد الإسلاميون أن يكونوا قوة سياسية إلى جانب قوى سياسية أخرى، بل أن يكونوا الدولة. ومن جهتها، تلغي أكثر دولنا الحياة السياسية، فلا تشجع أيا كان على أن يعرف نفسه بالسياسة أو يعمل من أجل أن يكون قوة سياسية بين قوى سياسية أخرى. ومن هذا الباب فإن المخرج من الأزمة المزمنة ربما يتمثل في تسوية تاريخية، ينال فيها الإسلاميون السياسة مقابل التخلي عن السيادة (ألا يمارس عنف باسم الدين ولا تكون لأي قوى دينية ولاية عامة)، وتحتكر الدولة السيادة (العنف والولاية العامة) مقابل أن تصير ديمقراطية. والمشكلة راهنة في سوريا، حيث يستأثر إسلاميون بالسيادة والسياسة معاً، في صورة تستعيد قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع. لكن هذا تسبب سلفاً في موجتين من المجازر خلال ثمانية أشهر، وفي نفور عام من المتحكمين الجدد وتشاؤم متسع حيال المستقبل.
الوقائع الصلبة تفرض نفسها: سوريا لا يمكن أن تحكم من فريق ديني، لأنه لا يمكن أن يكون وطنياً (وغير قليل من المنحازين له يتفاخرون باحتقارهم لمبدأ الوطنية). والأساس الأمتن للاعتراض على الحكم الديني هو الوطنية السورية، لا العروبة، ولا الطوائفية، ولا بطبيعة الحال الإسلامية.
كاتب سوري
القدس العربي
———————————–
ناشطون يطلقون حملة لمواجهة خطاب الكراهية في سوريا
أطلقت مجموعة من الناشطين السوريين حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت وسم “السويداء في قلب سوريا” لمواجهة حملات التحريض الطائفي والتجييش وخطاب الكراهية في سوريا، الثلاثاء 5 من آب.
ويشارك في الحملة ناشطون إعلاميون وسياسيون من درعا والقنيطرة والسويداء، إلى جانب ناشطين من محافظات حمص واللاذقية وطرطوس ودمشق.
تنشط الحملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يشارك الناشطون في الحملة منشورات لتخفيف الاحتقان داخل المجتمع السوري، وفي الوقت ذاته، يخطط القائمون على الحملة لتنفيذ عدة خطوات ميدانية مستقبلية.
وقال الناشط السياسي وأحد منظمي الحملة جبير السكري، لعنب بلدي، إن الهدف من الحملة هو كسر الجمود بين المجتمع السوري وتخفيف الاحتقان الحاصل خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى مواجهة حملات التحريض الطائفي والتجييش، ودعم سوريا موحدة بعيدًا عن المشاريع الخارجية التي تهدف إلى هدم العيش المشترك.
وأضاف السكري أن الحملة جاءت في توقيت “حساس”، نتيجة اتساع الشرخ بين مكونات المجتمع السوري بسبب التحريض الطائفي والتجييش، مؤكدًا أن هذا الدور يقع على عاتق الناشطين الإعلاميين والسياسيين.
وعن تفاعل السوريين مع الحملة، أشار السكري إلى تلقيهم العديد من الرسائل الخاصة من أبناء السويداء، وجميعها تحمل نفس المضمون بصيغ متعددة، مفادها “أنتم صوتنا ونحن تحت الرصاص”، مؤكدًا أن ذلك يعكس الخوف الكبير على حياتهم.
وأوضح السكري أن هذه المشاركة “تدل على وجود كثير من الناس يرغبون بوحدة سوريا والعيش المشترك، وأن وحدة الأراضي هي الهدف الأسمى بعيدًا عن المشاريع الخارجية”.
تضامن يتجاوز الانقسامات
تعرف حملات المناصرة المجتمعية على أنها جهود منظمة تهدف إلى إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي من خلال التأثير على صانعي القرار والجمهور، وتشمل هذه الحملات رفع الوعي بالقضايا، وتعبئة الدعم، والضغط من أجل التغيير.
الناشطة المجتمعية جولي بيطار، قالت لعنب بلدي، إن حملة “السويداء في قلب سوريا” تمثل نموذجًا مهمًا للتضامن الشعبي الذي يتجاوز الانقسامات الجغرافية والطائفية في سوريا.
كما أنها محاولة “واعية” لإعادة بناء النسيج الوطني عبر خطاب يرفض التحريض ويؤكد وحدة المصير السوري، بعيدًا عن خطاب الاستقطاب والتفكيك.
وتعكس الحملة “وعيًا متزايدًا” لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري بضرورة حماية الوحدة الوطنية كشرط أساسي لأي مستقبل مستقر.
ومع ذلك، تظل فاعلية هذه الحملات مرتبطة بقدرتها على ترجمة التضامن الرقمي إلى خطوات ملموسة على الأرض، تعيد للمواطنين الأمل في دولة العدالة والكرامة، بحسب بيطار.
أحداث السويداء
بدأت الأحداث الدامية في السويداء بعمليات اختطاف متبادلة بين فصائل محلية في السويداء، موالية للرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، وعشائر من البدو.
وفي 14 من تموز الحالي، دخلت قوات من وزارتي الداخلية والدفاع لفض النزاع الدائر، إلا أنها قوبلت بمواجهة من الفصائل بعد ورود أنباء عن انتهاكات من قبل القوات الحكومية.
وتدخلت إسرائيل على خط الصراع، ما أدى إلى انسحاب القوات الحكومية وتسليم الملف الأمني للفصائل المحلية، والتي ارتكبت أيضًا انتهاكات بحق عوائل من البدو.
وفق أحدث إحصائية صادرة عن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” قتل ما لا يقل عن 814 سوريًا بينهم 34 سيدة و20 طفلًا، وستة أشخاص من الطواقم الطبية، وشخصان من الطواقم الإعلامية، في محافظة السويداء منذ اندلاع التوترات في 13 من تموز الحالي.
وعاد الهدوء إلى المدينة بعد تجدد الاشتباكات، في 3 من آب، بين قوى الأمن العام السوري ومقاتلي العشائر من جهة، وفصائل محلية في السويداء من جهة أخرى، في محيط تل الحديد القريب من بلدة الثعلة، في الريف الغربي للمحافظة.
——————————-
الأزمة الإنسانية تتفاقم في السويداء/ حسام رستم
07 اغسطس 2025
بعد الحوادث الدموية الأخيرة التي وقعت في محافظة السويداء جنوبي سورية، تتفاقم الأزمة الإنسانية، وتتزايد الضغوط الإنسانية على آلاف من سكان السويداء مع تواصل إغلاق الطرقات المؤدية إلى المحافظة والنقص في المواد الغذائية والأدوية والوقود، علماً أنّ قافلات إغاثة تدخل إلى المحافظة بين حين وآخر غير أنّها لا تكفي وفقاً لشكاوى الأهالي.
وقد وصلت قافلة المساعدات الأخيرة التي سيّرتها جمعية الهلال الأحمر العربي السوري إلى السويداء، أمس الأربعاء، وقد تألّفت من 40 شاحنة حملت أغذية، ولا سيّما الطحين، وعبوات مياه ومستلزمات طبية. وهذه القافلة، التي أتت بدعم من برنامج الأغذية العالمي ووكالات أممية أخرى بالإضافة إلى منظمات عالمية، ضمّت إمدادات أساسية وفّرتها منظمة الصحة العالمية.
كمال السعدي من أهالي مدينة السويداء يخبر “العربي الجديد” أنّ “أفران السويداء، بمعظمها، توقّفت عن العمل بسبب نفاد الوقود والطحين، كذلك توقّفت معظم الآبار عن العمل نتيجة نقص الوقود اللازم لتشغيلها أو على خلفية التخريب المتعمّد الذي تعرّضت له”. يضيف أنّ “الأهالي يحصلون على بضع عبوات مياه يومياً تصل عبر المساعدات أو على كميات ضئيلة عبر خزّانات وضعت في أحياء المدينة”، مشيراً إلى أنّ “المساعدات قليلة جداً وما يصل منها لا يكفي حاجة الأهالي”.
من جهتها، تقول الناشطة في المجال الإنساني ميساء العبد الله المقيمة في ريف السويداء لـ”العربي الجديد” إنّ “ثمّة مساعدات إنسانية تدخل إلى المحافظة عن طريق جمعية الهلال الأحمر العربي السوري والوكالات الأممية، وتشمل معونات غذائية، خصوصاً الطحين، ومخصّصات للأفران بما فيها الوقود”. وتلفت إلى أنّ “البنزين لم يدخل محافظة السويداء منذ بدء الاشتباكات المسلحة فيها، علماً أنّ المازوت الذي يدخل عبر قوافل المساعدات يُستخدَم في تشغيل مولّدات المستشفيات، وكذلك في تشغيل عدد محدود من الأفران، ولا سيّما في مدن وبلدات شهبا والقرية والسويداء وصلخد”.
وتوضح العبد الله أنّ “ربطات (أكياس) الخبز توزَّع بكميات محدودة لتغطية أكبر عدد ممكن من العائلات، وذلك بما يعادل ربطة واحدة ونصف ربطة لكلّ عائلة، بغضّ النظر عن عدد أفرادها. وهذه الكميات غير كافية لسدّ حاجة العائلة اليومية من الخبز”، مشيرةً إلى أنّ “ثمّة مصاعب كبيرة كذلك في مراكز الإيواء”. تضيف الناشطة السورية أنّ “الأهالي استهلكوا معظم المواد الغذائية المتوفّرة في المحال التجارية والمراكز بمدن محافظة السويداء وبلداتها”، مؤكدةً أنّ “الناس يعيشون بالحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة، في ظلّ عدم وصول المساعدات الإنسانية إلى عدد كبير من سكان المحافظة”. وتابعت أنّ “ثمّة قرى كاملة لم تصلها أيّ مساعدات على الإطلاق حتى الوقت الراهن”.
من جهة أخرى، تفيد العبد الله بأنّ “المرضى في عموم محافظة السويداء يعيشون ظروفاً صعبة، خصوصاً المصابين بالسرطان والتصلب اللويحي، في ظلّ نقص حاد في الأدوية. كذلك يعاني المصابون بأمراض مزمنة، مثل مرضى ضغط الدم والقلب، خصوصاً في الأرياف الجنوبية نتيجة فقدان عدد من الأدوية وندرة عدد آخر”. وتبيّن أنّ “الوضع في مدينة السويداء قد يكون أفضل إلى حدّ ما، مع توفّر أدوية تصل عبر الهلال الأحمر، بخلاف الوضع في الأرياف”.
وتلفت العبد الله إلى أنّ تجدد الاشتباكات في السويداء أخيراً تسبّب في انقطاع في التيار الكهربائي مجدّداً، بعدما كان قد عاد إلى بعض المناطق قبل يومَين، كذلك تسبّبت في انقطاع الاتصالات”. وإذ تخبر الناشطة السورية في المجال الإنساني أنّ ثمّة قرى شهدت توزيع سلال غذائية على العائلات التي استقبلت نازحين، خصوصاً من العائلات الوافدة من الريف الغربي للمحافظة، تحذّر “المنطقة استهلكت كلّ ما لديها من معلبات ومواد غذائية أخرى، وقد وصل الناس إلى أدنى مستويات المعيشة. فثمّة نقص في الطحين، والجفاف الذي يضرب السويداء منذ نحو خمس سنوات فاقم الأزمة، كذلك فإنّ الأهالي لا يملكون القدرة على شراء ما يتوفّر في الوقت الحالي”.
في الإطار نفسه، يشير المواطن تركي طرودي، شقيق شهيرة الطرودي المصابة بالسرطان، لـ”العربي الجديد” إلى أنّ وضعها الصحي بدأ بالتراجع أخيراً، ولا سيّما أنّها كانت تتلقى علاجها في مستشفيات دمشق. ويقول: “لا جهة تمنعها من العودة إلى دمشق للعلاج” عند سؤاله عن إمكانية خروجها لتلقي العلاج في دمشق عن طريق الهلال الأحمر السوري. يضيف طرودي: “كان من المقرّر، بعد إجراء تحاليل طبية لها، أن تحصل على جرعة علاج في دمشق، لكنّ الحوادث الأخيرة في السويداء حالت دون ذلك. وبفضل بعض الجهود، تلقّت الجرعة في مستشفى الأمل التخصصي في السويداء”. وإذ يؤكد أنّ “الأدوية مفقودة حالياً في السويداء”، يعبّر عن أمله بـ”تعاون لإيصالها”.
في سياق متصل، يلفت الصحافي المتحدّر من السويداء نورس عزيز لـ”العربي الجديد” إلى أنّ “حواجز الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية تدخل بكميات قليلة جداً المواد الأساسية، وتمنع إدخال البنزين”. يضيف أنّ “الطحين لم يدخل على مدى أيام، وأمس دخل 83 طناً فقط، كذلك فإنّ الخضراوات شبه معدومة في السوق”. ويؤكّد عزيز أنّ “ثمّة حصاراً حقيقياً على السويداء قد يصل إلى مرحلة التجويع”. وحول توزيع المساعدات لأهالي السويداء، يقول عزيز: “لا أعرف تحديداً من يتسلّم المساعدات، لكنّ مجموعات المجتمع المدني تساهم في توزيعها، وهذا أمر واضح”.
من جهة أخرى، أفاد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح أخيراً بأنّ عدد النازحين في محافظة السويداء تجاوز 170 ألف شخص، لافتاً إلى أنّ وزارته تشرف على تشغيل معبرَين إنسانيَّين بين محافظتَي السويداء ودرعا. أضاف، في تدوينة نشرها على موقع إكس أمس الأربعاء، أنّه جرى تأمين عبور أكثر من 15 ألف مواطن إلى خارج السويداء، فيما دخل عبرهما نحو ثلاثة آلاف شخص. وفي ما يتعلّق بالإيواء، أوضح الصالح أنّ عدد مراكز النزوح المؤقتة بلغ 86 مركزاً، من بينها 62 مركزاً في محافظة درعا تؤوي نحو 30 ألف مواطن، إلى جانب 22 مركزاً في منطقة السيدة زينب بريف دمشق تستقبل نحو 3.500 شخص.
ونبّه الصالح، في تدوينته نفسها، إلى أنّ النازحين في مراكز الإيواء هذه يواجهون ظروفاً معيشية صعبة، مبيّناً أنّ وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تسعى، بالتعاون مع جهات حكومية أخرى وجهات إنسانية، إلى تأمين الاحتياجات الأساسية وضمان استجابة فعّالة. وإذ رأى الصالح أنّ “حماية الأرواح تبقى على رأس أولويات الوزارة في كلّ الظروف”، شدّد على أنّ “صون كرامة المواطنين، ولا سيّما في لحظات النزوح، هو مبدأ أساسي لا يمكن التهاون فيه إلى حين عودتهم الآمنة والطوعية إلى منازلهم”.
العربي الجديد
—————————
صعوبة انكماش الفوضى السورية/ عمر الشيخ
07 اغسطس 2025
تعيش سورية اليوم في حالة انتقال غير مكتمل؛ ما بعد الدولة، من دون أن تدخل فعلياً في الدولة البديلة. سلطة مفككة، وفصائل مسلّحة تقاسم الأرض والنفوذ، وهيكل عسكري غائب، وسلطة تنفيذية عاجزة، وواقع سياسي هشّ يتغذّى من التدخّلات الإقليمية والدولية. ضمن هذا التداخل بين الانكفاء الرسمي والتشظّي المحلّي، تتشكّل معالم فوضى متحرّكة لا يمكن احتواؤها بخطاب سياسي تقليدي، ولا إخضاعها لردع مركزي غائب من المعادلة. والسؤال الجوهري هنا: أين تقف بنية الجيش السوري الجديد؟ هل أُعلنت تشكيلات واضحة أو عقيدة عسكرية جامعة تنتمي إلى كلّ المدن السورية؟ كيف يمكن الوصول إلى معلومات موثوقة حول تركيبة القيادات العسكرية، وسيرهم المهنية، وتجاربهم الميدانية؟ ما نعرفه، حتى اللحظة، أن القوات المسلّحة السابقة حُلّت في سياق تفكيك المنظومة الأمنية السياسية القديمة، لكنّها لم تُستبدَل بشكل حقيقي بقوة جديدة منظمة، مدنية أو عسكرية، يمكن الاستناد إليها في تنظيم القوة وضبط الأمن بشكل تام.
الواقع أن فصائل كثيرة كانت فاعلة في معارك الثورة، وخاضت مواجهات عنيفة ضدّ جيش النظام، باتت اليوم على الأرض في موقع السيطرة الجزئية، من دون امتلاك تصوّر واضح عن وظيفتها أو دورها في الدولة المقبلة. فصائل تفتقر إلى قيادة موحّدة، أو إلى مرجعية مؤسّسية، وتعاني تداخلاتٍ مناطقيةً وطائفية وأيديولوجية، الأمر الذي ينعكس مباشرة في الميدان بصدامات داخلية، وانهيار في فكرة الانضباط، وتعدّد في مراكز القرار. في الساحل السوري، على سبيل المثال، تشير تقارير ميدانية موثّقة إلى استمرار عمليات القتل في الحواجز المحلّية، ووقوع اعتقالات عشوائية على خلفية خصومات شخصية أو وشايات داخلية. هذه الحوادث تُسلّط الضوء على تآكل ما تبقّى من سلطة القانون، وتؤشّر إلى انزلاق الأمن من يد الدولة نحو سلطات ميدانية تُمارس القوة من دون محاسبة، وتُنتج عنفاً غير قابل للاحتواء. الفوضى التي نشأت أثراً جانبياً لانهيار النظام، باتت اليوم بنية قائمة في حدّ ذاتها. والأخطر أن هذه الفوضى، في غياب رؤية وطنية عادلة وموحّدة، آخذة بالترسّخ بوصفها الشكل الوحيد الممكن لتنظيم الحياة العامّة.
ويتجلّى الانهيار المؤسّسي في طريقة تعاطي الجهات المحلّية الجديدة مع الملفّات الخدمية والأمنية. في عدة مناطق، استنسخت أنماط الحوكمة التي سادت في ظلّ النظام السابق، لكن من دون إطار قانوني ضابط أو مركز تنظيمي جامع. مجموعات محلّية (عشائرية أو فصائلية) تولّت إدارة مناطق نفوذها وفقاً لمعايير متغيّرة، متأرجحة بين الجباية والتحكيم الميداني وفرض سلطات أمر واقع على السكّان. في بانياس واللاذقية، وثّقت تقارير ميدانية حالات استهداف مباشر لموظّفين حكوميين سابقين أو لمواطنين من دون تهم مُعلَنة، بما يعكس غلبة الطابع الشخصي أو الانتقامي في إجراءاتٍ كثيرة. التراجع لم يكن على مستوى الممارسة فقط، بل طاول المفهوم ذاته: لم يعد واضحاً من هي “الدولة”، ولا من يمثّلها، ولا ما الذي يعنيه الانتماء القانوني في ظلّ تعدّد المرجعيات. وفي هذا السياق، يبرز تحدٍّ بنيوي أعمق: هشاشة الضمانات التي تحيط بالمكوّنات غير السُّنّية في البلاد. سواء في أوساط المسيحيين، أو العلويين، أو الإسماعيليين، هناك شعور متزايد بالتهميش أو التعرّض لمخاطر متكرّرة، خصوصاً في ظلّ صعود فصائل تحمل تصوّرات أحادية للهُويَّة الوطنية. في سهل الغاب، وريف حمص، وأجزاء من ريف حماة، وثّقت مصادر ميدانية، تواصل معها كاتب هذه السطور، حوادث تنطوي على تهديدات مباشرة بالتهجير أو المنع من العودة، خصوصاً ضدّ عائلات علوية. حالات القتل المتعمّد، كما في قرى “معان” و “شلوح” و “كفر عقيد”، تعكس بيئة أمنية شديدة الهشاشة، مع غياب التسويات الرسمية وفقدان أيّ ردع فعّال. في ظلّ هذا المناخ، تتحوّل العودة إلى الأرض إلى مخاطرة يومية، وتغدو الحماية الذاتية بديلاً هشّاً من الدولة.
وتُعدُّ السويداء، بما تملكه من خصوصية ديمغرافية وتاريخية، نموذجاً مركّباً اليوم لحالة الفوضى المنظّمة. فمنذ سقوط النظام، تشكّل في الجبل مشهد مزدوج: فصائل محلّية تتبنّى خطاب الحماية والكرامة، وأخرى تميل إلى خطاب استقلالي تغذّيه مخاوف التصفية أو التهميش. هذا التباين أضعف المرجعيات المجتمعية التقليدية، وفتح المجال لتحوّل بعض الفصائل سلطات أمر واقع، تدير الشؤون اليومية وتفرض الأمن بمعاييرها الخاصّة، من دون ارتباط فعلي بمؤسّسات الدولة أو منظومتها القانونية. عندما قرّرت الحكومة الانتقالية تنفيذ تدخّل عسكري في المحافظة أخيراً، لم يكن الإخفاق نتيجة تفوّق ميداني للفصائل، بقدر ما كان تعبيراً عن سوء فهم لطبيعة البنية الداخلية في الجبل، وافتقاراً إلى رؤية سياسية تستوعب التوترات المتراكمة. التدخّل عزّز الاصطفافات داخل المجتمع المحلّي، وأعاد إنتاج ما يشبه “الأميريات المصغّرة” في عدد من القرى والبلدات، إذ تُمارس السلطة بوصفها أمراً واقعاً، وتُدار الحماية بديلاً اضطرارياً من مؤسّسات الدولة الغائبة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحضور الإسرائيلي المتصاعد في الجنوب السوري. خلال الأشهر الماضية، لوحظ تنامي النشاط الاستخباري لتل أبيب، ولا سيّما في السويداء، بما في ذلك تقديم إشارات حماية غير مباشرة لبعض الفصائل. لا يتّخذ هذا الحضور شكل احتلال عسكري مباشر، بل يُدار نوعاً من ضبط الهشاشة: إبقاء الجنوب في حالة استقرار منخفض، يمكن التحكّم في إيقاعه وتوازناته من دون أن يتجاوز خطوط المصالح الإسرائيلية. أمّا في مناطق مثل ريف حماة وسهل الغاب، فيتكرّر نمط الصراع على الأرض والهُويَّة والمُلكية. تُرصد حالات تهجير ممنهج، وتغييرات في التركيبة السكّانية، وظهور رايات فصائلية في أماكن كانت تحمل طابعاً رسمياً. عمليات الاغتيال التي طاولت وجهاء محلّيين في قرى مثل “زغرين” و “نوى” تأتي ضمن هذا السياق أدواتٍ لمنع أيّ محاولة لإعادة بناء السلم الأهلي خارج منطق الفصائل، وإبقاء المجتمعات المحلّية تحت الضغط والتفكّك.
يمكن القول إن الفوضى التي تتمدّد في سورية تجاوزت أن تكون حالةً طارئةً ناتجة من سقوط النظام السابق، إنما هي نتيجة مباشرة لغياب الرؤية، وتآكل السيطرة، وغياب مشروع سياسي قادر على احتواء الواقع الجديد. الحكومة الانتقالية (حتى الآن) تبدو محكومة بردات الأفعال أكثر من امتلاكها تصوّراً شاملاً لكيفية إعادة بناء الدولة، أو ترميم العقد الوطني على أسس التمثيل والتوزيع العادل للسلطة. الاعتماد على أدوات الردع الأمنية، أو التفاوض مع مراكز القوة المحلّية، لا يُنتج شرعيةً، ويعمّق الانقسام ويُعيد إنتاج مبدأ الغلبة، هذه المرّة بأسماء جديدة. ومن دون إعادة تأهيل البنى المحلّية، وتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها بآليات عادلة، سيبقى المشهد محكوماً بمنطق التوتر والهشاشة. في هذا السياق، يظهر ارتباك أخلاقي متزايد في الخطاب العام، فيُبرّر العنف بوصفه ضرورةً سياسيةً أو حمايةً وقائيةً، وتُمنح الفصائل حصانةً سلوكيةً تُقصي القانون لصالح التأويل، وتفتح المجال أمام العدمية، والانتقام، والتسلّط.
يتجاوز ما يعيشه السوريون اليوم مفهوم الانتقال السياسي، ويقترب أكثر من مشهد تفتيت اجتماعي متسارع، لا يمتلك أحد أدوات لجمه أو احتوائه. لقد ذاب الانتماء الوطني في هُويَّات فرعية قلقة، وغاب الأمن الفردي حتى في مناطقه المفترضة، وأصبحت المواطنة محكومة بالموقع والانتماء لا بالقانون. وأمام هذا الانحدار، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدخّل حاسم، يعيد ترتيب الأولويات، ويستند إلى لغة الحوار لا منطق العنف الثوري: إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أساس التوازن لا التبعية، وإعادة بناء المؤسّسة الأمنية على عقيدة وطنية جامعة لا على إرث الولاء. وكذلك، استعادة المعنى الأخلاقي للسلطة، وتحريرها من الاستثناءات والتبريرات. صياغة سردية وطنية جديدة تعرّف الانتماء بوصفه مسؤولية مدنية لا امتيازاً سياسياً. فإن لم تُنجز هذه المهام بشكل متّسق وسريع، فإن البلاد ذاهبة على الأرجح إلى نمط من “التعايش القلق”، تُدار فيه الجغرافيا السياسية بتوازنات السلاح لا بعقود الدولة، ويُقيَّم فيه المواطن بحسب قربه من مراكز القوة لا بحقّه في الحياة. وما من توازن هشّ إلا وهو ينتظر شرارةً واحدةً… لتنهار تحته كلّ حسابات التأجيل، كاشفةً عن تلك الصعوبة العميقة في إيقاف الفوضى السورية الآن.
العربي الجديد
————————–
ما الذي تفاوض عليه السلطة السورية فعلًا؟/ أميمة أحمد
6 أغسطس 2025
الصدفة وحدها كشفت عن مفاوضات سرية بين الجمهورية العربية السورية وإسرائيل، عندما أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ذلك في مؤتمر صحفي في باريس، في 7 أيار/مايو الماضي. فلولا سؤال صحفي فرنسي تسربت إليه المعلومة، لما عرف السوريون بتلك المفاوضات السرية. وقال الرئيس الشرع: “تجري مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء بين سوريا وإسرائيل لتهدئة الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة”. ولم يكشف الشرع، منذ بدأت تلك المفاوضات، هل جرت في زيارته الأولى لأبو ظبي باعتبارها حليفة لإسرائيل، حيث تم ترتيب المفاوضات؟ لا نعلم.
وبحسب وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية، فإن أبو ظبي كانت عرّاب المفاوضات بين الوفدين السوري والإسرائيلي، ثم انتقلت إلى عواصم دول أخرى، منها تركيا وأذربيجان، التي عُقدت فيها جولة مفاوضات ثانية بعد زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى موسكو في 31 تموز/يوليو 2025.
ما كان سرًا عن تلك المفاوضات السورية – الإسرائيلية، أصبح رسميًا في مؤتمر باريس، حيثُ أعلنت عنها وزارة الخارجية السورية في بيان رسمي صادر عن القمة الثلاثية بين سوريا، ممثلة بوزير الخارجية أسعد الشيباني وضباط جهاز الاستخبارات، وإسرائيل، ممثلة بوزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، المقرّب من نتنياهو ومحلّ ثقة الرئيس ترامب، بوساطة أميركية برئاسة توم بارّاك، سفير الولايات المتحدة في أنقرة ومندوب الرئيس ترامب إلى سوريا. وأوضح البيان أن مطالب سوريا: “وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية مبدأ غير قابل للتفاوض”.
ما ذكره بيان باريس من نقاط كان يتعلق بترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل لعقد “اتفاق أمني بعدم الاعتداء”، كما ذكرت الصحافة الإسرائيلية، نقلًا عن مسؤولين كبار في حكومة نتنياهو.
ووفقًا للبيان الثلاثي، كان الجنوب السوري على طاولة المفاوضات في باريس، وهو ما يُعد مؤشرًا على قبول سوريا بأن تكون إسرائيل متحدثًا باسم أمن الجنوب، بذريعة حماية الدروز وتأمين حدودها مع سوريا. لكن الواقع يشير إلى أن إسرائيل تريد ثلاث محافظات — القنيطرة، درعا، السويداء — إضافة إلى ريف دمشق الجنوبي، أن تكون منزوعة السلاح وتحت نفوذها، أو لنقل: شريكة في الترتيب الأمني.
جاء هذا الاجتماع الثلاثي في أعقاب اندلاع مواجهات محلية في السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في 13 تموز/يوليو 2025، بين فصائل مسلحة درزية وفصائل مسلحة من عشائر السويداء، ثم تطورت إلى مواجهات أوسع بعد تدخل قوات الجيش والأمن العام السوري “لفض النزاع”، كما ورد في بيان وزارتي الدفاع والداخلية.
لكن إسرائيل تدخلت لمنع قوات الجيش والأمن العام من دخول السويداء، فقصفت أهدافًا عسكرية وأمنية في المحافظة، تزامنًا مع قصفها لمواقع سيادية في قلب دمشق، منها محيط قصر الشعب وهيئة الأركان، رغم أنها كانت تجري مفاوضات قبل يوم واحد مع الوفد السوري في باكو، عاصمة أذربيجان؛ فتبخرت وعودها بخفض التصعيد، وأعلن نتنياهو:”لا يمكن السماح بالاعتداء على الدروز” .
أسفرت تلك المواجهات عن ما لا يقل عن 1300 قتيل من الدروز والبدو والقوات السورية، وكانت ذريعة لتدخل إسرائيل في الجنوب السوري. وقبلها، أحداث الساحل في 6 آذار/مارس الماضي، أسفرت عن نحو 1500 قتيل أغلبهم من المدنيين، فطالب بعض العلويين بالحماية الدولية، وتحديدًا من فرنسا.
للأسف، لجأت إدارة دمشق في الحالتين إلى الحل الأمني، مما دفع إسرائيل، بزعم “حماية الأقليات”، أن تتوغل في الأراضي السورية بأقدام الفيل، لتفرض واقعًا جديدًا في أي مفاوضات قادمة.
السؤال: في ظل هذه الأوضاع المتوترة وانهيار الأوضاع السورية، هل يحق لحكومة الرئيس الشرع الانتقالية أن تجري اتفاقيات سيادية مع إسرائيل، وقد سيطرت على كامل الجولان وقرى في درعا والقنيطرة والسويداء وريف دمشق؟ ألم تكن المعالجة الأمنية سببًا فيما وقعت فيه إدارة الرئيس الشرع من فخ مفاوضات لم تكن سوريا المدمّرة جاهزة لها؟
وفقًا للقانون الدولي، لا يحق لسلطة انتقالية أن تبرم اتفاقيات دون تفويض شعبي بمؤسسات رسمية منتخبة. وبالتالي، ما هي آفاق تلك المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وقد أعلن نتنياهو عن انهيار اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، وتوغلت في الجنوب السوري بما يزيد على 14 ألف كيلومتر، وضعت فيه مراكز عسكرية؟
كانت مهمة الحكومة الانتقالية واضحة تمامًا: تسيير شؤون مؤسسات الدولة، وتحسين معيشة السوريين، وقد بلغ أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر. لكنها تخلت عن عملها الأساسي، وراحت للنشاط الدبلوماسي لكسب شرعية الخارج، واليوم تفاوض إسرائيل، التي لن تعقد أي اتفاق مع حكومة مؤقتة، كما صرح عدد من المسؤولين الإسرائيليين.
لكنها اغتنمت فرصة ضعف الإدارة السورية لتفرض واقعًا جديدًا: “تقسيم سوريا”، رغم زعم الرئيس ترامب وإدارته “حرصهم على وحدة سوريا مستقرة مزدهرة”. ومثل هذه التصريحات لا زالت بالذاكرة السورية والعراقية، عندما وعدت أميركا الشعب العراقي “بالديمقراطية”، فتحوّل إلى دولة فيدرالية طائفية عرقية، وفق دستور بريمر. ولعل الواقع السوري يبدو مشابهًا في ظلّ التجييش الطائفي، خاصة من حاضنة الرئيس الشرع: “عادت الدولة للسنّة ولن نتخلى عنها بالدم”، والتجييش ضد العلويين والدروز بوصفهم “خونة وعملاء” على مدار الساعة، ما عدا انتهاكات تمارسها بعض قوات الأمن العام ضد العلويين بالمهانة والقتل المنفلت.
ولم يرَ السوريون محاكمة أولئك الذين يمارسون التجاوزات، لدرجة أصبح السوريون يشعرون بالسماح لهؤلاء بتلك الانتهاكات لتخويف الأقليات وإخضاعها للإدارة الجديدة السنية، صاحبة الأكثرية. فقد حوّلوا الأغلبية السنية، التي تتجاوز 70% من السوريين، إلى طائفة، وكانوا دومًا جسرًا للوحدة الوطنية. وتناسى أولئك أن السنّة أنفسهم مذاهب ومشارب سياسية عابرة للطائفية، فالسنّة ليس جميعهم من حاضنة الرئيس الشرع، كما يروّج الإعلام الرسمي.
إن سارت إدارة الشرع في مسار التفاوض مع إسرائيل في ظل هشاشة الجبهة الداخلية، فلا توجد آفاق جيدة لصالح سوريا. ولعل مهاتفة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 27 تموز/يوليو الماضي، تؤكد موقف المجتمع الدولي على “تحصين الجبهة الداخلية بحوار سلمي”، كما وصفه ماكرون في منشور على منصة “إكس”.
وعقب المكالمة مع الشرع، قال ماكرون إن: “أعمال العنف الأخيرة في سوريا تعكس الهشاشة الشديدة التي تعانيها العملية الانتقالية. يجب حماية المدنيين”، ودعا إلى “حوار هادئ” في الداخل من أجل “تحقيق هدف توحيد سوريا في كنف احترام حقوق جميع مواطنيها”
وأوضح، بما يشبه الشروط الغربية على إدارة دمشق تنفيذها، أن “الرئيس السوري ملتزم بمكافحة الإرهاب، وضرورة التعاون في مكافحة الإرهاب”، والشرط الثاني “دعا الشرع إلى إيجاد حل سياسي للأزمة في البلاد، واستمرار المفاوضات بين دمشق وقسد”.
إذًا، على الرئيس الشرع الالتزام بالشروط الأوربية الأميركية كي يستمر دعم الانتقال السياسي في سوريا، ولعل مراجعة العقوبات، وتمديد قانون قيصر، دليل على الضغوط التي تتعرض لها إدارة الشرع المتفردة بالقرار السوري. عليها إذًا، إعادة النظر بقراراتها كلها، والإصغاء لمطالب السوريين بتنظيم مؤتمر وطني حقيقي جامع، يقوى به الموقف السوري أمام العالم.
الترا سوريا
——————————
هل تخطط أذربيجان للدخول إلى المنطقة برعايتها التطبيع بين سوريا وإسرائيل؟/ عمار جلّو
سياسة نحن والتنوّع سوريا – دول الجوار – العالم
الخميس 7 أغسطس 2025
بعد اجتماع باريس في الرابع والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، اجتمع في العاصمة الأذربيجانية وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر. أتى اللقاء استكمالاً لاجتماعات سرّية سابقة عقدها الجانبان في باكو، بعد انخراط الحكومة السورية الجديدة في علاقة متسارعة التطور مع أذربيجان، خلافاً لعلاقات الأخيرة المعقّدة مع نظام الأسد البائد.
ناقش الجانبان تفاصيل اتفاقية أمنية يأملان توقيعها، بجانب إمكانية فتح مكتب تنسيق إسرائيلي دون صفة دبلوماسية في دمشق، مع مناقشة التهديد الإيراني في سوريا ولبنان، وفقاً لـ”i24NEWS”. وباختيار باكو لرعاية المفاوضات، تم توجيه رسالة إسرائيلية أمريكية إلى إيران. يشير موقع “آر تي”، إلى أنّ “اختيار أذربيجان يعكس خريطة التحالفات الإقليمية، نظراً إلى علاقة أذربيجان الجيّدة مع تركيا والسيئة مع إيران. ومع علاقة أنقرة الجيدة مع الحكومة السورية الجديدة، تدفع تركيا باتجاه عقد المفاوضات في باكو، نتيجة العداء القائم بين دمشق وطهران”.
بدورها، تشير “مونت كارلو الدولية”، إلى عدّ أذربيجان “منصّةً سياسيةً مرنةً، ما مكّنها من لعب أدوار أساسية في ملفات إقليمية، حيث تجمع بين باكو وتل أبيب علاقات قوية، وعلى تواصل وتنسيق سياسي عاليين مع تركيا، ما خوّلها رعاية مفاوضات لخفض التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا، بعد تصاعد حدة المنافسة بينهما إثر قصف إسرائيلي قرب مواقع انتشار تركية، في نيسان/ أبريل الماضي”.
إدارة باكو لهذه المفاوضات تعود في الأصل إلى تركيا، التي تمتلك الحضور العسكري والسياسي الأبرز في الشمال السوري، حسب الصحافي والمحلل السياسي التركي، علي أسمر، ذلك أنّ “التوترات القائمة مؤخراً بين أنقرة وتل أبيب، دفعت بالأولى لتفضيل إحالة هذه المهمة الحساسة إلى حليفها الوثيق أذربيجان. وهو خيار مدروس بدقة، نظراً إلى العلاقات القوية التي تربط باكو بكلّ من أنقرة وتل أبيب، ما يجعلها الطرف الأنسب لرعاية حوار دقيق بين خصمين بحجم سوريا وإسرائيل”.
“تركيا، ومن خلال هذه الوساطة غير المباشرة، تسعى إلى منع أي تصعيد ميداني قد يؤدي إلى احتكاك عسكري بينها وبين إسرائيل في الأراضي السورية”، يقول أسمر لرصيف22. ويضيف: “هو سيناريو يحمل مخاطر جسيمةً لا ترغب أنقرة أو واشنطن في تحمّل تبعاته، حيث إن وجود القوات التركية في شمال سوريا، بجانب استمرار الغارات الإسرائيلية في العمق السوري، يرفعان من احتمالية حدوث تصادم غير مقصود، قد تتطور تداعياته سريعاً إلى أزمة إقليمية واسعة”.
على ذلك، يُطرح تساؤل حول أهداف باكو من رعاية المفاوضات السورية الإسرائيلية؟ ودورها المستقبلي مع أوراق نفوذها الإقليمية، وهي الزائر والفاعل الجديد في الشرق الأوسط؟
دبلوماسية الطاقة
مؤخراً، تم تدشين مشروع نقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا، تنفيذاً لاتفاق وقّعه الجانبان. ويمثّل المشروع فنّياً افتتاح ممرّ جديد للطاقة عبر الحليف التركي، لكنه من الناحية السياسية يعكس ثمار إستراتيجية أذربيجان الإقليمية المتسقة، ويشكّل خطوةً إلى ما هو أبعد من توسع السوق؛ إلى إعادة تشكيل خريطة تأثير باكو المستدام في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من الناحية الجيواقتصادية، وفقاً لصحيفة “كاليبر” الأذربيجانية.
الغاز والكهرباء وممرات النقل والأطر الدبلوماسية، كلها عناصر مصفوفة واحدة، حسب الصحيفة. لذا، فإنّ “إطلاق إمدادات الغاز إلى سوريا ليس مجرد فتح طريق آخر. إنه يعكس قدرة باكو على تقييم المشهد الجيوسياسي بدقّة، واغتنام الفرص السياسية، والعمل بوتيرة تساعد في تشكيل الأجندة الإقليمية، ذلك أنّ دخول منطقة الشرق الأوسط في مشاريع ملموسة، بعيداً عن الشعارات، يُكسبها ميزةً تنافسية. وعلى ذلك، تتعامل أذربيجان مع هذه البيئة برباطة جأش ووضوح إستراتيجي. وتالياً، تُعدّ صادرات الغاز إلى سوريا امتداداً منطقياً لدبلوماسية الطاقة وسياستها الخارجية الأوسع”.
بجانب ذلك، ترى شركة الطاقة الوطنية الأذربيجانية “SOCAR”، أنّ البنية التحتية لخطوط الأنابيب الإسرائيلية يمكن أن تتصل بتركيا عبر سوريا، حيث تستورد إسرائيل ما بين 40-60% من احتياجاتها النفطية من أذربيجان عبر خط أنابيب “باكو-تبليسي-جيهان”، الذي يتم نقله بعد ذلك بواسطة ناقلات إلى إسرائيل، ما يعكس طموحات أذربيجان، فيما يخدم الاندماج الإقليمي المتنامي في مجال النفط والغاز هذه الطموحات، حسب موقع “غلوبز”، ذلك أنّ تمكّن باكو من الوصول إلى ربط جميع البنى التحتية الإقليمية للغاز ببعضها بعضاً عبر سوريا في الوقت المناسب، سيفيد جميع الأطراف، وستستفيد أذربيجان أكثر. وعليه، وضعت أذربيجان نفسها كلاعب إقليمي رئيسي، عبر رعايتها محادثات التطبيع بين سوريا وإسرائيل.
وتكمن قوة أذربيجان في قدرتها على الجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا، حسب ديمتري بريجع، وهو باحث في مركز الدراسات العربية الأوراسية. برأيه، “باكو مورد الطاقة الأساسي لإسرائيل، وممر إستراتيجي لمشاريع ربط الطاقة بين آسيا وأوروبا، مع علاقات جيدة بتركيا، وارتباطات هادئة مع إيران، وشراكات متنامية مع الغرب، ولا سيّما في مجالات الطاقة والأمن السيبراني. وذلك كله يمنحها نفوذاً غير مباشر يُمكن ترجمته إلى دور وساطة في ملفات حساسة، كالصراع السوري-الإسرائيلي، ولا سيما إذا ارتبط الأمر بمشاريع إعادة الإعمار أو ضبط حدود النفوذ الإيراني في المشرق العربي”.
يردف بريجع، خلال حديثه إلى رصيف22: “لدى باكو رؤية إستراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي خارج الفضاء القوقازي. ففي سوريا، تسعى إلى لعب دور في مرحلة إعادة الإعمار، مستفيدةً من خبراتها في البنية التحتية والطاقة. وفي لبنان، تركّز على الحضور الثقافي والإنساني، متجنبةً الاصطفاف الطائفي الحادّ. فيما ترى في الأردن بوابةً إقليميةً ووسيطاً معتدلاً يُمكن التعاون معه في ملفات الأمن الإقليمي ومشاريع البنية التحتية، ولديها شراكة راسخة مع إسرائيل، حيث تُعدّ من أهم حلفاء تل أبيب في العالم الإسلامي”.
في سياق متصل، وقّعت “SOCAR” اتفاقاً مع وزارة الطاقة الإسرائيلية في آذار/ مارس الماضي، حصلت بموجبه على أول رخصة للتنقيب عن الغاز خارج الحدود الأذربيجانية، وذلك في المياه الاقتصادية لإسرائيل. وقبلها، أعلنت الشركة عن استحواذها على نسبة 10% من حقل الغاز البحري الإسرائيلي “تمار”، ما يعزز بصمتها الإنتاجية خارج البلاد.
“وأذربيجان، بفضل علاقاتها الجيدة مع أطراف متعددة في المنطقة، ترى إمكانية لعب دور الوسيط في صفقات الغاز الإقليمية المعقدة، إذ إنّ وجودها كشريك، قد يسهّل قبول تفاهمات يصعب تحقيقها دون طرف ثالث محايد، مثل مشروع خط الغاز بين إسرائيل وتركيا الذي تعثّر طويلاً بسبب انعدام الثقة. وهو دور يمنح أذربيجان نفوذاً دبلوماسياً أكبر في المنطقة، ويكسبها ثقة القوى الكبرى، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يدعمان تكامل أسواق الطاقة الإقليمية كجزء من إستراتيجية أمن الطاقة العالمية”، بحسب مركز “مسارات للدراسات الإستراتيجية”.
إلى سوريا الجديدة
بدعوة من الحكومة السورية الجديدة، وصل إلى دمشق مطلع أيار/ مايو الماضي، وفد أذربيجاني برئاسة نائب رئيس الوزراء، سمير شريفوف. خلال الزيارة، والتي جاءت بعد لقاء الرئيسَين السوري والأذربيجاني في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، ناقش الجانبان فرص التعاون في المجالات الرئيسية، بما في ذلك الاقتصاد والطاقة والثقافة والتعليم، بحسب مركز “ستيمسون”، الذي يشير إلى أنّ هذا التواصل الدبلوماسي المتنامي بين الجانبين حديثاً، يعكس إعادة تقويم سياسة باكو الخارجية والمشاركة البراغماتية مع الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اغتنام فرصة انهيار حكومة الأسد التي مالت نحو منافسة باكو، أرمينيا.
وعليه، منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أصبحت أذربيجان واحدةً من عدد قليل من الدول الإسلامية التي أقامت علاقات رسميةً مع السلطات الإسلامية الجديدة في دمشق، وأرسلت مساعدات إنسانيةً وقدّمت المساعدة في إعادة الإعمار بعد الحرب.
بالإضافة إلى ذلك، لعبت باكو دوراً إستراتيجياً في تسهيل الحوار التركي-الإسرائيلي حول سوريا، حسب رئيس نادي باكو للعلماء السياسيين، زاور محمدوف. وهذا “يعكس نفوذها المتزايد كوسيط بين الجهات الفاعلة الإقليمية”. كما يسّرت واحتضنت اجتماعاً بين ممثلين عن أجهزة المخابرات الروسية والسورية في نيسان/ أبريل الماضي، بجانب احتضانها مفاوضات بين الجانبين السوري والإسرائيلي.
تمتلك أذربيجان أوراقاً متصاعدةً في الإقليم، تجعل منها فاعلاً سياسياً ذا مصداقية، وقادرةً نظرياً على لعب دور في رعاية أو تسهيل مفاوضات سلام بين سوريا وإسرائيل، حسب بريجع، ولا سيّما في ظل التبدلات الجذرية التي يشهدها المشهد الإقليمي منذ عام 2024. فعلى الرغم من أنّ أذربيجان ليست من القوى الكبرى في المنطقة، إلا أنّ تموضعها الجيوسياسي الدقيق، وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف متناقضة، منحاها مجالاً حيوياً تتحرك فيه بخفة، وبعيداً عن الاستقطابات التقليدية التي قيّدت أدوار لاعبين آخرين.
يضيف بريجع: “لا تكمن أوراق النفوذ الأذربيجانية في الجغرافيا أو الطاقة فحسب، بل في نموذجها السياسي المختلف، مع نجاحها في إدارة توازنات دقيقة بين جوارها الإيراني وشراكتها مع إسرائيل، دون الانزلاق إلى محاور صدامية. كما أنّ انتصارها في حرب قره باغ الثانية (2020)، وصعودها الإقليمي الهادئ رسّخا صورتها كقوة صاعدة قادرة على فرض معادلات جديدة في محيطها”.
ويعكس تحرّك باكو الدبلوماسي نحو دمشق قراءةً إستراتيجيةً دقيقةً لمتغيرات الساحة السورية، فبحسب مركز “شاف” للدراسات المستقبلية، “في ظلّ تبدل موازين النفوذ داخل البلاد، وتراجع أدوار بعض الفاعلين الإقليميين التقليديين، وفي مقدمتهم إيران، رأت باكو أنّ اللحظة مواتية لتثبيت حضور سياسي وأمني مبكر، قبل إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين القدامى والجدد في مرحلة ما بعد الصراع. بجانب ذلك، يدرك صانع القرار الأذربيجاني أنّ مرحلة إعادة الإعمار في سوريا لا تمثّل مجرد فرصة اقتصادية، بل تُعدّ أداةً لإعادة رسم خريطة التحالفات والنفوذ، الأمر الذي دفع باكو إلى تنسيق تحركاتها مع المتغيرات الميدانية، مثل انسحاب الميليشيات المتحالفة مع إيران، وتزايد الاعتراف الدولي بالنظام الجديد في دمشق”.
على هذا الأساس، ترى أذربيجان في الوساطة بين سوريا وإسرائيل فرصةً لتعزيز حضورها الإقليمي، مستفيدةً من علاقاتها الإستراتيجية مع الطرفين، وساعيةً للعب دور بنّاء في مرحلة ما بعد الصراع السوري، حسب أسمر. كذلك، تسعى باكو إلى استثمار هذا الدور في فتح آفاق جديدة أمام مصالحها الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بمشاريع الطاقة، وممرات العبور، والمشاركة في إعادة الإعمار.
من جانبها، تراقب الولايات المتحدة، هذه التطورات عن كثب، وترى في هذا المسار وسيلةً للحفاظ على الاستقرار في منطقة شرق المتوسط، ولضبط التوازن بين حلفائها دون الحاجة إلى تدخل مباشر. وعليه، تشكل أذربيجان خياراً مثالياً للعب دور الوسيط، دون إثارة حساسية الأطراف المعنية أو استفزاز جهات إقليمية أخرى.
باختصار، ما يجري في باكو ليس محاولةً لعقد تسوية بين دمشق وتل أبيب فحسب، بل يعكس ترتيبات جيوسياسيةً أوسع، تسعى تركيا من خلالها إلى ضبط المسرح السوري وتحييد خطر المواجهة مع إسرائيل، بينما تبني أذربيجان لنفسها موقعاً جديداً في الخريطة السياسية للمنطقة، تحت أنظار أمريكية حريصة على استقرار الجبهة دون خسائر إستراتيجية، يختم أسمر.
رصيف 22
——————————-
«مكتب تنفيذي» للسويداء… وضابط في نظام الأسد قائداً للأمن الداخلي/ موفق محمد
الإجراءات صدرت بتوجيه من الشيخ الهجري واتهامات بتعزيز محاولة الانفصال
7 أغسطس 2025 م
أعلنت ما تسمى بـ«اللجنة القانونية العليا» في محافظة السويداء، التي سبق أن شكلها الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، عن تشكيل «مكتب تنفيذي مؤقت» للمحافظة، وتكليف قائد للأمن الداخلي شغل سابقاً مهام رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة طرطوس إبان حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، ويواجه اتهامات بارتكاب جرائم بحق المواطنين.
وبينما تعزز إجراءات «اللجنة» من الاتهامات التي توجه للهجري بمحاولة إنشاء كيان انفصالي في السويداء، أكدت مصادر مقربة منها صحة ما تم الإعلان عنه، ووصفت الإجراءات بـ«إدارة مجتمعية» للخدمات والأمور الأمنية في المحافظة، وليست «إدارة ذاتية».
وكان الهجري قد أعلن أواخر يوليو (تموز) الماضي، في بيانين عبر صفحة الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، عن تشكيل ما تسمى «اللجنة القانونية العليا»، و«لجان للإدارة المحلية»، لكن سرعان ما تم حذف البيانين، وهو ما عدّه مراقبون تراجعاً عن الإعلان.
لكن «اللجنة القانونية العليا» في السويداء، أنشأت، مساء الأربعاء، صفحة خاصة بها في منصة «فيسبوك»، وأعلنت من خلالها أول بياناتها، (وهو ذات البيان الذي كان الهجري أصدره)، وتضمن تشكيل «اللجنة القانونية العليا» من 9 قضاة ومحامين.
وحدد البيان مهام اللجنة، بإدارة شؤون السويداء في كافة القطاعات، والحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة، ورفع ما أسمته «الظلم» والضرر عن كاهل المواطنين، ومحاربة الفساد.
وحدد البيان تشكيل مكتب تنفيذي لإدارة الشؤون الخدمية، ولجان فرعية تخصصية بالإغاثة وتقصي الحقائق والانتهاكات، ومتابعة شؤون المفقودين والمختفين قسراً، ومتابعة القضايا الصحية والإنسانية، وعمل المشافي العامة والخاصة.
وأتبعت اللجنة بيانها بآخر أعلنت فيه تشكيل «المكتب التنفيذي المؤقت» في المحافظة، وتوزيع الأعمال بين أعضائه البالغ عددهم تسعة أعضاء، وتكليف ماهر غالب العنداري بمنصب أمين عام محافظة السويداء.
وأصدرت اللجنة بياناً ثالثاً تضمن تكليف العميد شكيب أجود نصر قائداً لقوى الأمن الداخلي في السويداء، والعميد أنور عادل رضوان معاوناً له.
ويأتي تكليف نصر على الرغم من الاتهامات التي توجه له بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة بحق السوريين خلال شغله منصب رئيس فرع الأمن السياسي في طرطوس على الساحل السوري، وهو يتحدر من ريف السويداء الشمالي الغربي.
وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق رسمي من مسؤولين سوريين، لكن لم تحصل على رد، في حين أكدت مصادر مقربة من اللجنة في مدينة السويداء صحة ما تم الإعلان عنه، ودافعت عن الإجراءات التي أعلن عنها، ووصفتها بأنها «إدارة مجتمعية» للخدمات ولمتابعة الشؤون الأمنية في المحافظة.
وتابعت المصادر: «حتى الآن لم يأت أحد على ذكر الإدارة الذاتية، ولا رئيس لهذه الإدارة، أو رئيس حكومة أو وزير، وكل ما في الأمر هي لجنة مؤلفة من قضاة ومحامين تشرف على لجان فرعية خدمية. كما أن الأمر ليس انفصالاً عن الجغرافيا السورية، وما جرى أن المجتمع سيدير نفسه لناحية الخدمات والأمن».
وسألت «الشرق الأوسط» إن كانت اللجنة القانونية العليا واللجان الفرعية لديها الإمكانيات أن تدير المحافظة، لكن المصادر لم تُجب.
وأنهى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء في 19 يوليو (تموز) الماضي، أسبوعاً من المواجهات بين مقاتلين من الدروز ومقاتلين من العشائر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً، وإصابة ما يزيد على 903 آخرين في محافظة السويداء منذ 13 يوليو، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
كما تسببت المعارك بتشريد 176 ألف شخص من منازلهم، وفق بيانات الأمم المتحدة، وقصف إسرائيلي بحجة دعم الدروز، طال وسط العاصمة السورية، وكان من بين الأهداف مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي بدمشق والمكتبة الوطنية.
والجمعة الماضي، شهدت السويداء مظاهرات تخللتها مطالبات بتحقيق دولي مستقل، ورفض لجنة التحقيق التي أعلنت عنها دمشق، مع رفع العلم الإسرائيلي.
وتشهد السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وفق مصادر أهلية، انقسامات في مواقف الزعامات الروحية بين الشيخين يوسف جربوع وحمود الحناوي من جانب، والهجري من جانب آخر؛ إذ ينحو جربوع وحناوي باتجاه إيجاد مَخارج سياسية للوضع في السويداء تُخفف معاناة المدنيين، في حين يتشدد الهجري بتزعمه المجلس العسكري ومجموعات مسلحة في مواقفه المناهضة للحكومة في دمشق، بالاستناد إلى الدعم الإسرائيلي.
كما يبرز، في هذا الإطار، موقف الشيخ ليث البلعوس، زعيم مضافة الكرامة، بمواقفه المتعاونة مع الحكومة في دمشق.
الشرق الأوسط
————————–
==================
تحديث 06 آب 2025
—————————
المخاض السوري… تغيّر جيوسياسي عاصف/ علي العبدالله
06 اغسطس 2025
قاد فشل الحملة العسكرية التي جرّدتها وزارتا الداخلية والدفاع السوريتان على محافظة السويداء إلى تغيّر في توازن القوى الداخلي في غير صالح السلطة السورية الجديدة، أضعفها وحدّ من قدرتها على مواجهة ملفّات داخلية عالقة، وتحدّياتٍ إقليمية ضاغطة، وأدخل المجتمع السوري في حالة إرباكٍ وقلقٍ شديدَين. لم يكن رضوخ السلطة السورية الجديدة للضغوط الصهيونية، وسحب قواتها من محافظة السويداء بذريعة تجنّب حربٍ مفتوحة مع قوات الكيان، والتزامها بإخلاء محافظات الجنوب من قوات عسكرية تحميها وتحفظ الأمن والاستقرار فيها، تنفيذاً لقرار حكومة الكيان الصهيوني إبقاء مساحاتٍ واسعة من الأرض السورية منزوعة السلاح… لم يكن ذلك حدثاً عابراً، بل حدثاً بالغ الخطورة في ضوء ما انطوى عليه من تسليم بدور للكيان الصهيوني في الشؤون الداخلية السورية، غدا به جزءاً من المعادلة الداخلية. ومع رفض الكيان الصهيوني نشر دفاعات جوية ورادارات في الأرض السورية كلّها، تعوق حرّية عمل طائراته في الأجواء السورية، ستبقى البلاد عرضة للانتهاك الدائم.
أطلقت هذه الهزيمة العسكرية هزّاتٍ ارتدادية من الوزن الثقيل، بدءاً من قبول السلطة السورية الجديدة منح محافظة السويداء حكماً ذاتياً ضمنياً عبر التسليم للمحافظة بإدارة شؤونها الأمنية، وقوات محلّية تحفظ الأمن، وموظّفون من أبناء المحافظة يديرون مؤسّساتها المدنية، في حين تقدّم السلطة الرواتب والموارد المالية والتقنية والمحروقات لقطاعات الصحّة والتعليم والكهرباء والماء، وفق ما تسرّب من مفاوضات وزير خارجية السلطة أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية في الكيان الصهيوني رون ديرمر (في باريس)، سابقة ستمنح الإدارة الذاتية شمالي وشرقي سورية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ذريعة للتمسّك بمطالبهما في الإبقاء على هياكل الإدارة الذاتية القائمة، وعلى قوات “قسد” في وضعها الحالي. وهذا ما حصل، إذ تواترتْ تصريحات مسؤولين في الإدارة الذاتية (إلهام أحمد وفوزة يوسف وسيهانوك ديبو) وقادة في “قسد” (الجنرال مظلوم عبدي وفرهاد شامي)، تؤكّد تمسّكهم بمكاسبهم السابقة، ورفضهم تسليم السلاح والاندماج في جيش وزارة دفاع السلطة أفراداً، وربطهم تحقيق ذلك بإقامة نظام سياسي لامركزي، وضمان حقوق كرد سورية دستورياً.
قد تكون الاشتباكات أخيراً بين “قسد” والجيش في منطقتَي منبج ودير حافر، التابعتَين لمحافظة حلب، ومشاركة المسيّرات التركية فيها، محاولة لتذكير “قسد” بأن الخيار العسكري ما زال قائماً، ويمكن اللجوء إليه ما لم تنفِّذ اتفاق 10 مارس. لم يقف الأمر عند تمسّك الإدارة الذاتية و”قسد” بمكاسبهما، بل حصل فتق جديد في الاجتماع السوري تجسّد بمطالبة المجلس التركماني السوري بضمان التمثيل العادل للتركمان في المؤسّسات الرسمية المدنية والعسكرية، وضمن آليات الحكم في سورية، وضرورة ضمان الحماية الدستورية للهُويَّة التركمانية في الدستور السوري الجديد، وإكسابها وضعاً رسمياً. هذا بالإضافة إلى رفض المجلس الإسلامي العلوي نتائج تحقيق اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصّي الحقائق في أحداث الساحل، حول المجازر التي ارتُكبت بحقّ العلويين في شهر مارس/ آذار الماضي، ومطالبتهم بتحقيق وحماية دوليَّين.
الهزّة الارتدادية الثانية ما أصاب شيوخ العشائر العربية من إحباط، ليس لمنعها من إكمال “فزعتها” بالانتقام لبدو محافظة السويداء من الموحّدين الدروز، الذين اعتدوا عليهم ونكّلوا بهم فقط، بل ولاتهامهم من وزير خارجية السلطة، أسعد الشيباني، بالتسبب بحرب أهلية (كان الرئيس أحمد الشرع قد أشاد في خطابه الثاني بعد المواجهات الدامية في محافظة السويداء بالعشائر وفزعتها، ودورها في فكّ الحصار عن بدو السويداء)، وما سيترتب عن ذلك من تقويض لمكانتهم وأدوارهم المستقبلية. أمّا الهزّة الارتدادية الثالثة فتمثّلت في طلب السلطة السورية الجديدة دعماً عسكرياً من تركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية، بعد أن كانت قد تمنّعت عن توقيع اتفاق دفاعي معها، وهذا سيعزّز الدور التركي في سورية، ويمنح النظام التركي فرصة أكبر للتدخّل في شؤونها الداخلية. استاء النظام التركي من نتائج لقاء باريس بين الشيباني وديرمر حول الوضع في محافظة السويداء، لأنها ستشجّع “قسد” على المطالبة بالمثل، فضغط على السلطة السورية كي لا تجري لقاء في باريس مع الجنرال مظلوم عبدي. فأُلغي اللقاء، هذا بالإضافة لما سيترتّب على طلب دعم عسكري تركي من تبعات خطيرة على أمن واستقرار البلاد، على خلفية تحوّلها ساحة مواجهة تركية صهيونية في ضوء رفض الكيان الصهيوني أي دور عسكري تركي في سورية، إذ سبق ودمّر مطار التياس العسكري (تي 4) في محافظة حمص، وأخرجه من الخدمة ردّاً على تحرّك تركي لتحويله قاعدة عسكرية تركية، ونشر دفاعاتٍ جوية فيه، لأنه يرى في النفوذ العسكري التركي في سورية خطراً على أمنه القومي.
وقد دفع إدراك أنقرة صعوبة المهمة (وخطورتها) إلى العمل على إشراك روسيا في الملفّ، وإقناعها بلعب دور في تسهيل عملية الانتقال السياسي في سورية، ونصحت السلطة الجديدة بالانفتاح على روسيا، وإيجاد قواسم مشتركة معها لتحقيق أكثر من هدف: إبعاد الروس عن “قسد” وعن فلول النظام البائد، والاستفادة من إمكانياتها العسكرية في مجالات التسليح والتدريب، وللحدّ من ضغوط الغرب على السلطة بإرسال رسائل للغرب بأن لدى السلطة أبواباً أخرى غيره تُطرق لتأمين التحالفات والدعم العسكري والسياسي. وهذا ما حصل في زيارة وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس استخبارات السلطة لموسكو، ونقل العلاقة من علاقة خامدة إلى نشطة.
ثمّة عوامل دفعت السلطة السورية الجديدة لتجريد حملتها على محافظة السويداء، أولها شعورها بالنشوة نتيجة الاحتضان العربي والإقليمي والدولي لها، وغض الطرف عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان، خاصّة تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية، توماس برّاك، التي انطوت على تأييد صريح لإقامة نظام مركزي في سورية، وضغطه على قيادة “قسد” للانخراط في مفاوضات الاندماج مع السلطة في دمشق، وإعلانه الصريح أن ما تدين به الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية لا يشمل دعم تكوين حكومة مستقلّة ضمن الحكومة، ما تدين به هو الحرص على أن يكون هناك منطق لاحتوائهم في حكومة سورية واحدة، وتشديده على أن دمشق أخذت موقفاً لا يسمح بالفيدرالية، ولا بوجود قوات تابعة لمكوّنات درزية أو علوية أو كردية، وهكذا سيكون هناك كيان واحد، وتأكيده موقف واشنطن الرافض تطبيق نموذج فيدرالي في سورية، وأن البلاد يجب أن تظلّ بجيش واحد وحكومة واحدة، قائلاً: “ستكون هناك سورية واحدة”، مستبعداً إمكانية وجود مناطق “حكم ذاتي” انفصالية، ومشدّداً على أن الولايات المتحدة لا تملي شروطها، ولكنّها لن تدعم “نتيجة انفصالية”. ثانيها سوء تقدير السلطة موقف الكيان الصهيوني من حملتها، إذ اعتبرت اللقاءات المتواترة بينهما، وتوجّهاتها الإيجابية نحو التفاهم والاتفاق ستجعله يتقبّل سيطرتها على القوى الرافضة توجّهات السلطة في المحافظة.
أما ثالث العوامل، فالمراهنة على وجود تيّارات بين الموحّدين الدروز تؤيّد اندماج المحافظة في الدولة بشروط السلطة، سيكونون عوناً لها وعنصر ضغط على القوى الرافضة توجّهاتها. رابع العوامل إيمانها بقدرتها على حسم الموقف والسيطرة على المحافظة بسرعة، والتخلّص من القوى الرافضة فيها، ما سيقوّي موقفها في المفاوضات مع “قسد” التي ستعتبر هزيمة القوى الرافضة من الموحّدين الدروز رسالة تحذير (وتهديد) لها، فحواها أن الرفض سيواجَه بالقوة الكاسحة. كانت قيادة “قسد” قد راهنت على نجاح التمرّد الحاصل في محافظة السويداء على خلفية تطابق الأهداف بين الطرفَين، وقدّمت للمجلس العسكري فيها (الذي يحظى بدعم الشيخ حكمت الهجري) خبرات عسكرية وأسلحة، وفق قول القيادي في قوات شيوخ الكرامة قتيبة شهاب الدين.
عقّدت الهزيمة العسكرية، وما ترتب عليها من انعكاسات سياسية وميدانية، فرص تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية، بما في ذلك تحقيق عدالة انتقالية، وانتخابات حرّة ونزيهة لأعضاء مجلس شعب، ودستور جديد، وزاد الطين بِلّة ميل الكونغرس الأميركي نحو الإبقاء على قانون قيصر، مع تمديد فترة الإعفاء إلى سنتين، وبقاء معظم العقود الاستثمارية من دون تنفيذ فعلي، وعجز السلطة عن تنفيذ وعودها بصرف زيادة الرواتب، وانتشار الفقر وتراجع قدرة المواطنين الشرائية، بسبب تدني الرواتب، وتراجع قيمة الدولار بالنسبة إلى متلقّي الإعانات من ذويهم في الخارج، بسبب اللعب بالسوق، عبر تجفيف السيولة من الأسواق، في ترتيب بين السلطة والتّجار، وبدأ تململ مواطني المدن من الطبقة الوسطى من بعض القرارات الفجّة التي أخذتها بعض الوزارات، مثل وزارة العدل بإلغاء أحكام قضائية مبرمة، وتوجّه وزارة الإسكان إلى فسخ عقود إيجارات قديمة، وتجاوزات حواجز الأمن العام ودورياته وتنمّرها على المواطنين وإهانتهم، تململ خصوصاً من السُّنّة، الذين لا ترى السلطة السورية الجديدة في سورية سواهم، بعد أن تبيّن لهم أن السلطة لا ترى من السُّنّة إلا الموالين لها.
لقد دخل الوضع في سورية منعطفاً حادّاً، فبات أمام خيارَين لا ثالث لهما، إمّا الجلوس إلى طاولة تفاوض جدّية، والاتفاق على ترتيبات سياسية وأمنية منصفة، أو الذهاب إلى حالة من العنف الأعمى يقود إلى الانهيار والدمار.
العربي الجديد
——————————
هل تستطيع دمشق استعادة ثقة الدروز؟
بي. بي. سي.
يشهد الموقف داخل الطائفة الدرزية في سوريا حالياً انقساماً واضحاً، بين من يدعو إلى استمرار الحراك السلمي والمطالبة بالإصلاح السياسي والديمقراطية في مسار داخلي، وبين من يرى ضرورة التحالف مع قوى دولية وإقليمية لضمان حماية المنطقة والطائفة.
الاشتباكات الدامية التي اندلعت في شهر يوليو/ تموز كانت أحد الأسباب الرئيسية لتعزيز هذا الانقسام داخل صفوف الطائفة، وتعميق الشرخ مع الحكومة الانتقالية في دمشق، لاسيما عقب مطالبة الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز مشايخ العقل لدى الطائفة الدرزية في سوريا، بالحماية الدولية.
فيما يرفض فريق آخر أي تدخل خارجي، مؤكداً على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية.
هذا الانقسام يعكس تعدد الرؤى حول مستقبل الدروز وموقعهم في سوريا ما بعد الأسد وعلاقتهم مع الحكومة، لكن المطلب الذي يتفق عليه جميع أبناء الطائفة هو حماية منطقتهم وضبط أمنها.
تفاهمات أم انقسامات؟
يقول بهاء العوام، وهو صحفي سوري درزي مقيم في لندن، لبي بي سي عربي: “هناك دائماً مساحة للتفاهم بين السويداء ودمشق إن توافرت الإرادة الحقيقية لدى الدولة لاحتواء مخاوف أهالي المحافظة”، مشيراً إلى أن “أعمال القتل والتنكيل والنهب والاغتصاب بعد دخول قوات الأمن والجيش إليها، أثبتت واقعية خشية الناس من ضعف الدولة”، على حد قوله.
العوام يرى أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة، سواء كانت الانتهاكات ارتكبت من قبل قوات الحكومة أو “جماعات إرهابية”، مؤكداً على ضرورة ضبط الأمن بطريقة تعيد الثقة بالدولة. ويقول العوام إن “ما جرى في الساحل السوري والسويداء زاد من تمسّك المجتمع الدرزي بالسلاح، خشية تقاعس الدولة أو تواطئها، حتى في حال افترضنا عدم ضلوعها في أفعال الجماعات”.
المتحدث باسم الفصيل الدرزي المسلح “رجال الكرامة” باسم أبو الفخر يقول لبي بي سي عربي: ” أجرينا تفاهمات مع هذه الحكومة خلال الأشهر السبعة الماضية، كنا نحمل خطاباً وطنياً جامعاً وأردنا إدخال مؤسسات الدولة إلى السويداء بجهود أبنائها كحل وسط، لكن هؤلاء المسلحين الذين تقودهم الحكومة لا يملكون عقيدة وطنية، بل القتل والسلب والحرق وهذا ما أثبتوه”.
واتهم أبو الفخر الحكومة الانتقالية بأنها “تسببت في خلق مشاكل أمنية بين الدروز والبدو ولم تستطع فرض الأمن على الطريق الذي يربط دمشق بالسويداء، ما أدى إلى اقتتال داخلي استغلته الحكومة لتدخل بقوتها وفرض سطوتها بالقوة على المحافظة”.
لكن الكاتب والباحث السياسي السوري بسام سليمان يوضح لبي بي سي عربي ما حصل بقوله: “لم تكن هناك نية لاستخدام القوة أو إثارة الفوضى إطلاقاً، لكن الأحداث تطوّرت ككرة نار بدأت صغيرة ثم كبرت لتتحول من خلاف فردي بين بعض أفراد العشائر وبعض الدروز إلى صراع أوسع بين فصائل مسلحة من العشائر والدروز، ما أدى إلى تدخل قوات الأمن الحكومية التي تعرضت بدورها لهجوم أيضاً، وما زاد من الأمر تعقيداً هو دخول إسرائيل على الخط وقصفها لبعض المواقع الحكومية”.
بعد انتشار مقاطع فيديو لعمليات القتل بناءً على هوية/ طائفة الضحية، أدانت الرئاسة السورية، الانتهاكات التي وقعت في محافظة السويداء، ووصفتها بالأفعال الإجرامية وغير القانونية التي تتنافى مع مبادئ الدولة. وأكدت الرئاسة في بيان نقلته وكالة سانا الإخبارية (الرسمية)، التزام الحكومة بالتحقيق في الحوادث ومحاسبة المتورطين، سواء كانوا أفراداً أو جهات، متعهدة بعدم التساهل مع أي طرف يعبث بأمن المحافظة، والعمل على ضمان حقوق سكان السويداء، والحفاظ على استقرارهم وسلامتهم تحت مظلة القانون.
السلطات السورية الجديدة، التي ينتمي غالبية أفرادها إلى المكون السني، تواجه حالة من التوجس والريبة من قبل الأقليات الدينية والعرقية مثل الأكراد والعلويين والدروز والمسيحيين وغيرهم، خاصة بعد أن تحولت الاشتباكات بين القوات الحكومية والجماعات الموالية للأسد في مارس/آذار الماضي، إلى أعمال انتقام وثأر طائفية أسفرت عن مقتل مئات المدنيين من الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الرئيس السابق بشار الأسد، بحسب تقارير صحفية وحقوقية.
وعقب شنّ إسرائيل عشرات الغارات الجوية التي استهدفت مواقع حساسة من بينها مقار أمنية حكومية وفصائل موالية للحكومة كانت في طريقها إلى السويداء، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات حادة وواسعة النطاق وجهها مؤيدو الحكومة للدروز، متهمينهم بـ”الخيانة” بسبب مناشدة الشيخ الهجري، إسرائيل والدول الغربية طلباً للحماية.
لكن الصحفي بهاء العوام يوضح الأمر بقوله: “رغم مرور البلاد بمرحلة انتقالية، لم تُظهر الحكومة الجديدة أي بوادر حسن نية تجاه مكونات المجتمع، والرئاسة الروحية للدروز لم تطلب الحماية الدولية إلا بعد تعرُّض الطائفة لهجمات وجرائم إبادة، وأن مناشدة الشيخ حكمت الهجري، كانت للمجتمع الدولي برمته وليس فقط لإسرائيل، لكن الأخيرة هي الوحيدة التي استجابت لأسباب تخصها.
انهيار الثقة والبحث عن بدائل
رغم أن الدروز في سوريا عُرفوا بالنأي بأنفسهم عن خوض أي معارك مباشرة ضد الدولة، إلا أن التطورات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء، كشفت عن تصدعات داخلية غير مسبوقة، سواء في صفوف الفصائل المسلحة الدرزية أو بين المرجعيات الدينية والاجتماعية. وقد ترافق ذلك مع تدهور غير معلن في العلاقة مع الحكومة المركزية، تحوّل في نظر كثيرين إلى قطيعة فعلية، بعد الانتهاكات التي طالت أبناء الطائفة.
فهل يكرس الواقع الجديد مساراً نحو مطالب باللامركزية في نظام الحكم؟
يقول بهاء العوام إن الدروز لم يطالبوا بالفيدرالية أو اللامركزية رغم أن مناقشات كانت تدور حولها، “أما اليوم وبعد الأحداث الأخيرة، أعتقد أن كل الخيارات يجب أن تناقش علانية من أجل مصلحة الدولة السورية، وإن قرار اختيار النظام الأنسب للدولة يجب أن يتمخض عن حوار وطني حقيقي وليس شكلي وصوري كما فعلت حكومة الشرع قبل أشهر، وفي حال حدوث ذلك فعلاً، فلا أعتقد أن الدروز سيرفضون هذا القرار، ولم يُعرف عنهم في التاريخ السوري أية نزعة للانفصال”.
ويقول باسم أبو الفخر: “منذ انطلاق الحراك، كان شعارنا واضحاً وهو (أرض، عرض، دين)، أي أن هدفنا هو العيش في وطننا، في جبلنا وقرانا، بأمن وأمان، فالكرامة والأمن هما من أولى أولوياتنا”، مضيفاً أنه “منذ الهجوم الأخير الذي تعرضنا له في منتصف الشهر الماضي، كنا من أوائل من تصدى لهذا العدوان على تخوم الجبل، وما زلنا نقاتل على المحاور المختلفة دفاعاً عن أهلنا ومنازلنا، من غزوات مجموعات بدوية تحصنت في نحو ثلاثين قرية”.
أبو الفخر يوضح لبي بي سي كيف أن المجتمع الدرزي كان يخطط للاندماج في وزارة الدفاع، “لكن الأمر اختلف تماماً الآن، لم يعد هناك ترحيب لا بهذه الحكومة ولا بوزارتها من قبلنا نحن كحركة رجال الكرامة”.
في ضوء التطورات السابقة بين الفصائل الدرزية من جهة والأمن العام والفصائل البدوية الموالية للحكومة – التي تصفها الحكومة بمجموعات خارجة عن القانون – من جهة أخرى، هل يمكن لحكومة دمشق استعادة الثقة مع الدروز وهل لا تزال هناك إمكانية للتفاهم؟
يقول الباحث السياسي بسام سليمان إن “المشكلة الأساسية تكمن في وجود فصائل مسلحة مرتبطة بالهجري الذين لديهم ارتباطات مع إسرائيل. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة السورية في إدارة هذا الملف، ما أدى إلى زعزعة الثقة، وسيتتطلب استعادتها وقتاً وجهوداً حقيقية”.
ويرى سليمان أنه من أجل تحقيق التوازن ورأب الصدع الذي حصل بين أبناء الشعب السوري في السويداء، “بات من الضروري محاسبة جميع الأطراف المتورطة في الانتهاكات، سواء كانوا من الفصائل الدرزية أو ممن يتواصلون مع أعداء البلد إسرائيل أو الجيش أو قوات الأمن، وتعويض المتضررين بشكل عادل””.
يتفق بهاء العوام على أن “الحل يكمن في حوار وطني جاد، لا حوار شكلي وصوري كما فعلت حكومة الشرع سابقاً”، على حد تعبيره.
وفي ظل الانقسام الداخلي وتدهور الثقة بين أهالي السويداء والحكومة الانتقالية في دمشق، ومع تصاعد الدعوات إلى الحماية الدولية، تبدو سوريا أمام مفترق طرق حاسم. فهل تقود هذه التطورات إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الاحتقان، أم تدفع البلاد نحو تبني نظام لا مركزي يمنح المحافظات صلاحيات أوسع لإدارة شؤونها بعيداً عن سلطة المركز؟ أم أن هناك سيناريو ثالثاً – أكثر خطورة كما يحذّر بعض المراقبين – يتمثل بالانزلاق نحو مسارات انفصالية تهدد وحدة البلاد؟
يبقى الوقت هو الحَكَم، فالأيام القادمة ستكشف لنا المزيد عن مسارات الأزمة وفرص الحل في سوريا.
بي بي سي
——————————
«غرفة العمليات» في السويداء: ننسق مع إسرائيل وأميركا للجنة تحقيق أممية
طارق المغوش قال لـ«الشرق الأوسط» انه لن يُسمح بدخول اللجنة السورية واعتبرها «غير شرعية»
دمشق: موفق محمد
6 أغسطس 2025 م
قال أحد قيادات «غرفة العمليات العسكرية» في السويداء، إن هناك تنسيقاً مع الطرفين الأميركي والإسرائيلي من أجل حماية دولية، وتشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها المحافظة، الشهر الماضي. مشدداً على «العلاقة الطيبة مع إسرائيل، معتبراً إياها «لاعباً مهماً في المنطقة»، وأنه «كان لها دور فعال في رد الهجمات (…) عن السويداء، ونحن نطلب حمايتها».
التصريح لـ«الشرق الأوسط» جاء بعد انعقاد الجلسة الأولى للجنة السورية بخصوص أحداث السويداء، وإعلانها انطلاق أعمالها للتحقيق في ملابسات مواجهات واشتباكات بين عناصر خارجة عن القانون من فصائل محلية وأخرى عشائرية.
وأعاد طارق المغوش التأكيد على ما صدر عن الفصائل المحلية، مؤخراً، من رفض استقبال لجنة التحقيق السورية، وقال: «اللجنة مرفوضة، ليس فقط من الفصائل، بل ان هناك حالة رفض شعبي لها، على حد تعبيره. وقال إن «إدارة غرفة العمليات» في محافظة السويداء رفضت دخول لجنة التحقيق التي شكلتها السلطات السورية، ولن يسمح لها بالقيام بعملها «لأنها غير شرعية»، لافتاً إلى أن عملية المنع ستتم «بكل أدب». بإبلاغها أنها «ممنوعة من العمل في السويداء، وعليها العودة إلى حيث أتت».
يذكر أن «غرفة العمليات» في محافظة السويداء ذات الأغلبية السكانية الدرزية، شُكلت من مجموعة من الفصائل المحلية، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مع انطلاق عملية «ردع العدوان» التي أسقطت نظام الأسد في المحافظات السورية بدءاً من حلب وصولاً إلى دمشق. وقال المغوش إنها الغرفة قادت المعركة ضد نظام بشار الأسد المخلوع، وحررت المحافظة منه خلال ما أطلق عليه «معركة الحسم».
وقدم المغوش نفسه على أنه محسوب على مكتب الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، وأن علاقته معه مباشرة، وجرى تكليفه بأكثر من ملف من قبل الهجري الذي بارك تأسيس «غرفة العمليات».
وأنهى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء في 20 يوليو (تموز) الماضي، أسبوعاً من المواجهات بين مقاتلين من الدروز ومقاتلين من العشائر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً، وإصابة ما يزيد على 903 آخرين في محافظة السويداء منذ 13 يوليو، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وتشمل الحصيلة ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة. إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية السورية.
كما تسببت المعارك بتشريد 176 ألف شخص من منازلهم، وفق بيانات الأم المتحدة، وقصف طال وسط العاصمة السورية، وكان من بين الأهداف مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي بدمشق والمكتبة الوطنية.
وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت، الخميس، عن تشكيل لجنة التحقيق في السويداء، بهدف «كشف الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث»، و«التحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون»، و«إحالة من تثبت مشاركته إلى القضاء».
وفي اليوم التالي، شهدت السويداء مظاهرات تخللتها مطالبات بتحقيق دولي مستقل، ورفض لجنة التحقيق التي أعلنت عنها دمشق، مع رفع العلم الإسرائيلي.
وقال القاضي حاتم النعسان، رئيس اللجنة، في أول اجتماعاتها: «منفتحون على التواصل مع أهالي السويداء، وهم مكون أساسي من البلاد»، مشدداً على أن رفع علم إسرائيل في الأراضي السورية «جرم لا بد من محاسبة مرتكبيه»، موضحاً أن اللجنة ستبدأ فوراً عملها بلقاء المسؤولين في محافظتي السويداء ودرعا، إضافة للمتضررين.
كما نقل «تلفزيون سوريا» عن اللجنة قولها: «إنه لا يمكن تشكيل لجنة تحقيق دولية في هذه الأحداث ما دامت الدولة قادرة على ذلك»
الشرق الأوسط
————————
عن مجزرة آل سرايا في السويداء/ نجاة عبد الصمد
06.08.2025
“مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل.”
ثمّة مرويّة يتناقلها أهل السويداء شفاهاً:
في أوائل خمسينيات القرن الماضي، نزل أحد تجّار دمشق ضيفاً عند أبو حسن يحيى سرايا، التاجر المعروف في السويداء. في صباح اليوم الثاني، أفطر الضيف في المضافة، وقام ليتوجّه إلى السوق، توقّف قليلاً وقال لأبي حسن: “يمكن إني نسيت صرّة المصاري بالغرفة مطرح ما كنت نايم، وفيها ٢٥ ألف ليرة سورية”.
كانت هذه تساوي غالياً في تلك الأيّام. استمهله يحيى سرايا، دخل إلى الغرفة وعاد ليعطيه الصرّة: “تفضّل، لاقتها إختك إم حسن تحت الفراش”. بعد استضافة أسبوع رجع التاجر الشامي إلى بيته بالبضاعة، لاقته زوجته باستغراب: “كيف جبت البضاعة وأنت نسيان صرّة المصاري هون بالبيت؟!”.
اجتمع التاجر الدمشقي بكبار تجّار الشام وأخبرهم بالقصة، وقرّر أن يسافر معهم إلى بيت أبو حسن في السويداء، حاملاً ذبيحة، ليردّ له ماله، ويعتذر منه ويشكره على كرمه. رحّب أبو حسن بضيوفه وذبح على شرف زيارتهم عدّة ذبائح ودعا وجهاء السويداء.
بالردّ على سؤال التاجر الشامي: “إنو ليش هيك عملت وأعطيتني مصاري من عندك؟”، أجاب أبو حسن: “الأمانة عهد، والعهد متبادل، والمعزّب (المُستضيف) لازم يكون أهل للأمانة وبالتالي للاستضافة… هذا اللي ربونا عليه أهلنا وجدودنا”.
وتقول واقعة طازجة: صباح الأربعاء، 16 تمّوز/ يوليو 2025، إن جماعات لم يُربّها أهلها، ولا قادتها العسكريون، على معنى (العهد المتبادل) ردّت الأمانة لأبناء يحيى سرايا وأحفاده وأقاربه بمجزرة. ثمانية رجال، مدنيّون، ينتمون إلى هذا البيت: غسان يحيى سرايا وولداه حسام وكريم، وأبناء عمّه الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وابن أختهم اسماعيل جانبيه وجارهم عامر الفقيه، أُعدموا رمياً بالرصاص في ساحة خلدون زين الدين (تشرين سابقاً).
كان اسم هذه الساحة، مسرح الجريمة: ساحة تشرين، ومنذ انطلاق الموجة الأخيرة للثورة السورية السلمية، كما أيّام انطلاقتها في عام 2011، بإحيائها في محافظة السويداء وحدها ضدّ بشار الأسد، منذ آب/ أغسطس 2023 حتى هروب الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ارتأى روّاد ساحة الكرامة تغيير اسمها لتحمل اسم خلدون زين الدين، الضابط المنشقّ عن نظام الأسد في عام 2011، وشهيد الثورة على أرض السويداء حين تسلّل إلى ظهر جبل العرب مع رفاقه الثوار في كانون الأول/ ديسمبر في عام 2012، لتحرير السويداء من نظام الأسد. خسر خلدون زين الدين المعركة وحياته، لفظ أنفاسه الأخيرة مثخناً بجراحه، ناطقاً بوصيّته الأخيرة: الكرامة يا أهل الجبل، الكرامة!
ثلج جبل العرب وثّق دم خلدون زين الدين على بياضه، أما مجزرة الساحة التي تحمل اسمه، فقد وثّقها الفاعلون بفيديو مصوّر، ونشروه بأنفسهم.
تسرّب الفيديو قرابة العاشرة مساء في اليوم نفسه، نقلته إليهم ناشطة تشتغل في التوثيق. وإن عرف أهل الضحايا، فلا أدنى إمكانيّة لقطع مئة متر، هي المسافة ما بين بيتهم وساحة خلدون زين الدين، التي يحتلّها الأمن العامّ وقنّاصته.
بقيت الجثامين مشلوحةً حتى صباح 17 تمّوز/ يوليو، حيث قام الدكتور بسّام جانبيه قريب الضحايا ونسيبهم، بعملية دفن سريع، مستغلّاً ساعات الأمان القليلة ما بين انسحاب الأمن العامّ من المدينة وغزوة العشائر، التي أرسلها أحمد الشرع نفسه، وسيّرها أحمد الدالاتي.
من حظّ الشهيد حسام عدا أنه سوري (درزي) يحمل الجنسيّة الأميركية أيضاً، ليحظى بتغطية الإعلام الأميركي لعيّنة من مجازر ارتكبها عناصر وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية المؤقّتة، في محافظة السويداء في أقصى جنوب سوريا، التي يبلغ عدد سكّانها نحو 500 ألف نسمة، غالبيتهم من الدروز.
نساء العائلة، في بيتهن القريب من ساحة كانت ملعباً لطفولة ضحايا المجزرة، لم يصلهن الخبر إلا في صباح اليوم التالي، بعد انقضاء أربع وعشرين ساعة على جثث مرميّة تحت شمس السويداء الحارقة وليلها الأخرس، إلا من دويّ القذائف ورائحة الموت المُتربّص بمكوّن سوري كامل، مدانٍ بجريمة انتمائه إلى طائفة الدروز. ففي حين دخلت هذه الجماعات السويداء تحت مسمّى (فضّ الاشتباك وضبط الأمن) لم تضبط في واقع الأمر، ولا حتى بشاعة أشكال القتل والإذلال والنهب وحرق كلّ مظهر للمدنية…
في مكالمة فيديو مع نساء البيت، بدت السيدة غازية، أم الشهداء الثلاثة عليّ ووليد ويحيى، وهم أبناؤها الذكور جميعهم، وجدّة اسماعيل جانبيه ابن ابنتها، بدت صافنة، ساهمة عن دنيانا، تدمع عيناها ثم تركّز نظّارتيها وتعاود القراءة في كتاب الحكمة…
بذهول، تقول ديما زوجة عليّ: “الصبح حوالي الساعة 6 كنا نايمين، سمعت حركة قوية قدّام بيتنا، من الشباك رأيتهم، كثار كثير، سمعت واحد لهجته إدلبية ع بيسأل: كم واحد بهذا البيت؟ رد عليه واحد لهجتُه بدوية: 6 رجال، بعرفهم. ثم صيحات الله أكبر من الكل، وتطويق الدار، ثم قذيفتين هاون على البيت أصابت المطبخ والدرج وإحدى غرف النوم، سقط علينا باطون من السقف، ثم رصاص على بوابة المضافة في الطابق الأرضي. اقتحموا كالوحوش بلباس مكتوب عليه: لا إله إلا الله، كانوا كثار، كثار. بينما رجالنا قد أفاقوا ووقفوا في رأس الدرج عند الطابق الثاني، فورا أطلق واحد رصاص عليهم، أصاب زوجي علي، بعدها صاح أحدهم: سلّموا حالكم وعليكم الأمان. نزلوا رجالنا، كانوا بالبيجامات، علي لابس برجله شحاطة، وحسام كان حافي. صفّفوهم رتلاً مترادفاً وساروا بهم خارج البيت”.
تُكمل ديما بصوت راجف: “بقي قسم من العساكر معنا نحن النساء، صاحوا بنا: فوتوا لجوّا أحسن ما نصفّيكن. تراجعنا للكوريدور وتكوّمنا حوالين بعضنا. بعد شويّ رجعوا جماعة منهم، صاروا بناتنا يبكوا ويعيّطوا: وين أخذتوا بيّاتنا (آباءنا) الرجال كانوا لابسين أسود، لباس الأمن العام، حبسونا بغرفة وغلّقوا علينا. قلت له: موجّهة الله عليك لا تؤذوا رجالنا. أجابني: انتو غدارين من عصابات الهجري، هاتوا كل مفاتيح السيارات والخزنة بتكون مقابل سلامة رجالكم. بعد ما أخذوا المفاتيح عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو جعفر من دير الزور نحنا جايين بحث عن السلاح وبس، وأنتو قطعتولي قلبي، من هالشوارب بدّي رجّعلكن آباءكن، كلها ساعتين تحقيق وبيرجعوا.
ما كنا منعرف انهن صفّوا رجالنا ورجعوا لعندنا لينهبوا”.
تروي هيلين زوجة يحيى: “كانوا جماعات كأنها منفصلة عن بعضها. بعد أولئك، دخل علينا اثنين قالوا انهم من الحرس الجمهوري. قال: بدّي أمّن عليكن، راح آخذكن لعند أهلي بدرعا، أمي بتحب الضيوف وبتكرمهم، ولما يهدأ الحال برجّعكن، ارتعبنا. قلنا له: خلينا هون حوالين أهلنا، قال: هاتوا شو عندكن ذهب ومصاري؟ قلنالهم: اللي قبلكن أخذوا كل شي خذوا شو ما بدكم من البيت بس رجّعوا رجالنا. حبسونا بلا طعام ولا ماء، وظلوا طول النهار والليل ينهبوا ويكوّموا كل شي بالسيارات وأخذوها محمّلة وراحوا”.
تُتابع ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “أخذوا الرجال وحبسونا بالغرفة. وكلنا كنا لابسين ثياب محتشمة ومغطيين رؤوسنا، ولبّسنا حتى البنات فوط سميكة على رؤوسهن وتلفّعوا ببطانيات رقيقة. كل شوي تيجي مجموعة جديدة، عرّف أحدهم عن نفسه: أنا أبو قتيبة شو عندكن ذهب؟ ردّينا: جماعة أبو جعفر أخذوا كل شي. قال: منستفيد منكن بشغلات ثانية، هاي عندكن صبايا حلوات، ونحنا مرعوبين وساكتين. واحد منهن انجعى على الدرج، أخذ راحته وصار يدخّن ويقول: مين جايي على بالها تعدّل مزاجها بسيجارة؟ بنات سلفي صبايا زغار يبكوا وأنا سكّتهم. شفت كيف تطليعتُه إلهن مش نظيفة، حطيت إيدي على قلبي. واحد منهن قال: خلص لا تهكلوا همّ، مسك وحدة من البنات وباس راسها، وقال لإختي غازية، أم الشباب: أنتِ بمقام الوالدة، وكان ع بيتطلع بسنسال برقبتي، فكّيت السلسال وقلتله خذه، وأخذ كمان السلسال من رقبة ديما. كان في معهن واحد شكلو غريب، أسود، ولهجته غريبة: قال ما عليكن أمان، هاتوا الموبايلات”.
سميرة، أخت غسان وعمّة حسام وكريم، تقول بأشدّ حسرة: “قال لنا المعزّون: يا ريت تركوا ولو واحد منهم حيّ. قلنا لها: يا نغصة قلبي عليهم، هم ورثوا عن والديهم وجدهم المحبة والوِفق. يمكن لو بقي واحد منهم حيّ كان مات طقّ، ما بيقدر يعيش بلاهن. رجالنا مثل ما حبوا بعضهم بالحياة مسكوا إيدين بعضهم وراحوا عالموت سوا، حتى لا حدا يعتب على الثاني ولا حدا يحزن على الثاني”.
تقول ديما: “من جميع رجال عائلتنا بقي لي ابن وحيد يدرس في الجامعة الأميركية في الإمارات”.
تنحب ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم، وتشرح: “قلتُ لابن عم زوجي، الدكتور بسّام جانبيه: ليش دفنتهم بسرعة؟ يا ريتك خلّيتنا نودّعهم، أجاب: أكرمتهم بالدفن السريع، وما كان بدّي ايّاكِ تشوفي شو صار فيهم بعد 24 ساعة مشلوحين تحت الشمس والليل، ولا تشوفي السويداء المنكوبة بعد غزو الهمج، خلّيكي متذكرتيهن بصورتهم الحلوة”.
وتقول: آآآه، لو توزّعتْ مصيبتي على جبال ما بتحملها، لكني أشفق على نساء غيري، شتّتْ عقولهن وهن يجمعن أشلاء أبنائهن، وأدعو لهن بالصبر الجميل كما نحن راضيات ومسلّمات”.
تُخرج سميرة زفيراً طويلاً وتُكمل: “قضيّتنا هي قضية جبل العرب كله. رجالنا ماتوا في أجَلهم المقدّر، وكانوا عمّالين حسنات، بحسناتهم أشفق الله علينا نحن نساؤهم فصان عرضنا وسلمنا من وحوشهم، نحن نساء العائلة وغيرنا ممن احتمين ببيتنا، كنا حوالي عشر ولايا سلمتْ أعراضنا من هؤلاء البرابرة، اللصوص، الشياطين. مصيبتنا كبيرة، ومصيبة أسرتنا بالذات أكبر منّا، لكنّ مصائب الناس خفّفت من مصيبتنا، فرجالنا دُفنوا كاملين. أهلنا ربونا على الرضى والتسليم والإيمان بالقضاء والقدر والحياة والموت والتقمّص، شرّبونا إياها بالملعقة، والإيمان بيعين، ربنا غرس الصبر الجميل بقلوبنا..”.
تستذكر سميرة شيئاً: “الغريب، أنه وحين نُهب بيتنا، سلِم من همجيّتهم كيس أمانات للناس، فيه ذهب ومال، كما العادة منذ أيّام أبي وجدي، أودعه أهل جبل العرب في بيتنا، وخبّأه أخي غسان في مكان لائذ لا يهتدي سارق إليه… ألف الحمد لله على سلامة الأمانة، التي سنبدأ بإعادتها إلى أصحابها”.
هؤلاء هم آل سرايا، رجالاً ونساء…
لتوصيفهم، لا بدّ من فهم جزئيّة جوهرية في تركيبة السويداء، ما يمكن أن نسمّيها بمصطلحات اليوم: الحالة الدرزية، التي لن يفهمها غزاة السويداء، كحالة عاطفية وأخلاقية، آل سرايا خير مثال عليها.
عائلة تُعيدنا إلى مفهوم الأسرة بمعناها الوجداني والتربوي؛ محبّة وأخلاق وكرم وعطاء وعلم وفهم وشهامة وصداقة وطيبة. عائلة لم تؤذِ في تاريخها أحداً، وتحتوي كلّ من يختلف عنها، وتعتني بعائلات فقيرة لا يمكن إحصاؤها، بدعم صامت!
وإلى ذلك، هي مؤسّسة متكاملة، تتقاسم المهمّات والمسؤوليات في ما بينها، بينما غرف المؤونة فيها مشاع للجميع، ابتداء بالجدّ الأوّل سلمان سرايا، الذي كان تاجر قمح في النصف الأوّل من القرن العشرين، أيّام كان اقتصاد السويداء زراعياً وتقتصر التجارة فيها على تبادلية محلّية داخل المحافظة نفسها، انفتح سلمان سرايا على السفر لبيع القمح في دمشق والقدس.
أبناء سلمان سرايا ثلاثة: يوسف أكبرهم، سافر إلى المكسيك عن طريق بيروت. من هناك، وبعد أن أصبح في دمشق مكاتب سفر لتسيير معاملات طالبي الهجرة إلى أميركا اللاتينية عموماً، اشتغل على أمرين: طلب من أخويه يحيى (صاحب المرويّة أعلاه) ومهنّا المقيمين في السويداء، أن يفتتحا أوّل مكتب سفريّات في مدينة السويداء، يتولّى التواصل مع مكتب دمشق ليوفّر على الناس أعباء الأسفار المتكرّرة إلى العاصمة، وهو ما حصل، إذ أصبح مكتب الأخوين موثوقاً لإنجاز طلبات السفر، حتى وصول المهاجرين إلى مقاصدهم في مختلف دول أميركا اللاتينية.
ومن جانبه، أسّس يوسف بنك مكسيكو في المكسيك، يُودع لديه أبناء السويداء أموالهم المدّخرة، ويحوّلها يوسف إلى بنك في بيروت، من هناك يستلمها أخواه يحيى ومهنّا ويأتيان بها إلى أصحابها أو عائلاتهم في السويداء. لاحقاً، وقبل أن تدخل ثقافة إيداع الأموال في البنوك لدى أهالي السويداء المقيمين فيها، أصبحوا يُودعون أموالهم ومصاغ نسائهم لدى الأخوين يحيى ومهنّا، وما زال كثيرون يفعلون هذا حتى اليوم.
وفي السويداء أيضاً، تقاسم يحيى ومهنّا مسؤوليات الأسرة والشأن العامّ، كمؤسّسة متكاملة. كان يحيى، إضافة إلى كونه تاجر قمح معروفاً بين تجّار دمشق، مسؤولاً عن الحالة العشائرية في محافظة السويداء، كشريك تحكيم رافد للتحكيم المدني، وسيط بين القضاء المدني والتحكيم العشائري، ما يستدعي تجوالاً دائماً في أنحاء المحافظة، بينما أخوه أبو عليّ مهنّا يربّي أولاده وأولاد أخيه، الذين يحبّونه ويحترمونه ويهابونه كأنه أبوهم لا عمّهم.
منذ أيّام الأخوين يحيى ومهنّا، اللذين لم يغتربا خارج السويداء يوماً، كان ارتباط عائلتيهما هو الأكثر حميمية وعمليّة. أنشآ معاً كازية (محطة وقود) سرايا، ومطحنة للقمح، وزرعا بساتين تفاح وعنب في ظهر الجبل، ولاحقاً، في منتصف ستينيات القرن الماضي، أنشأ ابن عمهم أسعد “سينما سرايا”، هي السينما الأولى كمعلَم في مدينة السويداء المعاصرة، وجزء حميم من ذاكرتها الراسخة.
حين توفّي يحيى سرايا في عام 1979، قال سلطان الأطرش: “اليوم قُطعت ذراعي اليمين”، تعبير لا يُحيل إلى حزن فحسب، بل هو أيضاً “نعي لركن في الوطن”، على حدّ تعبير حفيده المحامي علاء صيموعة.
تابع الأبناء على خطى الآباء. وُصف بيتهم بأنه مستودع أمانات، ووكالة تعليم طلّاب غير رسمية ولا حتى معلنة، ودعم جمعيات خيرية، إقراض المحتاجين دون منّة ولا فوائد، ولآجال طويلة، وتوزيع ما يفوق 100 كيس طحين دفعة واحدة كلّ موسم، يدور غسّان وأبناء عمّه بسياراتهم ليوزّعوها بأنفسهم على الناس، وكذلك المحروقات وصناديق التفاح وتنكات زيت الزيتون.
كان حسام وأخوه كريم (35 و33 عاماً) آخر من يسير على خطى العائلة. حسام الوسيم، جميل المحيّا، عذب البسمة، طيّب الملقى، درس المحاسبة في جامعة دمشق، وسافر إلى أميركا ليُكمل تعليمه ويدفع بدلاً عن خدمة الجيش، أكمل دراسة ماجستير محاسبة وتدقيق قانوني، ونال الجنسيّة الأميركية وعاد إلى السويداء، وافتتح فيها “مدرسة سرايا” الافتراضية الذكية، التي تُدرّس المنهج الأميركي لتعليم الأطفال من الصفّ الأوّل حتى الرابع.
أدارها هو وأخوه كريم خرّيج كليّة إدارة الأعمال في الجامعة الأوروبية الخاصّة في سوريا. توسّعت المدرسة إلى أكثر من فرع، عدد تلاميذها كبير جداً، وكان في ارتفاع مستمرّ، مع تخصيص 350 مقعداً لتلاميذ يتلقّون التعليم بالمجّان. كذلك كان الأخوان يشتغلان على افتتاح فرع في السعودية.
لكنّهما قُتلا، واجتاح القتلة بساتين الزيتون في أراضي الثعلة غرب المدينة، اقتلعوا زيتون آل سرايا، وكلّ زيتون، ثم أحرقوا الأراضي والبساتين كما البيوت، وفجّروا آبار المياه.
شهد هيثم رافع، صهر العائلة: “يوم دفنّا شهداءنا، وبعد انسحاب قوات الأمن العامّ، وكان حصار السويداء ما يزال مستمرّاً، والماء والكهرباء والمحروقات والإنترنت مقطوعة، والجبهات في قرى السويداء الغربية مشتعلة؛ كان عليّ أخ زوجتي قد أخبرني قبل أيّام، أنه ملأ خزّانات كازيتهم بالوقود، فمنذ أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا كان وأبناء عمّه يحدسون أن أمراً مماثلاً يُدبّر للسويداء، وعلينا أن نستعدّ. جئتُ مع رفاقي إلى حماتي أمّ عليّ، أم الشهداء، نستشيرها في فتح الكازية لتزويد الناس بالوقود، وأوّلهم المقاتلون دفاعاً عن السويداء. راقبتُ هذه المرأة اللي مخبيّة حزنها عنا، كيف رفعتْ عيونها عن كتاب الحكمة! الحكمة اللي علّمتها تظلّ رزينة وساكتة كلّ الوقت، يا دوب طلع صوتها مثل أي رجّال حكيم. أصلاً نحنا جدّاتنا وعمّاتنا وخالاتنا عندهن حكمة مثل الرجال وأكثر.
قالت لي حماتي أمّ عليّ إنهن عبّوا الكازية، وكان قلبها حاسسها انو نحنا مقبلين على محنة، قالت: أي يا سندي افتحوا الكازية ووزعوا مازوت وبنزين على الناس اللي عم بيدافعوا عن السويدا، حسنة عن أرواح أولادنا”.
ولأن الكهرباء مقطوعة، أخرجنا من المستودع ترومبة (آلة ضخّ) قديمة شبه بدائية تشتغل على البنزين، وقضينا الليل نضخّ المحروقات إلى الناس”.
تقول ماجدة زوجة غسان وأم حسام وكريم: “منذ عدنا إلى البيت، أنتظر انفضاض المعزّين لأتعايش مع مأساتي، أدخل غرفة نومنا وغرف نوم أولادي، أُعيد ترتيب خزائنهم التي نعثها الشياطين ونهبوا منها ما نهبوا. تطلب النساء مساعدتي فأجيب: ما حدا بيعرف يساعد أمّ بترتيب خزانة أولادها، أنا أشمّ كلّ قطعة ثياب وأبوسها وأطويها وأبكي على عدد خيطانها، مشتاقتلهن كثييير كثير… ليتني متُّ قبلهم أو معهم، كانوا قريبين كثير، أصدقائي مش بس أولادي. كلّ يوم الصبح لازم قبل ما يروحوا عالشغل نقعد سوى أنا وزوجي وأولادي، نحكي بكل شي، نفضفض لبعضنا، والمسا نفس القعدة بعد الشغل. كنت إترك كل شي عندي شغل أو التزام منشان ما ضيّع هالقعدة، شو دينهم هالمجرمين ليقتلوا زوجي واولادي؟ جريمتنا إننا حبّينا هالبلد وما طقنا نعيش غير فيه وكان عندنا ألف فرصة، عندنا رزق خيرات الله، لكن أولادي بيحبوا الشغل، كانوا عصاميين. حسام كان يقول لي: يا ماما خليني إبني نفسي بالأول بعدين بتزوّج، ما بدي عيش على تعب بابا، العروس اللي راح إتجوّزها أنا اللي لازم إفتح لها بيت مش بابا، لازم إحفظ كرامتها. كانوا يحترموا الصغير قبل الكبير، يمرّ طفل ع بيبيع بسكوت، كل مرة حسام يشتري منه ويعطيه زيادة ويجيب عالبيت ونحنا ما مناكل بسكوت، يقول: خلّيه يظلّ يترزّق الله أحسن ما يشحذ أو ينحرف”.
تعود ماجدة إلى البكاء: “مش عارفة على مين إحزن أكثر على زوجي وللا اولادي؟ بيقولوا الحزن عالولد أكثر، أنا حزني على كل حدا فيهم بيركّع جبل. زوجي غسان ما بيروح من بالي، حزّ بنفسي كثييير، يا غبنه، بعدو ما تهنّى بأولاده، كان بيحقلّه يعيش ويستمتع على قد ما بيحبّ الحياة والعيلة، وبيحبّ يقدّم للكل. بقلبي فقد وفرااااغ، كنت بتمنّى نكبر سوى ونفرح بأولادنا سوى، ظلّ قول له: نشالله موت أنا بحياتك، ولا لحظة فكّرت انهن راح يموتوا قبلي،الضربة انهن الثلاثة سوى، ما تركولي مجال إحزن على واحد منهم لحاله، أو إبكي مع حدا على اللي راح، ولا لاقي حدّي حدا منهن يبكي معي ويطبطب على ظهري. لكن أنا مأمّنة عليهن إنهن راحوا سوى عالموت، اولادي كانوا مع بيهم، يعني حسّوا بالأمان بوجوده قبل ما يموتوا، أعانوا بعضهم حتى على محنة الموت”.
نعى المحامي علاء صيموعة، ابن أختهم، أخواله على صفحته على “فيسبوك”: “غسّان، عليّ، وليد، يحيى، حسام، كريم، اسماعيل جانبيه، سرايا السويداء، ليسوا رجالاً فقط، بل أعمدة العزّ وحرّاس الشرف، سُراة الدرب، ومصابيح الحقّ في ليل طويل كانت فيه الأخلاق راية تُرفع، وكانت سوريا أوّلاً، والسويداء قلبها النابض، وسُويداؤها وجدانها العميق.
في زمان كانت الكلمة حرماً، والضيف سلطاناً، وقف يحيى كقاض من زمن العدالة الغابرة، يدفع من ماله حتى لا يُقال إن أمانة ضاعت في داره، وذاك الدمشقي الذي عاد من دمشق طارقاً باب مضافة جدّي باكياً، لأن اليد التي سألته عن المال كانت أطهر من أن تُخوّن، وأكرم من أن تُحرج.
هذان جدّي وأخوه، كانا خزّان أمانات المهاجرين إلى أميركا اللاتينية، ثقة تمشي على قدمين، ومضافة لا تُقفل إلا لتُفتح من جديد، دارهما دار “السرايا”، قلعة الكرم، وجامع الفخر، ومضيف من لا مضيف له. دار أنجبت أخوالي الشهداء الذين ذادوا عن الأرض، وحموا السويداء حين هجمت عليها ظلال الهمج. يومان من النار، وقفوا حائط صدّ، لا يخافون موتاً لأن الموت في حضن الأرض شرف.
دارهم، وصمة عزّ على جبين السويداء، وصمة ثورة في وجه هذا الحاكم الراهن. حين حاكم يخون ومحكوم يُذلّ، هؤلاء أخوالي، وهؤلاء شرفي، هؤلاء قبلتي، ولـتخسأ قبلة من اغتالهم.
رحلوا عن وجه الدنيا ووجوههم إلى ربّهم مشرقة، وأيديهم بيضاء. هؤلاء، سبقونا، ونحن بعد في أوّل سطر من كتابهم”.
– روائية سورية
درج
—————————
التوغّلات الإسرائيلية في سوريا: 50 كيلومتراً ترسمها حواجز ونقاط عسكرية… ومزارعون خسروا أراضيهم ومحاصيلهم/ محمد المسالمة، وائل قرصيفي (سراج)
06.08.2025
يُظهر هذا التحقيق، من خلال تتّبع خريطة التوغّلات والاعتداءات الإسرائيلية وتوثيقها باستخدام صور الأقمار الصناعية وشهادات مواطنين سوريين، عن امتداد سيطرة الجيش الإسرائيلي على الأراضي السورية ضمن منطقة خفض التصعيد وخارجها، وإنشاء نقاط عسكرية وحواجز إلى جانب تهديد مزارعين خسروا أراضيهم الزراعية التي أضحت تحت السيطرة الإسرائيلية.
في 16 تمّوز/ يوليو الماضي، شنّ الطيران الإسرائيلي هجمات استهدفت مقرّي وزارة الدفاع وهيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي، في قلب العاصمة السورية دمشق، إضافة إلى استهداف قوّات الجيش والأمن العامّ السورية جنوب البلاد. وبرّرت تل أبيب هجماتها التي اعتُبرت “غير مسبوقة”، بحماية المكوّن السوري من الطائفة الدرزية “الدروز” في محافظة السويداء، التي كانت تشهد اقتتالاً بين فصائل محلّية وقوّات الحكومة السورية، تحوّل لاحقاً إلى اقتتال بين هذه الفصائل وعشائر البدو.
لكن منذ سقوط نظام بشّار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وقبل أشهر من حدوث أي توتّر في المحافظة الجنوبية، كانت إسرائيل تؤكّد صراحة سعيها إلى جعل سوريا دولة ضعيفة مفكّكة. كما أخذت تنفّذ عمليّات عسكرية متواصلة، بما في ذلك “أكبر عمليّة في تاريخ سلاح الجوّ الإسرائيلي”، بحسب وصف مصدر أمني إسرائيلي، استمرّت على مدار ثلاثة أيّام، بدأت مباشرة عقب فرار بشّار الأسد، وأفضت إلى تدمير ما بين 70% إلى 80% من أصول الجيش السوري.
في المقابل، كان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك، أشار إلى “انطلاق الحوار بين دمشق وإسرائيل”، وهو ما أكّده رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، بإعلانه الإشراف شخصياً على حوار سياسي وأمني مباشر مع الحكومة السورية، وصولاً إلى تقارير إعلامية عن اجتماع سوري – إسرائيلي مباشر في العاصمة الآذرية باكو، عشيّة مواجهات السويداء الشهر الماضي. مع ذلك، يظهر تناقض حادّ بشأن ما يتسرّب عن حجم الهوّة التي تفصل الجانبين للتوصّل إلى تسوية ما، وإمكانيّة ردمها، مع إصرار إسرائيل على عدم الانسحاب حتى من الأراضي التي سيطرت عليها عقب سقوط نظام الأسد.
يُظهر هذا التحقيق، من خلال تتّبع خريطة التوغّلات والاعتداءات الإسرائيلية وتوثيقها باستخدام صور الأقمار الصناعية وشهادات مواطنين سوريين، عن امتداد سيطرة الجيش الإسرائيلي على الأراضي السورية ضمن منطقة خفض التصعيد وخارجها، وإنشاء نقاط عسكرية وحواجز إلى جانب تهديد مزارعين خسروا أراضيهم الزراعية التي أضحت تحت السيطرة الإسرائيلية.
قواعد وحدود جديدة
صباح يوم الاثنين 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بعد يوم واحد فقط من سقوط نظام الأسد السابق، توجّه الطفل أحمد السالم (13 عاماً) مع ذويه للرعي في منطقة معرّية في حوض اليرموك في ريف محافظة درعا الغربي، إلا أنهم تفاجأوا بإطلاق النار من قِبل قوّة إسرائيلية متوغّلة في المنطقة، مما أدّى إلى إصابة أحمد بشظيّة استقرّت في عينه اليسرى، وتسبّبت بفقدانه الرؤية بها بشكل قد يكون دائماً.
ترك الجنود الإسرائيليون أحمد ملقى على الأرض من دون إسعافه، وتمّ لاحقاً نقله إلى العاصمة دمشق لعلاج عينه، ورغم محاولات شقيقه تأمين تكاليف العلاج، كان مبلغ 13 ألف دولار فوق طاقة العائلة، كما يروي شقيق الطفل، مما اضطرّ العائلة لبيع أرض زراعية وقطيع مواش كان ثمنها كافياً فقط لإجراء العمليّة الجراحية الأولى، فيما لا يزال أحمد ينتظر تأمين تكاليف العمليّة الثانية.
قصّة أحمد ليست حادثة استثنائية، إنما واحدة فقط من قصص وأوجه المعاناة الإنسانية الناتجة عن الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب سوريا منذ سقوط نظام الأسد. إذ تمّ توثيق مقتل 18 شخصاً في محافظة درعا منذ بدأت القوّات الإسرائيلية توغّلها في محافظتي القنيطرة ودرعا، إضافة إلى اعتقال مواطنين سوريين داخل ما يُعرف بـ”المنطقة العازلة” وخارجها، ما يزال أحدهم في السجون الإسرائيلية.
وكانت الحكومتان السورية والإسرائيلية وقعتا العام 1974، عقب حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 1973، ما سُمّي “اتّفاقية فضّ الاشتباك”، التي حدّدت، كما تُوضح الخريطة أدناه، مناطق انتشار القوّات السورية والإسرائيلية، خلف منطقتين منزوعتي السلاح، مع السماح بعودة المدنيين السوريين إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة دمشق.
لكن مباشرة، عقب سقوط نظام الأسد، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من طرف واحد انهيار “اتّفاقية فضّ الاشتباك” تلك، والاستيلاء على المنطقة العازلة التي تنتشر فيها قوّات الأمم المتّحدة المعروفة اختصاراً باسم “أوندوف” (UNDOF) والمكلّفة مراقبة تنفيذ الاتّفاقية.
وكما يلفت المؤمن بالله الخبّي المحامي والباحث القانوني من سكّان محافظة القنيطرة، فإن “اتّفاقية فضّ الاشتباك للعام 1974 لا تزال سارية المفعول على الرغم من سقوط نظام الأسد. ذلك أن الاتّفاقيات الدولية تُبرَم بين الدول لا بين الرؤساء”، ولا يمكن بالتالي “اعتبارها لاغية أو خرقها، طالما أن الدولة السورية بكيانها القانوني ما زالت قائمة حتى مع تغيّر الحُكم فيها”.
مع ذلك، ورغم رفض الأمم المتّحدة الانتهاك الإسرائيلي للاتّفاقية، صارت التوغّلات البرّية في الأراضي السورية منتظمة، كما الغارات الجوّية. وبحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فقد شهدت الفترة بين 9 حزيران/ يونيو و5 تمّوز/ يوليو من العام الحالي وحدها “22 عمليّة توغّل برّي” إسرائيلية في محافظات القنيطرة، وريف دمشق، ودرعا “أسفرت عن مقتل مدني وتعرّض 13 آخرين لاحتجاز تعسّفي واعتداءات على ممتلكات المدنيين”.
وبمعاينة صور الأقمار الصناعية ومقارنتها مع إحداثيات مراكز تموضع القوّات الإسرائيلية منذ كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، يمكن رسم خط افتراضي يوضح انتشار الجيش الإسرائيلي جنوب سوريا.
يمرّ هذا الخط الذي يتجاوز طوله 50 كيلومتراً بعدد من المناطق الجغرافية والإدارية المهمّة، تمتدّ من الحدود الشمالية عند جبل الشيخ في محافظة القنيطرة حتى ريف محافظة درعا الغربي جنوباً. وعلى طول هذا الخط الافتراضي، أنشأت القوّات الإسرائيلية عدّة نقاط عسكرية بداية من قمّة عرنة في جبل الشيخ شمالاً، مروراً ببلدة جبّاتا الخشب والحميدية والجزء المهدّم من مدينة القنيطرة وسدّ المنطرة في منطقة العدنانية، وجميعها تقع ضمن المنطقة العازلة منزوعة السلاح الخاضعة للسيطرة السورية بحسب “اتّفاقية فضّ الاشتباك” للعام 1974. كما أنشأت القوّات الإسرائيلية قواعد عسكرية خارج المنطقة العازلة في تل أحمر الغربي قرب بلدة كودنا، وفي سرّية الهاون، أو ما يُعرف بمنطقة الجزيرة في بلدة معرّية أقصى الجنوب الغربي من محافظة درعا.
وتمتلك نقاط تمركز القوّات الإسرائيلية جنوب سوريا أهمّية ليس فقط بسبب امتدادها الواسع، إنما أيضاً من كون المواقع التي تسيطر عليها استراتيجية. فرغم أن هذه النقاط “ليست فعّالة للمساهمة في شنّ حرب برّية كلاسيكية”، برأي الخبير العسكري والاستراتيجي العقيد أحمد حمادة، فإنها تشكّل “قواعد انطلاق للعمليّات الإسرائيلية كالتفتيش والتوغّل والاعتقال”.
ذلك أن العديد منها يقع على مرتفعات مطلّة على كثير من القرى والأراضي المجاورة، ما يوفّر منطلقاً ملائماً للتحرّك، ونقطة أساسية لمراقبة حركة السكّان والمزارعين في القرى المجاورة. على سبيل المثال، تشرف نقطة سرّية الهاون على قريتي كويا ومعرّية، كما أنها تكشف مساحات واسعة من الحدود السورية الأردنية، وتستخدم القوّات الإسرائيلية هذه النقطة للتوغّلات البرّية، التي تنتهي أحياناً باشتباكات مع السكّان، تليها عمليّات قصف إسرائيلي تودي بحياة المدنيين، كما حصل في قرية كويا في 25 آذار/ مارس الماضي، عندما تسبّب القصف الإسرائيلي بمقتل 6 مدنيين ونزوح المئات من القرية نحو القرى المجاورة.
اعتقال من دون أسباب معلنة
بموجب “اتّفاقية فضّ الاشتباك” للعام 1974 “تكون كلّ الأرض شرق الخط (أ) تحت الإدارة السورية ويعود المدنيون السوريون إلى هذه الأرض”. هكذا، كان بمقدور المزارع أحمد حسن استغلال أرضه الزراعية الواقعة في منطقة جبّاتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي، بمحاذاة الحدود مع الجولان السوري المحتلّ، لا سيّما مع حمله “تصريحاً” صادراً عن الـ”أوندوف”، يُعدّ، بحسب حسن، بمثابة حماية قانونية لحقّه، فوق ضمان مواصلته العمل في أرضه التي ورثها عن أجداده، والتي تُعتبر مصدر الرزق الوحيد له ولعائلته.
وبحسب توضيح من الـ”أوندوف” لفريق التحقيق، فقد بدأ العمل بآلية “التصريح” التي أقرّها الجانبان السوري والإسرائيلي لمنع أي انتهاكات للاتّفاقية، بعد شكوى إسرائيل من تجاوز مواشي المزارعين السوريين للخط (أ) بحيث يمنح لرعاة يتمّ تسجيل أسمائهم لدى الـ”أوندوف” بالتنسيق مع ضابط الارتباط في الجيش السوري.
لكن منذ نيسان/ أبريل 2024، أي قبل سقوط نظام الأسد، بات هذا التصريح مجرّد ورقة بلا قيمة. إذ في ذلك الشهر دخلت قوّة إسرائيلية أرض حسن ومزارع أخرى مجاورة، وجرفت أجزاء منها لفتح طرق عسكرية وسط أشجار الكرز، كما اعتقلت أيضاً ابن حسن، صدّام، مواليد العام 2007 الذي يحمل بدوره “تصريحاً” من الـ”أوندوف”.
وفيما تواصل إسرائيل تنفيذ عمليّات الاعتقال داخل الأراضي السورية، بدعوى أن المعتقلين مهرّبو أسلحة أو أعضاء في خلايا تابعة لحركة “حماس” الفلسطينية وإيران، إلا أن أسباب اعتقال صدّام ما تزال مجهولة. فرغم تواصلها مع الجانب الإسرائيلي لأكثر من مرّة وعلى مستويات مختلفة لمعرفة أسباب اعتقال صدّام، إلا أن الـ”أوندوف”، كما ذكرت في توضيحها، لم تتلقّ أي ردّ باستثناء تأكيد الاعتقال المستمرّ حتى الآن.
ويظهر فيديو صورّه أحمد حسن لاعتقال ابنه صدّام من قِبل جنود إسرائيليين بعد السيطرة على أرضه الزراعية في جبّاتا الخشب، مجموعة من الجنود يسحبون شخصاً عبر طريق زراعية. وقد تحقّق فريق “سراج” من موقع التقاط الفيديو وتاريخه. ومن خلال تتّبع عدّة لقطات ثابتة من الفيديو المصوّر باستخدام الهاتف المحمول، استطاع الصحافيون تشكيل صورة بانورامية للمكان الذي يقول حسن إن ابنه اعتُقل فيه.
إذ بمطابقة المشاهد في الفيديو وبياناته الوصفية، كما صور الأقمار الصناعية، أمكن تحديد موقع التصوير القريب من أرض أحمد حسن جنوب قرية جبّاتا الخشب، والزاوية التقريبية للفيديو وتأكيدها بالمقارنة مع صور العنفات الهوائية التي تظهر في الأفق بمقطع الفيديو، والتي تقع داخل هضبة الجولان المحتلّ، إضافة للمسار الذي يُعتقد أن الجنود الإسرائيليين اقتادوا صدّام من خلاله.
“نحن نسرق من أراضينا”
“الفلّاحون خسروا مواسمهم بالكامل هذا العام، والكثير منهم لا يعلم حتى ما إذا كانت أرضه لا تزال موجودة. أصحاب المواشي اضطرّوا لبيعها بسبب فقدان المراعي”، يقول مدير بلدية جبّاتا الخشب في ريف القنيطرة طارق مريود، لفريق التحقيق، ويضيف: “الوضع الاقتصادي في غاية السوء، والناس تخشى الاستثمار في أي مشروع، لأن المستقبل في هذه المنطقة مجهول ومفتوح على كلّ الاحتمالات”.
وبحسب تصريح لنائب محافظ القنيطرة في 11 تمّوز/ يوليو الماضي، فإن “بناء قواعد عسكرية للاحتلال الإسرائيلي، أدّى إلى إغلاق ستّة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية” في المحافظة.
أحد المزارعين المتضرّرين هو محمود أبو عيسى، الذي منعته القوّات الإسرائيلية من الوصول إلى أراضيه الواقعة في بلدة كودنا في ريف القنيطرة، قرب تلّ أحمر الغربي الذي استولت عليه تلك القوّات من دون إعلان رسمي، عبر عمليّات توغّل برّية تدريجية، مع تجريف طرقات وفتحها وتحصينها.
“منعوني من زراعة أرضي هذا الشتاء. أنا كنت أزرعها كلّ سنة قمح وشعير وبيقية”، كما يقول أبو عيسى لـ”سراج”، عن أرضه التي تبلغ مساحتها “نحو 40 دونماً، وكانت مصدر رزقي الأساسي”.
أما قطعة الأرض الثانية، التي تبلغ مساحتها نحو 100 دونم، والتي هي جزء من مجموعة أراضٍ زراعية تقدّر مساحتها ب 1500 دونم في محيط تلّ أحمر الغربي لأبو عيسى وأقاربه، فلم “يسمحوا لي برعي أبقاري وأغنامي فيها. فاضطرّرت لشراء علف وتبن بأسعار مرتفعة، لا سيّما وأن هذه السنة تميّزت بالجفاف وشحّ المياه”.
إضافة إلى إطلاق النار على أبو عيسى عند محاولته دخول أرضه، عمدت القوّات الإسرائيلية إلى “إحراق نصف الأرض اللي أملكها، لمنعي حتى من التفكير في إرسال مواشي للرعي هناك، ما أدّى إلى تدمير أشجار تين مثمرة، كما أشجار كينا وسنديان، زرعناها وحميناها لسنين طويلة”.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية باستخدام قمر “سنتنل” (Sentinel) أثر الحريق في أرض أبو عيسى المجاورة لنقطة القوّات الإسرائيلية في تلّ أحمر الغربي. إذ تظهر الأرض سليمة بتاريخ 11 أيّار/ مايو 2025، ثم تظهر آثار الحريق في صورة لاحقة بتاريخ 19 أيّار/ مايو 2025، ما يتطابق مع رواية أبو عيسى بحصول الحريق بتاريخ 15 أيّار/ مايو، وتتطابق آثار حجم الحريق والشكل ما بين صور الأقمار الصناعية والصور التي شاركها أبو عيسى مع فريق “سراج”، إضافة إلى تلك التي نشرها ناشطون في محافظة درعا يوم حصول الحريق.
ورغم تركّز انتهاكات القوّات الإسرائيلية واعتداءاتها في محافظة القنيطرة، فإنها تمتدّ جنوباً أيضاً إلى محافظة درعا، وقد أسفر توغّل هذه القوّات، في 25 آذار/ مارس الماضي، نحو منطقة معرّية وكويا في أقصى الجنوب الغربي من حوض اليرموك، عن استشهاد ستّة مدنيين في مواجهات معها.
سبق ذلك إنشاء الجيش الإسرائيلي نقطة عسكرية في سرّية الهاون، أو ما تعرف بسرّية الجزيرة الواقعة في بلدة معرّية، في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ما تسبّب بفقدان عشرات المزارعين حقّ الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومنعهم من الاقتراب منها، وهي التي تُعدّ مصدر رزقهم الرئيس.
“حاولنا الوصول لأراضينا، إلا أن جيش الاحتلال أطلق النار باتجاهنا ومنعنا من الاقتراب من الأراضي”، يقول المزارع أبو محمد الذي يملك وأبناء عمومته ثلاث قطع من الأراضي الزراعية بالقرب من سرّية الهاون، رغم أن ذلك الجيش غير متمركز في الأرض.
صورة تُظهر الجدار الإسمنتي وبعض التجهيزات التي أنشأها الجيش الإسرائيلي في موقع سرّية الهاون، أو ما يُعرف بنقطة الجزيرة، في بلدة معرّية أقصى الجنوب الغربي لمحافظة درعا (عماد البصيري)
خسارة الأرض ومصدر الرزق قد تعني خسارة مسقط الرأس والبيت الأوّل أيضاً، كما في حالة أحمد الحاج، مدرّس اللغة الإنكليزية والمُزارع من بلدة جبّاتا الخشب، الذي فقد القدرة على الوصول إلى الأرض التي يملكها مع عائلته بمساحة 25 دونماً، مزروعة بأشجار مثمرة يقدّر عمرها بنحو 35 عاماً، إذ بدأ بزراعتها، كما يروي لـ”سراج”، عندما كان في السنة الثانية في الجامعة: “ورغم الضرر الذي لحق بها خلال الثورة، عادت لتعطي محصولاً جيّداً منذ 2019”.
في ثالث أيّام عيد الفطر الماضي، لاحظ الحاج اختفاء بعض أشجار الصنوبر من أرضه، فعادة ما تظهر بعض الأشجار من شرفة منزله: “صعدت إلى سطح المنزل لأتأكّد، فرأيت جرّافة إسرائيلية تقتلع ما تبقّى من أشجار الصنوبر في أرضي”، يقول الحاج: “شعرت وكأنني فقدت أحد أفراد عائلتي”، ويضيف: “كنت أرى مستقبلنا فيها. حتى أن ابني كان يريد ترك جامعته للعمل فيها، لكنّي أصررت على إكماله تعليمه. واليوم أنصحه بالبحث عن مكان آخر يبني فيه مستقبله، لأن الأرض لم تعد لنا”.
ويروي الحاج: “رأيت أصدقاء لي يعودون من طريق المزارع. سألتهم أين كنتم؟ فقالوا: كنّا نسرق! من أراضينا”، مضيفاً: “نحن نسرق من أراضينا، لكنّنا أكثر خوفاً من اللصوص، لأنه من الممكن أن نموت في الأثناء” بالرصاص الإسرائيلي.
في المقابل، وإضافة إلى منع رعاة الأغنام والأبقار من الوصول إلى المراعي، قامت القوّات الإسرائيلية بحسب وزارة الزراعة السورية، باقتياد 200 رأس من الأغنام و14 رأس من البقر إلى مناطق سيطرتها. وهي حالة تكرّرت عدّة مرّات بحسب شهادات المزارعين في المنطقة.
دمار بيئي دائم
إضافة إلى اشتهارها بأشجار التفاح والكرز والتوت الشامي، تتميّز بلدة جبّاتا الخشب بغاباتها الكثيفة. لكن مع سقوط نظام الأسد، بدأ الجيش الإسرائيلي، وفقاً لمدير بلدية جبّاتا الخشب طارق مريود، بتجريف المحميّة الطبيعية في أحراج جبّاتا الخشب، وأنشأ قاعدة عسكرية ضخمة بالقرب منها. وقد امتدّت عمليّات التجريف “إلى جزء من غابة الشحار التي تحتوي على أشجار صنوبر مثمر نادر، يقدّر عمرها بما يزيد عن 500 عام”.
فإضافة إلى تدمير سبل العيش، يستهدف التدمير الإسرائيلي جوانب أخرى، كون “الغابات التي دُمّرت كانت المتنفّس الوحيد لأهالي المحافظة”، كما يوضح مريود “وكانت مقصداً سياحياً ومصدراً مهمّاً للتدفئة للعائلات الفقيرة في الشتاء”.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية عمليّات تجريف واسعة في حرش الصنوبر شمال جبّاتا الخشب، وبحسب صور قمر “سنتنل”، فإن عمليّات التجريف بدأت بشكل تدريجي منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024.
وبتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2025، نقل العديد من وكالات الأنباء والمحطّات الإخبارية وناشطون محلّيون أخبار قيام القوّات الإسرائيلية بتجريف مساحات من أحراج منطقة الشحار في ريف القنيطرة الشمالي القريب من الشريط الحدودي، وتُظهر صور الأقمار الصناعية عبر قمر “سنتنل” تجريف مساحة كبيرة من الجانب الغربي من المنطقة ما بين 3 و8 حزيران/ يونيو الماضي.
وبقرب الشريط الحدودي ترصد صور الأقمار الصناعية، حدوث حرائق واسعة للأراضي الزراعية في قرى الرفيد وبئر عجم قرب السياج الفاصل، في فترات متراوحة ما بين 18 حزيران/ يونيو و13 تمّوز/ يوليو، ويتّهم الناشطون في المنطقة القوّات الإسرائيلية بافتعال تلك الحرائق.
كذلك، تتسبّب التوغّلات والاعتداءات الإسرائيلية في المنطقة في انجراف التربة في عدّة مناطق، كما يوضح مدير الزراعة والإصلاح الزراعي في محافظة القنيطرة جمال عز الدين محمد لـ”سراج”، إضافة إلى “زيادة معدّلات التلوّث في الهواء، وتراجع كميّات الأوكسجين في الجوّ، وتدهور التربة الزراعية، وقلّة المراعي ذات الأهمّية الكبرى للثروة الحيوانية في المنطقة، ما يحرم أصحاب المواشي من مورد غذائي أساسي تعتمد عليه قطعانهم”.
كذلك، قامت القوّات الإسرائيلية، بحسب محمد، بتدمير بئرين للشرب في قرية كودنا، وهو ما كان له أثر كبير على وصول سكّان المنطقة إلى مياه الشرب منذ بداية الاعتداءات الإسرائيلية.
جرائم حرب ومستقبل مجهول
إضافة إلى خرق “اتّفاقية فضّ الاشتباك” للعام 1974، تشكّل الاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، من قبيل إطلاق النار على المدنيين، وتجريف الأشجار، وهدم المنازل، واعتقال مُزارعين ومربي مواشٍ، جرائم حرب، كما يلفت المحامي المؤمن بالله الخبّي.
إذ يُعدّ من المخالفات الجسيمة التي تشكّل جرائم حرب، بحسب اتّفاقية جنيف بشأن حماية المدنيين للعام 1949 (المادّة 147) ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادّة 8) “القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللا إنسانية، أو حرمان (الشخص) من حقّه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيّزة، واغتصاب الممتلكات وتدميرها على نحو لا تبرّره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسّفية”.
نتيجة ذلك، شكّل مزارعون في المنطقة، كما يقول أحمد الحاج من بلدة جبّاتا الخشب “لجنة من خمسة مزارعين وذهبنا لمقابلة مسؤول الأوندوف في نبع الفوّار” في ريف القنيطرة، و”طالبنا بانسحاب القوّات الإسرائيلية، لكن قِيل لنا إن ذلك غير ممكن، فطلبنا على الأقلّ أن يُسمح لنا بالدخول إلى أراضينا”.
وقد أكّدت الـ”أوندوف” تلقّيها شكاوى مكتوبة من المزارعين السوريين، قامت “بتسجيلها ورفعها إلى طرفي اتّفاقية فضّ الاشتباك”، مشيرة إلى أنها “تستخدم الحوار لخفض التصعيد… وضمان استمرار وقف إطلاق النار”.
لاحقاً، أعلنت إسرائيل شروطاً لمن يرغب في العودة إلى أرضه، تشمل تقديم هوّية، وصورة شخصية، وإثبات ملكية، ورقم هاتف “واتساب”، وعنوان سكن. لكن أحمد الحاج يرفض ذلك إذ “برأيي هذا باب للابتزاز. لا أثق بنواياهم، قوّات الاحتلال جرّفت الأشجار بلا مبرر، فكيف أثق بها؟”.
تالياً، توجّهت اللجنة ووفد من سكّان المنطقة إلى محافظ القنيطرة آنذاك أحمد الدالاتي، الذي عُين لاحقاً قائداً للأمن الداخلي في محافظة السويداء، وكما ينقل الحاج، فقد علّق الدالاتي بالقول إن “الاحتلال يضغط عليكم لتضغطوا علينا”، مع طلبه في نهاية اللقاء، جمع إحصاءات بالأراضي المستولى عليها والمتضرّرين.
ونهاية شهر حزيران/ يونيو، صرّح الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه وفداً من وجهاء محافظة القنيطرة وأعيانها أن “الحكومة تبذل جهوداً عبر وسطاء دوليين للتفاوض والضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية”.
ورغم تزايد الحديث عن مفاوضات سورية- إسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى تسوية ما، يبقى السؤال حول تواصل الاعتداءات الإسرائيلية حتى اللحظة، كما تعويض المتضرّرين. إذ “حتى لو انسحبوا، أطالب بحقّي وحقّ كلّ مزارع بالتعويض سواء من الحكومة السورية، أو عن طريق المنظّمات الحقوقية والأممية، أو من المتسبّب بالضرر”، يقول الحاج.
وردّاً على الاستفسارات الموجّهة إلى الحكومة السورية، تلقّى فريق التحقيق إجابات من مسؤول مديرية إعلام محافظة القنيطرة، قال فيها إن الحكومة اتّخذت “عدّة خطوات لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وحماية المواطنين”، من أبرزها “مطالبة أوندوف بالقيام بدورها في مراقبة اتّفاقية فضّ الاشتباك 1974″، و”دراسة رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية، أو محكمة العدل الدولية، رغم الصعوبات السياسية في الوقت الراهن”، و”توثيق الانتهاكات الإسرائيلية كجرائم حرب عبر تقارير تقدّم إلى منظّمات حقوقية ودولية موثوقة”.
وفي ما يتعلّق بتعويض المزارعين، أشار المسؤول إلى أن الحكومة وجّهت “الجهات المعنيّة بضرورة مساعدة السكّان المحلّيين من المزارعين ومربّي المواشي في المناطق التي يتوغّل فيها الجيش الإسرائيلي بين الحين والآخر”، وأنه “ما زالت بعض الجهات المعنيّة تعمل على حصر الخسائر والتعدّيات والطريقة المناسبة لجبر الضرر المترتّب على السكّان المحلّيين في تلك المنطقة”.
درج
——————————-
==================
تحديث 05 آب 2025
————————
ما وراء البحث عن الحقيقة برعاية الدولة.. كيف يتم تصميم لجان تحقيق وطنية موثوقة؟/ فضل عبد الغني
2025.08.05
تحتل لجان التحقيق الوطنية مكانةً مميزةً ضمن البنية المؤسسية للعدالة الانتقالية ومسارات الحوكمة الديمقراطية، حيث تُعدّ من الآليات التي تلجأ إليها الدول للتحقيق في الإخفاقات المؤسسية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والقضايا ذات الاهتمام العام.
وتُجسّد هذه الهيئات التحقيقية، التي تلتقي عندها الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية، توترًا متأصلًا يكمن في طبيعة وجودها: فهي مبادراتٌ برعاية الدولة، إلا أنها في الوقت نفسه مُكلّفةٌ بالتحقيق في إخفاقات وانتهاكات نُسبت إلى الدولة ذاتها، وهو ما يُشكّل ما يُمكن تسميته “مفارقة الشرعية” التي ترافق تصميمها وآليات عملها.
وقد شهدت سوريا عام 2025 تشكيل ثلاث لجان وطنية رئيسية جاءت استجابةً للتطورات الأمنية والاجتماعية في منطقتي الساحل والسويداء. ففي آذار من العام ذاته، صدر قرارٌ رئاسي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث العنف الطائفي والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، في أعقاب تصاعد العنف في هذه المناطق. وبالتزامن مع تشكيل لجنة التحقيق، أُنشئت لجنة عليا للسلم الأهلي تهدف إلى احتواء التوترات وتعزيز التماسك المجتمعي في المنطقة. وفي تموز، ومع تفاقم الأحداث الدامية في محافظة السويداء، جرى تشكيل لجنة تحقيق خاصة للنظر في ملابسات هذه التطورات، وتقديم التوصيات المناسبة لمعالجة آثارها على المجتمع والدولة.
ولكي تتمتع لجان التحقيق الوطنية بالمصداقية والقبول المجتمعي، ينبغي أن تستند إلى مجموعة من المبادئ والمعايير الأساسية التي أثبتتها التجارب التاريخية والدراسات القانونية. وفي هذا المقال، الذي يأتي في جزأين، نؤكد على أنه من دون الالتزام بهذه المبادئ والخطوات الإجرائية، تفقد هذه اللجان جزءًا كبيرًا من مصداقيتها، مهما بلغ مستوى الجهد والمهنية خلال عملها.
المبادئ الأساسية لتصميم لجان التحقيق الوطنية: الاستقلالية، التمثيل، وضوح التفويض
الاستقلالية المؤسسية:
يشير الاستقلال الهيكلي إلى وجود نصوص دستورية أو تشريعية تؤسس اللجنة ككيان مستقل عن السلطة التنفيذية، وتحصّنها ضد أي شكل من أشكال التدخل السياسي. إلا أن هذا الاستقلال القانوني لا يُعد كافيًا بحد ذاته في غياب استقلالية تشغيلية فعلية، أي امتلاك القدرة العملية على إدارة التحقيقات بحرية، وتخصيص الموارد اللازمة، وإصدار النتائج بشفافية، من دون قيود أو ضغوط مباشرة أو غير مباشرة من السلطة التنفيذية.
تشكّل السيادة المالية جانبًا أساسيًا من جوانب الاستقلالية التشغيلية، ولا تقتصر على توفير ميزانية كافية فحسب، بل تشمل أيضًا الاستقلال في اتخاذ قرارات الإنفاق وتخصيص الموارد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن اللجان التي تتمتع بميزانية مستقلة مع صلاحيات إنفاق تقديرية تُبدي كفاءةً وفعاليةً تحقيقيةً أكبر مقارنةً باللجان التي تعتمد على تمويل حكومي دوري. ومن الضروري إنشاء إطار مالي مستقل ومضمون منذ البداية، لأن المحاولات اللاحقة لضمان استقلالية مالية بعد انطلاق التحقيقات عادةً ما تواجه مقاومة سياسية قوية، لا سيما إذا ظهرت نتائج قد تكون مثيرةً للجدل.
تُشكّل الأطر القانونية التي تحدد صلاحيات التحقيق ركيزةً أساسيةً أخرى في ضمان استقلالية اللجان، ومن أبرز هذه الصلاحيات: سلطة استدعاء الشهود، وتوفير الحماية لهم، والوصول إلى الوثائق الرسمية والسرية. ومن الأهمية بمكان أن تكون هذه الصلاحيات مُرسّخة في الدستور أو التشريع، وليست خاضعةً لتقدير أو تدخل السلطة التنفيذية. ويُطلق فقهاء القانون على هذا الإطار القانوني مصطلح “مناطق الاستقلالية”، التي تمنح اللجان مساحةً آمنة للعمل بعيدًا عن التدخلات القضائية أو السياسية المحتملة. وفي السياقات العملية، فإن قدرة اللجان على الوصول إلى الحقيقة تعتمد بشكل كبير على كيفية تعاملها مع التشريعات القائمة، مثل قوانين أسرار الدولة أو الامتيازات الخاصة بالسلطة التنفيذية، التي غالبًا ما تشكّل عقبات كبيرة أمام كشف الانتهاكات الجسيمة.
كما تبرز عملية تعيين أعضاء اللجنة كمفارقةٍ أساسية: فاللجنة تحتاج إلى تفويض وموارد من الدولة كي تتمكن من أداء مهامها، إلا أن شرعية عملها تعتمد بشكل كبير على استقلالها عن السلطات نفسها التي قامت بتشكيلها. وتشير الدراسات المقارنة إلى أن عمليات التعيين التشاركية والمتعددة الأطراف توفر الحل الأمثل لهذه المفارقة، عبر إشراك المجتمع المدني والهيئات البرلمانية ومختلف القوى الاجتماعية والسياسية في إجراءات اختيار أعضاء اللجنة. وتتميز عمليات التعيين الشفافة – التي تشمل آليات واضحة للترشيح، والتدقيق، والمشاورات العامة، وبناء التوافق – بمستويات ثقة مجتمعية أعلى بكثير مقارنةً باللجان التي تُعيَّن بقرار تنفيذي منفرد. ويقوم هذا النهج التشاركي بوظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة يعزز شرعية اللجنة، ومن جهة أخرى يخلق دوائر مجتمعية حريصة على الدفاع عن استقلاليتها ضد أي ضغوط أو تدخلات سياسية محتملة.
الشمولية التكوينية والتنوع المعرفي
يتجاوز تكوين اللجان مجرد التمثيل الديموغرافي ليشمل التنوّع المعرفي، أي احتواء طرق متعددة لمعرفة وفهم الظواهر موضوع التحقيق. فشرعية اللجان لا تُستمد من التمثيل الوصفي فقط (أي أن يكون أعضاء اللجنة مشابهين ديموغرافياً للفئات المتضررة)، بل تستمد أيضًا من التمثيل الجوهري (أي قدرة الأعضاء على التعبير بفاعلية عن مصالح ووجهات نظر مجتمعية متنوعة). تستوجب هذه الرؤية معايير اختيارٍ تعطي الأولوية للتوازن بين الخبرة المهنية والقدرات التحليلية.
ويبرز في هذا السياق توتّرٌ مستمر بين ضرورة توافر الخبرة الفنية من جهة، وبين أهمية الشرعية المجتمعية من جهة أخرى، إذ تشير تجارب لجان التحقيق السابقة إلى أن هيمنة الخبراء الفنيين على عضوية اللجان تؤدي عادةً إلى تحدياتٍ في كسب الثقة المجتمعية وإشراك الجمهور، في حين يؤدي التركيز على التمثيل المجتمعي على حساب الخبرة الفنية إلى نتائج تحقيقية ضعيفة قد تفتقر إلى المصداقية القانونية والدقة العلمية. ويبدو أن أفضل الحلول هو تشكيل هجينٍ متعمّد يجمع بين ذوي الخبرة الفنية والمعرفة التجريبية والقبول المجتمعي في آنٍ معًا. تُمكّن هذه التعددية اللجان من التحرك بسلاسة بين أنظمة المعرفة المختلفة، ما يضمن دقة التحقيق والشرعية المجتمعية في آنٍ واحد.
كما تتجاوز مشاركة المجتمع المدني في اللجان مجرد الدور الاستشاري، لتصبح قوةً دافعةً تؤثر جوهريًا في نتائج التحقيق، فقد بيّنت تجارب عديدة أن منظمات المجتمع المدني الوطنية تمتلك خصائص لا غنى عنها في هذا الإطار، أهمها: الروابط المجتمعية التي تعزز مشاركة الضحايا، والخبرة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والسلطة الأخلاقية التي اكتسبتها من العمل الحقوقي المستمر. ويضمن إشراك ممثلي المجتمع المدني كمفوّضين يتمتعون بصلاحيات كاملة وليس كمجرد مستشارين، وجود داعمين داخليين للنهج القائم على
مركزية الضحايا، ويوفر ذاكرة مؤسسية قادرة على ردم الهوّة بين الإجراءات الرسمية وتجارب المجتمع المحلي. ويسهم هذا النهج التشاركي في إضفاء طابع ديمقراطي على عملية إنتاج المعرفة، ويحدّ من التراتبية التقليدية التي تُفضّل المعرفة الرسمية على المعرفة المجتمعية والتجريبية.
ولا يقتصر التنوع الجندري والعرقي والمناطقي على الالتزامات الرمزية بقيم الشمولية فحسب، بل يُعد ضرورةً عملية لضمان تحقيقٍ فعّال، وللحدّ من النزاعات المحتملة. وتؤكد الدراسات المتعلقة بلجان تقصي الحقائق وجود علاقة وثيقة بين التكوين الشامل والمتنوع للجنة، وبين نجاحها في تخفيف التوترات الاجتماعية بعد مباشرة عملها. إذ يعمل التنوع عبر آليات متعددة، فهو يعزز قدرة اللجان على إشراك مختلف الفئات، ويرفع شعور الفئات المتأثرة بعدالة الإجراءات، ويضمن أن تعكس نتائج التحقيق وجهات نظر متعددة تجاه الأحداث محل الخلاف. وتفرض الطبيعة المتداخلة للهوية (intersectionality) ضرورة الانتباه لكيفية تقاطع عوامل مثل النوع الاجتماعي، والعرق، والطبقة، والانتماء الإقليمي، في تحديد أنماط الضحايا وتوقعاتهم للعدالة.
وضوح التفويض وتحديد الحدود الزمنية
يتطلّب تحديد صلاحيات لجان التحقيق التعامل مع التوتر بين خصوصية التفويض (أي درجة دقته وتحديد نطاقه بوضوح)، وبين المرونة اللازمة التي تسمح بمتابعة الخيوط الجديدة والأنماط الناشئة في أثناء التحقيق، لذا يُعتبر وضوح صلاحيات اللجنة أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يوفر للمفوّضين توجيهًا دقيقًا، ويضع توقّعات واضحة لدى الجمهور بشأن نطاق التحقيق وحدوده، ويمنع تجاوز اللجان لصلاحياتها أو التقصير في مهامها. وفي الوقت نفسه، فإن التحديد المفرط لصلاحيات اللجنة قد يقيّد قدرتها على تتبع الأدلة وكشف الأنماط المنهجية التي قد تمتد خارج حدود التفويض الضيقة.
أما تحديد الحدود الزمنية لعمل اللجان فهو أمرٌ بالغ التعقيد، إذ يتطلّب موازنة دقيقة بين ضرورة إنجاز تحقيق شامل، وبين مراعاة القيود العملية من حيث الوقت والموارد ومدى اهتمام الجمهور، وتؤكد التجارب أن الحدود الزمنية المثلى تكون نابعة من تقديرات واقعية لمدى تعقيد التحقيق، مع ضرورة تجنب الجداول الزمنية المفتوحة التي من شأنها تبديد الزخم وإضعاف المشاركة العامة. ومن هنا فإن وضع مواعيد نهائية واضحة مع إمكانية تمديدٍ محدودة، يولّد ضغطًا إيجابيًا يدفع نحو تحقيقٍ فعّال، مع تجنّب الإطالة التي قد تقوّض الثقة العامة. مع ذلك، يجب أن تأخذ الحدود الزمنية بعين الاعتبار الطبيعة التكرارية للبحث عن الحقيقة، خاصة في حالات التحقيق في الانتهاكات المنهجية التي قد تشمل جهاتٍ متعددة ومؤسسات مختلفة.
كما يجب أن تكون الصلاحيات القانونية مضبوطة بعناية بحيث تتلاءم مع طبيعة التحقيق ومقتضياته، مع تجنّب كلٍ من نقص التحديد (الذي يُضعف قدرة اللجان على إلزام الأطراف بالتعاون)، أو المبالغة في التحديد (التي تجعل الإجراءات شبه جنائية من دون توفير الضمانات الإجرائية اللازمة). فصلاحيات التحقيق يجب أن تكون متناسبة مع مدى التفويض، بحيث إن التفويضات الواسعة تتطلّب صلاحيات قانونية قوية، تشمل عادةً: سلطة استدعاء الشهود والوثائق، وإمكانية إجراء عمليات التفتيش والمصادرة تحت الإشراف القضائي، إضافةً إلى توفير تدابير حماية الشهود والضحايا. ويجب أن تحكم ممارسة هذه الصلاحيات قواعد إجرائية واضحة تضمن التوازن بين كفاءة التحقيق وحماية حقوق الأفراد، مما يمنح اللجان ما يمكن وصفه بـ “سلطة تقديرية مقيدة”، أي مرونة في العمل ضمن حدودٍ قانونية واضحة.
في الجزء الثاني من هذا المقال، سوف نستكمل مناقشة ديناميات عمليات التحقيق، مع التركيز على مشاركة الضحايا، والعدالة الإجرائية، وآليات تنفيذ التوصيات.
تلفزيون سوريا
————————–
هل الدم الدرزي أغلى من الدم السنّي؟/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/08/05
لم يتكشّف بعدُ هول الفظائع التي مورست في السويداء. ومعرفة الحصيلة النهائية الشاملة مؤجَّلة على الأٌقل حتى توضع نقطة النهاية، فلا تحدث انتهاكات للهدنة الهشّة السارية. ومن ثم يجب أن تعود الحياة إلى طبيعتها، كي تتسنى بدقة معرفة عدد الضحايا والمفقودين والخسائر في الأرواح والممتلكات.
مع بدء ورود الأخبار عن الأهوال التي ارتُكبت، عاد التذكير بضحايا المقتلة الأسدية. ولا يُعرف على أي رقم ستستقر هذه المرويات، فآخر ما راح يُذكَر هو مليون ونصف مليون قتيل، يُقصد بهم ضحايا طرف واحد، وتحديداً الضحايا من السُنّة وفق هذا التصنيف. استذكار الأرقام على النحو نفسه لا يحدث فقط ربطاً بالمجازر الحالية، فقد حدث من قبل ربطاً بمجازر الساحل، والأمر أبعد من منشور هنا أوهناك على وسائل التواصل.
من حيث الشكل، سيبدو الطرح محقّاً تماماً إذا قورن مقتل ألفي شخص بمئتي ألف مثلاً، فكفّة المظلومية راجحة للرقم الثاني منهما، وعلى المتظلّمين من الرقم الأول الصغير أن يصمتوا احتراماً للمظلومية الأكبر. لا يفيد على هذا الصعيد القول: إن مقتل إنسان بريء هو، من حيث المبدأ، كأنه قتل للإنسانية جمعاء. فالمظلوميات أشدّ تعقيداً من التوقّف عند التظلّم الإنساني، إنه بالأحرى عدّتها السياسية في المقام الأول.
أيضاً، الوقائع قد لا تكون مهمة في صراع المظلومية لإثبات أحقّيتها على مظلوميات “منافسة”؛ الأهم هي الوقائع كما تُستعاد، لا كما حدثت بالفعل. رأينا مثلاً أيام مجازر الساحل كيف انتفض كثر غاضبين بسبب الاهتمام بصورة طفل قتيل، أكثر من الاهتمام بنظراء له قُتلوا أيام الأسد. وهو زعم يتجاهل كلياً تحوّل صورة الطفل حمزة الخطيب إلى أيقونة، جاب بها أنصار الثورة العالمَ كله للبرهنة على وحشية نظام الأسد.
حمزة الخطيب كان واحداً من مئات الأيقونات التي استُحضرت خلال السنوات الماضية، ومنها أيضاً أيقونة غياث مطر. لنصل إلى أيقونة القاشوش التي لم نشهد تراجعاً عنها يوازي ما كان لجهة ترويجها، فقد صار معلوماً منذ سنوات (وعلى نطاق واسع) أن وجود القاشوش ومقتله هما تلفيق، وأن الجثة هي لشخص آخر بقيت هويته بلا إعلان! ما هو مهمّ في أمثولة القاشوش أن التلفيق والكذب إذا حدثا، وهما يحدثان دائماً، يجب ألا ينالا من حقوق الضحايا، ولا من عدالة أية قضية أو أي مطلب.
هل الدم الدرزي أغلى من السنّي، كي تحدث هذه الضجة لمقتل عدد من الدروز لا يناهز نظراءهم من السنّة؟ هذا السؤال الذي طُرِحَ صراحةً، أو مداورة، ليحمل في طيّاته الإجابة التي يريدها أصحابه؛ أي اتهام الآخرين بتفضيل دمٍ على دم. السؤال، الذي يزعم البراءة والتجرّد، يُطرَح أُثناء حدوث مجزرة، أي أن استحضاره غير مجرّد عمّا يحدث. هذه المقارنة لا تحدث بعد مئة سنة على انقضاء المجازر، ولا يستخدمها مؤرّخون مستقبليون بل أشخاص يتابعون الدم الطازج الساخن بتقنيات الفيديو.
لكن، رغم كل ذلك، نستطيع القول إن لدم الأبرياء، من العلَويين أو الدروز، الذي أُهرق مكانةً مختلفةً عن الدماء التي أهرقت قبل الثامن من ديسمبر الماضي. للتأكيد؛ مكانة مختلفة، لا أفضل ولا أقل. هنا مفاضلة من نوع آخر، مفادها وجود قناعة لدى سوريين كثر بأن سقوط الأسد يعني سقوط نظام المجازر. هي قناعة غير مبنية على رومانسية ما إزاء التغيير، وأصحابها يلحظون تعقيدات الوضع الأمني والآثار المريرة للحقبة الفائتة. إلا أنهم كانوا يتمنون أن ينقضي عهد نظام المجازر تحديداً، فلا تكون الانتهاكات مَرعيّة من قبل السلطة.
يرفض أنصار السلطة أية مقارنة لها بما قبلها، والسوريون بمعظمهم لم يكونوا يتمنون أن تحضر المقارنة بأي شكل كان. المفارقة أن الذين يرفضون المقارنة هم الذين يستحضرونها من خلال المقارنة بين عدد الضحايا، والخوض فيما يرونه تفضيلاً لدم على دم. في حالتهم، يلزم قليل جداً من الحصافة ليتخذوا هم الموقف الذي يتهمون الآخرين به، فيُعلون من شأن أية نقطة تُراق اليوم كي لا تُقارن السلطة الحالية بسلطة الأمس.
في المقارنة أيضاً، كان منتَظراً دائماً من الأسد أن يرتكب الفظائع، وبهذا المعنى كان ثمة تهيّؤ مسبق للوحشية التي ستصدر. في لحظات الاختبار، لم يخيِّب الأسد الظنّ، فأفلت وحوشه الذين فتكوا بمئات الآلاف من الضحايا. الظن الشائع، على نطاق واسع أيضاً، كان أن أي بديل لن يكون على شاكلته، وأن الخلاص منه يعني الخلاص من الأسوأ. لذا، كانت هناك خيبة على نطاق واسع، تحديداً لدى الذين كان لديهم تطلُّع إلى طيّ صفحة الماضي، حتى إذا كان معظمهم لا يتفق في الأصل مع أيديولوجيا السلطة الجديدة.
في العمق، كان العشَم بالسلطة من المختلفين معها أكبر مما لدى أبناء بيئتها الأيديولوجية أو الطائفية! والواقع أن هذا هو دأب الأخيرين على كل الأصعدة، لا على صعيد المجازر الطائفية فحسب. فقد صار شائعاً مواجهة أي نقد يُوجَّه إلى السلطة بما كان الحال عليه أيام الأسد، ما يعني مقارنة السلطة بالأسوأ؛ بالذي كانوا هم أنفسهم قبل شهور يرونه شيطاناً مطلقاً ولا يزالون كذلك، من دون انتباه إلى أن مقارنة أية جهة بالشيطان لا تعطيها ميزة أو قيمة. وفيما مضى لم يكن السوريون يقارنون سلطة الأسد بسلطات قمعية هنا أو هناك، لم يكن هذا معيارهم؛ كان معيار المفاضلة ما هو متقدّم على صعيد الحريات وكرامة المواطن الحقوقية والمعيشية عموماً.
الانتقال من المقارنة بالأفضل إلى المقارنة بالأسوأ ليس علامة على المضي في الاتجاه الصحيح، وأغلب الظن أنه حتى الآن علامة على المراوحة في المكان، خصوصاً فيما يتعلق بقيمة الدم السوري. الاستهانة الصريحة المباشرة، أو المواربة، بأية مقتلة جديدة، واحدة من علامات البقاء في الزمن الأسدي. التظلُّم النبيل لا يبرر ذلك؛ هي المظلوميات، عبر التاريخ، التي لطالما كانت أرضاً خصبة لصناعة مظلوميات جديدة، ولدينا عبَرٌ لا تُحصى على تحوّل المظلومية إلى سوط .
ما تقوله لنا التجارب المعروفة أن المظالم تتعافى بتطبيق العدالة؛ العدالة الانتقالية المنشودة في الحالة السورية. أما المظلوميات الجشعة إلى التسلط والدم فهي لا تتعافى، ولا يروي غليلَ أصحابها المزيدُ من الدم. لا مصادفة في أن يطلّ هذا النذير مع البقاء في الزمن الأسدي، من خلال الإصرار على المقارنة به. واليوم، إذ بدأ كثر يأخذون على السلطة الانتقالية تصرّفها كسلطة دائمة، ففي هذا أيضاً نذير مزدوج؛ أوله أن دوام السلطة من ملامح العهد الأسدي، وثانيه أن السلطة الانتقالية عندما تتصرف على أنها دائمة تتجاوز على المعنى الانتقالي الحقيقي الذي تحتاجه سوريا.
المدن
——————–
رفع العلم الإسرائيلي.. طعنة في قلب المسألة الوطنية السورية/ رضوان الأطرش
2025.08.05
في لحظةٍ كان يُفترض أن تتوحد فيها الجهود الوطنية السورية من أجل مستقبلٍ جامع، شهدت ساحة الكرامة في مدينة السويداء حادثةً صادمة تمثّلت في رفع العلم الإسرائيلي، بما يحمله من رمزية سياسية، وتاريخ عدائي، ومعانٍ صادمة للوعي الوطني السوري.
لا يمكن فصل هذا الحدث عن المسألة الوطنية السورية، التي لا تزال تعاني من التشظي والانقسام ومحاولات التشويه الممنهجة، وهو ما يجعل من هذا الفعل أكثر من مجرد استفزاز رمزي، بل تهديداً مباشراً لأي مشروع وطني جامع.
أولاً: المساس بالهوية الوطنية الجامعة
إن رفع علم الكيان الإسرائيلي – العدو التاريخي الذي لا تزال طائراته تقصف الأرض السورية، ويحتل الجولان – يمثل خروجاً فادحاً عن أي إجماع وطني سوري، ويقوّض بشكل مباشر مفهوم الهوية الوطنية الجامعة التي تكافح قوى التغيير من أجل الحفاظ عليها. هذا التصرف يعيد إنتاج الانقسام على أسس لا تخدم سوى مشاريع التفتيت الخارجية والداخلية.
ثانياً: تشويه الحراك الشعبي في السويداء
أبناء السويداء، بخروجهم إلى الساحات، عبّروا على مدى سنوات عن مطالبهم بالكرامة والعدالة والمواطنة، في إطار حراك مدني ووطني نابع من معاناة حقيقية. غير أن هذه الرمزية الإسرائيلية التي أُقحمت على الحراك تضعه أمام خطر التشويه والاختطاف السياسي، وتمنح أعداءه الذريعة لتصويره كخارجٍ عن الصف الوطني، أو كأداةٍ تخدم أجندات إقليمية ودولية مشبوهة.
ثالثاً: إضعاف وحدة الطائفة الدرزية
من المفارقات المؤلمة أن هذا التصرف لم يعبّر حتى عن إجماع داخل السويداء ذاتها، فقد عبّر كثير من أبناء الطائفة الدرزية، سواء داخل سوريا أو في الشتات، عن رفضهم الواضح لهذا الفعل، واعتبروه تشويهاً لهويتهم الوطنية والقومية. وهو ما يُنذر بمزيد من الانقسام داخل السويداء، ويُحرج رموزها الدينية والاجتماعية.
رابعاً: تهديد للتضامن السوري-السوري
أي مشروع تغيير أو تحرر لا يمكن أن ينجح دون تضامن شعبي واسع. غير أن رفع العلم الإسرائيلي يُفقد السويداء تعاطف السوريين في باقي المناطق، خاصة من فقدوا أبناءهم في مواجهات مع العدو ذاته، أو من يعتبرون فلسطين جزءاً أساسياً من ضميرهم الجمعي. هذا السلوك يعمّق الشرخ ويُضعف جسور الثقة بين السوريين أنفسهم.
خامساً: ذرائع لتدخلات خارجية
حين يُرفع العلم الإسرائيلي في مظاهرة داخلية سورية، تُفتح الأبواب واسعة لتدخلات إقليمية تحت ذرائع “محاربة التطبيع” أو “الدفاع عن الوحدة الوطنية”، مما يُفاقم من تدويل الأزمة السورية أكثر مما هي عليه. وقد تجد قوى مثل إيران أو حتى تنظيمات متشددة في ذلك مبرراً لضرب الحراك بقوة أكبر، تحت عنوان “الرد على عملاء إسرائيل”.
سادساً: ضرب جوهر القضية السورية
القضية السورية، في جوهرها، هي قضية حرية وعدالة ومواطنة. وإقحام رموز الاحتلال أو أي رايات خارج هذا الإطار يشوّه البوصلة ويعيد إنتاج الاحتلال بصيغة داخلية. فتلك الأعلام لا تمثّل صوت المقهورين، بل صوت التوظيف السياسي الخارجي الذي لا يرى في سوريا سوى ساحة صراع بين أطرافٍ متنازعة على النفوذ.
ما جرى في ساحة الكرامة لا يُمكن تبريره ولا التساهل معه، لأنه يُهدد بشكل مباشر إمكانيات بناء مشروع وطني حقيقي في سوريا. المسألة الوطنية ليست شعاراً أجوف، بل مسؤولية مشتركة تقتضي الحفاظ على الرموز الجامعة، والابتعاد عن كل ما يُعزز الانقسام والارتهان للخارج.
الكرامة الحقيقية لا تُبنى تحت علم محتل، بل تحت راية الوطن.
——————————
العلم الإسرائيلي في السويداء … لمن ينسب العار؟/ راشد عيسى
لا أحد في إمكانه إنكار أو تبرير رفع علم إسرائيلي في مدينة السويداء السورية، ذات الأغلبية الدرزية. والأسوأ أن العلم رُفع أخيراً في ساحة الكرامة في المدينة، حيث خرجت التظاهرات المنددة بالنظام السوري، والمؤيدة لثورة السوريين، على مدى العامين الأخيرين قبل سقوط نظام المخلوع بشار الأسد.
العلم رفعه دروز، وليس الدروز. قلة لا تذكر، وليس الجميع. ناشطون كثر من بينهم تسابقوا لإدانة الفعل المشين الذي لا يمثل المدينة ونضالها.
لكن هؤلاء الذين تسابقوا للإدانة هم على الأرجح ناشطون دروز يقيمون خارج المدينة المكلومة، أولئك الذين في إمكانهم الوصول إلى الشبكة العنكبوتية في الأساس، ولديهم أجهزة هاتفية مشحونة، وكهرباء، وطاقة بدنية وأعصاب تمكّنهم من الكتابة والقول وتحبير البيانات والنداءات، فأهل المدينة ما زالوا إلى اليوم تحت هول المجزرة المرتكبة بحقهم وبحق ذويهم وأحبائهم، يحصون أعداد الضحايا، من قتلى (منظمات حقوقية وناشطون تحدثوا عن أكثر من 2000)، ومفقودين ومخطوفين، وقرى وبيوت محترقة ومنهوبة (36 قرية أحرقت بيوتها وخربت البنى التحتية فيها)،.. مَن يجرؤ، وبالأحرى مَن لديه قلة حياء ليسأل من فَقَدَ أحد ذويه، وربما خسر العدد الأكبر من عائلته، من يجرؤ ليَسأل منكوباً عن رأيه برفع علم الأعداء! فلن يكون الحزينُ المنكوبُ واعياً كفاية ليجيب، وإنْ فَعَلَ فلا بدّ أنه سيصرخ بالغضب والبصاق في وجه العالم.
رَفْعُ ذاك العلم في مدينة عربية لا بدّ أن يستفز ويُحزِن ويثير الغضب، لكن تجاه من؟ البديهي أن يكون السخط تجاه من رفع العلم، تلك القلة القليلة التي تجرأت، وبوجوه سافرة، على فعل ذلك، لا على الضحايا بالجملة. لكن الحاصل أنَّ رَفْعَ العلم سيُلصَق بالمدينة برمتها، بالدروز بالجملة، وسيجد المُتَّهِمون في التاريخ المعاصر ما يكفي من الأمثلة من سوابق الانخراط في الجيش الإسرائيلي، والسياسة الإسرائيلية، والانتماء إلى أحزابها إلى حد المزايدة على عتاة اليمين المتطرف، وصولاً إلى غزة ومشاركة جنود وضباط دروز في الحرب على القطاع. وبالمناسبة، وما دامت اشتباكات السويداء يجري تصويرها على أنها بين عشائر بدو ودروز، فلا يقل فداحة انخراط بدو فلسطين وعشائرها تطوعاً في الجيش الإسرائيلي عن مواطنيهم من دروز وشركس.
«في مديح الدقة الإسرائيلية»
كثر يَطمئنّون إلى ما يسوقه إليهم الإعلام من فيديوهات وصور وهتافات لإسرائيل، فظهور العلم كافٍ لمنحهم راحة ضمير إزاء الجريمة، المجزرة المرتكبة في جبل العرب (أو جبل الدروز بحسب تسمية سابقة): من الآن فصاعداً لن نهتم لكل ما يأتي من هناك، إنهم يرفعون علم الأعداء، وإن لم يرفعوا لماذا صمتوا، لماذا لم ينسحبوا أثناء رفعه في الساحة، لماذا لا يقوم أهل المدينة بسحل هؤلاء في الشوارع إن كانوا معترضين على سلوكهم.. مئة سؤال وسؤال تأخذ المرء، المراقب، إلى راحة بال، تجعله غير مهتم بالحدث، على الأقل. وكأن أهل السويداء يملكون ترف التأمل والتفكير واتخاذ القرار، بل والاستجابة لاستطلاعات حول تأييد العَلَم أو رفضه!
يبدو العلمُ العدوُّ وكأنه منديل ديزدمونة، الذي تقوم عليه حبكة المسرحية الشكسبيرية «عطيل»، إذ بمجرد أن يرى عطيل المنديل الذي أهداه لمعشوقته وزوجته ديزدمونة بيد المخادع الخبيث ياغو سيتثبّت من خيانة زوجته.
المنديل الإسرائيلي تنقّل مراراً في سوريا، فقد استعمله نظام الأسد مراراً، لطالما أشاع أن الأكراد السوريين، شمال البلاد، رفعوه في احتجاجاتهم، وأنهم رفعوا حتى صور أرئيل شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل)، وإنْ صعب العثور أو توليف صورة للعلم كانوا يلفقون أخبار العثور على أسلحة ومعدات إسرائيلية، وكان ذلك بمثابة العامل المرجِّح في أي نقاش، كان الحجة التي ما بعدها حجة. المعدات الإسرائيلية المزعومة تلك تنقلت بين حمص وإدلب، في سنوات الثورة الأولى خصوصاً، وكان السيناريو مكشوفاً لعموم السوريين المنتفضين.
هناك، في السويداء يبدو أن ذلك حدث بالفعل، ولربما حدث أكثر من ذلك، عندما زار عددٌ من مشايخ الدروز السوريين إسرائيل، بحجة زيارة مقامات دينية، وقد يكون الخافي أعظم، لكن من هم هؤلاء، وكم يمثلون من المدينة التي تضم أكثر من نصف مليون سوري. هل يعطي ذلك الحق في مجزرة تجاه جميع سكان المدينة، واستباحتها، والقتل على الهوية الدينية؟ حتى لو كنت تدخل بالفعل بيت عميل لإسرائيل، هل من حقك قتل عائلته؟ ثم ما الذي يجرحك أكثر ويأخذ اهتمامك، كشريك في الوطن؛ قتل أبرياء أم رفع علم العدو؟ ومن قام برفعه لن يكون هؤلاء الذين قُتلوا مذعورين في بيوتهم بدم بارد.
حساسية البعض الفائقة تجاه علم إسرائيلي في السويداء لم نعهدها منهم (ونؤكد على البعض) طوال أكثر من عقد من تاريخ القصف الإسرائيلي على سوريا، كان ذلك يشيع أجواء كوميدية على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد بلغ الأمر حدّ مديح «الدقة الإسرائيلية» في قصف واستهداف مواقع سورية، في وقت كانت إسرائيل قد فعلت كل ما فعلته في غزة (عشرات آلاف الشهداء، مدن وأحياء ممسوحة، عشرات المشافي المقصوفة، تهجير قسري مرات عديدة، تجويع ممنهج، اعتقالات وقتل في السجون،..).
وقلما أثارت ضرورات التعاطي مع إسرائيل (مثل جرحى سوريين عولجوا في مشافيها، أو مرور «الخوذ البيضاء» عبر ممر إسرائيلي إثر حصار أسدي جنوباً)، الجمهور المستثار اليوم.
سوريا أولاً
أما بعد سقوط نظام المخلوع، فقد زاد انعدام الحساسية أيضاً، فنظرية «سوريا أولاً» تستلزم صفر مشاكل مع كل الجيران، حيث الأولوية للكهرباء والماء والخبز وإعادة الإعمار، ومع لقاء الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي، وإعلان رفع العقوبات عن سوريا، وبدء مفاوضات مع إسرائيل كان سوريون ينظرون إلى رئيسهم كداهية سياسي استطاع أن يطوع الكرة الأرضية برمتها. هنا، لا تساؤل عما يجري في المفاوضات، وإلى أي مدى ستصل. وحتى في التعاطي مع الشأن الفلسطيني ستأتي المواقف والتصريحات، إن وجدت أصلاً، خجولة، تابعة للموقف العربي، السعودي تحديداً.
ذلك العَلَم للاستعمال إذن، كالقضية الفلسطينية نفسها، التي طالما شكّلت ملاذاً وورقة سياسية ضاغطة، خصوصاً من نظام الأسد.
رَفْعُ علم إسرائيل في مدينة عربية عارٌ فعلاً، أذى لأرواحنا جميعاً، لكن لا يجب أن يكون بأي حال مبرراً لارتكاب مجزرة.
سيكون عاراً آخر، فوق عار المجزرة، الدفع بمدينة قدمت ثمناً باهظاً أثناء مواجهة نظام الأسدين، إلى أحضان العدو.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
القدس العربي
—————————-
لماذا تكرهني؟/ ممدوح عزام
01 اغسطس 2025 هارالملخصicon
اللافت في المؤلفات المكتوبة عن الحرب الأهلية أنّ جميع الباحثين يجمعون على أن آليات هذه الحرب هي واحدة في جميع الأوقات. نحن نشهد حروباً أهلية منذ أقدم العصور، وفي جميع الأمكنة، وجميع شعوب الأرض، وهي حروب تُنفّذ في تفاصيلها بالطريقة والنهج ذاته، كأنّ البشر أنفسهم، وهم وقود الحروب كلها، آلات عمياء مسيرة بيد شيطان بائس شرير اسمه إله الحرب الأهلية.
وفي خضم كل حرب من آلاف الحروب التي خاضها البشر بعضهم ضد بعض، كان مشعلو الحرائق يتكلمون ويصدرون التصريحات والأقوال ذاتها، بلا تغيير أو زخرفات بلاغية، وإنهم كلهم كانوا يتنصلون سريعاً من الدماء التي تسيل في الحرب، بسكاكين كلماتهم المحرّضة. وثمة من بين هؤلاء من يتعمدون إشعال الحرائق مرة أخرى كلما بدا لهم الأمر مناسباً.
ومع ذلك، فإن العبقرية البشرية، في سياق تلك الحروب التي تتكرر متشابهة بلا توقّف، تبدع ما يطلق عليه فردريك معتوق، صاحب كتاب “جذور الحرب الأهلية”، عبارة: “النكهة الخاصة”.
النكهة الخاصة بالحرب التي شهدها الجنوب السوري اليوم لا علاقة لها مثلاً بالمصالح الاقتصادية التي ساعدت في نشوب الحرب الأهلية الأميركية، أو الحرب الأهلية الإسبانية، أو حتى الحرب الأهلية اللبنانية، وإنما هي حرب تقوم فقط على أساس طائفي يسكن في الأعماق الرهيبة لكتل هائلة من أبناء سورية، الذين كانوا حتى انفجار القتال قبل عشرة أيام يهدهدون حقدهم الغامض بكلمات شاعرية عن الحب والإعمار والعدالة.
وفي كل الأشهر السابقة كنت أقول لمن ألتقي بهم من ناشطات السلم الأهلي والناشطين، وفي حلقات النقاش التي لم تتوقف في السويداء حول البحث عن حلول للخروج من مأزق الوضع السوري، إن السؤال المهم الذي نهرب منه جميعاً، وننكره في حملة حمقاء من المشاعر العاطفية الكاذبة التي تزعم أن السوريين يحبون بعضهم بعضاً، هو أن نسأل عن حالة الكراهية التي بدأت تظهر بوضوح في الفضاء السوري، منذ مذابح الساحل، إلى جرمانا والأشرفية وصحنايا، وظهرت أكثر وضوحاً في مذابح السويداء وريفها.
المطلوب أن تُجرى حوارات شفافة، ومحروسة بالعقل، على مساحة الجغرافية السورية كلها: لماذا تكرهني؟
لم يستجب إلا قليل، وبدل ذلك كان هناك من يكذب على نفسه وعلى الآخرين بالقول إن ثقافة الكراهية لا محل لها بيننا، وإن سورية بلد المحبة. وهذا تزوير محض، لأن السوريين ظهروا معبأين بالأحقاد التي تراكمت طوال سبعة عقود عمل فيها نظام البعث على بث الكراهية بينهم جميعاً كي يظل حاكماً.
لماذا تكرهني؟ سيكون لها الكثير من الأجوبة لو أن السلطة الحاكمة كانت مخلصة في مبدأ الحوار، أي أن تفسح للسوري أن يقول رأيه، وللسوري الآخر أن يجيب ويوضح أن تلك هي الأسباب.
فالهجمات الوحشية الأخيرة التي حدثت في الأيام الماضية إنما كانت النزعة التدميرية البشعة لأحقاد غامضة عششت كالدود في أرواح السوريين. وإذا كان النظام البائد قد تمكن من زرع تلك الفتن والأحقاد، فإن النظام الحالي قد استثمرها كما لو كان هو من زرعها. ولنلاحظ اليوم أن أي واحد من السوريين لم يعد يغني: “بالحب بدنا نعمرها”.
العربي الجديد
—————————–
صراع الممرات: داوود والسلام الإسرائيليَين وطريق التنمية التركي/ هولير حكيم
موقع السويداء مهم ورئيسي في معادلات النقل والتجارة الإقليمية والدولية
2025-08-05
سقوط النظام السوري السابق شكّل نقطة تحول محورية فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذبات الإقليمية والدولية، حيث باتت تتقاطع في سوريا الغنية بالتاريخ والجغرافيا مصالح عدة دول على رأسها إسرائيل وتركيا، فالصراع بين هاتين الدولتين على الجغرافيا السورية المنهكة لم يعد يقتصر على الاعتبارات الأمنية التقليدية، بل يتعداه إلى صراع استراتيجي متعدد الأبعاد، في صلبه سباق على النفوذ الاقتصادي، وخصوصاً الغاز الطبيعي وممرات التجارة، حيث باتت تشكّل أحد أهم محركات السياسة في شرق المتوسط.
سباق تركي إسرائيلي
ولفهم التنافس الجيوسياسي التركي الإسرائيلي في سوريا، نعود قليلاً إلى الوراء، فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، قطعت معظم الدول الأوروبية علاقاتها التجارية والاقتصادية مع روسيا من أجل الضغط عليها لإيقاف عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا، لذا بدأت دول القارة العجوز تبحث عن مصادر بديلة للطاقة، وهو ما زاد من أهمية الطرق التجارية الدولية خصوصاً تلك التي تربط أوروبا بمنطقة الشرق الأوسط، ومن هنا تظهر أهمية مشروعي ‘‘ممر داوود’’ و ‘‘ممر السلام’’ الإسرائيليَين ومشروع ‘‘طريق التنمية’’ التركي، وأهمية موقع سوريا في المعادلات التجارية والأمنية بالنسبة للطرفين.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة “The Cradle” المعنية بمنطقة غرب آسيا، تقريراً لها، تطرّقت فيه إلى السباق بين الرؤيتين الإسرائيلية والتركية في سوريا، وألقت الضوء على خطط ممرات النقل التي تتقاطع وتتنافس بين المشروعين، المشروع الأول هو ‘‘طريق التنمية’’ التركي الذي يهدف لإنشاء ممر نقل بري وسككي يربط موانئ الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا والعراق وسوريا لنقل البضائع والطاقة، والمشروع الثاني هو ‘‘خط السلام’’ الإسرائيلي الذي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا عبر الجنوب السوري والأردن.
وأوضحت المجلة أنه مع التهديدات الأمنية التي تعرّضت لها الممرات البحرية خلال فترة العامين التي مضت، لا سيما هرمز وباب المندب، أصبح الممران البريان التركي والإسرائيلي أكثر إلحاحاً وضرورة للتجارة الإقليمية والدولية وساحة معركة استراتيجية في النظام الإقليمي الجديد.
كما نوهت المجلة الكندية إلى أن موقع السويداء هو في قلب المعادلات التجارية والأمنية لتركيا وإسرائيل، لذا من هذا المنطلق فإنها ستبقى بوابة محتملة ودائمة للحرب. فبالنسبة لإسرائيل، يعد جنوب سوريا ممر محتمل لخطط النقل وسكك الحديد، ومحيط أمني لضمان سلامة التجارة والأمن الإسرائيلي، أما بالنسبة لتركيا، فإنها شريان لتطويق مشروع النقل الإسرائيلي، كون المنطقة لا تحتمل المشروعين.
ووفق المجلة، فإن ‘‘إسرائيل بدورها تحاول أيضاً تطويق المشروع التركي وبسط نفوذها شرقاً’’. وهو ما برز بالفعل بالتزامن مع أحداث السويداء، الحديث عن مشروع ‘‘داوود’’ الإسرائيلي وهو ممر بري استراتيجي يمتد من مرتفعات الجولان السوري المحتل، مروراً بجنوب سوريا ثم إلى منطقة التنف ومنها إلى شمال شرق سوريا وصولاً إلى إقليم كردستان في العراق، وتهدف تل أبيب من خلاله تعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة، عبر ربط مناطق نفوذ جديدة بخطوط إمداد ومصالح اقتصادية تتصل مباشرة بالأسواق العالمية، وهي خطوة أولى وفق مراقبون ضمن رؤية أوسع يُطلق عليها مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات.
السويداء في قلب المعادلات الإقليمية
وفي تصريحات لـ”963+”، يوضح الباحث في الشؤون التركية، خورشيد دلي، أن تركيا تعتقد بعد سقوط نظام الأسد ووصول أحمد الشرع لسدة السلطة أنه ثمة فرصة تاريخية لوضع سوريا تحت نفوذها وزيادة دورها الإقليمي، ولكن الوقائع التاريخية أثبتت أن ذلك غير ممكن لعدة أسباب، وفق دلي، أهمها تحرك إسرائيل القوي لوضع حدود للمشروع التركي انطلاقاً من اعتقادها أنه يشكّل تهديداً مصيرياً لها، وعليه قصفت مناطق في سوريا كانت تركيا حددتها كمواقع لإقامة قواعد عسكرية لها.
ويؤكد دلي على أن الموقع الاستراتيجي للسويداء جعلها في قلب الصراع بين الجانبين، حيث يشكّل هذا الموقع خطاً أحمر لإسرائيل التي تمنع وصول تركيا إليه فيما تنظر تركيا بعين استراتيجية له، لا كجسر للوصول إلى الخليج العربي بل أيضاَ لمشاريع تتعلق بإمدادات الطاقة حيث خط الغاز القطري الذي من المفترض أن يمر عبر الجنوب السوري باتجاه تركيا والمتوسط.
من جانبه، يشير المحلل السياسي السوري مصطفى رستم، في تصريحات لـ”963+” إلى أن موقع السويداء مهم ورئيسي في معادلات الأمن والنقل والتجارة الإقليمية والدولية، فيتابع قائلاً: “بالنسبة لإسرائيل السويداء مهمة لتنفيذ ‘‘ممر داوود’’، لذا لها مصلحة في معادلة الردع ودعم الدروز، وأيضاً بالنسبة لتركيا موقع السويداء مهم لأنها تعتقد بأن السيطرة على هذه المنطقة ستوفّر العمق الاستراتيجي اللازم لها لتثبيت موطئ قدم دائم في سوريا وفتح منافذ جديدة نحو الأردن ولبنان، بما يخدم مشروع طريق ‘‘التنمية التركي”.
تداعيات الصراع على سوريا
وينوه رستم إلى أن صراع الممرات بين تركيا وإسرائيل هو ناجم عن مشروع تقسيم سوريا، وليس العكس. فيردف قائلاً: “تقسيم سوريا واقع للأسف وبأحسن الأحوال تكون الأمور ضمن نطاق فدراليات، والسبب هي حالة الانقسام الداخلي وغياب الثقة بالمركز، مما يعزز من الصراع والتنافس الإقليمي والدولي في سوريا”.
بينما يرى دلي، أنه أمام تضارب أجندة الدولتين على شكل إقامة ممرات جيوسياسية، حيث “ممر داوود” الإسرائيلي الذي يصل الجولان بمناطق شرقي سوريا، مقابل التطلع التركي إلى جعل سوريا ممراً لها إلى دول الخليج العربي عبر الجنوب، فإن “كل ذلك انعكس على الداخل السوري على شكل اصطفاف قد يكون مدخلاً لتقسيم البلاد”.
ومع تحول سوريا إلى ساحة صراع مفتوحة بين تركيا وإسرائيل، سيكون لذلك تداعيات مستقبلية كبيرة، وفق الباحث في الشؤون التركية، بسبب ‘‘قدرة كل طرف على التأثير على المناطق السورية الواقعة تحت نفوذه، فتركيا تتحكم بالشمال السوري وباتت عاملاً في تقرير مصيره مستقبلاً، فيما إسرائيل تتحكم بجنوبه وتريده منطقة منزوعة السلاح وتحت سيطرتها’’. وأشار دلي إلى أن الإدارة السورية الجديدة لا تبدو قادرة على إدارة هذا الصراع الإقليمي لذا عليها على الأقل من خلال عملية سياسية داخلية تخفف من التأثير السلبي للمشروعين.
المشهد المقبل: مواجهة مباشرة أم ناعمة أم تفاهمات؟
ويعتقد دلي أنه في ظل اشتداد الصراع التركي الإسرائيلي على سوريا فإن كل طرف سيحاول إدارة هذا الصراع عبر الأطراف المحلية وهو ما سيمزق النسيج السوري أكثر فأكثر على شكل حروب محلية تنخرط فيها أطراف الداخل. فيما استبعد دلي المواجهة المباشرة بين الجانبين لسببين أساسيين، الأول هو “العامل الأمريكي الذي يحرص على عدم حصول مثل هذه المواجهة ولذلك تعمل واشنطن على تدوير الزوايا بين الحليفين التاريخيين لها لمنع الصدام بينهما”.
أمّا السبب الثاني وفق الباحث في الشؤون التركية، هو “حجم المصالح المشتركة بين تركيا وإسرائيل سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي لاسيما في القوقاز، وعليه تبدو المواجهة المحتملة بينهما مضبوطة’’، ولكن رغم ما سبق ذكره يرى دلي أنه إذا حاول أي طرف التقدم أكثر على حساب مشروع الطرف الآخر، فستكون هناك مواجهة أقوى وهو ما يعني أن التقسيم في سوريا سيصبح واقعاً. وختم حديثه قائلاً: ‘‘أمام هشاشة العملية السياسة في سوريا يتقدم مشهد التفكيك على أرض الواقع على شكل ممرات جيواستراتيجية للدول الإقليمية المتصارعة على الدور والنفوذ”.
بدوره يستبعد رستم أي صراع مباشر بين تركيا وإسرائيل، فيما يرجّح أنها ستبقى ناعمة، لأن تركيا تعلم أن تحويل الصراع إلى صراع عسكري مسلح يعني دخول تركيا في صراع مباشر مع أميركا وبالتالي خلافات مع دول الناتو، بينما إسرائيل وفق رستم، ليس لديها مشكلة في مواجهة أي دولة أو فتح حرب مع أي دولة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية.
وفي ظل صراع الممرات الإقليمية على الجغرافيا السورية المنهكة، يجمع مراقبون على أن محافظة السويداء في الجنوب السوري هي نقطة عبور حيوية لا يمكن تجاوزها لأي ممر جاف يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، ما يفسر إلى حد كبير التنافس الحاد بين القوى الإقليمية للسيطرة عليها أو على الأقل تحييدها.
+963
————————————-
تركيا وسوريا.. الاتفاقيات الأمنية وموازين القوى الجديدة/ أحمد العكلة
5 أغسطس 2025
تستعد تركيا وسوريا للإعلان عن اتفاقيات أمنية وعسكرية في آب/ أغسطس 2025، تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي ودعم استقرار سوريا وسط تحديات إقليمية متصاعدة.
تشمل هذه الاتفاقيات إنشاء قواعد عسكرية تركية في تدمر، تيفور، ومنغ، إلى جانب تقديم دعم استشاري للجيش السوري، مما يعكس طموح دمشق وأنقرة لبناء شراكة استراتيجية.
هذه الخطوة تأتي في ظل مخاوف إسرائيلية متزايدة من تعزيز النفوذ التركي في سوريا، مما قد يحد من حرية عملياتها العسكرية، خاصة الغارات الجوية المتكررة على أهداف استراتيجية.
تثير هذه الاتفاقيات تساؤلات حول تأثيرها على التوازنات الإقليمية، حيث تخشى إسرائيل أن يؤدي الوجود العسكري التركي إلى تقييد هيمنتها الجوية وتعزيز قدرات الجيش السوري.
تعد الاتفاقيات الأمنية بين تركيا وسوريا خطوة غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين، حيث تسعى دمشق إلى استعادة سيادتها العسكرية عبر دعم تركي مباشر. إنشاء قواعد عسكرية تركية في مواقع حساسة مثل تدمر وتيفور يعزز من قدرة سوريا على حماية أراضيها، لكنه يضع تركيا في مواجهة محتملة مع إسرائيل التي ترى في هذا الوجود تهديدًا لمصالحها. في الوقت ذاته، يعكس هذا التعاون تحولًا في سياسة أنقرة نحو دعم استقرار سوريا، بعد سنوات من التوترات.
ومع ذلك، فإن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على تيفور وتدمر في آذار/ مارس 2025 تشير إلى محاولات تل أبيب لإحباط هذا التقارب قبل أن يترسخ.
في تصريحات لموقع “الترا سوريا”، يرى الخبير السياسي التركي د. مرتضى كوزماك أن الاتفاقيات العسكرية بين تركيا وسوريا تمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات التي تفرضها إسرائيل. ويحذر كوزماك من أن إسرائيل تسعى لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في سوريا عبر دعم الأقليات وإنشاء مناطق نفوذ جغرافية، مما يهدد استقرار المنطقة. ويضيف أن إنشاء قواعد عسكرية تركية في تدمر، تيفور، ومنغ يشكل ردًا مباشرًا على هذه الطموحات الإسرائيلية، وقد يدفع تل أبيب إلى تصعيد عملياتها العسكرية، لكن تركيا مستعدة لحماية مصالحها بقوة.
إنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا، خاصة في مواقع استراتيجية مثل مطار تيفور العسكري، يمنح تركيا القدرة على مراقبة المجال الجوي السوري، مما يحد من حرية الحركة الإسرائيلية. هذا الوجود قد يشمل نشر أنظمة دفاع جوي تركية متقدمة، مثل تلك التي طورتها أنقرة في السنوات الأخيرة، مما يعزز قدرات سوريا الدفاعية. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على تفوقها الجوي من خلال استهداف هذه المواقع قبل أن تصبح مراكز قوة للجيش السوري بدعم تركي.
الغارات الإسرائيلية في آذار/ مارس 2025 على تيفور وتدمر تؤكد هذا التوجه، مما يزيد من احتمالات التصعيد بين إسرائيل وتركيا.
الخبير السياسي السوري، عبد الله الخير، أكد في تصريحات لموقع “الترا سوريا” أن الاتفاقيات تهدف إلى بناء علاقة استراتيجية مع تركيا تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الشامل. وأوضح أن دمشق تسعى إلى تعزيز قدرات جيشها بعد إعادة هيكلته، لمواجهة التدخلات الإسرائيلية المتكررة. وأشار الخير إلى أن إنشاء القواعد التركية لن يُعلن بشكل مباشر لتجنب التصعيد، لكنه سيحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ غاراتها الجوية، خاصة في مواقع مثل تيفور وتدمر، مما يعكس قلق تل أبيب من هذا التعاون.
تأتي هذه الاتفاقيات في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، بينما تحاول إسرائيل الحفاظ على هيمنتها الأمنية في سوريا.
هناك محادثات جارية في أذربيجان بين أنقرة وتل أبيب تهدف إلى إنشاء “آلية منع الاشتباك” في المجال الجوي السوري، لكن غياب تفاهمات واضحة يعكس عمق الخلافات. من جهة أخرى، قد تدفع هذه الاتفاقيات إسرائيل إلى البحث عن حلفاء محليين، مثل “قسد” أو قوات عسكرية في السويداء، لمواجهة النفوذ التركي، مما يزيد من تعقيد الوضع في سوريا. ومع ذلك، فإن دعم تركيا للجيش السوري قد يسهم في استقرار البلاد على المدى الطويل، رغم التحديات الراهنة.
في حديث لـ “الترا سوريا”، يرى الخبير العسكري السوري العميد محمد الخالد أن الاتفاقيات مع تركيا تشكل ردًا مباشرًا على التصعيد الإسرائيلي. ويوضح أن إسرائيل تخشى من إنشاء قواعد تركية في تدمر، تيفور، ومنغ، لأنها ستعزز قدرات الجيش السوري بمساعدة أنظمة دفاع جوي وطائرات مسيرة تركية. ويحذر الخالد من أن الغارات الإسرائيلية في آذار/ مارس الماضي على تيفور وتدمر كانت استباقية لمنع تركيا من نشر قواتها، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الغارات قد يؤدي إلى صدام مباشر مع تركيا إذا حاولت إسرائيل فرض قيود على الوجود التركي.
وبحسب خبراء عسكريين فإن تأثير الاتفاقيات على التدخل الإسرائيلي قد تشمل:
1 ـ تقييد الحرية الجوية الإسرائيلية: الوجود التركي في قواعد مثل تيفور وتدمر، مع نشر أنظمة دفاع جوي، سيحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ غارات جوية بحرية. تقارير إسرائيلية تشير إلى أن قاعدة T4 (تيفور) تشكل تهديدًا استراتيجيًا بسبب إمكانية مراقبة الأجواء السورية.
2. تصعيد التوترات الإسرائيلية ــ التركية: الغارات الإسرائيلية في آذار/ مارس تعكس محاولات تل أبيب لإحباط التعاون التركي-السوري. تصريحات نتنياهو تشير إلى استعداد إسرائيل لمواجهة تركيا إذا تجاوزت “خطوطها الحمر”، بينما أكد هاكان فيدان أن تركيا لن تتهاون في حماية مصالحها.
3. جهود دبلوماسية لتجنب الصراع: محادثات أذربيجان تهدف إلى منع الاشتباك، لكن غياب التقدم يعكس تعقيد الموقف. إسرائيل ترفض الوجود التركي في مواقع استراتيجية، مما يزيد من احتمالات التصعيد.
4. تأثير على الأمن الإقليمي: الاتفاقيات قد تعزز استقرار سوريا، لكنها تزيد من التوترات مع إسرائيل، التي قد تكثف عملياتها أو تبحث عن حلفاء محليين لمواجهة النفوذ التركي.
الاتفاقيات الأمنية والعسكرية بين تركيا وسوريا في أغسطس 2025 تمثل تحولًا استراتيجيًا لتعزيز الدفاع السوري، لكنها تثير مخاوف إسرائيل من فقدان هيمنتها في سوريا. تصريحات الخبراء، كما نقلها موقع “الترا سوريا”، تشير إلى أن هذه الاتفاقيات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات مع إسرائيل، خاصة مع استهدافها المتكرر لمواقع مثل تيفور وتدمر. ورغم الجهود الدبلوماسية لتجنب الصراع، فإن استمرار التحركات الإسرائيلية قد يدفع المنطقة نحو مواجهة غير محسوبة العواقب.
الترا سوريا
——————————-
تحليل موقف – غدر قسد وقوات الهجري.. وضجيج اليائسين الأخير/ وائل ميرزا
“حين يوقن العدو أنه خسر المعركة، لا يسكت.. وإنما يُحدث أكبر قدر من الضجيج لعلّه يُخيف المنتصر أو يُربكه”.
هذا ماقاله أحد أشهر الاستراتيجيين العسكريين في العالم، الجنرال كارل فون كلاوزفيتز، في كتابه عن الحرب.
في منبج والسويداء، لا يندلع القتال عبثاً. وما نشهده اليوم من تحركات عسكرية هجومية من قبل ميليشيا “قسد” ومجموعات الهِجري المسلحة ليس سوى حشرجة الموت، وضجيج خروجهم القادم من المعادلة. إنه صراخ الهارب من تسويةٍ دولية وإقليمية لا مكان له فيها، ورفضٌ مسلحٌ لواقع سياسي وعسكري، سوري وإقليمي وعالمي، آخذٍ في التشكل على قاعدة وحدة الدولة السورية وعودتها.
ولكن، لأن الجبهة الأمنية والعسكرية مسدودة أمامهم كالجدار، فإن هذا (الضجيج) يرمي لتحقيق اختراق (أسهل) في (الخاصرة المعنوية) للسوريين، يعتقدون أنه هدف أسهل بكثير من السيطرة على موقع جغرافي أو تسجيل نصر ميداني حقيقي.
ومن هنا التركيز على محاولة كسر الروح المعنوية للسوريين أنفسهم، خاصة أولئك الذين بدؤوا يلتقطون إشارات الانفراج السياسي، والانفتاح العربي، وعودة العمل الدبلوماسي، وخطوات تحسين الاقتصاد والخدمات.
إنها محاولة لإيصال رسالة خبيثة إلى الناس مفادها: “وبعدين؟ متى يتوقف هذا الخراب؟” ليأتي بعدها مباشرةً صراخ الفلول، ومعهم رافضي الدولة السورية بأي ثمن، ليقول: “ألم نقل لكم إنكم تحلمون؟”
بهذا المعنى، يتحول الرصاص إلى خطاب، والمعركة إلى أداة تلاعب بالوجدان العام، يُراد لها أن تُشعل اليأس من جديد في قلوب السوريين، وتُقنعهم بأن لا أمل، ولا استقرار، ولا دولة قادمة.
لكن الواقع، في العمق، عكس ذلك تماماً. والواقع هوأن منبج والسويداء هما ملفان يُعاد ترتيبهما ببطء وثبات:
ففي منبج، بدأت ملامح نهاية المشروع الانفصالي تتضح منذ شهور، مع التراجع الأمريكي، والتنسيق الأمني الروسي التركي السوري، وازدياد الحضور العشائري الوطني في المعادلة.
وفي السويداء، وبعد إرهاق السكان من فوضى “الخصوصية المنفلتة”، أخذت الديناميكيات المحلية تميل تدريجياً نحو إعادة الارتباط بالمركز، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة بعد انكشاف زيف المشاريع الطائفية والميلشياوية. لهذا، يتراجع الاحتضان الشعبي للمجموعات الفوضوية، وتزداد المطالبة بإعادة مؤسسات الدولة وإغلاق ملفات الفوضى والانفلات، ويتصاعد السؤال عن المستقبل المجهول..
الرسائل هنا واضحة:
قسد تُدرك أن التموضع التركي الأميركي الروسي بات يُقصيها بالتدريج.
وقوات الهِجري ترى أن ترتيباً سورياً إقليمياً يُعيد الجنوب إلى حضن الدولة، ويحاصر الفوضى تحت عنوان السيادة الوطنية.
لذا، فإن ما جرى هو محاولة لإشعال حريق في آخر لحظة، بهدف خلق حالة فوضى توقف ترتيبات الدولة وتُربك الفاعلين الإقليميين، وتعيد تلك القوى اليائسة إلى طاولة المساومات بقوة السلاح، لا بالشرعية.
إن محاولة قلب المعادلات في المنطقتين عبر خلق (أمر واقع عسكري) ليست جديدة. والدولة السورية تدرك تفاصيل تجاربها التاريخية المعاصرة التي جُرِّبت سابقاً في العراق، وليبيا، والبلقان، وفشلت حين توفر عنصر الحسم السياسي والعسكري.
أخيراً، ثمة قراءةٌ واقعية في استراتيجيات الحروب تقول: حين تبدأ الممرات السياسية تُفتح، يلجأ أعداء الحل إلى تفجير الطرقات. وما نراه اليوم، هو تفجيرٌ سياسيٌّ في عباءةٍ عسكرية.. إنه محاولةٌ أخيرة لـ”نقل النار إلى الطاولة” حين فشلت أوراقهم على الطاولة نفسها.
لكنّ التاريخ يقول أيضاً: من يستخدم السلاح حين يحترق مشروعه السياسي.. لا يبني مخرجاً، وإنما يحفر قبره الأخير بيديه!
——————————–
الهجري والشرع… من أحضان إسرائيل إلى فخّها/ هادي عبد الحي
الثلاثاء 5 أغسطس 2025
بين نهج الاستغلال الذي تتّبعه الحكومة الإسرائيلية، ونهج التطرف التكفيري الذي تتّبعه الحكومة السورية، تظلّ الأقلية الدرزية هي الخاسر الأكبر في جنوب سوريا.
استفاق الشعب السوري يوم 13 تموز/ يوليو 2025، على خبر دخول الجيش ثم قوات الأمن والشرطة العسكرية التابعة للحكومة السورية المؤقتة إلى محافظة السويداء، بعد اشتباكات عنيفة بين فصائل مسلّحة من مدينة السويداء، وفصائل من العشائر والبدو من محيط المدينة.
جاء ذلك على إثر اعتداء مجموعة من البدو على شاحنة محمّلة بالخضروات وسرقتها في أثناء دخولها إلى السويداء، والتي كان يقودها أحد أبناء المحافظة، ليأتي الردّ من قبل مجموعة من أبناء السويداء بالمثل، ما فاقم الأوضاع فتطورت إلى حالات خطف من الطرفين وصولاً إلى اشتباكات قُتل على إثرها، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما لا يقلّ عن 814 سورياً، وأصيب ما يزيد عن 903 آخرين منذ اندلاع القتال، والحصيلة في تزايد يومي.
جذور الصراع
تصدرت السويداء المشهد في عام 2023، بعد خروج أهالي المدينة في مظاهرات سلميّة يومية مطالبين بإسقاط نظام الأسد، واستمرت هذه المظاهرات أكثر من عام لتحصد ثمارها بسقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.
لم تكن الكلمة فقط من أسقطت نظام الأسد، حيث توجهت الفصائل المسلحة في السويداء في التاريخ نفسه لتحرير كامل محافظة السويداء وريفها، وتصل الى مدينة جرمانا في مدينة دمشق معلنةً دعمها لعملية “ردع العدوان” بقيادة هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى، ودعمها لمشروع بناء دولة سوريا لكل السوريين.
وكغالبية الشعب السوري، بدأ أبناء السويداء، مستقلّين أو ممثلين بقياداتهم، والتي هي هنا في حالة السويداء قيادة دينية وروحية ممثلة في مشيخة العقل وفي مقدمتها الشيخ حكمت الهجري، بالمطالبة بدولة مدنية وديمقراطية يشارك في بنائها جميع السوريين.
جاء ردّ القيادة في دمشق، الممثلة في هيئة تحرير الشام وعلى رأسها أحمد الشرع، بمجموعة من الإجراءات والقرارات سقطت على إثرها أولى الأحجار في صرح الحلم السوري الديمقراطي. بدأت هذه الهيمنة بسلسلة من الإجراءات الرمزية والمؤسسية، بدءاً من الإعلان عن تشكيل “حكومة انتقالية”، وتعيين محمد البشير، رئيساً للوزراء في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، دون أيّ حوار مع القوى المحلية، معلنةً بذلك شعارها الجديد: “من حرّر قرّر”.
ثم جاء القرار رقم 8 بالإعلان عن دمج الفصائل المسلحة في الجيش الوطني الجديد، في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2024، الذي منح عدداً من قادة الفصائل الجهادية السلفية، غير سوريي الجنسية، الذين شاركوا في عملية “ردع العدوان”، مناصب قياديةً في الجيش الجديد. فأُعطي الجيش صبغةً دينيةً جهاديةً في حين غُيّبت الأقليات السورية ولم يُعيَّن أيّ ضباط منها.
شهدت نهاية شهر كانون الثاني/ يناير 2025، تعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، خلال مؤتمر النصر للثورة السورية الذي عُقد في دمشق ليصبح شعار “من حرّر قرّر”، “من حرّر حكم”، وليُدقّ مسمار آخر في نعش الحلم الديمقراطي السوري.
وعلى ذلك تعددت التيارات الفكرية في مدينة السويداء، واختلفت بين مؤيدين لشكل الدولة الحالي وإعطاء فرصة للحكومة الانتقالية، وبين معارضين لها يؤكدون على عدم شموليتها وتمثيلها للأقليات السورية. تخللت تلك الفترة العديد من المناوشات والمفاوضات والبيانات، وبرز فيها تيار الشيخ حكمت الهجري الداعي إلى التدخل الخارجي والحماية الدولية تجسيداً لفكرة عدم ثقته بحكومة دمشق الانتقالية. اتسعت الهوّة بين الدروز في السويداء والحكومة المؤقتة في دمشق، حيث رفضت غالبية المجموعات المسلّحة في السويداء تسليم السلاح والانضمام إلى وزارة الدفاع قبل وجود دستور يضمن حق الأقليات في بناء الدولة الجديدة.
ولكن في 13 آذار/ مارس 2025، وقّع الشرع على وثيقة الإعلان الدستوري المؤقت الذي منحه صلاحيات واسعةً تتجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية. أثار هذا التركيز الواسع للسلطة في يد الرئيس، انتقادات واسعةً في السويداء، حيث عُدّ تجاوزاً حتى للصلاحيات التي كان يتمتع بها الرئيس المخلوع بشار الأسد. ولم يمضِ شهر على هذا الإعلان، حتى جاء أول صدام عسكري بين قوات الحكومة المؤقتة في دمشق وميليشيات من الدروز في مدينتَي صحنايا وجرمانا ذواتي الغالبية الدرزية.
الهجري وإسرائيل
مع تفاقم الأزمة والاشتباكات من جهة، وتصاعد التهديدات وخطاب الكراهية ضد الدروز من جهة أخرى، ارتفع في السويداء سقف الخطاب المناهض للحكومة المؤقتة في دمشق، وازدادت نداءات الشيخ الهجري للتدخل الخارجي، ما أعطى إسرائيل الفرصة التي طال انتظارها للتدخل العسكري تحت ذريعة حماية الدروز، فقامت بتنفيذ ضربات جوية في سوريا وتوغلت في الجنوب السوري.
لم يرفض الشيخ الهجري، التدخل الإسرائيلي بشكل علني، بل اكتفى بالتأكيد على سوريّة السويداء، ورفض التهم الإنفصالية الموجهة إلى تياره. وعليه، انتهت المعارك بتوقيع اتفاق ينصّ على تفعيل أجهزة الدولة ومؤسساتها في السويداء، على أن تكون الضابطة العدلية من أبناء المحافظة في حين تتولى الدولة مسؤولية حفظ الأمن على طريق الشام-السويداء.
لم يُفضِ هذا الاتفاق إلى بناء جسور الثقة بين الدروز في السويداء وحكومة دمشق المؤقتة. ومع تراجع نجم الشيخ حكمت الهجري، والفصيل المسلّح الداعم لأفكاره، أي المجلس العسكري، وازدياد التهم الانفصالية الموجهة إليه، ارتفعت أصوات أخرى، وُصفت بأنها أكثر وطنيةً، ممثلةً في شيخي العقل حمّود الحنّاوي وحسين جربوع، وتدعو إلى الانخراط في كنف الدولة الجديدة.
إلا أنّ الهِجري بقي على موقفه وإصراره على عدم الوثوق بحكومة دمشق، وزاد من التقرب مع الجانب الإسرائيلي، نتيجةً للتصريحات الإسرائيلية وتعهدات إسرائيل بحماية الدروز واستعدادها للتدخل البرّي، حيث ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، خلال المواجهة الأولى بين فصائل الدروز والفصائل الإسلامية الرديفة للحكومة السورية، في بيان، أنّ “إسرئيل تؤكد التزامها العميق بحماية الدروز في سوريا”. كما لفت البيان إلى أنّ “إسرائيل وجهت تحذيراً شديداً للنظام السوري وطالبته بمنع الاعتداءات على الدروز”.
في شهر آذار/ مارس من العام نفسه، قامت مجموعة من رجال الدين الدروز من تيار الهجري، بزيارة دينية إلى مقام النبي شعيب في الأراضي المحتلة، ترافقت مع انتقادات كثيرة وشائعات عن تواصل مباشر للهجري مع إسرائيل عبر هذا الوفد الديني.
الشرع وإسرائيل
في الوقت ذاته، لم تقف حكومة دمشق مكتوفة الأيدي، بل فتحت قنوات دبلوماسيةً مع تل أبيب على شكل مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، بعد أن قامت إسرائيل بالتوغل في جنوب سوريا منذ لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرت على مناطق واسعة فيه، أهمّها قمة جبل الشيخ.
تغيّر مضمون التصريحات الإسرائيلية حول دخول الجيش الإسرائيلي إلى الجنوب السوري، بحجة تأمين حدود دولة إسرائيل، وبهدف إنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري، حسب مصادر عسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي.
كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في 28 من كانون الثاني/ يناير 2025، خلال زيارته قمةً من قمم جبل الشيخ، إنّ قواته ستبقى في سوريا إلى أجل غير مسمّى. في المقابل، أظهرت حكومة دمشق براغماتيةً عاليةً، واستعداداً ضمنياً للتطبيع مع تل أبيب، مدفوعةً بالتقارب السوري الأمريكي، والدعم الذي أظهرته إدارة ترامب للشرع بعد لقائهما في العاصمة السعودية، الرياض.
وعلى إثر ذلك، بدأ الحديث عن انضمام دمشق إلى اتفاقيات “أبراهام” بدعوة أمريكية، وأضيفت صورة للشرع على لوحة إعلانية في تل أبيب عَرَضَها “تحالف الأمن الإقليمي” مع شعار عبري يدعو إلى “عهد إبراهيمي” جديد. وبغضّ النظر عن تعقيدات المشهد التفاوضي، حيث قال وزير الخارجية جدعون ساعر، إنّ “هضبة الجولان ستبقى جزءاً من دولة إسرائيل” في أي اتفاق سلام محتمل مع سوريا، وإصرار إسرائيل على انتزاع اعتراف سوري بحق إسرائيل في الجولان، وهو أمر غير قابل للتطبيق من قبل حكومة الشرع الفتية، إلا أنّ هذه الأخيرة عقدت آمالاً على تغيّر الموقف الإسرائيلي تجاه ملف السويداء والدروز، وسرعان ما غيّرت هي الأخرى إستراتيجيتها في التعامل مع الملف ذاته.
الصراع
يوم الأحد 13 تموز/ يوليو 2025، قامت مجموعة من عشائر البدو في ريف السويداء بخطف سائق شاحنة محملة بالخضروات والاعتداء عليه وسرقته على طريق الشام السويداء، لتردّ مجموعة مسلّحة من السويداء بالفعل نفسه، وتطور الموقف إلى صراع مسلّح بين الجهتين، حشدت فيه العشائر جماعات إسلاميةً متطرفةً ذات خطاب تكفيري ضد الدروز. لم يكن هذا الصراع كسابقه، حيث اختارت حكومة دمشق الحسم العسكري في السويداء، مستندةً من جهة إلى قاعدتها الشعبية البسيطة في السويداء المضادة للتيار الهجري الذي لطالما كان الأكثر انتشاراً، ومن جهة أخرى إلى التغيّر في الخطاب الإسرائيلي الداعم للدروز، والذي يطالب الدولة السورية بحمايتهم.
وبعد اشتباكات عنيفة، وصلت أرتال من الجنود والدبابات من الجيش السوري والأمن العسكري لفضّ النزاع بين فصائل العشائر وفصائل السويداء، معلنين أنهم سوف يردّون على كل من يطلق النار عليهم، ما حوّل الاشتباكات من مواجهة بين العشائر والدروز، إلى مواجهة بين العشائر والدولة من جهة، والدروز من جهة أخرى.
في منتصف يوم الثلاثاء 15 تموز/ يوليو 2025، أعلنت وزارة الدفاع السورية دخولها مدينة السويداء ووقف إطلاق النار فيها، وظهر قائد الأمن الداخلي أحمد الدالاتي، في بيان مع أعيان محافظة السويداء ووجهائها، على رأسهم الشيخان حمود الحناوي وحسين جربوع، ليعلن التوافق بين السويداء وحكومة دمشق.
ولم تمرّ ساعات حتى ظهر الشيخ الهجري في فيديو، تراجع فيه عن بيان التهدئة، مصرّحاً بأنه قد فُرض عليهم من دمشق وبضغوط من دول خارجية. كما طالب بالتدخل الخارجي وإيقاف القصف المستمر والمجزرة في حق أبناء السويداء.
الفخ
لم تكن تل أبيب في الحقيقة على الحياد، بل كانت تنتظر وصول كلّ من دمشق والهجري إلى فخّها المحكم، الذي نصبته لكليهما في نقطة اللاعودة، حيث تأخّر التدخل والقصف الإسرائيلي لقوات الحكومة السورية والعشائر بذريعة حماية الدروز، حتى وصلت القوات السورية إلى قلب مدينة السويداء وتم إبرام اتفاق مع الجهة المناهضة للهجري، لجعله رجلاً معزولاً وعلى حافة الانهيار، وفي موقف ضعيف، فما كان منه إلى أن وقع فريسة الاستغلال والخبث الإسرائيليين، وأُجبر على التصريح العلني ولأول مرة بالمطالبة بالحماية الخارجية من ترامب ونتنياهو، ليعبر بذلك خط اللاعودة معطياً إسرائيل الورقة التي لطالما أرادتها للتدخل في سوريا بذريعة حماية الدروز من جهة، وزيادة التفاف المجتمع الإٍسرائيلي الدرزي حول حرب الإبادة التي تشنّها على غزّة، من جهة أخرى.
وفي الوقت ذاته، وبرغم الضربات المتفرقة التي نفّذتها إسرائيل ضد القوات الحكومة السورية والعشائر، إلا أنها بقيت ترسل رسائل لطمأنة دمشق. فبرغم ظهور نتنياهو الإعلامي وتصريحاته الداعمة للدروز، إلا أنّ إسرائيل ونقلاً عن القناة 12 الإسرائيلية، وعدت واشنطن بوقف هجماتها على الجيش السوري في مساء اليوم ذاته. وعليه، قامت حكومة دمشق بإرسال تعزيزات وأرتال عسكرية إلى السويداء، ظنّاً منها أنها ستفرض سيطرتها على السويداء بالقوة، وستنهي وجود المجلس العسكري التابع للهجري فيها.
إلا أنها هي الأخرى وقعت فريسةً للاستغلال الإسرائيلي، وأعطت تل أبيب الذريعة الأمثل للتحرك، خاصةً بعد أن انتشر مقطع لمجزرة قامت بها قوات تابعة لدمشق في حق تسعة مدنيين من آل رضوان في مضافتهم، ما فجّر الوضع في الجولان المحتل وأعطى إسرائيل قاعدةً شعبيةً داخليةً للتصعيد.
وعليه، قامت إسرائيل بشنّ غارات على أكثر من مئة موقع عسكري في الجنوب السوري ومحيط السويداء، وتوّجت هجماتها باستهداف مبنى الأركان (وزارة الدفاع)، في قلب العاصمة دمشق، بالإضافة إلى غارات في محيط قصر الشعب (القصر الرئاسي)، في تهديد واضح ومباشر للشرع.
لم تكن هذه الضربات لكسر هيبة حكومة دمشق وإجبارها على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات فحسب، بل لرفع سقف مطالب إسرائيل بعد الحديث عن العودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك التي وُقِّعت عام 1974، بين سوريا وإسرائيل، والآن إسرائيل تعلن عن نيتها إنشاء منطقة “منزوعة السلاح” تمتدّ من الجولان المحتل حتى السويداء، بذريعة حماية أمنها القومي.
بين حكومة ميليشياوية، غير محنّكة، فتيّة وهشّة، ورجل دين يصرّ على أن يكون رجل سياسة، استطاعت الدولة الصهيونية استغلال كلا الطرفين لتحقيق نهج لطالما استخدمته عبر التاريخ وهو “فرّق تسُد”. وبين النزوح والقصف والتخريب والانتهاكات، يبقى الشعب السوري الخاسر الوحيد، وتبقى جميع الأطراف المتنازعة بمختلف أيديولوجياتها وتوجهاتها، وعلى رأسها الحكومة الانتقالية السورية التي دائماً ما تأتي متأخرةً بلجان التحقيق وتقصّي الحقائق، تاركةً المنتهكين أحراراً في صفوف قواتها، تبقى هي المسؤولة عن دقّ مسمار آخر في نعش الحلم الديمقراطي السوري.
رصيف 22
————————
أنقرة وتل أبيب: نريدُ سوريا ولا نريدُ السوريين/ رامي شفيق
ثروات سوريا بين أنقرة وتل أبيب: صراع نفوذ تحت غطاء الاستثمار
2025-08-06
بينما تواصل سوريا التعرّض لأزمات متداخلة منذ أكثر من عقد، فإنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة تتيح لها أن تكون نواةً للتعافي الاقتصادي، سواء عبر احتياطيات النفط والغاز، أو مناجم الفوسفات، وصولًا إلى الأراضي الزراعية الخصبة، ما يمثل فرصًا اقتصادية ضخمة.
وبناءً على ذلك، أصبح التنافس – بل الصراع – على الثروات الطبيعية في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد الابن، أحد أبرز مسارات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، إذ تسعى كلّ من أنقرة وتل أبيب إلى انتزاع موطئ قدم جديد على رقعة الصراع الاستراتيجي والاقتصادي في البلاد. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على تنسيق غير مباشر بين الطرفين للسيطرة على موارد سوريا الطبيعية.
وفي السياق ذاته، شكّلت الأوضاع المضطربة في سوريا خلال السنوات الماضية أرضية خصبة للأطماع الإقليمية، إذ تتحرك تركيا وإسرائيل ضمن مسارات الجغرافيا الاقتصادية لاستغلال تلك الموارد دون اكتراث بحقوق السوريين في ثرواتهم، أو بمصالح الأجيال القادمة، ودون التزام بأي ضوابط تكفل حماية هذه الموارد من النهب أو الاستنزاف، أو تحُدّ من ترسيخ نفوذ خارجي مستدام.
ويعيش المواطن السوري، في ظل هذا الواقع، على هامش مشهد مترقِّب للاستقرار، وتحسُّن في الخدمات، واستفادة من ثروات وطنه، الأمر الذي يُفترض أن يوفر له فرص عمل حقيقية وعوائد مالية تضمن حياة آمنة ومستقرة.
“اقتناص فرص اقتصادية”
وفي هذا السياق، يقول الدكتور فراس شعبو، الباحث والأكاديمي الاقتصادي، إن “أنقرة وتل أبيب لا تسعيان إلى إنقاذ سوريا أو دعم شعبها، بل إلى اقتناص فرص اقتصادية وجيوسياسية”. ويشير إلى أن الأرض السورية تُعامل كمورد استثماري، فيما يُترك الإنسان السوري بلا وطن، وبلا حماية، وبلا مستقبل.
ويتابع شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير بإسطنبول، في حديثه لـ”963+”، أن “الدولتين تنظران إلى سوريا كفرصة استراتيجية واقتصادية، بينما يُنظر إلى الإنسان السوري، وخاصة اللاجئ، كعبء أو ورقة تفاوض ليس أكثر”.
ويبيّن أن “إسرائيل لا تُخفي اهتمامها بمرتفعات الجولان، الغنية بالمياه والزراعة والطاقة البديلة، مشيرًا إلى أنها منحت امتيازات لشركات أجنبية للتنقيب عن النفط في الجولان المحتل، مثل شركة Genie Energy “.
ويوضح أنه لا توجد نية لدى إسرائيل لإعادة اللاجئين أو دعم الاستقرار، بل إن تل أبيب تخشى من عودتهم.
أما بالنسبة لتركيا، فيوضح شعبو أن “هدفها لا يقتصر على الأمن القومي، بل يشمل أيضًا السيطرة على شريط حدودي استراتيجي يتيح لها التحكم بطرق التجارة والطاقة وربما الزراعة”.
ويضيف أن “أنقرة استغلت الأراضي السورية في الشمال (تل أبيض – رأس العين – عفرين – إدلب) من خلال زراعات تركية مكثفة، واستخدام الليرة التركية بدلًا من السورية، والتحكم بالخدمات كالكهرباء والاتصالات والمستشفيات”.
ويؤكد أن “تركيا لم تضع مشروعًا جادًا لإعادة اللاجئين بشكل طوعي أو كريم، بل استخدمتهم كورقة تفاوض مع الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في اتفاق 2016 حول الهجرة مقابل تمويل، وذلك للضغط داخليًا كلما ارتفع الخطاب القومي التركي”.
وهذا الواقع أدى إلى التعامل مع السوريين كـ”أعباء” لا كمورد بشري، وانتهجت أنقرة سياسة “الباب الموصَد” عبر بناء جدار حدودي بطول 911 كم، مدعوم بأنظمة مراقبة إلكترونية، وتنفيذ عمليات ترحيل قسرية.
ويختتم شعبو حديثه بالإشارة إلى أن هذه السياسات تُظهر كيف يتم التعامل مع سوريا كمشروع استثمار إقليمي، دون اكتراث بمصير الإنسان السوري أو حقه في العودة والحماية والكرامة.
وقد تكون الشهور الأخيرة، وتحديدًا منذ سقوط نظام الأسد الابن، نقطة تحول في مسارات التعاون غير المباشر بين تل أبيب وأنقرة، من التنسيق إلى التنافس والصراع على الثروات السورية، ومحاولة الحد من نفوذ كل منهما في مناطق التماس، سواء في شمال سوريا أو جنوبها، حيث تتوزع الثروات الطبيعية من مياه عذبة إلى موارد طاقة.
وفي ظل هذه التوترات، تتصاعد الأسئلة في نفوس السوريين حول مستقبل أبنائهم ومصير بلادهم.
“عقدة جيو اقتصادية”
ويلفت الأكاديمي السوري، عماد مصبح إلى أن “تركيا وإسرائيل لا تتنازعان على سوريا بسبب نفط أو غاز محدودين، بل لأن البلاد تُعد عقدة جيو-اقتصادية تربط شرق المتوسط بالأناضول والخليج وآسيا الوسطى. فمَن يُمسك بالممر السوري يتحكم بتدفّق الطاقة والمياه والطرق التجارية ويؤمّن عمقه الأمني الإقليمي”.
ويوضح مصبح، في حديثه لـ”963+”، أن الموقع الاستراتيجي لسوريا يجعلها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الإقليمي، وهو ما يفسر شراسة التنافس عليها.
ويشير إلى أن التنافس التركي–الإسرائيلي على ثروات سوريا “لا يعدو كونه رأس جبل الجليد ضمن سباق أوسع للتمركز على خطوط الإمداد الحيوية”.
ويبيّن أن “تركيا تقلّص حصة نهر الفرات للضغط سياسيًا على شمال سوريا، بينما تسرّع إسرائيل عمليات الحفر في الجولان لربطه بمجمّعها الغازي شرق المتوسط”.
وبينما ترفع الدولتان شعارات “الاستقرار” و”الأمن”، تُغيب مصالح السوريين وحقوقهم الأساسية عن هذه المعادلة، إذ تنصبّ الأولوية على ضمان النفوذ الإقليمي وتأمين التدفقات الاقتصادية، لا على رفاهية المواطن السوري أو حقوقه في ثروات بلاده.
كما يوضح أن إدخال الليرة التركية في الأسواق من أعزاز إلى إدلب حوّل الشمال السوري إلى ذراع نقدي مباشر لأنقرة، فيما تخطط تركيا لمدّ خط الغاز القطري عبر الأراضي السورية ليجعلها بوابة الطاقة الرئيسية نحو أوروبا. هذا المشروع يُقلّص من هامش المناورة لدمشق، ويُنافس صادرات إسرائيل من شرق المتوسط.
وتكمن النتيجة في رسم خرائط لوجستية واقتصادية جديدة تُدار من خارج الحدود السورية، ما يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للبلاد لصالح قوى خارجية، على حساب السيادة الوطنية.
ويشير إلى أن غياب الدولة السورية الفاعلة وانهيار مؤسساتها خلال سنوات الحرب، أتاح لطرفَي الصراع “خصخصة” الموارد الطبيعية دون رقابة أو مساءلة.
ويوضح أن قطع تركيا لمياه نهر الفرات دمّر القطاع الزراعي وشبكات الكهرباء لأكثر من خمسة ملايين مواطن، بينما تعرّضت أراضي الزيتون في عفرين للنهب، وتم تمويل ميليشيات محلية، ما خلق اقتصاد حرب موازٍ يخدم المصالح التركية. أما إسرائيل، فتفرض على مزارعي الجولان المحتلّ تراخيص باهظة لشراء مياه أراضيهم، محوّلة الموارد الطبيعية إلى أدوات ضغط وسيطرة.
وفي هذه المعادلة، لا يرى المواطن السوري سوى الأضرار البيئية والمعيشية، دون أي استفادة تُذكر من ثرواته.
ويبيّن مصبح أن العمليات الجارية تجسّد نموذجًا متطورًا من الاستعمار الاقتصادي المُقنّع، حيث تستخدم القوى الخارجية أدوات “القوة الناعمة الصلبة” لفرض واقع اقتصادي طويل الأمد. فالتنقيب الإسرائيلي في الجولان المحتل بشراكات دولية، يُحوّل الاحتلال من عبء عسكري إلى مشروع ربح مستدام، فيما تستخدم تركيا بنيتها الخدمية وعملتها الوطنية وبرامج الإغاثة لتكريس تبعيات اقتصادية عميقة.
ويختتم مصبح حديثه بالتأكيد على أن استمرار هذا المسار يُهدد جوهر مفاهيم العدالة الاقتصادية والسيادة الوطنية في المستقبل، ما لم يُعاد بناء مؤسسات سورية قوية، قادرة على ضبط الحدود، وضمان التوزيع العادل للموارد، وإطلاق برامج تعويض بيئي شاملة للأقاليم المتضررة.
+963
—————————–
حزب الله يناور بملف السلاح.. وسوريا ميدان التبرير/ صهيب جوهر
2025.08.05
في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التحوّلات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية، يجد لبنان نفسه على عتبة استحقاق مفصلي عنوانه سلاح “حزب الله”. إذ تعقد الحكومة اللبنانية، يوم الثلاثاء المقبل، جلسة مخصصة لبحث هذا الملف الذي ظلّ لسنوات طويلة بمنأى عن طاولة القرار الرسمي، وتحديداً منذ أحداث 7 من أيار 2008، التي ما زالت حاضرة في الذاكرة السورية واللبنانية على السواء.
لكن خلف كل هذا التصعيد الظاهري، يخوض “حزب الله” معركة أكثر عمقاً: معركة شرعيته السياسية والوجودية في مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وفي ظل الانكفاء الإيراني المتسارع، والتحوّلات الكبرى في سوريا والتي قطعت خط الإمداد الاستراتيجي، والتي يبدو أن الحزب يحاول استثمارها لعرقلة مسار نزع سلاحه.
وبدا أن حزب الله بات يُجاهر في مجالسه الضيقة – وأحياناً في اتصالاته مع أطراف خارجية – بمخاوفه من تبدلات المشهد السوري، وخصوصاً ما جرى في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، كانت محل اهتمام لبناني وسوري على حد سواء. وفي قراءته، يعتبر الحزب أن ما حصل في السويداء، إلى جانب حالة التفكك التي تشهدها مناطق الساحل السوري بين الفينة والأخرى، هو إنذار بإمكانية انقلاب المعادلات الطائفية التي طالما وظفها “حزب الله” لحماية مشاريعه.
هكذا، يُعيد الحزب استخدام ورقة “الخوف على الأقليات”، وهي الورقة التي طالما روّج لها منذ عام 2012 لتبرير تدخله العسكري في سوريا. واليوم، يطرحها من جديد كأداة للتصعيد السياسي في وجه الحكومة اللبنانية، متّهماً الحكم الجديد في دمشق – الذي ينأى بنفسه عن منطق التحالفات الطائفية القديمة – بأنه قد يُقصي المكونات الداعمة لإيران، ويعيد رسم التوازنات في العمق السوري بطريقة تُهدّد حضوره الإقليمي، وبالتالي تبرّر تمسّكه بسلاحه.
بالتوازي أبلغ “حزب الله” أطرافاً لبنانية وأجنبية بأن التحركات العسكرية السورية الأخيرة في منطقة القلمون، والزبداني، والقصير، والمترافقة مع إعادة انتشار وحدات عسكرية مهمة، تشكّل تهديداً مباشراً لنقاط تمركزه على الحدود الشرقية اللبنانية، وذهب إلى حد مطالبة بعض الوسطاء الغربيين والعرب بالحصول على “ضمانات أمنية سورية” تكفل بقاء نفوذه في تلك المناطق، أو على الأقل عدم استهدافه ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة الجارية والتي تتابعها واشنطن ودول خليجية، بالإضافة إلى تركيا.
في بيروت، يُصوّر ملف السلاح وكأنه مسألة إجرائية مرتبطة فقط بجدول زمني يُحدد مراحل التسليم والتفكيك، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالمسألة تتجاوز توقيت التنفيذ إلى طبيعة النظام اللبناني المقبل، وهوية الدولة التي ستتولى فرض سيادتها على كامل أراضيها، وفق مقتضيات “ما بعد حزب الله”.
وبعبارة أوضح، المطلوب – كما يُقال في الكواليس الدبلوماسية المواكبة للورقة الأميركية – السعودية، – ليس فقط نزع السلاح، بل إعادة تعريف لبنان كدولة طبيعية لا تقيم عداءً وظيفياً مع إسرائيل، وتكون مستعدة، في الحد الأدنى، للانخراط في اتفاق تهدئة طويلة الأمد على شاكلة “اتفاق فك الاشتباك” السوري-الإسرائيلي في الجولان عام 1974، أو حتى الدخول في مسار إقليمي يوازي “اتفاقات أبراهام”. وهو ما أشار إليه صراحة السفير الأميركي المنتظر في بيروت ميشال عيسى، الذي قال إن على لبنان أن يلتزم بـ”نزع السلاح أولاً، والانفتاح على التطبيع تالياً”.
لكن “حزب الله”، الذي يقرأ جيداً هذه العناوين، يرفضها جملة وتفصيلاً، ويعتبرها مقدّمة لتجريده من دوره داخل لبنان وخارجه، لا سيما بعد خروجه من سوريا وفصل ساحة المواجهة عن قطاع غزة. وهو يرى أن القرار اللبناني المرتقب – في حال تضمّن أي إشارة لسحب سلاحه – يعني انتزاع الغطاء السياسي عنه وتحويله إلى جماعة مرفوضة داخلياً وخارجياً، وبالتالي يصبح التعامل معه محلياً ودولياً على هذا الأساس.
في الداخل اللبناني، ما يزال “حزب الله” متريثاً في رد فعله. هو لا يريد تكرار تجربة 5 من أيار 2008 بصورة متسرعة، لكنه أيضاً لا يستبعدها. لذا تتعدد التقديرات بين من يرى أنه سيلجأ إلى تحركات شعبية ميدانية، على غرار الاعتصامات التي كانت تنطلق من الضاحية باتجاه بيروت، وبين من يعتقد أن الحزب قد يكتفي بإفشال أي تطبيق عملي للقرار عبر رفض التعاون مع القوى الأمنية الرسمية، على غرار ما حصل في مناطق جنوب الليطاني بعد القرار 1701، حيث أبقى الحزب على وجوده الاستخباري والعسكري غير المباشر.
بالمقابل باتت الدولة اللبنانية أمام خيارات أحلاها مُر، في ظل دعوة الأطراف المناوئة لحزب الله للضغط عليه، فيما هناك رأي آخر بترحيل ملف السلاح من الحكومة إلى المجلس الأعلى للدفاع تجنباً لانفراط عقد السلطة التنفيذية في البلاد، وعليه فإن هنالك قراراً واضحاً وصريحاً بسحب سلاح “حزب الله”، مع تكليف الجيش أو لجنة رسمية بوضع خطة تنفيذية.
ويتوقع المتابعون أن تنقسم السيناريوهات المحتملة بين أربعة رئيسية، الأول أن تتخذ حكومة نواف سلام قرار مبهم لا يتضمن جدولاً زمنياً ولا تفاصيل، ويكتفي بتأكيد التزام اتفاق الطائف، أو أن يجري تجاهل كامل للملف، مما سيؤدي إلى تفجير سياسي داخل الحكومة، خصوصاً من قبل القوات اللبنانية والكتائب والذين يعتبران نفسيهما أبرز الأطراف المستفيدة من ضعف الحزب، بالمقابل يسعى رئيس الجمهورية لمحاولة إيجاد صيغة ثالثة تحفظ ماء وجه الجميع، لكن الخوف الأبرز أنها لن تلقى قبولاً أميركياً.
وعلى المستوى الخارجي، لا تقل التحديات خطورة. فالدول الراعية للمسار اللبناني – أو فيما يعرف “اللجنة الخماسية” وتحديداً الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية – باتت تعتبر أن لحظة الحسم قد حانت، وأن على لبنان
الانفكاك عن “نموذج المقاومة” والسير على خطا دمشق والتي انخرطت في الانفتاح على محيطها.
أما في حال عدم التجاوب اللبناني، فالمخاوف تكبر من سيناريوين:
الأول: تصعيد إسرائيلي مباشر، على غرار ما حصل في الجنوب السوري في السنوات الأخيرة، مع ضربات دقيقة وموجعة تستهدف قيادات الحزب ومنشآته، دون الحاجة إلى إعلان حرب شاملة.
الثاني: فرض عزلة سياسية ومالية على لبنان، وحرمانه من أي مساعدات أو دعم، وتركه فريسة للانهيار والصراعات الداخلية، كما حصل في ليبيا واليمن بعد فشل المسار السياسي في 2014.
وبين هواجس “حزب الله” من فقدان شرعيته اللبنانية، ومخاوفه من انكشافه الميداني على الحدود السورية، وبين اندفاع الدولة اللبنانية نحو نزع السلاح استجابة للضغوط الدولية، يقف لبنان أمام مفترق تاريخي. ومرة جديدة، تتحول سوريا – بمدنها وأقلياتها وترتيباتها الأمنية – إلى ورقة تفاوضية في يد الحزب، يحاول من خلالها تأجيل المعركة، أو إعادة تعريف شروطها.
تلفزيون سوريا
————————-
“لجنة الحقوقيين الدولية” تدعو حكومة سوريا لتحقيق محايد ومستقل في أحداث السويداء
2025.08.05
دعت “لجنة الحقوقيين الدولية” الحكومة السورية إلى فتح تحقيق عاجل، مستقل، ومحايد في الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في محافظة السويداء، مشددة على ضرورة محاسبة جميع المسؤولين عنها من دون استثناء.
وفي بيان لها، قالت اللجنة إن الاشتباكات في محافظة السويداء أسفرت عن مقتل نحو 1120 مدنياً في المحافظة، من بينهم مقاتلون من المجموعات المحلية ومدنيون من الدروز والبدو، وعناصر أمنية تتبع الحكومة السورية، في حين تسببت في نزوح نحو 175 ألف شخص من مناطقهم.
وذكر البيان أن مقاطع مصوّرة نُشرت عبر الإنترنت أظهرت رجالاً مجهولين يرتدون بزّات عسكرية وهم ينفّذون إعدامات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، في حين نفذت ميليشيات درزية هجمات عنيفة على أحياء وقرى يقطنها البدو، شملت احتجاز رهائن وإجبار العديد من المدنيين على الفرار.
وقال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “لجنة الحقوقيين الدولية”، سعيد بن عربية إن “مرتكبي الفظائع يجب أن يُحاسبوا بغض النظر عن انتمائهم السياسي”، مضيفاً أن على السلطات السورية “ضمان حماية جميع الأقليات الدينية، من خلال التحقيق والملاحقة القضائية ومعاقبة المسؤولين عن الإعدامات الميدانية والانتهاكات الأخرى التي تعرّضوا لها”.
لجنة تحقيق محلية لا تكفي
وأشارت “لجنة الحقوقيين الدولية” إلى أن السلطات السورية أعلنت، في 31 تموز الماضي، عن تشكيل لجنة تحقيق في أحداث السويداء، لكنها شددت على أن “تحقيق العدالة الحقيقية يتطلب محاسبة جميع مرتكبي الجرائم بموجب القانون الدولي، من كافة الأطراف”.
وأكدت اللجنة على أهمية أن تكون العملية الانتقالية المنصوص عليها في المرسوم رقم 20 الصادر بتاريخ 17 أيار 2025، والذي ينص على تشكيل “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية” للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة من قبل النظام المخلوع، “عملية شاملة وشفافة تحقق العدالة والإنصاف لجميع الضحايا دون تمييز”.
وشددت “لجنة الحقوقيين الدولية” على أن “أي مصالحة حقيقية ومستدامة في سوريا يجب أن تقوم على كشف الحقيقة الكاملة وتحقيق العدالة لجميع المتضررين من الجرائم والانتهاكات، أياً كانت الجهة المسؤولة عنها”.
لجنة التحقيق في أحداث السويداء
يشار إلى أن وزارة العدل السورية أعلنت عن تشكيل لجنة تحقيق خاصة بأحداث السويداء الأخيرة، لتحديد الأطراف والجهات المشاركة في الانتهاكات بحق المواطنين في المحافظة.
والسبت الماضي، باشرت اللجنة أولى جلساتها الرسمية، من مقر وزارة العدل، برئاسة وزير العدل الدكتور مظهر الويس، الذي شدد على أن عمل اللجنة يجب أن يسير وفق مبادئ العدالة والشفافية، بما يضمن السلم الأهلي ويعيد الأمن إلى محافظة السويداء.
وتعهدت اللجنة بإصدار تقرير شفاف يتضمن قوائم بأسماء المتورطين في الانتهاكات، وإحالتهم إلى القضاء وفق الأصول، مؤكدة أنها لجنة مستقلة وليست جهة قضائية، وتعمل بصلاحيات كاملة وبتوجيه مباشر من رئاسة الجمهورية.
العربي الجديد
————————
قائد الأمن بالسويداء: الهجري يستخدم سلطته الدينية سياسياً
دبي- العربية.نت
05 أغسطس ,2025
دعا قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء جنوب سوريا أحمد الدالاتي، شيخ عقل الدروز حكمت الهجري إلى تغليب مصلحة البلاد على أي مصالح أخرى، بعد الخروقات التي شهدها اتفاق وقف إطلاق النار خلال اليومين الماضيين.
وقال في تصريحات للعربية، “نأمل من الهجري أن يغلب مصلحة سوريا على المصالح الضيقة”. واعتبر أن “سلوكه هو من تسبب بمأساة لأهله”، وفق قوله.
كما أضاف أن “الهجري يناقض نفسه حيث يستخدم سلطته الدينية للتحكم بقرارات سياسية، وهو ما يتنافى مع قاعدة الدين لله والوطن للجميع”.
“ارتباطات خارجية”
وأوضح أن “القضية في سوريا ليست مشكلة مع الدروز”، قائلا: “هناك دروز في جرمانا وصحنايا وهم منخرطون في الدولة كما هو حال كل مكونات الشعب عكس ما يجري في السويداء التي تكمن معضلتها في “أجندة شخصية وارتباطات خارجية”.
كذلك أشار إلى أن القوات الأمنية دخلت المحافظة لتأمينها وتوفير المساعدات وليس هناك من حصار على السويداء بل ضبط أمني.
إلى ذلك، أكد الدالاتي أنه “جاهز للمساءلة بشأن أي انتهاكات قد تكون حصلت في السويداء”. وشدد على أن الحكومة السورية تسعى لعلاج هواجس الثقة عبر الحوار.
وكانت وزارة العدل السورية، أعلنت الأسبوع الماضي تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة.
أتى ذلك، بعدما شهدت المحافظة الشهر الماضي قتالا بين الدروز ومجموعات مسلحة من العشائر، أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى ونزوح عشرات الآلاف من سكانها.
لتتمكن الحكومة لاحقا من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين، إلا أن هذا الاتفاق تعرض لبعض الخروقات مؤخراً، قبل أن تضبط القوى الأمنية الوضع وتعيد فتح ممر بصرى الشام الإنساني بريف درعا جنوب غربي البلاد بعد تأمين المنطقة.
——————————-
================
تحديث 04 آب 2025
==================
————————
لعبة إسرائيل في سوريا/ غازي العريضي
الاثنين 2025/08/04
في مقالة سابقة منذ أسبوعين وعلى هذه الصفحة “وقائع السويداء وموقف جنبلاط” أشرت إلى التصريحات الصادرة عن عدد من الوزراء في حكومة نتانياهو الداعية إلى “تصفية الشرع”. “فمن كان جهادياَ يبقى جهادياً”. “يجب اغتيال الشرع. إنه إرهابي وقاتل وحشي”. وذلك في سياق الحديث عن حقيقة الأهداف الاسرائيلية في سوريا البعيدة كل البعد عن كذبة “حماية الأقليات”. الوقائع السياسية والميدانية منذ ذلك الوقت تؤكد جوهر التصريحات وغايتها المذكورة رغم اللقاءات المتكررة بين مسؤولين اسرائيليين وسوريين في أكثر من عاصمة منها ما هو معلن ومنها ما هو غير معلن. والثابت في كل ذلك إصرار إسرائيل على موقفها المنطلق من “أن ثمة فرصة أمامنا لن تتكرر فلماذا نفوتها”؟ وأياً تكن المواقف الدولية وعلى رأسها موقف الإدارة الأميركية وتحديداًَ الرئيس ترامب وموفديه إلى المنطقة، والمواقف العربية الداعمة لـ “الشرع”، وموقف تركيا، فإن ذلك لا يغير شيئاً في برنامج إسرائيل. وفي آخر المعلومات الواردة من دولة الاحتلال بما هي خلاصة لنقاشات داخلية ومع جهات إقليمية ودولية أكد المسؤولون الإسرائيليون :
1- “لسنا على موجة واحدة مع الإدارة الأميركية حول الموقف من سوريا. هم يريدون الشرع وبتنسيق مع دول عربية. وللإدارة مصالحها. لكننا نختلف معها في خياراتها الحالية. لا يمكن الاطمئنان إلى هذا الرجل بعد سقطاته في الساحل السوري، وفي جرمانا والسويداء، وموقفه من الأكراد” .
2- “نعرف تماماً الواقع في السويداء وسجل كل صاحب دور فيها. نستفيد من الذين يرتاحون إلى دورنا ويراهنون عليه بعد ما ارتكبه النظام الجديد بحق أبناء المنطقة. لكننا لا نتماهى مع أحد. الصوت الدرزي مهم في الانتخابات المقبلة. نقيم حساباتنا بدقة. وأهدافنا الاستراتيجية تتجاوز حسابات كثيرين “. وتمنياتهم
3- “لا يمكن للشرع أن يحكم سوريا. وإذا حمته أجهزة مخابرات معينة من الاغتيال، فإن نظامه سيسقط وأقصى حد لذلك سنتان. ونحن على جهوزية تامة لتنفيذ عمليات جديدة واستهداف مقرات أمنية، والقصر الجمهوري أيضاً إذا كان ثمة ضرورة لذلك”.
4- “أكدنا في اللقاءات مع الجميع: الجولان موضوع غير قابل للنقاش. بات أرضاً إسرائيلية. لا عودة إلى اتفاق فك الاشتباك الموقّع عام 1974. الأراضي التي دخلنا إليها بعد وصول الشرع إلى دمشق سنبقى فيها. على هذا الأساس تُرسَّم الحدود مع سوريا. ونريد منطقة أمنية منزوعة السلاح من جبل الشيخ إلى دمشق. (نعم إلى دمشق) والمطلوب توقيع اتفاقية سلام تضم إلى الاتفاقات الإبراهيمية الموقعة معنا من قبل دول عربية أخرى”.
5- “ملتزمون حماية الدروز ونعمل على فتح ممر إنساني بين اسرائيل والسويداء وضمان أمنه”.
6- “مصرّون على ممر آمن من الجنوب إلى المناطق الكردية” وفي ذلك رسالة إلى تركيا من جهة، وإشارة إلى المشروع الاقتصادي النفطي الغازي المالي الاستراتيجي الذي ينسّق مع الهند ودول عربية وأميركا من جهة ثانية، والذي سيكلف مئات مليارات الدولارات لمواجهة المشروع الصيني العملاق “حزام وطريق” الذي خطا خطوات متقدمة في أكثر من موقع في العالم .
يكفي أن نقرأ هذه المواقف والتوجهات ونتمعّن بها ونتبصّر بأبعادها وخلفياتها لندرك حقيقة ما تريده إسرائيل، وما تقوم به في سوريا انطلاقاً من المنطقة الجنوبية وبالتحديد في السويداء، وهو يتجاوز كل الشعارات والاعتبارات المعلنة تحت عنوان “حماية الأقليات” وتحديداً الدروز .
الجرح في السويداء لا يزال نازفاً. متابعة وقائع ما جرى وما يجري اليوم يذكّر ببداية جولات الحرب اللبنانية في بداياتها. معارك. قتل. خطف. حواجز. خوات. ابتزاز. تهجير. مطالبات بإعادة مخطوفين ومفقودين. دفع فديات. وعمليات فرز سكاني. بالتأكيد هذا ليس في مصلحة سوريا ووحدتها، ولمصلحة الدولة السورية التي يجب أن تسرّع الخطوات التي التزمت بها لمعالجة آثار ما جرى في السويداء وهوله. المطلوب فك الحصار فعلياً في المحافظة. وضمان أمن الطرق. وإدخال المساعدات الضرورية، وإنجاز التحقيقات المطلوبة لتحديد المسؤوليات، ومعاقبة من ارتكب الجرائم والانتهاكات، والعمل بعد ذلك على تحقيق المصالحة بين أبناء المنطقة الواحدة، والتاريخ الواحد. إنها مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى. دولة القانون والحق والعدل والرعاية والمساواة بين المواطنين. كلما تأخر الوقت تمادت إسرائيل، وتعمّق الجرح واستفزت العصبيات والغرائز وازداد القلق على المستقبل ووحدة النسيج الوطني السوري. اليوم إسرائيل تحاول إغراق المنطقة بالمساعدات الغذائية، والإدارة الذاتية الكردية تعلن التبرع بمليون دولار أميركي ” للهلال الأحمر الكردي ” دعماً لأهالي السويداء وهذا كله يضعف دور الدولة ويطرح علامات استفهام كثيرة حول موقفها هنا وهناك، وبالرغم من تكرار تصريحات المسؤولين السوريين ” أن لا نية عدائية لديهم تجاه إسرائيل ” فإن الأخيرة تتصرف انطلاقاً من نياتها العدائية تجاه سوريا وغيرها وإصرارها على فرض شروطها وعدم تفويت الفرصة المتاحة أمامها، وقناعة رئيس حكومتها ووزرائه أن إدارة ترامب ستندم على خيارها، وستكتشف أنه كان خاطئاً في مداراة بعض الدول العربية ومجاراتها من أجل مكاسب معينة مستحقة، وليس ثمة حاجة للوقوف على خاطر هذه الدولة أو تلك، إذ ليس ثمة خيارات مؤثرة لكل دول المنطقة اليوم أمام الاجتياح الإسرائيلي المستمر .
إن هذه الوقائع تفرض في المقابل على مرجعيات السويداء وأبنائها إدراك مخاطر ما يجري وعدم غرق بعضهم في الرهان على إسرائيل “وعاطفتها” واندفاعها لحمايتهم. ورغم كل ما جرى والجراح العميقة فإن لكل شيئ نهاية. لا بد من تجنّب الوقوع في التعميم، فالمشكلة ليست ولا يجوز أن تكون سنية – درزية أو درزية – بدوية، ويجب أن يتذكر الجميع أن ثمة عشائر أيضاً في إسرائيل لها دورها ونفوذها، ودولة الاحتلال مضطرة أيضاً إلى مراعاتها، فتدير هي اللعبة وتحدد ضوابطها وفق مصالحها، تنظم الخلاف لتنظم الاتفاق. لعبت سوريا اللعبة نفسها في لبنان وكانت النتيجة معروفة. اليوم تلعب إسرائيل الدور نفسه على أرض سوريا والنتيجة ستكون كارثية. فهل ثمة من يتعلّم؟
المدن
————————-
الذاكرة الجديدة للدروز.. انكسار الهوية الوطنية رمزيًا/ نوار جبور
3 أغسطس 2025
لم تكن الأحداث الأخيرة في السويداء عادية بأي شكل من الأشكال، بل إن افتراض “الاعتياد” نفسه هو ما ينبغي تفكيكه. “العادي” هنا لا يشير إلى الحدث بذاته، بل إلى آلية تعويمه في الوعي العام، وتقديمه كجزء من المشهد السوري المفتوح على الجراح.
ما يحاول جمهور السلطة الجديدة فعله، هو القياس على عذابات السوريين مع نظام الأسد تارة، وتحميل فصيل معين مسؤولية الخيانة التي يُقال إنها أدت إلى المجزرة تارة أخرى، ضمن سردية تقوم على المقارنة في عدد القتلى، والمساواة بين الجراح، وتحويل المجازر إلى مسألة نسبية.
المطلوب من الناس أن يعتادوا، وأن يقبلوا الجريمة كأمر عابر. وما يُعاد إنتاجه، سيتحول إلى “عادي”. هذا التطبع مع العنف يصنع، رويدًا رويدًا، قياسًا ممنهجًا: ما فعله النظام السابق يُستخدم لتبرير ما تفعله السلطة الحالية، وكأن كل ما هو أقل من مجازر الأسد يمكن تجاوزه.
لكن هذا ليس تأقلمًا، ولن يكون كذلك، بل هو توليدٌ لشيء جديد تمامًا. وضمن هذا المشهد، لم يعد في سوريا أي إمكان لتعطيل سرد الضحايا عن أنفسهم، ولا أن تحتكر أي سلطة سرد ما يحصل. لا يمكن محو الجريمة، وخاصة حين يملك الضحايا أدوات الدفاع عن سردهم الخاص.
ما حدث في السويداء لا يمكن فصله عن ولادة سياق تأسيسي. الحدث التأسيسي، كما تفهمه الذاكرة الجمعية، ليس مجرد لحظة، بل لحظة تُبنى عليها رؤية الناس للعالم، لأن المجزرة لا تُنسى، ولا تُفهم، ودون التصالح تتحول لبنية خاصة وذاكرة تأسيسية للجماعة الأهلية. فبدل أن تُفهم كمشكلة، تُخزّن في الدم، وتنتقل بالعدوى بين الأجيال.
أكثر من 1500 قتيل، وعشرات الروايات عن القتل المُمنهج، والقتل الفرجويّ الذي يتلذذ بتقديم العنف كعرض مسرحي. الرعب لم يكن فقط في الفعل، بل في الخطاب الموازي له – في الصور، والفيديوهات، والشهادات التي نقلها الأصدقاء، والأقرباء، وحتى المتعاطفين من بعيد.
العنف ضد السويداء لم يكن فقط عنفًا جسديًا، بل كان عنفًا رمزيًا، إعلاميًا، جماعيًا، شاركت فيه منصات السلطة، وأجهزتها، وميديا تتقن هندسة الخوف.
منذ الثورة السورية الكبرى 1925، والعلاقة المعقّدة التي نشأت بين ساسة دمشق والسويداء، بدأ يتشكّل في المجتمع الدرزي بُعد نفسي خاص لفهم المعنى السوري والانتماء إليه. في مكانٍ ما، يمكن القول إنّ الذاكرة التأسيسية للمجتمع الدرزي ساهمت في خلق مخيال وطني سوري، يرى في المقاومة للاستعمار الخارجي جوهرًا للهوية، وفي الانخراط الجماعي صيغة للكرامة والاستقلال، لا للخضوع ولا للفرض.
لكن ما حدث في السويداء لا يُشكّل مجرد امتداد لذاكرة قديمة، بل تحولًا جذريًا في البنية الرمزية للانتماء. فمنذ عقود، لم يُعرف الدروز أنفسهم إلا ضمن سردية وطنية كبرى، يرون فيها مشاركتهم جزءًا أصيلًا من الحكاية السورية الجامعة، ويفهمون موقعهم من خلال أدوارهم في مقاومة الاستعمار وبناء الوطنية السورية. أما بعد المجزرة، فثمة ما ينكسر. ليس فقط في الذاكرة، بل في المعنى الذي كانت تحمله تلك المشاركة.
ستولد سردية جديدة، لا تُنكر الانتماء السوري، لكنها تعيد رسمه من موقع الجرح لا البطولة، ومن شعور بالاستباحة لا بالفاعلية. وهذا التحوّل لا يبدو مجرد أزمة وجدانية، بل نقطة انعطاف تأسيسية لهوية جماعية بدأت ترى نفسها خارج الدولة، وربما ضدها.
هذا التصور الجمعي لم يكن شعورًا طارئًا، بل ترسّخ عبر رموز وطقوس واحتفالات شكلت إطارًا مرجعيًا لفهم سوريا، ارتكز على الثورة السورية الكبرى ودور سلطان باشا الأطرش. لأكثر من سبعين عامًا، حافظ المجتمع الدرزي على هذه المرجعية كدعامة أخلاقية وسياسية، تبرّر موقفه من الدولة، وتمنع تحوّله إلى مجرد “أقلية” ضمن سردية سلطوية.
لكن في المقابل، وعلى مدى خمسين عامًا من حكم الأسد، جرى تشييد خطاب بديل: تبدأ فيه الوطنية من حافظ الأسد وتنتهي بجهاز الأمن، وتُزرع رموز جديدة على أنقاض الرموز الأولى. ورغم ذلك، ظلّ في وجدان السوريين أن السرد المؤسس للهوية السورية لا يبدأ من “الحركة التصحيحية”، بل من جبل العرب، ومن ساسة دمشق الذين فرّوا ليكونوا جزءًا من الثورة.
خطورة اللحظة اليوم أن السلطة الجديدة لا تعترف بهذا التأسيس الرمزي، ولا تعتني بما هو تخييلي أو مشترك؛ تتعامل مع الحكم كإدارة للأرض لا كحمل للمعنى. بينما الدول لا تُبنى من الجغرافيا وحدها، بل من الاشتراك في قصة موحّدة: في سرد يُعبّر عن الناس، ويشمل ذاكرتهم الفنية والثقافية والتاريخية؛ حين يضحكون من مسرحية، أو يجدون في شخصية فنية صورة لهم.
اليوم، نشهد كلمات تُستخدم بمعانٍ جديدة. ما لا يدركه جمهور السلطة هو أن معيار “الأقلية” و”الأكثرية” لم يكن، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، مطروحًا بوصفه عائقًا أمام بناء الهوية الوطنية أو كمعيار يمنح شرعية التمثيل. بل على العكس، كثيرًا ما ساهمت الجماعات المصنّفة “أقليات” في تأسيس سرديات وطنية شاملة، صاغت مفاهيم السيادة والمشاركة والانتماء لجموع أكبر منها عددًا.
وكأن السلطة تنقلب على أحد أهم إنجازات الدولة الحديثة: اعتبار التمثيل اعترافًا، لا إحصاءً. فتجعل من الأقلية موقعًا للعزل، لا مساحة للشراكة. وبالتالي، فإن تهميش الدروز لأنهم أقلية لا يُعبّر فقط عن تقليص سياسي، بل عن إلغاء رمزي لدورهم التأسيسي في الوعي السوري.
تصنيف الدروز اليوم على أساس الحجم العددي فقط لا يُقصيهم سياسيًا فحسب، بل يُحوّلهم في المخيال العام من شركاء مؤسسين إلى ضيوف رمزيين، وأكثر من ذلك أنهم يملكون جرحاً يبدو أنه لن يندمل، ما يخلق فجوة في شعورهم بالانتماء، ويُعمّق خطاب الجرح والهامش، ويدفع نحو انغلاق رمزي يُهدد أي إمكانية لبناء مشترك وطني مستقبلي.
الترا سوريا
—————————
كيف تريد إسرائيل أن تكون “سوريا الإبراهيمية”؟/ عمار زيدان
مفاوضات بلا سلام… هل تقايض إسرائيل أمن الجنوب السوري بالتطبيع؟
2025-08-04
شهدت العقود الماضية جولات من المفاوضات الثنائية بين سوريا وإسرائيل لكنها في الوقت نفسه لم تفضِ إلى اتفاق مبرم علني، لتبقى العلاقة بين الجانبين وخاصة بعد حرب 1973 قائمة على التصريحات العدائية من جهة نظام الأسد والذي اشتهر مسؤوليه بعبارة “سنرد في المكان والزمان المناسبين”. بالمقابل كانت تل أبيب تشن ضربات مكثفة ضد قوات النظام المخلوع والتواجد الإيراني في سوريا وكذلك بعد سقوط النظام ضد أهداف عسكرية على امتداد الجغرافية السورية إلى جانب التوغل البري والتمركز وإنشاء قواعد عسكرية جنوبي البلاد.
وفي ظل التحولات المتسارعة في العلاقة بين دمشق وتل أبيب خلال الأشهر القليلة الماضية، ظهرت إشارات متعددة عن مفاوضات قد تفضي إلى عملية تطبيع أو اتفاق سلام، وكل ذلك جاء بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا ودعمه للإدارة الجديدة مع حديثه عن رغبته بإحلال السلام في المنطقة، يضاف إلى ذلك إشارات أرسلتها الحكومة السورية لعل أبرزها ما جاء على لسان المبعوث الأميركي توم باراك في 29 حزيران / يونيو الماضي عندما قال إن الرئيس السوري أحمد الشرع “أوضح أنه لا يكره إسرائيل، وأنه يريد السلام على هذه الحدود”.
كل هذه الأحداث التي جرت خلال فترة قصيرة تطرح تساؤلات حول نوعية الاتفاق التي ترغب به إسرائيل وهل تريد أن تكون سوريا دولة ضعيفة ضمن أي عملية سلام مُحتملة تحت مسمى “الاتفاقيات الإبراهيمية”؟
ويقول الصحفي السوري حمزة السيد لـ”963+”، إن “إسرائيل تعتمد في المفاوضات مع الحكومة السورية على مبدأ المساومة حيث بدأت بعد سقوط النظام المخلوع بإنشاء قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية ثم جاءت أحداث السويداء لتتدخل بشكل مباشر تحت ذريعة حماية الدروز”.
ويضيف: “ما فعلته تل أبيب مؤخراً في سوريا هو عبارة عن خطة تتضمن طرح هذه الأوراق للحكومة السورية أثناء المفاوضات بينهما لتحقيق مكاسب وتنازلات من قبل دمشق”، مستبعداً في الوقت نفسه “أن تعمل إسرائيل على محاولة تقسيم سوريا وخاصة في الجنوب كون ذلك سيؤثر عليها بشكل كبير من خلال الانفلات الأمني الذي سيزيد من نشاط مجموعات موالية لإيران مازالت تتواجد هناك”.
وشكل عام 2020 منعطفاً حاسماً في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي بعد أن أُعلن عن توقيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” بين إسرائيل ودول عربية، في خطوة وُصفت بأنها تغيير جذري في خريطة التحالفات والمصالح الإقليمية.
ونص إعلان “الاتفاقيات الإبراهيمية” على التزام الأطراف الموقعة بأهمية الحفاظ على السلام وتعزيزه في منطقة الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم، والدعوة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى ترسيخ الحوار بين الأديان والثقافات، مع الإيمان بأن السبيل الأمثل لمواجهة التحديات يتمثل في التعاون والحوار، والسعي إلى القضاء على التطرف والنزاعات وترسيخ قيم التسامح والاحترام لكل فرد ومواصلة العمل من أجل رؤية شاملة للسلام والأمن والازدهار في الشرق الأوسط والعالم.
ويرى الكاتب عزيز سليمان، أن “إسرائيل لديها مشروع قديم وجديد تجاه سوريا قائم على إبقاءها دولة ضعيفة بكافة مؤسساتها على الأقل في المدى القريب وهو ما ظهر واضحاً من خلال تدخلاتها في جنوبي سوريا واستمرار عمليات القصف حتى بالتزامن مع إجراء جولات مفاوضات مع مسؤولين سوريين”.
وتوقع سليمان أن تشهد الفترة القريبة المقبلة حدوث توافقات سورية – إسرائيلية مشتركة على العديد من النقاط الخلافية خاصة في جنوب البلاد دون أن يكون هناك عملية تطبيع أو اتفاق سلام شامل بالوقت الحالي.
+963
————————-
عن خمسة أيام جرشت روح السويداء؛ بشراً وسكناً وزرعاً وضرعاً.. ومزقت روحي الحبيسة في برلين/ نجاة عبد الصمد
مما فعل “الأمن العام” بأسرتي وبروحي
04 آب 2025
بعد زيارةٍ أولى سريعة بعد سقوط نظام الأسد، كانت الروائية السورية نجاة عبد الصمد، المقيمة في برلين، تحزم حقائبها تحضيراً لعودة أطول هذه المرة إلى مسقط رأسها السويداء، لكن الاشتباكات التي أندلعت في ١٣ يوليو/تموز بين الدروز والبدو، وكان يفترض لها أن تتوقف سريعاً بعد تدخل “الأمن العام” التابع لسلطة دمشق، تواصلتْ واتّسعتْ. لم تتحطم أحلام العودة فحسب، بل توجب على نجاة أن تخشى فيها على أمن وحياة زوجها، وشقيقها، ووالدها، المسن الجليل، من “أمن عام”، وجيش البلاد، الذي أحال أياماً خمسةً من حياتها إلى جحيم، تسرد لنا تفاصيله في هذا النص، الذي لا يمكن له، إلا أن يكون ذاتياً.
يدي تحضن بطاقة سفري: برلين- بيروت ثم إلى السويداء يوم 15 تموز.. وحقائبي محزومة. فيها شوكولا لأهلي، فلم يذوقوها منذ زمن.. فيها هدايا عمليّة لهم وكومة ثياب لي، فسوف أقيم هذه المرة طويلاً هناك.. تدغدغني الخيالات.. سوف تلاقيني ألف ضحكةٍ وضحكة، أشبع من عناقهم أولاً، أنام آمنةً في سريري العتيق، أفيق، أشرب قهوتي العربية مع زوجي.. وأنطلق، كأي إنسانٍ عاديّ، للعمل في عيادتي وافتتاح مركزٍ لتعليم وتمكين النساء، وأتابع كتابتي من أرضٍ أشعر بصلابة صخرها تحت قدميّ كما لم يمنحني أيّ مكانٍ آخر..
13 تموز/ يوليو
تطلع الأخبار؛ بدأت الاشتباكات وأُغلقت المعابر للخروج من السويداء.. فقط إليها، ولجماعاتٍ بعينها. جماعاتٌ منفلتة تجتاح القرى الغربية والشمالية من ريف السويداء، تقتل وتحرق البيوت، تقتطع الزيتون ثم تحرق البساتين، وينزح أهل القرى أفواجاً، عميان العيون عن وجهةٍ محدّدة يلوذون إليها. جماعاتٌ من درعا تهاجم القرى الجارة لدرعا، قرية “الدويرة” في الريف الغربي، مسقط رأسي ومسكن أخوالي، وجارتها “تعارة” المولودة بمعظمها من انتقال أبناء الدويرة إليها، تحترقان، كذلك قرية “الدور” و”الطيرة”.. ثم أبعد، “الثعلة”، “كناكر”، “عرى”.. ومن الريف الشمالي.. من “الصوة الكبيرة” حتى تخوم “أم الزيتون”.. قرى كثيرة، كثيرة، واشتباكٌ بين الدروز والبدو في السويداء، معمعاتٌ تجول وتستشري وتتوسع، ويا هلع قلبي من أن تعمّ!
أهرع إلى مكتب السفريات، سأؤجل سفري أسبوعاً، أطمئن نفسي: سيدخل الأمن العام ويفضّ الاشتباك وتهدأ المدينة ومن بعدها ريفها.
يقول صاحب المكتب: أجّلي أكثر.. أو لا تسافري!
أنا محبوسةٌ في برلين..
14 تموز/ يوليو
خوفي صار حقيقة، صار رعباً شخصيّاً هذه المرّة.. أهلي كلهم في السويداء، وأختي نزحت من قرية “نجران” إليها، وقد وصل المهاجمون إلى تخوم مدينتنا! كلّ أنسيٍّ، كل شبرٍ منها يعنيني، لكنّ سلامة أهلي هي الهاجس الأمضّ، الأمضّ..
زوجي، الطبيب الجراح أسامة أبو الحسن بقي حتى ما بعد منتصف الليل في المشفى، يشتغل، وفق الحاجة، طبيباً وممرّضاً وعتّالاً وعامل تنظيفاتٍ معاً، ومعه ابن أختي تيم، طالب سنة رابعة طب، بعدها غادرا ليرتاحا قليلاً ويعودا في الصباح التالي.
أتصل بأمي، يرنّ هاتفها ولا تردّ. أمي لا تردّ! ما الذي يمنع أمّاً عن الرد على هاتف ابنتها؟ أُسكّن قلبي: يمكن مشغولة، الموبايل بعيد عنها، ما سمعت.. أكتب لأختي نهى، تقول بهدوءٍ ضاعَف رعبي: “الكهرباء والماء والإنترنت مقطوعة، نحن في البيت، أبي يرفض الخروج، تجهّزنا بالعصيّ وسكاكين المطبخ، وقنبلة، خيارٌ أخير، نشدّ صاعقها لتقتلنا إذا ما، لا سمح الله، لم يقتلونا إنما قرروا خطفنا.
تتقاتل خيالاتي ما بين خيارات الحرق والقتل والإصابات وخطف النساء.. يتوضّح بسرعةٍ قياسيّة، أنّ الجماعات المنفلتة ليست إلا قوى الأمن العام ومَن تنكّروا بزيٍّ آخر، تحت قيادته وتوجيهه، فهذا الأمن العام لم يدخل، ولو برتلٍ نظاميٍّ واحد، عبر طريق دمشق السويداء، بل كانوا هم عصابات الغزو التي بدأت منذ أمس باجتياح الريف من كل مكانٍ ما عدا طريق دمشق السويداء، المغلق بأمر الحكومة منذ يومين.
الشريان الرئيس والوحيد للمحافظة مغلق، ولا ماء ولا كهرباء ولا محروقات ولا انترنت.
السويداء محاصرة.
15 تموز/ يوليو
انقلب العالم صباحاً، سيطر الغزاة على المدينة، أهلها ينزحون إلى القرى الشرقية والجنوبية من ريف السويداء، التي لم يُشنّ هجوم من صوبها.
تكتب أختي نهى: “أختي شفيقة وعائلتها صاروا في صلخد، نجوى وأولادها صاروا في امتان.. آمال عالقة في دمشق حيث كانت في زيارة عمل، أخي قاسم حمل بشاحنته الصغيرة (بحجم سوزوكي لكنها صناعة صينية) زوجته وأولاده وزوجة وأولاد أخي سامي إلى قرية الكفر، الآمنة حتى حينها، وأنا وأمي وأبي وبقيتنا ما نزال في بيتنا.
يكتب زوجي: أنا محبوسٌ في البيت، حذّروني أنّ الطريق إلى المشفى ساحة معارك، هذا غير القنّاصين.
أقرأ على فيسبوك: *قنص الدكتورة فاتن هلال برصاصة في رأسها وهي في طريقها إلى المشفى. أُكذّب الخبر. د. فاتن زميلتي وطبيبتي.. طيب وأخلاق الدنيا يجتمعون فيها.
*مجزرة لرجال آل رضوان المجتمعين، مدنييّن عُزّلاً، في مضافتهم، أجسادهم مشلوحة على أرضها، دمهم يعوم، صور المجاهدين على جدارها مثقبة بالرصاص. يا ربّ الكون: هذه المضافة ليست بعيدةً عن بيت أهلي، أهمس لنفسي.
*عجيان يحلقون شوارب شيخٍ ثمانينيّ، ليوافق السُّنّة النبوية، يقولون هازئين، ويده نصف اليابسة لا تطاوعه في ردعهم عن أحد رموز كرامته. سأعرف فيما بعد أنه الشيخ مرهج شاهين، هجموا على مضافته في قرية الثعلة وهو بين تشكيلة دلال القهوة والنحاسيات التي يهوى جمعها، ويقال إنّ طعم قهوته لا يُضاهى..
* أربع إخوة من آل قرضاب، جامعيون وطلاب جامعة، صفّوهم بالرصاص أمام عيون أمهم وأبيهم.
*تناشد صبيّة: “نداء لمن يعرف أي خبر عن رجال عائلتي، ثمانية من آل سرايا، حسام من بينهم يحمل الجنسية الأمريكية، أخذهم الأمن العام”.
شخصياً، أعرف نصف هؤلاء الرجال، أضبط حدسي يتمتم: لن يأتيها سوى خبر شؤمٍ حلّ بآل سرايا.
كلّ ما كان رعب خيالٍ تجسّد صوراً واقعية. الكوابيس التي راودتْنا ونحن نقرأ عن مآسي (الآخرين)، أصبحنا، نحن، في قلب دائرتها.
تكتب أختي نهى: لا ترسلي رسائل صوتية، اكتبي فقط باختصارٍ شديد، فنحن نقنّن وحدات الموبايل، لا صلة لنا بالعالم سواها، أخبرنا قاسم أنه أوصل الأطفال والنساء وهو في طريق العودة. تكتب بعد قليل: تأخّر قاسم، وهاتفه لا يردّ..
أخي قاسم يشتغل في الخبز ولم يحمل سلاحاً يوماً..
تكتب شقيقتي نهى بعد قليل: بعد عشرات الاتصالات الخائبة على موبايل أخي، ردّ صوتٌ غريبٌ على آخرها، يضحك: “قاسم؟! إي معنا.. ذبحنالكن اياه من الذينة للذينة”.. سمعتها أمي التي أنجبتْ تسع بنات قبل أن يأتيها قاسم..
أتحجّر في زاوية الكنبة في شقتي البرلينية الصغيرة، أصطكّ كلّي.. من شعر رأسي حتى أخمص قدميّ، أسمع اصطكاكي كأنه قرقعات جسدٍ غريب عني، آتٍ من عالمٍ آخر.. أسمع لساني، كأنه لا ينتمي إليّ، يتمتم بالـ (اللجمات) التي سمعتها من ستّي قبل خمسين سنة، علّمتنا كيف نقولها إن صادفَنا كلبٌ هائج، وظننتها اندثرتْ مني منذ أصبحتُ خرّيجة كلية الطب، العلمانية.. فإذا بها تتلبّسني ويتمتم لساني وقلبي بها من برلين.. عسى فيها شفاعةً لأخي..
لا أستطيع ضبط أصابعي لتعاود البحث عن رسالة واتساب جديدة من أختي. بكل عسر، أضبط أصابعي لتنقر حروفاً كثيفة، بالعدد الأقل من النقرات، سؤالاً مختصراً لزوجي الطبيب، يُفترَض أنّ أعصابه أمتن قليلاً من أعصاب الآخرين. “خيّي.. قاسم.. شو..؟” وعليه أن يجيبني فقط بكلمةٍ وحيدة: كذب.. ينشرون إشاعاتٍ توهن النفوس، أخوكِ بخير.. أخوكِ حيّ، وسأصدّقه لأنني لن أتقبّل أن يكتب لي سوى ما أريد سماعه..
يكتب لي زوجي: “سأذهب الآن للبحث عنه على طريق الكفر”، حيث يفترض أن يكون أخي.
يتكثّف وعيي على غير انتظار: “إياك أن تغادر البيت..”. أردع زوجي، بعنف، عن إسعاف أخي أو حتى حمل (جثته). جثّته! يا للكلمة الطاعنة. زوجي سند أهلي بعد أخي، ولا تحتمل عائلتي خساراتٍ جديدة..
جسدي يصطكّ، أفكاري تنمعس، تنهرس، تتطعّن؛ كيف هي حال أمي الثمانينية الآن؟ هل طقّت وماتت؟ كيف هو أبي، 85 عاماً، الجويّد الوقور الصبور ذو الشاربين الأبيضين المسترسلين دون تشذيب، كما خلقهما الله، واللحية البيضاء الطويلة؟ هل لا يزال على رزانته؟ هل طقّ صبره هو الآخر وفقعتْ روحه بصمت؟
تكتب أختي: “أبي سيذهب الآن إلى شيخ العقل، يوسف جربوع، ليتأكد منه حول خبر أخي، وليساعده رجال الشيخ جربوع في معرفة مكانه لاستعادة جثته..”. هل من حقي ردعُ أبٍ عن محاولة أي فعل لينقذ ابنه أو (جثة) ابنه؟!
نعم وفقط نعم. من حقي أن أُحذّر أبي، الحيّ حتى اللحظة، من احتمال الموت أو الإهانة. فلا انترنت لدى أهلي ليروا على فيسبوك فيديو مجزرة آل رضوان ولا فيديو حلاقة شوارب الشيخ الثمانيني، في لحظةٍ أخال جرماً شبيها يُرتكَب بأبي فيما لو أمسك به البرابرة، أكتب لأختي: “إياكم أن يخرج أبي أو أحدكم من البيت..”.
أصحو من اصطكاكي على رنين هاتفي، أستوعب أنّ ثلاث ساعاتٍ قد انقضت. زوجي يغامر باتصالٍ صوتيّ يستهلك وحداتٍ هاتفية ثمينة، هي الثروة الأغلى وسط الحصار: “قاسم حيّ، أوصله أحدٌ ما إلى المشفى، سمعتُ صوته فيما الممرّض يخيط جراحه.. لم يذبحوه.. جراحٌ فقط.. فقط أخذوا سيارته وموبايله..”
سوف يتوضّح الخبر فيما بعد:
أمّن أخي قاسم على أطفال عائلتنا وقسمٍ من نسائها وعاد. في طريق عودته رأى نساءً ورجالاً جرحى، أصعدهم معه إسعافاً إلى المشفى الوطنيّ. أنزلهم وتابع إلى البيت. رأى شابّاً ومعه طفل، أصعدهما، الشاب يريد تأمين الطفل ثم يأخذ سلاحه من بيته ويلتحق بالمقاتلين.
قال أخي للشابّ: “الطريق الذي تطلبه خطر.. أوصلُك إلى أقرب مسافةٍ ممكنة منه، ويبقى ابنك عندنا في البيت”. فجأةً أوقفهم حاجزٌ لجماعة الأمن: طلبوا الموبايلات.. لا شيء لفتَهم في موبايل أخي. في موبايل الشابّ الراكب معه صورةُ رفيقٍ له، مع بارودته، وتسجيلٌ صوتيٌّ من ذلك الرفيق: “إذا استشهدت، اعمل صورتي ستوري على واتساب”. صاح رجل (الأمن العام): آه يا خنازير، انزلوا من السيارة. أبعدوا الطفل جانباً.. بطحوا أخي في عربة شاحنته، وقربه مرافقه الشابّ، الذي لم يسأله أخي عن اسمه، صعد بعضهم فوق جسديهما.. وساق أحدُ الجنود شاحنة أخي.
لا أحد يعلم ماذا حلّ بالطفل المتروك على الطريق..
في العربة الصغيرة وقف جنودهم على ظهر أخي ومرافقه، يرفسونهما ويضربون ويضربون ويقولون (يا خنازير)، وأخي لا يعرف أنه يُضرب بالسكين. قال أخي إنه لم يشعر بألم بل بثقل رفسات أبواطهم، سمع أحد شباب الأمن يقول لرفاقه من جماعتهم: (خلينا نزتّه)، شعر أنه يريد إنقاذه حقا.. شكراً من القلب لهذا الجندي الصغير الطيب. يتذكر أخي أنه، وفيما يرمونه، رأى أبواط الجنود ملطخةً بالدم، حينها تحسّس ظهره، فامتلأت يده بالدم، وأفاقت أوجاع جسده كله..
قبل أن يُغمى على أخي، يذكر أنّ أحدهم سقاه ماءً، وكان هذا الطيّب يُعطي ظهره لزملائه كي لا يروه يسعف جريحاًز. لا يعرف أخي مَن ولا كيف أسعفوه.. كان ظهره مليئاً بطعناتٍ من رأس سكين، أحدها اخترق عضلة في كتفه، لم يتوقف نزفها إلا في المشفى بعد الخياطة، هو ما أخبر أحدُ الممرضين لزوجي على الهاتف.
لم يكونوا قد ذبحوا أخي (من الذينة للذينة) كما أخبروا أهلي، كان فقط خطاب ترهيبٍ وإرعاب.
خرّجوا أخي من المشفى لاكتظاظه بمصابين جراحهم خطيرة، مشى بصعوبة إلى بيت أقارب لنا قرب المشفى، بقي عندهم ليومين لا يستطيع الوصول إلى البيت، وأبي وأمي وأخواتي وحدهم فيه..
16 تموز/ يوليو
المشفى محاصر بالدبابات، صباح ذلك اليوم. قتلوا زميلنا الدكتور طلعتْ عامر، وهو من أمهر جرّاحي سوريا، على حاجز قرب المشفى، فيما كان متوجهاً ليقف إلى جانب الطاقم المحاصر داخله. قالوا لزوجته على الهاتف: “بدلته الخضرا صارت حمرا”.
انتشر فيديو إعدام آل سرايا رشاً بالرصاص في ساحة خلدون زين الدين، بثّه القتلة أنفسهم.
هجموا ظهراً على بيوت حارة أهلي، وهي من أفقر الحارات، نائيةٌ عن كل حاجزٍ أو نقطة اشتباك، وقد هشل كثير من سكانها منها. ركَن رجال الأمن العام سيارتهم أمام بيت أهلي، ودخلوا. قال لهم أبي: “إذا جايينا ضيوف تفضلوا البيت بيتكن ونسقيكم قهوة..” أشار واحد منهم بيده إلى لحية أبي، وأبي رجل دين، 85 عاماً، ويمشي على عكاز، قال له: “مبيّن من ذقنك إنك شيخ عشيرة.. هات خبرني: مين هو الهجري؟. شيخي. تبرّأ منه. لن أتبرّأ. اشتمه. لن أشتمه. إذاً أنت معه!. هذا شيخ طائفتي. لن أشتمه، ولستُ مع أحد!
صوّب رجل “الأمن العام” سلاحه إليه. قال أبي وهو يستند على عكازه: “ان كنت زلمي صفّيني..”. ركضت أختي نوال، وقفت أمام أبي وصاحت: “اقتلوني أولا ثم اقتلوه..”. أسرعتْ أمي الثمانينية على عكازها وانضمّت لأختي: “اقتلنا إلنا بالأول وبعدين اقتلوه..” كأن يد رجل “الأمن العام” لم تطاوعه بالضغط على الزناد، لا بدّ أنه تربّى لدى أمّ طيّبة أحسنت تربيته. مضوا وتركوهم أحياء..
اكتشف أهلي بعد مغادرتهم، أنهم سرقوا المال وكثيراً غيره من بيت أخي، وحطموا آلة العود التي يتدرب ابنه على العزف عليها.
وصل خبر استشهاد إياد ابن عمي، المتديّن الروحاني، بحُسن أخلاق يوسف الصديّق، خطّاطٌ فنّان، عدوّ كل سلاحٍ أو معركة، قُتل في بيته.
مساء، وحين غادر الجنود الحارة، تجرأ أهلي على العبور إلى بيوت الجيران الملاصقة، ليكتشفوا أنّ سبعةً من الشباب العُزّل، في البيوت الملاصقة لبيتنا، (أسماؤهم عندي اسماً اسماً..) مقتولين في بيوتهم، وحلقوا شوارب ثلاثة آخرين من رجال الدين أعمارهم تتجاوز الستين، وخطفوا اثنين منهم، وأخذوا كل المال والذهب وموبايلات الجميع.
أشرد وأضبط نفسي أبتسم وسط نحيبي الصامت.. نبيل، أحد المقتولين، رفيق طفولة، كان يصنع لنا من أعواد القمح (زمّيرات)، ما كان أعذب صوت الصفير الطالع منها!
17 تموز/ يوليو
تكتب أختي: “كل لحظة عم نكتشف خازوق جديد..”. تكتب: “أحصينا اليوم قتلى جدد في البيوت الأبعد قليلاً عن بيتنا (موثقين عندي بالأسماء): أيمن وابنه رمّاح، عاصم، أمجد وأخوه وأولادهما الأربعة، عصام وأخوه، وابن عصام الذي عثروا عليه مختبئاً في خزّان فقتلوه. ضرب مبرّح وحلاقة شوارب لرجلين مسنّين وثالث شابّ. حرق: 2 بولمان وميكروباص واحد و3 سيارات. سرقة 4 سيارات. تكسير زجاج سيارة. تقطيع أسلاك سيارة”. حرق بضعة بيوت. سرقة معظم البيوت. أسماء الضحايا وأصحاب البيوت والسيارات موثّقة عندي.
اتصالات من الموبايلات المسروقة، شتمٌ لدينهم، استجرار الأهل إلى أماكن ما، ربما بهدف خطفهم أو ترويعهم وبثّ إشاعاتٍ لا تُحصى..
تكتب أختي في رسالة أخرى: اليوم سمعتْ بخبر اختطاف ابنة خالي، كان ذلك منذ 4 أيام. لا أتذكر إن كان في اليوم نفسه أو الذي بعده، عندما رأيتُ لقاءً على تلفزيون العربي مع رجلٍ بلباس العشائر يضع نساء في المقعد الخلفي لسيارته. قال إنه يتوجّه صوب درعا، خلفه امرأةٌ تتحجب على طريقة السّنّة وتتكلم باللهجة الدرزية: هني قالوا بدهن ياخذونا معهن”.
تنشب أحداث الساحل في رأسي.. تصفعني كلمة (مخطوفات..)، تتوالى الأخبار: خطف نساء من قريباتنا في الريف، بعضهنّ كنّ في المزارع حول القرى، بعضهن كنّ لائذاتٍ في المزار الدينيّ، ضربوا الرجال على رؤوسهم، كتبت امرأة نجا موبايلها منهم: “أكلونا بعيونهن.. قلت له لا تتطلّع فينا هيك.. قال لي: حقّكن رصاصة..). سوف أعرف فيما بعد أنّ ثمة رجال أولاد أصول في درعا هرّبوا سرّاً قسماً من النساء إلى جرمانا.. وبعضهن لا يزال مصيرهن مجهولاً حتى اليوم.
اليوم 03.08.2025 ما تزال السويداء محاصرة..
طبيبة وروائية سورية
حكاية ما انحكت
———————————
أزمة السويداء بلا حلول… وعودة الاشتباكات المتقطعة/ عدنان علي
04 اغسطس 2025
بعد مرور نحو 20 يوماً على تدهور الوضع الأمني في محافظة السويداء جنوبي سورية، ما تزال الأوضاع في المحافظة غير محسومة، وسط انسداد سياسي، وانغلاق قنوات التواصل بين فاعليات المحافظة والحكومة في دمشق. وشهدت ليلة السبت وصباح أمس الأحد تجدداً في الاشتباكات بين قوات العشائر وقوات الأمن السورية من جهة، والفصائل المحلية في السويداء من جهة أخرى، التي تقدمت في منطقة تل حديد قرب قرية الثعلة بريف المحافظة الغربي. وقالت مصادر محلية في المحافظة لـ”العربي الجديد” إن الفصائل سيطرت على تل حديد وتقدمت في منطقة المعامل قرب الثعلة، بينما تراجعت قوات العشائر وعناصر الأمن من المنطقة.
خرق وقف النار في السويداء
وعصر أمس، قالت وزارة الداخلية السورية في بيان إن “العصابات المتمردة لجأت إلى خرق وقف إطلاق النار في السويداء من خلال شن هجمات غادرة ضد قوات الأمن الداخلي في عدة محاور وقصف بعض القرى بالصواريخ وقذائف الهاون، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من عناصر الأمن”. واتهمت “العصابات المتمردة بمواصلة محاولات جر المحافظة إلى التوتر والفوضى”، مشددة على أنها “ستواصل واجباتها في السويداء بما تتطلبه حماية السكان وتأمين قوافل الإغاثة والمساعدات لهم”.
من جهتها، نقلت “الإخبارية السورية” عن مصدر أمني قوله إن “المجموعات الخارجة عن القانون خرقت وقف إطلاق النار في السويداء وهاجمت قوى الأمن الداخلي وقصفت عدة قرى في ريف المحافظة”، مشيراً إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل عنصر في الأمن الداخلي وإصابة آخرين. وأضاف المصدر أن الهجمات تزامنت مع “سعي حكومي لإعادة الاستقرار والهدوء في المحافظة تمهيداً لعودة الخدمات ومظاهر الحياة فيها”، معتبراً أن “المجموعات الخارجة عن القانون تعمل على إبقاء السويداء في دوامة التوتر والتصعيد والفوضى الأمنية، وتؤثر على عمل قوافل الإغاثة التي تصل إلى السكان”.
من جهتها، اتهمت فصائل السويداء قوات العشائر والحكومة بخرق اتفاق وقف إطلاق النار من خلال إطلاق قذائف صاروخية باتجاه السويداء وقريتي رساس وعرى. وقال بيان صادر عن “المجلس العسكري في السويداء” إنه “بناءً على ذلك الخرق ومن منطلق الحق المشروع في الدفاع عن النفس… قامت غرفة العمليات في السويداء بالرد المناسب… وتقدمت باتجاه نقاط الخرق وحرّرتها”.
تحرك في السويداء يطالب بفتح ممرات إنسانية، 28 يوليو 2025 (شادي الدبيسي/فرانس برس)
تقارير عربية
معضلة السويداء: أي حل سياسي ممكن لإعادة الاستقرار؟
وفي تطور آخر، ظهر قائد “المجلس العسكري في السويداء” طارق الشوفي في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، قال فيه إن مجموعة مسلّحة يقودها نورس عزام داهمت اجتماعاً في مدينة السويداء، واختطفته تحت تهديد السلاح. وأضاف أن المجموعة قامت بتصوير مقطع يُظهره وهو يُدلي باعتراف أُجبر عليه، يفيد بأنه كان على تواصل مع الحكومة السورية قبيل الأحداث الأخيرة في المحافظة. ونورس عزام هو أحد قادة المجموعات المسلحة التابعة للشيخ حكمت الهجري، ومن المعتقد أن له علاقة بتجارة الكبتاغون، وهو ما يشير إلى خلافات بين الفصائل الموالية للهجري و”المجلس العسكري” الذي أعلن عن تأسيسه في فبراير/شباط الماضي ويضم فصائل مسّلحة بالمحافظة ويجاهر بعلاقات مع إسرائيل. وتتنشر قوى الأمن الداخلي على أطراف محافظة السويداء، إضافة إلى قرى مثل المزرعة وولغا في ريف السويداء الغربي، بينما لا يوجد أي انتشار أمني لقوات الأمن الداخلي داخل المحافظة، حيث تسيطر الفصائل المحلية.
معاناة مستمرة
وفي شأن متصل بالوضع الأمني، تواصلت عمليات الاجلاء من المحافظة وإليها، حيث جرى، أول من أمس السبت، إجلاء 386 شخصاً، معظمهم أطفال ونساء، من محافظة السويداء إلى مدينة بصرى الشام التابعة لمحافظة درعا المجاورة، فيما خرجت، الجمعة، 77 عائلة عبر معبر بصرى الشام الإنساني، تضم 159 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وجرى تأمينهم إلى الوجهات التي اختاروها، وفقاً لبيان الدفاع المدني السوري. في المقابل، ذكر الدفاع المدني أن 55 عائلة، تضم 293 شخصاً، عادت إلى محافظة السويداء عبر المعبر نفسه.
وعلى صعيد الأوضاع الإنسانية في المحافظة، ما زالت المعاناة مستمرة في تأمين المستلزمات الأساسية للسكّان رغم دخول المزيد من قوافل المساعدات خلال الأيام الأخيرة. وقالت المحامية ديانا مقلد لـ”العربي الجديد” إنها تعمل مع مجموعتين للإغاثة في المحافظة، الأولى “فزعة جبل” والثانية “مروان أبو خير”، وتقوم المجموعتان بإيصال الطعام والاحتياجات الأساسية إلى العائلات الموجودة في مراكز الإيواء وإن بكميات قليلة، أو الحد الأدنى. وأوضحت أن هناك عائلات تستضيف أخرى، بحيث يضم البيت الواحد عائلتين أو ثلاث عائلات، وهؤلاء لا نستطيع الوصول إليهم بسبب عدم وجود بنزين للسيارات، خصوصاً في القرى. وأضافت: “قرية عرمان مثلاً فيها 4 آلاف شخص، نحاول مساعدتهم لكن الوضع صعب، وبات على شفا هاوية ولا نعرف إلى أي وقت ستكفي السلل الغذائية”. ولفتت إلى أنه “حتى في حال استطعنا إيصال السلل، لا يستطيع كثير من الناس الإفادة منها بسبب الافتقار إلى غاز الطبخ”. وأوضحت مقلد أن قافلة دخلت السبت ووزعها الهلال الأحمر السوري، لكن الكميات التي تدخل لا تسد سوى نذر يسير من الاحتياجات، مشيرة إلى أن أغلب الناس يعيشون حالة كفاف، حيث “حصة كل شخص يومياً، وأنا منهم، تبلغ نصف رغيف خبز فقط”، مشيرة إلى أن الأشخاص الذين لديهم أراض مزروعة يقومون بتوزيع الخضار والفواكه على الناس مجاناً.
من جهته، قال رئيس وفد اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي زار السويداء ستيفان ساكليان إن المساعدات الإنسانية الواصلة لا تزال غير كافية. ساكليان الذي عاد من المنطقة، أوضح لـ”راديو فرانس” أن الوضع “لا يزال مقلقاً للغاية”، إذ يفتقر السكان إلى كل شيء. وتابع: “هناك احتياجات غذائية، ومياه، وأدوية، وهذا تحديداً ما تستطيع القوافل الإنسانية التي بدأت العمل توفيره، وأرى أنه يجب تعزيزها في الأيام المقبلة”. ولفت إلى أنه “على كلا الجانبين (من الدروز والبدو)، لدينا أشخاص إما اختفوا أو اعتُقلوا”.
وتظل مشكلة الكهرباء هي الأبرز في المحافظة نظراً لأنها تؤثر بشكل مباشر على القطاعات الأخرى، خصوصاً توفر المياه التي تحتاج إلى كهرباء لتشغيل محطاتها وضخّها. وقالت الشركة العامة لكهرباء محافظة السويداء إنها تواصل أعمال الصيانة والإصلاح في عدد من قرى الريف مثل شقا وصلاخد وعمرة. وفي الشأن الحياتي أيضاً، أعلنت وزارة المالية السورية نقل الأرصدة المخصصة لرواتب موظفي القطاع العام في محافظة السويداء إلى فروع المصارف في مدينة إزرع بريف درعا، و”ذلك نتيجة الاعتداءات التي نفذتها جماعات خارجة عن القانون على فروع المصارف والمديريات العامة في السويداء”، وفق بيان للوزارة التي قالت إن الاجراء يهدف إلى “حماية العاملين في المصارف والحفاظ على المال العام”.
وفي ظل هذا الواقع الصعب على الصعيدين الأمني والمعيشي، فإن الجهود الرامية للبحث عن حلول سياسية لا تزال باهتة وصوتها خافت، حيث تسود المحافظة أجواء من التجييش ضد الحكومة. وقال مصدر من المجتمع المدني داخل السويداء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ”العربي الجديد”، إن “الشباب الذين تصدّوا لقوات الحكومة والعشائر ما زالت لهم الكلمة العليا في المحافظة. الأمور غير واضحة، بينما تُكتشف كل يوم جثث جديدة ومنازل جديدة محروقة”. ورأى أن ظهور مبادرات للحل من داخل المحافظة سوف يحتاج إلى بعض الوقت، وعلى الحكومة أن تتخذ إجراءات حسن نيّة، وتظهر جدية أكبر في التعامل مع مخاوف أهل السويداء وهواجسهم.
من جهته، لخّص الأكاديمي المتحدر من محافظة السويداء يحيى العريضي مطالب سكان المحافظة بـ”انسحاب القوات التابعة للحكومة الانتقالية، التي ارتكبت جرائم أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 مدني من أبناء السويداء، بينهم 258 حالة تصفية مدنية”. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد” أن “المطلوب فك الحصار عن السويداء الذي يمنع الحركة ويحول دون وصول سبل الحياة وحصر ذلك بإمدادات شحيحة”، موضحاً أن من أهم مطالب أهل السويداء “تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة مختلطة للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت، ورفض أي لجنة محلية تشكلها الحكومة الانتقالية”. وتابع: “هذه هي المطالب الحالية المستعجلة، ولا اهتمام للناس الآن إلا بجثث أحبائهم في قرى الشمال والغرب وإيقاف عمليات تدمير بيوت وآبار وأشجار 34 قرية ما زالوا فيها (في إشارة إلى القوات الحكومية)”. وحول إمكانية بدء حوار مع دمشق، أشار العريضي إلى أنه “لا أفق للحوار اليوم مع جهة معتدية لا تقرّ بالمسؤولية عن الكارثة التي تسببت فيها”.
وفي السياق، قال جبر الشوفي (الذي كان من أبرز معارضي نظام الأسد في السويداء)، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “لا حوار مع سلطة دمشق اليوم”، مشيراً إلى أن مطالب الأهالي في محافظة السويداء متعددة، أبرزها “كشف حقائق الغزوة البربرية والمسؤولين المباشرين عنها وإجراء محاكمة علنية لهم، قبل أي حوار يتجه للمشاركة السياسية ومؤتمر وطني شامل وإعلان دستوري معدل وحلّ الوزارة وقيام وزارة مؤقتة وكل ما يمكن أن ينهي هيمنة الهيئة (هيئة تحرير الشام) على سورية”، وفق تعبيره. وبرأيه، لا أحد يمثل السويداء اليوم “ممن تتداول أسماؤهم”، مضيفاً أنه “يمكن أن تمثلها نسبياً الهيئة الوطنية الاجتماعية، ومجموعات سياسية وثقافية سلمية ونسويات”.
——————————–
خطورة ممارسات الإذلال/ حسام جزماتي
2025.08.04
في منتصف الشهر الفائت، راقب السوريون مشاهد مؤذية واكبت الصدامات الدامية في محافظة السويداء، وتمثّلت في قيام مسلحين بقص شوارب رجال من الدروز، الذين يعتزون بالشاربين على نحو خاص.
وفي الموقف من ذلك، رأى البعض أن الدماء التي تسيل من أطراف النزاع كافة؛ القوات الحكومية لوزارتي الدفاع والداخلية، والفصائل المحلية في السويداء، وبدو المنطقة، وقوات الفزعة العشائرية، هي أولى بالاهتمام، مع ما صاحب ذلك من استباحة قرى وبلدات وأحياء وتهجير قسري لسكّان.
وربما قيل كلام مشابه في أثناء معركة الساحل، شهر آذار الماضي، حين تعرّض علويون لانتهاكات طلبت منهم، كالنباح أو نحو ذلك، في ممارسة لم تبدأ في تلك الأيام الدامية ولم تنته بعدها، وكذلك في حوادث متفرقة عندما يُلقى القبض على أحد مجرمي النظام السابق أو شبّيحته.
والحال أن الاستخفاف بهذه الممارسات نابع من نقص الحساسية تجاه كل ما هو غير عملي ومباشر، وإذا كان هذا النقص مما يمكن فهمه في الأجواء الحربية الموتورة السائدة، وفي حوادث فردية تجاه ضحايا أفراد؛ فإنّ حدوثه على نطاق واسع، ومن قبل “ممثلي” جماعة في حق أبناء جماعة أخرى بما يمس رمزياتها، كارثة لا يصح التهاون في الآثار العميمة التي ستتركها لوقت طويل.
وإذا كانت الحياة هي الحد الذي يهدف البشر، أفراداً وجماعات، إلى البقاء على قيده؛ فإنّ ذلك ليس مطلقاً في حال تعارضها مع “الشرف الرفيع”، الذي قد لا يسلم من الأذى من دون إراقة الدم، كما قال المتنبي، ويُلاحَظ هذا في مسارعة أفراد وجماعات ودول إلى خوض الحروب رداً على انتقاص أحسوه في “الكرامة”.
هذا طبع بشري عتيق، عبّرت عنه مجتمعات تقليدية بمصطلح “الشرف”، الذي يعني هنا عزة النفس والاعتداد الشخصي وعدم قبول الإهانة، وانتقلت المفاهيم ذاتها في الثقافة الحديثة إلى كلمة “الكرامة”، التي كانت من أوائل المفردات التي استخدمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ولعل السنوات الطويلة التي مضت على انطلاق الربيع العربي، ونشوء أجيال لم تعايش بداياته؛ غيّبت عن كثير من منتهكي اليوم أنه إنما انطلق من إهانة تعرّض لها بائع جوال شاب هو محمد البوعزيزي في تونس، دفعته إلى إحراق نفسه احتجاجاً، فانطلقت ثورات كانت الكرامة والحرية والعدالة والحقوق، بوصلتها لا المطالب المعاشية.
وإذا كان القتل والأسر والإجلاء وانتهاك الرمزيات من طبائع الحروب؛ فقد اعتاد البشر على أن ينسوا شهداءهم/ قتلاهم بعد مدة، وعلى أن يتبادلوا أسراهم، وعلى أن يعودوا إلى ديارهم، لكنّهم يحفظون الأذيات المعنوية الجسيمة في تاريخهم لتكون جمراً من الحقد يهدّد بالاشتعال مجدداً، خاصة وأنه من أهم أركان الإذلال وجود طرف ثالث شاهد يثبّت لدى الضحية شعور الخزي الذي قد يدمّر احترام الذات.
وهذا الطرف الثالث، أصبح في العصر الراهن متاحاً على نطاق واسع بالتداول المفتوح لصور وفيديوهات الحط من القيمة الاعتبارية للخصوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد تخطّي البشرية لاستخدام الإهانة كعقوبة سنّتها القوانين، إذ كان الشرقيون يلجؤون إلى “التجريص” بإجلاس المذنب، مقلوباً، على حمار وتلطيخ وجهه وتعليق جرص ينبّه أهل السوق ويحرّك فضولهم لمعرفة الجناية وحفظ ملامح مرتكبها، وكانت لدى الغربيين “أعمدة التشهير”، التي يوثّق إليها المعاقَب ويُدعى الغوغاء إلى المشاركة في إهانته برميه بالبيض الفاسد أو ما هو أسوأ.
وقد كفّ العالم المتحضر عن استخدام السمات الجسدية وسيلةً للتحقير، مثل وشم المدانين، أو حلق شعور النساء أو لحى الرجال، ولا سيما المتدينين، باستثناء أنظمة تبدو حديثة، لكنّها تختزن طاقات حقد أهلية بدائية، كما كان حال نظام بشار الأسد، الذي تسرّبت لعناصره مقاطع عديدة وهم يحلقون لحى المعتقلين أو ينتفونها.
وإذا كان السعي إلى وقف الأعمال المسلّحة في الواقع، ومحاولة ضبط حملات التحريض في العالم الافتراضي، من المعالم الأساسية لما يتم التنبه إليه؛ فإنّ إحداث الجروح الغائرة في ذاكرة الجماعات لا يقل خطورة، خاصة وأن هذه الممارسات ليست عبثية ولا بعيدة عن علاقات القوة.
فهذه الممارسات، تقوم بين قطبين يمتلك أحدهما السلطة على الموقف ولا يترك للآخر سوى العجز الذي يدفعه إلى الاستسلام لهذه الوضعية حفاظاً على الحياة بحد أدنى، مضحياً بمشاعر احترام الذات، خاضعاً لما يريده المعتدي من “كسر رأس” الجماعة عبر أفرادها، ويقوم بذلك أشخاص يشعرون بأن لديهم الحق، بالاستناد إلى سجل من المظلومية تتداوله بيئاتهم الخاصة، في فرض الهيمنة.
لكن عاقبة ذلك ليست مضمونة نهائياً على المستوى العام للبلاد، ولا في سياق المجتمعات المحلية المتجاورة التي تسجل سيَرها الشفوية قصص صراعاتها وتورثها للأجيال.
ولذلك يُعد التهاون مع هذه العدوانية التحقيرية اللفظية مدخلاً لافتتاح دورات قادمة من العنف، وهو آخر ما تحتاجه (سوريا الجديدة)، التي يجب أن تتشبث بأي فرصة لشق الدرب العسير إلى المستقبل.
تلفزيون سوريا
————————–
البحث عن عقلاء لإنقاذ وطن/ عدنان علي
2025.08.04
من الواضح أنّ العلاقة بين حكومة دمشق ومحافظة السويداء وصلت إلى طريق مسدود، فلا الحكومة قادرة على بسط سيطرتها على المحافظة وإعادة الأمور إلى نصابها، ولا فعاليات السويداء التي تتصدر المشهد اليومة، قادرة على الاستغناء عن الحكومة، في حين تزداد المسافة بعداً بين الجانبين مع مرور الوقت، من دون أن نشهد حتى الآن مبادرة عمليّة لجسر المواقف، سواء من الداخل السوري أم من الخارج.
ولتوضيح الصورة أكثر، يبدو أنّ المشهد اليوم داخل السويداء بمنزلة “حرب مفتوحة” مع الحكومة، وكل من يتجرّأ على اتخاذ موقف مغاير، يصبح ليس منبوذاً ومعزولاً فقط، بل مطارداً ولا يأمن على حياته.
ولاحظنا كيف أن الرؤوس الحامية، المقربة من الفصائل المحلية المسلّحة والشيخ الهجري، تطارد وتخوّن كل مَن لا يصطف ضد الحكومة، ونشرت بالفعل أسماء بعض هؤلاء وفي مقدمتهم ليث البلعوس، بتهمة التعامل مع حكومة دمشق.
ويستمر التحريض ضد حكومة دمشق، داخل السويداء وخارجها، مع نعتها بكل الأوصاف واتهامها بحصار المحافظة وارتكاب المجازر، في حين رُفع علم الكيان الإسرائيلي غير مرة في ساحات المحافظة، كما جرى ترهيب القاضية ميسون الطويل، كي لا تشارك في لجنة التحقيق بأحداث السويداء التي أعلنت عنها الحكومة.
هذا التجييش ضد الحكومة الذي يشارك فيه ناشطون من خارج سوريا، تحاول الحكومة استيعابه بخطوات متباطئة، مثل إرسال قوافل مساعدات إنسانية، وتشكيل لجنة تحقيق بأحداث السويداء، فضلاً عن محاولات لوقف التجييش الطائفي عبر وسائل الإعلام.
لكنها جهود لم تؤت أُكلها حتى الآن، وما زالت القوى المتشنجة ضد الحكومة داخل المحافظة تستقطب المزيد من القاعدة الشعبية، بعد أن كانت شبه معزولة في بداية الأحداث أو قبلها مباشرة، وهذا تحوّل لا يمكن إغفال مسؤولية الحكومة ولو جزئياً عنه، بسبب “تورّطها” في الدخول إلى السويداء من دون خطة محكمة، محلياً وخارجياً.
والسؤال المطروح اليوم، هو كيف يمكن جسر هذه الفجوة الآخذة في الاتساع بين الجانبين، والتي تستقطب -بلا شك- جمهوراً ليس قليلاً من مؤيدي الحكومة على أساس طائفي، حتى برزت شكاوى عدة من تعرض بعض أهالي السويداء إلى مضايقات في العديد من المحافظات السورية تأثّراً بما يجري من تطورات في الجنوب السوري، ناهيك عن حساسية الوضع بالنسبة للدروز المقيمين في منطقتي جرمانا وصحنايا بريف دمشق.
لقد ظهرت مبادرتان ضعيفتان كمحاولات للعثور على طريق آخر بعيداً عن هذه المواجهة العبثية، التي لا رابح فيها سوى إسرائيل، التي رأت في هذه التطورات ضالتها لاختراق الجسد السوري وتفتيته، بزعم حماية الدروز في سوريا.
غير أنّ ما يعوّل عليه حقاً هو بروز مبادرات من داخل السويداء، تطرح حلولاً عقلانية، تتضمن المطالبة بضمانات لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومشاركة أبناء المحافظة بصورة فعلية في إدارة شؤون محافظتهم، مقابل بسط سيطرة الدولة عليها، وعودة خدماتها ومؤسّساتها، ووقف عمليات التحريض والتجييش، وصولاً إلى ترميم الشرخ الذي حدث، وإعادة بناء العلاقة بين دمشق والسويداء على أسس جديدة قائمة على المشاركة والاحترام، بعيداً عن الخطاب الوطني الإنشائي الذي ثبتت هشاشته عند أول اختبار.
إن أصوات التعقّل والاتزان التي يجري قمعها اليوم، هي التي ستنتصر في النهاية، لأنّ التحريض والتجييش والتصعيد ليس له أفق، ولا يعد الناس إلا بمزيد من المعاناة والأسى، ولا يأخذ في الاعتبار موازين القوى على الأرض، والمصالح الإقليمية والدولية التي تريد أن ترى سوريا مستقرة، وألا تتحوّل ثانية إلى ساحة للفوضى والاقتتال، وهو ما يهدّد بانهيار الحكومة وسيادة الفوضى، وانزلاق البلاد لأنّ تصبح دولة فاشلة، لا سلطة مركزية فيها، تسيطر عليها فصائل متصارعة على السلطة، وتكون مركز استقطاب لكل المطاردين و”المقاتلين” في العالم، سواء ضد إسرائيل أم الأقليات أم حكوماتهم.
والشعوب العاقلة تتعظ من تجاربها وتجارب الآخرين، حيث يستأثر دائماً أصحاب الرؤوس الحامية بالصدارة في الأزمات، في حين يلوذ العقلاء بالصمت بسبب ترهيب السفهاء لهم، واستهزائهم بهم، لكن في نهاية المطاف، يعود الجميع إلى تبنّي الأفكار ذاتها التي طرحها العقلاء وأصحاب البصيرة وقت الأزمات.
هذا ما حدث خلال الحرب الأهلية في لبنان، حين كانت تعلو في كل طائفة أصوات أمراء الحرب، في حين تتم محاربة الساعين لإنقاذ لبنان وفتح قنوات الحوار وبناء السلم الأهلي.
ليس علينا اليوم إعادة انتاج الحرب في سوريا، كي نصل إلى النتيجة المعروفة سلفاً، وعلى العقلاء ألا يجرّهم حماس هذا الخليط من المشبوهين والمتحمسين ومراهقي السياسة إلى الجبن والصمت، لأنّ سوريا اليوم هي ساحة هشة للفتن، في ظل ضعف الثقة بين مكوناتها ودخول أطراف خارجية -في مقدمتها إسرائيل- على خط زعزعة الاستقرار وتأجيج الخلافات، وصولاً إلى هدفها المعلن في تقسيم البلاد على أسس طائفية وعرقية ومذهبية.
في المقابل، بات من الواضح أنّ على حكومة دمشق إعادة النظر في سياسة الاستئثار بالسلطة، بكل مفاصلها، نحو انفتاح حقيقي على بقية القوى والمكونات، بعد أن ثبت المرة تلو الأخرى، افتقادها للخبرات الضرورية في التعامل مع العديد من الملفات، منها مسألة “الأقليات”، إضافة إلى إسرائيل التي تعتبر “ملفاً” جديداً لدى السلطة الحاكمة اليوم، ولم تكن مدرجة على جدول أعمالها حين كانت تحكم في الشمال السوري.
تلفزيون سوريا
——————————-
سورية بين الرهان على الداخل والرهانات الإقليمية والدولية/ مالك ونوس
04 اغسطس 2025
تأمّل كثيرون في زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، روسيا قبل أيام، ولقائه مسؤوليها، وفي مقدّمتهم رئيسها فلاديمير بوتين، مصنّفين هذه الزيادة في خانة التصالح مع دول العالم الذي تنتهجه السلطة السورية بعد سقوط نظام الأسد الذي أدخل البلاد في عزلة دولية. وتندرج هذه الزيارة في خانة نهج تتبعه السلطة في الرهان على الدول العربية وبقيّة الدول، من أجل الأخذ بيدها للخروج من أزمات موروثة وأخرى بعد السقوط، نشأت نتيجة عدم حسم الخيارات تجاه المضي في معالجة تركة الأسد، وعدم اتباع خيّارات مغايرة لخياراته في التصالح مع الشعب والتركيز في حلّ مشكلاته الحياتية والمعيشية والخروج من حالة الانغلاق والمراوحة في المكان، ما أدّى إلى بقاء أسباب التأزم من دون معالجة.
لا يحتاج المراقب كثير تبصّر لكي يرى توجُّه الحكم في سورية نحو الاعتماد على الدعم الخارجي، عبر الرهان على الخارج من أجل إعادة بناء الاقتصاد السوري، وبالتالي، تغيير أوضاع البلاد بعد سنواتٍ من الخراب الذي أورثه الأسد الهارب للسوريين. وكان من جديد تمظهرات هذا النهج المؤتمر الاستثماري السوري السعودي، الذي اختُتم قبل أيام في دمشق، وصدرت منه توصيات، وخطط لاستثمار ما يزيد عن ستة مليارات دولار في سورية، التي ما تزال تواجه تحدّيات كثيرة. وعلى الرغم من أهمية هذا المنتدى، فإن فيه (في ظلّ البنية التحتية المدمّرة واستمرار بؤر التوتّر) يختلط الفرح مع المخاوف من ألا تجد الاتفاقات المُوقّّعة طريقها إلى التنفيذ في أرض الواقع، نتيجة المعوقات ذاتها من توتّر أمني في عدّة مناطق، وبقاء كثير من العقوبات الغربية، والتهديد بإعادة عقوبات أزيلت في حال استمرّ النظام في المعالجة الأمنية للمشكلات المناطقية والطائفية. ويأتي هذا في الوقت الذي يُعوِّل فيه السوريون على إصلاح ما يمكن إصلاحه من قطاعات اقتصادية وانتاجية في البلاد، وعقد مؤتمرات للمصالحة الوطنية، وتنفيذ توصيات مؤتمر الحوار السوري، خصوصاً منها المتعلّق بمسألة العدالة الانتقالية، من أجل الإسهام في تعافي البلاد، وتحضير بيئة مناسبة لاستقبال استثمارات كهذه.
ومع توقيع هذه الاتفاقات الجديدة، ينظر السوريون إلى التي سبقتها، ووُقِّعت مع دول كثيرة، ويتساءلون عن سبب عدم سلوكها الطريق سريعاً للتنفيذ، لأهميتها في تحريك عجلة الاقتصاد، والمضي بإعادة الإعمار، خصوصاً ما يتعلّق منها بقطاع الطاقة من نفط وغاز، الضروريَّين من أجل تحسين وضع الكهرباء. ربّما يكون سبب التأخير هو القصور بالتشريعات وبالنصوص القانونية، وبعدم اكتمال بناء مؤسّسات البلاد التشريعية، المخوّلة بإقرار اتفاقات كهذه لتأخذ صفة الشرعية. فانتخابات مجلس الشعب، وبعدما استبعدتها السلطة بسبب بقاء ملايين السوريين في دول ومخيّمات اللجوء والنزوح، عادت وقرّرت إجراءها عبر آلية جديدة، يعيّن الرئيس بمقتضاها ثلث أعضاء المجلس، ويجري انتخاب الباقين، وهو قرار ربّما يكون قد أتى بعدما أدركت السلطة أهمية المجلس وضرورته من أجل تشريع الاتفاقات. ولكن هل هذه الخطوة (وغيرها ممّا نفّذته الحكومة) كافية من أجل الاستفادة من جو الانفتاح الدولي على سورية، وبروز محاولات لمساعدة سورية على التغلّب على مشكلاتها والنهوض؟
حين مات الرئيس الأسبق حافظ الأسد ( 2000)، وحصل التوافق الدولي على تنصيب ابنه بشّار رئيساً، سارع أصحاب رؤوس أموال من دول الخليج، وشركات تجارية وبنوك وغيرها من القطاعات الاقتصادية، إلى سورية لدعمه، أملاً بسورية مختلفة عن سورية الأسد الأب. لذلك عقدوا مؤتمرات مماثلة لمؤتمر الاستثمار السعودي السوري، وأعلنوا عبر مؤتمرات صحافية خططاً استثمارية كبيرة، ولكن ما الذي حصل؟… تعثّرت تلك الخطط، ولم يسجّل أيُّ استثمار عربي في الاقتصاد السوري على مدى السنوات الخمس التي تلت تنصيب بشّار، وسبقت اغتيال رفيق الحريري. أمّا الأسباب فهي أن بشّار لم يقطع مع سياسة والده في التعاطي الأمني مع جميع المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية. كما بقيت القبضة الأمنية عبر قانون الطوارئ والأحكام العرفية قائمةً، ولم يُجرِ مصالحةً وطنيةً كانت ضرورية للقطع مع جرائم والده، فهو لم يرث السلطة فحسب، بل ورث معها المعتقلين السياسيين، من يساريين وإسلاميين كان والده قد وضعهم في المعتقلات، خوفاً ممّا يشكّلونه من رمزية بالنسبة إلى المعارضة. إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من بعض التشريعات التي أصدرها بشّار، وتعديلات في قانون الاستثمار رقم 10، بقيت بيئة الاستثمار متخلّفةً مع غياب العمل المصرفي العصري، إضافة إلى القبضة الأمنية والمالية، والتوجّه إلى سيطرة العائلة على الاقتصاد، علاوة على العقوبات الدولية التي لم يُقدِم بشّار على أيّ خطوة تساعد في إزالتها.
هنالك حالات كثيرة، تكون فيها الرهانات على الخارج مغلقة، من أسبابها عدم ترتيب البيت الداخلي للتخلّص من الفوضى الداخلية التي تعاني منها الدولة التي تراهن على الخارج، وتصطدم بفشل تغيب عن بالها أسبابه، على الرغم من وضوح تلك الأسباب لمراقبين ومحلّلين وجمهور عريض لا يتوقّف عن الإشارة إليها على مدار الساعة. لكن، يبقى أمر معالجة مشكلات البلاد متعلّقاً بالسوريين أنفسهم، لأنهم الأكثر قدرة من غيرهم على تشخيص أزمات بلادهم وطرائق الحلّ. لذلك صُدم كثيرون بالأخبار التي ظهرت حول استيراد الغاز من أذربيجان لتغذية محطّات توليد الطاقة. كذلك الإعلان عن مباحثات لتوريد الأردن 40 ألف أسطوانة غاز منزلي يومياً، في الوقت التي أعلنت فيه الحكومة قبل أشهر اتفاقات مع جهات خارجية لاستثمار قطاع الطاقة، من أجل إدخال آبار النفط والغاز السورية في الخدمة.
هل سيتحسّن واقع الشعب السوري في حال استمرّ نهج الحكم في الرهان على الخارج؟… تفيد الوقائع بأن الوضع الأمني يزداد تفاقماً، وهو قابل في أيّ لحظة للتفجّر كما حدث أخيراً في السويداء. وإذا ما وضعنا النهج المتّبع بالتعامل مع الأقلّيات وفق منطق القوة، وتغليب فئة من الشعب على فئة أخرى، فإن كلّ يوم يَحلّ يحمل معه قصّةً من قصص الانتهاكات بحقّ مدنيين وحوادث خطف النساء في الساحل والموت تحت التعذيب. وليس خافياً على أحد أن أعين الساسة في الغرب مفتوحة على سورية طوال الوقت، يراقبون سلوك حكومتها، ومدى التزامها بتنفيذ الشروط التي وضعتها تلك الدول للمضي برفع العقوبات. فهل ستفعل ذلك الحكومة؟ إن كان من الصعب عليها محاربة الإرهاب من دون مساعدة الآخرين، فليس دمج الفصائل، وضبط تفلّت السلاح الذي ظهر في فزعة العشائر إلى السويداء، بالصعب، وهو شرط يحتاجه الداخل ليزداد عنده عامل الثقة. وإن استهان رجال الدول بعامل الثقة، تضاءلت فرص تحقيق الاستقرار والازدهار، وظهرت الفجوات بين الحكم والشعب.
العربي الجديد
———————-
الهجري وحلم الانفصال… غرسه بشار ورعاه نتنياهو/ إحسان الفقيه
تركة ثقيلة، تلك التي ورثتها إدارة أحمد الشرع عن النظام البائد، ليس فقط في ما يتعلق بالاقتصاد المنهار والبنى التحتية المدمرة، ولكن في الشقاق الطائفي والعرقي، الذي ضرب بجذوره في سوريا طيلة عهد حكم عائلة الأسد.
ما إن تحقق حلم السوريين في إسقاط نظام بشار الأسد، وما إن رُفع شعار «كل ما بعد سقوط بشار هين»، حتى اصطدمت الأحلام بالواقع المر، الذي نشأ في حقبة النظام السابق، إذ برزت على السطح مشاريع انفصالية قديمة، وجدت الحرب بيئة خصبة للتنامي، بما يمثل تهديدا لتطلعات الدولة الوليدة في الاندماج الكامل لكل العرقيات والطوائف تحت راية واحدة.
حكم علوي في الساحل السوري، وحكم ذاتي للأكراد على الحدود مع تركيا، ودولة في الجنوب للطائفة الدرزية المتمركزة في السويداء، أحلام تهدد استقرار سوريا، وتضع العصا في عجلتها النهضوية التي شرعت في الانطلاق.
فأما دولة الساحل، فإن العلويين ينظرون إليها باعتبارها إرثا تاريخيا، إذ إن الاحتلال الفرنسي لسوريا، أسس هذه الدولة بالفعل بين عامي 1920-1936قبل أن تندمج في الدولة السورية، إلا أن العلويين أبدوا رغبتهم في الاندماج في الدولة السورية تحت قيادة الشرع، والنأي عن إيجاد حاضنة شعبية لفلول النظام السابق، لأن كثيرا من أبناء الطائفة لم يكونوا جزءاً من دائرة السلطة والنفوذ، بل كانوا مهمشين مقهورين كسائر الأطياف.
أما الحكم الذاتي للأكراد في شمال شرقي سوريا على الحدود مع تركيا، فقد عملت عليه قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية ،التي فرضت بالدعم الأمريكي سيطرتها على أبرز حقول النفط.
إلا أن طموحات قوات سوريا الديمقراطية، تراجعت من الفدرالية إلى اللامركزية، كما عقدت اتفاقا مع الحكومة السورية يقضي بالاندماج في مؤسسات الدولة في مارس الماضي، على الرغم من تبادل الاتهامات بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، حول قيام الأخيرة بشن هجوم صاروخي على مواقع للجيش السوري في منبج مطلع هذا الأسبوع.
لكن أخطر الملفات الثلاثة، هو أزمة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في الجنوب، والتي تخضع لهيمنة حكمت الهجري، أحد أبرز الزعماء الدينيين في السويداء، الذي يأبى الاندماج في الدولة السورية الجديدة، ويتطلع لحكم ذاتي للدروز بإسناد إسرائيلي. لم تكن تطلعات الهجري وليدة الساعة، بل نشأت إبان الصراع الدائر في سوريا عقب اندلاع الثورة، إذ إن بشار الأسد منح الدروز صلاحية الإدارة اللامركزية في الجنوب مقابل نأي الطائفة عن مواجهة قوات النظام، لذلك تأسست هذه النزعة في حقبة بشار الأسد، وترفد الموقف الحالي للهجري في تعسفه أمام مساعي الدمج التي تقوم بها الدولة.
تبين منذ اندلاع الثورة السورية في 2011، ضلوع الهجري في الصراع الدائر، بدعم نظام الأسد بشكل علني، وحث الشباب الدرزي على القتال للدفاع عن النظام.
أحلام الهجري وجدت من يغذيها وينميها، إذ تلاقت هذه التطلعات مع أطماع صهيونية بتفتيت سوريا، وإقامة دولة على حدود فلسطين المحتلة موالية للاحتلال من الطائفة الدرزية، التي لها امتداد في الداخل الإسرائيلي، ولذلك تبنى نتنياهو رعاية حلم الهجري ودعمه في عدم الاندماج في الدولة، وقام بقصف مواقع للنظام السوري من بينها وزارة الدفاع، بحجة حماية الطائفة الدرزية، وتحولت منطقة الجنوب إلى منطقة يحرم على القوات السورية دخولها، وإلا تعرضت للقصف الصهيوني. إزاء هذا الغطاء الإسرائيلي، يهيمن الهجري بشكل كامل على مجريات الأمور في السويداء، وأدت ممارساته القمعية إلى تهجير كثير من البدو العرب، وقام بالتحكم في المساعدات التي أرسلتها الحكومة إلى السويداء، وتوزيعها على أساس انتقائي بين الموالين له. الشرع الذي يعاني أزمات داخلية ضخمة، من بينها نزعات طائفية وعرقية انفصالية، كان رده قاطعا في رفض المحاصصة على أساس الطائفية والمناطقية، والتأكيد على مبدأ المشاركة لعدم عرقلة العمل على بناء سوريا قوية موحدة.
الدعم الإسرائيلي والرعاية الإسرائيلية لأحلام الهجري بقوة السلاح، جعلت تطلعات الدولة في دمج السويداء مهمة غاية العسر، في ظل تعسف الهجري الذي يتخذ من الخلفية الأيديولوجية لحكومة الشرع ذريعة للاستعداء عليها بدعوى أنها حكومة طائفية ذات توجهات إرهابية. لا بديل لحكومة الشرع عن الاستمرار في العمل على التفاوض مع الدروز في الجنوب، للاندماج في الدولة، وهناك ورقة ينبغي أن يحسن الشرع استغلالها، وهي ذلك التيار المعارض لسياسة الهجري داخل الطائفة الدرزية نفسها. فهناك شخصيات بارزة لها أتباعها، ترى عدم الخروج عن السياق الوطني، وترفض التبعية للكيان الإسرائيلي، وتندد بتدخله في الشأن الداخلي السوري، أبرزهم القائد الدرزي ليث البلعوث زعيم قوات شيخ الكرامة، وهي حركة ذات قوة محدودة، لكنها تعمل على الحفاظ على وحدة سوريا، وله رصيد ثوري وشعبية قوية، ويؤكد دائما على العمل تحت مظلة الحكومة السورية.
التلاقي والتنسيق مع هذا التيار ودعمه وإنماؤه من قِبل الدولة، يعزز من قوة تأثيره في الطائفة الدرزية، ومن شأنه أن يقوض ويحدّ من هيمنة الهجري على مجريات الأمور في السويداء، بما يخدم مهمة دمجها في السياق الوطني.
كاتبة أردنية
القدس العربي
————————–
مناورات إقليمية ورسائل دولية/ لمى قنوت ورهام قنوت رفاعي
03 آب 2025
على الرغم من التهدئة النسبية في السويداء، فإن الكارثة الوطنية والإنسانية ما زالت مستمرة عبر الحصار، الذي وإن لم يكن ظاهرًا بحلة عسكرية كلاسيكية، إلا أنه واقع اقتصادي واجتماعي معاش لسكان المحافظة، يحمل في طياته مآلات سياسية وعواقب جديدة من تراكم المظالم وتعمق الصدع المجتمعي. وفي ظل إخضاع السكان بالعنف، والغياب التام للشفافية والتشاركية وآليات كشف الحقيقة والمساءلة، وسعي السلطة الحالية لإيجاد حلول لأزماتها السياسية الداخلية عبر الحوار والتعاون والتفاوض على الشأن السوري الداخلي مع جهات خارجية إقليمية ودولية، يتجلى مجددًا حجم تدويل الشأن السوري الذي ورثته السلطة الجديدة عن النظام البائد، والذي لا تزال عالقة في دوامة ديناميكياته، وتعيد إنتاجه عبر تعنتها في طرائقها وانغلاقها على ذاتها، بدلًا من الانفتاح ودعم الحوار السوري- السوري الحقيقي.
ومن خلال النظر في نبرة الخطابات العامة وأدوات الضغط العلنية قبل أحداث السويداء، وخلال ذروة الاشتباكات والانتهاكات، وبعدها، التي استخدمتها وتستخدمها جهات خارجية تؤثر اليوم على وفي الشأن السوري نجد ثباتًا في موقف أنقرة، وبراغماتية من قبل موسكو، ورسائل مزدوجة من واشنطن، وتذبذبات في الخطاب الرسمي لتل أبيب بالرغم من استمرار سلوكها العدواني وتوسيع احتلالها، واستمرار منابرها الإعلامية الرسمية وغير الرسمية بالتحريض الطائفي في سوريا.
صرح أردوغان، في 17 من تموز الماضي، ما يلي: “لم نوافق على تفتيت سوريا بالأمس، ولن نوافق على ذلك اليوم أو غدًا”. مركز الأبحاث “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” في واشنطن، وهو مركز يحظى بتمويل كبير من مانحين جمهوريين ومؤسسات مرتبطة بـ”اللوبي الإسرائيلي” بناء على تحقيق أصدرته جامعة “باث” في المملكة المتحدة، اعتبر تصريح أردوغان تصعيدًا في خطاب أنقرة تجاه تل أبيب وتهديدًا لـ”شريك الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب (قوات سوريا الديمقراطية)”، وخصوصًا بعد إعلان وزارة الدفاع التركية، في 23 من تموز، عزمها على توفير التدريب والاستشارات والدعم الفني لزيادة القدرة الدفاعية السورية، عقب طلب السلطة رسميًا من تركيا مساعدتها في “تعزيز الدفاع ومكافحة الإرهاب”، وشدد المركز في توصياته للإدارة الأمريكية على أهمية الضغط على أنقرة لعدم التدخل عسكريًا، ووقف جميع محاولاتها لإشعال الصراع مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأن على واشنطن أن توضح لأنقرة أنه لا يمكنها نشر قواتها أو السيطرة على قواعد عسكرية في وسط وجنوبي سوريا، لأنه سيؤدي إلى “مزيد من الدمار وعدم الاستقرار في سوريا”.
على الرغم من الاتفاق الأمريكي- الإسرائيلي على الأهداف طويلة الأمد في ضمان أمن واستقرار إسرائيل، وثبات دعم الإبادة في غزة، فإنه ومنذ إسقاط النظام السابق، ظهر تباين في التعاطي مع الملف السوري بين واشنطن وتل أبيب، ليس فقط على مستوى الممارسة بل حتى في لهجة الخطاب العام، كتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، في آذار الماضي، الحادة اللهجة ضد السلطة الجديدة، في مقابل تصريحات التريث ومراقبة الوضع السوري من قبل الإدارة الأمريكية، إلى جانب انفتاح ترامب على الشرع في إطار القمة الخليجية- الأمريكية في 14 من أيار الماضي، وإعلان نيته رفع العقوبات عن سوريا، وإعجابه بشخصه.
وقد يكون مناخ الانفتاح وتعويم السلطة الجديدة، والمحادثات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في أواخر أيار الماضي، أثمرا في إعلان مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل لا تدعم أي فصيل داخل سوريا (أي أنها كانت تعتبر السلطة فصيلًا من فصائل الأمر الواقع في سوريا)، لكنها بدأت تعتبر الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع السلطة السيادية في البلاد، وأضاف المسؤول أن إسرائيل أبلغت “الطائفة الدرزية” في سوريا أنها لن تقبل أي أذى يلحق بها، وشجعتها على التعامل مباشرة مع الإدارة الجديدة.
غير أن هذا التباين وهذه التذبذبات هي جزء من عملية مد وجذر لم تفهمها السلطة الجديدة في سوريا بشكل كافٍ، إذ إن اختيار واشنطن لعب الدور الدبلوماسي وبدء المحادثات بين دمشق وتل أبيب، لا يتعارض بالضرورة أو يحد من تنفيذ الاحتلال لـ”خطة درع إبراهيم” عسكريًا في الجنوب السوري، كمنطقة منزوعة من سلاح الدولة وأي سلاح لجهة أو فصيل عسكري لا تعتبره حليفًا، تمهيدًا لإدارة الجنوب ومناطق أخرى من المنطقة عبر نموذج هيمنة معزز بتكنولوجيا رقابة رقمية متقدمة، تحتفظ من خلاله إسرائيل بحرية مطلقة في التصرف العسكري لضرب أي تحرك تعتبره عدائي تجاهها سواء كان حقيقيًا أم لديها شكوك حوله.
ومع إدراك السلطة الجديدة بأن المناخ السياسي الغربي ما بعد مجازر السويداء لن يكون كما قبلها، اتجهت إلى موسكو كمحاولة لتخفيف الصراع الجيوسياسي حول سوريا، وإيجاد منافذ لها في مجلس الأمن، الأمر الذي تلقفته روسيا بانفتاح وترحيب كبيرين، فهي تعتبر سوريا ساحة نفوذ حيوية في منطقة صراعات دولية، ورغم إدراك الطرفين التكلفة الدموية الباهظة التي سببها الدعم الروسي للنظام البائد، وصعوبة تسويق دور روسي جديد عند شريحة واسعة من الشعب السوري، فإنهما قررا بدء مرحلة جديدة قائمة على مصالح مشتركة، وخاصة مع تصاعد التوترات بين موسكو وواشنطن، واقتراب موعد المهلة الذي حددها ترامب لبوتين حول موقفه من السلام مع أوكرانيا، وتبادل التهديدات بين ترامب وميدفيديف، والتي نجم عنها نشر غواصتين نوويتين أمريكيتين.
عنب بلدي
——————————
السويداء وشرقي سوريا.. هل أزفت ساعة الحسم؟/ عدنان علي
2025.07.16
الاستعصاء المتواصل في السويداء وشرقي سوريا، في العلاقة حكومة دمشق، سيظل مصدر تفريخ للمشكلات والصدامات، وقد يتطور إلى مواجهات أوسع، ما قد يفتح الباب لتدخلات خارجية، ويعيد الوضع في البلاد إلى سيرته الأولى.
لا شك أن مياه كثيرة جرت في النهر المتدفق من الشمال السوري، والذي استقر في دمشق نهاية العام الماضي، وأفضى إلى اندحار نظام الأسد، وإلى تأهيل البلاد لخوض مرحلة جديدة تبدأ بحل مشكلاتها الداخلية وتمر بالوفاق مع المجتمع الدولي، وصولاً إلى مواجهة الاستحقاقات الضخمة المتراكمة من عهد النظام السابق طيلة خمسة عقود ونيف.
وإذا كان الحكم الجديد حقّق اختراقات مشهودة على صعيد علاقاته الخارجية، أبرزها رفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد، فإن رهانات بعض القوى السورية الداخلية ما زالت مستمدة من معطيات قديمة، تنتمي إلى عهد النظام السابق، وتستند إلى أوهام بأن الحكم في دمشق ضعيف وهش، ويمكن ابتزازه لتحقيق أقصى الأهداف، وفق المقاربة ذاتها التي اعتمدتها إسرائيل في تعاملها مع هذا الحكم.
وإذا كانت إسرائيل بدأت تستوعب أن هذا الحكم ليس ضعيفاً بالقدر الذي تستطيع إملاء كل شروطها عليه، خاصة مع نجاحه في نيل ثقة محيطه الإقليمي، فضلاً عن ثقة الإدارة في واشنطن، والتي تعكف على رسم مسار آخر للعلاقة بين دمشق وتل أبيب، فإن بعض القوى السورية الداخلية لم تصلها الرسالة بعد، وما زالت تراهن على ضعف دمشق، وقابليتها للضغط والابتزاز، دون أن تلحظ المتغيرات في الموقفين الإقليمي والدولي.
وفضلاً عن هذا الغطاء الخارجي، تتمتع الحكومة في دمشق فيما يتصل بأية مواجهة ذات طابع مذهبي أو قومي، بغطاء قوي وفعال من حاضنتها الداخلية، والتي قد يكون لبعض مكوناتها انتقادات ومواقف سلبية من الحكم الجديد في العديد من الملفات، لكنهم يقفون خلفها متحدين في مواجهات من هذا القبيل.
وفي نظرة تحليلية محايدة، فإن تلكؤ تلك القوى في جنوبي البلاد وشرقها بالإنخراط مع الحكومة في دمشق، سيخلق بعض المتاعب لهذه الحكومة التي لديها سلم أولويات حافل يركز على اكتساب الشرعية وجلب الاستثمارات وبناء الدولة، لكن عواقبه السلبية ستطول على نحو أعمق المدنيين في تلك المناطق، وتؤثر في علاقتهم مع محيطهم (العربي-السني) دون أن تجني في المحصلة تلك المناطق أية فوائد قريبة أو بعيدة.
قبل سقوط نظام الأسد بأكثر من عام، واظبت محافظة السويداء على تنظيم احتجاجات شبه يومية ضد ذلك النظام، حازت على دعم وتضامن معظم فئات الشعب السوري، لكن مع سقوط ذلك النظام، اتخذت بعض القوى في المحافظة موقفاً مستغرباً يميل إلى التصادم مع السلطة الجديدة التي وصفها الزعيم الروحي البارز في السويداء حكمت الهجري بأنها جهادية وإرهابية، مواظباً على طلب الحماية الدولية من هذه السلطة، وهو ما يشكل فعلياً قطيعة مع الحكومة في دمشق، حيث لا يستقيم التفاوض مع طرف يعتبره الطرف الآخر إرهابياً، ويطالب المجتمع الدولي بأن يحميه منه.
من هنا، يترتب على القوى الفاعلة الأخرى في محافظة السويداء أن تنأى بنفسها عن هذا الخطاب التحريضي على الحكومة، وأن تتجاوب مع الجهود المبذولة لحماية المحافظة من عواقب مثل هذا السلوك الذي لا يقود إلا إلى الصدامات والفتن، دون أن يعود على المحافظة بأية فائدة، علماً أن شرائح واسعة من أبناء السويداء يشتكون من السلاح المنفلت في محافظتهم وتفشي الجريمة والمخدرات مع تعطل سلطة الدولة والضابطة العدلية، نتيجة عرقلة دخول قوات الحكومة ومؤسساتها، وهم يطالبون حقيقة بفرض الدولة لسلطة القانون، بعيداً عن سطوة السلاح الفصائلي أو الفردي، بحيث يصبح من لا يملك سلاحاً او فصيلاً أو عائلة كبيرة تحميه، بلا حماية، وغير قادر على تحصيل حقه.
وفي المقابل، يجب على الدولة أن تحضر بقواتها وعناصرها فقط، من دون فصائل مساندة غير منضبطة، ولا تخضع للمساءلة القانونية على نحو ما حصل في أحداث الساحل السوري.
وفيما يتعلق بقوات “قسد”، لا شك ان تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باارك حول موقف هذه القوات من جهود الحل السياسي في سوريا، لا تروق كثيراً لقادتها، حيث طلب منها باراك الانخراط في الحل السياسي الذي تشارك واشنطن في بلورته مع الإدارة في دمشق، بما يفضي إلى إندماجها بشكل كامل في الجيش السوري الجديد، وليس ككتلة مستقلة كما يجادل قادة “قسد”.
وطالب باراك قيادة “قسد” بالتقليل من حجم توقعاتهم إزاء الموقف الأميركي، الذي لا ينكر مساهمتهم في محاربة تنظيم “داعش”، لكن المكافأة التي ينتظرونها من واشنطن لن ترقى إلى تأييد إقامة كيان كردي منفصل، معلناً بوضوح أن هدف واشنطن، الوصول إلى دولة سوريّة واحدة وجيش واحد وعلم واحد، ولن تؤيد وجود كيانات أقلوية داخل هذا الجيش، تحت أي مسمى.
قد يكون لدى قيادة “قسد” هواجس من الإندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، العسكرية والسياسية، على نحو تخسر معه وضعها الحالي المهيمن في شرقي سوريا، وهي بذلك ما زالت مرتهنة لحسابات قديمة مرتبطة بالميزات التي حصلت عليها في تحالفها مع الولايات المتحدة خلال عهد نظام الأسد، ما جعل واشنطن تضع رهانها كله على “قسد”، وسط تعذر التعاون مع نظام الأسد المخلوع.
أما وقد زال هذا النظام، فان قيادة “قسد” تبدو متباطئة جداً في قراءة المتغيرات التي جرت، ولم تصلها بعد الرسالة التي تحاول واشنطن بطرق شتى إيصالها إليها، وهي أن عليها إعادة حساباتها بما يتلاءم مع المتغيرات الحاصلة ليس في سوريا فقط، بل في الجارة تركيا أيضاً حيث أعلن حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح، وإنهاء حقبة العمل العسكري ضد تركيا، وهذا متغير هام آخر، تحاول قيادة قسد المعاندة في تقبله.
ومن غير المعروف إلى أي حد تستطيع “قسد” التمسك بهذه المواقف التي بدأت تثير حنق واشنطن علناً، وسط تساؤلات مشروعة عن الخيارات المتاحة أمامها إذا ما قرّرت مواصلة التعاطي السلبي مع الجهود الأميركية لوضعها في مسار سياسي واحد مع الحكومة في دمشق.
تلفزيون سوريا
—————————-
هروب جديد لفلول نظام الأسد من السويداء و”قسد”/ بثينة عوض
الجمعة 2025/08/08
في روايته “إلى الأبد ويوم”، يقدّم الكاتب السوري الراحل عادل محمود شهادة أدبية جارحة، تنقل مأساة وطن مشرذم من زاوية شخصية وعائلية، موثّقاً تشقّق البنية الاجتماعية السورية تحت وطأة الاستبداد الأمني.
الرواية، التي كتبها محمود قبيل رحيله، تتقاطع مع سيرته الذاتية، وتستحضر حادثة مؤلمة تعرّض لها شخصياً: إذ ضُرب مراراً على حواجز أمنية تابعة للنظام، رغم كونه شقيق أحد كبار المسؤولين الأمنيين آنذاك، عدنان محمود، رئيس فرع الأمن السياسي.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الأخ نفسه هو من أمر باعتقال شقيقتهما فدوى محمود، الناشطة المعروفة، بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، إلى جانب زوجها المعارض عبد العزيز الخير، الذي لا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم.
في الرواية، يروي محمود كيف أن والدتهما، ذات الخلفية العلوية، ثارت على ابنها الضابط حين علمت بخبر اعتقال ابنتها، وطلبت منه الإفراج عنها فوراً كي تتمكن من رؤيتها قبل وفاتها، وهي على فراش الموت. الأم، التي كانت تعيش حياة مترفة وتركب السيارات الفارهة، لم تتوقع أن ابنها، الذي خصّص لها خدماً وحراساً، سيكون السبب في حرمانها من رؤية ابنتها الأخيرة.
فدوى، التي تحوّلت بعد تلك التجربة إلى واحدة من أبرز الأصوات السورية المدافعة عن قضية المعتقلين، اختزلت في مسيرتها الشخصية تحوّلاً درامياً من الضحية إلى الفاعلة، ومن السجون إلى الساحات.
الرواية تتجاوز الحكاية العائلية لتقدّم مرآة رمزية للانقسام السوري الذي شطر العائلة الواحدة، والبيت الواحد، بل والطائفة الواحدة. فهي تذكّر القارئ بأن العلويين ليسوا كتلة واحدة خلف النظام، وأن كثيرين منهم وقفوا ضد الاستبداد، ودفعوا ثمناً باهظاً.
ويتخيّل محمود، في فصول الرواية الأخيرة، ليلة ما بعد “الأبد” ــ أي الليلة التي تلي سقوط النظام ــ لكنها تبقى ليلة مؤجلة، لم تُكتب لها الولادة بعد. فارق محمود الحياة قبل أن تتحقّق رؤياه، وقبل أن يشهد ما وصفه السوريون يوماً بأنه “من سابع المستحيلات”.
ليلة السقوط
في تلك الليلة التي طال انتظارها، والتي ظلّ السوريون لسنوات يتخيّلونها في سرّهم ويتهامسون بها على استحياء، جاء السقوط. لم يأتِ عبر معركة حاسمة أو انقلاب معلن، بل بانهيار صامت تشقّقت معه أركان القبضة الأمنية التي حكمت البلاد لعقود.
ألقى الضباط وحراس الأفرع الأمنية أسلحتهم وبزّاتهم العسكرية، وتواروا في العتمة. شوارع دمشق، التي طالما خيّم عليها الخوف، دوّت فيها التكبيرات من مآذن المساجد، لا كنداء صلاة، بل كهتاف للحرية والانعتاق. كانت المدينة تستيقظ على وجه جديد.
في مشهد بدا كأنه مستخرج من سردية شعبية حالمة، خرج الأهالي لتحطيم التماثيل الصامتة التي طالما انتصبت على صدورهم: تماثيل الأب والابن، رموز القهر والولاء المفروض. بعضهم اقتحم بيت الرئيس المخلوع ذاته، بينما عشرات الفيديوهات تُبثّ تباعاً، توثّق اللحظة التي تحوّل فيها الخوف إلى فعل مباشر.
أما في الطرف الآخر من البلاد، حيث مطار حميميم، فقد راجت الأنباء ــ دون تأكيد رسمي ــ أن بشار الأسد وكبار الضباط كانوا يستعدّون لمغادرة البلاد على متن طائرة روسية، في لحظة فرار لم تخلُ من رمزية مفجعة.
ضباط الصف الثاني، الذين ظنّوا أن الساحل سيكون الملاذ الآمن، توافدوا نحو مدنه، ليُفاجَأوا بأن ما كانوا يعتقدونه “خط الدفاع الأخير” لم يعد يتّسع لهم. فقرّر كثيرون منهم الهروب إلى بيروت، عبر ممرات تهريب أُعيد تنشيطها على عجل من جهة عكّار، برعاية شبكات ظلّت تعمل بصمت حتى لحظة الانهيار.
في خضم هذا المشهد الجديد، غرقت البلاد في قاموس سياسي طارئ. برزت مصطلحات جديدة على الخطاب العام، أبرزها “الفلول”، في إشارة إلى عناصر النظام السابق، الذين بدأوا يظهرون في الإعلام كأطراف خارجة عن السياق الجديد. الرئيس الانتقالي نفسه دعاهم، في أول خطاب له، إلى تسليم أسلحتهم والانخراط في مصالحة وطنية، في محاولة لتجنّب انفجار داخلي جديد.
لم تكن “ليلة السقوط” مجرد لحظة سياسية، بل كانت قطيعة وجودية عبّرت عن نهاية مرحلة كاملة من السيطرة والعسف، وبداية مرحلة غامضة تحمل في طياتها أسئلة أكثر من الأجوبة.
ومع لحظة السقوط، لم يكن مصير الجميع متشابهاً. من سلّم نفسه من عناصر النظام وقياداته وُضع في سجن عدرا بانتظار محاكمات علنية أو رمزية، في حين أُطلق سراح عدد من الضباط بصفقات ظلّت تفاصيلها غير معلنة. لكن، وكما هو معتاد في مشهد النهاية، بقي مصير آخرين مجهولاً، وسط شحّ المعلومات وصمت مقصود أو مرتبك من السلطات الجديدة.
في المقابل، هناك من اختصر طريق الهروب. بعض رؤساء الأفرع الأمنية وضباط الصف الأول لجأوا إلى حلول وسطى، مثل التمركز الشكلي في محافظة السويداء، التي بدت لفترة وكأنها بمنأى عن التوترات المتصاعدة. اعتقد هؤلاء أن المحافظة ذات الخصوصية الاجتماعية والدينية ستكون ملاذاً آمناً، فقرّروا تسليم أسلحتهم والبقاء داخل المدينة. لكن ذلك الرهان سرعان ما سقط، بعد أن شهدت السويداء نفسها اضطرابات ومواجهات دموية قلبت المعادلة الأمنية، ودفعت الضباط إلى مواجهة خيار الهروب مجدداً.
تنوّعت طرق الهروب. البعض تسلّل خلسة نحو الحدود اللبنانية، مستعيناً بشبكات تهريب قديمة أُعيد تنشيطها، فيما فضّل آخرون البقاء، إمّا بدافع الخوف، أو بأمل نسج ترتيبات محلية تحميهم من الملاحقة.
وفي هذا السياق، تناقلت وسائل الإعلام المحلية خبراً عن تعيين الهجري، ضابط أمني سابق خدم كرئيس لفرع الأمن السياسي في طرطوس، مسؤولاً عن إدارة الأمن الداخلي في البلاد في مرحلة ما بعد السقوط. وتُرجّح تقارير محلية أن الضابط احتمى في السويداء خلال مرحلة الانهيار، ونجح في البقاء ضمن توازنات دقيقة داخل المدينة، حتى لحظة إعادة تدويره سياسياً.
وليس بعيداً عن هذه القصة، يروي أحد الضباط السابقين، وهو ضابط شرطة تربطه صلة مصاهرة بعائلة في السويداء، كيف لجأ إلى المدينة بعد سقوط دمشق، محاولاً الاحتماء بعلاقاته العائلية. لكن مع اندلاع الأحداث فيها، اضطر إلى الهروب مجدداً. وبحسب شهادته التي أدلى بها لموقع “المدن”، فقد ساعده صديق يعمل في منظمة دولية على مغادرة المدينة، حيث نُقل سراً إلى دمشق، ومنها إلى بيروت، برفقة زوجته وابنته، مقابل 300 دولار عن كل شخص، دُفعت لمهرّب محترف على طريق عكّار.
حماية “قسد”
في الوقت الذي تمرّ فيه المحافظات الشرقية الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمرحلة بالغة الحساسية من التحوّلات، تقترب المشهديّة السياسية والعسكرية هناك من منعطف حاسم، قد يرسم مستقبل تلك القوات التي تُعدّ الذراع العسكرية الأكثر فاعلية لما تُسمّى “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.
تتزامن هذه التطورات مع ارتباك واضح في العلاقة بين الإدارة الذاتية والسلطات الحاكمة في دمشق، حيث ظلت بنود التنسيق بين الطرفين غامضة، تتراوح بين الاتفاقات المؤقتة، ومحاولات التفاوض الطويلة دون نتائج حاسمة. هذا الغموض والفراغ القانوني شكّلا بيئة رمادية استغلّها بعض عناصر النظام السابق للفرار والاختباء، في انتظار ما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، كشف أحد المحامين العاملين في المنطقة، في تصريح خاص لـ”المدن”، طالباً عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن عدداً من القضاة السابقين في “محكمة الإرهاب” التابعة للنظام السوري، والذين باتوا مطلوبين للعدالة بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في القمع الأمني، قد لجؤوا بالفعل إلى مناطق الإدارة الذاتية، مستفيدين من غياب التنسيق الأمني الواضح.
وبحسب المصدر، فإن هؤلاء القضاة كانوا يعتبرون المنطقة ملاذاً آمناً في ظل تعقيدات المشهد السوري، لكن مع تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية بين القوى المحلية والإقليمية، ومع تزايد الضغوط الدولية على “قسد” لتحديد موقفها من ملف العدالة الانتقالية، شعر بعضهم بخطر داهم، مما دفعهم إلى الهروب عبر الحدود الشرقية باتجاه العراق، مستخدمين معابر غير نظامية وطرق تهريب معروفة.
هذا التطوّر يعيد إلى الواجهة تساؤلات كبرى حول فعالية المنظومة القضائية والعدلية في مناطق الإدارة الذاتية، ومدى قدرتها على التعامل مع تركة ثقيلة من المنتمين للنظام السابق ممن تسللوا إلى المنطقة، إمّا بغطاء عشائري أو من خلال صفقات غير معلنة.
التعميم الخاطئ
يفتح هذا التطور ملفاً بالغ الحساسية يرتبط بمصير جنود سوريين فرّوا إلى العراق خلال لحظات الانهيار الأمني للنظام، قبل أن يعودوا لاحقاً عبر بوابة “التسوية”، ويسلّموا أسلحتهم طوعاً للجهات المسيطرة، على أمل طيّ صفحة ماضية والدخول في واقع سياسي جديد.
لكن بدلاً من التعامل مع هذه العودة كجزء من عملية تصالح وطنية شاملة، فُوجئ عدد من هؤلاء الجنود باعتقالهم وإيداعهم في سجن عدرا المركزي .
المفارقة الصادمة أن كثيراً من هؤلاء لم يكن متورطاً في جرائم أو انتهاكات مباشرة بحق المدنيين، بل كانوا جزءاً من منظومة عسكرية خاضعة لتوجيهات السلطة السابقة، دون امتلاك أدوات اتخاذ القرار أو القدرة على الانشقاق في سياق من القمع المعمم. ومع ذلك، جرت إحالة بعضهم لاحقاً إلى سجون في إدلب، ما أدى إلى انقطاع أخبارهم عن ذويهم، وترك مصيرهم مجهولاً حتى لحظة كتابة هذه السطور.
هذا الغياب المتكرر للعدالة، في لحظة يفترض أنها تأسيسية لمستقبل مختلف، يُسلّط الضوء مجدداً على فشل مبدئي مسار العدالة الانتقالية في سوريا، الذي ظل غائباً أو مُفرغاً من مضمونه في خضم الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة.
وبينما تُطرح شعارات المصالحة والتغيير، تستمر الانتهاكات في الشارع السوري، حيث يغيب الحدّ الفاصل بين المحاسبة والاستهداف، وبين العدالة والانتقام. ويجد آلاف السوريين أنفسهم محاصرين في دوائر من الغموض، بعد أن دفعوا ثمناً مضاعفاً في ظل النظام الاستبدادي.
المدن
——————————
تكاثف المعضلات السورية أمام السلطات… هل فات وقت الحلول؟/ طارق علي
حوار بالنار قبل اللقاء في باريس بين “قسد” ودمشق… والسويداء تشتعل مجدداً وتوتر بالجنوب
الاثنين 4 أغسطس 2025 14:07
ملخص
تبدو السلطات السورية الجديدة في دمشق في وضع لا تحسد عليه في هذه الفترة فبعد نجاحها في إطاحة نظام الأسد، فشلت على ما يبدو في التعاطي مع ملف الأقليات والمواجهة مع إسرائيل.
شهد ليل السبت – الأحد الماضي مواجهات بين “قوات سوريا الديمقراطية” “قسد” الكردية وقوات من وزارة الدفاع السورية قرب مدينة منبج في ريف حلب شمال سوريا تخللها قصف مدفعي بالراجمات والمدفعية ما أسفر عن إصابة أربعة جنود من القوات الحكومية وثلاثة مدنيين. وذكرت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، أن قوات الجيش “صدت عملية تسلل” نفذتها “قسد” ضد إحدى نقاط انتشار الجيش في ريف منبج، قرب قرية الكيارية. وأضافت أن “وحدات من الجيش نفذت ضربات دقيقة تستهدف مصادر النيران التي استخدمتها ‘قسد’ في قصف قرية الكيارية ومحيطها بريف منبج”، مشيرة إلى أن هجوم “قسد” كان لأسباب “مجهولة وغير مبررة”، راصدة استخدام الأخيرة لراجمات الصواريخ ومدفع ميدان في العملية، فيما قال المركز الإعلامي لـ”قوات سوريا الديمقراطية” في بيان، إن “قواتنا استخدمت حقها الكامل في الدفاع عن النفس والرد على مصادر النيران”، ونفت مهاجمة أي نقاط تفتيش تابعة للجيش السوري.
أكثر من مواجهة
هذه المواجهات التي قد تكون اتسمت بالمحدودية لكنها تحمل أثراً سياسياً وعسكرياً كبيراً في هذا التوقيت بالتحديد، وتعلن أول ثغرة فعلية في جسد العلاقة والاتفاق بين “قسد” ودمشق إثر الاتفاق “التاريخي” بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في 10 مارس (آذار) الماضي، الذي كان يهدف لتوحيد الرؤى حول شكل وهيكلية بناء الدولة ودمج الأكراد داخلها لكنها بقيت فضفاضة تحتاج إلى اجتماعات لاحقة كثيرة لتبيان صورة تفاصيلها الدقيقة وهو ما جرى فعلياً من دون الوصول إلى مخرجات حقيقية تمثل تبلور التفاهم بين القوتين على رغم الرعاية الإقليمية والدولية وعلى رأسها الفرنسية والأميركية.
تلك المواجهة التي حملت معها توتراً ميدانياً مقلقاً مثلت في مكان ما، أحد صور التصادم السياسي الذي ترجم ميدانياً، ليكون السؤال الواجب طرحه الآن: هل انتهت الأمور عند هذا الحد، أم إن ما حصل كانت مقدمة حيوية لتسخين التفاوض قبل لقاء باريس القادم؟
رسائل ما قبل باريس
ذلك القصف المتبادل بين الطرفين كان الأول من نوعه، في توقيته وزمانه ومكانه، وبدا أنه لا يمثل مواجهة محدودة تتسم بالمحلية الخالصة بقدر ما تخطاها ليكون رسالة سياسية دولية تامة الأركان وقد بنيت على مهل وتأن، كما يقول المتخصص العسكري مظهر فايز، مشيراً إلى أن “كل طرف يحاول القول إنه يمتلك أدوات الدفاع عن نفسه، والهجوم حين يتطلب الأمر طالما لا تزال مطالب الطرفين معلقة ومضطربة”. ويرى فايز في ما حدث “أبعد من مواجهة بين جهتين، بل محاولة كسر نمطية تعيد التوازن على قاعدة القوة المكتنزة في صفوف كل طرف”. ويضيف أن “قسد أرادت توجيه رسالة عسكرية واضحة بأنها تحتفظ في حق الهجوم أو الدفاع عن نفسها وهي تملك تلك القوة، وأشارت إلى ذلك مواربة أو صراحة في بيانها المقتضب، وأن مناطقها خط أحمر غير قابل للتهديد أسوة بمناطق سورية أخرى، ومن ثم فإن أي اتفاق لا يراعي حضورها وثقلها في مناطق وجودها لن تأخذه بعين الاعتبار، كما أن الحكومة بإعلانها للمرة الأولى عن عدد قتلاها فهي تحمل ‘قسد’ مسؤولية فشل الاتفاق والتصعيد الذي وصفته بغير المبرر أو المسؤول، الذي يمثل تحدياً لميثاق الاتفاق الأولي في دمشق، والذي حصل في هذه الليلة وما قد يحصل لاحقاً هو تحضير ذهني ونفسي وعسكري لطاولة مفاوضات باريس”.
الموقف الدولي
واشنطن التي ترى ضرورة قصوى في تفاهم دمشق مع “قسد”، بدت في مكان ما عنصر إرباك للمشهد، عبر التصريحات المتناقضة التي قدمتها للطرفين في غير مرة عبر مبعوثها الخاص توم براك، كما أن فرنسا تشدد على ضرورة إعادة بناء الدولة بالتفاهم والوحدة والعيش المشترك لا بمزيد من نزف الدماء، وهي بذلك لا تخفي دعمها لـ”قسد” في الحفاظ على حقوقها التاريخية والثقافية واللغوية وأمانها الخاص وخصوصيتها العامة شريطة ألا تهدد الدولة السورية نفسها، وهذا الهدف من لقاءات التفاهمات في باريس التي لا تريد سوريا أرضاً مشتعلة، كما عبر مسؤولوها، فيما تبدو تركيا أكثر المتحمسين لإنهاء وجود “قسد” المركزي على الأرض بقبول حل التنظيم الذي يشكل الأكراد عموده الفقري ودمجه في الآلية البنيوية لشكل الدولة بما يضمن لها رؤيتها الاستراتيجية لواقع الصراع والتهديد المحتمل من جانب الأراضي السورية.
وفيما خلا تركيا، فإن باريس وواشنطن لا شك متفقتان بحسب تقارير إعلامية على ضرورة الضغط في مسار الحل ضمن الأطر السياسية لا العسكرية، كما أن أي تحول دراماتيكي للصراع على الأرض السورية قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر والعقوبات، وعليه فإن الملف يتسم بخصوصية منقطعة النظير، مع الأخذ بعين الاعتبار أن “قسد” تمثل جسداً عسكرياً قوياً ومتلازماً والتصويب نحو معركة هناك لن تكون نتائجه بمصلحة السلطة بالضرورة، كما يرى مراقبون.
وعلى رغم تأجيل لقاء سابق بين مظلوم عبدي ووزير الخارجية السوري أسعد شيباني في باريس الأسبوع الماضي، فإن الأوساط السياسية المحلية والفرنسية تنفي إلغاء اللقاء نهائياً، وتقول إن ما جرى هو تأجيله فحسب، وفي الجولة القادمة سيحضر عنوان “لا للمواجهات” كركيزة أساسية في بدء الحوار برعاية فرنسية عليا. وعليه سيبنى حوار سياسي مباشر بين الطرفين مع التعهد بعدم تجاوز “الخطوط الحمراء” التي سيتفق عليها.
السويداء إلى النار مجدداً
في المقابل، وبعد أيام قليلة من الهدوء تلت أسبوعين من المواجهات غير المسبوقة في السويداء جنوب سوريا، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1400 شخص واختفاء أكثر من 500 آخرين واختطاف نحو 80 سيدة، عادت المواجهات أمس الأحد، لتتجدد على وقع كارثة إنسانية تعيشها المحافظة التي أعلن أهلها أنها باتت منكوبة مع 36 قرية تابعة لها، في ظل انقطاع الماء والكهرباء والطبابة والإسعاف والطعام والخبز والوقود ومعظم الخدمات الإنسانية والبنى التحتية على رغم وصول قوافل مساعدات وصفها الأهالي بالمحدودة وغير الكافية، فيما أعلنت سلطات دمشق أن السويداء غير محاصرة، على رغم أنها في الوقت ذاته كانت تعلن فتح معابر إنسانية محدودة، مما يجعل الرواية متضاربة إلى حد ما.
وتجددت المواجهات بين فصائل درزية محلية من السويداء إثر مهاجمتهم نقطة لقوات الأمن السوري مما أدى إلى مقتل أحد العناصر وإصابة آخرين، في أول خرق لوقف إطلاق النار الذي لم يصمد كثيراً. تركزت الاشتباكات في البداية على محور تل الحديد غرب السويداء، وأفضت إلى سيطرة القوات الدرزية على الموقع، وتكمن أهمية تل الحديد في أنه نقطة استراتيجية مرتفعة تطل على مواقع وقرى متعددة في السويداء وتتيح من خلاله السيطرة بالنيران على تلك المواقع واستهداف التحركات ضمنها، لتمتد المواجهات لاحقاً إلى قرية الثعلة المجاورة بعد قصف معاد للمنطقة بالقذائف والأسلحة الثقيلة، إضافة إلى سقوط قذائف هاون مصدرها مقاتلو العشائر على قرية عرى القريبة، مما استدعى الرد وتبادل إطلاق النار بين الطرفين من جديد.
وفي التطورات المتتابعة أصدر بعض شيوخ العشائر أوامر لمقاتليهم بالتحرك من جديد نحو السويداء بعد سقوط عدد من مقاتلي الأمن العام، مما أدى إلى حال تعبئة عشائرية متجددة وفق ما أفادت به مصادر مطلعة. وفي الأثناء كثف الطيران الإسرائيلي المسير تحركاته في الجنوب السوري مما قد ينذر بتصعيد جديد ما لم يتدارك الأمر على الفور.
وبحسب قائد الأمن الداخلي في السويداء، أحمد دالاتي التابع لحكومة دمشق، فإن “عصابات متمردة في السويداء هاجمت نقاطاً للأمن الداخلي في المنطقة”، وإن “الهجوم بدأ على منطقة تل حديد وتوسع نحو قرى ولغا وريمة حازم بريف السويداء”. وأضاف أن “الهجوم كان منظماً وبدأ بتمهيد ناري مكثف مما أسفر عن سقوط عناصر من الأمن الداخلي وإصابة آخرين”. وأكد أنهم أعطوا الأمر بالرد الفوري على مصادر النيران تزامناً مع التواصل عبر الوسطاء لإعادة التهدئة. وأشار دالاتي إلى أن “سلوك العصابات الحالي يدل بصورة قطعية على أن وجود الدولة هو الحل الوحيد لضمان أمن المحافظة، وذلك لأن العصابات تستغل نفوذها هناك لتمرير أجندات شخصية وخارجية على حساب مصلحة البلد”. وختم حديثه بالقول إن “العصابات المتمردة لم تستجب حتى الآن لبند الاتفاق الثاني الخاص بإخراج المعتقلين وتبيان مصير المفقودين”.
مصدر في حركة “رجال الكرامة”، التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، قال إن مهاجمتهم لمنطقة تل الحديد لم تكن من فراغ أو بهدف إحداث فوضى أو خرق لوقف إطلاق النار، بل لأن العناصر المسيطرين عليها من قوات الأمن يستخدمونها كقاعدة قنص واستهداف بالرصاص والقذائف باتجاه السويداء والقرى القريبة من الموقع. وأضاف أن “القصة لم تبدأ من تل حديد كما سوق، ولم تكن لدينا نية مهاجمة أي نقطة، لكن سلطات دمشق هي من باشرت الاعتداء منذ أول من أمس السبت بقصفها قرية عرى قبل أن يهاجمها مسلحو العشائر، ودعمهم في ذلك العناصر المتمركزون على تل حديد بالنيران التمهيدية، وهذا ما دعانا إلى الاستجابة لنداء المواجهة ودفع البلاء عن أهلنا ومحافظتنا، ونحن هنا كنا في موقع الدفاع عن النفس لا التعدي والهجوم وخرق الاتفاق وإسقاط الهدنة الذي مورس من قبل الأمن والعشائر”.
تزايد التصعيد في الجنوب السوري بعد أيام الراحة والهدنة عقب المعركة الأولى، لا يحمل بشائر خير، فإن زادت الأمر سوءاً وتعقيداً فلن يستثنى طرفاً، الدروز سيفقدون مزيداً من القتلى والجرحى والمفقودين وتزداد نكبة مدينتهم معهم، والسلطات والعشائر سيخسرون مقاتلين إضافيين، وفوق ذلك سيزداد الضغط الغربي على دمشق في شأن حماية المكونات السورية وسينعكس بصورة تصريحات قاسية كما فعل المبعوث الأميركي توم براك في وقت سابق حين هدد دمشق علانية، كما ستتخذ فرنسا موقفاً أكثر صرامة، وقد ينخفض معدل الزخم العربي الداعم لعملية الانتقال في سوريا تحت وطأة عدم تحقيق أنصاف المطلوب، إضافة إلى إمكانية عودة الدور الإسرائيلي الذي سيحمل معه قصفاً جوياً من ناحية، وتمدداً برياً في مناطق أخرى من ناحية ثانية، وتعطلاً إضافياً في مسار المفاوضات من ناحية ثالثة إذا ما فكر الجيش السوري بالتوغل بسلاحه الثقيل لحسم ملف الجنوب وهو الخط الأحمر عند الإسرائيليين.
“أولي البأس”
ظهر في الأشهر الماضية تنظيم جديد على الساحة السورية اسمه “أولي البأس” واتسم بالسرية التامة قبل أن يظهر أول من أمس السبت، قائد التنظيم للمرة الأولى في فيديو مصور مرتدياً لثاماً ومعلناً عن التعبئة العامة. اسم قائد التنظيم، أبوجهاد رضا، أو رضا حسين، وكلاهما أسماء مستعارة. وأكد في حديثه أن “نظام الأسد السابق كان واجهة لتمرير مشاريع خارجية غير وطنية تبتعد عن السيادة والمشروعية الوطنية”.
وأشارت مصادر متابعة إلى أن “أبو جهاد” سجل الفيديو من إحدى مناطق الجنوب السوري، ويرجح أن تكون بين درعا والقنيطرة في إحدى المناطق الآمنة، وقد ظهر في التسجيل رغم أنه تعرض في وقت سابق لإصابات في جسده عقب مواجهة مع قوة برية إسرائيلية كانت تتقدم في الأراضي جنوب سوريا.
“أبو جهاد” أكد أنه لا يوجد اليوم في سوريا دولة مركزية، وحكومة دمشق لا تمثل شيئاً”، لكنه رغم ذلك لن يواجهها عسكرياً، بل سيكتفي بذلك إعلامياً وسياسياً لأن هدفه “قوات الاحتلال”، على رغم أن “حكومة دمشق” بحسب تعبيره، “ما هي إلا أداة لتنفيذ أجندات تركية وأميركية وإسرائيلية تهدف بمجملها إلى محو ذكر المقاومة وأهدافها”.
وفي الوقت ذاته أكد رضا أن “ما تشهده سوريا اليوم من أحداث وتعقيدات لا يرقى ليكون حرباً أهلية أو فوضى تامة، بل هو مخطط إقليمي غربي وروسيا حاضرة فيه إلى جانب أطراف أخرى برعاية استخبارات دول عدة، ويستدل على ذلك بالمجازر التي وقعت، والتي كانت في رأيه “مدروسة في كل المحافظات”. وفي معرض حديثه أكد زعيم التنظيم “وجود 17 مقراً للاستخبارات الإسرائيلية داخل دمشق وحدها، مهمتها بث خطاب الفرقة والكراهية بين السوريين، وهي غرف سوداء نشطة”.
وأكد رضا أن خيار “أولي البأس” الوحيد هو “الركون إلى الجبهات حيث لا يوجد خيانات”، وأنهم في تنظيمهم “المقاوم” لا يسعون إلى سلطة، ولا ينازعون أحداً في كيانه، وإنما هدفهم الوحيد “تحرير سوريا واستعادة قرارها السيادي”.
ولـ”أولي البأس” اسم آخر وهو “قيادة المقاومة في سوريا”، وقد دعا رضا إلى التعبئة العامة من “كل الشرفاء والوطنيين والمجاهدين والضباط والعناصر السابقين في جيش نظام الأسد”. مما يضع سلطات دمشق أمام تحد جديد في معرفة التنظيم وتبعيته ومدى قدراته وإمكانية تأثيره في الجنوب السوري وبخاصة على الحدود مع إسرائيل
—————————
رموز نظام الأسد بين العدالة والحماية… مشهدان متناقضان في سوريا/ اسماعيل درويش
أحدهما تاجر مخدرات والآخر حليف لإيران… الهجري يسلم أمن السويداء لضباط النظام السابق
الجمعة 8 أغسطس 2025
أعلنت لجنة شكلها حكمت الهجري تعيين العميد شكيب نصر قائداً لأمن السويداء، والعميد أنور رضوان نائباً له، وهما من ضباط النظام السابق ومتهمان بارتكاب جرائم حرب، في المقابل بدأت وزارة العدل السورية محاكمة أربعة من أشهر رموز نظام الأسد بينهم وزير الداخلية السابق والمفتي السابق، والمتهم باغتيال كمال جنبلاط.
في الـ28 من يونيو (حزيران) 2012 مرت أكثر من سنة على اندلاع الانتفاضة السورية ضد حكم البعث، ازدادت أعمال القتل شيئاً فشيئاً، كانت أعمال القتل ترتكب يومياً في غالب المدن السورية، فكان لا بد من صياغة قانون يبرر هذه الجرائم، فصدر في ذلك اليوم ما يسمى “قانون مكافحة الإرهاب”، الذي ينص بمضمونه على إلصاق تهمة الإرهاب بكل من يعارض النظام، ومن ثم فإن قتله مبرر لدى السلطة، بل أصبح للقتل تشريع قانوني في سابقة لم تشهدها سوريا من قبل.
ضباط جيش النظام وعناصره كانوا الأداة التنفيذية لقمع المعارضة من دون وجود سقف للعنف أو خط أحمر للقتل، وغالب عمليات الإعدام تتم بمصادقة مفتي الجمهورية.
عندما أصدر النظام قانون “مكافحة الإرهاب” رفض بعض القضاة تطبيقه، لكن الرفض يعني الموت المحتم أو الانشقاق والهرب، وهذا ما اختاره القاضي توفيق عليوي، فرفض تطبيق القانون وانشق، وبقي نازحاً وملاحقاً طوال الأعوام الماضية. لم يكن القاضي توفيق عليوي يحلم أن يكون ذات يوم محاسباً للأشخاص الذي نفذوا قانون الأسد وأثخنوا في دم الشعب السوري، بيد أن الحلم أضحى حقيقة، وبالفعل جلس عليوي وأمامه أربعة من أبرز رموز النظام السابق، وهو يسجل اعترافاتهم بما ارتكبوه من جرائم.
العدالة الانتقالية ترى النور
في السابع من أغسطس (آب) الجاري، نشرت وزارة العدل السورية تسجيلاً مصوراً يظهر القاضي توفيق العليوي، وهو يستجوب كلاً من المفتي العام السابق لسوريا أحمد بدر الدين حسون، واللواء إبراهيم حويجة، ووزير الداخلية السابق محمد الشعار، ورئيس فرع الأمن السياسي السابق بدرعا، عاطف نجيب. استجوب هؤلاء الأربعة بتهم تراوح ما بين “القتل العمد وارتكاب أعمال التعذيب، والموت الناجم عن التعذيب، والتحريض والاشتراك والتدخل بالقتل”، في مشهد لقي ترحيباً واسعاً على الصعيد الشعبي، أملاً في تحقيق العدالة الانتقالية.
إعادة تدوير مجرمي الحرب
محاكمة رموز النظام السابق جرت في العاصمة دمشق، لكن على بعد عشرات الكيلومترات، تحديداً في مدينة السويداء، أعلن شيخ العقل حكمت الهجري تعيين اثنين من رموز النظام السابق في مناصب حساسة.
الأول هو العميد شكيب أجود نصر، الذي كان من أبرز ضباط نظام الأسد، ومتهم بارتكاب جرائم حرب، وشغل منصب رئيس الأمن السياسي في فترة حكم النظام حتى سقوطه، عينه الهجري قائداً لما يسمى “قوى الأمن الداخلي في السويداء”. أما الضابط الثاني فهو العميد أنور عادل رضوان، الذي كان يشغل مدير أمن منطقة بانياس في عهد النظام السابق، ومتهم بارتكاب انتهاكات واسعة في حق أبناء الساحل السوري، وعلى وجه الخصوص أبناء مدينة بانياس حيث اعتقل العشرات منهم، وجزء منهم لا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم، عينه الهجري نائباً لقائد “قوى الأمن الداخلي في السويداء”.
يتحدر العميد شكيب نصر من قرية “نجران” بمحافظة السويداء، في الفترة ما بين عامي 2011 و2018، وشغل مناصب مختلفة بفرعي الأمن السياسي في الحسكة ودمشق. كان أحد الشخصيات التي يعتمد عليها النظام في التعامل مع “قوات سوريا الديمقراطية”، حيث كان يدخل ويخرج من المربع الأمني التابع للنظام داخل مدينة الحسكة. وفي عام 2018 عينه بشار الأسد رئيساً لفرع الأمن السياسي في محافظة طرطوس.
عميد برتبة تاجر مخدرات
خلال الأشهر الأولى لتوليه المنصب، أشرف شكيب نصر على اعتقال العشرات من أبناء محافظة طرطوس، من بينهم الدكتور محمود الصالح، الذي يقول إنه “تعرض لتعذيب وحشي على يد العميد نصر في فرع طرطوس، وأمضى 23 يوماً في زنزانة انفرادية تحت التعذيب المباشر، قبل نقله إلى فرع الفيحاء في دمشق”، إضافة إلى عمله الأمني والاتهامات التي تلاحقه بخصوص تعذيب المعتقلين حتى الموت، عمل شكيب نصر في التغطية على تجارة وترويج المخدرات مقابل حصوله على نسبة من الأرباح، فكان من أبرز تجار المخدرات الذين عمل معهم المدعو “سموءل مظهر زريق”، الملقب بـ”أبي حيدرة”، وأخوه حسام الدين. وفي سبتمبر (أيلول) 2022 قتل سموءل بحادثة سير على طريق طرطوس- حمص، وضبطت شرطة المرور في السيارة التي كان يقودها 1970 كيلوغراماً من الحشيش، و3.27 مليون حبة كبتاغون، إضافة إلى ثلاث قنابل يدوية وبندقية حربية.
أصابع إيران حاضرة في جنوب سوريا
بعد سقوط النظام مباشرة هرب شكيب نصر متخفياً إلى السويداء، واختفى عن الأنظار إلى حين إعلان تعيينه قائداً للأمن الداخلي في المدينة من قبل حكمت الهجري. أما نائبه العميد أنور رضوان، فلا يقل تاريخه “إجراماً” عن نصر، إذ شغل منصب رئيس أمن منطقة بانياس، وعانى أهل المدينة طوال الأعوام الماضية قبضته الأمنية والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن ارتباطه بـ”حزب الله” والجماعات الموالية لإيران في سوريا. وبعد سقوط النظام اختفى رضوان ولم يظهر اسمه إلا عندما تم الإعلان عن تعيينه في منصب أمني بالسويداء.
في الـ26 من يوليو (تموز) الماضي أعلن الهجري تشكيل “لجان قانونية وإنسانية” داخل السويداء، بهدف “تنظيم العمل القانوني والإنساني بشكل منهجي وصيانة حقوق المواطنين في هذه المرحلة الحساسة”، وفق زعمه. وبعد نحو أسبوع من تشكيلها، أعلنت اللجنة المسماة بـ”اللجنة القانونية العليا”، تعيين العميد شكيب أجود نصر قائداً لقوى الأمن الداخلي في السويداء، وأنور رضوان نائباً له، على رغم أنهما متهمان بارتكاب جرائم حرب. وقالت اللجنة في بيانها إن القرار جاء “بناءً على مقتضيات المصلحة العامة”.
وبحسب البيان الصادر عنها، تتألف اللجنة من ستة قضاة، وثلاثة محامين، وأعلنت عن “قبولها التبرعات لتوزيعها على المتضررين”.
قضاة مطلوبون للعدالة
من جانبها، نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، عن مصدر مسؤول في وزارة العدل السورية، تأكيده إحالة القضاة المذكورة أسماؤهم في عضوية ما سمي “اللجنة القانونية العليا” بالسويداء، إلى إدارة التفتيش للتحقيق، لمخالفتهم الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية. ونقلت “سانا” عن المصدر قوله، “تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي نبأ تشكيل لجان محلية في محافظة السويداء، يأتي على رأسها ما سمي ‘اللجنة القانونية العليا’، التي أصدرت عدداً من القرارات بتشكيل لجان أخرى ذات طابع إداري وأمني وخدمي، وتضمنت في تشكيلتها القضاة التالية أسماؤهم: مهند أبو فاعور وأيمن الحرفوش ومفيد عماشة وعصام العراوي وشادي مرشد ومعتز الصايغ، إن القضاة المذكورين ضمن اللجنة المذكورة باشروا أعمالهم، وهي أعمال تخالف الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، وبخاصة المواد 78 وما يليها من قانون السلطة القضائية، التي لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية ومهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر يؤديه بالذات أو بالواسطة، كما حظرت على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية وحظرت عليهم الاشتغال بالسياسة”.
وأضاف المصدر لـ”سانا” أنه “بما أن العمل الذي باشره القضاة المذكورون سالفاً عمل سياسي محض يتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم، وباشره القضاة بذاتهم بتكليف من جهة غير مجلس القضاء الأعلى، وبما أن الأخبار تتناقل احتمال مشاركة قضاة آخرين في هذه الأعمال، مثل القاضي إخلاص درويش، والقاضي خزامة مسعود، فقد تمت إحالة القضاة المذكورين إلى إدارة التفتيش للتحقيق في ما ينسب إليهم واتخاذ الإجراءات المناسبة في حق من تثبت مشاركته في هذه الأعمال”.
وتزامنت هذه التعيينات في السويداء مع بدء محاكمة أربعة من رموز النظام السابق، وهم:
أحمد بدر الدين حسون
مفتي سوريا السابق، ومشهور لدى السوريين باسم “مفتي نظام البراميل”، تم اعتقاله في مارس (آذار) الماضي بعد صدور مذكرة توقيف بحقه من قبل النائب العام في وزارة العدل، وتم إلقاء القبض عليه خلال محاولته الفرار خارج البلاد عبر مطار دمشق الدولي.
إبراهيم حويجة
هو أحد المتهمين في المشاركة بعملية اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، زعيم الحركة الوطنية اللبنانية، مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي في الـ16 من مارس 1977، كان أحد أبرز الضباط في عهد حافظ الأسد وابنه بشار، متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تم اعتقاله في السادس من مارس الماضي. يتحدر من قرية عين شقاق في مدينة جبلة بريف اللاذقية. وبحسب تقارير لبنانية سابقة، فإن إبراهيم حويجة، هو المسؤول عن تنفيذ اغتيال كمال جنبلاط، إلى جانب تورط اللواء محمد الخولي في تلك الجريمة.
محمد إبراهيم الشعار
هو وزير الداخلية السابق خلال حكم نظام الأسد، من أشهر انتهاكاته ما تسمى “مجزرة صيدنايا” عام 2008، وشغل منصبه بالوزارة في الفترة ما بين عامي 2011 و2018، وهي الفترة التي شهدت أكبر عمليات اعتقال وقتل تحت التعذيب في تاريخ سوريا.
عاطف نجيب
ابن خالة بشار الأسد، يحمل رتبة عميد، ترأس فرع الأمن السياسي في مدينة درعا حتى عام 2011، وهو المتهم باعتقال أطفال درعا وتقليع أظافرهم. يتهم أيضاً بالإشراف على قتل الطفل السوري الشهير حمزة الخطيب.
إذاً، بينما يفرح السوريون في دمشق بالبدء في تحقيق خطوات العدالة الانتقالية التي ينتظرونها منذ سبعة أشهر، تعرض قسم عريض منهم للاستفزاز من قبل الجماعات المسلحة التابعة لحكمت الهجري في السويداء، وهي تستعين بضباط النظام السابق في إدارة المحافظة، وسط اتهامات للهجري بأن لديه مشاريع انفصالية وأجندة خارجية.
في المقابل يرى آخرون أن على الحكومة السورية أن تتعامل مع الأمر بحكمة، وتحل ملف السويداء من طريق الحوار وإشراك الجهات الإقليمية والدولية بهدف الوصول إلى نتائج إيجابية، بطرق أخرى غير العنف.
————————–
وسط غياب الثقة والإجراءات التصعيدية.. أي دور للجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء؟/ أغيد حجازي
7 أغسطس 2025
أعلنت وزارة العدل، الأسبوع الماضي، عن تشكيل لجنة تحقيق خاصة بأحداث السويداء الأخيرة، وذلك عقب اشتباكات مسلّحة دامت ثلاثة أيام بين قوات الجيش السوري وعناصر من وزارة الداخلية من جهة، وبين فصائل مسلّحة محلية من جهة أخرى، تلاها صدام مسلّح استمر لأربعة أيام بين تلك الفصائل ومجموعات عشائرية.
تشكيل اللجنة جاء بعد انتشار مقاطع توثق انتهاكات خطيرة خلال الاشتباكات، شملت الإعدام الميداني والحرق والنهب. ووفقًا لتقرير صادر عن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فقد قُتل 1013 شخصًا مدنيًا وعسكريًا من مختلف الأطراف جراء هذه الأحداث.
وتُعد اللجنة الحالية الثانية من نوعها التي تُشكّل على خلفية انتهاكات جسيمة، بعد لجنة “أحداث الساحل السوري”، والتي كانت قد سلّمت تقريرها إلى رئاسة الجمهورية في وقت قريب من انتهاء أحداث السويداء. وقد عقدت اللجنة السابقة مؤتمرًا صحفيًا لعرض نتائجها، لكنها قوبلت برفض شعبي، خصوصًا في أوساط أبناء الساحل السوري، الذين اعتبروا أن تشكيل اللجنة من قبل الحكومة أفقدها الحياد والمصداقية.
وانطلاقًا من هذا السياق، عبّر العديد من أبناء محافظة السويداء عن رفضهم للجنة الجديدة، واعتبروها نسخة عن تجربة لجنة الساحل. وقد شهدت “ساحة الكرامة” في المدينة احتجاجات شارك فيها المئات، رُفعت خلالها لافتات تطالب بتحقيق دولي مستقل، مؤكدةً على فشل لجنة الساحل في تحقيق العدالة.
من جهتها، عقدت اللجنة أولى جلساتها في مقر وزارة العدل بدمشق برئاسة وزير العدل الدكتور مظهر الويس، الذي شدّد على ضرورة التزام اللجنة بمبادئ العدالة والحياد، والعمل لصالح السلم الأهلي واستقرار المجتمع.
وعقب الاجتماع، تم انتخاب القاضي حاتم النعسان رئيسًا للجنة، وتعيين المحامي عمار عز الدين متحدثًا إعلاميًا رسميًا. كما تقرّر تخصيص مقر دائم للجنة في وزارة العدل، وفتح خطين هاتفيين للتواصل مع أهالي السويداء وتلقي الشكاوى، بإشراف القاضي ميسون الطويل والمحامي عمار عز الدين، حيث يُنتظر الإعلان عن الرقمين قريبًا لضمان مشاركة الضحايا.
وقال رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، في تصريح لـ”سانا”، إن التحقيقات ستنطلق فورًا بلقاء المسؤولين المحليين في محافظتي السويداء ودرعا، إلى جانب المتضررين من الأهالي. وأضاف أن العمل سيتوزع على مجموعات متخصصة وفق خبرات الأعضاء، مشددًا على أن الهدف الرئيسي هو الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وتحديد المسؤولين عن الأحداث المؤسفة كمدخل لتحقيق السلم المجتمعي، مؤكدًا أن اللجنة ستعمل بصلاحيات كاملة وبمنتهى الشفافية.
رفض شعبي للجنة التحقيق
في حديث خاص لـ”الترا سوريا”، قال المحامي أكرم جمال، وهو أحد المعتقلين السابقين في فرع 215 ضمن سجون النظام السابق، إنه يرجّح، دون أن يجزم، أن “لا أحد من أبناء السويداء سيتعاون مع اللجنة التحقيقية التي شكّلها وزير العدل”، معتبرًا أن هناك “شبه إجماع داخل السويداء على أن الأمن العام والجيش شاركا بشكل مباشر أو غير مباشر في المجزرة التي وقعت”.
وأضاف جمال: “صحيح أن بعض المجموعات المحلية ارتكبت تجاوزات، إلا أن تلك الانتهاكات لا تُقارن بحجم المجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين، ولذلك أعتقد ــ وأكاد أجزم ــ أنه لن يكون هناك تجاوب شعبي مع هذه اللجنة”.
وأشار إلى أن لجنة التحقيق التي شُكّلت على خلفية أحداث الساحل في السابق قدّمت نتائج غير دقيقة، وعامة، وانحازت بوضوح لصالح الحكومة، مما أفقدها المصداقية، وترك أثرًا عميقًا في نفوس الناس، خصوصًا في السويداء التي فقدت الثقة تمامًا بالسلطة.
وقال إن كل من يريد الحقيقة لا يحتاج إلى أكثر من مشاهدة الفيديوهات التي بثتها العناصر التي اقتحمت السويداء وهي توثق جرائم قتل وذبح وحرق منازل ونهب وإهانات طالت الشيوخ والرموز الدينية، بل وخطابات طائفية متعصبة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأضاف: “المؤلم أن هذه الانتهاكات لم تُنكر فقط، بل إن هناك من يدافع عنها ويبررها. هؤلاء صوّروا المجازر ونشروها، والسلطة ما زالت صامتة أو متواطئة”.
وأشار إلى أن “الثقة بين أبناء السويداء والسلطة وصلت إلى حد القطيعة، ولا يرى أي أفق لإعادة ترميمها”، معتبرًا أن “اللجنة المشكلة للتحقيق في مجازر السويداء لن تكون حيادية، خاصة في ظل تهجير سكان 36 قرية وسرقة ممتلكاتهم وحرق بيوتهم”.
وتساءل أكرم جمال: “ما هو توصيف هذا الفعل؟ ما هو توصيف هذه الحالة؟ وماذا يمكن أن نتوقع من ردة فعل الأهالي تجاه هذه الجرائم؟”.
يتوافق كل من المحامية منار مونس، والحقوقي والناشط السياسي سليمان الكفيري، وكلاهما أيضاً من أبناء السويداء، مع ما طرحه المحامي أكرم جمال في رفض اللجنة الرسمية التي شُكّلت للتحقيق في مجازر السويداء واعتبارها فاقدة للثقة والحياد بحسب حديثهما لـ “الترا سوريا”.
فقد أكدت مونس أن لجنة التحقق التابعة لوزارة العدل “ممنوعة من دخول السويداء”، ويعود ذلك إلى “رفض شعبي عام من المجتمع المحلي”، وأضافت: “اللجنة تُجري مؤتمرات صحفية واجتماعات، لكنها فعليًا ممنوعة من الدخول، لأن الأهالي لا يثقون بلجنة شُكّلت من قبل جهة دخلت إلى السويداء وارتكبت انتهاكات داخلها”.
وشددت على أن “المجتمع الأهلي يرفض استقبال اللجنة، وهناك إجماع على رفضها بالكامل، والمطالبة بلجنة تحقيق دولية”، وأوضحت أن “اللجنة التي كانت مسؤولة عن التحقيق في أحداث الساحل السوري، استُبعدت هذه المرة نتيجة للرأي العام السلبي حيال أدائها السابق”، مضيفة أن “لجنة الساحل قدّمت تقريرًا غير شامل، وتجاهلت العديد من الانتهاكات”.
وأضافت مونس: “نحن نتوقع أن تخرج هذه اللجنة بنتائج شبيهة بنتائج لجنة الساحل، من حيث تحميل المسؤولية لمجموعة مجهولة خارجة عن القانون ترتدي زيًا عسكريًا. ولكن الحقيقة، كما نعرفها جميعًا، أن من ارتكب الانتهاكات هم عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع، ودخلوا إلى السويداء وهم يعرّفون أنفسهم صراحة، وقد ارتكبوا جرائم موثقة بالفيديوهات من قتل وحرق ونهب وإهانة كرامات الناس”.
وتابعت: “كلنا في السويداء شاهدنا ما حدث، ونجونا من هذه الانتهاكات، أو نعرف أحدًا تضرر منها. لا يمكن القبول بتوصيف الفاعلين كمجهولين. هذا غير دقيق وغير مقبول”.
كما أكد الكفيري أن اللجنة المشكلة من قبل الحكومة لا تحظى بثقة أبناء السويداء، مشيرًا إلى أنها ليست نزيهة ولا حيادية، وستعمل على تزييف الحقائق، على حد تعبيره.
واعتبر الكفيري أن لجنة التحقيق في أحداث الساحل تمثل “أكبر دليل” على ذلك، لافتًا إلى أن العديد من الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم في اللاذقية ما زالوا على قيد الحياة دون محاسبة، مشيرًا إلى أن بعضهم شارك أيضًا في ارتكاب جرائم في السويداء، وهم معروفون بالاسم والصورة، بحسب قوله.
وأكد أنه لا يوجد إجماع مطلق، لكن يوجد “شبه إجماع” في السويداء على رفض اللجنة المشكلة، معتبرًا أن الأصوات المؤيدة لهذه اللجنة “نشاز” مقارنةً مع ما وصفه بـ”الرأي الجمعي والرأي العام” في المحافظة.
وأشار إلى أن المجتمع في السويداء يرفض دخول لجنة التحقيق، خاصة أن هذه اللجنة – على حد تعبيره – ستسعى إلى إرضاء الحكومة التي شكلتها، ولهذا فهي مرفوضة تمامًا.
مطالبة بـ “لجنة دولية محايدة”
وكانت لجنة التحقيق أكّدت، في تصريحات إعلامية، أنها ستختتم أعمالها بإصدار تقرير نهائي يتضمّن نتائج التحقيق وقوائم المسؤولين عن الانتهاكات، مشيرة إلى أنها ليست جهة قضائية، وإنما يقتصر دورها على جمع الأدلة وإحالة المتهمين إلى القضاء المختص وفق الإجراءات القانونية.
وأوضحت أن الدولة السورية، طالما لا تزال قادرة على إجراء تحقيقات داخلية، فإن تشكيل لجنة تحقيق دولية لا يُعد خيارًا قانونيًا، مؤكدة أن هذا المطلب لا يستند إلى مبررات تستوفي الشروط القضائية الدولية، لا سيما في ظل وجود مؤسسات وطنية قادرة على أداء هذا الدور.
وشدّدت اللجنة على أن عمل اللجنة يستند إلى مبدأ الاستقلالية التامة، وأنها لا تخضع لأي توجيهات أو إملاءات من أي جهة رسمية أو أمنية، مؤكدة انفتاح اللجنة على التعاون مع أي جهة دولية محايدة ترغب في الاطلاع أو المساهمة، سواء عبر الدعم الفني أو الرقابة المستقلة.
كما أشار إلى أن اللجنة تتصف بالحيادية الكاملة، وأنها ستقوم بإرسال نسخة من تقريرها النهائي إلى الأمم المتحدة فور الانتهاء منه، انطلاقًا من التزامها بالشفافية، وضمانًا لتوثيق النتائج على المستوى الدولي.
وأشارت اللجنة إلى أن الرئيس الشرع أصدر تعليمات واضحة لأجهزة الدولة بضرورة محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات، مؤكدة أن التعليمات تشمل عناصر الأمن في حال ثبت تورّطهم، وأن لا أحد فوق المساءلة.
في مقابل تشديد اللجنة الرسمية على استقلالها، واصل عدد من أهالي السويداء المطالبة بلجنة دولية محايدة، حيث أشار الكفيري أن المطالبة بلجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة لا تهدف إلى استهداف أحد، بل تسعى إلى كشف الحقيقة كما هي، وتوثيق الجرائم التي وقعت في السويداء بدقة، سواء تمثلت بالقتل، أو حرق المنازل، أو الاغتصاب، أو الإهانات التي طالت كرامات الناس، على حد تعبيره.
وأوضح أنه لا أحد يطالب بلجنة تحقيق تابعة لما سمّاه “الرئاسة الروحية” في السويداء، بل إن الجميع يطالب بلجنة تحقيق دولية حيادية، لا تكون من أبناء السويداء، ولا تتبع لحكومة الشرع.
وشددت مونس على أن “الحل الآن هو استمرار اللجان المحلية التي جاءت من رحم المجتمع الذي تعرض للانتهاك، وهي لجنة قانونية وقضائية لا تتبع للرئاسة الروحية كما يشاع، في أداء دورها، ريثما يُستكمل الضغط من أجل دخول لجنة تحقيق دولية، أو على الأقل لجنة دولية تشرف على عمل التوثيق”.
وتابعت: “نحن لا نثق بأي طرف تابع للحكومة الحالية، لأن هذه الحكومة لم تعترف أصلًا بما حصل، وتصر على رواية أن الفاعلين مجموعات مجهولة، وهذا غير مقبول في نظر أبناء السويداء”.
واعتبر جمال أن “السلطة تجاهلت كل التحذيرات من خطاب الكراهية، بل ربما استغلته كأداة للهيمنة على فئات من الشعب”، مشيرًا إلى أن “ما نراه اليوم هو غياب تام لدولة القانون والمواطنة والمساواة، لصالح منظومة تحريضيّة وطائفية وهو ما يعزز المطالبة بلجنة تحقيق دولية حيادية”.
رفض متعدد الدوافع
من جهته، اعتبر الكاتب والباحث السوري بسام السليمان أن رفض دخول لجنة التحقيق إلى السويداء لا يمكن تصنيفه كرفض موحّد الدوافع.
وأوضح السليمان، في حديث لـ “الترا سوريا”، أن “جزءًا من هذا الرفض يأتي من جماعات مسلحة أو عناصر مرتبطة بعصابات محلية ارتكبت مجازر بحق البدو، واغتالت عناصر أمنية، وهؤلاء يرفضون دخول اللجنة خوفًا من المحاسبة وكشف الجرائم التي تورّطوا فيها”.
وفي المقابل، أشار إلى أن “بعض المدنيين من أهالي السويداء الذين شهدوا تجاوزات من قبل عناصر أمنية غير منضبطة محسوبة على الدولة، أصبح لديهم ردة فعل تجاه مؤسساتها”، موضحًا أن “هذا التباين في المواقف يستدعي فهمًا أعمق لرفض دخول اللجنة، ولا يمكن حصره في إطار واحد”.
وحول تجربة لجان التحقيق السابقة، استشهد السليمان بما حدث في أحداث الساحل، مؤكّدًا أن لجنة التحقيق هناك كانت أكثر مهنية.
وقال: “أعرف بعض أعضاء تلك اللجنة، وكان لديهم صدق نية ورغبة فعلية في المحاسبة، وشعور عام بأن من ارتكب جرائم يجب أن يُحاسب، وأنه لا يمكن بناء البلد من دون عدالة”. وأردف: “بلغني أنهم أحالوا بين 280 و480 اسمًا كمتهمين إلى القضاء، ولا أعلم الرقم الدقيق، لكنني لاحظت وجود نية واضحة لمحاسبة من ارتكب الجرائم في الساحل”.
أما بخصوص لجنة السويداء، فأكد السليمان أنه لا يعرف أعضاءها، لكنه أشار إلى أن الدولة السورية، بحسب تعبيره، “لديها رغبة حقيقية بالمحاسبة”.
واعتبر الباحث السوري أنه “في ظل هذه الأوضاع، لا يمكن للدولة أن تستمر من دون محاسبة”.
وفي ما يخص تعزيز عمل اللجنة، دعا السليمان إلى إشراك خبراء دوليين في لجنة التحقيق، معتبرًا أن “وجود خبرات دولية من شأنه أن يعزز الشفافية ويُضفي مزيدًا من الجدية والمصداقية على التحقيقات”.
ورأى أن “كل من ارتكب جرائم – سواء بحق أبناء الطائفة الدرزية، أو بحق البدو، أو من غدر بعناصر أمنية وعسكرية – يجب أن يُحاسب دون استثناء”.
نزاهة قاضية لا تكفي لضمان حياد اللجنة
وبشأن القاضية ميسون حمود الطويل وهي العضو الوحيد من أبناء السويداء في اللجنة. قال سليمان الكفيري إن “الانتماء الطائفي أو الجغرافي لا يشكل معيارًا للتقييم”، مؤكدًا أن ما يهم هو السيرة الشخصية والنزاهة. وأضاف: “ليكن العضو من أي جهة أو مرجعية كانت، المهم أن يتحلى بضمير حي ونقي، وأن يؤدي واجبه بتفصيله الأخلاقي والوطني”.
وقال أكرم جمال: “هي من السويداء فعلاً، لكنها مقيمة في دمشق، ولا نعرف ما إذا كانت قبلت المهمة عن قناعة أو تم فرضها، ولا نعرف موقفها الحقيقي من السلطة أو مما جرى في السويداء”.
وأضاف: “هي ليست شخصية معروفة داخل المحافظة، وربما كان من الممكن أن تحظى اللجنة بقبول أوسع، لو تم اختيار نصف أعضائها من أبناء السويداء، باعتبارهم الطرف المتضرر أو أصحاب المظلومية”.، أما شخص واحد ضمن مجموعة، فقد لا يكون له تأثير حقيقي.
ورأت المحامية منار مونس أن إدخال قاضٍ من أبناء السويداء إلى اللجنة قد يكون محاولة لمنحها شرعية محلية. وأوضحت أن القاضية الطويل تُعرف بنزاهتها، لكن وجودها وحده لا يكفي لضمان حياد اللجنة، خاصة في غياب تمثيل واسع لأبناء المحافظة.
—————————
تقرير عبري: بقاء المواقع الإسرائيلية جنوبي سوريا ضرورة أمنية طويلة الأمد
2025.08.08
أكد تقرير عبري أن احتياجات إسرائيل الأمنية في شمالي فلسطين المحتلة لا تسمح بالانسحاب من لبنان وسوريا، مشدداً على أن بقاء المواقع العسكرية الإسرائيلية في سوريا “موقف أمني ضروري وطويل الأمد”.
وقال تقرير نشره موقع “ألما” العبري للأبحاث إن بقاء المواقع العسكرية الإسرائيلية في جنوبي سوريا وجنوبي لبنان ليس ورقة تفاوضية مؤقتة، بل يمثل موقفاً أمنياً طويل الأمد تفرضه معطيات ميدانية وسياسية معقدة، في ظل ما وصفه التقرير بـ”غياب أي شروط واقعية لانسحاب آمن ومستدام” لقوات الجيش الإسرائيلي من هذه الجبهات.
سيادة الدولة السورية عقبة أمام المطالب الأمنية الإسرائيلية
واعتبر التقرير أن الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تسعى لإعادة فرض سيادة الدولة المركزية على كامل الأراضي السورية، مؤكداً أن هذا الهدف يتعارض بشكل مباشر مع المطالب الأمنية الإسرائيلية بإقامة منطقة عازلة موسعة منزوعة السلاح جنوبي سوريا، تشمل الأراضي الواقعة جنوب دمشق.
وذكر تقرير “ألما” أن هذه المطالب الإسرائيلية تعززت بعد أن ضم الجيش السوري الجديد فصائل مسلحة تضم “مقاتلين جهاديين سابقين”، نفذوا انتهاكات في الساحل السوري وفي محافظة السويداء، في آذار وتموز الماضيين.
“حزب الله”.. معضلة السلاح المستعصية
وفيما يتعلق بلبنان، قال التقرير إن هوية “حزب الله” كحركة شيعية دينية أيديولوجية مسلحة تجعل من المستحيل أن يقوم الحزب طواعية بنزع سلاحه، وهو ما تعتبره إسرائيل شرطاً أساسياً للانسحاب من جنوبي لبنان.
كما اعتبر أن الجيش اللبناني غير قادر على تفكيك قدرات الحزب العسكرية بشكل جذري ومنهجي.
وأشار إلى أن تقليص قدرات “حزب الله” حتى الآن تحقق بشكل رئيسي عبر الحملة العسكرية الإسرائيلية في عام 2024، والتي شملت عمليات مناورة ميدانية، واغتيالات لقيادات بارزة، و”عملية البيجر” لاستهداف وسائل الاتصال، إضافة إلى هجمات جوية مكثفة.
وأكد التقرير أنه بعد اتفاق وقف إطلاق النار، في تشرين الثاني الماضين، واصلت إسرائيل منع الحزب من إعادة بناء قوته، عبر ضربات جوية شبه يومية وعمليات توغل برية محدودة.
ورأى أن ترسانة الحزب هي مصدر قوته وقيمته الاستراتيجية لدى إيران، والتخلي عنها أو وقف خطط إعادة بنائها يعني بالنسبة له “فقدان سبب الوجود”.
انتشار عسكري ثابت
وشدد التقرير على أن تمركز الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع بجنوبي لبنان وتسعة مواقع داخل الأراضي السورية، ضمن خط فصل القوات لعام 1974، يعكس سياسة دفاعية دائمة فرضتها “حقيقة دبلوماسية غير قابلة للحل”، في ظل عدم استعداد الحكومة السورية لتنفيذ الشروط الإسرائيلية للانسحاب من الجبهتين الشمالية.
وخلص التقرير إلى أن أي مسار دبلوماسي يتجاهل هذا الصراع الجوهري محكوم عليه بالفشل، مشيراً إلى أن العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل ترفض نهج الاحتواء أو شراء الهدوء، وتضع أولوية قصوى لإزالة قدرات سوريا.
—————————-
«مكتب تنفيذي» للسويداء… وضابط في نظام الأسد قائداً للأمن الداخلي
الإجراءات صدرت بتوجيه من الشيخ الهجري واتهامات بتعزيز محاولة الانفصال
مشق: موفق محمد
7 أغسطس 2025 م
أعلنت ما تسمى بـ«اللجنة القانونية العليا» في محافظة السويداء، التي سبق أن شكلها الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، عن تشكيل «مكتب تنفيذي مؤقت» للمحافظة، وتكليف قائد للأمن الداخلي شغل سابقاً مهام رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة طرطوس إبان حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، ويواجه اتهامات بارتكاب جرائم بحق المواطنين.
وبينما تعزز إجراءات «اللجنة» من الاتهامات التي توجه للهجري بمحاولة إنشاء كيان انفصالي في السويداء، أكدت مصادر مقربة منها صحة ما تم الإعلان عنه، ووصفت الإجراءات بـ«إدارة مجتمعية» للخدمات والأمور الأمنية في المحافظة، وليست «إدارة ذاتية».
وكان الهجري قد أعلن أواخر يوليو (تموز) الماضي، في بيانين عبر صفحة الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، عن تشكيل ما تسمى «اللجنة القانونية العليا»، و«لجان للإدارة المحلية»، لكن سرعان ما تم حذف البيانين، وهو ما عدّه مراقبون تراجعاً عن الإعلان.
لكن «اللجنة القانونية العليا» في السويداء، أنشأت، مساء الأربعاء، صفحة خاصة بها في منصة «فيسبوك»، وأعلنت من خلالها أول بياناتها، (وهو ذات البيان الذي كان الهجري أصدره)، وتضمن تشكيل «اللجنة القانونية العليا» من 9 قضاة ومحامين.
وحدد البيان مهام اللجنة، بإدارة شؤون السويداء في كافة القطاعات، والحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة، ورفع ما أسمته «الظلم» والضرر عن كاهل المواطنين، ومحاربة الفساد.
وحدد البيان تشكيل مكتب تنفيذي لإدارة الشؤون الخدمية، ولجان فرعية تخصصية بالإغاثة وتقصي الحقائق والانتهاكات، ومتابعة شؤون المفقودين والمختفين قسراً، ومتابعة القضايا الصحية والإنسانية، وعمل المشافي العامة والخاصة.
وأتبعت اللجنة بيانها بآخر أعلنت فيه تشكيل «المكتب التنفيذي المؤقت» في المحافظة، وتوزيع الأعمال بين أعضائه البالغ عددهم تسعة أعضاء، وتكليف ماهر غالب العنداري بمنصب أمين عام محافظة السويداء.
وأصدرت اللجنة بياناً ثالثاً تضمن تكليف العميد شكيب أجود نصر قائداً لقوى الأمن الداخلي في السويداء، والعميد أنور عادل رضوان معاوناً له.
ويأتي تكليف نصر على الرغم من الاتهامات التي توجه له بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة بحق السوريين خلال شغله منصب رئيس فرع الأمن السياسي في طرطوس على الساحل السوري، وهو يتحدر من ريف السويداء الشمالي الغربي.
وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق رسمي من مسؤولين سوريين، لكن لم تحصل على رد، في حين أكدت مصادر مقربة من اللجنة في مدينة السويداء صحة ما تم الإعلان عنه، ودافعت عن الإجراءات التي أعلن عنها، ووصفتها بأنها «إدارة مجتمعية» للخدمات ولمتابعة الشؤون الأمنية في المحافظة.
وتابعت المصادر: «حتى الآن لم يأت أحد على ذكر الإدارة الذاتية، ولا رئيس لهذه الإدارة، أو رئيس حكومة أو وزير، وكل ما في الأمر هي لجنة مؤلفة من قضاة ومحامين تشرف على لجان فرعية خدمية. كما أن الأمر ليس انفصالاً عن الجغرافيا السورية، وما جرى أن المجتمع سيدير نفسه لناحية الخدمات والأمن».
وسألت «الشرق الأوسط» إن كانت اللجنة القانونية العليا واللجان الفرعية لديها الإمكانيات أن تدير المحافظة، لكن المصادر لم تُجب.
وأنهى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء في 19 يوليو (تموز) الماضي، أسبوعاً من المواجهات بين مقاتلين من الدروز ومقاتلين من العشائر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً، وإصابة ما يزيد على 903 آخرين في محافظة السويداء منذ 13 يوليو، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
كما تسببت المعارك بتشريد 176 ألف شخص من منازلهم، وفق بيانات الأمم المتحدة، وقصف إسرائيلي بحجة دعم الدروز، طال وسط العاصمة السورية، وكان من بين الأهداف مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي بدمشق والمكتبة الوطنية.
والجمعة الماضي، شهدت السويداء مظاهرات تخللتها مطالبات بتحقيق دولي مستقل، ورفض لجنة التحقيق التي أعلنت عنها دمشق، مع رفع العلم الإسرائيلي.
وتشهد السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وفق مصادر أهلية، انقسامات في مواقف الزعامات الروحية بين الشيخين يوسف جربوع وحمود الحناوي من جانب، والهجري من جانب آخر؛ إذ ينحو جربوع وحناوي باتجاه إيجاد مَخارج سياسية للوضع في السويداء تُخفف معاناة المدنيين، في حين يتشدد الهجري بتزعمه المجلس العسكري ومجموعات مسلحة في مواقفه المناهضة للحكومة في دمشق، بالاستناد إلى الدعم الإسرائيلي.
كما يبرز، في هذا الإطار، موقف الشيخ ليث البلعوس، زعيم مضافة الكرامة، بمواقفه المتعاونة مع الحكومة في دمشق.
————————–
لجنة «السويداء القانونية»: دمشق تحيل قضاتها للتحقيق
أحالت دمشق للتحقيق، أمس الخميس، قضاة ضمتهم لجنة قانونية شكلتها الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء لتسيير الشؤون الخدمية، وذلك بعد يوم على إعلان اللجنة عن مكتب تنفيذي وتعيين مسؤولين سابقين في نظام الأسد لتولي مهام قيادة الأمن الداخلي.
وأفاد مصدر مسؤول في وزارة العدل بإحالة القضاة المذكورة أسماؤهم ضمن ما سمّيت بـ «اللجنة القانونية العليا» في السويداء، إلى إدارة التفتيش للتحقيق، لمخالفتهم الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية.
ونقلت وكالة «سانا» عن المصدر قوله: تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي نبأ تشكيل لجان محلية في محافظة السويداء، يأتي على رأسها ما سمّيت بـ (اللجنة القانونية العليا)، التي أصدرت عدداً من القرارات بتشكيل لجان أخرى ذات طابع إداري وأمني وخدمي، وتضمنت في تشكيلتها القضاة التالية أسماؤهم: مهند أبو فاعور، أيمن الحرفوش، مفيد عماشة، عصام العراوي، شادي مرشد، معتز الصايغ .
وأضاف المصدر: «إن القضاة المذكورين ضمن اللجنة المذكورة باشروا أعمالهم، وهي أعمال تخالف الواجبات المفروضة على القاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، وخاصة المواد 78 وما يليها من قانون السلطة القضائية، التي لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية وبين مهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر يؤديه بالذات أو بالواسطة، كما حظرت على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية وحظرت عليهم الاشتغال بالسياسة»ة.
وأردف: «بما أن العمل الذي باشره القضاة المذكورون سالفاً عمل سياسي محض يتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم، وباشره القضاة بذاتهم بتكليف من جهة غير مجلس القضاء الأعلى، وبما أن الأخبار تتناقل احتمال مشاركة قضاة آخرين في هذه الأعمال مثل: القاضي إخلاص درويش، والقاضية خزامة مسعود؛ فقد تمت إحالة القضاة المذكورين إلى إدارة التفتيش للتحقيق فيما ينسب إليهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق من تثبت مشاركته في هذه الأعمال»، وفق ما نقلت «سانا»
والأربعاء، أعلنت اللجنة عن تشكيل المكتب التنفيذي الذي سيتولى تسيير الشؤون الخدمية في المحافظة، بالإضافة إلى تعيين مسؤولين سابقين في نظام الأسد لتولي مهام قيادة الأمن الداخلي.
وأعادت اللجنة في بيان عبر صفحتها على منصة «فيسبوك» تشكيل المكتب التنفيذي إلى «الظروف الطارئة التي تمر بها السويداء، ولتأمين الخدمات للمواطنين بالسرعة القصوى»، فضلًا عن «مقتضيات المصلحة العامة» .
وكلفت اللجنة في بيانها، ماهر غالب العنداري، بمهام أمين عام المحافظة، بالإضافة إلى تحديدها أسماء ستتولى الإشراف على القطاعات المرتبطة بالمكتب التنفيذي. ففي قطاع مجالس المدن والبلدان والبلديات، كلف وليد فضل الله القضماني، ولقطاع الشؤون الاجتماعية والعمل والهلال الأحمر والكوارث والتعليم العالي كلف فاتن إبراهيم جودية، وفي قطاع النقل والمواصلات والكهرباء والاتصالات كلف ماجد سعيد البيروتي، وفي قطاع الصحة والثقافة والشباب والرياضة كلف مازن فارس الطويل، وفي قطاع الاقتصاد والتجارة والصناعة كلف خلدون فوزي أبو سعدة، وفي قطاع التخطيط والموازنات وشركات القطاع العام كلف نضال محمد عزيز، وفي قطاع الزراعة والمياه والموارد المائية والمصالح العقارية كلف عصام عريج، وفي قطاع التربية والسياحة والآثار والبيئة والثروات المعدنية كلف نوال يونس نعيم.
كذلك أصدرت اللجنة بيانًا منفصلًا نص على تكليف العميد شكيب أجود نصر قائدًا لقوى الأمن الداخلي في المحافظة، بالإضافة إلى تكليف أنور عادل رضوان معاونًا لقائد قوى الأمن الداخلي.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن نصر شغل مناصب عدّة في قوات النظام البائد، من بينها رئيس الفرع السياسي في محافظة طرطوس، بالإضافة إلى المنصب نفسه في الحسكة، قبل أن يكون رئيسًا لقسم الاقتصاد في فرع الأمن السياسي في دمشق. أما رضوان فتشير التقارير إلى أنه شغل سابقًا منصب مدير أمن منطقة بانياس.
وتشكلت اللجنة بناء على قرار صادر عن الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في المحافظة، على أن تتألف من القضاة المستشارين: مهند أبو فاعور، بالإضافة إلى أيمن الحرفوش، مفيد عماشه، عصام العراوي.
كما ضمت اللجنة أيضًا القضاة شادي مرشد ومعتز الصايغ، إلى جانب المحامين كيان الصباغ، أنس حاطوم، ومعتز رضوان.
وحصرت الرئاسة الروحية مهام اللجنة بـ «إدارة شؤون السويداء بكافة القطاعات، الإدارية، الأمنية، والخدمية بكافة مجالات الحياة»، بالإضافة إلى «الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة، ورفع الظلم والضرر عن كاهل المواطنين بكافة مكوناتهم ومحاربة الفساد».
وأوضحت أن آلية عمل اللجنة تتلخص في «تشكيل مكتب تنفيذي بالسويداء لإدارة الشؤون الخدمية»، بالإضافة إلى «تشكيل لجان فرعية تخصصية بالإغاثة وتقصي الحقائق والانتهاكات، ومتابعة شؤون المفقودين والمخفيين قسرًا، ومتابعة شؤون الشهداء والجرحى، وقبول التبرعات وتوزيعها على المنكوبين» .
وأكدت الرئاسة على ضرورة «الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة والمصارف والمنشآت الاقتصادية»، مطالبة اللجنة القانونية بـ «متابعة القضايا الصحية والإنسانية وعمل المستشفيات العامة والخاصة، والمهام الإنسانية والاجتماعية» .
القدس العربي»
———————–
أنا الدرزي السوري!/ أحمد جاسم الحسين
2025.08.04
أنا الدرزي السوري سأصرف ما تبقى من عمري، لا على ترسيخ الهويات الفرعية، بل على تدريس “الأبجدية السورية” التي تبدأ بـ”أنا سوري، قبل أن أكون طائفياً.. وأنا إنسان قبل أن أكون درزياً”.
أنا الدرزي السوري، الذي اكتشف متأخّراً أن الأمية ليست رقماً في سجل المحافظة، بل وجعٌ في قلب الوطن كله، فما نفع أن تكون السويداء بلا أميّة، بينما كثيرون من أبناء وطني لا يجيدون قراءتي ولا أجيد قراءتهم، فالأميّة اليوم ليس ألا نعرف القراءة والكتابة بل ألا يفهم السوريون أبجدية الوطن!
أنا الدرزي لست صوتاً يصرخ في الفراغ، ولا هويةً تعيد إنتاج صورتها على مرآة الجماعة.. أنا ذاك الذي خرج من وجدان الجبل، لا ليتعالى، بل ليهبط بكامل إرادته إلى ساحة الأمويين، حاملاً علماً بألوان الدم والعرق والخوف المشترك والفرح بنصر 8-12-2024.
أنا الدرزي السوري لا أحتمي بالخوف من الآخر السوري، أقولها بوضوح لا تواطؤ فيه: أرفض رفع العلم الإسرائيلي في السويداء، حتى لو كان من رفعه فرداً مأزوماً أو مخدوعاً أو خائفاً.. وأرفض تحويل الطائفة إلى علبة مغلقة يُكتب على وجهها: ممنوع اللمس أو ممنوع الفهم أو ممنوع الاقتراب أنا مالك الحقيقة السورية والوكيل الحصري لشهادات الوطنية والكرامة.
أنا الدرزي السوري لا أرتجف حين تهددونني، لأنني ابن هذه الأرض، من جبال حوران إلى حارات الشام، ومن صحنايا إلى داريا، إلى دير الزور والفرات، مرّ وجهي على الحواجز، وعيناي حملتا ذاكرة الأمهات عن مشهد الوطن.
أنا ابن مضافات وضعت صورة جورج حبش بين فناجي القهوة، لا للزينة بل للوفاء، أسيرُ في ذاكرة الفصائل الفلسطينية لا كضيف بل كمقاتل، وكان درب العودة يشبه درب السويداء: وعرٌ، لكنه حقيقي.، أن ابن أم الزيتون التي احتضنت ضريح شهداء السويداء، الذين شاركوا مع حركات المقاومة الفلسطينية!
أنا الدرزي السوري.. المحامي، الذي يسكن في جرمانا وينحدر من جبل الشيخ، حيث تختلط الهويات اليومية بالهويات الكبرى، وتلتقي القلوب أحياناً قبل أن تتعارك السياسات.
في هذا المكان، كنت شاهداً لا قاضياً، على زواج درزيات من علويين وسنّة ومسيحيين والعكس كذلك.. لا كتمرّد على أعراف المشايخ، بل كحق أصيل في الحبّ، واختيار وجد طريقه خارج القيود الطائفية، أنا مَن يؤمن أن الزواج المدني ليس قانوناً بل رؤية إنسانية تُنقذ أرواحاً كثيرة من الخوف.
أنا الدرزي السوري ابن مجدل شمس، أنا الأب الذي أدار ظهره لابنه الذي قبل بالجنسية الإسرائيلية أربعين عاماً.. لا كرهاً له، بل لأنّ هوية الأرض ليست للمساومة في عرفي أنا الأب، وأريدها كذلك في ذاكرة أبناء الجبل، أبناء مجدل شمس.
أنا مَن كان، في كل عيد جلاء، يصعد مع سوريين كثيرين من كل المحافظات إلى “تلة الصراخ” قبل أن تولد وسائل التواصل، كنت أصرخ كي يسمعني من فُصل عني بخط هدنة وذاكرة. نغني للوطن.. للوطن فقط، لا لمذهب، ولا لعشيرة، بل لسوريا التي كنا نرسمها بصوتنا ونحلم بيوم حريتها، يوم عودة الحبايب.
أنا الدرزي السوري، الذي، رغم خلافه مع بعض أبناء العشائر البدوية في السنوات الأخيرة، يرفض أن يتحوّل الخلاف إلى طرد، أو أن يصبح البدوي نزيلاً في العراء بلا مأوى أو ماشية أو خبز، البدوي الذي خرج من دون حلاله وماله، خرج بلباسه فقط وبرفقة أطفاله ونسائه، أرفض أن أقطن في بيتٍ طُرد منه صاحبه.. فالمأوى لا يكون مأوى إن بني على أنقاض آخرين.
أنا الدرزي السوري الذي يتكئ على ذاكرةٍ ليست خنجراً في ظهر السوريين بل كتاب مفتوح على تأويل الكرامة.. كرامة الإنسان لا كرامة الشعارات والأطباق.
ساحة الكرامة لا ينبغي أن تُدنَّس بعلمٍ لا يعرف وجع البلاد ولا نبض أهلها، فكرامة الفرد تسبق الولاء، وتعلو على الألوان كلها، ولا يمكنني الحديث عن الكرامة لشريحة أو لون لأن الكرامة إن لم تكن لكل السوريين فإن الوطن كل الوطن لا قيمة له.
أنا الدرزي السوري، أحملُ وجهي في العلن، وأمدّ يدي لمدنيين من طينتي، من هواجسهم ستُبنى سوريا للجميع لا على مقاس طائفة أو زاوية أو فصيل، سنصنع تياراً، لا يراد له إلا أن يكون سورياً، مدنياً، يتجاوز الأيادي المغلقة.
أنا الدرزي السوري، لا أقبل أن أُقاد بعصا الجهل المقنّع بالعمامة، لقد تعلمت، درست، قرأت، وما عدت أقبل أن أقف في ظلِّ شيخ لا يرى أبعد من أنفه ثم يُطالبني بأن أتّبعه إلى آخر الحكاية، بل سأتبع وطني رغم الجراح، وسأتبع وطني رغم الألم، فالعمى إن أصاب البلد سيصيبنا نحن كذلك! أنا الدرزي أنا ابن أمية مثلك ومعك إن كنت تقرأ التاريخ.
أنا الذي يؤمن أن البلد ليس “ميكروباص” على خط صحنايا الشام تُنزل منه سيدات على حاجز داريا، وأكمل طريقي إلى الشام لأنني لا أشكل خطراً على النظام البائد.. أتذكر يا صديقي، يومها عاهدت نفسي ألا أعيدها سنوات وبقيت حبيس صحنايا كي لا أرى بنات بلدي ينزلن على الحاجز ولا أمتلك إلا الصمت والخذلان.
أنا الدرزي السوري الذي عمل في توثيق سردية الثورة السورية منذ سنوات، وإن وثقت سردية الجبل اليوم فسأوثق كل المظالم: ما حدث للبدو قبل ما حدث للدروز لأن الألم واحد والوجع واحد والمصاب واحد.
سأوثق هذه الرسالة من امرأة بدوية إلى صديقتها الدرزية: يا جارتي! كلما سقيت النباتات على قبر أبيك مري هناك بجانب القرية حيث بيوتنا اسقي النباتات على قبر أبي وجدي.. أتذكرين سورة الفاتحة التي حفظناها معاً؟ اقرئيها على قبريهما.
اللبنة والجبنة التي كان أهلك يمونونها من أغنامنا، لا تستبدليها فحصتك محفوظة، يمكنك كذلك أن تذهبي إلى البرية وتهتمي بأغنامي تركتها هناك، من أولى بها من جارتي الدرزية.. فأنا لا أعرف إنْ بقي لدي وقت لأربي أغناماً من جديد.
حين يكون لديك قليل من الماء، اسقي الياسمينة وشجرة الزيتون التي أعطيتني إياها شتلة فزرعتها أمام بابنا.. وقطفي الياسمينات واتركيها تطير في الهواء لعل شذاها يزرع حباً لفظته هذه البلاد.
أتذكرين الثوب الذي خيّطته أمك لي، حملتُه معي في الأيام الماضية ونحن نركض من الجامع إلى المدرسة إلى العراء سأحتفظ به وأهديه لحفيدتي وأروي لها الحكاية.
أريد أن أسألك: هل نجا البساط الذي حاكته أمي لك من الحريق؟
كان جدك يخبرني عن الهجيج الدرزي من لبنان إلى الجبل، وأنه لا ينسى، أنا كذلك سأحدّث أحفادي عن الهجيج الجديد، عن بيتنا المحروق وعن بيتكِ يا جارتي الدرزية الذي أحرقوه، عنكِ وعن ذكرياتنا وشقاواتنا في مدرسة شهبا؟
سننتظر معاً، عن بعد، بلاداً لا حريق فيها، وسنستعيد جلساتنا ذات يوم ونشرب القهوة والمتة، ونعيد التبصير.. سنقول معاً: هناك طريق مفتوح وفي نهايته ضوء يا جارتي.
أيها السوريون هل تعلمون من هو أبرز صديق للدروز في عهد النظام البائد: لا صديق للدرزي إلا السفر! يكاد لا يخلو بيت درزي من مسافر، تقضي الأمهات نصف أوقاتها بتجديد أثاث البيت لاستقبال الزائر السنوي، ونصف الوقت الآخر باستقبال عبارة “مثل ما ودّعتوا تلاقوا”.
تقضي الأمهات كثيرا من أوقاتهن في تهيئة غرفة الضيوف للمهنئين، لا وقت للدموع، فقد أدمن القلب الغياب، وصار الحضور نادراً كأن الغياب قدر المجتمع الدرزي والسفر وصفة مجربة وهو الخطة (أ) والخطة (ب)، وهو الحلم والمنام والكابوس حتى صارت “دبي” أرض ميعاد الدروز، بعد أن كانت فنزويلا والبرازيل وغيرهما.
أنا الدرزي السوري، أمدّ لغتي لأشرح لجاري السوري الآخر: لا ذيل لي كي أخبئه عنك، ولا عِجل أعبده، ولا فجر ينتظر طقوس الخرافة: عرضي كعرضك غال، وإنْ دعوتني إلى وجبة ملوخية سأحضر، لا لأنني جائع، بل لأنني أشتهي العيش معك، لا على حسابك، لأنني أحبُّ اللمة حيث سنشرب المتة من كأس واحدة، ندوِّرها على الموجودين بعد أن نعقمها بالماء المغلي كل مرة، ونغني معاً: دوِِّرها دور.
أنا الدرزي السوري ضميرك ومرآتك، وشريكك في الدم والتاريخ والجغرافيا والمستقبل، فلا يقود الوهم أياً منّا، في أن ثقب السفينة سيغرقني وحدي أو سيغرقك وحدك! حين تغرق السفينة كلنا سنغرق، وأنا وأنت نحبُّ الحياة وسوريا، تعال نتعاهد أننا لن نُغرِقها كي لا نغرق، ونحن نحبُّ الحياة معاً إذا ما وجدنا إليها سبيلا.
تلفزيون سوريا
————————
السويداء: دمشق تتهم «العصابات المتمرّدة» بخرق اتفاق وقف إطلاق النار/ هبة محمد
اتهمت دمشق، أمس الأحد، فصائل محلية في السويداء بخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في يوليو/ تموز الماضي، عبر تنفيذ هجمات على نقاط عسكرية، جرت استعادتها لاحقا، وسط سقوط عدد من القتلى من وزارة الداخلية.
ووفق ما أكد قائد القوى التنفيذية على الحدود الإدارية لمحافظتي درعا والسويداء جنوب سوريا، بلال أبو نبوت، لـ»القدس العربي» فإن قواته تعرضت منذ فجر الأحد، لهجوم بالأسلحة الثقيلة من قبل مجموعات مسلحة تابعة للهجري، على محور كناكر – تل الحديد – الثعلة في ريف السويداء، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر من وزارة الداخلية وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة.
وأوضح أن الهجوم وقع في منطقة تلة كناكر الواقعة على الحدود الإدارية بين مناطق انتشار مجموعات العشائر ومجموعات الهجري، مشيرا إلى أن «مواقع انتشار القوات الأمنية هي مواقع معلومة لدى الأمم المتحدة، وقد تم إرسال إحداثياتها مسبقا لقوات الأمم المتحدة كجزء من مهمة فض الاشتباك، وفق الاتفاق المتعلق بمحافظة السويداء».
وأضاف: «قوات الأمن الداخلي لم ترد على مصادر النيران، كوننا قوة شرطية ذات تسليح خفيف، ولا نمتلك إمكانيات أو أسلحة ثقيلة. مهمتنا غير قتالية وهدفنا الأساسي هو التهدئة وفض النزاعات بين المجموعات المسلحة من العشائر والمجموعات التابعة للهجري».
وأكد أن نشر القوات الأمنية جاء بناءً على اتفاق تهدئة لوقف التصعيد ومنع الصدام المسلح في المنطقة. وأشار إلى أن القيادة الأمنية أوعزت للعناصر بالبقاء في مواقعهم، واتخاذ إجراءات الاحتماء من مصادر النيران.
وحسب وكالة الأنباء الرسمية «ٍسانا» فقد أقدمت المجموعات الخارجة عن القانون على شن هجمات في عدة قرى في ريف المحافظة الغربي «في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار في محافظة السويداء» جنوب سوريا.
وأفادت أن «المجموعات الخارجة عن القانون التابعة لحكمت الهجري شنت هجوماً على قرية تل حديد مستخدمة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وقذائف الهاون، ما أدى إلى استشهاد عنصر من الأمن الداخلي وإصابة آخرين، ورغم السعي الحكومي لإعادة الاستقرار والهدوء لمحافظة السويداء، تواصل المجموعات الخارجة عن القانون التابعة للهجري محاولة تعطيل أي تهدئة أو حلول وطنية في سعي لتحقيق أجندات انفصالية لا تنسجم مع تطلعات معظم أبناء محافظة السويداء».
وأضافت: تحاول المجموعات الخارجة عن القانون استلاب رأي أبناء محافظة السويداء ومواجهة كل من يخالفها الرأي، مع إبقاء المحافظة في دوامة التوتر والتصعيد والفوضى الأمنية. مشيرة إلى أن «ممثل مضافة الكرامة في السويداء الشيخ ليث البلعوس أكد أمس أن أبناء محافظة السويداء ملتزمون بوحدة سوريا وسيادتها بعيداً عن أي أجندات خارجية، ويرفضون الانجرار إلى النزاعات الطائفية أو السياسية، واعتبر أن قرار حكمت الهجري بمنع وصول الوفود الوزارية إلى المحافظة يمثل عقبة كبيرة أمام تحسين الأوضاع الإنسانية والأمنية».
كذلك قالت وزارة الداخلية السورية إن عددا من عناصر الأمن قتلوا وأصيبوا في قصف عصابات متمردة لقرى في محافظة السويداء (جنوب) بالصواريخ وقذائف الهاون.
وأفادت بأنه «منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء، لا تزال الدولة السورية، بكل مفاصلها العسكرية والأمنية والمدنية والخدمية، تسعى جاهدة لتثبيت هذا الاتفاق، حرصا على إعادة الاستقرار إلى أرجاء المحافظة».
وأضافت: «وفي إطار هذا السعي، عملت الحكومة على تأمين حياة المدنيين، والتمهيد لعودة الخدمات وإعادة مظاهر الحياة إلى المحافظة بشكل تدريجي».
وأشارت إلى أنه «في مقابل الجهود الحكومية الحريصة على أمن واستقرار السويداء، لم تتوقف خلال الفترة الماضية حملات التجييش الإعلامي والطائفي التي تقودها العصابات المتمردة في المدينة». وقالت: «مع فشل هذه العصابات في إفشال جهود الدولة السورية ومسؤولياتها تجاه أهلنا في السويداء، لجأت إلى خرق اتفاق وقف إطلاق النار من خلال شن هجمات غادرة ضد قوات الأمن الداخلي في عدة محاور، وقصف بعض القرى بالصواريخ وقذائف الهاون، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من عناصر الأمن»، دون ذكر عدد معين.
وحذرت الوزارة من أن «العصابات المتمردة تواصل محاولات جرّ المحافظة إلى التوتر والفوضى بدوافع شخصية لقادتها، من خلال سرقة المساعدات الإغاثية والاقتتال الداخلي. كما تستخدم خرق اتفاقات التهدئة للتغطية على ممارساتها التعسفية، ومنها الاعتقالات غير القانونية ضمن المدينة».
وشددت على أنها «ستواصل جهودها وواجباتها في السويداء، بما يمليه الواجب الوطني، وما تتطلبه حماية السكان وتأمين قوافل الإغاثة والمساعدات لهم».
ولاحقا، قال مصدر أمني سوري إن «قوات الأمن الداخلي استعادت السيطرة على النقاط التي تقدّمت إليها ميليشيات حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الدروز، في ريف السويداء (جنوب)».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن المصدر (لم تسمه) قوله إنه «بعد التصدي للهجوم المنظم من قبل ميليشيات الهجري في محافظة السويداء على نقاط الأمن الداخلي المنتشرة في تل الحديد، وريمة حازم، وولغا، استعادت قوات الأمن السيطرة على النقاط التي تقدمت إليها هذه المجموعات».
وأوضح أنه «تم تأمين المنطقة من قبل قوات الأمن الداخلي ووقف الاشتباكات حفاظاً على استمرار اتفاق وقف إطلاق النار».
خروقات متكررة وفي المقابل، أفادت شبكة أخبار السويداء 24» أن «الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه الولايات المتحدة» أشعلت المواجهات من جهة تل الحديد غربي السويداء ونقاط في ريف درعا الشرقي.
وأشارت إلى أن «فصائل محلية في السويداء شنت هجوماً مضاداً على تل الحديد، تمكّنت خلاله من السيطرة عليه بشكل مؤقت، بعد اشتباكات عنيفة، وذلك بعدما خرقت مجموعات مسلحة قادمة من ريف درعا الشرقي، قرار وقف إطلاق النار واستهدفت بلدة عرى في الريف الغربي للسويداء الليلة الماضية، بالرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون، بتغطية وتمهيد من قوات تابعة للحكومة الانتقالية تتمركز في تل الحديد، وانتشرت تسجيلات صوتية للمجموعات المهاجمة زعموا فيها أن الهجوم على بلدة عرى سببه حادثة خطف، تبين لاحقاً أنها «أخبار مضللة».
وحسب المصدر فإن المواجهات اندلعت من جديد «على إثر استهداف بلدة عرى والتغطية النارية التي نفذتها قوات الأمن العام من تل الحديد للمجموعات المسلحة، حيث شنّت الفصائل المحلية في السويداء هجوماً على التل الذي يعد موقعاً استراتيجياً داخل الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، وتمكّنت من السيطرة عليه موقعة خسائراً بشرية ومادية».
قصف متبادل
وتبعا للصفحة، سمع دوي انفجارات وقصف متبادل في معظم مناطق المحافظة، بينما أصدرت «غرفة العمليات العسكرية في السويداء تعميمات للفصائل المحلية بوقف التقدم ووقف إطلاق النار، بعد تدخل الأطراف الدولية والإقليمية الراعية لاتفاق التهدئة» مشيرة إلى أن «غرفة العمليات العسكرية أطلعت الدول الضامنة على تفاصيل الخروقات المتكررة من قبل المجموعات المسلحة الموالية للحكومة الانتقالية، وقوات «الأمن العام» التي كانت متمركزة في تل الحديد ومواقع أخرى، كما تحدثت المصادر عن التوصل لتوافق مع الدول الضامنة لوقف إطلاق النار، يقضي بانسحاب جميع الأطراف إلى نقاطها ومواقعها قبل اشتباكات الأحد، بما فيها تل الحديد، وذلك لاستكمال الجهود».
وشهدت محافظة السويداء على مدى أيام من الشهر الماضي اشتباكات دامية بين عشائر البدو ومجموعات مسلحة في المحافظة، أسفرت عن ضحايا وتهجير. وفي الـ 16 من الشهر الماضي، انسحبت قوات الجيش السوري من السويداء تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية ومشايخ العقل في المدينة.
القدس العربي
——————————
تحرك متزامن في السويداء ومنبج لإرباك التفاهمات الأمنية مع دمشق
خلط الأوراق من جديد
دمشق- أثار تزامن الهجمات في منبج شمالا، حيث التماس بين القوات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفي السويداء جنوبا بين قوات درزية محلية وقوات الحكومة، التساؤل عن وجود تنسيق مسبق أو رغبة مشتركة في إرباك الاتفاقيات الأمنية التي تم توقيعها مع الحكومة لوقف إطلاق النار وفسح المجال أمام الحوار لحل الخلافات.
ويعتقد مراقبون أن الهجمات محدودة وسرعان ما تم تطويقها، وهو ما يظهر أن الهدف منها ليس التصعيد العسكري وإنما لفت النظر إلى وجود دوائر كردية وأخرى درزية ترفض استمرار الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة، وترى فيها خادمة لنظام الرئيس أحمد الشرع وتمكنه من فرصة لتثبيت حكمه وفي غياب أي ضمانات فعلية للحافظ على مصالح الأقليات.
ويريد كل طرف من معارضي النظام الجديد في سوريا أن يستغل حالة التوتر العام لتحسين شروط التفاوض مع دمشق وإقناع الأطراف الخارجية التي تتولى رعاية عملية التفاوض بالضغط على حكومة الشرع لتقديم المزيد من التنازلات لصالح الأقليات التي تتخوّف من أن يقود الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي المدعوم خارجيا إلى تقوية النظام والمجاميع المتشددة داخله، ما يمكنها من السيطرة على حياة السوريين.
وتبادلت وزارة الدفاع السورية وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد الاتهامات بشأن هجوم في مدينة منبج بشمال البلاد السبت، الأمر الذي يلقي بظلاله على اتفاق دمج تاريخي وقعه الطرفان في مارس.
وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء أن وزارة الدفاع اتهمت قوات سوريا الديمقراطية بشن هجوم صاروخي على أحد مواقع الجيش في ريف المدينة، مما أدى إلى إصابة أربعة من أفراد الجيش وثلاثة مدنيين. ووصفت الوزارة الهجوم بأنه “غير مسؤول” و أن أسبابه “مجهولة.”
وقالت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة في بيان “فصائل غير منضبطة عاملة في صفوف قوات الحكومة السورية هي من تواصل استفزازاتها واعتداءاتها المتكررة على مناطق التماس.”
وفي مارس، وقعت قوات سوريا الديمقراطية اتفاقا مع الحكومة للانضمام إلى مؤسسات الدولة السورية.
وفيما يجد الأكراد صعوبة في نقض الاتفاق مع دمشق بهدف تحسين بنوده لصالحهم في ضوء وقوف الولايات المتحدة وراءه، فإن بعض المجاميع الدرزية ترى أن العامل الخارجي يمكن أن يساعدها على الاستفادة أكثر ما يمكن من الوضع الحالي لصالحها، وخاصة تأهب إسرائيل لاستهداف تقدم القوات الحكومية نحو المناطق الدرزية.
ويثير هذا الموقف خلافات داخل البيت الدرزي، وتتركز خاصة على رفض فكرة تحويل السويداء إلى إقليم منفصل عن دمشق ويعتمد على الدعم العسكري الإسرائيلي. ويثير الدور الإسرائيلي حساسية لدى أطراف درزية لا تخفي مخاوفها من أن تل أبيب تستخدم الدروز في معاركها الإقليمية، وأنها تضغط بهم لجر الشرع إلى التطبيع وبعد ذلك فهي قد تتركهم لمصيرهم.
ويتبنى شيوخ العقل مواقف متباينة حيال حكومة الشرع. ويرفض حكمت الهجري التفاوض مع الحكومة ودعا إلى المقاومة المسلحة لحماية الطائفة، معتبرًا أن السويداء تتعرض لهجمات تستهدف هويتها. بينما يميل شيوخ مثل حمود الحناوي ويوسف جربوع إلى دعم التفاوض مع الحكومة ورفض التدخل الأجنبي، مؤكدين على وحدة سوريا.
وفي مايو 2025، عُقد اجتماع ضم الشيوخ الثلاثة ووجهاء السويداء لتهدئة التوترات بعد اشتباكات عنيفة، وصدر بيان مشترك يرفض الانفصال ويطالب بتفعيل دور الدولة في تأمين المحافظة. لكن الهجري انسحب لاحقًا من البيان، معلنًا استمرار القتال.
كما أن دعوات الهجري لتدخل دولي أثارت مخاوف من انزلاق المحافظة نحو صراع أعمق، خاصة مع تدخلات إسرائيلية معلنة لحماية الدروز. وفي المقابل، يرى آخرون أن عودة الدولة وبسط سيطرتها هو الحل لاستعادة الاستقرار.
ويخفي الصراع السياسي الحالي انقساما دينيا تاريخيا، حيث تنقسم الهيئة الروحية للطائفة الدرزية بين عائلات الهجري (دار قنوات)، الحناوي (سهوة بلاطة)، وجربوع (عين الزمان). وهذا الانقسام يعكس تنافسًا تاريخيًا حول زعامة الطائفة.
واندلعت اشتباكات جديدة في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية جنوبي سوريا، ما يعد خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي بعد موجة من العنف الطائفي أودت بحياة المئات، وفقا لناشطين ووسائل إعلام رسمية الأحد.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الاشتباكات المتجددة بين ميليشيات من الطائفة الدرزية وقوات النظام السوري أسفرت عن مقتل شخص واحد وإصابة سبعة آخرين على الأقل.
ومن جانبها، ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن “مجموعات خارجة عن القانون” مرتبطة بالمجتمع الدرزي خرقت الهدنة وهاجمت قرية باستخدام أسلحة ثقيلة وقذائف هاون.
ودخلت خلال الأيام الماضية قوافل مساعدات إلى المحافظة بواسطة الهلال الأحمر السوري. وأعلنت الأمم المتحدة الخميس إرسال مساعدات منقذة للحياة من أجل تلبية “الاحتياجات العاجلة للأسر والمجتمعات المتأثرة بالتطورات الأمنية الأخيرة والانقطاع الحاد في إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.”
وشهدت محافظة السويداء بدءا من 13 يوليو ولمدة أسبوع اشتباكات اندلعت بين مسلحين من البدو ومقاتلين دروز، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية ومسلحي العشائر إلى جانب البدو، وفق المرصد وشهود وفصائل درزية.
ورغم صمود وقف إطلاق النار إلى حد كبير، قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إن “الوضع الإنساني” في المحافظة لا يزال “حرجا في ظل حالة عدم الاستقرار المستمرة والأعمال العدائية المتقطعة.”
ويتهم سكان السلطات بفرض “حصار” على السويداء، مع تقييدها حركة الوصول إليها، وانتشار قواتها في أجزاء عدة من المحافظة، وهو ما تنفيه دمشق.
ولا يزال طريق رئيسي يربط السويداء بدمشق مقطوعا، مع تمركز مجموعات مسلحة محسوبة على السلطة تمنع حركة المرور واستئناف الحركة التجارية، بحسب المرصد.
وتنفي السلطات السورية فرض حصار على المحافظة، وتلقي باللوم على “مجموعات خارجة عن القانون”، وهي تسمية تطلقها على المقاتلين الدروز.
————————-
إعادة فتح الممر الإنساني بالسويداء بعد تأمين المنطقة
دمشق : «الشرق الأوسط»
4 أغسطس 2025 م
أعادت السلطات السورية الاثنين، فتح ممر بصرى الشام الإنساني بمحافظة السويداء جنوب البلاد بعد تأمين المنطقة وإبعاد خطر «المجموعات المتمردة»، وفق ما ذكرته قناة «الإخبارية» التلفزيونية.
كان قائد قوات الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي، قد ذكر أمس، أن جماعات مسلحة هاجمت مناطق في ريف المحافظة الواقعة جنوب سوريا، أمس (الأحد)، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، قبل أن تستعيد قوات الأمن السيطرة على المنطقة.
وأدت أعمال عنف في المنطقة ذات الأغلبية الدرزية الشهر الماضي إلى مقتل المئات قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
من جانبه، عبّر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، اليوم (الاثنين)، عن القلق إزاء الاشتباكات التي اندلعت في السويداء جنوب سوريا ومنبج شمال شرقي البلاد أمس، ودعا إلى الحوار لحل الخلافات.
وقال برّاك، على منصة «إكس»: «اندلعت أعمال عنف مقلقة أمس في السويداء ومنبج. الدبلوماسية هي السبيل الأمثل لوقف العنف والتوصل إلى حل سلمي ودائم».
وتابع قائلاً: «نحثّ جميع الأطراف على الحفاظ على الهدوء وحل الخلافات بالحوار، لا بسفك الدماء. سوريا تستحق الاستقرار. السوريون يستحقون السلام».
—————————
بعد إعادة “ميزوبوتاميا” شحنة إغاثية متجهة إلى السويداء.. الهلال الأحمر يرد في بيان توضيحي
7 أغسطس 2025
أصدر الهلال الأحمر العربي السوري بيانًا توضيحيًا ردّ فيه على اتهامات وجهتها إليه جمعية “ميزوبوتاميا” للإغاثة والتنمية، ومقرها الحسكة شرقي سوريا، بشأن عرقلة دخول مساعدات إنسانية إلى محافظة السويداء، مؤكدًا أن الجمعية رفضت الانضمام إلى قافلته بعد خلاف على آلية التحميل والتوزيع، بينما تمسكت “ميزوبوتاميا” بحقها في الإشراف المباشر على توزيع الشحنة.
وأفاد الهلال الأحمر في بيان عبر منصة “فيسبوك” بأن “ميزوبوتاميا” قالت إن “الهلال الأحمر العربي السوري قد عرقل وصول مساعداتها إلى مدينة السويداء”، مضيفًا أن سياسات الجمعية في “تحريك القوافل تُصر على الاطلاع على المواد التي تضاف إلى قوافلها”، وذلك بهدف التأكد من “جودة المواد ومدد الصلاحية كي لا تؤثر علة مصداقية المنظمة”.
وأشار البيان إلى أن “ميزوبوتاميا” تواصلت مع الهلال الأحمر لـ”إضافة شاحنتين مستأجرتين لقافلة الهلال الأحمر جُهزت من قبلها للدخول إلى مدينة السويداء”، مضيفًا أنه “طلب منهم (ميزوبوتاميا) تنزيلها في مستودعات منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، وتحميلها من شاحنات الهلال (الأحمر) والمحافظة على شاحنات شعارات الجمعية على الطرود، لكنهم رفضوا وسحبوا الشاحنتين لمدينة الحسكة”.
وختم الهلال الأحمر بيانه التوضيحي مؤكدًا أنه “لا يلزم أي جهة بالانضمام إلى قوافله”، مضيفًا أنه “منذ بداية الأزمة لم يتوقف عن تسيير قوافله للمحافظات المتأثرة، وكان آخرها قافلتي درعا والسويداء يوم الأربعاء 6 آب/أغسطس 2025”.
وجاء بيان الهلال الأحمر التوضيحي ردًا على بيان سابق لـ”ميزوبوتاميا” أشار إلى أنه بعد جمع الجمعية كميات مناسبة من المواد الغذائية، وإرسالها إلى جنوب سوريا، كدفعة أولى من المساعدات للجنوب السوري، توجه فريق من جمعية ميزوبوتاميا في يوم الجمعة 1 آب/أغسطس 2025 إلى دمشق برفقة شحنة تزن 55 طنًّا من المواد الغذائية الأساسية.
وأضافت “ميزوبوتاميا” أن الشحنة توجهت إلى دمشق، بعد “التنسيق الكامل وبناءً على طلب رسمي من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في دمشق”، مشيرةً إلى أن الوزارة “بذلت جهودًا حثيثة بهدف إيصال هذه المساعدات إلى الجنوب السوري ومحافظة السويداء، التي تمرّ بظروف إنسانية قاسية نتيجة النقص الشديد في المواد الغذائية والطبية”.
وأشارت “ميزوبوتاميا” إلى أنه وفقًا للموافقات الرسمية، كان من المقرر أن يتم التنسيق مع الهلال الأحمر العربي لـ”دخول القافلة إلى المناطق المتضررة وتوزيع المساعدات بشكل منسق مع الجهات و المنظمات الفاعلة”.
وبحسب بيان “ميزوبوتاميا”، فإن فريقها تفاجأ “بطلب من الهلال الأحمر يقضي باستلام كامل الشحنة وتوزيعها بشكل منفرد من قبلهم”، لافتةً إلى أن عملية التوزيع ستتم “دون أي مشاركة أو السماح لأي موظف أو متطوع من جمعيتنا بمرافقة القافلة ومتابعة عملية التوزيع”، مؤكدة أن ذلك “يتعارض مع مصداقيتها تجاه الجهات والأشخاص الذين تبرعوا لهذه الحملة”.
ولفتت “ميزوبوتاميا” إلى أنه بناء على ذلك قررت “بعد محاولات حثيثة وغير مجدية للأسف عدم تسليم الشحنة لأي جهة أخرى ما لم يُسمح لأعضاء من فريقها بالتواجد أثناء الوصول والتوزيع”، مشيرةً إلى أنه “في ظل غياب دور فاعل وحقيقي لوكالات الأمم المتحدة”، اتخذت قرارًا بـ”إعادة الشحنة إلى محافظة الحسكة، ريثما يتم التوصل إلى صيغة تضمن إشراكنا المباشر في آلية التوزيع، وضمان سير العملية بكل وضوح”.
وختمت “ميزوبوتاميا” بيانها مؤكدة أن “المستفيدين المستهدفين في هذه الحملة هم أهلنا المتضررون في الجنوب السوري، في ريف درعا والسويداء وريف دمشق، بغض النظر عن العرق أو الطائفة أو الدين”، مشيرةً إلى أنه “حرصًا على تطبيق مبدأ عدم الانحياز، كنا وما زلنا مصرّين على مرافقة ومتابعة أي منحة أو تبرع يصل إلينا”.
وكان الهلال الأحمر قد أعلن، أمس الأربعاء، عن انطلاق قافلتي مساعدات إنسانية تحملان الاحتياجات الضرورية للعائلات الوافدة والمتضررة، ومواد تدعم تشغيل الأفران والمستشفيات في السويداء ودرعا، مضيفًا أن القافلتين تضمان سللًا غذائية تكفي نحو 8700 عائلة.
————————-
ملاذ الزعبي: السوريون السنّة… خاسرون أيضاً!
——————————-
حسام القطلبي: السلطة الحالية نجحت بدفع السوريين إلى هويتهم الطائفية
——————————-
===================



