مؤسس نقد الهزيمة/ وسام سعادة

أسست نصوص ياسين الحافظ عربياً لمقال نقد الهزيمة. وفقاً لهذا المقال، ليست الهزيمة قدراً، كما أنها ليست مجرد مسألة عرضية. للهزيمة شروط، ولتخطيها شروط. مع ذلك، فهي هزيمة كاملة، لا لبس في ذلك. انها هزيمة أمام الخارج لا بسبب الخارج. انها في المقام الأول والأخير هزيمة للداخل في الداخل ومن الداخل أمام الخارج، سواء عنينا بالخارج زماناً لا بد من الخطو إليه، أو مستوطناً وافدا إلينا، لاجئا عندنا، ومعتديا علينا. تكتسب نصوص ياسين الحافظ راهنية خاصة اليوم، ونحن على ما نحن عليه عربياً وإسلامياً من هزيمة حضارية، ومن أمة تحسب أن رفض الاعتراف بهزيمتها هو الضمانة الوحيدة والأكيدة لانتصارها، فالقاعد عن الجهاد يسمي نفسه صامداً، والمجاهد الخارج عن العقل وعليه يجعل من غبائه فتحاً، والمتعاون مع المحتل يزهو بنفسه محرراً. كلٌ من القاعد والمجاهد والمتعاون يرفض الهزيمة على طريقته، ويرفض الاعتراف بها على طريقته. مع ذلك، يبقى القاعد والمجاهد والمتعاون شواهد ثلاثة على عمق ما بلغته الهزيمة فينا. يتعذر وقف الانهيار الحضاري دون الاعتراف بأنه محض انهيار، لا أكثر ولا أقل. من هنا تنبع الحاجة الى إعادة قراءة ياسين الحافظ من موقع »نقد الهزيمة«، ونقد »الأيديولوجيا المهزومة«. بيد أن شرط القراءة هو التنبه الى أننا أمام نصوص تنتمي الى مرحلة سالفة، كما اننا أمام نقد للهزيمة بقي مهزوماً بالضرورة نظراً للأرضية التلفيقية التي ارتضاها مساحة له. والتلفيقية عند الحافظ نوعان: »قومية اشتراكية«، و»قومية ديموقراطية«. يربط الحافظ بين التلفيقيتين من خلال اللعب كما يحلو له على ثنائية »القومية« و»الأمة«. ساعة يحلو له التمييز بينهما باعتبار أن القومية موجودة قبل مئات من السنين، في حين أن المطلوب هو الارتفاع الى مستوى الأمة من خلال »الثورة الديموقراطية« كما في النموذج الأوروبي، وساعة يجعل من النموذج العربي استثناء، فيقرر »ان القومية العربية لم تولد في السوق الرأسمالية«، في حين ان »الأمم الأوروبية قد ولدت فعلاً في السوق الوطنية« (الأعمال الكاملة، ج1، ص 14)، ليخلص من ثم الى »ان القومية العربية لن تحمل الطابع البرجوازي«، أي انه يجعل من النقيصة فضيلة، ويصل بعد ذلك الى سقطة شعبوية من نوع »هذا هو سبب الطابع الجماهيري والشعبي، الذي يميز القومية العربية عن القوميات الأوروبية«، لا بل يستنتج في مكان آخر ان »القومية العربية حركة ذات طابع أممي« (ص 25). وفقاً لهذا التلفيق بين عناصر مبعثرة من قومية وماركسية وليبرالية، سعى الحافظ الى إثبات »تاريخية الأمة« في مقابل النظرتين الضيقتين، »القومية البرجوازية الصغيرة« و»الستالينية العربية«. فاته أن أسبقية »القومية« على »السوق الوطني« تشهد على بخل التاريخ لا على كرمه، وأن رفض الانزلاق الى مواقع الاقتصادوية المبتذلة لا يبرر بأي سبب كان الانزلاق الى حيث استبعاد العامل الاقتصادي عن تعريف القومية والأمة. عبثاً حاول ياسين الحافظ أن يؤسس عقيدته في »تاريخية الأمة«. لم يتوصل أبداً الى فكرة ذات فائدة حول دور الذات في التاريخ. ظنّ أنه اكتشف جديداً حين كتب »ان التاريخ هو تاريخ الشعوب والملوك معا«، في حين أن الجديد كان يتوقف على لحظ أشكال وشروط العلاقة بين تاريخ الشعوب وتاريخ الملوك. على المنوال نفسه، فهو مرة يقرر بأنه لا بد من أن ندير الأعناق نحو الماضي »لكي نبرهن أن ما تم تحقيقه في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل«، ومرة يؤكد بأن »التاريخ ليس تهويمات دورانية لأرواح الأجداد على صفحات الزمن«. في أماكن أخرى من أعماله، اتخذت هذه التلفيقية اسماً مستعاراً لها: »تعريب الماركسية«. مع ذلك، يبقى لهذه الماركسية »المعربة« عند ياسين الحافظ والياس مرقص الفضل في أنها نهلت من نبع الماركسية الغربية الخلاقة، في حين كانت الأحزاب الشيوعية العربية مصرة على مضغ الموت السوفياتي. ومما يذكر لماركسية الحافظ تشديدها على »ان الاشتراكية إما أن تكون علمانية أو لا تكون«، اذ ان الماركسية لم تحارب المجتمع الطبقي من »زاوية الحاجة فحسب، بل حاربته باعتباره جذر الضياع الانساني وصورة من صوره. وهي قد أكدت دوماً رفضها سائر أشكال وأسباب الضياع الأخرى، وعلى رأسها السحر والوهم والغيبيات«. لم تعن علمية »الاشتراكية العلمية« عند الحافظ مجرد معارضة للاشتراكيات الطوباوية بقدر ما عنت وتضمنت »العلمانية أيضاً وبالأساس«. من هنا اهتمام الحافظ بترجمة نصوص ماركس وانغلز حول الدين، أضف لاهتمامه بنقد كل الجوانب الغيبية في الثقافة العربية. لم تكن تلفيقية ياسين الحافظ بصدد التاريخ وتاريخية الأمة من النوع الذي يحول دون قيام نقد، جدي، وجذري، وتأسيسي، للهزيمة والأيديولوجيا المهزومة. كان هذا النقد ريادياً في زمانه، وثمة حاجة للاستعانة به في زماننا، من أجل زماننا وليس عليه. يظهر هذا النقد واضحاً في الجزء الثاني من أعماله الكاملة (اللاعقلانية في السياسة العربية)، حيث يستحدث نظرة حيوية للصراع العربي الاسرائيلي، ويأتي بأفكار جديدة من نوع »ان السياسي والاجتماعي والايديولوجي في المجتمع المصري أكثر تأخراً من الاقتصادي والتقنولوجي، في حين أن الأيديولوجي والاجتماعي والسياسي في المجتمع الاسرائيلي أكثر تقدماً بكثير من الاقتصادي التقنولوجي«. يقلب الحافظ النظرة العربية الخاطئة، ويصححها. فللاقتصاد الاسرائيلي سمات عالمثالثية، أما المجتمع الاسرائيلي فهو مجتمع مدني حديث، وهذا ما يفسر لماذا لا يحكم الجيش اسرائيل رغم الدور الذي يلعبه في حماية »المجتمع الغيتو«، ذلك »ان مجتمعاً برجوازياً، مجتمعاً مدنياً، قد تكون فيها (يقصد اسرائيل)«. بهذه الدقة يتوصل الحافظ الى ان »المجتمع الاسرائيلي لم يتحول، بسبب من ضخامة المؤسسة العسكرية، ودورها المصيري، الى مجتمع عسكري، بل بقي، اذا صح، مجتمعاً محارباً فحسب«. هنا يتضح بعد هام من هزيمتنا، فهي وليدة انتصار المجتمع المحارب في اسرائيل على المجتمعات العسكرية العربية. هذا وحده ما يفسر احتلال ضفدعة بيت الفيل. إلا ان ياسين الحافظ يوضح في الوقت نفسه أنه »عندما تصرع ضفدعة فيلاً، من الخطأ الافتراض ان الضفدعة قوية، فالضفدعة لا يمكن ان تكون قوية، بل ينبغي الاعتراف بحقيقة مرة: ان الفيل هزيل، مستنفد، ناضب، بلا أعصاب، بلا عضلات، بلا إرادة، دماغه كف عن التفكير« (ج2، ص97). يهزأ ياسين الحافظ ممن يعتبر ان الاستعمار هو الذي أقام اسرائيل. ويهزأ من الفكر العربي »المستريح« الخالي من الاشكاليات. وهو حين يكتب في »الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة« عن الاستيطان والييشوف اليهودي في فلسطين، لا ينسى أن يشير الى ما يعتبره »نقطة الضعف القاتلة« عند الفلسطينيين قبل النكبة، وهي ان »الحلقة المركزية في الاستراتيجية الفلسطينية هي نفسها الصهيونية ولكن مقلوبة: إيقاف الهجرة اليهودية الى فلسطين« (ج 4، ص55). يؤسس الحافظ نقده للهزيمة على التمييز بين ساعة المنتصر وساعة المهزوم. »فالدول العربية عموماً انتظارية تارة ورد فعلية تارة أخرى«، ذلك أن النظرة الأخلاقوية الى الحق هي التي تشكل هذه النظرة الى الزمان باعتباره غيباً (ج4، ص 71)، في حين ان الحركة الصهيونية »ترى الى الزمان بوصفه عاملاً حاسماً في المعركة وتستخدمه«. هذا ما سمح لياسين الحافظ بالمقارنة أيضاً بين »التجربة التاريخية الفيتنامية« (ج3) حيث »الاستعمال الحصيف لسلاح النقد يسبق ويحضر للاستعمال المجدي لنقد السلاح« في مقابل تجربة العرب مع حكم القيمة ما بين رومانسية متثورة وواقعية رجعية. انطلاقاً من هذه المقارنة، وفي معرض مناقشاته للأيديولوجيا الفلسطينية، يشدد الحافظ على أنه لا يمكن تحرير فلسطين وتدمير كيان اسرائيل بكفاح شعبي مسلح، فنحن »لا نحارب لإجلاء جيش جاء من الخارج، بل نحارب لتدمير جيش بناه سكان محليون« (ج4، ص 301). ان حرب العصابات تبقى في أحسن الأحوال مجرد حرب تخريب تكتيكية محدودة النتائج، وهي أسلوب للحرب الأهلية، في حين »ان حربنا ضد الصهيونية هي حرب قومية وليست حرباً أهلية« (المرجع ذاته). بسبب من عدم ربطه نقد الهزيمة مع نقد الصراع، ظل ياسين الحافظ موالياً للطوبى القومية التقدمية: »سيبني العرب بالتأكيد جيوشاً شعبية، نظامية، محاربة، حديثة، عندما يصنعون ثوراتهم الحقيقية« (المرجع ذاته). في انتظار أن تحل هذه الثورات، ليس لنا إلا ان نردد مع زرادشت لنيتشيه: »أحب من يتملكه العار عندما يميل النرد الى مصلحته فيتساءل عندها: ألست غشاشا؟«.



