العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

العدالة الانتقالية تحديث 20 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

 العدالة الانتقالية بين منطق القانون ومنطق التسويات/ عدي محمد الضاهر

2026.02.17

العدالة الانتقالية ترتبط مباشرة بشرعية النظام السياسي القادم، وبثقة المجتمع في مؤسساته، وبقدرة القانون على فرض معاييره فوق اعتبارات القوة والتسويات. وفي الحالة السورية، وبعد اجتماع مع أعضاء هيئة العدالة الانتقالية في زيارتها الأخيرة إلى لاهاي، نود التأكيد في هذه المدونة أنه لا يمكن التعامل مع العدالة الانتقالية بوصفها بندًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، لأن حجم الانتهاكات وطبيعتها البنيوية يجعلان منها شرطًا ضروريًا لأي استقرار مستقبلي قابل للحياة.

غير أن الإشكالية المركزية لا تكمن في الاعتراف النظري بأهمية العدالة الانتقالية أو بوجودها ككيان قائم فحسب، بل في كيفية ترجمتها إلى بنية مؤسساتية واضحة وفاعلة. فالإعلان عن تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية لا يكتسب قيمته من وجوده الشكلي، بل من وضوح ولايتها، واستقلالها، وصلاحياتها، وقدرتها العملية على إنتاج أثر قانوني ملموس. وفي السياق السوري، ما تزال الأسئلة الجوهرية معلقة دون إجابات حاسمة: ما الدور القضائي الفعلي للهيئة؟ هل تمتلك صلاحية فتح دعاوى عامة مستقلة؟ ما علاقتها بالسلطة القضائية التقليدية؟ كيف يُختار القضاة المختصون بقضايا الجرائم الجسيمة؟ وما الضمانات الفعلية لاستقلال قراراتها؟

جوهر العدالة الانتقالية

إن غياب الوضوح في هذه المسائل لا يمثل خللًا إجرائيًا بسيطًا، بل يمس جوهر فكرة العدالة الانتقالية. فالمؤسسات التي تعمل في هذا المجال لا يمكن أن تقوم بوظيفتها في ظل ضبابية قانونية أو تضارب في الصلاحيات، لأن العدالة بطبيعتها تتطلب تحديدًا صارمًا للمسؤوليات والاختصاصات. فالعدالة الانتقالية ليست خطابًا سياسيًا ولا مشروعًا رمزيًا، بل منظومة قانونية تتطلب دقة في البناء واستقلالًا في القرار.

في هذا الإطار، تبرز مسألة استقلال الهيئة بوصفها النقطة الأكثر حساسية. فالعدالة الانتقالية، بحكم طبيعتها، معنية بمساءلة انتهاكات غالبًا ما تكون مرتبطة ببنية السلطة السابقة ذاتها، أو بالانتهاكات التي ارتُكبت خلال العقد الأخير على أيدي فصائل وقوات وميليشيات متعددة، الأمر الذي يجعل استقلالها عن السلطة التنفيذية شرطًا وجوديًا. إن أي هيمنة تنفيذية على آليات التعيين أو اتخاذ القرار لا تُفقد الهيئة حيادها فحسب، بل تقوض صدقيتها منذ البداية. فالعدالة التي تُدار ضمن توازنات السلطة لا يمكن أن يُنظر إليها بوصفها عدالة، بل كامتداد سياسي بصيغة قانونية.

التسويات وأثرها

الأكثر خطورة من ذلك هو ما يُتداول على نطاق واسع بشأن التسويات مع شخصيات بارزة من بنية النظام السابق، ولا سيما كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين، في سياقات يُشار فيها إلى مقايضات ذات طابع مالي. وبصرف النظر عن التفاصيل أو مدى التحقق من كل حالة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في صحة هذه المزاعم، بل في أثرها البنيوي على مفهوم العدالة؛ فالعدالة الانتقالية تقوم على مبدأ واضح: الجرائم لا تخضع للتفاوض، ولا تُطوى بالتسويات السياسية أو المالية أو بشراء الولاءات.

إن إدخال منطق التسوية إلى ملفات الجرائم الكبرى يُنتج خللًا قانونيًا وأخلاقيًا مزدوجًا؛ فمن جهة يُفرغ مبدأ عدم الإفلات من العقاب من مضمونه، ومن جهة أخرى يخلق شرخًا عميقًا بين المؤسسات العدلية والضحايا والمجتمع. فالضحايا لا يرون في العدالة آلية إدارية، بل حقًا جوهريًا غير قابل للمساومة. وأي انطباع بأن المساءلة يمكن استبدالها بالتسوية يهدد بتحويل العدالة الانتقالية إلى عملية شكلية من دون مضمون.

هنا تحديدًا تتجلى أزمة المفاهيم: هل تُدار العدالة باعتبارها معيارًا قانونيًا ثابتًا، أم باعتبارها ملفًا سياسيًا مرنًا؟ هل يُعامل مرتكبو الجرائم الجسيمة وفق قواعد القانون، أم وفق منطق التوازنات والمصالح؟ إن العدالة الانتقالية التي تُخضع المساءلة لحسابات القوة تفقد معناها البنيوي، لأنها تتحول من أداة لإعادة تأسيس الشرعية إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ.

الإعلان الدستوري والفراغ القانوني

تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل الفراغات القائمة في الإعلان الدستوري، ولا سيما عدم النص الصريح على آليات تجريم بعض الأفعال المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وغياب آليات واضحة لتشكيل مجلس قضائي مستقل، أو حتى آلية تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وهو الأهم في هذا السياق. فالعدالة الانتقالية لا يمكن أن تبقى رهينة النصوص أو قاعات الاجتماعات، لأن الجرائم الجسيمة في العرف الدولي تخضع لمنظومة القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. وعليه، فإن الفراغ التشريعي لا يلغي الجريمة، ولا يعطل المساءلة، ولا يمنح حصانة ضمنية لأي طرف. وهنا يمكن أن يبرز دور هيئة العدالة الانتقالية، التي لم تنفذ بعد أي خطوات ملموسة في هذا المضمار.

غير أن التحدي لا يقتصر على البنية القانونية والمؤسسية، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي. إن الفجوة القائمة بين هيئة العدالة الانتقالية والحاضنة الشعبية، ولا سيما أهالي الضحايا، تمثل مؤشرًا خطيرًا على أزمة ثقة متنامية. فالعدالة الانتقالية لا تستمد شرعيتها من النصوص وحدها، بل من الاعتراف الاجتماعي بها كمؤسسة فاعلة وقادرة على إنتاج أثر حقيقي. وإذا ترسخ الانطباع بأنها كيان شكلي بلا صلاحيات فعلية، فإن ذلك لا يقوض الهيئة فحسب، بل يهدد فكرة العدالة ذاتها.

فالضحايا لا يبحثون عن خطاب رمزي أو اعتراف نظري، بل عن مسار قانوني واضح: تحقيقات مستقلة، ودعاوى فعلية، ومحاكمات عادلة، وآليات جبر ضرر ملموسة، وبرامج خاصة تُبث حول محاور عمل هيئة العدالة الانتقالية. لأن العدالة الانتقالية التي لا تنتج نتائج مرئية تتحول تدريجيًا إلى مفهوم فارغ في الوعي العام، حتى لو افترضنا، اصطلاحًا، أن صياغتها القانونية سليمة.

الغموض المؤسسي

في هذا السياق، تصبح الشفافية ضرورة بنيوية. فالغموض المؤسسي، وغياب التواصل الواضح مع الرأي العام، وعدم توضيح حدود الصلاحيات والتحديات، كلها عوامل تُغذي الشك وتوسع فجوة الثقة. العدالة الانتقالية بطبيعتها عملية حساسة ومشحونة سياسيًا وأخلاقيًا، ولا يمكن إدارتها في الظل أو عبر خطاب عام مبهم. وعليه، لا بد من وجود مكتب إعلامي في الهيئة يتولى التواصل عبر الإذاعة والتلفزيون، ويبث بشكل يومي، خلال ساعات محددة، برامج وأعمالًا توضح خطط الهيئة وأعمالها. فمع أكثر من نصف الشعب السوري ضحيةً لانتهاكات، يصبح اطلاع المجتمع على مسار العدالة أمرًا ضروريًا وإجباريًا.

السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بوضوح هو الآتي: هل تمتلك هيئة العدالة الانتقالية في سوريا استقلالًا فعليًا يمكّنها من ممارسة دورها دون تدخل سياسي؟ وهل تُدار المساءلة وفق قواعد قانونية ثابتة أم وفق منطق التسويات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مصير الهيئة، بل ترسم ملامح الدولة القادمة. فالعدالة الانتقالية ليست ملفًا قطاعيًا ضمن منظومة إدارية، بل لحظة تأسيسية تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والقانون. الدولة التي تُعيد إنتاج الإفلات من العقاب تحت أي مسمى تؤسس لهشاشتها المستقبلية، والدولة التي تُخضع العدالة لمنطق التسويات تفقد معيارها الأخلاقي قبل أن تفقد صدقيتها القانونية.

دور هيئة العدالة الانتقالية

إن تحصين الهيئة من الهيمنة التنفيذية، وضمان استقلالها الحقيقي، وتفعيل دورها في فتح الدعاوى الكبرى، والقطع الواضح مع أي مقاربات تقوم على المقايضة أو التسوية خارج الإطار القضائي، ليست مطالب مثالية أو شعارات سياسية، بل شروط أساسية لبقاء فكرة العدالة ذاتها قابلة للحياة. فالعدالة، في معناها الدقيق، ليست خطابًا توافقيًا ولا أداة إدارة مرحلية، بل معيارًا قانونيًا لا يحتمل الانتقائية. وحين تُختزل العدالة في واجهة شكلية، لا يكون الضرر محصورًا في مؤسسة بعينها، بل يمتد ليصيب شرعية الدولة، وثقة المجتمع، وإمكانية الانتقال ذاته.

في نهاية المطاف، ووفقًا للحوار في الاجتماع الأخير مع هيئة العدالة الانتقالية في لاهاي، يمكن الجزم بأن الهيئة شبه مقيّدة ولا تملك قرارها القضائي الكامل، وهي بحاجة إلى دعم كبير من جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها منظمات المجتمع المدني التي أبدت اهتمامًا واضحًا بهذا الملف منذ سنوات. كما أنها بحاجة إلى ميزانية وصلاحيات أوسع لتتمكن من أداء عملها دون تقييد.

لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بوجود هيئة أو لجان، بل بقدرتها على فرض منطق القانون فوق منطق القوة، وتثبيت المساءلة فوق منطق التسوية، وإنتاج أثر يعيد للضحايا موقعهم بوصفهم حاملي حق، لا أطرافًا هامشية في معادلة سياسية. وبدون ذلك، تتحول العدالة الانتقالية من مشروع تأسيسي للدولة إلى عنوان إداري من دون مضمون.

تلفزيون سوريا

——————————

هل تكرّس “حكومة دمشق” قضاء غير عادل؟/ ياسر شالتي

18.02.2026

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

تبدو المشكلة القضائية في سوريا، ذات أبعاد متعدّدة، تتجاوز عبارة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، والإجراءات الخاطئة أو الاستثناءات الطارئة، إذ تتجسّد في خلل بنيوي، تحوّل إلى ما يشبه “سياسة” تتضمّن الإقصاء في التعيين وتفضيل الولاء، وإعادة إنتاج أدوات النظام السابق (قانون الجرائم الإلكترونية مثلاً)، وتجاهل الإجراءات القضائية (خطف دروز من السويداء نحو سجن عدرا دون توجيه تهمة لهم)، لتحويل القضاء من سلطة يُفترَض أنها تحمي الحقوق، إلى أداة تُستخدَم لتبرير الانتهاكات، وتكريس الإفلات من العقاب، وهضم حقوق الضحايا.

أخطر ما في هذا الواقع ليس النتائج فقط، بل اعتياد الخطأ وتحويله الى ممارسة طبيعية، فلا يعود الخطأ استثناء، بل الأصل الذي تُدار على أساسه المحاكم والنيابات العامّة، بما في ذلك القضايا الأكثر خطورة كـ”الجرائم الجسيمة” والانتهاكات الواسعة، خصوصاً في بلد كسوريا، شهد جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب ارتكبتها عدّة أطراف، سواء كنّا نتحدّث عن النظام، أو تنظيم “داعش”، أو الفصائل الإسلامية سابقاً.

أحاول هنا، تفنيد بعض التقنيات التي تستخدمها حكومة دمشق، لإعادة تشكيل “القضاء” بناء على عدّة عوامل تتحرّك بين التعيينات والإجراءات القضائية، وتتعمّد تغييب الكفاءات القانونية والقضائية.

الادّعاء الشخصي كذريعة قانونية زائفة

يُعدّ التذرّع بعدم وجود الادّعاء الشخصي بحقّ مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية، أحد أخطر أشكال الانحراف الإجرائي في القضاء السوري، ليس فقط بسبب مخالفته الصريحة للقانون الدولي، بل بسبب ما يكشفه من جهل بنيوي لدى القائمين على تطبيق القانون بطبيعة الجرائم الجسيمة، وبالفارق الجوهري بينها وبين الجرائم العادية.

 الخلط بين الجريمتين، وفرض شروط إجرائية مستمدّة من القانون الداخلي على جرائم ذات طابع دولي، لا يمكن اعتباره مجرّد خطأ في التفسير، بل هو دليل على غياب الاختصاص القانوني لدى من يتولّون مواقع حسّاسة في النيابات العامّة والمحاكم، وهذا يتّضح في تصريح وزير العدل مظهر الويس نفسه على منصّة “سوريا الآن”، حين سأله المذيع عن إمكانية وجود محاكم خاصّة بالعدالة الانتقالية، فأجاب:” لا، القضاء العادي، ولن يكون هناك قضاء استثنائي”، لأن الإعلان الدستوري حظر إنشاء محاكم استثنائية.

تتحجّج سلطة دمشق  لتفادي توجيه الاتهّام، بـ” متطلّبات مرحلة السلم الأهلي”، كما صرّح حسن صوفان عضو “لجنة السلم الأهلي”، حين ظهر فادي صقر على الساحة من جديد.

الحجّة الثانية تتمثّل بالمناداة بـ”الادّعاء الشخصي”،  الذي تتبنّاه السلطة في دمشق،  وهو مفهوم إجرائي ينتمي إلى منظومة الجرائم العادية التي يكون الضرر فيها فردياً ومحدوداً، ويترك للمتضرّر خيار تحريك الدعوى أو عدمه.

أما في جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، فإن الضرر لا يُصيب فرداً بعينه فقط، بل يُصيب المجتمع ككلّ، ويمسّ النظام العام الدولي، وهو ما أسقط منذ عقود فكرة ربط الملاحقة بإرادة الضحيّة.

اتّفاقيات جنيف للعام 1949 لم تترك هذا الأمر محلّ اجتهاد، بل وضعت التزاماً إيجابياً واضحاً على عاتق الدول، يقضي بالبحث عن مرتكبي المخالفات الجسيمة وتقديمهم للمحاكمة. هذا الالتزام لا يرتبط بوجود شكوى، ولا يسقط لغياب ادّعاء شخصي، ولا يجوز تعطيله بإجراءات داخلية، ومع ذلك، يتمّ في سوريا استخدام هذا الشرط كذريعة لإغلاق ملفّات خطيرة، أو لتبرير الإفراج عن متّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، في ممارسة لا يمكن فصلها عن سياسة الإفلات من العقاب.

أمّا نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فسار في الاتّجاه ذاته، عندما عرّف الجرائم الدولية، وحدّد اختصاص المحكمة دون أي اشتراط لوجود ادّعاء شخصي، بل منح المدّعي العامّ سلطة التحرّك من تلقاء نفسه، متى توفّرت معلومات معقولة عن ارتكاب هذه الجرائم.

هذا التطوّر في أسلوب التعامل مع هذه الجرائم الكبرى، لم يكن شكلياً، بل جاء استجابة لطبيعة هذه الجرائم التي غالباً ما يكون فيها الضحايا موتى أو مغيّبيين قسريا أو مجهولي المصير، وفي سوريا لدينا أكثر من مئة وعشرين ألف ضحيّة مجهولة المصير، فهل ننتظر  هؤلاء لتقديم شكواهم؟

تجاهل هذه القواعد، والإصرار على فرض شرط الادّعاء الشخصي، يكشف إمّا جهلاً بالقانون الدولي، وإمّا استخداماً متعمّداً لإجراء شكلي لإغلاق باب العدالة، وفي الحالين، تكون النتيجة واحدة: تعطيل واجب الدولة في الملاحقة، وإنكار حقّ الضحايا في العدالة، وتحويل القضاء إلى أداة لحماية الجناة بدل محاسبتهم.

والأخطر من ذلك أن هذا النهج لا يقتصر أثره على قضيّة بعينها، بل يكرّس سابقة خطيرة، مفادها أن الجرائم الأكثر جسامة يمكن تحييدها قانونياً عبر تفسيرات إجرائية مغلوطة، وهي رسالة واضحة يُفهم منها أن الدولة لا تكتفي بعدم المحاسبة، بل تُسهم عبر قضائها غير المؤهّل في إعادة إنتاج الجريمة، وارتكاب انتهاك ثانٍ بحقّ الضحايا، يتمثّل في إنكار حقّهم في الحقيقة والإنصاف.

لا يقتصر أثر تقاعس الدولة عن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب على الداخل فقط، بل يرتّب مسؤولية دولية واضحة بموجب القانون الدولي. فالدولة التي تمتنع عن التحقيق أو الملاحقة، أو تتحجّج بإجراءات شكلية مثل “غياب الادّعاء الشخصي”، تكون قد أخلّت بالتزاماتها الدولية، ولا سيّما واجبها في منع الانتهاكات الجسيمة ومعاقبة مرتكبيها.

 هذا التقاعس يشكّل بحدّ ذاته فعلاً غير مشروع دولياً، ويفتح الباب أمام تفعيل الولاية القضائية العالمية، أو اللجوء إلى الآليّات الدولية، باعتبار أن الدولة إمّا غير راغبة وإمّا غير قادرة على القيام بواجبها.

وفي هذه الحالة، لا يُعدّ الامتناع حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس الإفلات من العقاب.

عندما يكون الخصم هو القاضي

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

في محكمة حمص، تمّ تعيين السيّد حسن الأقرع رئيساً للنيابة العامّة العسكرية ورئيساً للمحكمة العسكرية في الوقت نفسه، رغم كونه غير مختصّ قانونياً، هذا التعيين لا يمكن وصفه بخطأ إداري أو خلل تنظيمي، فالنيابة العامّة هي خصم في الدعوى، تمثّل سلطة الاتّهام وتسعى إلى الإدانة، بينما القاضي يُفترَض أن يكون جهة محايدة تفصل بين الخصوم.

الجمع بين هاتين الوظيفتين يُلغي الحياد من أساسه، ويحوّل المحاكمة إلى إجراء صوَري لا يتوفّر على أيّ من ضمانات الإنصاف.

هذا الوضع يتعارض بشكل مباشر مع المبادئ العامّة لأصول المحاكمات، ويتناقض مع المادّة 14 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط أن تكون المحكمة مختصّة، مستقلّة، ومحايدة. ولا يمكن الحديث عن اختصاص أو حياد في ظلّ شخص واحد يجسّد دور الخصم والحكم في آن معاً.

وما يزيد من جسامة هذه الحالة، هو أن الشخص المعيّن يفتقر أساساً إلى الاختصاص القانوني، الأمر الذي يكشف أن المشكلة ليست مجرّد تجاوز إجرائي، بل نتيجة مباشرة لسياسة تعيين لا تُقيم وزناً للكفاءة والمعرفة القانونية.

محكمة النقض: حين يفقد القانون حرّاسه

يبلغ الخلل مداه عندما يمتدّ تعيين غير المختصّين إلى محكمة النقض، وهي أعلى مرجع قضائي، ومحكمة قانون لا محكمة وقائع. وظيفة هذه المحكمة ليست إعادة النظر في الوقائع، بل مراقبة حُسن تطبيق القانون، وتصحيح الأخطاء القانونية، وضمان وحدة الاجتهاد القضائي.

محكمة النقض هي صمّام الأمان الأخير للعدالة، ووجود قضاة غير مختصّين فيها لا يشكّل مجرّد ضعف مهني، بل خطراً مباشراً على الأمن القانوني برمّته. فكيف يمكن لمحكمة يُفترَض بها تفسير القانون، أن تقوم بدورها إذا كان اعضاؤها يفتقرون إلى الفهم العميق للأصول القانونية؟ وكيف يمكن للمتقاضين الوثوق بقضاء نهائي إذا كان هذا القضاء يُدار بعقلية غير قانونية؟ فشخص مثل شادي الويسي، صاحب الفيديو الشهير الذي يطبّق فيه “الحدّ” على امرأة في إدلب، تمّ تعيينه نائباً لرئيس المحكمة ذاتها!

عدم الاختصاص كسياسة لا كحادث؟

القاسم المشترك بين كلّ هذه الأمثلة هو غياب الاختصاص، هذا الغياب لا يبدو عارضاً أو استثناءً، بل يعكس سياسة ممنهجة لتولّي الكثير من غير المؤهّلين أخطر المواقع القضائية. والنتيجة منظومة قانونية مشلولة، تستخدم النصوص كواجهة شكلية، بينما يتمّ تقويض جوهرها في التطبيق.

عدم الاختصاص هنا ليس مسألة تقنيّة، بل سبب مباشر لانتهاك الحقوق، وتعطيل العدالة، وشرعنة الإفلات من العقاب. فالقاضي أو المدّعي العامّ الذي لا يفهم أو يتجاهل طبيعة الجرائم الدولية، ولا مبادئ المحاكمة العادلة، لا يمكنه إلا أن يُنتج إجراءات خاطئة، مهما حسنت النوايا.

– محقّق مختصّ بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية

درج

—————————–

 تقرير: انخفاض لافت في العنف بسوريا وتوصيات بدعم العملية الانتقالية

ربى خدام الجامع

2026.02.19

نشر “معهد الشرق الأوسط” (The Middle East Institute) تقريراً تناول فيه مسار العملية الانتقالية في سوريا خلال عامها الأول، مسلطاً الضوء على التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، إلى جانب قراءة في طبيعة الدور الأميركي المتوقع خلال المرحلة المقبلة. واستعرض التقرير مؤشرات قال إنها تعكس تراجعاً في مستويات العنف وتحسناً نسبياً في بعض القطاعات، مقابل تحديات مستمرة تتعلق بترسيخ الاستقرار وإدارة المرحلة الانتقالية.

فيما يلي الترجمة الحرفية لنص التقرير كما ورد، من دون أن يعني ذلك تبنّي موقع “تلفزيون سوريا” لما جاء فيه أو المصادقة على مضمونه.

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على الحكم الدكتاتوري الدموي و13 عاماً ونيف من النزاع، بدت السنة الأولى للعملية الانتقالية في سوريا معقدة ومنقوصة ومليئة بالمصاعب، ولكن، على الرغم من وجود بعض التحديات الكبيرة، فإن سوريا تسير على درب الاستقرار بصورة جلية، فقد انحسر العنف الذي تسبب بحالات قتل بنسبة 30% خلال الفترة ما بين كانون الثاني وحتى آب 2025، وذلك قبل أن يهبط بشكل كبير ليبلغ نسبة 73% خلال الثلث الأخير من العام نفسه. ومع اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اليوم في الدولة، سجل العنف في سوريا انخفاضاً كبيراً خلال الأسابيع الماضية. وبعيداً عن الملف الأمني، بدأ الاقتصاد السوري بالتعافي، بعد أن ارتفعت قيمة الليرة السورية بنسبة 20%، وزاد إجمالي الناتج المحلي بنسبة 5% خلال عام 2025، كما جرى التوقيع على صفقات استثمارية بلغت قيمتها 35 مليار دولار، وعاد ثلاثة ملايين سوري وسورية إلى بلدهم. كما زار عدد كبير من المسؤولين الأجانب دمشق خلال عام 2025 وهذا العدد يفوق عدد من زاروا البلد أيام حكم الأسد على مدار نصف قرن من الزمان. ولكن، لكي يستمر هذا التقدم، يتعين على الولايات المتحدة أن تبقي على تعاملها مع الحكومة السورية الجديدة.

ما أهمية ذلك بالنسبة للولايات المتحدة؟

    استقرار سوريا وازدهارها ستكون له آثار عميقة متسلسلة على الشرق الأوسط: فعلى مدار عقود طويلة، كانت سوريا دولة مصدرة للتهديدات وانعدام الاستقرار، لكن الأمل بتغيير ذلك التوجه وحد المنطقة التي بقيت مقسمة لفترات طويلة خلف هدف واحد ألا وهو تعزيز إقامة دولة سورية يسودها السلام بحيث تبني جسوراً من التواصل والمصالح المشتركة وتخلق حالة من التوافق بين العرب والترك.

    توجيه هزيمة دائمة لتنظيم الدولة يحتاج لوجود سوريا مستقرة وموحدة: إذ في عام 2025، أي خلال السنة الأولى من العملية الانتقالية بسوريا، هبطت هجمات تنظيم الدولة بنسبة 50% كما تراجع عدد ضحاياها بنسبة 76%، بما أن 89% من تلك الهجمات نفذت في مناطق كانت تخضع لسيطرة قسد. ومنذ 20 كانون الثاني 2026، عندما تم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الحكومة وقسد، ثم الاتفاق على الاندماج، تراجعت هجمات تنظيم الدولة بنسبة 85%، لذا فإن ترسيخ تلك المكاسب يعتبر فرصة تاريخية.

    سوريا مفتاح لمنع عودة النفوذ الإيراني إلى المنطقة: خلال العام الفائت، ضبطت قوات الأمن السورية أكثر من أربع آلاف قطعة سلاح تتبع للنشاط المرتبط بإيران، وهذه الأسلحة كانت معدة للتهريب إلى حزب الله في لبنان، كما نفذت القوات السورية عدة مداهمات على مواقع تابعة لإيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

    الحكومة السورية الجديدة كررت في أكثر من مناسبة بأنها ترغب بعقد اتفاق مع إسرائيل بناء على اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في عام 1974: فعلى الرغم من تعرض سوريا لأكثر من ألف غارة جوية ومدفعية وما لا يقل عن 825 عملية توغل برية منذ سقوط بشار الأسد في كانون الأول عام 2024، لم ترد سوريا إلا من خلال الدبلوماسية، ولهذا فإن المحادثات المباشرة التي تمت بين الطرفين في كانون الثاني 2026 أحيت الأمل بتحقيق ذلك.

اعتبارات سياسية

    التمسك بالواقعية وخفض سقف التوقعات: إن حجم التحديات التي تواجهها سوريا على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمني وعلى صعيد البنية التحتية يجعل مع عملية الانتقال السلس شيئاً صعب المنال، ولهذا يتعين على السياسيين أن يوجهوا انتباههم للتطورات التي تحدث على المدى القصير، مع تركيزهم في الوقت ذاته على الخطوات المتدرجة في سبيل تحقيق تقدم على المدى البعيد.

    على الولايات المتحدة أن تؤسس لوجود دبلوماسي دائم لها في دمشق: مع مأسسة مشاركة الحكومة الأميركية بما يسهم وبشكل أكبر في رسم مسار العملية الانتقالية بسوريا، إلى جانب فهم الديناميات الداخلية لتلك العملية بصورة أعمق، والضغط من أجل تحقيق تقدم بالنسبة للمشاركة في الحكم، ولتحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة. وفي الوقت الذي أكد الرئيس أحمد الشرع في أكثر من مناسبة عن تخليه عن ماضيه، بات من الواجب عليه أن يثبت ذلك مجدداً مع التزامه بخدمة جميع أبناء وبنات الشعب السوري على تنوعهم واختلافهم. والسبيل المضمون الذي يشجعه على مواصلة السير على هذا الدرب يتمثل في استمرار تعامل الولايات المتحدة معه.

    لابد من مواصلة السعي لإقامة مقر عسكري واستخباراتي دائم في دمشق: وذلك لتعميق التواصل على مستوى العمليات مع شركائنا في وزارة الداخلية التي تعتبر المؤسسة السورية التي تعنى بشؤون الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب، وكذلك مع المديرية العامة للمخابرات، لأن في ذلك خطوة مهمة بعد وصول تهديد تنظيم الدولة إلى المدن.

    إلى جانب استمرار التعاون ومشاركة المعلومات الاستخباراتية، يتعين على الولايات المتحدة تقديم التدريب والدعم الموجه لوزارة الداخلية السورية وللمديرية العامة للمخابرات وذلك للبناء على التقدم الذي تحقق في عام 2025، ويشمل ذلك مكافحة المخدرات، بعد ضبط أكثر من 350 مليون حبة كبتاغون في عام 2025، واتخاذ إجراءات بخصوص عمليات الانتقام الأهلية التي انخفضت بنسبة 91% بالنسبة للقتل المستهدف خلال العام الفائت، إلى جانب تجنيد علويين ودروز ومسيحيين لتأمين مناطقهم في الساحل وفي مناطق بحلب ودمشق. إذ عبر خطوات من هذا القبيل، تحول الساحل السوري من المنطقة الأشد خطراً التي ينعدم فيها الاستقرار وذلك خلال النصف الأول من عام 2025، إلى المنطقة الأكثر استقراراً والأقل خطراً خلال النصف الثاني من العام نفسه. لذا فمن الضروري خلال عام 2026 البناء على هذه المكاسب التي تشمل عملية الدمج المعقدة لقوات قسد ضمن الدولة، والتي ماتزال عملية هشة حتى الآن.

  المصدر: The Middle East Institute

تلفزيون سوريا

——————————

رابطة عائلات قيصر: العدالة قبل الدراما والشاشات/ محمد كركص

19 فبراير 2026

أصدرت رابطة عائلات قيصر السورية، اليوم الأربعاء، بياناً شديد اللهجة أعلنت فيه رفضها القاطع تحويل مأساة ضحايا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري إلى أعمال درامية أو مواد ترفيهية تُعرض على الشاشات. واعتبرت الرابطة أن جراح العائلات “التي لا تزال تنزف” لا يمكن أن تكون مادة إنتاج تجاري أو فني، مؤكدة أن تحويل المأساة إلى عمل ترفيهي “يمثل إساءة مباشرة لكرامة الضحايا وذويهم”.

وجاء في البيان، الصادر باسم عائلات ضحايا صور قيصر والمغيبين قسراً في سجون النظام السوري السابق، أن “الألم المستمر الذي تعيشه العائلات لا يجوز اختزاله في نصوص درامية أو معالجات فنية”. وذكرت الرابطة أن “أنين الأبناء ليس مادة للتداول الفني”، مشددة على رفض أي إنتاج درامي قبل استكمال مسار الحقيقة والعدالة، بما في ذلك كشف الوقائع كاملة، وتحديد أماكن دفن الضحايا، وتسليم رفاتهم إلى ذويهم بكرامة. وشدد البيان على أن “العدالة وكشف الحقيقة يسبقان أي إنتاج فني”، وأن تناول القضية قبل ذلك “يمثل تجاوزاً لمعاناة العائلات وحقوقها”، محذراً من “استغلال الألم لتحقيق أرباح أو تعزيز سمعة جهات متورطة”.

كما عبّرت الرابطة عن استنكارها لما وصفته بـ”غياب الأهلية الأخلاقية لدى بعض المشاركين المحتملين في أعمال درامية تتناول القضية، خصوصاً ممن جاهروا سابقاً بدعم الجلاد أو سخروا من آلام الضحايا أو انتقصوا من تضحياتهم”. وجاء في البيان: “من صفق للقاتل لا يملك الحق الأخلاقي لتمثيل وجع المقتول”، في إشارة واضحة إلى رفض مشاركة شخصيات تعتبرها العائلات متواطئة أو متماهية مع الانتهاكات.

وأكد البيان أن قصص الضحايا “تمثل أمانة تاريخية لا يجوز تحويلها إلى مادة تباع وتشترى في سوق الإنتاج التلفزيوني”، محذراً من أن “تقديمها في سياق ترفيهي، خصوصاً تحت إشراف جهات متورطة، يشكل تزييفاً للوعي العام وإيذاءً جديدًا للعائلات، ولا سيما للأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن معرفة مصير أبنائهن”.

وختمت الرابطة بيانها بالتأكيد على أن “العدالة تُطلب في المحاكم لا في الاستوديوهات، وأن أي محاولة لتسليع الألم أو استغلاله تمثل انتهاكاً جديداً لحقوق الضحايا وذويهم”.

وتكمن أهمية صور قيصر في كونها واحدة من أبرز الأدلة البصرية التي وثّقت الانتهاكات الواسعة داخل مراكز الاحتجاز في سورية خلال عهد النظام السوري السابق. وسرّب المصور العسكري المنشق فريد المذهان آلاف الصور التي أظهرت جثث معتقلين قضوا تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال وسوء المعاملة، في توثيق غير مسبوق لحجم الانتهاكات داخل السجون.

وعرضت هذه الصور أمام جهات دولية ومؤسسات تشريعية، من بينها الكونغرس الأميركي، وأسهمت في تعزيز المطالبات بالمحاسبة الدولية، كما شكلت مرجعاً أساسياً في تقارير حقوقية وتحقيقات قانونية تتعلق بجرائم التعذيب والاختفاء القسري. ومنذ تسريبها، تحولت صور قيصر إلى رمز عالمي لمعاناة المعتقلين وذويهم، وإلى أحد أهم ملفات العدالة المؤجلة التي لا تزال العائلات تطالب بكشف حقيقتها الكاملة ومحاسبة المسؤولين عنها.

ويأتي بيان العائلات في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مسلسل “القيصر… لا زمان لا مكان” الذي يعرض باسم “سجون الشيطان” (منصة شاشا). يقول القائمون عليه أنه “يستند إلى شهادات واقعية من داخل المعتقلات السورية، في محاولة لتقديم عمل درامي يوثق الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال فترة حكم النظام السوري السابق”.

ويتألف المسلسل من 30 حلقة موزعة على عشر ثلاثيات، كتب كل منها مؤلف مختلف ضمن رؤية درامية موحدة شارك في صياغتها عدد من كتّاب الدراما السورية، بينهم زهير الملا ومؤيد النابلسي، من إخراج صفوان مصطفى نعمو. ويشارك في بطولة العمل عدد من نجوم الدراما السورية، بينهم غسان مسعود وسلوم حداد وفايز قزق ومهيار خضور وصباح الجزائري وفادي صبيح وجلال شموط ويزن السيد، وغيرهم. وتغني أصالة نصري شارة العمل. وأثار منذ الإعلان عنه تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ رأى بعض المتابعين أنه يتسم بجرأة في تناول ملفات ظلّت مغلقة لسنوات، فيما اعتبر منتقدون أن مشاركة ممثلين محسوبين على النظام السابق تثير إشكاليات أخلاقية، مؤكدين أن كشف الحقيقة ينبغي أن يتم في الواقع وأمام المحاكم، لا عبر الأعمال الدرامية، وهو الموقف نفسه الذي عبّرت عنه العائلات في بيانها.

العربي الجديد

——————————

 “جرح مفتوح” يربك المشهد الرمضاني.. قيصر وذوو الضحايا يرفضون تسليع المأساة/ وفاء عبيدو

2026.02.19

مع اقتراب الموسم الدرامي في رمضان، حيث تتسابق شركات الإنتاج لطرح أعمال جديدة تستقطب اهتمام المشاهدين، برزت قضية المعتقلين والمغيبين قسرًا في سجون النظام المخلوع إلى واجهة الجدل، لكن هذه المرة من بوابة الرفض.

فقد أصدرت عائلات “قيصر” بيانًا حازمًا أعلنت فيه رفضها القاطع تحويل مأساتها الإنسانية إلى مادة درامية تعرض على الشاشات، معتبرةً أن الجرح لا يزال مفتوحًا وأن العدالة لم تتحقق بعد.

وأكدت العائلات أن قصص الضحايا ليست حكايات قابلة للمعالجة الفنية أو الاستثمار الإعلامي، بل قضية إنسانية وحقوقية تتطلب كشف الحقيقة كاملة، وتحديد مصير المفقودين، وتسليم الرفات لذويها بكرامة.

وشدد البيان على أن أي تناول درامي سابق لتحقيق العدالة يعد تجاوزًا أخلاقيًا يمسّ مشاعر العائلات ويختزل معاناتها، في وقتٍ لا تزال فيه آلاف الأسئلة بلا إجابات، وآلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها.

دراما رمضان “لا تحمي الحقيقة”

سمر السعد، ناجية من الإخفاء القسري وشقيقة شهيد قضى تحت التعذيب وظهرت صورته في ملف “قيصر”، أوضحت لموقع تلفزيون سوريا أن قضية المعتقلين ليست حدثًا من الماضي يمكن تناوله كمادة درامية مكتملة، بل جرحٌ مفتوح ما تزال آثاره حاضرة في حياة آلاف العائلات التي تنتظر الحقيقة. وأكدت أن صور “قيصر” لم تكن عملاً فنيًا، بل أدلة توثّق جرائم جسيمة لم يُحاسَب مرتكبوها حتى اليوم.

وأضافت أن تحويل القضية إلى عمل درامي قبل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة يطرح إشكالية أخلاقية عميقة، متسائلةً عمّا إذا كان هذا الطرح يحفظ الذاكرة أم يسهم في تطبيع الألم، وهل يدفع نحو المحاسبة أم يختزل المأساة في مشاهد مؤثرة قابلة للاستهلاك.

وشددت على أن العائلات لا ترفض الفن بحد ذاته، بل تؤمن بدوره في حماية الذاكرة الجماعية، لكنها ترفض تحويل المعاناة إلى سردية مكتملة في حين الحقيقة ما تزال قيد البحث والعدالة غائبة.

وأكدت السعد أن هذه القضية يجب أن تُعامل كملف حيّ لا كقصة منتهية، داعيةً إلى استشارة الناجين وعائلات الضحايا، وصون كرامتهم، وتجنب اختزال التجربة الإنسانية في مشاهد التعذيب فقط، لأن القضية تمثل منظومة قمع كاملة ومسار عدالة يجب دعمه لا الالتفاف عليه.

مشيرةً إلى أن صور “قيصر” قُدمت كأدلة ضمن مسارات قانونية دولية، من بينها محاكمات استندت إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، ما يؤكد أن القضية قانونية وليست رمزية فحسب.

ووجهت السعد رسالة حادة إلى من وصفتهم بـ”الفنانين الصامتين”، منتقدة صمتهم وإنكارهم خلال سنوات الانتهاكات، قبل أن يسارع بعضهم

لا استثمار للألم

مع اقتراب موسم رمضان، حيث تتحول الأعمال الدرامية إلى سباق على جذب المشاهدين، وجدت عائلات ضحايا الإخفاء القسري نفسها في مواجهة محاولات تحويل مأساتها الإنسانية إلى مادة للعرض التلفزيوني، في وقت لا تزال فيه الحقيقة غائبة والعدالة مؤجلة.

وفي هذا السياق، أوضحت الناشطة “ثورة كردية” لموقع تلفزيون سوريا أن العائلات شعرت بصدمة كبيرة عند معرفتها بأن عملاً درامياً سيتناول مأساتها خلال رمضان، مشيرةً إلى أن الصدمة الأولى نابعة من انتظارهم الطويل لأي معلومات عن مصير الضحايا، وأماكن دفنهم، وأسمائهم وتواريخهم، إضافة إلى مشاركتهم في مسارات العدالة الانتقالية تمهيداً لمحاكمة المسؤولين وطمأنة قلوب الأمهات والزوجات والأبناء.

أما الصدمة الثانية فتتمثل بحسب قولها، في استغلال العقلية التجارية للمأساة، بعدما جرى تحويل القضية الأكثر إيلاماً لدى السوريين إلى رقم في سباق الدراما الرمضانية، في حين تعيش العائلات على وقع تصور مؤلم لكيفية تجسيد معاناة أحبائهم على الشاشة، على يد ممثلين كان بعضهم حتى وقت قريب يروّج للنظام المخلوع ويتجاهل آلام الضحايا.

وأكدت أن القضية لم تتحول بعد إلى ذاكرة تاريخية، فهي ليست حرباً انتهت، بل جريمة مستمرة في آثارها ونتائجها، وشددت على أن الضحايا لا يحتاجون إلى مشاهد درامية، بل إلى أسماء واضحة، ومحاكم عادلة، وحقيقة تُثبت وتُحاسب، محذّرةً من أن تسليع المأساة قبل تحقيق العدالة سيفتح الجرح بدل أن يداويه.

من جهتها، تشارك الناشطة روز النميري الرأي ذاته، معتبرةً أن القضية شديدة الحساسية، وأن تحويل المأساة إلى عمل درامي قبل كشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين قد يتحول إلى استثمار للألم أو تشويه للواقع إذا لم يُقدَّم باحترام.

وفي المقابل، ترى أن الدراما يمكن أن تكون أداة لنشر الوعي وتسليط الضوء على القضية، شرط أن تُنتج بمسؤولية وبالاعتماد على شهادات حقيقية.

وشددت النميري على أن أي عمل فني يبقى ناقصاً في غياب العدالة، وقد يجرح الضحايا بدل أن ينصفهم، موجّهةً رسالة مباشرة للمنتجين بضرورة احترام معاناة الضحايا، وعدم تحويل الألم إلى وسيلة للربح أو الشهرة، والاعتماد على التوثيق الحقيقي، واستشارة الناجين وعائلات الضحايا، ومنح الأولوية لكرامة الإنسان لا لعرض المأساة فقط.

وأضافت أن الفن يمكن أن يكون أداة قوية، لكن بشرط التوقيت والطريقة، محذّرةً من أن غياب العدالة يفتح الباب أمام سرقة الرواية أو تحريفها.

وختمت بالقول إن الأولوية يجب أن تبقى للحقيقة والمحاسبة وكرامة الضحايا، ثم يأتي دور الفن ليروي القصة لا ليستغلها، متسائلةً عن التناقض في أداء بعض الممثلين الذين ظهروا سابقاً في أعمال استخدمت صور ضحايا التعذيب، قبل أن يعودوا اليوم لتجسيد أدوار مختلفة في أعمال جديدة.

“قيصر” عدسة وثقت وكشفت الانتهاك

قبل أن يتحول اسم “قيصر” إلى رمز عالمي لكشف جرائم سجون النظام المخلوع، كان فريد المذهان شاهداً صامتاً يعمل داخل المنظومة نفسها التي وثّق انتهاكاتها لاحقاً بالصورة والدليل، ومع تسريب آلاف الصور التي صدمت الرأي العام العالمي، بات “قيصر” أحد أبرز الوجوه الحقوقية المرتبطة بملف المعتقلين ومسار كشف الحقيقة.

وفي هذا السياق، يؤكد فريد المذهان أن معركة الذاكرة والعدالة لا تقل أهمية عن توثيق الجريمة، وأن ما بدأه بالصور يجب أن يستمر بالكلمة والشهادة حتى تتحقق المحاسبة وتبقى الحقيقة حيّة.

ويوضح لموقع تلفزيون سوريا أن توثيق المأساة السورية ليس خياراً بل واجب أخلاقي وتاريخي، لضمان حضور الحقيقة في وعي الأجيال القادمة.

كما شدد على ضرورة رواية هذه المأساة كما هي، بصدق ووضوح وشفافية، في الكتب والمدارس، وفي الأعمال الدرامية، وحتى في الفضاء العام، لتبقى جرحاً مفتوحاً وشهادةً للتاريخ لا يمكن محوها. مشيرًا إلى أن ما جرى في السجون يشكّل أمانة في أعناق الأحرار، كي تعرف الأجيال المقبلة حجم الظلم والانتهاكات التي وقعت، وكيف تحوّل الوطن إلى مساحة قهر انتهكت فيها الكرامات داخل الزنازين.

وأضاف أن المؤلم اليوم هو أن بعض من يتحدثون باسم الإنسانية كانوا غائبين أو صامتين حين كان قول الحقيقة واجباً، معتبراً أن الصمت لم يكن حكمة بل خذلاناً، وأن الحياد لم يكن شجاعة بل خوفاً على مصالح زائلة.

وأكد أن المآسي ليست طريقاً للشهرة أو وسيلة لتلميع الماضي، بل مسؤولية أخلاقية يحملها من صمدوا في أصعب الظروف وقالوا كلمة الحق رغم ما كان يترتب عليها من سجن أو نفي أو حتى الموت. واختتم حديثه قائلًا: “الوجع سيبقى شاهداً، والذاكرة ستظل حيّة، فالتاريخ لا يكتبه من حضر بعد أن هدأ الغبار، بل من ثبتوا ونطقوا بالحقيقة في أحلك اللحظات”.

العدالة أولاً والذاكرة لا تموت

في ختام هذا الجدل، يتقاطع موقف عائلات الضحايا والناجين والحقوقيين عند حقيقة واحدة لا يمكن لأي عمل فني أن يسبق العدالة أو يحلّ مكانها، فالقضية بالنسبة لهم ليست قصة مكتملة، بل جرح مفتوح ينتظر كشف المصير وتحديد المسؤوليات وتحقيق المحاسبة.

وفي حين يؤكد كثيرون أن للفن دوراً مهماً في حفظ الذاكرة ونقل الحقيقة، يشددون في الوقت ذاته على أن الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى البوصلة، وأن رواية المأساة لا تُختزل في مشهد أو عمل موسمي، بل تُصان بالحقيقة والعدالة.

وحتى يتحقق ذلك، ستبقى أصوات العائلات تذكّر بأن الذاكرة حيّة، وأن الألم لا يتحول إلى قصة، بل إلى شهادة لا تسقط بالتقادم.

——————————

===================

 رئيس هيئة العدالة الانتقالية: نعمل على إنشاء صندوق وطني سيادي لجبر الضرر

2026.02.20

قال رئيس الهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، لموقع تلفزيون سوريا، إن الهيئة عقدت خلال الأسبوع الماضي أكثر من سبعة لقاءات دولية لدعم مساعي تأسيس صندوق جبر الضرر، مؤكداً أن الصندوق سيكون سيادياً وتشارك في دعمه مختلف الجهات المعنية وعدد من المؤسسات الرسمية، بما يعزز الثقة بآلية عمله واستقلاليته.

وأوضح عبد اللطيف أن الهيئة تضم مديرية متخصصة بجبر الضرر، تترأسها السيّدة ياسمين المشعان، وتتولى إعداد التصورات والإجراءات اللازمة لتعويض الضحايا، مشيراً إلى أن الصندوق المزمع إنشاؤه سيخضع لآليات تنظيمية ورقابية واضحة بالتنسيق مع وزارة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية، بما يضمن أعلى معايير الشفافية والنزاهة.

وبيّن أنّ العمل جار على إنشاء صندوق وطني سيادي لجبر الضرر وتعويض الضحايا، في إطار جهود الهيئة لتعزيز مسار العدالة الانتقالية وضمان إنصاف المتضررين من الانتهاكات.

وأضاف عبد اللطيف أن الهيئة أجرت زيارة إلى وزارة المالية، حيث جاءت الزيارة في إطار التشاور لتشبيك العمل بين الجانبين وبحث الإطار النظري والقانوني لتشكيل الصندوق، تمهيداً لإطلاقه بشكل رسمي.

وأعرب رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عن أمله في أن يسهم الصندوق في جبر ضرر ذوي الضحايا، ولا سيما الذين فقدوا أفراداً من عائلاتهم أو تعرضوا لانتهاكات، بينها الاعتقال، مؤكداً التزام الهيئة بتقديم ما يمكن من دعم مادي ومعنوي في إطار مسار العدالة الانتقالية.

زيارات رسميّة

ولفت رئيس الهيئة أنّهم نفّذوا زيارة رسمية إلى مدينة لاهاي الهولندية، بهدف ترسيخ شراكات دولية مستدامة تعزّز مسار المساءلة، وتفتح آفاقًا عملية لتقليص فجوات الإفلات من العقاب، ولا سيّما في القضايا المرتبطة بانتهاكات استخدام الأسلحة الكيميائية.

وتأتي هذه الزيارة في سياق سعي الهيئة إلى تحويل ملفّ العدالة الانتقالية من مرحلة التوثيق إلى مرحلة الفعل القضائي المؤثر، عبر الاستفادة من الخبرات الأوروبية المتقدمة في الملاحقة العابرة للحدود، فقد عقدت الهيئة اجتماعات مع محكمة العدل الدولية ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (Eurojust)، حيث جرى بحث آليات تنسيق قضائي أكثر فاعلية، وتبادل المعلومات بصورة منهجية، بما يُسرّع إجراءات ملاحقة المطلوبين الموجودين في الدول الأطراف في نظام المحكمة.

كما اجتمع وفد الهيئة، بحسب علد اللطيف، مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وشارك في مؤتمر دولي نظمته المنظمة بمشاركة ممثلين عن عدد من الدول، حيث عرض الوفد استراتيجية الهيئة في توثيق انتهاكات الأسلحة الكيميائية، مؤكدًا اعتماد مقاربة تضع حقوق الضحايا في صلب عملية العدالة، إلى جانب خطط تطوير القدرات الفنية في التحقيق، وضمان حفظ الأدلة وفق المعايير الدولية المعتمدة، بما يعزّز قوة الملفات القضائية واستدامتها.

العدالة الانتقالية بين منطق القانون ومنطق التسويات

وشملت الزيارة لقاءات ثنائية مع وزارة الخارجية الهولندية لبحث آليات الدعم المؤسسي وبناء قنوات تواصل دائمة، إضافة إلى اجتماع مع المعهد الوطني الهولندي للعلوم الجنائية، بهدف تطوير التعاون في مجالات جمع الأدلة والتحليل الجنائي، ويُتوقع أن يسهم هذا التعاون في رفع جودة الأدلة المقدّمة أمام المحاكم الدولية، وزيادة فرص قبولها وتعزيز فاعليتها القانونية.

وفي إطار الاطلاع على التجارب المقارنة، التقى الوفد مسؤولين في وزارة العدل والأمن الهولندية لبحث النموذج الهولندي في ملاحقة جرائم الحرب، والاستفادة من الخبرات التشريعية والإجرائية التي أثبتت فعاليتها في تحقيق العدالة الدولية.

كما زار الوفد المحكمة الجنائية الدولية، حيث ناقش سبل الاستفادة من قواعد البيانات وآليات التعاون مع الدول الأطراف، بما يدعم جهود تعقّب المطلوبين ويوسّع نطاق المساءلة.

وأكّد عبد اللطيف أنّ الهيئة تسعى لبناء شبكة قائمة على المهنية والمعايير القانونية الصارمة، بما يعزّز ثقة الضحايا في مسار العدالة، ويؤسس لمرحلة أكثر فاعلية في ملاحقة الجرائم الجسيمة، استنادًا إلى الشراكة والخبرة وتبادل المعرفة.

————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى