عن رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

خطايا هابرماس/ محمود منير
15 مارس 2026
سعى الفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس، في تنظيراته المبكرة إلى تصالح بلاده مع تاريخها النازي، لكنه شق طريقاً “عقلانياً” يدين استبداد هتلر وقتله الملايين دون الاستسلام لعقدة الذنب. وبقدر ما حظيت أفكاره بالاحترام بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية بنحو عقدين، إلا أن انتقادات واسعة وُجّهت لمجمل مواقفه التي تتناقض في كثير من محطاته مع جوهر مشروعه الفكري الذي استند إلى أن الشرعية السياسية تُبنى على النقاش الديمقراطي المفتوح، ولا تأتي هبة من سلطة “مثالية”.
لم يرتكب هابرماس خطيئته الأولى في بيانه الذي أصدره بعد السابع من أكتوبر مع ثلاثة أكاديميين ألمان، أدانوا فيه “المجزرة” التي ارتكبتها حماس، داعين إلى ضرورة التضامن مع إسرائيل في لحظة لا يمكن أن تُنسب نوايا الإبادة الجماعية إلى أفعال الاحتلال الذي “يدافع عن نفسه”، بحسب البيان. حُكم غير نزيه ومجاف للواقعٍ، ويهدم مفاهيم صاحب كتاب “الأخلاق والتواصل” نفسها التي تتبنى الحوار في المجال العام، بعد مصادرته أي حقّ لمقاومة استعمار استيطاني إحلالي تحت ذريعة الدفاع عن حق المحتل في الوجود وحماية اليهود الألمان من حملات معاداة السامية.
وارتكز موقف هابرماس على الخلط المتعمد بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية، ما يصب لصالح قمع النقاشات في ألمانيا حول حقوق الشعب الفلسطيني، وإسكات كل من يجرؤ على المطالبة بوقف إطلاق النار ووقف الإبادة في غزة التي استمرت لأكثر من عامين، في موقف عدّه معارضوه ضرباً من اللامبالاة الأخلاقية، التي تعفي الحكومات الغربية من التزاماتها السياسية تجاه حل عادل للقضية الفلسطينية، وهي التي تتحمل المسؤولية التاريخية عن التطهير العرقي عام 1948.
لكن الأخطر من ذلك، هو جوهر خطاب المفكر الألماني الذي يعبّر عن منظومة فلسفية أوروبية لا تضع بقية شعوب العالم على قدم المساواة مع الأوروبيين، وتغيّبهم بوصفهم متلقياً لمواقفه وآرائه التي لا تتخطى حدود انتقاد الهيمنة الرأسمالية، دون أن تخرج عن المؤسسة الغربية وهياكل سلطتها، وبذلك تتراجع لديه أولوية التضامن مع نضالات هذه الشعوب من أجل التحرر.
لم تنل قضايا الجنوب حظها من مراجعات هابرماس مثلما فعل تجاه الهولوكوست التي خصّها بالإدانة لأسباب عديدة في صدارتها تمركزه على أوروبيته في سياق تطورها المبني على حداثة وعقلانية وديمقراطية تخصّها وحدها، وتجاوزها لأخطائها بما يتيح استمرار تفوقها الحضاري، وظلّ الاستعمار مهمشاً إلى حد كبير في فكره الفلسفي، دون الذهاب بشكل مباشر وواضح لمراجعة الماضي الاستعماري لأوروبا، وألمانيا خاصة التي ارتكبت أول إبادة جماعية في القرن العشرين بين عامي 1904 و1908، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الناميبيين الأبرياء في ظروف لا إنسانية ووحشية.
وقد يعتقد البعض أن طبيعة المفكر واشتغالاته المعرفية تحولان دون اشتباكه مع الحدث السياسي، غير أن الواقع يثبت العكس نظراً إلى مقالاته التي تكرّس انحيازه إلى قوة إمبريالية مثل حلف الناتو، في إطار دفاعه عن بنية الأمن الغربي، في مقال نشره في الثالث والعشرين من مارس/ آذار 2025 تحت عنوان “يجب على أوروبا المضي قدماً في تكاملها ودفاعها عن النفس”، في جريدة زود دويتشه تسايتونغ. يشير هابرماس في مقاله إلى أن الاتحاد الأوروبي لن ينال استقلاله الجيوسياسي إلا من خلال توحيد قوته العسكرية في مواجهة الخصوم والمنافسين داخل القارة وخارجها.
يشكّل الخلاص الألماني منطلقاً أساسياً يحكم توجهات هابرماس في تحليله السياسي، فهو يعارض قرارات حكومة بلاده المنفردة بخصوص تعزيز قوة الجيش الألماني، إنما يرى أن الحل في تأسيس جيش أوروبي موحد يعكس أصولية فكرية، ترى أن الحفاظ على مستقبل البشرية مرهون بتكامل القارة العجوز وإدامة التحالف عبر الأطلسي.
هابرماس الذي التحق بشبيبة هتلر قبل أن يبلغ السادسة عشرة مثل معظم أقرانه، لم ينج من النازية التي تجعله يصطف مع معادلها الموضوعي مجسداً بالصهيونية. خلافاً لمثقف ألماني آخر خاض التجربة ذاتها وهو الروائي غونتر غراس الذي هاجم إسرائيل أكثر من مرة، لأنها سرقت أراضي الفلسطينيين وطردتهم منها وعدتهم مواطنين من الدرجة الثانية، وأدان دعم الغرب المطلق لها عبر تزويدها بالسلاح والمال وتأييدها سياسياً في كل جرائمها.
العربي الجديد
———————————-
كلهم يقرأون هابرماس!/ شهد الراوي
16 – مارس – 2026
يوم أمس، مات فيلسوف ألماني عظيم يدعى يورغن هابرماس بعد أن عاش قرناً إلا أربع سنوات.. لا أدري هل عليّ أن أكون حزينة لأنني لم أقرأ له عملاً، أم أنسى الأمر؛ لأنني لا أملك 96 سنة لكي أقرأ كل شيء!
أتذكر، قبل سنوات، أن صديقة اقترحت عليّ قراءة كتابه المركزي «نظرية الفعل التواصلي»، ولما وجدته كتاباً كبيراً من جزأين، فكرت أن لا آخذ اقتراح صديقتي بكثير من الجدية، خاصة لأنها وفرت عليّ كثيراً حين شرحت جوهرة نظريته، وهي نظرية تدعو للتواصل والحجاج المنطقي وفق فرصة حديث متكافئة للجميع، وهذا الشرط غير متوفر في مجتمعنا، ثم إنه في المجتمعات العاطفية التي تحاجج بالشعر والأغاني والهتافات، تبدو عبارة «حجاج منطقي» غير مفهومة.
عموماً، استيقظت صباح أمس، ودخلت منصة «اكس» لأتابع آخر أخبار الحرب، التي أضحت المدينة التي أعيش فيها جزءاً ساخناً من ساحتها، وهي مدينة مسالمة بطبعها، غير معنية بأسباب الصراع، ولكن أطراف الصراع المجانين لا يتركون المدن الهادئة بحالها. لذلك، أستقبل مع سكان هذه المدينة حصتنا اليومية من الصواريخ والمسيرات، وكأن الحياة خلقتني لكي أعايش تطور الأجيال الجديدة من الصواريخ. فبينما أصبحت طفولتي على علاقة وثيقة بصواريخ كروز طيبة الذكر، ظهرت الصواريخ الباليستية ذات الاسم الموسيقي الجميل لتفرض نفسها على حياتي.
المهم، لم أصادف في منصة «اكس» أي خبر عن الحرب، حتى حسبت أنها انتهت، ولكني صدمت من «التايم لاين» الذي يبكي رحيل السيد هابرماس. يا إلهي، ما هذا؟ كيف تجاهلت نصيحة تلك الصديقة وأصبحت الوحيدة هنا التي لا يتقطع قلبها حزناً على هابرماس؟ حتى إن وجهي احمر خجلاً، لكني استعدت هدوئي بعد أن رأيت شخصاً من معارفي، ليس له علاقة بعالم الكتب على الإطلاق، ولم يقرأ كراساً واحداً في حياته سوى كتب المدرسة، كتب أو كتب له الذكاء الاصطناعي مرثية عظيمة بحق الفيلسوف الراحل، معدداً مزاياه المعرفية ومقتطعاً عنه اقتباسات مدوية، فشكرت الله لأنني تأكدت أنهم كلهم يقرأون خبر موت هابرماس وليس كتابه الضخم الذي لا ينفعنا نحن المبدعين بالمراثي.
الحقيقة أن الحزن على الفلاسفة في عالمنا العربي صار طقساً ثقافياً يشبه إلى حد بعيد الحزن على المطربين. الجميع يعرف الأغنية، لكن القليلين فقط يعرفون المقام. الجميع يردد الاسم، لكن القليل يعرف الفكرة. وهكذا يتحول الفيلسوف إلى مناسبة اجتماعية لطيفة، مثل عيد ميلاد ثقافي نرتدي فيه بدلة المعرفة ونلتقط صورة سريعة ثم نعود إلى حياتنا الطبيعية.
تخيلت فجأة لو أن هابرماس نفسه فتح منصة «اكس» ليرى هذا الحداد الجماعي. ربما سيصاب بدهشة فلسفية حقيقية. رجل أمضى عمره كله يدافع عن النقاش العقلاني وعن فضاء عام يقوم على الحجة لا على الضجيج، سيجد نفسه فجأة بطلاً في مهرجان من الضجيج نفسه. آلاف التغريدات، مئات الاقتباسات، وكلها تتحدث عن الحوار العقلاني بطريقة لا علاقة لها بالحوار أصلاً.
ربما لو كان أكثر واقعية لكتب كتاباً جديداً بعنوان «نظرية الفعل التغريدي».
ومع ذلك، لا أريد أن أكون قاسية على هذا المشهد؛ ففي داخل هذه الكوميديا الرقمية شيء لطيف أيضاً. ربما لا نقرأ الفلاسفة فعلاً، لكننا نحب فكرة أنهم موجودون. نحب أن نشعر أن العالم لا يزال يحتوي على أشخاص يفكرون بعمق بينما نحن منشغلون بالنجاة اليومية من الأخبار والأسعار والصواريخ.
في الحقيقة، الحياة في هذه المنطقة من العالم لا تترك للمرء الكثير من الوقت لكي يصبح قارئاً مثالياً للفلسفة الألمانية الثقيلة. عندما تكون مشغولاً بتتبع صفارات الإنذار أو أسعار الخبز أو انقطاع الكهرباء، يصبح من الصعب أن تجلس بهدوء لتناقش شروط الخطاب العقلاني في الفضاء العام.
الفضاء العام عندنا غالباً ما يكون فضاء لانقطاع الإنترنت.
لذلك، ربما من حقنا أن نكتفي بالمراثي. المرثية جنس أدبي مناسب جداً لبيئتنا الثقافية. نحن بارعون في البكاء البلاغي، وفي تحويل الحزن إلى جمل جميلة. وربما لهذا السبب نبدو جميعاً فجأة خبراء في فلسفة هابرماس عندما يموت.
فنحن في النهاية لا نحتاج أن نقرأ الفلاسفة لكي نحزن عليهم؛ يكفي أن يموتوا. الموت دائماً حجة قوية، أقوى بكثير من الحجاج المنطقي الذي تحدث عنه هابرماس طوال حياته.
ومع ذلك، أعترف بشيء صغير بعد كل هذا الكلام الساخر. ربما عليّ فعلاً، يوماً ما، أن أقرأ ذلك الكتاب الضخم الذي تجاهلته قبل سنوات. لا لأن «التايم لاين» يطلب ذلك، ولا لأن الجميع يكتب مراثي عبقرية عنه، بل لأن الفكرة التي تلخصها صديقتي بدت جميلة بشكل غريب.
فكرة أن الناس يمكن أن يجلسوا معاً ويتحدثوا بهدوء، ويحاول كل واحد منهم إقناع الآخر بالحجة لا بالصراخ.
فكرة تبدو في عالمنا خيالية قليلاً، لكنها على الأقل أجمل بكثير من الصواريخ مراثي.
القدس العربي
———————————-
هابرماس… حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة
هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيَّة أكثر من 6 عقود
لندن: ندى حطيط
15 مارس 2026 م
ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟
مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.
توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.
وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.
تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.
ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».
تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.
مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.
أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.
يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.
يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.
وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.
تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.
أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.
يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.
الشرق الأوسط
————————————
رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز مفكري العصر
الأحد 2026/03/15
رحل الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عاماً. وأعلنت دار نشر “زوركامب” الألمانية وفاة هابرماس السبت. وقالت متحدثة باسم الدار لوكالة فرانس برس إن المفكر المعروف بانخراطه العميق في الشأن السياسي والفكري توفي في مدينة شتارنبرغ الواقعة جنوبي ألمانيا. ويُعد هابرماس على نطاق واسع أكثر الفلاسفة الألمان تأثيرًا في جيله، إذ كان حاضرًا في معظم النقاشات الفكرية الكبرى التي شهدتها ألمانيا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ترك وراءه إرثاً فكرياً ضخماً عرفه العالم كمفكر واسع الثقافة، غالباً ما كان يتناول في كتاباته وخطاباته القضايا الكبرى التي تشغل المجتمعات الحديثة.
وُلد هابرماس في 18 حزيران عام 1929 في مدينة دوسلدورف، ونشأ في مدينة غومرسباخ في غرب ألمانيا. وخلال الحقبة النازية تشكل وعيه الأول، بل جرى تجنيده خلال الحرب العالمية الثانية في وحدات الدفاع الجوي كمساعد شاب. وعندما انهار النظام النازي عام 1945 كان لا يزال في سن المراهقة، وقد تركت هزيمة ألمانيا وسقوط النظام النازي أثرًا عميقًا في وعيه خلال سنوات المراهقة، وهو ما انعكس لاحقًا في مشروعه الفكري الذي ركز على الديمقراطية والحوار العقلاني ومقاومة النزعات الشمولية.
درس هابرماس الفلسفة والاقتصاد والأدب الألماني بين عامي 1949 و1954، وبدأ حياته المهنية صحافياً مستقلاً. لكن كتاباته المبكرة جذبت انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو، أحد أبرز مؤسسي مدرسة فرانكفورت الفكرية مع ماكس هوركهايمر. وكانت هذه المدرسة الفكرية تسعى إلى فهم الأسباب التي جعلت المجتمعات الحديثة، رغم تقدمها الفكري، تنزلق نحو أنظمة استبدادية مثل النازية.
استدعى أدورنو هابرماس للعمل في معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، حيث بدأ تطوير أفكاره حول ما يعرف بالتحليل النقدي للمجتمع، وهو منهج فكري يهدف إلى كشف آليات الهيمنة والأفكار الأيديولوجية داخل المجتمعات. لكن بسبب خلافات فكرية مع مدير المعهد هوركهايمر، اضطر هابرماس إلى تقديم أطروحته للتأهيل الجامعي في جامعة ماربورغ. وبعد عامين عاد إلى فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع خلفاً لهوركهايمر.
لم يكن هابرماس مفكراً منعزلاً في برج عاجي، بل كان حاضراً بقوة في النقاشات السياسية. وقد أثارت بعض كتاباته جدلاً واسعاً بسبب تأثيرها السياسي، حتى وإن اشتكى طلابه أحياناً من صعوبة لغته الفلسفية. وبرز اسم هابرماس في ستينيات القرن الماضي، عندما أصبح أحد الأصوات الفكرية المؤثرة في حركة الاحتجاجات الطلابية في ألمانيا. ولكن، تغيّر موقعه بعد نحو ثلاثة عقود، حين أصبح هدفًا لانتقادات بعض تلك الأوساط بعد تحذيره مما وصفه آنذاك بـ”الفاشية اليسارية”. لكن عندما اتجهت الحركة نحو مزيد من الراديكالية، ابتعد عنها. وفي كتابه “الثورة الزائفة وأبناؤها” انتقد بشدة بعض أساليب الحركة واعتبرها نوعاً من الفاشية اليسارية، وهو موقف أثار غضب كثير من اليساريين في ألمانيا.
في عام 1971 انتقل هابرماس إلى مدينة شتارنبرغ قرب ميونيخ ليعمل مديراً مشاركاً في معهد ماكس بلانك. وهناك نشر عام 1981 أهم أعماله الفكرية “نظرية الفعل التواصلي”. وفي هذا العمل حاول تفسير كيفية عمل المجتمعات الحديثة، معتبراً أن اللغة والحوار هما الأساس الذي يقوم عليه التفاهم الاجتماعي. ومن هنا طرح أفكاره حول قوة الحجة الأفضل وإمكانية الوصول إلى نقاش ديمقراطي خالٍ من الهيمنة.
وفي الثمانينيات شارك هابرماس في جدل فكري واسع عُرف باسم “جدل المؤرخين”. فقد انتقد بشدة المؤرخ إرنست نولته الذي حاول مقارنة جرائم النازية بجرائم النظام الستاليني. ورأى هابرماس أن مثل هذه المقارنات قد تؤدي إلى التقليل من فظاعة المحرقة النازية، التي اعتبرها جريمة فريدة في تاريخ الإنسانية.
تأثير مستمر
عاد هابرماس إلى فرانكفورت عام 1983 حيث استمر في تدريس الفلسفة حتى تقاعده عام 1994. لكن تقاعده لم ينه حضوره في النقاشات العامة. فقد استمر في كتابة المقالات والتدخل في القضايا السياسية.
وفي عام 1989، انتقد هابرماس الطريقة التي جرى بها إعادة توحيد ألمانيا بعد سقوط جدار برلين، معتبرًا أنها تمت أساسًا وفق متطلبات السوق، بحيث أصبحت العملة الألمانية (المارك) معيارًا حاكمًا للعملية السياسية والاقتصادية.
كان هابرماس من أبرز المدافعين عن فكرة “أوروبا الموحدة”، معتبرًا أن التكامل الأوروبي يمثل السبيل الأنجع لمواجهة تصاعد النزعات القومية في القارة. وخلال أزمة اليورو دعا إلى توسيع الاتحاد النقدي الأوروبي ليصبح شكلاً من أشكال الديمقراطية فوق الوطنية تتقاسم فيه الدول السيادة.
وطوال مسيرته الفكرية، حرص الفيلسوف الألماني على الربط بين الفلسفة والسياسة، وبين الفكر والعمل، ما جعل كتاباته جزءًا من النقاش العام بشأن مستقبل الديمقراطية والمجتمع في أوروبا.
وفي عام 1999 دعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو، معتبراً أن الدول الديمقراطية قد تضطر في بعض الحالات إلى تقديم مساعدة إنسانية مشروعة وفق القانون الدولي.
عام 2023 أصدر هابرماس -ومعه نيكولا ديتلهوف أستاذة العلوم السياسية، ورينر فوريست الفيلسوف المعروف، والأستاذ كلاوس غونتر- بيانًا حول ما يجري في قطاع غزة، دانوا فيه ما وصفوه بـ”المجزرة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل بنية إبادة الحياة اليهودية بشكل عام”. يقول هابرماس، ومن معه في بيانهم: “إنّ الوضع الحالي الذي تسبّبت فيه وحشية الهجوم غير المسبوق الذي شنّته حماس، وردّ فعل إسرائيل عليه، أفضى إلى سلسلة من المواقف الأخلاقيّة والسياسيّة والمظاهرات الاحتجاجية”. لقد قفزَ هابرماس ليقول: “إن هناك بعض المبادئ التي يجب ألا تكون محل خلاف، وهي مبادئ تشكل أساسًا لتضامن مُفَكَّرٍ فيه ومُتَعَقَّلٍ مع إسرائيل واليهود واليهوديات في ألمانيا”… هذا الكلام المستغرب من هابرماس، صاحب مفهوم “الفضاء العمومي” وعاشق الجدل ورافض جائزة زايد 2021، أثار ردود أفعال كثيرة.
وفي سنواته الأخيرة عبّر هابرماس عن قلقه من الوضع الدولي المتوتر. ففي كتاب صدر عام 2024 بعنوان “كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل…” انتقد ما وصفه بسيطرة منطق الحرب على تفكير النخب السياسية في الغرب. كما رأى أن الغرب لم ينجح في تقديم مبادرة مبكرة لوقف الحرب في أوكرانيا بعد الغزو الروسي.
خلال مسيرته الطويلة حصل هابرماس على عدد كبير من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهاماته الفكرية.
المدن
——————————-
لمّا سقط هابرماس في اختبار فلسطين/ عماد عبد اللطيف
19 مارس 2026
رحل، قبل أيام، أحد أشهر الفلاسفة في العقود الماضية، الألماني يورغن هابرماس (1929- 2026). قدَّم إسهامات مهمّة في حقول عدَّة منها الفلسفة والاجتماع ودراسات التواصل والعلوم السياسية. واشتُهر بأثره في تطوير المدرسة النقدية الألمانية، التي تُسمى أيضاً مدرسة فرانكفورت، وبدوره في تأسيس نظرية الفعل التواصلي، ودفاعه عن التواصل العقلاني الحرّ. وعقوداً طويلة، نُظر إلى هابرماس بوصفه من أيقونات العقلانية والتنوير في العالم المعاصر. وأثيرت بعد وفاته نقاشاتٌ بين مثقّفين وأكاديميين عرب، وخصوصاً في ما يتعلّق بانحيازاته السياسية. وكان في القلب من هذا النقاش تأييد هابرماس المتواصل احتلال فلسطين، ودعمه غير المشروط حرب الاحتلال الاستيطاني الصهيوني ضدّ الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض والتاريخ. وكان موقفه تحديداً من إبادة غزّة وتجويعها خلال العامَين الماضيَين موضع نقد ومساءلة من مفكّرين كثيرين في العالم.
السؤال الجذري: لماذا يدافع فيلسوف، كرَّس حياته للدفاع عن الديمقراطية والعقلانية والتواصل الحرّ، عن احتلال عنصري استيطاني قام على خزعبلات تاريخية وأساطير دينية؟ فالاحتلال الإسرائيلي يتناقض تماماً مع كلّ ما يمثّله مشروع هابرماس الفكري. كما يتعارض ذلك مع مواقف أخرى له، انحاز فيها إلى “مبادئه”، مثل تراجعه عن رفضه قبول جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2021. بعد مقالٍ في مجلة ديرشبيغل الألمانية عن القمع وسلب الحريات وغياب العدالة في الإمارات، دفعه إلى الرفض. ونُظر إلى هذا الموقف دليلاً على اتساق أفعال هابرماس مع مبادئه في الدفاع عن الديمقراطية والحرية. وفي حالة دولة الاحتلال، ظلّ هابرماس ينكر وصف الحرب على الشعب الفلسطيني في غزة إبادة، من دون أن يراجع نفسه، رغم المستوى غير المسبوق الذي وصلت إليه هذه الإبادة، وما صاحبها من مجازر وجرائم حرب وتهجير وتجويع، قتلت خلالها إسرائيل وجرحت أكثر من 10% من الفلسطينيين في غزّة، وتجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (16/3/2026).
يفسّر بعضهم هذا التناقض في مبادئ هابرماس المعلَنة وانحيازاته السياسية للاحتلال الاستيطاني في فلسطين بالخصوصية المحلّية للنُخبة الألمانية. فهذه النُّخبة حُمِّلت، عقوداً، بعقدة ذنب جبّارة بسبب إرث النازية، وجرائمها ضدّ اليهود. وجزء من الثمن الذي يدفعه الألمان المعاصرون تكفيراً عن جرائم هتلر هو تقديم مساندة غير مشروطة للكيان الصهيوني، بعدما نجح الكيان الصهيوني في تقديم نفسه متحدّثاً رسمياً باسم ضحايا الهولوكوست، وجامع تعويضاتهم. يُفسَّر هذا الموقف، من ناحية أخرى، بالهيمنة التي يمارسها اللوبي الصهيوني الألماني على مفاصل الدولة الألمانية نفسها، إلى حدٍّ يصف فيه بعضهم ألمانيا بأنها واقعةٌ تحت مزيج من الاحتلال الصهيو – أميركي، وأنها لا تملك لنفسها في كثير من القضايا حرية الاختيار. وهذا التفسير تدعمه مواقف المستشار الألماني الحالي فريدريش ميرز وخطاباته، التي تكاد تكون إعادة إنتاج لخطاب بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب المُدان، كما تؤكّده سياسات القمع والترويع التي طبّقتها الحكومة الألمانية ضدّ الألمان المعارضين للإبادة في غزّة، وهي سياسات لم تكن في أحوالٍ كثيرة تقلّ وحشيةً عن ممارسات الدول الاستبدادية ضدّ شعوبها في ما يسمّونها “دول العالم الثالث القمعية”.
علاوة على هذه التفسيرات الوجيهة، يظنّ كاتب هذه السطور أن هناك تفسيراً آخرَ لحالة التناقض بين مبادئ هابرماس وسلوكياته وانحيازاته في ما يتعلّق بفلسطين. ينطلق هذا التفسير من حقيقة أن هذا التناقض ليس حالةً فرديةً لهابرماس، ولا حالة فردية لمفكّري ألمانيا وسياسييها، بل هو تناقض شائع إلى حدّ أنه يكاد يهيمن على الفكر الغربي كلّه. ليس في الوقت الراهن فحسب، بل ربّما على امتداد التاريخ باستثناءات قليلة. سبب هذا التناقض ما يسمّيها الكاتب “المبادئ الإنسانية الحصرية”، أي أن تتبنّى جماعة ما قيماً وأخلاقيات خاصّة تتعامل من خلالها مع من “ينتمون” إلى هذه الجماعة. وفي المقابل، تتخلّى عنها، وتتبنّى نقيضها، حين تتعامل مع أفراد أو شعوب لا تنتمي إلى “جماعتها”. بصياغة أخرى، لا تتحوّل الأخلاق والقيم والمبادئ الغربية إلى ممارسات وسلوكيات كونية، تُطبّق على جميع البشر. فهي كونية على مستوى الخطاب فقط، أمّا في التطبيق فهي “غربية” حصراً، يطبّقها الغربيون في ما بينهم على من يدركون أنه منهم، وينتمي إليهم، ويتخلّون عنها كلّيةً حين يتعاملون مع “الأغيار” بالتعبير اليهودي.
يقدّم لنا تاريخ الاستعمار الوحشي أدلّةً هائلةً مفجعةً على ذلك. ففي الوقت الذي كان الفرنسيون يدعون إلى الإخاء والعدالة والمساواة بين الفرنسيين داخل فرنسا، كانوا يبيدون شعوباً كاملةً في الأميركيتَين وأفريقيا وآسيا. وبينما كانت بريطانيا تقدّم نفسها حاميةً لحقوق الإنسان، والمدافعة عن حرّيات الأقليات، كانت تقتل حرفياً الملايين في كلّ ركن في العالم الحديث، للاستيلاء على ثرواتهم، من دون أن ترى في هذا أيَّ انتقاص من حقوق الإنسان. ونستطيع أن نرى هذا النموذج في ممارسات الاستعمار الغربي، وصولاً إلى إمبراطورية الشرّ الأميركية، التي كلّما أرادت أن تنتزع ثروات شعب ما، رفعت راية نشر الديمقراطية، ومبادئ العالم الحرّ، وأرسلت جيوشها إلى القتل والدمار. وقد كتب الفلاسفة الغربيون، والمفكّرون، والمصلحون، عشرات الآلاف من النصوص عن المبادئ الإنسانية الأوروبية خلال قرون الاستعمار الغربي الماضية من دون أن يهتمّوا بتطبيقات هذه المبادئ في البلدان المحتلّة، ومن دون أن يلفتهم أيُّ تناقض بين المبادئ المعلَنة، والممارسات الفعلية خارج البلدان الأوروبية. والقلّة القليلة التي انتبهت لذلك، تعرّضت لانتقادات قاسية محلّياً.
ينطبق مفهوم المبادئ الإنسانية الحصرية على كلّ مَن لا يُدرَكون بوصفهم “غربيين”. حتى من يعيشون من غير الأوروبيين في بلاد الغرب، ويتمتّعون بجنسياتها، فهؤلاء يعانون أشكالاً من التمييز والعنصرية تتعارض مع مبادئ الغرب الإنسانية. وتعبّر الأيديولوجيات اليمينية بخطاباتها المتطرّفة عن هذه العنصرية والتمييز بلغة عارية. وما التحريض الذي تقوم به إدارة إمبراطورية الشرّ الأميركية ضدّ المهاجرين إلا مظهر من مظاهر المبادئ الإنسانية الحصرية، التي تدعمها أساطير تفوّق العرق الأوروبي الأبيض، ودعوات عولمة الثقافة الغربية.
لم يخن هابرماس مبادئه بدعمه إبادة الفلسطينيين، بل أخلص للمبادئ الغربية الحصرية التي لا ترى الإنسان إلا إذا نظرت في المرآة. لا يؤسّس هابرماس للعقلانية والديمقراطية الكونية، ولا يدافع عن التواصل الحرّ عالمياً. إنه يدافع عن هذه القيم في الفضاء الغربي حصراً، أمّا خارج هذا الفضاء، فلا وجود للمبادئ الغربية.
العربي الجديد



