منوعات

آثار حمص القديمة… المتحف صار مطعماً والكنيسة خراباً/ وداد سلوم

17 مارس 2026

وثّقت جهاتٌ بحثية ودولية، باستخدام صور الأقمار الصناعية والسجلات الميدانية، تخريباً واسعاً للتراث في سورية منذ عام 2011: من نهب وحفر غير شرعي، إلى إعادة استخدام المواقع لأغراض عسكرية، وصولاً إلى البناء غير النظامي. وهذا ما يخلق “تآكلاً يوميّاً” للموروث الثقافي يتجاوز المشاهد الدرامية للقصف المباشر.

ليست حمص القديمة “ماضياً جميلاً” فحسب، بل رأسمال حضري حيّ قادر على مداواة المدينة وسكّانها إذا أُحسن التعامل معه. ويبدأ ذلك بالاعتراف بحجم الدمار وبشبكات النهب، ويمرّ عبر إحياء تشاركي يعيد وصل الناس بمكانهم، ويحوّل الترميم إلى فرص للتعلّم والعمل، وينتهي إلى سرديّة جديدة تُروى في متحف حيّ، وفي سوقٍ تُسمع فيه أصوات الحرفيين، وفي بيت أثري تُقام فيه فعالية ثقافية منخفضة الأثر بدل مطبخ يسرّع تفتّت الحجر. عندها فقط يمكن الانتقال من مدينة تُرمَّم واجهاتها إلى مدينة تُشفى ذاكرتها.

أثارت قضية تحويل قصر الزهراوي وبيت الأمين إلى مطاعم جدلاً واسعاً في مدينة حمص، من دون أن تصل كلّ الجهود والنقاشات والاعتراضات إلى نتيجة. وتُعرف حمص، مدينة الشمس، بقدمها وغنى مخزونها الأثري والثقافي؛ فهي صاحبة لوحة الفسيفساء الشهيرة “ولادة هرقل” المكتشفة عام 1987، بمساحة 27 متراً مربعاً، والعائدة لأواخر القرن الثاني الميلادي وتُعرض في متحف معرة النعمان. كما تُعدّ لوحة مريمين الفسيفسائية (العازفات) من أجمل اللوحات المكتشفة وأندرها، وتقول عنها عالمة الآثار البلجيكية دوشيسن جيلمان إنها زوّدت الباحثين بوثيقة فنية توضّح كيفية العزف على الأرغن آنذاك، وتُعرض في متحف حماة. وفي عام 2022، اكتُشفت في الرستن لوحاتٌ فسيفسائية تصوّر مشاهد من الإلياذة.

تقوم عمارة حمص التقليدية على مزيجٍ بصريٍّ فريد يُعرف شعبياً بـ “العمارة البلقاء”، وهو تناوب الحجرين الأبيض والأسود في الواجهات والأعتاب والأواوين، مع أفنية داخلية تتوسّطها بحرات، وأقبية وقاعات ذات مناسيب دقيقة، وممرّات ضيقة تنظّم الظلّ والهواء، وأسواق بعقود حجرية. وهذا النسيج ليس مجرد “ديكور”، بل منظومة وظيفية– مناخية– اجتماعية تُراعي الاقتصاد في الموارد وتخلق شبكات تواصل يومية بين المنازل والمساجد والكنائس والأسواق. وتُبرز الأدلة الإرشادية الحديثة هذا الطابع المميَّز للمدينة القديمة، بما تحمله من أسواق وزوايا وبيوت ذات ساحات مفتوحة.

حمص من أقدم المدن المأهولة في سورية، ورافعةً حضارية تعاقبت عليها حضاراتٌ رومانية وبيزنطية ثم إسلامية، وتجاورت في نسيجها مساجد وكنائس وأسواق وبيوت تقليدية، ما جعل “المدينة القديمة” سجلّاً مفتوحاً لذاكرة المكان والناس. غير أنّ عقوداً من الإهمال، ثم سنوات الحرب، خلّفت دماراً واسعاً في الحجر والبشر، وفتحت الباب أمام حلقات من النهب والاتّجار غير المشروع بالموروث الثقافي.

عُرفت حمص باسم إميسا في العهدين، الهلنستي والروماني، وكانت مركزاً لعبادة الشمس (إله الجبل، الأغابوليس) وأسرة إميسا التي وصل نفوذها إلى روما. وفي العهد البيزنطي برزت مركزاً مسيحياً مبكراً، ثم أصبحت في العهد الإسلامي مدينة محورية على طرق التجارة والعسكر. وتجاورت فيها عبر القرون مساجد ومدارس وزوايا مع كنائس وأديرة، وهو ما يفسّر غنى المدينة القديمة بمحاريبها وأبهائها وفسيفسائها وبيوتها ذات الأفنية الداخلية. ومن أبرز معالمها الرمزية مسجد خالد بن الوليد الذي أُعيد بناؤه مطلع القرن العشرين على طراز عثماني جديد، وقد تعرّض لأضرار كبيرة خلال الحرب وثّقتها التقارير الميدانية والإعلامية بالصور والشهادات.

كما تتوزّع في المركز التاريخي قلعة حمص، ومجموعة من الأسواق المسقوفة، وكنائس بيزنطية مبكرة، بينما يبرز بيت الزهراوي وقصر مفيد الأمين بوصفهما نموذجين لعمارة البيوت التاريخية ذات الوظائف المدنية/ الإدارية، والتي تنقّلت عبر الأزمنة بين الحكم والتجارة والثقافة. وتُسجّل الأدلة السياحية والمعرفية الحديثة خريطة لهذه المعالم ومكانتها في صورة المدينة.

تعرضت حمص تاريخياً لإهمالٍ صارخ وتدميرٍ بطيء مسَّ ذاكرة المدينة، عبر هدم مبانٍ ذات تاريخ لصالح أبنية حديثة لا تمتّ بصلة للاعتبارات الجمالية، كما حدث في قلب المدينة الذي غصّ بكتل إسمنتيةٍ ثقيلة. وفوق ذلك، تعرّضت المدينة القديمة للقصف وما ترتّب عليه من دمارٍ مادي وسكاني وإنساني، ما يضع تحديات كبيرة أمام إعادة الإعمار وإعادة الحياة للمدينة: من إعادة بناء الأحياء المدمّرة، إلى إعادة المهجّرين، وترميم المباني الأثرية المتضررة، والحفاظ عليها جزءاً من ذاكرة المدينة العميقة.

كانت مديرية الآثار في حمص قد سجّلت 56 بيتاً أثرياً وسبيلَي ماء، من بينها قصر مفيد الأمين وقصر الزهراوي الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1262 ميلادية، وقد شيّده علي بن أبي الفضل الأزهري، وتمّت توسعته في العهد العثماني. استخدم القصر مقراً للحاكم ثم لغرفة تجارة حمص، وكان مركزاً تجارياً مهماً يقصده كبار التجار الوافدين إلى المدينة بتجارتهم الثمينة على طريق الحرير، وهو نموذج متميّز من العمارة المملوكية والمدارس الفنية العربية الإسلامية. استملكته مديرية الآثار والمتاحف عام 1981، ثم حُوّل إلى متحف للصناعات التقليدية والحرف الشعبية عام 2006، وقد دلّت الأبحاث الأثرية على وجود مدفن بيزنطي في جهته الجنوبية.

عُرف القصر بقصر الزهراوي نسبةً للشيخ عبد الحميد الزهراوي، أحد أعلام النهضة العربية الفكرية والعلمية، الذي سكن القسم الحديث منه. وإلى جانبه سبيل ماء مسجّل تاريخياً بصفته أقدم سبيل في المدينة.

أمّا دار مفيد الأمين فبناه أحمد شهاب الدين كجك داراً للحكم عام 1203 ميلادية، ويُقال إنه بني فوق مبنى أقدم يُعتقد أنه منزل والد القديس مار إليان الحمصي الذي سكنه، ولهذا عُرف بـ دار القديس مار إليان ودار الملاك. يتميز الدار بعمارةٍ بازلتيةٍ نادرة وبنقش “رنك الكأس”، وكان داراً للحاكمية. أطلق عليه اسم دار مفيد الأمين نسبةً إلى أحد مالكيه في العصر الحديث، وأُدرج على لائحة الآثار عام 1967، واستملكته مديرية الآثار والمتاحف لاحقاً ليكون داراً للتوثيق.

استثمارات تعتدي على تاريخ المدينة القديمة

تمت الموافقة على مشروع استثمار بيت الأمين مطعماً، وعلى الرغم من الاعتراضات تقرّر الإبقاء على المشروع مع نقل المطبخ إلى خارج القصر. تقول المهندسة المعمارية لمى عبود: “من الجريمة أن يتحوّل مبنى بهذا الجمال والغنى التاريخي إلى مطعم، حتى لو كان المطبخ خارجه، في حين تزخر المدينة القديمة بأماكن أخرى قابلة للاستثمار وإعادة الحياة والنشاط إلى المنطقة”.

وترى عبود، من منظورها المعماري، أن المناسيب التي بُنيت عليها قاعات البيت، مع أدراجه الضيقة وطبيعة فراغاته الجانبية، لا تناسب إقامة مطعم؛ فهو، كما تقول، “لا يحتمل أكثر من بوفيه صغير لخدمة الزوار”. وتضيف: “كنّا ننتظر كشف أقبية المبنى وطبقاته التاريخية وحكاياتها لإضافتها إلى تراث المدينة، وتحويله إلى مبنى للمعارض، أو دار للتوثيق، أو مركز للحرف اليدوية التي تكاد تندثر، أو متحف لمدينة حمص يختلف عن المتحف القائم والمغلق غالباً. نحن نعاني من قلّة المتاحف، فيما مستودعات مديرية الآثار ممتلئة بالقطع الأثرية، وأجمل آثار حمص موزعة بين الخارج (أوروبا) ومدن الداخل من دمشق إلى معرة النعمان. لماذا لا نمتلك متحفاً يليق بالعراقة والثراء الأثري لحمص؟”.

تحويل القصر إلى مطعم يشكل تهميشاً لقيمته الأثرية وتهديداً مادياً مباشراً قد يصل إلى حد التدمير، بما يترتب على وضعه بين أيدي استخدام يومي غير مسؤول، قد لا يمكن تداركه لاحقاً، خصوصاً في ظل غياب أي وضوح حول مدة الاستثمار ونوعه.

وعلى مدى سنوات طويلة، عمل النظام السابق على سلب المواطنين إحساس الانتماء والهوية، وتدمير الوعي، وتفتيت العلاقة بالمكان وتراثه وثقافته عبر سياسات القمع والاضطهاد، وحصر الإنسان في دوامة لقمة العيش. ثم جاءت سنوات الحرب الأربعة عشر الأخيرة لتضيف القصف والتهجير إلى سجل المعاناة. واليوم، وفي ظل العودة الفردية البطيئة للمهجّرين، يصبح الحفاظ على الآثار (برأي كثيرين) أقلّ الأولويات مقارنة بمتطلبات الإعمار الضاغطة، رغم أن الحفاظ على التراث جزء أساس من التعافي وإعادة بناء الهوية، ويحتاج إلى زمن يتم فيه الربط بين حاجات السكان والقرارات الحكومية، لتحقيق العدالة المكانية وإعادة الفضاء الاجتماعي والثقافي للمدينة. وهذا يتناقض مع القرارات المتسرعة التي تسترضي رؤوس الأموال وتسمح بمشاريع استهلاكية تُهدد المكان بدل أن تحميه.

وتضيف عبود، مديرة مؤسسة “تراثنا”: “ظهر هذا البعد بين الإنسان وتراثه بعد تراكم سنوات الحرب وتحت ضغط الحاجة الاقتصادية، ومع تدمير بيوت حمص القديمة خلال القصف لجأ الناس إلى سد حاجاتهم الأساسية للسكن والمعيشة، بينما تراجع الإحساس بالاعتزاز بالإرث الحضاري. واستثمار المبنى كمطعم يعزز هذا التباعد، ويكرّس التغريب عن الجذور الثقافية التي رسّخها النظام السابق، ويزيد من الدمار الحضاري الذي لحق بالمدينة القديمة”.

وقد أُقيمت في قصر مفيد الأمين خلال سنوات مضت نشاطات ثقافية منها حفلات كورال وحفلات موسيقية (فرقة عيسى فياض)، ما عزّز مكانة البيت في الذاكرة الثقافية المعاصرة، إلى جانب مكانته الروحية والشعبية المتوارثة. كما أن القديس مار إليان سكنه، وتعود إحدى طبقاته إلى عام 300 للميلاد، وتتناقل الذاكرة الشعبية حكايات موشّاة بتلك القدسية، ما يرسّخ مكانته في التراث الشفوي لسكان المدينة.

مع ذلك، تعرّض المبنى لإهمال مقصود من النظام السابق، في غياب الرقابة، حتى بلغ الإهمال حدّ طمر مكتشفات أثرية تحت أبنية جديدة بُنيت دون أي مراعاة للمعايير الجمالية أو للطبيعة العمرانية الخاصة بالمدينة. وفي هذا السياق، يقول المهندس المعماري والباحث والمحاضر في جامعة أكسفورد، عمّار عزّوز، وهو من أبناء حمص: “تتعرض المدينة القديمة في حمص للإهمال، وقد تحوّلت إعادة الإعمار إلى مشاريع استثمارية تخلو من الشفافية والمشاركة المجتمعية والعدالة المكانية. نرى ذلك في مشاريع مثل “بوليفارد النصر”. وفي مقترحات تُمحى فيها ذاكرة المدينة، مثل تحويل قصر مفيد الأمين إلى مطاعم أو مقاهٍ من دون فتح حوار مع سكان المدينة القديمة واحتياجاتهم. لقد قُتلت المدينة القديمة قبل الحرب بالعنف البطيء والإهمال، وفي سنوات الحرب أُبيدت بيوتها ودُمّر معظم نسيجها الاجتماعي والعمراني”.

وقد تجلّى هذا التدمير اللامسؤول في هدم أماكن لها تاريخها، مثل حمّام الصفا والناعورة وطواحين العاصي، إضافة إلى أبواب حمص التاريخية التي أُزيلت ولم يبقَ منها سوى أسماء الأحياء، ولم يبقَ من أبوابها السبعة سوى الباب المسدود. وقبل ذلك، شُيّد الملعب البلدي فوق تل أبو صابون الأثري، الذي كشفت التنقيبات فيه عن خوذة إميسا الشهيرة (القرن الأول الميلادي)، كما جرى تفجير النصب التذكاري الذي كان يضم قبر سامبسيجيراموس عام 1911.

حمص اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطط منهجية تنظر بعين الرعاية والحب إلى تاريخها، وتضع في صدارة أولوياتها إعادة الإعمار مع احترام الحاجات الثقافية، والحفاظ على ذاكرة المدينة (الشعبية والروحية والمعمارية) وحماية آثارها، وبناء متحف يليق بمكانتها التاريخية.

ويقول عمار عزوز في هذا السياق: “نحن بحاجة إلى مشروع نهضوي يحتفي بتاريخ المدينة ويضمّد جراح سكانها. لا نحتاج إلى مشاريع مطاعم، بل إلى مشاريع ثقافية وفكرية ومجتمعية تضمن إعادة إحياء المدينة القديمة بطريقة تحترم تاريخها وتحمي ما تبقى من موتها البطيء”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى