منوعات

حرف دمشق العتيقة… آخر الحراس يقاتلون بصمت/ فدى مكداشي

غادرتها مساء لكنني شعرت بأنها بقيت تمشي معي ففي حقيبتي لم أحمل تذكارات، بل أصواتاً كرنين مطرقة ورائحة خشب وخيط منسوج بعناية

الثلاثاء 17 مارس 2026

تقف صناعة السيوف كأكثرها هيبة وغموضاً، فالسيف الدمشقي لم يكُن يوماً مجرد أداة قتال، بل رمزاً للقوة والجمال معاً (عبدالرحمن عيران)

ملخص

من أسواق دمشق القديمة تتردد أصداء مطارق النحاسين ورائحة خشب الأبنوس وهمس أنامل الخطاطين. حِرف تقليدية صمدت قروناً، لكنها اليوم تقف على حافة الاندثار. في هذا التحقيق، نجول على ذاكرة الحرف الدمشقية من الدهان العجمي إلى صناعة الزجاج المعشق، ومن نسج الأقمشة إلى صياغة الذهب والفضة، لنفهم كيف تقاوم المدينة الزمن، ولماذا بات الحفاظ على هذه الحِرف معركة هوية قبل أن تكون مسألة اقتصاد.

إلى دمشق لا تسافر كما يسافر الناس. إليها تعود، حتى لو لم تطأها من قبل.

 في أزقتها الضيقة، يبدو الزمن كشيخ حكيم يرفض التقاعد. كل حجر هنا يحمل اسماً وكل باب يروي حكاية وكل حرفة تنطق بلغة أقدم من الحروب التي مرت ومن الخرائط التي تبدلت.

سرتُ في سوق الحميدية كمن يمشي داخل كتاب مفتوح. رائحة الصابون الشامي تختلط برنين مطارق الفضة، ونقوش الخشب العتيق تراقب العابرين بصمت. دمشق لا تتفاخر بما تملك، هي تعرف أنها مدينة لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد، فيكفي أن تتنفسها لتعرف ما تحمل من أسرار.

لكن خلف هذا المشهد، ثمة قلقاً خافتاً، حرف عريقة تصارع للبقاء، وأيادٍ ماهرة تشيخ من دون أن تجد من يرثها.

صناعة السيوف وأسرارها

تقف صناعة السيوف كأكثرها هيبة وغموضاً، فالسيف الدمشقي لم يكُن يوماً مجرد أداة قتال، بل رمزاً للقوة والجمال معاً، وقطعة فنية تحمل في نصلها تاريخ مدينة كاملة. عبر قرون طويلة، تناقلت عائلات دمشق أسرار هذه الصنعة جيلاً بعد جيل، حتى باتت أقرب إلى لغة سرية لا يفهمها إلا أهلها.

في أحد أزقة المدينة القديمة، جلست إلى جانب حرفي أمضى عمره بين النحاس والفولاذ، يروي لي قصة السيوف كما تروى قصص العائلة.

يقول “السيوفي” يوسف معطي، وهو يمرر يده على نصل أنهى تلميعه للتو “تعلمت صناعة السيوف وأنا في 14 من عمري. سلمني والدي المحل يومها، ومنذ ذلك اليوم وأنا أتعلم كيف يتحول الحديد إلى روح”. يبتسم ثم يضيف “هذه المهنة لا يمكن أن تتعلمها بسرعة. فكل سيف يحتاج إلى صبر ومراحل طويلة من التشكيل والنقش والصقل”.

يتابع حديثه عن تاريخ عائلته مع الحرفة ويوضح أنه ورث الصنعة أباً عن جد، وكان والده وعمه يعملان معاً، وكانت الورشة منزله الثاني، وعلى رغم أن الظروف لم تكُن دائماً سهلة، لكنه أصر على أن يبقى اسم “سيوفي” حاضراً لأن هذه المهنة جزء من هويته.

وعن تفاصيل العمل يشرح “ما أقوم به ليس نقشاً عادياً، بل نكتب على النحاس بالحرارة وبمواد خاصة، ثم نضع القطعة في مادة خاصة لتظهر الزخارف والكتابات. كل مرحلة دقيقة، وأي خطأ صغير قد يفسد جهد أيام”.

يتوقف قليلاً قبل أن يختم بفخر “عندما أسلم سيفاً من صنع يدي، أعرف أنني لا أقدم مجرد قطعة حديد، بل أقدم قطعة من تاريخ دمشق. هذه الحرفة ليست عملاً فقط، إنها رسالة”.

محاولة لفهم الحكاية من بدايتها

في أحد مقاهي “الشام” القديمة، كما يحلو لنا نحن اللبنانيون أن نقول، التقيتُ المؤرخ الدكتور عمار النهار، الرجل الذي اختار أن يكون حارساً لذاكرة دمشق وروحها. معه بدأت محاولة فهم الحكاية من بدايتها. قال النهار إن “الحديث عن تراث الحرف اليدوية في الحضارة العربية، بخاصة الخشبية والمعدنية والنسيجية، يحمل في طياته معاني الأصالة والعراقة والإتقان والجمال، ويعكس أروع ما أنتجته يد الإنسان المبدع”، وتابع أن “هذه الحرف لم تكُن يوماً مجرد مهن لكسب الرزق، بل كانت لغة ثقافية وهوية اجتماعية متكاملة، من خلالها يمكن قراءة تاريخ المدن والشعوب”.

“الدمشقيات”… زخارف تشبه “الدانتيل”

من بين الحرف الدمشقية العريقة التي صمدت قروناً في وجه الزمن، تبرز حرفة تطعيم الخشب بالصدف كإحدى أجمل بصمات المدينة. هي مهنة تجمع بين الصبر والدقة والجمال، وتحول قطع الخشب العادية إلى لوحات فنية تنطق بتاريخ طويل من الذوق والمهارة. لكن هذه الحرفة، مثل غيرها من تراث العاصمة السورية، تقف اليوم على حافة الاندثار مع تراجع عدد الحرفيين وغياب الدعم الكافي.

في إحدى الورش الصغيرة التي لا تزال تقاوم، التقينا الحرفي محمد قاسم السكري، أحد آخر الصدافين الذين يواصلون حمل هذه الأمانة.

يسترجع السكري بداياته، قائلاً “بدأت العمل في مهنة الصدف وأنا في الـ12 من عمري. كان جارنا يملك ورشة ورثها عن والده، وسبحان الله أحببت المهنة كثيراً بقرار ذاتي. تعلمتها خلال سبعة أعوام، واليوم تخطت خبرتي في هذا العالم 40 سنة”.

عن طبيعة العمل، يشرح “ننجز رسومات نباتية وهندسية. نرسمها أولاً، ثم نلصقها على خشب الجوز، وبعدها نحفرها وننظفها، وفي المرحلة الأخيرة نطعمها بالصدف، وكل قطعة تحتاج إلى دقة عالية وصبر كبيرين”.

لكن حديثه يأخذ نبرة قلق حين يتطرق إلى واقع الحرفة اليوم “إذا لم تعتنِ الدولة بها، فإن هذه المهنة ستندثر. في الماضي كان في حي جوبر وحده الذي يقع شمال شرقي العاصمة نحو 70 صدافاً، أما اليوم فلم يبقَ سوى أربعة أو خمسة. المهنة تضعف يوماً بعد يوم، وهي بحاجة إلى دعم حقيقي حتى تبقى مستمرة”.

ويضيف بفخر واضح “الصدف هو هوية دمشق. هذا الفن جزء من روح المدينة”.

وعن أجمل أعماله، يقول “أجمل مشروع اشتغلنا عليه كان قاعة كاملة في أحد القصور، صنعنا فيها مفروشات وطاولات مطعمة بالصدف. حينها الزبون انبهر بها كثيراً، وكان ذلك من أروع ما قدمته خلال مسيرتي”، معتبراً أن “هذه الحرفة تاريخ، وإذا ضاعت يضيع جزء من دمشق”.

الخط العربي: حين تصبح الكلمة فناً

ومن صناعة الدمشقيات انتقل الحديث إلى الخط العربي، الفن الذي لا يزال يقاوم بصمت. في إحدى الغرف جلس خطاط دمشقي يخط بمدادٍ أسود على ورق أبيض، وكأن الزمن توقف عند أنامله.

يقول المؤرخ الدكتور عمار النهار “الخط العربي ليس كتابة وحسب، بل روحانية كاملة. هو علم وجمال وخيال، وهو من أهم الفنون التي أبدعتها الحضارة العربية الإسلامية”، مشيراً إلى أن “دمشق كانت عبر تاريخها مركزاً لمدارس الخط والزخرفة، وأن الخطاطين الدمشقيين تركوا بصمتهم في المساجد والبيوت والمخطوطات”. لكنه عبر عن قلقه من أن “الخط اليوم يحاصر بالطباعة الرقمية واللوحات الجاهزة. فالجيل الجديد لم يعُد يرى فيه مهنة، بل هواية هامشية، وهذا خطر حقيقي على مستقبل هذا الفن”.

الذهب والفضة: بريق التاريخ

وداخل سوق الصاغة، حيث يلمع الذهب كأنه يرفض الاعتراف بتقدم العمر، تحدث النهار عن حرفة صياغة الذهب والفضة، قائلاً “هذه الحرفة من أقدم المهن في دمشق. الحرفي الدمشقي أبدع في تشكيل الحلي والزخارف والسيوف المطعمة بالمعادن الكريمة”. وأضاف أن “الذهب معدن لا يصدأ، لكن السوق تغيرت، كما أن المنتوجات المستوردة أضعفت مكانة العمل اليدوي، ومعها بدأت تضيع تقنيات توارثتها العائلات عبر الأجيال”. وأشار إلى أن “قيمة القطعة المصنوعة يدوياً لا تقاس بثمنها فقط، بل بالمهارة والوقت والروح التي تحملها”.

الدهان العجمي: لوحات على الجدران

من الحارات الضيقة، دخلنا إلى أحد البيوت الدمشقية القديمة لنشاهد فن الدهان العجمي، حيث الزخارف البارزة تملأ الجدران بألوان دافئة. وقال النهار وهو يشير إلى لوحة خشبية مطلية بدقة “الدهان الدمشقي هو فن فريد يجمع بين الهندسة والرسم والزخرفة والخط. وكان جزءاً أساسياً من العمارة الدمشقية ومن هوية البيوت العريقة”، محذراً من أن “هذه الحرفة مهددة اليوم بسبب تراجع عمليات الترميم التراثي، مما أدى إلى تناقص عدد الحرفيين القادرين على ممارستها”.

وعند الحديث عن النسيج التقليدي، توقف النهار مطولاً أمام نول خشبي قديم، وشرح أن “الحِرف النسيجية من أقدم النشاطات الإنسانية، ودمشق كانت مركزاً مهماً لإنتاج الأقمشة الحريرية والقطنية المطرزة”، موضحاً أن “النسيج كان جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، لكنه اليوم يواجه منافسة شرسة من الأقمشة المستوردة الرخيصة، مما جعل حرفيين كثراً يتركون المهنة، ومعهم تتلاشى خبرات عمرها قرون”.

ثم تحدث عن حِرف الرخام والخيزران والقش، مشيراً إلى أنها “من أعرق المهن الدمشقية التي ارتبطت بالبناء والزينة والحاجات اليومية”، وقال “هذه الحرف تجمع بين الفن والوظيفة، لكنها اليوم مهددة أمام البدائل الصناعية التي تفتقد الروح والجمال”.

الوردة الشامية: عطر الهوية

عندما وصل الحديث إلى الوردة الشامية، بدا صوت النهار أكثر دفئاً، فأكد أن “الوردة الشامية ليست مجرد زهرة، بل صفحة من حضارة. منها صنعت العطور والصابون والزيوت، وأصبحت رمزاً من رموز دمشق، أما تراجع الزراعة التقليدية فيهدد هذه الصناعة العريقة، والحفاظ عليها يعني الحفاظ على جزء من الهوية الثقافية والاقتصادية للمدينة”.

​​​​​​​وفي ختام جولتنا على مصنع للعود، تحدث النهار عن الموسيقى وصناعة الآلات التقليدية، فقال “الموسيقى جزء من ثقافة المكان الذي تتكون فيه، وصناعة العود والآلات الوترية في دمشق كانت حرفة دقيقة تتطلب مهارات عالية”، وأضاف أن “عدد الصناع اليوم يتناقص، وهذه المهنة مثل غيرها تحتاج إلى دعم واهتمام كي لا تختفي”.

بين البحث والذاكرة

طوال الحديث، لم يتكلم النهار بصفته باحثاً أكاديمياً وحسب، بل كعاشق يخشى على ما يحب، وقال في نهاية اللقاء “الحرف التقليدية تحمل دلالات وقيماً جمالية وحضارية، وتجمع بين الفن والأصالة والثقافة والجمال. إذا اندثرت، نخسر جزءاً من ذاكرتنا الجماعية، أما الحل فلا يكون بالبكاء على الماضي، بل بإنشاء معاهد تدريب ودعم الحرفيين وربط هذه المهن بالاقتصاد الحديث والسياحة الثقافية”.

غادرتُ دمشق مساء، لكنني شعرت بأن المدينة بقيت تمشي معي. في حقيبتي لم أحمل تذكارات، بل أصواتاً كرنين مطرقة ورائحة خشب وحرف مكتوبة بحبر أسود وخيط منسوج بعناية. أدركتُ أن دمشق لا تهزم بسهولة. فما دامت هناك يد واحدة تطرز وقلم واحد يخط وحرفي واحد يرفض الاستسلام… ستبقى المدينة صامدة، تحرس أسرارها، وتقاوم النسيان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى