تاريخ

“حرب الناقلات” في الثمانينات

المجلة” تنشر تفاصيل المراسلات السرية بين السعودية وإيران عبر الأسد

إبراهيم حميدي

18 فبراير 2024

“حرب الناقلات” الجارية، سبق وأن حصلت نسخة منها، منتصف ثمانينات القرن الماضي، في خضم الحرب العراقية– الإيرانية (1980-1988)، عندما استهدفت القوات الجوية للرئيس صدام حسين مواقع إيرانية، وردت طهران باستهداف مواقع خليجية، فاندلعت “حرب ناقلات” في مياه الخليج.

وقتذاك، كانت المنطقة مختلفة والعالم أيضا، بما في ذلك سوريا. حاول الرئيس حافظ الأسد الذي كان يقف ضدّ صدام في حربه، التوسط بين طهران ودول عربية، لوقف “حرب الناقلات” ومنع اتساعها، عبر هدن وتفاهمات.

تنشر “المجلة” حلقات من وثائق رسمية سورية تتضمن رسائل بين الأسد وقادة عرب وإيرانيين. لا شك في أنها لا تعكس كل ما كان يدور في تلك السنوات العاصفة، لكنها تعطي فكرة عن بعض جوانب ما كان يجري في الغرف المغلقة.

هذه الوثائق، التي كتبت من منظور سوري للأمور، تكشف تفاصيل لم تكن معروفة عن مواقف الأطراف واتجاهاتها. بينها أن “المرشد” علي خامنئي، الذي كان رئيس إيران وقتذاك، تنبأ أكثر من مرة عام 1986، بأن صدام سيتغير وأن حكما جديدا سيتشكل في العراق. كما ظهرت تحذيرات سعودية صريحة من أن سلوك إيران بضرب سفن سعودية وخليجية سيؤدي إلى جلب الأميركيين عسكريا إلى مياه الخليج، وهو ما حدث.

تسبب ضرب إيران للناقلات الكويتية بإرسال أميركا قواتها البحرية ودخلت في القتال بقصف مواقع إيرانية، وانتهت الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988. أما صدام فبعد فشل غزوه إيران قام باحتلال الكويت، وتشكل تحالف دولي لتحرير الكويت، كما أزيح صدام عن الحكم في ربيع 2003.

وبعد حوالي أربعة عقود، يتكرر التاريخ وتعود إيران إلى ضرب الناقلات.

—————————

حرب الناقلات” في الخليج… كيف بدأت وكيف انتهت؟

أميركا تدخلت عسكريا ضد طهران وأوقفت الحرب الإيرانية- العراقية

آخر تحديث 19 فبراير 2024

حرب الناقلات” الجارية في البحر الأحمر حاليا، سبق وأن حصلت نسخة منها في خضم الحرب العراقية– الإيرانية بين عامي 1980 و1988، عندما استهدفت القوات الجوية للرئيس صدام حسين مواقع إيرانية، وردت طهران باستهداف سفن خليجية، فاندلعت “حرب ناقلات” في مياه الخليج.

وشهدت “حرب الناقلات” إغراق قرابة 223 ناقلة نفطية من مختلف الجنسيات، إضافة إلى تضرر وغرق نحو 540 ناقلة تجارية ومقتل نحو 430 بحارا. ويعتقد أنه في الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 1982 وفبراير/شباط 1986، أغرق العراقيون 102 ناقلة و145 سفينة إيرانية.

وتُعرف الحرب العراقية الإيرانية بأنها أطول حرب بين دولتين في العصر الحديث استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة وأدت لمقتل مئات آلاف الجنود وكلفت نحو تريليون دولار.

بدأ العراق بمهاجمة ناقلات وسفن تجارية إيرانية في الخليج، بهدف تعطيل صادرات النفط وخاصة ان العراق بسبب هجمات ايران لم يعد يصدر من الخليج. قررت ايران مهاجمة السفن المتجهة إلى أو القادمة من موانئ دول الخليج العربية، موسعة النزاع ليشمل سفن الدول المحايدة التي تنقل النفط من منطقة الخليج. كان الهدف من ذلك تدويل الصراع، آملة في الضغط على دول الخليج للتدخل وإجبار العراق على الاستسلام.

في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1982، بدأت القوارب الصاروخية العراقية، بتوجيه راداري من شبه جزيرة الفاو، تصطدم بقوافل السفن المبحرة إلى ميناء بندر خميني الإيراني ومحطات النفط في جزيرة هارك.

لكن “حرب الناقلات” بين إيران والعراق، احتدمت في 26 أبريل/نيسان 1984، عندما استهدفت قوات صدام الجوية 58 ناقلة، مستخدمة طائرات فرنسية من نوع ميراج الجديدة”، لتبدأ إيران بالرد بالمثل ولوحت بـ”إغلاق الخليج” أمام سفن تحمل نفطا عراقيا. وقال “المرشد” الخميني إن بلاده لن تدع طرق الملاحة البحرية في الخليج آمنة إذا ما بقي الطريق إلى مينائها النفطي في جزيرة خرج مهددا بالقصف لمنع تصدير النفط الإيراني.

ويشير الضابط في الجيش العراقي السابق اللواء الركن علاء الدين مكي خمّاس في كتابه “حرب الناقلات في الخليج العربي 1980-1988” إلى أن العراق في حربه البحرية استخدم طائرات “الميراج” التي زودته بها فرنسا، وبذلك استطاعت القوات الجوية العراقية الوصول إلى أبعد نقطة في الخليج وقصف الميناء العائم في جزيرة لاراك الإيرانية.

وكون الممرات البحرية من جهة البصرة، ساحة عمليات، اتجه العراق لتصدير نفطه عبر خطوط أنابيب إلى البحر المتوسط (أغلق الخط بين العراق وسوريا إلى المتوسط) والبحر الأحمر ونقل النفط عن طريق الكويت لتحميله في ناقلات عربية خليجية. وبعد سيطرة إيران على ميناء الفاو عام 1986، زادت حدة الحرب واستهدف صدام جزيرة سيري، حيث الناقلات العملاقة المحملة بالنفط الإيراني.

في 13 مايو/أيار 1984 قصفت ايران ناقلتين كويتيتين، وفي 16 من الشهر ذاته قُصفت ناقلة سعودية في ميناء رأس تنورة السعودي. وعليه، طلبت الكويت المساعدة من الولايات المتحدة التي سارعت بدورها لإرسال عدد من السفن، حيث طلبت واشنطن من الكويت رفع العلم الأميركي على الناقلات الكويتية لضمان عدم الاعتداء عليها من إيران.

أثرت “حرب الناقلات” بشكل كبير على أسواق النفط العالمية وهددت الإمدادات الدولية من النفط الخام، ما تسبب في تقلبات أسعار النفط العالمية. بدلا من الضغط على العراق تسببت هجمات ايران في تدخل عدة قوى عالمية، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودول من المجموعة الأوروبية، حيث سعت لحماية مصالحها في المنطقة وضمان تدفق النفط من الخليج. ودخلت عدة قوى عسكرية اجنبية، كما حذر من حدوث ذلك خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، في وثائق رسمية سورية تنشرها “المجلة” استنادا الى أوراق نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام.

تدخل أميركي… ونهاية الحرب

لعبت الولايات المتحدة، خلال رئاسة رونالد ريغان، دورًا نشطا بشكل خاص من خلال إطلاق عملية “إرنست ويل”، وهي أكبر عملية توصيل بحري منذ الحرب العالمية الثانية. صُممت العملية لتوفير الحماية العسكرية لناقلات النفط الكويتية التي رفعت الأعلام الاميركية أثناء مرورها عبر الخليج، تحت حماية البوارج الاميركية.

تسببت الهجمات البحرية الإيرانية في الانخراط العسكري الأمريكي لأول مرة بشكل مكثف في الخليج  وأدى إلى مواجهات أميركية مباشرة مع القوات الإيرانية، بما في ذلك عملية في 1988، وكانت أكبر عملية بحرية سطحية منذ الحرب العالمية الثانية وقامت المقاتلات الاميركية بتدمير منصات النفط الإيرانية.

بالفعل، أدى دخول أميركا إلى تغير مسار الحرب. ولا شك أن استهداف العراق الفرقاطة الأميركية “ستارك” في الخليج في 17 مايو/أيار1987، كان نقطة انعطاف. واشنطن التي فقدت 37 بحارا (العراق اعتذر عن الخطأ ودفع 28 مليون دولار)، أُجبرت واشنطن على التدخل لوقف الحرب.

باتت مياه الخليج ساحة حرب، وزرعت إيران الألغام في مضيق هرمز وهاجمت قواتها سفنا أميركية. وفي 24 يوليو/تموز 1987 اصطدمت السفينة “يو إس إس بريدجستون” الأميركية بلغم إيراني وغرقت. بعدها خاضت القوات البحرية الأميركية أكبر معركة منذ الحرب العالمية الثانية ضد السفن والزوارق الحربية الإيرانية.

 في يوليو/تموز 1988، أطلق بحارة أميركيون من سفينة “يو إس إس فينسنس” الحربية النار على طائرة إيرانية مدنية، ما أسفر عن مقتل 300 مدني. وبعد شهر ، في أغسطس/آب، قبلت إيران وقف إطلاق النار في الحرب الدامية.

——————————

(1 من 5)

خدام ينقل للسعودية عرضا إيرانيا: أوقفوا دعمكم لصدام مقابل وقفنا الحملات الإعلامية ضدكم/ إبراهيم حميدي

“المجلة” تنشر وثائق سورية… والأسد يقول لولايتي: “لو أن كل مجموعة استعملت موسم الحج بشعارات سياسية لحصلت فوضى في مكة”

آخر تحديث 18 فبراير 2024

في مطلع يناير/كانون الثاني 1982، أي بعد سنتين من الحرب بين بغداد وطهران، زار وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي دمشق والتقى الرئيس حافظ الأسد ووزير الخارجية وقتذاك عبدالحليم خدام. وحسب محاضر اجتماعات رسمية، أكد الأسد “ضرورة تهدئة الوضع مع دول الخليج والأخذ بالاعتبار ظروفها ومخاوفها، لأن التوتر سيزيد من حجم تعاونها (دول الخليج) مع النظام العراقي”. وحذر الإيرانيين: “توسع رقعة الحرب سيؤدي إلى تدخل قوات خارجية للسيطرة على المنطقة وعلى مواردها”، كما تحدث عن “هواجس الأشقاء في الخليج”، و”حرص هذه الدول على إقامة علاقات جيدة مع إيران”. وطلب الأسد من ولايتي “إبلاغ القيادة الإيرانية وجهة نظر سوريا”.

بالفعل التزمت إيران في البداية، بـ”عدم توسع الحرب باتجاه دول الخليج رغم بعض التوترات التي كانت تظهر بين وقت وآخر وتقترب من خط الصدام”، حسب وثيقة سورية. وأشارت إلى أنه عندما نشبت الأزمة بين إيران والبحرين عام 1980 “تدخلت سوريا وعملت على تهدئة الوضع وقد وافقت القيادة الإيرانية على زيارة يقوم بها نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور صادق طبطبائي إلى المنامة برفقة خدام، للقاء الشيخ عيسى بن سلمان، حيث أكد نائب رئيس الحكومة الإيرانية أنه ليس لإيران مطامع في البحرين وأنها ترغب في إقامة علاقات طيبة مع المنامة”.

بالعودة إلى زيارة ولايتي لدمشق، يوم 10 يناير 1982، توجه خدام إلى السعودية بتكليف من الأسد، للقاء ولي العهد الأمير فهد بن عبدالعزيز، وإطلاع القيادة السعودية على نتائج زيارة ولايتي. ويروي خدام أنه قال في الرياض: “الرئيس حافظ أبلغكم بأنه سيبحث العلاقات بينكم وبين إيران. وجرت اتصالات بهذا الشأن وكان الاتفاق على مجيء وزير الخارجية الإيراني إلى دمشق وخلال جلستي عمل مع الرئيس ومعي تحدث الرئيس مطولا وأراد أن يتسم الحديث بالوضوح، وفي إطار مصلحة الطرفين طرح الأسد للوزير الإيراني الوضع في المنطقة والأخطار المحدقة بها، وتحدث عن الصراعات الجارية وانعكاساتها على المنطقة كلها وأنها تشكل تهديدا للجميع. كما شرح له خطورة الصراعات الهامشية على دول وشعوب المنطقة وتأثير ذلك على مستقبلنا جميعا، كما تحدث الرئيس عن قيام المملكة العربية السعودية ودول الخليج بالاعتراف بالثورة الإسلامية في إيران ومد يد التعاون لها… كما أبلغ الرئيس الأسد الوزير الإيراني رغبة المملكة في التعاون… وقد مدت الدول الخليجية الأخرى أيديها وفتحت قلوبها للثورة الإسلامية وكيف أراد العرب أن يتعاونوا مع هذه الثورة وكيف كانت تصدر تصريحات من طهران ضدهم… وزاد الرئيس الأسد عن الانطباع الذي تولد بأن إيران تعمل للتدخل في شؤونهم (الدول الخليجية) الداخلية وأن لها مطامع في المنطقة، وهذا الأمر خطير سيزيد الخلافات ويعمقها ويجعل هذه الدول تفكر كيف تواجه هذا الوضع، وأعطى الرئيس أمثلة لما جرى في موسم الحج وأحداث البحرين، كما تحدث عن الأجواء الإعلامية وتصريحات مسؤولين إيرانيين وغيره”.

ويقول خدام في أوراقه: “قاطعني الأمير فهد بقوله: إن هذه التصريحات التي طلعوا بها علينا تحرض على الفتنة والاختلاف بين المسلمين وتضر بالعقيدة الإسلامية… وكذلك ما ينشر في الصحف والإذاعة ووسائل الإعلام المختلفة وما فعلوه في الحرم الشريف في موسم الحج وإلقاؤهم خطابات لا تليق بقدسية المكان لدى المسلمين ولدى الثورة الإيرانية”.

ويتابع خدام أن ولايتي قال: “نحن لدينا رغبة في إقامة علاقات طبيعية ولكن هذه الدول تساعد في الحرب ضدنا. وهنا رد عليه الأسد: قناعتنا أن الإخوة في المملكة ودول الخليج يريدون أن تكون علاقاتهم إيجابية معكم لا سلبية، وأن المسألة لا تتعلق بهم وحدهم، وأنهم يرغبون في وجود أجواء إيجابية مع إيران”.

مبادرة إيرانية نحو السعودية

حسب وثيقة أخرى، نقل خدام إلى الجانب السعودي نقاطا محددة وافق عليها ولايتي أمام الأسد، وهي:

“1- رغبة الإيرانيين في إقامة علاقات طبيعية وحسنة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

2- عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من دول المنطقة، وعدم وجود علاقة بين الحكومة الإيرانية ومؤسساتها أو أي مسؤول فيها بأمور البحرين. وأكد أيضا أنه لا أطماع لهم في أي من البلدان المجاورة وأن لديهم رغبة في إقامة علاقات حسنة مع المملكة ودول الخليج.

3- بالنسبة لموسم الحج، قال إنهم لم يفعلوا شيئا يمس السيادة السعودية أو الشؤون الداخلية للسعودية، وأنهم فقط أطلقوا شعارات عداء لأميركا وإسرائيل ولكن الموظفين السعوديين منعوهم. وقال إن هذه الشعارات لم تكن ضد السعودية وإنما فقط من أجل استغلال فرصة اجتماع المسلمين من مختلف البلاد لتوعيتهم بأن عدوهم الأول هو أميركا وإسرائيل، ولحثهم على توجيه جهودهم ضد هذا العدو”.

ويروي خدام أن الأسد علق على النقطة الأخيرة أمام ولايتي، قائلا: “إن ذلك يحدث تشويشا، فإذا شاءت كل دولة أو مجموعة أن تطرح شعارات في موسم الحج حسبما تريد، فتصور مليون شخص أمامك، ماذا يحـدث؟ إذا عمل كل امرئ كما يشاء ماذا سيحدث في موسم الحج؟ كيف يكون الوضع؟ فوضى كبيرة لا أحد يعرف مدى أثرها السيئ على المسلمين”.

رد ولايتي بأنهم “مستعدون لوقف الحملات الإعلامية من المؤسسات التي تسيطر عليها الدولة، أي من وسائل الإعلام الحكومية”. وزاد: “الآراء الرسمية للثورة الإسلامية الإيرانية لا يعبر عنها إلا (المرشد) الخميني أو رئيس الجمهورية (علي خامنئي) أو نائب رئيس الوزراء (صادق طبطبائي) أو وزير الخارجية (ولايتي)”. وأكد استعداد إيران لإرسال بعثة حسن نوايا إلى كل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج، واستقبال بعثات مماثلة في طهران.

في المقابل، طلب الإيرانيون من السعوديين، حسب خدام، “وقف التدخل في الحرب إلى جانب العراق”، فيما قال الأسد إنه سيبلغ السعودية مضمون هذه المحادثات، و”نأمل أن نتمكن من إخبارهم بأن لديكم الرغبة وموافقون لنطلب منهم مباشرة تنفيذ هذه الخطوة للتدليل على حسن النوايا”.

وأشار خدام إلى أن الرياض أبلغته بأنها “تتفق مع هذا الخط لتلافي الصدام والتوتر في المنطقة، وهذا تصور ممتاز أمام الأمر الواقع” مع الارتياح لرسالة الأسد وجهوده، والرغبة في استمرارها.

ونقل خدام، في اليوم الثاني، رسائل مشابهة إلى أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد بحضور وزير خارجيته الشيخ صباح.

عتب سعودي علـى صدام

التقدير الرسمي السوري وقتذاك، حسب وثيقة تقدير موقف بخط خدام، كانت بين أوراقه السرية، وهو أن هناك “قلقا لدى الأشقاء في الخليج واحتمالات خطيرة لتطور الأوضاع في حال تطور النزاع وامتداده وانعكاس ذلك على كل العرب والإيرانيين”، ذلك أن “الحرب تدور على حدودهم وفي مياههم أحيانا، وقد تصوروا أن النظام العراقي في حربه قادر على ردع الثورة الإسلامية والقضاء عليها، وبالتالي قدموا إلى نظام الحكم في العراق مساعدات مالية واقتصادية وتسهيلات، بما في ذلك استخدام المرافئ لنقل البضائع والتجهيزات وغيرها”، إضافة إلى قلقهم من “الثورة” في إيران لأسباب تتعلق بالأمن القومي ومستقبلها.

وأوردت وثيقة أخرى للقاء بين وزير الإعلام السوري أحمد إسكندر مع مسؤول سعودي في فبراير/شباط 1983، أن “العراقيين يطلبون (منا كخليجيين) تنفيذ اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وقلنا لهم مباشرة: تطلبون أن نقاتل معكم، لكن هل استشرتمونا في بدء الحرب؟ هل أطلعتم أحدا من العرب على خطتكم لمحاربة إيران؟ ألم تكن هناك طرق أفضل وأكثر ضمانا من الحرب المدمرة؟ لو استشرتم لكنا بحثنا طريقا لحل النزاع دون قتال وتدمير وتضحيات، لقد ذهب صدام ووسط الجزائريين لتوقيع اتفاق سلام مع الشاه الإيراني ووقع الاتفاق عام 1975 ثم ألغى صدام هذا الاتفاق وشن الحرب، ويطلب الآن بعد سنتين من القتال العودة إلى اتفاق 1975. هل هذا منطق؟”.

ويتابع أن “العراقيين يوفدون وزراءهم لدول الخليج ويطلبون منها عدم استقبال المبعوثين الإيرانيين، وهذا اضطرنا لأن نقول لهم ليس لكم حق في ذلك، وبأي حق تطلبون منها ما تطلبون، إننا نفهم جيدا علاقة سوريا بالعراق، وأن الحق معكم في سوريا، فقد أساءوا إليكم كثيرا وبغير حق. لو كنا نثق بصدام ونضمنه لكنا اقترحنا عليكم شكلا من أشكال الوفاق أو تهدئة الأمور، لكننا نعرف أن هذا غير ممكن، فقد أساء صدام إلى سوريا كثيرا، ونحن نعرف أنكم في بداية الحرب وحتى انقضاء عام ونصف، كما أذكر، لم تتحركوا ضد العراق بأي عمل، ونعرف أنكم لم تكونوا تريدون هذه الحرب، ولا نحن نريدها”.

وفي إشارة إلى الاجتماع الثلاثي السوري الليبي الإيراني، قال المسؤول: “نحن نثق في سوريا وثقتنا في سوريا لا حد لها ولا نسمح لأي شيء أن يشوب أو يعكر هذه الثقة، نحن نتشاور معكم وثقتنا مطلقة في الأخ حافظ وفي سوريا تحت قيادته. وإني أقترح على الرئيس الأسد أن يدعو سفراء الخليج إلى الخارجية السورية لشرح موقف سوريا من الاجتماع الثلاثي وأنه ضد أي أحد يقترب من حدود دول الخليج”.

وبالفعل، بناء على توجيه من الأسد، استدعى خدام السفراء وأوضح موقف دمشق لطمأنة دول الخليج أنه ليس ضدها.

————————-

(2 من 5)

حرب الناقلات” تحتدم في الخليج… وصدام “يقصف” وساطة الأسد بين السعودية وإيران/ إبراهيم حميدي

خدام يصف الرئيس العراقي بـ”المجنون والعنيد”… والرياض تتجاهل الاستفزازات… وطهران تشترط لوقف هجومها وقف الخليج مساعداته لبغداد

آخر تحديث 19 فبراير 2024

تناولت الحلقة الأولى من “حرب الناقلات” في الخليج خلال الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينات وساطة الرئيس السوري حافظ الأسد بين الرياض وطهران، واقتراحات الرئيس الإيراني وقتذاك علي خامنئي. تتناول الحلقة الثانية احتدام “حرب الناقلات” في الخليج ورد فعل الرئيس صدام حسين. ماذا قال الإيرانيون؟ كيف ردت السعودية؟

كان الوضع يزداد دقة وحراجة مع تصاعد الحرب بين بغداد وطهران بعد أكثر من سنتين، إثر تركيز الإيرانيين عملياتهم العسكرية الهجومية وإخراجهم القوات العراقية من معظم أراضيهم وتمكنهم من قلب المعادلة والتوغل في مناطق عراقية. ومع اشتداد الضغط العسكري الإيراني على العراق، رغم تفوق آلته العسكرية، كان القلق يزداد في العراق ودول عربية، وكان الضغط على سوريا يتعاظم لاتخاذ موقف ضد طهران.

بات وضع العراق العسكري صعبا عام 1983 ومطلع 1984، ولذلك لجأ إلى ضرب منشآت اقتصادية إيرانية، ولاسيما النفطية، مستخدما طائرات فرنسية مزودة بصواريخ دقيقة، فقصف مصب جزيرة خرج الإيراني. كما أعلن تلك المنطقة منطقة عمليات عسكرية، وأخذ الطيران العراقي يضرب الناقلات المتوجهة إلى المصبات النفطية الإيرانية.

وإثر هذا الحصار الجوي على إمكانات إيران وطاقاتها التصديرية والمالية، وهي التي تواجه مصاعب الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب بالإضافة إلى أعباء حربها الضروس مع العراق، قامت إيران بالهجوم على ناقلات النفط القادمة إلى المرافئ الكويتية.

وفي مايو/أيار 1983، وصل الشيخ عبد العزيز التويجري حاملا رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد حول “هذا الوضع ومخاطره، والخشية من توسع رقعة الحرب، لأن استمرار العمليات الإيرانية سيؤدي إلى وصول قوات عسكرية من الدول الكبرى لحماية مصالحها، وهذا الأمر إذا حصل سيؤدي إلى سقوط النفط بأيدي هذه الدول وإلى سيطرتها على المنطقة، وليس في ذلك مصلحة لدول الخليج، أو سوريا أو إيران”.

تضمنت الرسالة دعوة الأسد للتدخل لدى إيران. وافق الرئيس على الوساطة وطلب من خدام- الذي أصبح في مارس/آذار نائبا للرئيس- مع وزير الخارجية فاروق الشرع، السفر إلى طهران. وعرض الوضع على الرئيس الإيراني علي خامنئي، ومخاطر توسيع الحرب واحتمالات لجوء دول خليجية إلى دعوة قوات أميركية بكل ما في ذلك من خطر يهدد كلا من إيران وسوريا.

حسب وثيقة سورية، تحدث الرئيس الإيراني عن “الرغبة في عدم توسيع الحرب”، ولكن الإيرانيين يرون أن “دول الخليج تقدم مساعدات كبيرة إلى العراق، فهم يقدمون المال والتسهيلات العسكرية والدعم السياسي، والمطلوب منهم أن يقفوا على الحياد، لأنهم بمساعدتهم للعراق إنما يطيلون أمد الحرب، وهذا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة المنطقة كلها”. وأبدى استعداده للتعاون طالبا من دمشق أن تطلب من الدول العربية الخليجية وقف مساعداتها للعراق.

وبعد عودة خدام والشرع من طهران توجه الاثنان إلى جدة يوم 26 مايو 1984 لإطلاع القيادة السعودية “على مجرى المحادثات مع القيادة الإيرانية” بناء على طلب السعودية بالتوسط، لكن فاجأ صدام الجميع أنه “بمجرد وصول الوفد السوري إلى طهران بإلقاء خطاب تصعيدي، وقصف باخرتين إيرانيتين في الخليج”. وعندما ذكر ذلك المبعوثان السوريان علق الجانب السعودي: “خطاب صدام لم يكن في وقته ولا في محله وكان يجب أن لا يقوم بعمل يعرقل مساعيكم”.

وحسب محضر اجتماع خدام مع القيادة السعودية، فإن نائب الرئيس السوري أبلغ “الرئيس خامنئي رسالة الأسد، ومضمونها أن سوريا تنظر بخطورة كبيرة لتطور العمليات القتالية في الخليج، وترى فيه ضررا كبيرا لدول المنطقة وإيران، وأن إسرائيل وأميركا سوف تستغلان هذا الوضع، ومهمتنا هي وقف انتشار الأعمال القتالية بين إيران والعراق وعدم تجاوزها مناطق أخرى”.

وقال خدام ردا على سؤال: “قال (الإيرانيون) إنهم يريدون بشكل جدي أن تكون علاقاتهم مع دول الخليج جيدة وهم مستعدون لكل شيء لتحسين هذه العلاقات، لكن الدول الخليجية تقدم مساعدات لصدام، ولولا هذه المساعدات لما استطاع التنفس. وهو يحاربهم بهذه المساعدات. وهم يعتقدون أن ضرب صدام لجزيرة خرج (الإيرانية) يتم بالاتفاق مع الدول العربية الخليجية. إذن هم يعتبرون أن هذه الظواهر مساعدة لصدام: المساعدات، ضرب الناقلات، بذل المساعي مع الدول الأخرى لعدم شراء النفط الإيراني مثل الوفد الذي ذهب إلى اليابان في سبيل هذا الهدف. يعتقدون أيضا أن تسهيلات تقدم مع السعودية للطائرات العراقية لتهبط فيها ثم تضرب الناقلات. كما أن السعودية بواسطة طائرة (رادار الأواكس) تساعد العراق في جمع المعلومات”.

رد الجانب السعودي: “هذا غير صحيح”. وتدخل وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، قائلا إن الطائرة “أواكس” مصممة “لمراقبة الطيران المنخفض ولا تكشف الناقلات”، فقال خدام: “نعرض عليكم وجهة نظرهم (الإيرانيين) حتى نعرف كيف يمكن معالجة الموضوع، كما لاحظنا أنهم لا يعتقدون أن هناك احتمالا كبيرا للتدخل الأميركي والغربي، حتى إذا حصل هذا التدخل فلا مانع أن يقاتلوا الأميركيين في إيران. قلنا لهم: هناك مشكلة بينكم وبين العراق، ولا علاقة لدول الخليج بهذه الحرب سوى المساعدات”.

تابع خدام العرض: “قال (الإيرانيون): إننا نوافق على وقف كل ما يتعلق بناقلات النفط، أي إن أمن بواخر النفط للجميع، والدول الخليجية قادرة على الضغط على صدام لوقف ضرب ناقلاتنا في الخليج، فقلنا لهم إنكم تقولون إن صدام مجنون وجبار وعنيد، فإذا لم يستجب للضغط ما الحل؟”.

تابع خدام : “قلت: هنا كان في ذهننا الحديث الذي دار بين السيد الرئيس والتويجري بأن المملكة مستعدة لوقف المساعدات. فقلنا لهم: إذا لم يستجب صدام للضغط لوقف ضرب الناقلات الإيرانية فيمكن عندئذٍ قطع المساعدات عنه، ويصدر موقف شجب لضرب السفن في الخليج”.

الموقف من المساعدات

وكان الرد السعودي: “نحن نقدم المساعدات لأن سياسة إيران وإذاعتها كانت موجهة ضد دول الخليج وليس ضد العراق فقط، إنهم يريدون تغيير سياسة دول الخليج، ومن لا يريده الخميني يجب أن يزول، لقد أخطأوا بأن جعلوا دول الخليج تفكر بأن العراق يقاتل إيران بآلاف الجنود، وأن هذا هو الطريق لمنع إيران من القدوم إلى (غزو) الخليج”.

وأكدت القيادة السعودية لمبعوثي الأسد، “أن صدام بدأ الحرب ضد إيران دون استشارتنا، يبدو أن الخلاف بينهما بدأ على تنفيذ اتفاقية 1975 حول الأراضي وكان من الممكن تلافي الأمور عن طريق هيئات أو محكمة العدل الدولية”.

وتابع الجانب السعودي: “ادعاء صدام بأنه قاتل إيران بسبب تحرشها بحدوده وتفجير بعض المتفجرات داخل العراق، قد يكون هذا صحيحا أو غير صحيح. في ميثاق الجامعـة العربية هناك نص بأن على الدول العربية مساعدة أية دولة عربية تتعرض للاعتداء، وعلى الرئيس الذي تم الاعتداء على دولته أن يشاور رؤساء الدول العربية في المشكلة قبل أن يبدأ الحرب، وبعد ذلك يقول ساعدوني، وصدام لم يستشرنا في السعودية عندما بدأ الحرب”.

لقد كان هناك انطباع يروجه العراق بأن إيران تريد احتلال العراق أولا، ثم الدور على دول الخليج العربي بعد ذلك. المسؤول السعودي الكبير كما ورد في وثائق خدام، قال: “خطأ إخوتنا في إيران أنهم بدأوا يهددون دول الخليج. في إيران يقولون إن المقصود صدام، صدام هو نفر في العراق، من يقول إن المسألة تتوقف على صدام؟ هل تعتقد أنت كعربي أن المشكلة مع العراق هي في شخص صدام؟ أعتقد أن سبب قوة صدام هو تحدي إيران له، عندما دخل صدام داخل أراضي إيران، ربما كانت إيران ضعيفة بسبب ظروفها الداخلية. أما الآن فمقدمة الجيش الإيراني في الأراضي العراقية، وقد بذلت وساطات دولية وإسلامية كثيرة دون جدوى، والآن الحرب تدور على الحدود العراقية”.

كما تضمنت الوثيقة شرحا بأن “العراقيين لا يدافعون عن صدام وإنما عن بلادهم، لأنه إذا افترضنا أن إيران احتلت المدن الرئيسة في العراق فهل تكتفي إيران بأن تأخذ صدام ثم تنسحب؟ أعتقد أن إيران سوف تفرض تنظيما معينا مناسبا لها في العراق، لأن إيران إذا احتلت العراق فسيصبح عندئذٍ محتلا ويفعلون فيه كما يشاءون، كما حصل في ألمانيا عندما احتلها الحلفاء. المشكلة العميقة التي تنعكس على الخليج وسوريا وعلى كل عربي، هي إذا احتلت إيران العراق بشكل عسكري فالمشكلة لن تنتهي بإسقاط صدام، الشعب العراقي يقول الآن المشكلة ليست مشكلة صدام وإنما احتمال احتلال إيران للعراق. آمل أن تنتهي الأمور، والعراق يتبصر في أموره، وإيران تتبصر في أمورها”.

وأكمل: “البلدان تحطما، هل من الممكن أن تنتهي هذه الحرب وكل دولة تستعيد أراضيها؟ إن وضع صدام وكأنه المشكلة ليس إلا عذرا، لأنه عندئذٍ لا يمكن وضع حد لمشكلة صدام إلا بحلين: احتلال العراق من إيران وإسقاطه عسكريا،ـ أو أن يقتل صدام من قبل جيشه أو شعبه. صدام الآن يريد أن يدافع، ولا يهمه سواء تهدم العراق أو تحطم… صدام مستمر”.

وحسب التوضيح السعودي، فإن “صدام قد يقول إن موانئ في الخليج قد دمرتها إيران ولا منفذ عندي سوى الأنبوب، عبر تركيا، وطالما أنني فقدت بترولي في الخليج لذلك سوف أجعل إيران تفقد دخلها بضرب الناقلات التي تحمل النفط الإيراني. لا أحد يستطيع إقناع العراقيين إلا بالقوة، السؤال هو: أليس لدى إيران إمكانية لحماية سفنها من الطائرات العراقية بالصواريخ أو غيرها؟ على كل حال هذا شيء عائد لهم”.

وفند الجانب السعودي مزاعم طهران، قائلا: “لا توجد طائرة عسكرية عراقية هبطت في السعودية، ولم يتم تزويد أية طائرة عراقية بالوقود في الجو، وكذلك لم يسمح لأية طائرة عسكرية عراقية بالهبوط في مطارات سعودية، ونتحدى الأقمار الصناعية أن تثبت غير ذلك. يبدو أن وجهة نظر إيران أن تضرب ناقلاتنا الخليجية لكي نضغط على صدام لوقف ضرب الناقلات الإيرانية”.

وتابع: “إيران لا تستفيد بضرب البواخر في الخليج، وإلى متى ستبقى إيران تضرب هذه السفن التي تحمل البترول لدول مختلفة في أوروبا وغيرها، وبعضها صديقة لإيران؟ ربما تستطيع إيران منع السفن من المرور في الخليج ولكن ما النتيجة؟ إذا وجدت دول الخليج نفسها مهددة بالموت، فعندئذٍ لا معنى للحياة، وبذلك تخلق إيران عبئا على نفسها بالإضافة إلى عبء صدام، لأن هذه الدول قد تلجأ للمساعدة الأجنبية، أو يساعدها غيرها لمساعدة صدام”.

وأضاف: “لا نزال نقاوم وسوف نقاوم أي تدخل أجنبي، وسنحافظ على سيادتنا، نحن قلقون من الدول الكبرى، ونقول هذا بصراحة، إننا نقاتل بأرواحنا أي أجنبي شرقي أو غربي يأتي لاحتلالنا، ليس لدينا سوى النفط، ويريدون احتلاله، إذا حدث هذا الاحتلال ستكون خسارتنا كبيرة، وإذا حصل تدخل أجنبي في الخليج فهذا سيكون مساعدة وحماية لإسرائيل، أنا أقول لا توجد عواطف لدى الدول الكبرى، بل لها مصالح، إذا تعارضت مصالحها مع مصالحك”.

وينقل خدام أنه تبلغ من القيادة السعودية بأن “كل الطائرات الموجودة عندنا من طراز (إف-16)، و(إف-15)، و(إف-6) والتي اشتريناها بمليارات الدولارات هي لسوريا، وستثبت الأحداث ذلك، إذن لماذا نضطر للدفاع عن أنفسنا أمام إيران، إن كل بياناتنا التي صدرت حول أحداث الخليج مليئة بالتعقل، وهذا ليس خوفا من إيران، ولكن لا نريد خلق مشـكلة. الباخرة الليبيرية التي ضربت مؤخرا في منطقة الخفجي بين السعودية والكويت، كان بامكاننا مطاردة الطائرة الإيرانية وضربها، ولكننا لا نريد خلق مشكلة”.

وقال الأمير عبد الله: “أردنا ضرب الطائرة الإيرانية ولكن جلالة الملك أوقف ذلك”، حسب قول خدام، ونقل عن الملك فهد قوله: “نعم أوقفت العملية ولم نعلن أننا طاردنا الطائرات الإيرانية. الذي فعلناه أننا أنقذنا ركاب السفينة المضروبة.

“نتصرف بتعقل ولا نريد مشكلة مع إيران”

وكشف للمبعوثين السوريين: “لجأ طيار إيراني إلى المملكة مع طائرته فلم نحدث ضجة وطلبنا من إيران تسلم هذه الطائرة. نحن لا نهاجم إيران في إذاعتنا أو صحفنا، ونعتب على الكويت لقيامها بذلك، نحن نملك القوة ونستطيع مطاردة الطائرات الإيرانية، ولكن لا نريد خلق مشكلة. قبل أيام دخلت طائرة إيرانية محملة بالصواريخ أراضي المملكة فطار فوقها الطيران السعودي وأنذر الطائرة بالعودة خلال دقيقتين فعادت، لم نكن نريد أن نخلق مشكلة وإلا كنا نستطيع ضربها، وأبلغنا هذه الحادثة للقائم بالأعمال الإيراني، فقال إن الطيار أخطأ. كيف يخطئ وهو يحلق لمسافات واسعة فوق المملكة، لدينا صواريخ تضرب من الطائرة المقاتلة على بعد 100 كم ولا تخطئ شبرا واحدا، ولكن لا نريد استعمال هذه الأسلحة ضد إيران”.

وأشار إلى أن شركات التأمين رفعت أقساط التأمين على البواخر القادمة إلى الخليج، متسائلا: “ماذا تستفيد إيران من ذلك؟ إذا أغلق الخليج بشكل نهائي فسوف تدخله البوارج (الأجنبية) وتحتل المنطقة، ومن يستطيع عندئذٍ محاربتها؟”. وتحققت نبوءة الملك فعلا بعد استمرار ضرب الناقلات النفطية الكويتية ودخلت القوات البحرية الأميركية مياه الخليج.

يكتب خدام: “أجبت جلالة الملك: الشرح الذي تفضلت به جيد، وسياسة المملكة القائمة على الحكمة أثبتت نجاعتها، كلنا في مستنقع ولا نعرف كيف نخرج منه، وأكبر مثال على ذلك المستنقع الذي وقع فيه صدام، إن هذه المشكلة تؤثر علينا جميعا”.

وأضاف خدام: “هناك مسألتان: الحرب العراقية-الإيرانية. والوضع المتفجر بين دول الخليج العربي وإيران. الحديث عن المسألة الأولى يجب أن يسبقه تهدئة الوضع بين إيران ودول الخليج، وهذه العلاقات فيها مسألتان:ـ الشكاوى بتدخل إيران في الخليج، يقابله رغبة إيران بتحسين العلاقات، وشكوى إيرانية من المساعدات التي تقدم لصدام”.

قال الجانب السعودي: “هذه المساعدات قديمة”.

فقال خدام إن الأسد “فهم من الشيخ عبد العزيز أنكم على استعداد لإيقاف المساعدات، فإذا قلنا للإيرانيين لن تعطي السعودية مساعدات لصدام”، فإن الرد السعودي كان أنه “على الإيرانيين التهدئة أولا”.

واستمر النقاش حول وقف المساعدات وإصدار موقف ضد قصف الناقلات، وظهر تباين في الموقف. وبين ما قاله الجانب السعودي: “منذ مدة لم نقدم للعراقيين مساعدات، ولكن إذا رأينا العراق يدفع دمه فسوف نقدم له المساعدات. نرجو أن يقول لهم السيد الرئيس الأسد: اهدأوا، خاصة وأنهم أعادوا لكم طائراتكم، ولم يتهموكم بشيء، فلماذا تضغطون عليهم؟ إذا هدأت الأمور وارتاحت نفوس دول الخليج عندئذٍ نفكر بالتصرف”.

يكتب خدام أنه وعد بنقل “الصورة إلى السيد الرئيس”، وأنه قال: “أعود وأؤكد أن التزام سوريا نحو المملكة، هذا الأمر غير قابل للمناقشة”. ويعلق: “لقد بدا واضحا لي أن إمكانية اللقاء بين الجانبين تكاد تكون معدومة إن لم تكن مستحيلة، فالسعودية ودول الخليج عمليا مع العراق، في الموقف السياسي والدعم الاقتصادي، لأن لها مصلحة في وقف التهديدات الإيرانية ويعتقدون أن العراق يخوض الحرب نيابة عنهم”.

في المقابل، فإن “السياسة الإيرانية منذ قيام الثورة لم ترتكز على خطوات جدية لتهدئة الوضع من الناحية العملية مع دول الخليج، فعدد من كبار الساسة الإيرانيين وفي مقدمتهم قائد الثورة آية الله الخميني، كانوا يشنون الحملات على تلك الدول الخليجية، رغم أن الحكومة الإيرانية كانت تبدي رغبة في التصالح وتهدئة الوضع”.

ورغم مرور فترات من الهدوء في العلاقات بين السعودية ودول الخليج من جهة، وإيران من جهة ثانية، بفضل الجهود الكبيرة التي بذلتها سوريا، رغم ذلك فإن أجواء التوتر بقيت مستمرة والحملات الإعلامية لم تتوقف”.

وحسب وثيقة أخرى، فقد قدم الجانب السعودي يوم 16 يوليو/تموز 1985، إلى الجانب السوري “وثائق (سرية) موقعة من قادة إيران حول مخططاتهم لإرسال عشرين ألف مقاتل في موسم الحج إلى الحرم لإثارة المشاكل في المملكة”.

وحسب تخطيطهم “يريدون إرسال مائة ألف حاج إيراني لمحاربة مليوني مسلم في موسم الحج”. وعلق مسؤول سعودي: “ما مصلحة المسلمين في ذلك؟ هل يقبلون أن تقوم مظاهرات ضدهم في شوارع إيران، حتى يطلبوا منا السماح للحجاج الإيرانيين بالتظاهر أثناء موسم الحج؟ هناك خمسون دولة ترسل حجاجا إلى المملكة، وإذا كنا سنسمح لكل دولة بتنظيم مظاهرات، فإن الأمن يصبح فوضى، وخاصة أن بين الحجاج سياسات كثيرة”. وأرسلت الوثائق إلى الأسد مع طلب بـ”متابعة الموضوع مع الإيرانيين”.

——————————-

(3 من 5)

رسالة سعودية إلى الأسد: تآمر بين القذافي و”أبو نضال” والإيرانيين لضرب منشآت أميركية في السعودية/ إبراهيم حميدي

قوات إيران “تخترق” حدود العراق… والأسد يرتب أول اتصال بين خامنئي والسعودية ويقول للملك فهد: “قواتنا في خدمتكم… وإيران تعرف موقفنا”

آخر تحديث 20 فبراير 2024

بعدما تناولت الحلقة الأولى من “حرب الناقلات” في الخليج خلال الحرب العراقية -الايرانية، وساطة الرئيس السوري حافظ الأسد بين الرياض وطهران، والحلقة الثانية احتدام “حرب الناقلات” ورد فعل الرئيس صدام حسين، تتناول الحلقة الثالثة اختراق إيران للحدود العراقية، ومضمون مداولات وزير الخارجية السعودية الراحل الأمير سعود الفيصل في دمشق، وكذلك فحوى رسالة سعودية نُقلت إلى العاصمة السورية حول تآمر الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي وزعيم “فتح-المجلس الثوري” صبري البنا (أبو نضال) مع ايران لاستهداف منشآت أميركية في السعودية، ورسالة الرئيس الأسد الى الرياض وقوله: “قواتنا في خدمتكم”:

في مطلع 1986، تطور الوضع العسكري لصالح إيران، إذ اشتدت هجماتها ضد القوات العراقية ونجحت في اختراق حدود العراق وازداد عدد العسكريين العراقيين الذين استسلموا لقوات طهران، ما أحدث قلقا لدى الكويت ودول خليجية، وترافق ذلك بتوتر في المياه الإقليمية والدولية وتصاعد الغارات على بواخر النفط.

وفي 10 فبراير/شباط 1986، وجه وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد، رسالة إلى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، هذا نصها:

“لا شك أن معاليكم تابعتم معنا أنباء التصعيد الخطير الذي تشهده الجبهة العراقية- الإيرانية، ذلك التصعيد الذي أفرز حتى الآن التطورات المتسارعة التي نجمت عنها أوضاع أثارت لدينا قلقا شديدا بما يمكن أن يؤدي إليه من اختراق لأراض عربية بالقطر العراقي. في الوقت الذي أشير فيه لمعاليكم بما يمكن أن يمثله ذلك من أخطار حقيقية تهدد قطرا عربيا شقيقا وما يمكن أن ينجم عن مثل ذلك التهديد من تعريض الأمن والسلامة لأمتنا العربية لأخطار محققة، أود أن أسترعي اهتمام معاليكم مما سبق وما أعربت عنه الشقيقة سوريا من مواقف قومية تمثلت بتأكيداتكم على قدسية التراب العربي أينما كان وبمعارضتكم لأي اختراق إيراني لأراضٍ عربية. ويهمني هنا أن أتوجه إلى معاليكم من موقع مسؤوليتنا القومية بالتحرك لبذل جهودكم الحثيثة لوضع حد لهذا التصعيد الخطير”.

وفي 22 فبراير 1986، استقبل خدام وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، الذي كان في بغداد قبل ذلك، وتركز الحديث حول العلاقات السورية- العراقية والحرب بين العراق وإيران، والوساطة لتحسين العلاقة بين دمشق وبغداد، لأنه “يجب التركيز على الخطر الإيراني المباشر على دول الخليج ودول المنطقة كلها، فهناك احتلال إيراني، وأن الهجوم الأخير على البصرة وعزمهم (الإيرانيين) احتلال جزء من العراق وتنصيب أنصار لهم ليقولوا إن هذه الحرب عراقية- عراقية، فهذا أمر خطير في المنطقة، كما أننا في الحرب لا نستطيع المغامرة، فربما ينهار الوضع في لحظة اختراق، ومعالجة الوضع بعد استفحاله مشكلة بحد ذاتها، حتى لو نجح العراق بحشد قواه العسكرية وجاءته قوات عربية فإن الحرب ستؤدي إلى تفاقم الوضع وتتحول إلى حرب عربية- إيرانية وعندئذٍ أول ما يمكن أن تفعله إسرائيل احتلال الأردن والرجوع إلى سيناء وتحتل ما تريد في لبنان وربما تعتدي على سوريا، وهكذا نكون قد دخلنا في جبهتي حرب”. كانت تلك قراءة الأمير سعود الفيصل للنوايا الإيرانية في عام 1986 وهي تشبه تداعيات الأزمة الحالية اليوم.

ثلاث صفحات من وثائق سورية عن لقاء عبد الحليم خدام مع وزير الحرس الثوري الإيراني ولقائه مع الأمير سعود الفيصل، ورسالة وزير الخارجية الكويتي إلى نظيره السوري

وقال الأمير سعود الفيصل للمبعوثين السوريين حينذاك: “إذا كنتم تكرهون صدام فنحن نكرهه أكثر منكم، وأريد أن أؤكد أن سوريا أهم وهي مستقرة في وضعها الداخلي وعلاقاتها الدولية، بعد انتهاء الحرب لن يبقى صدام حسين، نحن نحاول معرفة الحقيقة، هـل نحن واهمون في نظرتنا إلى إيران وأنه من الممكن العمل والاتفاق معهم؟”.

وكان تعليق خدام: “هناك مسألتان: الأولى الموقف من إيران. والثانية العلاقات السورية- العراقية. وكلتاهما تؤثر. لو أننا افترضنا اليوم أن سوريا اتخذت موقفا تصادميا مع إيران، ما الإمكانات التي يمكن إضافتها لمعالجة الوضع والتخوفات من إيران؟ هل سيؤدي إلى وقف الحرب وإنهاء التخوفات الموجودة؟ إذا اتخذنا موقفا ضدهم ماذا سيكون تأثيره العملي على إيران؟ وماذا سيكون تأثيره في إزالة قلق إخواننا في الخليج؟”.

ويجيب خدام: “إن التصادم مع إيران سيؤدي إلى انهيار العلاقات وإلى إغلاق نافذة يمكن استخدامها في وضع الضرر والحد من الأخطار ومعالجة بعض القضايا الضاغطة”.

وحسب الوثيقة، كان التعليق: “بعد هذه السنوات الست من الحرب العراقية- الإيرانية، لم نعد نستطيع أن نتكلم عن نقطة بدايتها، بل عن الوضع الحالي الذي يهدد العلاقات العربية- الإيرانية، والذي يهدد هذه العلاقات أنهم يريدون أن يحتلوا وأن يغيروا الحكومة العراقية ويأتوا بحكومة بديلة لكي تحكم في العراق. فعلينا أن نتخذ موقفا، وإلا سيتحول الأمر إلى حرب فارسية- عربية. أو ربما يكون العكس- إذا انحسروا هم- بأن يحتل العراق أراضي في إيران، ويتعقد الأمر وتكون الدوافع توسعية عربية، فنصبح في وضع نرغب فيه أن نحرر عربستان أو غيرها، وهذا يمكن أن يحصل، وهو ما نرغب في أن نتجنبه، ليس لدينا نحن أبدا أية دوافع، والوسيلة التي نرغب في أن نصل فيها إلى تجنب هذا الصراع الفارسي- العربي، أن نأتي ونقنع إيران بأن تغير وجهة نظرها بحل سلمي يستجيب لمطامحها الذاتية وكبريائها دون أن يمس الأمر وحدة واستقلال العراق. لذلك نعالج الموقف من منظورهم ومنظوركم، أي إما أن يتغير شيء على المستوى العسكري، وهذا ما نرغب في أن نتجنبه، وإما أن يتغير شيء في المعادلة السياسية”.

قلق من احتلال إيران للعراق

وجرى نقاش حول إمكانية تدخل القوات الأجنبية واحتمال تدخل الأميركيين والاتحاد السوفياتي. وسأل الأمير سعود عن الموقف السوفياتي، فأجاب خدام: “السوفيات لا يريدون هزيمة العراق ولا هزيمة إيران، فهم في تقديرهم أنه إذا هزمت إيران سوف ترجع قاعدة أميركية، وإذا انتصرت إيران بما تطرحه من سياسة سوف يشكل لهم هذا الوضع إرباكات سياسية في الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفياتي، لذلك أنا أعتقد أنهم بما يعلنون نضعه جانبا، ولكنهم يرتاحون إلى أن لا يتم انتصار، ولكن إذا كان الثمن استمرار الحرب فإنهم ليسوا بهذا التوجه”.

وأضاف خدام: “السوفيات يمدون صدام ويطعمونه لكي لا يموت، وفي الوقت نفسه يمدون الإيرانيين ولا يعطونهم أسلحة مباشرة، بل تقوم بالمهمة دول اشتراكية”.

تآمر ثلاثي ضد السعودية

في 27 مارس/آذار 1986، سلم رفيق الحريري خدام رسالة سعودية: “هناك معلومات بأن اتفاقا جرى بين القذافي وأبو نضال والإيرانيين لضرب منشآت أميركية في الكويت والسعودية، وطبعا أنتم (سوريا) لا علاقة لكم بأبو نضال، ويمكن أن يقوم بعمليات. ففي السعودية لا توجد منشآت أميركية، هناك منشآت سعودية يعمل بها أميركيون، وأي ضرب لها يعتبر ضربا للسعودية”.

الأمر الثاني في الرسالة، كان يتعلق باتصال الرئيس الإيراني علي خامنئي بخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز. وكان الاتصال لأول مرة، و”كان الكلام جيدا جدا وممتازا ورائعا، ومدح السعودية ومواقف السعودية، وامتدح الملك. والملك فهد يعتبر هذه المبادرة الإيرانية نتيجة جهود السيد الرئيس حافظ الأسد، وهو يشكره على ذلك ويعتبر هذا الموضوع تطورا إيجابيا ويؤكد أن السعودية ليست طرفا في المشكلة الإيرانية- العراقية.. السيد الرئيس قال كذا مرة إننا لا يمكن أن نرضى أن تضرب إيران أي بلد عربي وخاصة دول الخليج، كما أكد الرئيس أن أي اعتداء من إيران على الدول العربية هو اعتداء على سوريا، والملك لا شك لديه علم بهذا الكلام، ومتأكد أن سوريا مع السعودية، إذا تعرضت لأي اعتداء من إيران أو غير إيران، والوضع في المنطقة إذا مست إيران أي بلد يعتبرون أنها تمسهم جميعا، أي لن يجعلوها تأكلهم واحدا بعد الآخر”.

وكان رد خدام للحريري: “موقفنا واضح وقد أكدناه لكم مرارا”.

أجاب الحريري: “هذا الأمر يحتاج إلى تأكيد”. عقب خدام: “سأعرض الأمر على الرئيس”.

يقول خدام في أوراقه إنه بعد عرض اللقاء على الرئيس الأسد، “في نفس اليوم ناقشنا خلفيات طلب التأكيد على الموقف السوري. وطلب الأسد من خدام إبلاغ السعودية الآتي:

“1- سياستنا ثابتة تجاه أي عدوان تتعرض له دول الخليج والمملكة العربية السعودية، وإيران في الصورة ولن تفاجأ بموقفنا. مستعدون لإرسال قوات وبالحجم الذي يريـدون وتوضع هذه القوات بأمرة الملك فهد، وإذا نشبت معركة سنرسل الحجم المناسب للمعركة، ونستبعد تورط إيران لأنهم يعرفون موقفنا، ودائما في الأحاديث مع الإيرانيين كنا نؤكد على العلاقات مع السعودية وهي علاقات مميزة، في زيارة وزير الخارجية الأخيرة إلى طهران، من جملة النقاط التي حمله إياها السيد الرئيس، موضوع علاقاتنا المميزة مع السعودية. أعود فأؤكد أن سوريا ثابتة بهذه السياسة، وأرجو إبلاغ ذلك إلى الملك فهد.

2- أما بالنسبة لجماعة أبو نضال، فسنتحدث معهم وبصورة قوية وواضحة وسنقول لهم إن أي شيء ضد السعودية هو ضدنا، وإذا سمعتم أية أخبار أرسلوها لنا.

3- فيما يتعلق بسياستكم النفطية، (ردا على تعليق إيراني) قال السيد الرئيس، برأينا حصة السعودية يجب أن لا تترك ولا برميل، ونحن نؤيد سياسة السعودية تجاه موضوع الأسعار، ونرى أن الحفاظ على حصتها في الإنتاج فيه مصلحة للجميع”.

—————————–

(4 من 5)

غضب سعودي من قصف إيران للناقلات… والأسد يعتبره مخالفا لالتزامات خامنئي بـ “عدم توسيع الحرب”/ إبراهيم حميدي

سوريا تتحرك لوقف اتساع الحرب وتقترح هدنة لستة أشهر ووقف قصف الناقلات

آخر تحديث 21 فبراير 2024

بعدما تناولت الحلقة الأولى من “حرب الناقلات” في الخليج خلال الحرب العراقية -الايرانية، وساطة الرئيس السوري حافظ الأسد بين الرياض وطهران، والحلقة الثانية احتدام “حرب الناقلات” ورد فعل الرئيس صدام حسين، تتناول الحلقة الثالثة اختراق إيران للحدود العراقية، ومضمون مداولات وزير الخارجية السعودية الراحل الأمير سعود الفيصل في دمشق، وكذلك فحوى رسالة سعودية نُقلت إلى العاصمة السورية حول تآمر الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي وزعيم “فتح-المجلس الثوري” صبري البنا (أبو نضال) مع ايران لاستهداف منشآت أميركية في السعودية، ورسالة الرئيس الأسد الى الرياض وقوله: “قواتنا في خدمتكم”.

أما الحلقة الرابعة، فتتناول غضب السعودية من قصف إيران لناقلاتها وتلويحها بالرد، واقتراح دمشق هدنة لستة أشهر لمنع اتساع الحرب، فماذا قال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز؟ وماذا أبلغ الرئيس الأسد “المرشد” الايراني علي خامنئي؟ وكيف ردّ الأخير؟

في السابع من أبريل/نيسان 1986، وصل رفيق الحريري ثانية إلى دمشق والتقى نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام، وقال: “طلب إلي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد التوجه إلى دمشق واللقاء بك وعرض موضوع ضرب سفينة سعودية منذ أيام من قبل الطيران الإيراني، وأن جلالة الملك يتساءل: ماذا يريد الإيرانيون؟ هل يريدون حربا ضد السعودية؟ هل يريدون جلب الأميركيين ووجودا أميركيا وتدخلا أميركيا؟ السعودية لا تريد حربا مع إيران، ولا تريد تدخلا أميركيا ولا غير أميركي، لماذا يفعلون ذلك؟ وذلك يتعارض مع قولهم لسوريا إنهم ضد توسيع حرب الخليج، ومع تحسين العلاقات مع دوله، لاسيما مع السعودية، علما أن الباخرة مملوكة لسعوديين وترفع العلم السعودي”.

بعدما سمع خدام الرسالة، عرضها على الرئيس حافظ الأسد، الذي أبلغ نائبه بالرسالة الآتية: “بالنسبة لموضوع ضرب السفينة السعودية، فقد أزعجنا الحادث وأقلقنا ونشارك السعودية قلقها، وهذا الأمر لا يتفق مع ما قاله لنا الإيرانيون، سنوجه رسالة إلى طهران نبدي فيها وجهة نظرنا ونسألها عن أسباب مثل هذه العملية التي تناقض الالتزام لنا بعدم توسيع رقعة الحرب وبالرغبة في تطوير وتحسين العلاقات مع دول الخليج وخاصة السـعودية”.

وفي 4 مايو 1986، نقلت رسالة أخرى من السعودية للأسد تضمنت التعبير عن “الشعور بقلق كبير إزاء استمرار إيران في تعرضها لسفن سعودية رغم إعلان إيران عن عدم رغبتها في توسيع حرب الخليج ورغم تعهدها بذلك لسوريا”، قائلا إن الرياض لا تريد “الاصطدام مع إيران أو توسيع رقعة الحرب، إلا أنها أيضا لا تستطيع الصبر على استمرار الاعتداءات على البواخر السعودية، لذلك فإنه مضطر لإعطاء أوامر للطيران السعودي بقصف طهران فيما إذا وقع اعتداء جديد”.

وتضمنت الرسالة مع التهديد صراحة بضرب طهران، طلبا من الأسد بأن يحسم أمره ويعلن أنه سيقف مع السعودية. وجاء فيها: “يساعد في إيجاد حل لهذا الموضوع، وفي حال استمرار إيران في اعتداءاتها على البواخر السعودية يتمنى أن تتخذ سوريا موقفا واضحا من ذلك، (أن تقف مع السعودية ضد إيران) سيما وأن السيد الرئيس سبق وأن أبلغ الملك مرارا أن سوريا ضد توسيع الحرب وضد أي اعتداء على السعودية وعلى بلدان الخليج”.

كرر خدام مواقف سوريا السابقة من أن سوريا ضد توسيع الحرب وضد أي اعتداء يقع على أي بلد خليجي، كما أبلغه بأنه “سبق أن وجهنا رسالة إلى القيادة الإيرانية، وكان هذا الموضوع من المواضيع التي بحثها وزير الخارجية السوري في طهران خلال مروره فيها إلى دلهي لحضور مؤتمر عدم الانحياز”.

————————————

(5 من 5)

رسالة من خامنئي إلى الأسد عام 1986: صدام سيسقط… ومشكلتنا مع الخليج ستحل/ إبراهيم حميدي

استمرار التوتر بين إيران والسعودية… والأسد يواصل وساطة اللحظة الأخيرة لـ “اطفاء الحرائق”

آخر تحديث 22 فبراير 2024

في الحلقة الخامسة و الأخيرة من “حرب الناقلات” في الخليج في ثمانينات القرن الماضي، تنشر “المجلة” وثائق سرية سورية عن المرحلة الأخيرة من هذه الحرب.

كانت “حرب الناقلات” بدأت في خضم الحرب العراقية –الايرانية، اذ انه في نوفمبر /تشرين الثاني 1982، بدأت القوارب العراقية، باستهداف المصالح الايرانية، الامر الذي ردت عليه طهران بقصف مصالح عراقية وخليجية. حاول الرئيس السوري حافظ الأسد التوسط بين الطرفين، مستفيدا من علاقته مع ايران.

وتسببت الهجمات البحرية الإيرانية في الانخراط العسكري الأميركي لأول مرة بشكل مكثف في الخليج وأدى إلى مواجهات أميركية مباشرة مع القوات الإيرانية، بما في ذلك عملية في 1988، وكانت أكبر عملية بحرية سطحية منذ الحرب العالمية الثانية وقامت المقاتلات الاميركية بتدمير منصات النفط الإيرانية.

في يوليو/تموز 1988، أطلق بحارة أميركيون من سفينة “يو إس إس فينسنس” الحربية النار على طائرة إيرانية مدنية، ما أسفر عن مقتل 300 مدني. وبعد شهر ، في أغسطس/آب، قبلت إيران وقف إطلاق النار في الحرب الدامية

في الحلقة الخامس والأخيرة الرياض تبلغ دمشق أن طهران تخطت الخطوط الحمراء، بينما أحرج استمرار قصف الناقلات السعودية الرئيس الأسد الذي واصل وساطته وقال: “حينما يتعلق الأمر بالسعودية فسوريا ليست على الحياد”… ماذا قال “المرشد” علي خامنئي لنائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام؟

رغم جهود الأسد بين السعودية وإيران، فقد استمر التوتر واستمرت الوساطة لاحتوائه، وكثرت في تلك المرحلة الرسائل بين الرياض ودمشق التي اطّلعت عليها “المجلة”.

في 12 أغسطس/آب 1986، أبلغ رفيق الحريري الوزير خدام النقاط التالية:

“أ- فيما يتعلق بجزيرة سرى، فإن المملكة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بهذا الموضوع، ولا يمكن للمملكة أن تقوم بعمل كهذا على الإطلاق، وبالتالي فإن كلام الإيرانيين عن أن المملكة ساعدت العراق لضرب جزيرة سرى غير صحيح، ولا يستند إلى أية حقيقة، والمنطق يرفضه. ولو كانت المملكة تساعد العراق بالشكل الذي يقوله الإيرانيون لتغيرت أمور كثيرة في الحرب.

ب- أما فيما يتعلق بالأنبوب النفطي العراقي المار بالأراضي السعودية، فهذا غير قابل للنقاش، وقد مضت عليه عدة سنوات وإثارته الآن هي من قبيل التشويش لا أكثر، فالمساعدات المالية للعراق قد توقفت منذ زمن بعيد ونحن ندعو دائما لوقف هذه الحرب التي تدمر البلدين الإسلاميين.

ج- أما فيما يتعلق بموضوع الحقائب والمتفجرات، فهذا أمر واضح، وقد كشفها رجال الجمارك السعوديون، والتحقيق ما زال مستمرا مع هؤلاء الأشخاص الذين أتوا بها ونحن لا ندري من الذي دسها، ولكن إذا كانت إيران فعلا لا علاقة لها بالحقائب التي جاءت مع الحجاج الإيرانيين القادمين من أصفهان، إلى جدة، فكيف نفسر ضرب إيران السفن الخليجية قبل عملية جزيرة سرى وبعدها، فهذا أمر المنطق يرفضه. أما قول الإيرانيين إن عملية الحقائب مختلقة، فهذا أيضا أمر لا يقبله عاقل، وليس من عادة المملكة أن ترتب هكذا أخبار، علما أن الذي كشف الحقائب هي الجمارك السعودية وقد ظنوها لأول وهلة نوعا من الجبنة ولكن تبين للخبراء أنها متفجرات”.

كما تناولت أمور الحج وسلوك حجاج إيرانيين ومسائل أخرى، منها: “بين السعودية وإيران خطوط حمراء متفق عليها من أيام الشاه والخميني، وخرائطها موقعة من الجانبين السعودي والإيراني، ومع ذلك تخطت إيران الخطوط الحمراء السعودية وضربت بواخر آتية أو خارجة من عندنا مستعملة جزيرة أبو موسى وهي جزيرة عربية”.

المجلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى