مقالات تناولت أزمة “اللاجئين السوريين” بين العودة الى الوطن أو البقاء في المنافي

الهجرة العكسية… سوريون ما زالوا يبحثون عن وطن/ قصي جهاد زهر الدين
10 مارس 2026
بعد أكثر من عام على التحرير وسقوط نظام بشار الأسد، كان السوريون يظنون أن صفحة جديدة قد فُتحت في كتاب البلاد، وأن قطار العودة سيغصّ بالعائدين من المنافي. يحملون حقائبهم القديمة وذكرياتهم الثقيلة ويهبطون في المطارات والمعابر بقلوب تخفق كما لو أنها تعود من موتٍ طويلٍ إلى حياةٍ مؤجلة. كان المشهد المتوقع أن تمتلئ القرى بأصوات أبنائها، وأن تُضاء النوافذ التي أُغلقت قسراً، وأن تستعيد المدن ملامحها التي بهتها الخوف والغياب. غير أن ما جرى بدا معاكساً للتوقعات؛ فبدل أن تتكاثر أعداد العائدين، أخذت موجة هجرة جديدة تتشكل، موجة معاكسة تخرج من “سورية الجديدة” نحو أوروبا، بدوافع لجوء إنساني هذه المرة، كأن السوري محكومٌ بالارتحال حتى وهو يقف على أرضه.
هذا التحوّل الصادم لا يمكن فهمه بوصفه نزوة جماعية أو مبالغة إعلامية، بل هو نتيجة شبكة معقدة من الأسباب التي تراكمت فوق جراح لم تندمل بعد، وجعلت فكرة العودة محفوفة بالقلق أكثر مما هي محاطة بالأمل. أول هذه الأسباب هو الواقع الأمني المرتبك الذي أعقب سقوط القبضة الحديدية؛ فالدولة التي وُلدت من رحم الفوضى لم تستطع بعد أن تبسط سيادتها الكاملة، وتحوّلت بعض المناطق إلى ساحات نفوذ متنازعة، تتناوب عليها مجموعات مسلحة، وتتداخل فيها الولاءات المحلية مع الحسابات الإقليمية. في هذا المناخ، أصبحت حوادث الخطف والقتل الثأري شبه يومية، لا تميّز بين مذنب وبريء، ولا بين من بقي ومن عاد. وحين يشعر الإنسان أن حياته يمكن أن تُختطف في لحظة، وأن العدالة ما تزال فكرةً نظريةً أكثر منها ممارسة فعلية، يعيد التفكير في معنى الاستقرار، ولو كان بعيداً عن أرضه. ليس الخوف شعوراً عابراً في مجتمع خرج لتوّه من حرب طويلة؛ إنه ذاكرة تسكن الأجساد، وأي صوت مرتفع أو حادثة غامضة قادرة على إيقاظه من سباته. لذلك، لم يكن غريباً أن يكون جزء كبير من المهاجرين الجدد من الأقليات التي عاشت تجارب قاسية خلال عام ونيف من الحكم المؤقت، منها من تعرض لمجازر أو حملات انتقام في مناطق مثل الساحل والسويداء، حيث اختلط السياسي بالطائفي، وتداخلت مطالب العدالة مع رغبات الثأر.
حين يشعر أبناء هذه المكونات أنهم مستهدفون أو مكشوفون بلا حماية كافية، يبحثون عن ملاذ آمن، حتى لو كان ذلك يعني عبور البحار من جديد. ولا يقتصر الأمر على الأمن بمعناه الضيق؛ فالأمن الاقتصادي والاجتماعي لا يقل أهمية. بلد أنهكته الحرب يحتاج إلى سنوات طويلة ليعيد بناء بناه التحتية ومؤسّساته، وإلى موارد هائلة ليخلق فرص عمل تحفظ كرامة الناس. اصطدم عائدون بواقع البطالة وغلاء المعيشة وغياب الخدمات الأساسية، فاكتشفوا أن الحنين وحده لا يطعم خبزاً، وأن الوطن، كي يكون قابلاً للعيش، يحتاج إلى أكثر من الشعارات. المدارس التي دُمّرت أو تدهورت، المستشفيات التي تعاني نقصاً في الكوادر والتجهيزات، الكهرباء المتقطعة، والمياه الشحيحة، كلها تفاصيل يومية تتحول إلى عوامل ضغط تدفع الإنسان إلى التفكير في مستقبل أطفاله خارج الحدود. فوق ذلك، هناك أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة، وهي أزمة لا تُحل بإعلان سياسي أو تغيير أسماء الشوارع. سنوات القمع والخوف زرعت شكاً متبادلاً؛ المواطن يخشى أن تتبدل الوجوه وتبقى الذهنيات، والدولة تخشى من فوضى المطالب وتعدد الأصوات. بناء الثقة يحتاج إلى عدالة انتقالية شفافة، تعترف بالضحايا، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتفتح المجال لمصالحة سورية حقيقية لا تقوم على النسيان القسري بل على الاعتراف والإنصاف. من دون هذا المسار، تبقى الجراح مفتوحة، ويظل كل حادث أمني صغير قابلاً للتحوّل إلى فتيل أزمةٍ كبيرة. كما أن الخطاب العام يلعب دوراً حاسماً؛ فحين يسود خطاب إقصائي أو انتقامي، حتى لو صدر عن أفرادٍ لا يمثلون الدولة رسمياً، يرسل إشارات سلبية إلى الفئات الهشة، ويعزز شعورها بأنها غير مرحب بها في “الوطن الجديد”.
في المقابل، يحتاج السوريون خطاباً جامعاً يؤكّد أن المواطنة هي الأساس، وأن التنوّع ليس عبئاً بل ثروة، وأن لا أحد يُسأل عن هويته بقدر ما يُسأل عن التزامه بالقانون. ولعل أحد أهم أسباب الهجرة العكسية الفجوة بين التوقعات والواقع؛ فقد رُسمت صورة وردية عن مرحلة ما بعد التحرير، صورة توحي بأن سقوط النظام سيعني تلقائياً ولادة دولةٍ عادلةٍ مزدهرة. لكن الانتقال من الاستبداد إلى الاستقرار ليس قفزة سحرية، بل مسار شاق مليء بالتعثرات. حين يكتشف الناس أن الطريق أطول مما ظنّوا، وأن التضحيات لم تثمر بعد نتائج ملموسة، يتسلّل إليهم الإحباط، ويبحث بعضُهم عن خلاصٍ فرديٍّ بدل انتظار خلاص جماعي قد يتأخر.
مع ذلك، لا ينبغي أن يُختزل سؤال العودة في معادلة الخوف مقابل الأمان فحسب؛ إنه سؤال يتعلق بالمعنى والكرامة والانتماء. كي يطمئن السوري ويعود، يحتاج إلى شعور بأن حياته مصونة بالقانون، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وأن أي اعتداء عليه سيُقابل بإجراءات عادلة وسريعة. يحتاج إلى مؤسّسات أمنية مهنية خاضعة للرقابة، لا مليشيات متنازعة. يحتاج إلى قضاء مستقل لا يخضع للضغوط، وإلى إعلام حر يكشف الخلل بدل أن يبرره. يحتاج أيضاً إلى فرص اقتصادية حقيقية، ومشاريع إعادة إعمار شفافة تتيح للمغتربين الاستثمار والمشاركة، لا أن تُدار في غرف مغلقة. لا يُبنى الأمان بالسلاح وحده، بل بالعدالة والوظيفة والمدرسة والمستشفى. كما أن على المجتمع نفسه دوراً لا يقل أهمية؛ فالتعايش لا يُفرض بمرسوم، بل يُصنع في الحياة اليومية، في الحي والجامعة ومكان العمل. حين يرى المواطن أن جاره المختلف عنه في الدين أو العرق شريكٌ في الحلم ذاته، وأن الخلاف السياسي لا يتحول إلى عداوة وجودية، يبدأ الإحساس بالوطن في الترسخ. الوطن الحقيقي ليس مجرد جغرافيا تُستعاد، بل عقد أخلاقي بين الناس، يضمن لكل فرد حقه في أن يكون نفسه بلا خوف. ربما تمر سورية بمرحلة مخاض طويلة، وربما تتعثر خطواتها أكثر من مرّة، لكن الهجرة العكسية ليست قدراً محتوماً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المجتمعية لبناء دولة قانون. عندها فقط يمكن أن تتحول العودة من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى خيار طبيعي، وأن يشعر السوري، أياً كان انتماؤه، أن له مكاناً آمناً في بلده، وأن الوطن ليس ساحة صراع بل مساحة حياة، يؤمن بالإنسان قبل أي شيء، ويضع الحرية في قلب تعريفه لذاته. حين يتحقق ذلك، لن تكون العودة واجباً وطنياً يُملى على الناس، بل رغبة صادقة تنبع من الطمأنينة، ويصبح السفر استثناء لا قاعدة، ويستعيد السوريون حقهم البسيط في أن يعيشوا حيث يحبون، لا حيث يضطرّون.
العربي الجديد
———————————————–
في ظلّ قانون الهجرة الأوروبي الجديد: هل سوريا “بلد آمن”؟/ هادي عبد الحي
16.03.2026
في ظلّ صعود اليمين في أوروبا، ومع تصاعد التوتّرات السياسية العالمية وتزايد الحروب والنزاعات في دول الجنوب، يأتي الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء مصحوباً بسياسات أكثر صرامة وغير مسبوقة، تحت شعار إصلاح نظام الهجرة واللجوء الأوروبي المشترك.
“يوم أسود لحقوق الإنسان في الاتّحاد الأوروبي”، هكذا وصفت منظّمة العفو الدولية يوم 10 شباط/ فبراير الماضي، الذي أصدر فيه البرلمان الأوروبي قائمة البلدان الآمنة، موافقاً على تشريع جديد يسمح بترحيل المهاجرين إلى بلدان ثالثة “آمنة” محدّدة خارج دول الاتّحاد.
يأتي هذا التشريع في إطار الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، الذي اقترحته المفوضيّة الأوروبية في 23 أيلول/ سبتمبر 2020. وهو عبارة عن مجموعة من القواعد الجديدة للاتّحاد الأوروبي المتعلّقة بالهجرة، التي من المقرّر أن تدخل حيّز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2026.
ومن المفروض أن هذا الميثاق يهدف إلى إصلاح شامل لإدارة الحدود واللجوء، وتقاسم المسؤولية داخل الاتّحاد الأوروبي، بعد أن أثبت نظام دبلن الثالث المُوقّع في عام 2013، عجزه عن تنظيم تدفّق طالبي اللجوء إلى الاتّحاد الأوروبي، ومشاركة المسؤولية بين أعضائه بعد ما يسمّى بـ”أزمة اللجوء” في عام 2015، التي وصل فيها أكثر من نصف مليون سوري إلى الشواطئ الأوروبية.
بوّابات أوروبا
رسم المهاجرون السوريون ملامح أحد أكثر طرق اللجوء خطورة طوال أربعة عشر عاماً، وهو طريق شرق المتوسّط الذي يعبره المهاجرون من وسط وجنوب غرب آسيا، مروراً بتركيا للوصول إلى اليونان، ونتيجة الطبيعة الجغرافية، فإن اليونان وإيطاليا وإسبانيا تعدّ بوّابات أوروبا الثلاثة لطالبي اللجوء، حيث يضطرّ العابرون لاجتياز المتوسّط بقوارب مطاطية برحلة أقلّ ما يمكن القول عنها إنها مميتة.
منذ العام 2014، قدّر “مشروع المهاجرين المفقودين” التابع للمنظّمة الدولية للهجرة IOM، أن 81,540 شخصاً فقدوا حياتهم أثناء الهجرة، ومن بين هؤلاء، لم يتمّ العثور على رفات 33,174 شخصاً. وحسب الإحصاءات الأخيرة للمنظّمة، فقد وصل 6361 شخصاً عبر البحر إلى الاتّحاد الأوروبي منذ بداية العام 2026. وبطرح آخر، شهدت الأسابيع الستّة الأولى من العام 2026 بداية أكثر الأعوام دموية في البحر الأبيض المتوسّط، منذ أن بدأت المنظّمة الدولية للهجرة بجمع البيانات في العام 2014.
لكن، يجدر الذكر أنه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 وحده، تلقّت دول الاتّحاد الأوروبي 68,000 طلب لجوء – بانخفاض قدره 19٪ عن الشهر نفسه من العام السابق. وتُعزى هذه النسبة لعدّة أسباب، منها وللمرّة الأولى منذ سنوات، أن السوريين لم يعودوا الجنسية الأولى بين طالبي اللجوء، وذلك إثر سقوط نظام الأسد في نهاية العام 2024.
ومن ضمن عوامل أخرى، فإن صعود اليمين في أوروبا ووصول اليمين المتطرّف مؤخّراً إلى السلطة في عدّة دول أوروبية مثل اليونان وإيطاليا، زاد الضغوطات الداخلية في الاتّحاد الأوروبي، وأصبح موضوع اللجوء أساساً في الحملات الانتخابية، بالأخص مع زيادة الحروب والصراعات في السنوات الأخيرة، التي قد تنذر بموجة لجوء مشابهة لموجة العام 2015.
كما أن الحرب الروسية الأوكرانية وتدفّق أكثر من أربعة ملايين لاجئ أوكراني إلى الاتّحاد الأوروبي، أظهر قدرة الاتّحاد على مواجهة ما سُمّي سابقاً في 2015 “أزمة” لجوء، حيث كانت الاستجابة السريعة باتّفاق وزراء الاتّحاد الأوروبي على تفعيل توجيه الحماية المؤقّتة للمرّة الأولى، مما يمنح اللاجئين الأوكرانيين وضع الحماية الفورية وحرّية التنقّل في كلّ دول الاتّحاد، وذلك كان مؤشّراً على أن “أزمة” العام 2015، جاءت نتيجة التقاعس وعدم الرغبة في استقبال طالبي اللجوء؛ باستثناء ألمانيا، أكثر مما هي عدم القدرة على الوفاء بالواجبات.
“الميثاق الجديد”: تقاسم عادل للمسؤولية الأوروبية؟
يأتي الميثاق الجديد بغرض إعادة تأهيل نظام الهجرة واللجوء الأوروبي المشترك وإصلاحه، وهو يستند إلى أربعة أركان أساسية: تأمين الحدود الخارجية، وإجراءات سريعة وفعّالة، ودمج الهجرة في شراكات دولية ونظام تضامن ومسؤولية فعّال.
إطار العمل والإجراءات التي سيتمّ أخذها لتطبيق هذا الميثاق، تبدأ بعمليّة الفحص (Screening)، وهي وبشكل مختصر، تعني خضوع الواصلين إلى الأراضي الأوروبية بشكل غير قانوني لفحوصات الهويّة، والتدقيق الأمني، والصحّة والضعف (قابلية التأثّر)، لتوجيههم نحو الإجراء المناسب (إجراءات الحدود، إجراءات اللجوء العادية أو إجراءات العودة).
وهذه العمليّة يجب أن تتمّ خلال 7 أيّام كحدّ أقصى، يبقى خلالها اللاجئون في المراكز الحدودية، وسيتمّ تخزين بيانات الوافدين الناتجة عن الفحص، بما في ذلك بصمات الأصابع وصور الوجوه من سنّ السادسة فصاعداً، في قاعدة بيانات “يوروداك” المُعدّلة.
بعد الفحص، إذا تقدّم شخص بطلب لجوء، يجب فحص طلبه بموجب إجراء الحدود، وهو نوع من إجراءات اللجوء المعجّلة يُطبق إذا كان مقدّم الطلب مواطناً من بلدان ذات معدّلات اعتراف منخفضة بالحماية الدولية، أو إذا كان يُضلّل السلطات بمعلومات مغلوطة، أو يشكّل تهديداً للأمن القومي.
بالنسبة إلى الآخرين، سيتمّ تطبيق إجراءات اللجوء العادية أو المستعجلة المؤطّرة زمنياً بين ثلاث إلى ستّة شهور. في حال رُفض طلب اللجوء في إجراءات الحدود، يُحال مواطن الدولة الثالثة إلى إجراءات العودة الحدودية، وقد تستغرق هذه الإجراءات مدّة أقصاها 12 أسبوعاً، بهدف تسريع عودة من لا يحقّ لهم البقاء في الاتّحاد الأوروبي.
و كمحاولة لتدعيم التضامن، سيحلّ نظام إدارة الهجرة واللجوء (AMMR) محلّ نظام دبلن الثالث، وهو يهدف إلى إدخال “تقاسم عادل للمسؤولية بين الدول الأعضاء”، حيث تمّ طرح مصطلح “الدول الأعضاء التي تواجه ضغوطاً بسبب الهجرة”، أي يمكن للدول الأعضاء التي تواجه هكذا ضغوط أن تتلقّى الدعم في شكل عمليّات نقل الوافدين إلى دول أخرى، أو مساهمات مالية أو تدابير تضامن بديلة (مثل الموظّفين والدعم العيني).
هل سوريا “بلد آمن”؟
وبالرغم من الشكل العامّ الذي قد يُظهر مثالية في هذا الميثاق، تُظهر السياسات والخطوات المتّبعة من قِبل الدول الأعضاء أن الهدف من هذا الميثاق يميل إلى تأمين الحدود، لا بل تصدير الإشكالية والتحدّي عبر تدعيم وتوسيع استخدام مفاهيم كمفهوم “الدولة الثالثة الآمنة”، أو “بلد الأصل الآمن”، لتسريع رفض بعض الطلبات والترحيل. فمفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” يعني أن هناك بلداً من خارج الاتّحاد الأوروبي يمكنه منح الحماية الدولية لطالب اللجوء. وعليه، يتيح هذا المفهوم للدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي رفض طلب اللجوء، باعتباره غير مقبول (أي دون النظر في مضمونه)، عندما يكون بإمكان طالبي اللجوء التقدّم بطلب للحصول على الحماية الدولية في بلد غير عضو في الاتّحاد الأوروبي، يعتبر آمناً لهم.
وستتمكّن الدول الأعضاء من تطبيق مفهوم البلد الثالث الآمن على أساس الخيارات الثلاثة التالية: وجود “صلة” بين طالب اللجوء والبلد الثالث. أن يكون مقدّم الطلب قد عبر البلد الثالث قبل وصوله إلى الاتّحاد الأوروبي. أو وجود اتّفاق أو ترتيب مع بلد ثالث آمن يضمن أن طلب اللجوء الخاصّ والوافد سيتمّ فحصه في ذلك البلد.
في حين أن مفهوم “بلد الأصل الآمن” يُستخدم للإشارة إلى البلدان التي لا ينبغي؛ من الناحية النظرية، منح مواطنيها الحماية الدولية، لأن تلك البلدان تعتبر آمنة على نطاق واسع، كما يمكن، في حالات خاصّة، دحض هذا الافتراض (أن البلد آمناً) وذلك يعتمد على قصّة الوافد وقدرته على إثباتها.
ولكنّ السؤال الذي يطرحه السوريون: هل سوريا بلد آمن؟ في حين قد تطرحه الحكومة السورية المؤقّتة بصياغة مختلفة: هل من مصلحة الحكومة المؤقّتة أن تكون سوريا على قائمة الدول الآمنة؟ في الواقع، كتطبيق عملي لهكذا مفاهيم في إطار التجهيز لبدء العمل بالميثاق الجديد في الشهر السادس من العام الجاري، وغالبية 408 أصوات مؤيّدة، أقرّ البرلمان تعديل قائمة الاتّحاد الأوروبي للبلدان الآمنة، فأضاف إليها كلاً من: بنغلاديش، كولومبيا، مصر، كوسوفو، الهند، المغرب وتونس.
بالإضافة إلى البلدان المرشّحة لعضوية الاتّحاد الأوروبي، ورغم عودة أكثر من 1,354,000 لاجئ ونازح سوري، وتجميد طلبات اللجوء للسوريين في كلّ دول الاتّحاد الأوروبي منذ السقوط، لم تكن سوريا على تلك القائمة.
رغم سعي الحكومة الانتقالية في سوريا من جهة، ومن جهة أخرى دعم حكومات أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، لتصدير سوريا على أنها بلد آمن، عدم وجود سوريا على قائمة البلدان الآمنة خسارة سياسية يُحبّذ عند الحكومة الانتقالية الإصابة بها أمام المكسب الإداري واللوجستي لهكذا قرار. فالغياب عن تلك القائمة هو سيف ذو حدّين، أحد حدّيه يفرض تحدّياً سياسياً، فإن الانتهاكات الجسيمة في شمال وجنوب سوريا جعلت تلك الجهود تذهب سدى. لا بل في 3 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، نشرت وكالة الاتّحاد الأوروبي للجوء (EUAA) تحديثاً لتقييمها بشأن سوريا، حدّدت فيه فئات الأشخاص الذين لا يزالون معرّضين للخطر والمؤهّلين للحصول على صفة لاجئ، اعتماداً على تقييم وضعهم الفردي.
تشمل هذه الفئات: مجتمع المثليين الجنسيين، المرتبطون بالحكومة السورية السابقة، أعضاء الجماعات العرقية والدينية مثل العلويين والمسيحيين والكُرد والدروز، العاملون في مجال الإعلام، النساء والفتيات والأطفال وغيرهم.
في حين يضمن الحدّ الآخر تحقيق استقرار إداري ولوجستي للحكومة الانتقالية، فإن سوريا في الوقت الراهن غير مُهيّئة لعودة اللاجئين واستقبالهم، بسبب نقص في البنية التحتية وإعادة الإعمار. وعودتهم ستسبّب عبئاً ثقيلاً على كاهلها، وجاء ذلك على لسان كبار المسؤولين السوريين.
ولكنّ سياسات ألمانيا؛ محفل السوريين في أوروبا، واضحة، فهي قامت بترحيل عدد من الأفراد، كما أن المتحدّث باسم الكتلة البرلمانية لحزب “الاتّحاد الديمقراطي المسيحي”، أكّد أن “حقوق البقاء لا تُحدّد بناءً على طلبات دمشق”.
ولكن إذا كانت سوريا غير آمنة، فهل هذا يعني أن السوريين من الفئة الذين تنطبق عليهم معايير الحماية الدولية سوف يصلون إلى أوروبا كالسابق؟ وماذا سيحدث لمن لا تنطبق عليهم تلك المعايير هل سيتمّ ترحيلهم؟ في الواقع نظراً لتبنّي بعض الدول سياسات ومحاولة عقد اتّفاقيات مع ما يسمّى “الدولة الثالثة الآمنة”، بهدف نقل طالبي اللجوء أو المرحّلين إليها، كالنموذج الرواندي الذي حاولت بريطانيا تبنّيه، قامت إيطاليا بعقد اتّفاقية مع ألبانيا، في حين قامت هولندا بعقد اتّفاقية مع أوغندا للهدف ذاته، وهو إنشاء ما يسمّى بـ “مراكز الإرجاع” (Return Hubs) مما يضع كلّ طالبي اللجوء ومن بينهم السوريون تحت خطر النقل الإجباري إلى “الدول الثالثة الآمنة”، وفي الحالة السورية من الممكن أن تكون مصر وتركيا.
اعتمدت لجنة الحرّيات المدنية في الاتّحاد الأوروبي في التاسع من الشهر الجاري، موقفها المؤيّد للتعديلات المقترحة على سياسة الاتّحاد الأوروبي بشأن لائحة العودة – الترحيل (Return/Deportation regulation). فتمّ تأكيد العمل بمفهوم “الدولة الثالثة الآمنة”، حيث سيتمّ اختيار بلد العودة بحسب حالة العائد، مع مراعاة بلد الأصل، والبلد الذي عبره الشخص في طريقه إلى الاتّحاد الأوروبي، وما إذا كان هناك بلد ثالث آمن. كما ستسمح هذه اللائحة بإمكانية العودة إلى بلد يوافق على قبول الشخص، بناءً على اتّفاق مبرم مع دولة عضو في الاتّحاد الأوروبي أو مع الاتّحاد الأوروبي. كما يجوز احتجاز مواطني الدول الثالثة، ومن بينهم القُصّر غير المصحوبين بذويهم، والأسر التي لديها أطفال (كإجراء أخير ولأقصر مدّة ممكنة). في حين يُمكن للدول الأعضاء توفير بدائل للاحتجاز، فقد تصل مدّة الاحتجاز إلى 24 شهراً. وإذا لم يمتثل المعنيّ لقرار العودة، فسيتمّ إصدار حظر دخول إلى الاتّحاد الأوروبي بحقّه.
3 آلاف ضابط مسلّح!
ومع صعود اليمين المتطرّف في أوروبا، وتأثّر بعض قادته بالنموذج الأميركي الذي تتبنّاه إدارة دونالد ترامب، تأتي رسالة من المفوضية إلى البرلمان الأوروبي والمجلس في بداية العام الحالي، تدعو إلى مراجعة لائحة Frontex المقرّرة للعام 2026، وبحث كيفية تعزيز دور الوكالة وقوّاتها الدائمة في مجال حماية الحدود، ممّا سيسمح لها بتوسيع وجودها وتعزيز دعمها العملياتي للدول الأعضاء والدول الثالثة. وعليه، بحلول العام 2027، من المقرّر أن تنشئ وكالة الحدود الأوروبية/ فرونتكس “قوّة دائمة” قوامها 10 آلاف ضابط، سيكون 3 آلاف منهم مسلّحين، كما تعمل “فرونتكس” حالياً على إنشاء مركز تدريب خاصّ بها في وارسو.
مع اقتراب تاريخ بدء العمل بالقرار، تتعالى أصوات العاملين في حقوق الإنسان، لتسليط الضوء على مخاوف من عدم احترام حقوق اللجوء والإنسان الأوروبية والعالمية خلال تطبيق إجراءات الحدود. فعلى سبيل المثال، يرى ناشطون أن تسريع الإجراءات؛ وإن كان هو المطلوب، فإنه قد يتعارض مع الحاجة إلى دراسة طلبات اللجوء بعناية وأخذ الوقت الكافي لإطلاق الحكم العادل على الملفّ، أو ما إذا كان صاحبه من الفئات القابلة للتأثّر، كما أن إجراءات الحدود قد تفتح الباب أمام احتجاز غير قانوني لطالبي اللجوء، وهذه ممارسات طالما تمّ تسليط الضوء عليها في بلدان الوصول الأوروبية كاليونان.
أما إجراءات الفحص Screening الخاصّة بمواطني الدول الثالثة الواصلين إلى الاتّحاد الأوروبي، فهو نظام لا يُعتبر بموجبه الأفراد قد دخلوا أراضي الاتّحاد الأوروبي، وذلك باستخدام الافتراض القانوني المتمثّل في “عدم الدخول”، ويتمّ احتجازهم فعلياً في مراكز مغلقة وخاضعة للرقابة، ومن الممكن أن تشرف عليها وكالات مثل “فرونتكس”، حيث يخضعون لإجراءات الفحص (Screening)، وبحكم أن هذه المراكز تقع في مناطق حدودية، فإن هذا من الممكن أن يؤثّر على حقّ الأشخاص في الحصول على الدعم القانوني المنصوص عليه في الميثاق الجديد، نتيجة البعد والعزل الجغرافي وتسريع الإجراءات.
هذه الظروف مجتمعة، بالإضافة إلى مبادئ “الدولة الثالثة الآمنة”، وإنشاء “مراكز الإرجاع”، تفتح الباب على الإعادة أو الترحيل القسري لحاملي الجنسيات من بلدان تعتبر آمنة للدول الأعضاء، وهو ما يتعارض أساساً مع اتّفاقية 1951 الخاصّة بأوضاع اللاجئين، ولا سيّما المادّة 33 التي تقرّر مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non‑Refoulement).
في ظلّ صعود اليمين في أوروبا، ومع تصاعد التوتّرات السياسية العالمية وتزايد الحروب والنزاعات في دول الجنوب، يأتي الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء مصحوباً بسياسات أكثر صرامة وغير مسبوقة، تحت شعار إصلاح نظام الهجرة واللجوء الأوروبي المشترك. وأمام هذا التحوّل العميق، واستدامة العنف الممنهج والانتهاكات في سوريا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح الميثاق فعلاً في تحقيق توازن عادل بين ضبط الحدود وحماية حقّ اللجوء، أم أنّه يرسّخ منطق الردع والأمن ويُنزِل حماية اللاجئين إلى مرتبة ثانوية فيعود ليلجأ السوريون إلى دول العالم الثالث؟
درج
————————————-
اللاجئون السوريون في مصر… تقنين أوضاع أم حملة قمع ممنهجة؟/ فضل عبد الغني
11 مارس 2026
منذ أواخر عام 2024، صعّدت السلطات المصرية سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية والأمنية التي تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء، ولا سيّما السوريين منهم. وتطرح هذه الإجراءات تساؤلاً جوهرياً عمّا إذا كانت تندرج ضمن مساع مشروعة لتنظيم ملف الهجرة، أم أنها تعكس توجّهاً منظّماً يهدف إلى التضييق على اللاجئين ودفعهم إلى مغادرة البلاد.
تضع الجهات الرسمية هذه التدابير ضمن إطار الإنفاذ الروتيني لقوانين الإقامة، غير أن اتساع نطاق الحملات وتوقيتها وطابعها العشوائي، مقروناً بإغلاق المسارات القانونية لتقنين الأوضاع، يقود إلى استنتاجٍ مغاير. وتُظهر الأدلة المستقاة من تقارير منظّمات حقوق الإنسان الدولية، والمجتمع المدني المصري، وهيئات الأمم المتحدة، والتحقيقات الاستقصائية، نمطاً متراكماً يتسق مع سياسة ترحيل قسري مقنّع تنتهك التزامات مصر الدستورية وتعهداتها بموجب المعاهدات الدولية. إن فهم تطوّر هذا المسار يستلزم تحليل التفاعل بين القرارات الإدارية، والممارسات الأمنية، والضغوط الاقتصادية المحلية، وأجندة الاتحاد الأوروبي الرامية إلى إسناد إدارة الهجرة إلى جهات خارجية.
إنتاج الهشاشة القانونية
لسنوات، حافظ لاجئون سوريون كثيرون على وضعهم القانوني في مصر عبر تأشيرات سياحية قابلة للتجديد. كان هذا ترتيباً غير مثالي، لكنّه قابل للتطبيق، في ظلّ بطء نظام تسجيل اللجوء الرسمي لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتراكم أعبائه. غير أن إلغاء تمديد الإقامات السياحية، مقروناً بتشديدٍ غير مسبوق لشروط التجديد، أعاد تشكيل المشهد القانوني جذرياً، ودفع عشرات الاف من السوريين إلى حالةٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها “عدم نظامية قسرية”، فهؤلاء لم يختاروا انتهاك قوانين الإقامة، بل أعادت الدولة هندسة الإطار القانوني على نحو جعل الامتثال شبه مستحيل.
وقد جاءت البدائل المطروحة، بالنسبة إلى الأغلبية، بعيدة المنال. إذ أفادت تقارير بأن السلطات اشترطت على اللاجئين السوريين غير المسجَّلين، دفع ألف دولار وتقديم إثبات باستضافة مواطن مصري، مقابل تسوية وضعهم القانوني.
واعتبرت منظّمات حقوق الإنسان المصرية هذه الشروط شكلاً من الاستغلال العقابي الذي يُفرّغ التنظيم من غايته المشروعة، ويحوّل الإجراء الإداري إلى أداة ردع وإقصاء. وفي مطلع عام 2025، بدأت السلطات أيضاً باشتراط الحصول على موافقة أمنية مسبقة شرطاً إلزامياً لدخول مواطني الدول المجاورة إلى مصر. وهذا الشرط، الذي فُرض على السوريين منذ عام 2013، ثم خفّ تطبيقه على فترات، أُعيد تفعيله بصرامة غير مسبوقة عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ووُسّع ليشمل السودانيين وجنسيات أفريقية أخرى.
وأفضى الأثر التراكمي لهذه التدابير إلى إغلاق المسارات القانونية من اتجاهات متعدّدة في الوقت ذاته. فلم يعد في وسع السوريين تقنين أوضاعهم من الداخل، ولا إعادة دخول البلاد بسهولة من الخارج. ويكشف هذا الإغلاق متعدّد الطبقات، حين يترافق مع حملات إنفاذ تستهدف من أصبحوا “غير نظاميين”، منطقاً بنيوياً يتجاوز حدود التضييق الإداري المعتاد.
من الإنفاذ الإداري إلى القمع الأمني
الدولة التي تُنتج شروط الانتهاك القانوني، ثم تعاقب عليه، تفعل ما يختلف نوعياً عن الإنفاذ الروتيني لقوانين الهجرة. وهذا النمط هو ما برز بوضوح منذ أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026. فمنذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025، شرع ضبّاط شرطة، غالباً بملابس مدنية، في إجراء عمليات فحص للهُويّة واحتجاز، مواطنين من سورية والسودان وجنوب السودان ودول أخرى من أفريقيا جنوب الصحراء، من الشوارع وأماكن العمل ومراكز النقل، في محافظات متعدّدة. وقد وثقت منظّمة العفو الدولية اعتقالاً تعسفياً لما لا يقل عن 22 لاجئاً وطالب لجوء، بينهم طفل وامرأتان، بين أواخر ديسمبر 2025 وأوائل فبراير/ شباط 2026 في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية، وكان 15 منهم مسجّلين لدى مفوضية اللاجئين. كما وثقت لجنة العدالة أن عدداً من المحتجزين كانوا يحملون وثائق قانونية سارية، بما في ذلك بطاقات لجوء صادرة عن المفوضية وتصاريح إقامة نافذة. ووصفت مروة حجازي، المدافعة السودانية عن حقوق الإنسان والعاملة مع مفوضية اللاجئين في مصر، مداهمات وزارة الداخلية بأنها غير مسبوقة، مشيرةً إلى أن أطفالاً دون السادسة عشرة ممّن يحملون تصاريح إقامة سارية تعرضوا للاحتجاز.
ولهذا الطابع العشوائي دلالته القانونية والسياسية. فعندما يُحتجز أشخاص يحملون وثائقَ ساريةً وتسجيلاً نشطاً لدى المفوضية ويواجهون ترحيلاً محتملاً، يفقد الادّعاء بأن الإنفاذ يستهدف فقط المخالفين الحقيقيين قدرته التفسيرية. عندئذ تبدأ الحملات في الظهور إجراءً جماعياً موجَّهاً إلى فئات وطنية بعينها، لا استجابةً لمخالفات فردية.
وامتدّ البعد العقابي ليشمل التعبير السياسي. فعقب سقوط نظام الأسد، احتجزت قوات الأمن المصرية نحو 30 سورياً وسورية في مدينة السادس من أكتوبر في أثناء تفريق تجمّعات عفوية احتفلت بنهاية حكم الأسد، ثم صدرت لاحقاً أوامر بترحيل ثلاثة من المحتجزين. كما أظهرت السلطات نهجاً يقارب حالة استنفار أمني غير معلَنة بعد سقوط الأسد، عبر نشر قوات في مناطق حيوية وإبداء عدم تسامح مطلق مع التجمّعات العامة للسوريين. وأن يكون التعبير العام، لا مخالفة الإقامة، هو ما أفضى إلى إجراءات إنفاذ، يشير إلى منطق أمني يتجاوز بكثير إدارة الهجرة.
إطار مؤسّسي وضمانات منقوصة
يمثل قانون اللجوء الشامل الأول في مصر، رقم 164 الذي صُدّق عليه في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحوّلاً مؤسّسياً؛ فهو ينشئ “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” وينقل مسؤوليات التسجيل وتحديد صفة اللاجئ من مفوضية اللاجئين إلى الجهات الحكومية الوطنية. ويقدّمه مؤيّدوه بوصفه محطةً مفصليةً في تقنين حقوق اللاجئين، غير أن القراءة المتأنية تبرز مخاطر جوهرية كامنة في بنيته.
يفرض القانون نافذة تسجيل مدتها 45 يوماً للداخلين بصورة غير نظامية، وهو إطار زمني لا يراعي تعقيد الظروف الفردية ولا الأعطال الإدارية المحتملة، ويحوّل التأخّر في الاستجابة إلى ذريعة للحبس أو الترحيل. كما أن أسباب إلغاء صفة اللاجئ، المصاغة في عبارات واسعة تتصل بالأمن والنظام العام، تظلّ غامضةً وتفتح الباب أمام الإلغاء على أسس فضفاضة، من دون ضمانات كافية للطعن والاستئناف. والأشدّ خطراً أن صياغة مبدأ عدم الردّ، كما يورده القانون، تبدو مقصورةً على اللاجئين المعترف بهم، بما يستبعد عملياً طالبي اللجوء ومن أُلغيت صفتهم من نطاق الحماية. وقد حذّرت منظّمة العفو الدولية من أن القانون يقيّد الحقّ في طلب اللجوء ويفتقر إلى ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة. كما أشار معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط إلى أن القانون مُرّر من دون مشاورات مجدية مع أصحاب المصلحة أو المجتمع المدني، وأن وتيرة إقراره ارتبطت بالشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر الموقعة في مارس/ آذار 2024، التي خصّصت تمويلاً محدّداً للأولويات المتعلقة بالهجرة.
ويكتسب البعد الدستوري أهمية خاصة هنا؛ فالمادة 91 من الدستور المصري تقرّ مبدأ عدم الردّ وتكفل الحماية للاجئين وطالبي اللجوء. كما أن مصر طرف في اتفاقية عام 1951 الخاصّة باللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، واتفاقية منظّمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يرتب التزامات قانونية ملزمة. وعليه، فإن حملات الإنفاذ الراهنة تتعارض ليس مع تعهدات المعاهدات الدولية وحسب، بل مع مقتضيات الإطار الدستوري ذاته.
العوامل الاقتصادية وإسناد إدارة الهجرة إلى الخارج
تساعد قوتان بنيويتان في تفسير توقيت هذا التصعيد وحجمه. الأولى داخلية، إذ تشير تقديرات الحكومة المصرية إلى وجود نحو تسعة ملايين مقيم أجنبي، وتقدّر كلفة الخدمات العامة السنوية بأكثر من عشرة مليارات دولار. وتُستخدم هذه الأرقام لتسويغ إجراءات تقييدية في ظل أزمة اقتصادية ممتدة. بالتوازي، تصاعد خطاب عام يُحمّل المهاجرين واللاجئين مسؤولية ارتفاع الأسعار والمنافسة على الوظائف والجريمة. وقد أظهر تحليل للنشاط الرقمي في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي مؤشّرات لحملة منسَّقة، تمثلت في ارتفاعات حادّة في وتيرة النشر وأنماط تفاعل غير طبيعية، مع شبكات حسابات تروّج لوسوم معادية للاجئين. كما بيّن تحليل للمشاعر أن نسبةً معتبرةً من المنشورات تحمل انطباعات سالبة تجاه اللاجئين، مقابل نسبة أقل بكثير تؤيّدهم.
ويتجاور هذا المنحى في “صنع كبش” مع معطيات تشير إلى مساهمات اقتصادية سورية ملموسة. إذ يقال إن عشرات الآلاف من المستثمرين السوريين المسجَّلين يضخّون استثمارات كبيرة في الاقتصاد المصري، عبر تأسيس آلاف الشركات والمصانع وورش العمل. كما خلص تقرير أممي مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظّمة العمل الدولية وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن الشركات الخاصّة التابعة للاجئين السوريين ساهمت منذ عام 2011 بمئات الملايين من الدولارات، وأوجدت فرص عمل للسوريين والمصريين وأسهمت في تنشيط مدن صناعية وتجارية بعينها. وفي يناير/ كانون الثاني 2026، عبّر الرئيس السوري، أحمد الشرع، عن امتنانه للشعب المصري على استقبال اللاجئين السوريين، رابطاً ذلك بأفق تعاون اقتصادي وإعماري واسع.
أمّا القوة البنيوية الثانية فهي خارجية، إذ تتضمّن شراكة الاتحاد الأوروبي ومصر في مارس/ آذار 2024 حزمة تمويلية كبيرة، مع تخصيص مباشر لمكافحة الهجرة ومراقبة الحدود. كما أُقرّت مساعدات مالية كلية إضافية في قمة بروكسل في أكتوبر 2025، مع تخصيص مبالغ إضافية لإدارة الهجرة. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن نموذج الإسناد الخارجي، الذي ينيط بدول شمال أفريقيا دور “حارس البوابة” لصالح الاتحاد الأوروبي، يهدد بترسيخ علاقة منفعة سياسية تتراجع فيها اعتبارات حقوق الإنسان إلى مرتبة ثانوية. وخلص تحليل لمنظمة Statewatch إلى أن الدعم الأوروبي لمصر يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نمطاً من الانتهاكات التي يجري التغاضي عنها أو تهميشها حفاظاً على الشراكة. ومن ثم يصعب فصل الحوافز المالية عن ديناميات التصعيد في إجراءات الإنفاذ.
خاتمة
يكشف مسار تعامل مصر مع اللاجئين السوريين، من الانفتاح النسبي بعد عام 2011، مروراً بالتقييد المتدرّج منذ 2013، وصولاً إلى التصعيد الراهن، عن نمط تحكمه الحسابات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية وسياسات إسناد إدارة الهجرة إلى الخارج، أكثر مما تحكمه نيّة تنظيمية متوازنة. فقد أُغلقت المسارات القانونية لتقنين الأوضاع، ثم جرى توقيف الأفراد بسبب المخالفات ذاتها التي أسهمت الدولة في إنتاجها. واحتُجز لاجئون يحملون وثائق سارية إلى جانب غير الحائزين عليها، وتعرّض أشخاص يُفترض تمتّعهم بالحماية لخطر الترحيل، كما شمل الإنفاذ نطاقاً عقابياً طاول التعبير السياسي. وتزامن هذا التصعيد مع تدفّقات تمويل أوروبية مخصّصة لمراقبة الهجرة، ومع حملات رقمية منسّقة ضدّ اللاجئين رافقت العمليات الأمنية. وفي يناير 2026، أصدر أربعة من المقرّرين الخاصين للأمم المتحدة بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن قلقهم العميق إزاء اتساع أنماط الاحتجاز التعسفي والترحيل القسري.
تصعب مواءمة هذا التراكم الأداتي للأدلة مع فرضية الإنفاذ الإداري المحايد. وتقتضي التزامات مصر الدستورية والدولية مراجعة عاجلة لهذا المسار، بما يضمن احترام مبدأ عدم الردّ وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة وحماية طالبي اللجوء واللاجئين على حدّ سواء. كما ينبغي لأيّ إطار يعالج وضع السوريين في مصر أن يوازن بين متطلبات التنظيم الإداري وحقوق الأفراد في الاستقرار القانوني والكرامة، مع الاعتراف بالمساهمات الاقتصادية والاجتماعية التي قدمها المقيمون السوريون. لقد نشأ جيل كامل من الأطفال السوريين في مصر خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، ويعدّها وطنَه الوحيد، ومصير هذا الجيل، ومصير مئات الآلاف غيره، يتوقّف على ما إذا كانت الدولة ستختار سيادة القانون معياراً حاكماً على المصلحة الظرفية.
العربي الجديد
————————————–
==========================



