الممر الرقمي السوري: كيف يعزز النفوذ الجيوستراتيجي في شرق المتوسط/ عمار زيدان

سوريا كممر رقمي: كيف يعيد SilkLink رسم خريطة البيانات بين آسيا وأوروبا
2026-03-12
يشهد الشرق الأوسط في آذار 2026 تصعيداً جيوسياسياً عميقاً يتجاوز الإطار العسكري التقليدي ليشمل أبعاداً اقتصادية وتقنية جديدة، تتجسد في أهمية مسارات البيانات الرقمية والبنية التحتية للكابلات البحرية وسط توترات متصاعدة في الصراع بين إيران والأميركي وإسرائيل.
وتشير أحدث التطورات إلى أن هذه الحرب لم تقتصر على المواجهات الميدانية فحسب، بل أدّت إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، مع ارتفاعات قياسية في أسعار النفط والغاز، ما دفع بعض التقديرات للإشارة إلى أن الإنتاج النفطي العالمي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي.
وفي ظل هذه الاضطرابات، برزت مسألة ربط الشبكات الرقمية كأحد الملفات الاستراتيجية المهمة، حيث تتسابق دول الخليج مثل السعودية وقطر والإمارات لبناء ممرات بيانات برية وبحرية بديلة لربط آسيا بأوروبا، ويُعد مشروع SilkLink أحد أبرز هذه المبادرات التي تسعى إلى تحويل الساحل السوري إلى نقطة إنزال رئيسية للكابلات البحرية عبر المتوسط، مما قد يقلل الاعتماد على المسارات التقليدية التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس أو عبر إسرائيل.
التحول الجيوستراتيجي في جغرافيا الكابلات
يقول ميلاد مالك الأطرش، باحث ومحلل سياسي من اللاذقية لــ”963+”، إن سوريا باتت اليوم تشكل عقدة محورية للبيانات بين آسيا وأوروبا، في تحول جيوستراتيجي مهم ضمن خريطة الكابلات البحرية العالمية.
ويضيف أن السيطرة على طرق التجارة التقليدية لم تعد وحدها تحدد مكانة الدول في النظام الدولي، بل أصبح التحكم في مسارات البيانات العالمية عاملاً حاسماً في تشكيل النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي. ويرى أن صعود الاقتصاد الرقمي والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي جعل الكابلات البحرية، التي تنقل البيانات عبر البحار، تمثل شرايين خفية للعالم المعاصر.
ويتابع الأطرش موضحاً أن شرق البحر المتوسط، الذي كان تاريخياً ملتقى طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، يكتسب اليوم أهمية جديدة بوصفه عقدة للبنية التحتية الرقمية العالمية. ويشير إلى أن الحديث عن احتمال تحوّل سوريا إلى ممر رئيسي للبيانات بين آسيا وأوروبا عبر المتوسط يعكس إمكانية إعادة رسم خريطة الاتصالات الدولية ومنح دمشق دوراً جيوستراتيجياً جديداً بعد سنوات من العزلة.
يشير الأطرش إلى أن أكثر من 95% من حركة الإنترنت العالمية تمر عبر الكابلات البحرية الممتدة في قاع البحار والمحيطات، ويضيف أن هذه الكابلات تشكل العمود الفقري لشبكات الإنترنت ومراكز البيانات والخدمات الرقمية.
ويرى أن موقع سوريا الجغرافي حساس، حيث يربط بين ثلاث مناطق استراتيجية: الخليج العربي ومراكز البيانات الآسيوية، الأناضول وتركيا، وشرق البحر المتوسط وأوروبا. ويستطرد قائلاً إن الساحل السوري الممتد من اللاذقية إلى طرطوس يمكن أن يتحول إلى محطة عبور رئيسية للبيانات الدولية، حيث تمر الكابلات القادمة من آسيا إلى المتوسط قبل أن تتجه نحو أوروبا عبر تركيا أو اليونان أو قبرص.
ويضيف الأطرش أن هذا الدور يشبه ما تلعبه بعض الممرات البحرية العالمية، لكنه متعلق بحركة البيانات الرقمية التي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
ويعتبر أن التحكم في هذه الشبكات يمنح سوريا قوة جيوستراتيجية كبيرة، كما يشير إلى أن الدول التي تستضيف نقاط إنزال الكابلات أو تمر عبرها مسارات البيانات تحقق مكاسب استراتيجية تشمل العائدات المالية، جذب شركات التكنولوجيا، تعزيز مكانتها في الاقتصاد الرقمي، واكتساب نفوذ جيوسياسي في إدارة البنية التحتية للإنترنت.
ويتابع أن عدة دول في شرق المتوسط، مثل مصر وإسرائيل وتركيا واليونان وقبرص، تتنافس لتكون نقطة الربط الرئيسية بين آسيا وأوروبا، لكنه يستطرد موضحاً أن دخول مشاريع جديدة مثل SilkLink قد يعيد توزيع هذه الأدوار ويخلق بدائل لمسارات البيانات التقليدية.
ويشرح الأطرش أن مشروع SilkLink يندرج ضمن مبادرات طريق الحرير الرقمي، ويضيف أن الهدف هو إنشاء شبكة عالمية من الكابلات البحرية والألياف الضوئية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
ويشير إلى أن التصور الأساسي للمشروع يقوم على إنشاء ممر رقمي يمر عبر دول الخليج، العراق أو الأردن، الساحل السوري، ثم أوروبا عبر البحر المتوسط. ويستطرد موضحاً أن الساحل السوري يمكن أن يتحول إلى نقطة إنزال رئيسية للكابلات البحرية، ومنها تنتقل البيانات عبر الشبكات البرية نحو تركيا أو أوروبا، ويعلل أن هذا الممر قد يوفر بديلاً جزئياً لبعض الطرق التقليدية التي تمر عبر قناة السويس أو إسرائيل.
ويشير الأطرش إلى أن إسرائيل عملت على تعزيز موقعها كمركز إقليمي للكابلات البحرية، لكنه يوضح أن بعض الشركات والجهات التقنية بدأت تنظر إلى إمكانية تنويع المسارات لعدة أسباب، أبرزها تنويع المخاطر الاستراتيجية لتجنب الاعتماد على نقطة عبور واحدة، والموقع الجغرافي الأقصر الذي يقلل زمن انتقال البيانات ويخفض التكاليف، وأيضاً التحولات السياسية الإقليمية التي قد تفتح المجال لقطاع رقمي أكثر انفتاحاً.
ويستطرد موضحاً أن التحول المحتمل لسوريا إلى ممر للبيانات الدولية قد يعيد توزيع النفوذ الرقمي في المنطقة، ويضيف أن إسرائيل قد تواجه منافسة إضافية لكنها ستظل لاعباً مهماً، بينما يمكن لقبرص واليونان الاستفادة من استقبال الكابلات القادمة من الساحل السوري، فيما قد تكون تركيا المستفيد الأكبر لنقل البيانات من المشرق إلى أوروبا.
ويعتبر الأطرش أن مشاريع الكابلات البحرية تمثل فرصة لسوريا لإعادة الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويضيف أنها قد تؤدي إلى إنشاء مراكز بيانات إقليمية، تطوير قطاع الاتصالات المحلي، تحسين جودة الإنترنت، وخلق فرص عمل، كما يمكن أن تفتح الباب أمام شراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية.
ويشير إلى أن السيناريو النظري يواجه عدة تحديات، منها العقوبات الاقتصادية التي قد تعيق مشاركة الشركات الغربية، الحاجة إلى بيئة أمنية مستقرة لحماية الكابلات والمنشآت التقنية، والمنافسة الإقليمية القوية. ويستطرد بأن سوريا تحتاج أيضاً إلى استثمارات كبيرة لتحديث شبكات الاتصالات الأرضية وربطها بالكابلات الدولية، مشيراً إلى أن النجاح قد يجعل سوريا تشبه “قناة سويس رقمية” لحركة البيانات بين آسيا وأوروبا، إذ أصبحت الممرات الرقمية لا تقل أهمية عن التجارة البحرية التقليدية.
ويخلص الأطرش إلى أن أي مشروع يحوّل سوريا إلى ممر رئيسي للبيانات قد يمنحها دوراً استراتيجياً جديداً في الاقتصاد الرقمي العالمي، تماماً كما لعبت قناة السويس دور الجسر البحري بين القارتين منذ أكثر من قرن ونصف.
الدور الرقمي السوري
يقول طارق أبو زينب، محلل سياسي وباحث لــ”963+”، إن الحديث عن تحويل سوريا إلى عقدة اتصالات رقمية يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الموقع الجغرافي السوري في البنية التحتية الرقمية العالمية. ويضيف أن مشاريع الكابلات البحرية وشبكات الألياف الضوئية مثل SilkLink يمكن أن تشكل ممراً بديلاً لنقل البيانات بين القارتين، ما يعزز تنوع طرق الاتصال ويقلل الاعتماد على المسارات التقليدية عبر البحر الأحمر.
ويستطرد أبوزينب موضحاً أن النقاش حول تحويل بعض مسارات الألياف من إسرائيل إلى سوريا مرتبط بعوامل سياسية واقتصادية، أبرزها رغبة بعض الأطراف في تنويع مسارات البيانات، والاستفادة من الموقع الجغرافي الأقصر نسبياً بين الخليج والبحر المتوسط. ويشير إلى أن نجاح هذه المشاريع قد يعيد رسم خريطة البنية التحتية الرقمية في شرق المتوسط، مؤثراً على أدوار دول مثل قبرص واليونان وإسرائيل التي تشكل حالياً نقاط عبور رئيسية للكابلات الدولية.
ويضيف أن مشاريع الربط الرقمي قد تمثل خطوة مهمة نحو إعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الرقمي العالمي بعد سنوات من العزلة، خاصة إذا ترافق ذلك مع استثمارات في البنية التحتية ومراكز البيانات. ويشير في المقابل إلى أن تحقيق هذا الطموح يواجه تحديات جيوسياسية وأمنية كبيرة، من بينها استمرار العقوبات الدولية، وعدم الاستقرار الإقليمي، والمنافسة الشديدة من ممرات الاتصالات القائمة.
ويخلص أبوزينب إلى أن مستقبل سوريا كممر دولي لحركة البيانات سيبقى مرهوناً بمدى قدرتها على توفير بيئة سياسية واقتصادية مستقرة قادرة على جذب الاستثمارات وحماية البنية التحتية الرقمية الحيوية.
+963



