الناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

سوريا المتعبة/ غسان المفلح

مارس 18, 2026

اليأس أحيانا يكون دافعا لاختراقات مطلوبة للحالة المسببة له. اليأس هو البدء بمراجعة النفس ضميرها وفكرها وعقيدتها، إلى جانب مراجعة مستمرة للوحة الانتقالية السورية. على الصعيد الشخصي، اتخذت قرارا ألا أدخل في نقاشات المعارضة الحالية للسلطة القائمة، لا أعرف إلى متى. لكن شكل الاتفاق مع قسد بالنسبة لي محطة نوعية في الملف الانتقالي السوري.

رغم أن هذا الملف لا يزال يحتاج لعمل حثيث من طرفي الاتفاق. لماذا شكل هذا الاتفاق بالنسبة لي محطة نوعية؟ لأنه ببساطة أزاح أكبر تهديد للسلم الأهلي في سوريا الانتقالية. أستطيع القول ببساطة أيضا أن قسد تتحول رويدا رويدا إلى جزء من السلطة. كلما تراجعت المخاطر على السلم الأهلي، كلما كان الحديث عن الفاعل السياسي والإداري في البلد أكثر حضورا.

منذ الاتفاق مع قسد، بدأت تظهر ممارسات لما يمكنني تسميته فضاء السلطة الحالية. بدأت تبرز مظاهر التشدد داخل هذا الفضاء، وأيضاً في لوحة سلطوية لم تتحول إلى سلطة سورية. لا تزال سلطة ما فوق سورية. أو لنقل عابرة لسوريا في بعض الملفات. من الواضح أن هنالك مجاميع حول مشايخ لا تعنيهم حتى سوريا بالاسم. أكثر ما يلفت نظري في الواقع هو شبكة الملفوظات المستخدمة من قبل هذه المجاميع.

من الأمثلة التي وقفت حائرا أمامها في الواقع، هو الحديث الذي أجراه مفتي سوريا الشيخ أسامة الرفاعي أثناء إبداء رأيه حول الحرب على إيران. فدخل في تاريخ الشيعة والتكفير وتاريخ سيدتنا عائشة. ثم جاءت ردود عليه من مشايخ آخرين. تحت عنوان أنهم أكثر دراية بالواقعة الإسلامية عموما. مما أدى بالشيخ أسامة إلى ما يشبه الاعتذار. كل اللغة المستخدمة بكل الفاظها لا علاقة لها بسوريا، بل بقراءة محددة لتاريخ الإسلام. قراءة من شأنها إسناد موقف سياسي راهن.

المثال الثاني هو الذي يتعلق ببروز مظاهر معاقبة المفطرين دون تحديد. كل ملفوظات الدفاع عن هذا الامر لا علاقة لها بواقع سوريا، بل بعقيدة هذا الفضاء الحالي حول السلطة. سوريا فيها مكونات دينية وطائفية وإثنية لا تصوم، حتى قسم من السنة لا يصوم لأسباب خاصة به.

ابتعاد هذا الفضاء عن ملفوظات العصر الحالي، مثل الحرية والديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان، والتلاعب بالملفوظات ذات الحمولة التاريخية الإسلامية، لتكون البديل في الفضاء العام. تزداد فيها عبارات ذات مضمون اسدي، مثل “سوريا إسلامية” والذي لا يعجبه الباب أمامه، يخرج منها ويغلق الباب خلفه. لأول مرة في تاريخ سورية: يفصل عمال مخبز لأنهم مفطرين. إلى أين تسير سوريا المتعبة؟

أيضا هنالك من تجول في مناطق في حمص، يصور المحلات المفتوحة كالمقاهي والمطاعم، ويحرض على الناس الموجودة داخلها، ويسمح لنفسه بالتصوير، دون أن نرى أية ردة فعل من قبل أجهزة الدولة في مدينة حمص، التي لا ينقصها تحريض وجريمة. حمص هي الامتحان الحقيقي للسلطة نتيجة لتنوعها حيث فيها مسلمون ومسيحيون، سنة وعلويون، تركمان وعرب، وحيث لا تزال هنالك جرائم ترتكب على أساس طائفي.

هنالك فارق واضح بين سلوك رجالات السلطة الضيقة وبين شيوخها بشكل عام. هذا يحتاج لمادة لوحده، كنت قد أشرت إليه في أكثر من مادة سابقا. لكن الملفت في الموضوع، أن هذه الحلقة الضيقة تحاول ألا تصطدم مع هؤلاء. المثال الأخير هو ما شهده مسجد حي القدم الدمشقي، من عسكرة الأطفال في المسجد لكي يكونوا جنودا لتحرير القدس! والشعب السوري أكثر من نصفه يعيش الفقر وأقل من حد الكفاف.

هؤلاء المشايخ لا يخلقون مشكلة للسلطة فقط، بل للمجتمع السوري برمته. ماذا يؤسس هؤلاء؟ هل السلطة هي من أوعزت لهم؟ أم أنهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم؟ هذه أسئلة يجب الإجابة عنها. هذه النشاطات من شأنها أن تبقي سوريا تحت التركيز الدولي والحقوقي. ربما هذا الضرر لا يأتي مباشرة بل يدخل في ملفات تتراكم، وتخرج في أية لحظة، سواء كانت لحظة حرجة أم عادية.

مثال آخر، قامت وزارة الداخلية بتأسيس المعهد الشرطي النسائي. خطوة أكثر من ضرورية. بقي أن نجد فيها التنوع السوري كله. لكن من جهة أخرى لم يلفت نظري الهجوم على الخطوة وعلى الحجاب والنقاب، والذي هو هجوم كيدي، بعضه كلام حق يراد به باطل! بل على طريقة الدفاع عنها. ألم يكن من الأفضل لهؤلاء أن يطالبوا بانضمام نساء للمعهد من بقية نساء سوريا. لهذا ترك الشارع السوري لهؤلاء لن يثمر إلا خراباً.

سوريا متعبة من الفقر والحاجة، من مستوى معيشي ينذر بعواقب لا تحمد عقباها إذا استمر. مع ذلك نشهد في رمضان احتفالات إفطار يدعو لها مسؤولون مع منظمات مدنية موالية للسلطة وفيها من البذخ ما يترك أثراً سيئاً عند الفقراء.

كثيرة هي المؤشرات التي تدعو السوريين أو بعضهم لليأس. طبعا لست منهم، لأنني لا أزال اراهن على الحمولة الدولية للتغير الذي حدث في سوريا. هذه الحمولة كما أشرت في مقال سابق لا يمكن أن تبقى مدة طويلة. بل تراقب وتوثق. خير دليل التقرير الذي قدمته اللجنة الدولية للتحقيق في الجرائم التي حدثت في الساحل والسويداء. هذا التقرير الذي يشكل أيضاً ناقوس خطر، لأن هنالك من الدول والمصالح من لا يريد خيرا لسوريا. أتمنى أن يتعظ من تحدثت عنهم في هذه المادة، لكي تنجو البلد.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى